Полный текст (232 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
حيتان حبك في طنجير بلوائي
فقال أبو لقمان:
وفحم وجهك في كانون أحشائي
فقال له أحمد بن إبراهيم الكموني: أحسنت يا أبا لقمان، قسيمك خير من قسيمه؛ فزهي أبو لقمان وقال: أدافع في بديع الشعر، وهذا شعري في الهتف.
وإنما لم أورد هذه الحكاية مرتبة في نظام الحكايات المتقدمة على ترتيب الأعصار والأزمنة، إذ كان حقها أن تكون بين الحكايات المنسوبة إلى أبي الفرج والمهلبي والمنسوبة إلى ابن حمديس؛ لأنها ليست من بدائع البدائه، ولم أر إخلاء الكتاب منها لما فيها من الحلاوة.
ومن الإجازة إجازة قسيم بقسيم وبيت
كما يروى لنا أن الرشيد هارون - رحمه الله تعالى - صنع قسيما وهو:
الملك لله وحده
ثم أرتج عليه، فقال: استدعوا من بالباب من الشعراء، فدخل عليه جماعة منهم الجماز، فقال أجيزوا - وأنشدهم القسيم - فبدر الجماز فقال:
وللخليفة بعده
فقال له الرشيد: زد، فقال:
وللمحب إذا ما ... حبيبه بات عنده
فقال له الرشيد: أحسنت ولم تعد ما في نفسي؛ وأجازه بعشرة آلاف درهم.
وذكرعبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر في تاريخ بغداد
قال: حدثني أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى المنجم، قال: استزارني أحمد بن سعيد الدمشقي وأنا صغير، وسأل أبي أبا الحسن الإذن لي في المسير إليه، وأخبره أن أحمد بن أبي طاهر وأبا طالب بن مسلمة وعلي بن مهدي وجماعة من أهل العلم والأدب عنده؛ فأذن له فصرت إليه، فصادفت عنده أبا الحسن جحظة فلما أردنا القيام إلى صفة في داره للأكل لبس الجماعة نعالهم، وبقي جحظة بغير نعلٍ، فسمعته يقول:
يا قوم من لي بنعل
فقلت:
في بيت تصحيف نعل
فضحكت الجماعة وغضب الدمشقي؛ فقلت:
وليس ذا قول جد ... لكنه قول هزل
فضحك، وتعجب القوم من بديهتي.
قال علي بن ظافر
صنع المتوكل علي بن الأفطس صاحب بطليوس من بلاد الأندلس قسيما، وهو:
الشعر خطة خسف
وأرتج عليه، فاستدعى أبا محمد عبد المجيد بن عبدون، أحد وزراء دولته وخواص حضرته، فاستجازه إياه، فقال:
لكل طالب عرف
للشيخ عيبة عيبٍ ... وللفتى ظرف ظرف
وقد أنبأني الشيخ الأجل الحافظ العلامة ذو النسبتين أبو الخطاب عمر بن الحسن بن دحية الكلبي إجازة عن الأستاذ المفيد أبي بكر محمد بن خير بقراءته عليه، عن الحافظ أبي القاسم خلف بن يوسف
стр. 37
الشنتريني - عرف بابن الأبرش - عن أبي الحسن بن بسام في كتاب الذخيرة؛ أن قائل القسيم الأول الأستاذ أبو الوليد ضابط، وأن عبد المجيد أجازه ارتجالا، وهو ابن ثلاث عشرة سنة.
وبهذا الإسناد قال ابن بسام
ذكر أبو علي الحسين بن الغليظ المالقي، قال: قلت يوماً للأديب أبي عبد الله بن السراج المالقي ونحن على جرية ماء، أجز:
شربنا على ماء كأن خريره
فقال مبادراً:
بكاء محب بان عنه حبيبه
فمن كان مشغوفاً كئيباً بإلفه ... فإني مشغوف به وكئيبه
وبه أيضاًما ذكر ابن بسام في كتاب الذخيرة قال
اجتمع ابن عبادة وعبد الله ابن القابلة السبتي بالمرية فنظر إلى غلام وسيم يسبح في البحر، وقد تعلق بسكان بعض المراكب، فقال: ابن عبادة: أجز:
انظر إلى البدر الذي لاح لك
فقال ابن القابلة:
في وسط اللجة تحت الحلك
قد جعل الماء سماءً له ... وصير الفلك مكان الفلك
قال علي بن ظافر: وكل ما أسنده إلى ابن بسام فبهذا الإسناد.
ومنها إجازة قسيم بقسيم وأكثر من بيت
أنبأني الشيخان تاج الدين أبو اليمن الكندي وجمال الدين بن الخراساني عن الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر سماعاً عليه، أخبرنا أبو بكر بن المرزوقي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن أحمد بن الحسين بن عبد العزيز العسكري، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن الصلت المحبر، حدثنا أبو الفرج الأصبهاني، أخبرني جعفر بن قدامة، حدثني أحمد بن أبي طاهر، قال: دخلت يوماً على نبت جارية مخفرانة - وكانت حسنة الوجه والغناء - فقلت لها: قد قلت مصراعاً فأجيزيه، فقالت لي: قل، فقلت:
يا نبت حسنك يعشي بهجة القمر
فقالت:
قد كاد حسنك أن يبتزني بصري
ثم وقفت أفكر، فسبقتني، فقالت:
وطيب نشرك مثل المسك قد نسمت ... ريا الرياض عليه في دجى السحر
فزاد فكري، فبادرتني، فقالت:
فهل لنا منك حظ في مواصلةٍ ... أو لا فإني راضٍ منك بالنظر
فقمت عنها خجلاً، ثم عرضت بعد ذلك على المعتمد؛ فاشتراها بمشورة علي بن يحيى بثلاثين ألفاً.
وذكر أحمد بن الطيب، عن بعض الكتاب، أنها عرضت بعد ذلك على المعتمد فامتحنها في الغناء، فرضي بما ظهر منها، وكان أول ما غنته
стр. 38
لحناً غريباً - والشعر في المعتمد - فقالت:
سنةً وشهراً قابلا بسعود
فطرب المعتمد وتبرك بغنائها. ثم قال لأحمد بن حمدون: قارضها، فقال:
وهبت نفسي للهوى
فقالت:
فجار لما أن ملك
فقال:
فصرت عبداً خاضعاً
فقالت:
يسلك بي حيث سلك
فأمر المعتمد بابتياعها، فاشتريت بثلاثين ألفاً.
وبالإسناد المتقدم عن ابن بسام قال
روى أبو عامر بن شهيد قال: لما قدم زهير الصقلي حضرة قرطبة من المرية، وجه أبو جعفر بن عباس وزيره إلى لمة من أصحابنا، منهم ابن برد وأبو بكر المرواني وابن الحناط والطبني فحضروا، فسألهم عني وقال: وجهوا إليه، فوافاني رسوله مع دابة بسرج محلى، فسرت إليه ودخلت المجلس - وأبو جعفر غائب - فتحرك المجلس لدخولي، وقاموا جميعاً إلي، حتى طلع أبو جعفر علينا ساحباً ذيلاً لم أر أحداً سحبه قبله، وهو يترنم. فسلمت عليه سلام من يعرف قدر الرجال، فرد رداً لطيفاً، فعلمت أن في أنفه نعرة لا يخرج إلا بسعوط الكلام، ولا تراض إلا بمستحصد النظام، ورأيت أصحابي يصيخون إلى ترنمه. فقال لي ابن الحناط - وكان كثير الإنحاء علي، جالباً في المحافل ما يسوء الأولياء إلي -: الوزير حضره قسيم، وهو يسألنا إجازته، فعلمت أني المراد، فاستنشدته فأنشد:
مرض الجفون ولثغة في المنطق
فقلت لمن حضر: لا تجهدوا نفوسكم؛ فما المراد غيري، ثم أخذت الدواة فكتبت:
سببان جرا عشق من لم يعشق
من لي بألثغ لا يزال حديثه ... يذكي على الأكباد جمرة محرق
ينبي فينبو في الكلام لسانه ... فكأنه من خمر عينيه سقي
لا ينعش الألفاظ من عثراتها ... ولو أنها كتبت له في مهرق
ثم قمت عنهم، فلم يلبثوا أن وردوا علي، وأخبروني أن أبا جعفر لم يرض بما جئت به من البديهة، وسألوني أن أحمل مكاوي الهجاء على حقارة - وزعموا أن إدريس بن اليماني هجاه فأحسن، فقلت:
أبو جعفر كاتب شاعر ... مليح سنى الخط حلو الخطابة
تملأ شحماً ولحماً وما ... يليق تملؤه بالكتابة
له عرق ليس ماء الجباه ... ولكنه رشح ماء الجنابة
جرى الماء في سفله جرى لينٍ ... فأحدث في العلو منه صلابة
стр. 39
قال علي بن ظافر: وأحسب أن الذي هجاه به إدريس وأفحش فيه قوله، وقد كان وفد عليه بالمربة وامتدحه بقصيدة، فلم يحفل به، فأنفذ إليه عند خروجه منها يقول:
إيهٍ أبا جعفر المرجى ... ما بال طيري خلاف طيرك!
أهديت رقراقة المعاني ... لم أهد أمثالها لغيرك
فلم تمرها ولم تمرني ... ولم تمرها بفضل ميرك
فصار شعري لديك بكراً ... قد يئست من فلاح أيرك
وذكر العميد أبو الحسين علي بن الحسن بن أبي الطيب الباخرزي
في كتابه: دمية القصر وعصرة العصر قال: حدثني الأديب يعقوب بن أحمد، قال: أنشدت بحضرة أبي كامل مفرج بن دغفل الطائي:
صهل الكميت فقلت مالك تصهل
فغيره بعض الحاضرين فقال:
نعب الغراب فقلت مالك تنعب
فقال أبو كامل بديهاً:
أنأى أليفك أم لحالٍ ترهب
أم بت تخبرنا بفرقة جيرةٍ ... قد آن في شعبان أن يتشعبوا
عزموا على ترك النفوس ورابهم ... ماء يسيل على لظى يتلهب
وأنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي وقال
أنبأني الفقيه أبو القاسم مخلوف بن علي القيرواني عن أبي عبد الله محمد بن سعيد السرقطي، عن عبد الحافظ أبي عبد الله محمد بن عمر الأشبوني، قال: قصد ابن جاخ الشاعر فخر الدولة أبا عمرو عباد بن محمد بن عباد، فلما وصل إليه، قال: أجز:
إذا مررت بركب العيس حييها
فقال ابن جاخ في الحال:
يا ناقتي فعسى أحبابنا فيها
ثم زاد فقال:
يا ناق عوجي على الأطلال عل بها ... منهم غريباً يراني كيف أبكيها
أم كيف أرفض طيب العيش بعدهم ... أم كيف أسكب دمعاً في مغانيها
إني لأكتم أشواقي وأسترها ... جهدي ولكن دموع العين تبديها
وذكر الوزير أبو بكر بن اللبانة الداني في كتاب سقيط الدرر ولقيط الزهر
صنع المعتمد على الله بن عباد - رحمه الله تعالى - قسيماً في القبة المعروفة بسعد السعود فوق المجلس المعروف بالزاهي، وهو:
سعد السعود يتيه فوق الزاهي
стр. 40
ثم استجاز الحاضرين فعجزوا، فصنع ولد عبد الله الرشيد:
وكلاهما في الحسن متناه
ومن اغتدى سكناً لمثل محمدٍ ... قد جل في العليا عن الأشباه
لا زال يخلد فيهما ما شاءه ... ودهت عداه من الخطوب دواه
وكذلك ما روى أن القاضي الفقيه أبا الحسن علي بن القاسم ابن محمد بن عشرة
أحد رؤساء المغرب الأوسط تنزه مع جماعة من أصحابه منهم محمد بن عيسى بن سوار الأشبوني، ورجل يسمى بأبي موسى، خفيف الروح، ثقيل الجسم، فجعل يعبث بالحاضرين بأبيات من الشعر يصنعها فيهم، فصنع القاضي أبو الحسن معابثاً له:
وشاعرٍ أثقل من جسمه
ثم استجاز ابن سوار فقال:
تأتني معانيه على حكمه
يهجو ولا يهجى فهل عندكم ... ظلامة تعدي على ظلمه؟
لسانه في هجوه حية ... منية الحية في سمه
أما أبو موسى ففي كفه ... عصا ابنه والسحر في نظمه
يصيب سر المرء في رميه ... كأنما العالم في علمه
وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد المقدم ذكره ﵀ قال
أخبرني الشيخ أبو الحسن على بن عمر المفسر الأندلسي، قال: كتب أبو بكر البلنسي إلى الأديب أبي بحر صفوان ابن إدريس هذين البيتين يستجيزه القسم الأخير منهما، وهما:
خليلي أبا بحرٍ وما قرقف اللمىبأعذب من قولي: خليلي أبا بحر
أجز غير مأمور قسيماً نظمته ... تأمل على بحر المياه حلى الزهر
فأجازه بقوله:
كعهدك بالخضراء والأنجم الزهر
وقد ضحكت للياسمين مباسم ... سروراً بآداب الوزير أبي بكر
وأصغت من الآس النضير مسامع ... لتسمع ما تتلوه من سور الشعر
قال: وهذان الرجلان من الفضلاء في عصرنا هذا.
ومنها إجازة بيت ببيت
فمن ذلك ما روى يونس بن حبيب، قال: لما بنى يوسف بن زياد داره بالساحة صنع طعاماً، ودعا أصحابه فدخلوا الحمام المعروف بحمام فيل، ثم خرجوا فتغدوا عنده، وركبوا المهاليج والمقاريف والبغال، واجتازوا بحارثة بن بدر الغداني
стр. 41
وأبي الأسود، وهما جالسان، فقال أبو الأسود:
لعمرو أبيك ما حمام كسرى ... على الثلثين من حمام فيل
فقال حارثة:
ولا إيجافنا خلف الموالي ... بسنتنا على عهد الرسول
وروى حبيب بن نصر المهلبي قال
سافر يزيد بن معاوية بالأخطل، فاشتاق يزيد أهله، فقال:
بكى كل ذي شجوٍ من الشام شاقه ... تهام فأنى يلتقي الشجيان!
وقال: أجز يا أخطل، فقال:
يغور الذي بالشام أو ينجد الذي ... بغور تهاماتٍ فيلتقيان
وروى عمر بن عبد الله العتكي عن الرقاشي
عن أبي عبيدة، قال: كان حارثة بن بدر بدير كوار يتنزه فقال:
ألم تر أن حارثة بن بدر ... أقام بدير أبلق من كوارا
ثم قال للجند الذين كانوا معه: من أجاز هذا البيت فله حكمه، فقال رجل منهم: على أن تجعل لي الأمان من غضبك، وتجعلني رسولك إلى البصرة، وتطلب لي النفل من الأمير. قال: ذلك لك، ثم ردد عليه البيت، فقال:
مقيم يشرب الصهباء صرفاً ... إذا ما قلت تصرعه استدرارا
فقال له حارثة: لك شرطك؛ ولو كنت قلت لنا قولاً تسرنا لسررناك.
وروى أبو روح الراسبي قال
لما ولي خالد بن عبد الله القسري مالك بن المنذر شرطة البصرة قال الفرزدق:
يبغض فينا شرطة المصر أنني ... رأيت عليها مالكاً أثر الكلبي
قال: فقال مالك: علي به، فبلغه فقال:
أقول لنفسي إذ تغص بريقها ... ألا ليت شعري مالها عند مالك!
قال: فسمع قوله حائك يطلع من طرازه، وقال:
لها عنده أن يرجع الله ريقها ... إليها وتنجو من عظيم المهالك
قال الفرزدق: هذا أشعر الناس، أو ليعودن مجنوناً يصيح به الصبيان، فكان كما قال:
وروي أن عبد العزيز بن عمر عبد العزيز ﵀
خرج وهو أمير المدينة ومعه عبد الله بن الحسن، فنزلوا تحت سرحة وتغدوا، وأخذ
стр. 42
عبد الله حجراً، وكتب به على ساق السرحة يقول:
خبرينا خصصت بالغيث يا سر ... ح بصدقٍ فالصدق فيه شفاء
فأخذ عبد العزيز الحجر، وكتب تحته:
هل يموت المحب من ألم الحب ... ويشفى من الحبيب اللقاء!
ثم ركبوا دوابهم، ومضوا غير بعيد، فإذا السماء قد أقبلت عليهم، فرجعوا مسرعين إلى السرحة، فأضافوا تحت ما كتبوا:
إن جهلاً سؤالك السرح عما ... ليس يوماً به عليك خفاء
ليس للعاشق المحب من العش ... ق سوى لذة الوصال دواء
فعجبوا وانصرفوا.
حدث المدائني قال
وهب نصر بن سيار لأبي عطاء السندي جارية، فبات معها، فلما أصبح غدا على نصر، فقال له: كيف كانت ليلتك معها؟ قال: كان بيني وبينها ما شرد منامي، وقضى مرامي، قال: فهل قلت من ذلك شعراً؟ قال: نعم، وأنشد:
إن النكاح وإن هزلت لصالح ... خلفاً لعينك من لذيذ المرقد
فقال نصر:
ذاك الشقاء فلا تظنن غيره ... ليس المجرب مثل من لم يشهد
وروى زحر بن حصن، قال
خرجنا من مكة مع المنصور في زمان صائف، فلما كان بزبالة ركب نجيباً، والشمس تلعب بين عينيه، وعليه جبة وشى، فالتفت إلينا وقال: إني قائل بيتاً، فمن أجازه فله جبتي هذه، قلنا: يقول أمير المؤمنين، فأنشد:
وهاجرةٍ نصبت لها جبيني ... يقطع حرها ظهر العظاية
فبدر بشار، فقال:
وقفت لها القلوص ففاض دمعي ... على خدي وأقصر واعظايه
فخرج له عن الجبة، ثم لقيته، فذكر أنه باعها بخمسمائة دينار.
وقد ذكرها الصولي في كتاب الأوراق على غير هذا السياق.
وروى أن رسول علية بنت المهدي أو عائشة بنت الرشيد
خرج يوماً إلى الشعراء، فقال: تقرئكم سيدتي السلام، وتقول: من أجاز هذا البيت منكم، فله مائة دينار، فقالوا: وما هو؟ فأنشد:
أنيلي نوالاً وجودي لنا ... فقد بلغت نفسي الترقوة
فبدرهم مسلم بن الوليد الصريع فقال:
وإني لكالدلو في حبكم ... هويت إذا انقطعت عرقوه
стр. 43
فخرجت له المائة دينار.
وروى محمد بن حسن الحاتمي عن أبي العيناء عن العتبي
قال: دخل يحيى بن خالد بستان داره، ومعه جاريته دنانير، فرأى بهجة الورد على شعره، فقال: أجيزي:
الورد أحسن منظراً ... فتمتعوا باللحظ منه
فقالت مسرعة:
فإذا انقضت أيامه ... ورد الخدود ينوب عنه
فاستحسن ذلك منها، وأمر لها بمال جزيل، بعد أن قبل خدها.
وروى الحسين بن الضحاك قال
كنت أمشي مع أبي العتاهية فمررنا بمقبرة، فإذا امرأة تبكي ولداً لها، فقال أبو العتاهية:
فما تنفك باكيةً بعينٍ ... غزير دمعها كمد حشاها
أجز يا حسين، فقلت:
تنادي حفرةً أعيت جواباً ... فقد ولهت وصم بها صداها
وروى أن أبا نواس دخل على عنان جارية الناطفي في بعض أيام الربيع فقال
أجيزي:
كل يومٍ عن أقحوانٍ جديدٍ ... تضحك الأرض من بكاء السماء
فقالت مسرعةً:
فهو كالوشي من ثياب عروسٍ ... جلبتها التجار من صنعاء
قال علي بن ظافر، والبيت الأول أظنه لابن مطير من قصيدة؛ إلا أنه منسوب في الموضع الذي نقلت منه إلى أبي نواس، فأوردته كما وجدته.
وروي أنه دخل عليها يوماً وهي تبكي، وقد كان مولاها ضربها فقال
بكت عنان فجرى دمعها ... كلؤلؤ ينسل من خيطه
فقالت:
فليت من يضربها ظالماً ... تجف يمناه على سوطه
وقد روى أبو الفرج الأصبهاني هذه الحكاية عن مروان بن أبي حفصة، وانه الذي استجازها البيت الأول.
وروى محمد بن الأشعث قال
قال دعبل بن علي الخزاعي: مررت أنا ورزين العروضي بقوم من بني مخزوم، فلم يقرونا فقلت فيهم:
عصابة من بني مخزوم بت بهم ... بحيث لا تطمع المسحاة في الطين
стр. 44
ثم قلت لرزين: أجز: فقال:
في مضغ أعراضهم من خبزهم عوض ... بنو النفاق وآباء الملاعين
قال ابن الأشعث: وكان هذا أقوى الأسباب في مهاجاته لأبي سعيد المخزومي.
وروي لنا أن العباس بن الأحنف
دخل على الذلفاء جارية ابن طرخان فقال لها: أجيزي:
أهدى له أصحابه أترجةً ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر
فقالت ارتجالاً:
خاف التلون في الوداد لأنها ... لونان باطنها خلاف الظاهر
فجن استحساناً، وحلف لها - وكانت تعزه - إن ادعته ما دخل دارها. فتركته له فاستلحقه.
وذكر ابن القمي في كتاب النباهة قال
دخل أبو السمراء على نخاس، فسمع بكاء من داخل البيت وقائلة تقول:
وكنا كزوجٍ من قطاً في مفازةٍ ... لدى خفض عيشٍ مونق معجبٍ رغد
أصابهما ريب الزمان فأفردا ... ولم نر شيئاً قط أوحش من فرد
فقال للنخاس: أخرجها، فقال: إن صاحبها مات، وهي شعثة مغبرة.
قال: فخرجت فقال لها: قولي في معنى هذا، قالت: أي معنى؟ قال: في معنى هذين البيتين اللذين تمثلت بهما، فقالت:
وكنا كغضى بانةٍ وسط روضةٍ ... نشم جنى الجنات في عيشة رغد
فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطع ... فيا فردةً باتت تحن إلى فرد!
فكتب الأمير أبو السمراء عبد الله بن طاهر بخبرها، فكتب: إن أجازت هذا البيت فاشترها، وهو:
بعيد وصلٍ بديع صد ... جعلته في الهوى ملاذا
فقالت مسرعةً:
فعاتبوه فزاد شوقاً ... فمات عشقاً، فكان ماذا؟
فاشتراها أبو السمراء، فماتت من الغد.
وروى إبراهيم بن محمد اليزيدي، قال
كنت عند المأمون يوماً وبحضرته عريب، فقالت لي - على سبيل الولع والعبث - ياسعلوس - وكانت جواري المأمون يلقبنني بها عبثاً - فقلت:
فقل لعريب لا تكوني مسعلسه ... وكوني كتتريفٍ وكوني كمؤنسه
قال: فبدرني المأمون فارتجل:
فإن كثرت منك الأقاويل لم يكن ... هنالك شك أن ذا منك وسوسه
стр. 45
فقالت له: كذا والله يا أمير المؤمنين أردت أن أقول وعجبت من ذهن المأمون وجودة طبعه.
وأنبأنا الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي عن السلفي قال
أنبأنا أبو محمد جعفر بن أحمد السراج اللغوي وابن بغلان الكبير، قالا: أنبأنا أبو نصر عبد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، قال: أخبرنا أبو يعقوب النجيرمي، حدثنا ابن سيف، قال: حدثنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عم أبي أحمد بن محمد اليزيدي، قال - واللفظ من رواية أخرى قريب من لفظ هذا الإسناد - قال: دعا المعتصم أخاه المأمون ذات يوم إلى داره، فأتاه فأجلسه في بيت على سقفه جامات، فوقع ضوء الشمس من وراء تلك الجامات على وجه سيما التركي غلام المعتصم، وكان أحسن تركي على وجه الأرض، وكان المعتصم أوجد خلق الله به، فصاح المأمون لأحمد بن محمد اليزيدي، فقال انظر ويلك إلى ضوء الشمس على وجه سيما، أرأيت أحسن من هذا قط! وقد قلت:
قد طلعت شمس على شمس ... فزالت الوحشة بالأنس
فأجز يا أحمد، فقال أحمد:
قد كنت أشنا الشمس من قبل ذا ... فصرت أرتاح إلى الشمس
قال: ففطن المعتصم، فعض شفته لأحمد، فقال أحمد للمأمون: والله يا أمير المؤمنين، إن لم يعلم الأمير حقيقة الأمر منك لأقعن معه فيما أكره. فدعاه المأمون فأخبره الخبر، فضحك المعتصم، فقال له المأمون: أكثر يا أخي في غلمانك مثله، إنما استحسنت شيئاً فجرى ما سمعت لا غير.
وقد وقعت لنا هذه الحكاية بإسنادٍ أخصر من هذا عن ابن سيف، هو مذكور في إجازة قسيم بقسيم.
وحكى صاحب كتاب المقتبس أن الأمير عبد الرحمن ابن الحكم بن هشام صاحب الأندلس
خرج في بعض أسفاره، فطرقه خيال جاريته طروب أم ولده عبد الله، وكانت أعظم حظاياه عنده وأرفعهن لديه، لا يزال كلفاً بها هائماً بحبها، فانتبه وهو يقول:
شاقك من قرطبة الساري ... في الليل لم يدر به الداري
ثم انتبه عبد الله بن الشمر نديمه، فاستجازه كمال البيت، فقال:
زار فحيا في ظلام الدجى ... أحبب به من زائرٍ سار
وذكر الصولي في كتاب الأوراق برواية تنتهي إلى جعفر بن محمد بن عبد الواحد الهاشمي قال
دخلت على المتوكل على الله لما توفيت أمه معزياً، فقال:
стр. 46
يا جعفر، إني ربما قلت البيت الواحد، فإذا جاوزته توقفت وقد قلت:
تذكرت لما فرق الدهر بيننا ... فعزيت نفسي بالنبي محمد
قال: فأجازه بعض من حضر المجلس، فقال:
وقلنا لها إن المنايا سبيلنا ... فمن لم يمت في يومه مات في غد
قال الصولي: فظننا أن جعفر بن محمد بن عبد الواحد قائل البيت.
قال مروان بن الجنوب
دخلت على المتوكل، فرمى إلي برقعةٍ فيها بيت شعر، وهو:
أدرت الهوى حتى إذا صار كالرحى ... جعلت محل القلب في موضع القطب
وتحت البيت: أجز يا مروان، فكتبت تحته:
فلما جعلت القلب تحت رحى الهوى ... ندمت وصار القلب في موضعٍ صعب
وذكر يزيد بن محمد المهلبي، قال
كان ابن المعتز يشرب يوماً في بستان مملوء بالنمام وشقائق النعمان، فدخل عليه يونس بن بغا، وعليه قباء أخضر، فقال ابن المعتز لما رآه ارتجالا:
شبهت حمرة خده في ثوبه ... بشقائق النعمان في النمام
ثم قال: أجيزو، فبدر بنان المغني - وكان ربما عبث بالبيت بعد البيت - فقال:
والقد منه وقد بدا في قرطقٍ ... بالغصن في لين وحسن قوام
فطرب ابن المعتز، وقال له: إن فيه الآن، فصنع فيه لحناً.
وذكر عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر في تاريخه قال
حدثني أبو أحمد يحيى بن علي بن المنجم، قال: صرت إلى أبي زيد عمر بن شبة، فقال لي: قد قلت بيتاً تعذر على ثان له، فأحب أن تجيزه، فقلت: وما هو؟ قال:
كبرت وغالتني خطوب تتابعت ... ومن يصحب الأيام لابد يهرم
فقلت:
ومن يصحب الأيام تنقص خطوبها ... قواه، ويجهل بعض ما كان يعلم
فأعجب به، وحدث الناس بما بيننا، فكتبوه عنه.
أنبأني الفقيه النبيه
أبو الحسن بن المقدسي عن أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني عن أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي، عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي نصر بن عبد الله الحميدي، قال: حدثني أبو محمد علي بن أحمد، قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن عبد الأعلى بن هاشم القاضي المعروف بابن الغليظ، أن صهيب بن منيع - قال
стр. 47
علي بن ظافر: وكان قاضياً ببعض بلاد الأندلس، ومات بها في أيام الناصر عبد الرحمن، سنة ثمان وعشرين وثلثمائة - كان نقش خاتمه:
يا عليماً كل غيب ... كن رؤفاً بصهيب
وأنه كان يشرب النبيذ - لعله كان يذهب مذهب أهل العراق - فشرب مرة عند الحاجب موسى بن حدير - وكان من عظماء الدولة الأموية - فسكر ونام، فأمر موسى باختلاس خاتمه، وأحضر نقاشاً، فنقش تحت البيت المذكور:
واستر العيب عليه ... إن فيه كل عيب
ورد الخاتم عليه، وختم به زماناً حتى فطن له.
وأنبأني الشيخان
الأجل العلامة تاج الدين أبو اليمن الكندي، والفقيه جمال الدين بن الحرستاني عن الشيخ الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر سماعاً، أخبرنا أبو النجم بدر الدين عبد الله السنجي، أخبرنا أبو البكر الخبيب، أنبأنا علي بن أبي علي المعدل، حدثني أبي حدثني عبد العزيز بن أبي بكر المحرف العلاف الشاعر - وكان أحد ندماء المعتضد - قال: كنت ليلة في دار المعتضد، وقد أطلنا الجلوس بحضرته، ثم نهضنا إلى مجلسنا في حجرةٍ كانت مرسومة بالندماء. فلما أخذنا مضاجعنا، وهدأت العيون، أحسسنا بفتح الأبواب وتفتيح الأقفال بسرعة، فارتاعت الجماعة لذلك، وجلسنا في فرشنا، فدخل إلينا خادم من خدم المعتضد، فقال لنا: إن أمير المؤمنين يقول لكم: أرقت الليلة بعد انصرافكم، فعلمت هذا البيت:
ولما انتبهنا للخيال الذي سرى ... إذ الدار قفر والمزار بعيد
وقد أرتج علي إتمامه فأجيزوه، ومن أجازه بما يوافق غرضي أجزلت عطيته - وفي الجماعة كل شاعر مجيد مذكور، وأديب فاضل مشهور - فأفحمت الجماعة، أطالوا التفكير، فقلت مبتدراً:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعل خيالاً طارقاً سيعود
فرجع الخادم إليه بهذا الجواب، ثم عاد، فقال: أمير المؤمنين يقول لك: أحسنت وما قصرت، وقد وقع بيتك الموقع الذي أريده، وقد أمرت لك بجائزة وها هي، فأخذتها، فازداد غيظ الجماعة مني.
وقال يزيد بن أبي اليسر الرياضي في كتابه الأمثال
دخل رحمون الفارسي على أبي وهو مريض، فقال له: كيف أصبحت؟ فقال:
يكاد جسمي من نحول الضنى ... تحمله أنفاس عوادي
فقال رحمون: هل ترى أن أزيد عليه يا أبا اليسر؟ فقال: نعم، فقال: رحمون:
стр. 48
لم يبق إلا الروح في مهجةٍ ... يروح أو يغدو بها الغادي
أنبأني القاضي الفقيه الإمام نبيه الدين أبو الحسن بن علي ابن المفضل المقدسي ﵀ قال
أخبرني الشيخ الفقيه أبو القاسم علي بن مهدي بن قلنبا الإسكندري، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الجبار ابن سلامة الهذلي قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن جعفر بن علي الصقلي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن الحسن التميمي، قال: أخبرنا أبو محمد إسماعيل ابن محمد النيسابوري، قال: أخبرنا أبو منصور الثعالبي في كتاب اليتيمة؛ أن الصاحب بن عباد اتهم بعض المرد في مجلسه بسرقة بعض كتبه، فقال:
سرقت يا ظبي كتبي ... ألحقت كتبي بقلبي
وأمر أبا محمد الحسن بن أحمد البروجردي بإجازته، فقال:
فلو فعلت جميلاً ... رددت قلبي وكتبي
وكل ما أسنده إلى اليتيمة فبهذا الإسناد.
وذكر الرئيس هلال بن الصابي أن الصاحب بن عباد قال
أرسل إلي الأستاذ الرئيس أبو الفضل بن العميد، يستدعيني في وقت لم تجر عادته باستدعائي في مثله، فتهيأت للمضي، فجاءني رسول ثانٍ، فركبت فلقيني ثالث يستحثني، فارتبت وارتعت، فلما دخلت عليه قال: قلت بيتاً ثم أعييت عن إتمامه، وهو:
وجاءوا بظبي كمثل الغزال ... يناك على الرسم في مثله
فقلت في الحال:
فأدخلت بعضي في بعضه ... فياليت كلي في كله
فجعل يكثر التعجب مني، ثم انصرفت.
وأنبأنا العماد أبو حامد الأصفهاني، قال
ذكر السمعاني في تاريخه، قال: سمعت أبا المظفر منصور بن محمد بن سعيد بن مسعود المسعودي المروزي في مذاكرتي إياه يقول: دخلت على العزيز الخشاب - وشبل الدولة عنده حاضر - فقال العزيز: قلت اليوم بيتاً - وأنشده:
صفو دن العمر في عصر الصبا ... وزمان الشيب دردي محيل
وقال لشبل الدولة: أجز، فقال مبادراً:
والذي يطلب صفواً بعده ... إنما يطلب شيئاً مستحيل
أخبرني الشيخ أبو عبد الله بن علي اليحصبي القرموني قال
سمعت أبا بكر
стр. 49
اليكي الشاعر - وهو بجامع عدوة القرويين بفاس - يحكى لأبي ولجماعة معه، قال: خرجت من فاس قاصداً تلمسان، فدخلت في بعض الخانات، وكانت ليلة مطيرة جداً، فأنزلني صاحب الخان في بيتٍ مفرد، وأوقد لي قنديلاً، فبينما أنا جالس، وإذا برجل قد فتح الباب، ودخل علي وعلى وجهه سلهامة قد سترته، فجلس وقد عرفني ولم أعرفه، فسألته عن صناعته، فقال: أنا شاعر، فقلت له كالمستهزئ به: أجز - وضربت بعيني إلى شيءٍ أصفه، فلم أجد غير القنديل فقلت:
وقنديلٍ كأن الضوء فيه ... محيا من أحب إذا تجلى
فقال في الحال:
أشار إلى الدجى بلسان أفعى ... فشمر زيله هرباً وولى
فجننت استحساناً لما أتى، فكشف السلهامة عن وجهه، فإذا هو أبو العباس البني الشاعر فقال: كيف ترى هذا الكهن وما فجأك منه! وبتنا بأطيب ليلة، فلما قام الركب للسفر سار هو إلى فاس، وسرت أنا إلى تلمسان.
وأخبرني القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك ﵀
قال: أخبرني الشريف الجليل الوافد من العراق على الدولة المصرية، قال: اجتمعت في بعض الأيام بأمين الدولة أبي الحسن هبة الله ابن صاعد - قال علي بن ظافر: هو المعروف بابن التلميذ وإنما أمه من بنات التلميذ فعرف بذلك - قال: فأخذنا في ذم الدهر وإخنائه على أهل الفضل، وإذا بكلاب الصيد التي برسم الخليفة قد أبرزت في جلال الوشي والديباج، فحرك ذلك ماكناً نتجاذب أهدابه في ذم الدهر، فقلت:
من كان يكسو الكلب وش ... ياً ثم يقنع لي بجلدي
واستجزته فقال:
الكلب خير عنده ... مني وخير منه عتدي
وأخبرني الأجل بهاء الدين بن الساعاتي المقدم ذكره
قال: حضرت مجلس سماعٍ عند بعض الرؤساء، فغنى مغن قبيح النغمة، سيء الضرب، فقال بعض الحاضرين:
من منصفي ممن إذا ... ما ناح نحت لقبح نغمة
واستجازني، فقلت:
هو خارج وقت الغنا ... ء وداخل في رحم أمه
стр. 50
وأخبرني الفقيه أبو ثابت بن حسن الكربوني بالإسكندرية
قال: حضرت أنا والأديب عبد المنعم بن صالح الجزيري صاحبنا ببعض الأماكن، ورجل يقرأ المقامات التي صنفها الحريري على رجل آخر، وهما يصحفان فيها، فقال عبد المنعم:
ياأيها الثور البهيم الذي ... يقرأ المقامات على الثور
ثم استجازني، فقلت:
دع المقامات لأربابها ... وعد إلى النافات والدور
قال علي بن ظافر
حضر عندي وأنا برأس العين في خدمة الملك الأشرف - أدام الله أيامه - الأديب الموفق علي بن محمد البغدادي الساكن بها والفقيه بهاء الدين بن كساء الشاعران، وعندنا رجل يعرف بالضياء بن الزراد - مصري معروف - وكانوا يمجنون، فعمل ابن كساء بديهةً وقال:
رأيت الضياء وفي دبره ... قمد كزند البعير الشديد
ثم استجاز الموفق، فقال في الحال:
كأن جهنم في دبره ... تقول لآتيه: هل من مزيد!
ثم صنع الموفق فيه بديهاً:
زمان الضياء رعاه الإله عيد ولكن به يرتزق
فطوراً بأعلاه رمى القبق ... وطوراً بأدناه طعن الحلق
بنا وبه أعظم الحالتين ... فمنه البغاء ومنا الشبق
فلو جمعتنا به خلوة ... لقد قيل وافق شن طبق
وهذا المعنى الذي فيه ذكر الحلق والقبق معنى مطبوع؛ إلا أنه لم يحسن نظمه، وقد نظمته أنا على سبيل التجريب للخاطر، فقلت:
لقد عيد الترك في ذا الرقيع ... وعاطوه باللعب أكواسه
بنيك يقطع أعفاجه ... وصفعٍ يزعزع أضراسه
فكم جعلوا حلقة دبره ... وكم جعلوا قلبقاً راسه
وقلت أيضاً في المعنى:
أصبح عيداً للترك من هو كالمأتم في عين من رأى خلقه
وفوه بالنيك تارةً وبمر ... الصفع أخرى من لعبهم حقه
стр. 51
إن قر فالطعن بالأيور وإن ... فر أجادت نعالهم رشقه
فللسراميز رأسه قبق ... وللفياشي خناره حلقه
قال علي بن ظافر
كان يصحبني وأنا في خدمة الأشرف - أبقاه الله - رجل كاتب حسن الخط من أهل العلم والخبرة، هاجر إلى دمشق، يقال له جمال الدين علي بن أبي طالب، فلما رأيت ما عليه الأحوال من الاختلال، وقويت في نفسي شهوة الانفصال؛ كنت ليلي ونهاري مكباً على الدعاء بتسهيل ذلك وتعجيله، وتيسير ما أرجوه منه؛ وأقمت على هذا مدة طويلة، بحيث كان الأمر مشهوراً عند كل أحد من الحاشية، فأخبرني أنه بات مشغول القلب بما يسمعه مني في ذلك؛ فرأى كأنه في جامع دمشق تحت النسر، وإلى جانبه شيخ؛ وكأنهم ينتظرون الصلاة، وإذا برجل شاب قد أقبل من الباب الغربي، فقال له الشيخ: يا أبا العباس، أجز:
إن ابن ظافر سوف يظ ... فر بالذي يرجوه عاجل
فقال:
ظفرت عداه بخيبةٍ ... وغدا لما قد شاء نائل
فسررت بذلك، فلم يكن شيء أسرع من عود الملك الأشرف - أبقاه الله - من دمشق، وانفصالي من خدمته على الوجه الجميل، وكان ذلك - والله - أعظم ظفرٍ، وأرفق قدر، ولو لم يكن في إلا الرجوع إلى الباب الذي منه درجت، وفي خدمته تخرجت؛ والوطن الذي هو أول أرضٍ مس ثراها جلدي، وعلقت فيها تمائمي، فالله تعالى يحقق الرجاء ويكمل الأمل، بمنه وطوله.
وكنت أنا وابن المؤيد يوماً عائدين إلى مصر
فثار قتام شديد، ترب وجه الأرض، وأقذى عين الشمس، فقال:
وقتامٍ إذا رآه بصير ... عاد مما يقذيه مثل الضرير
ثم استجازني فقلت:
رد ثوبي مصندلاً بعدما كا ... ن شديد النقاء كالكافور
واجتمعت يوماً بالأجل شهاب الدين ابن أخت الوزير نجم الدين العزيزي رحمه الله
فأنشدني لنفسه في غلام رآه في الحمام مؤتزراً بإزارٍ أخضر:
ومرتج ردفٍ أزروه بأخضرٍ ... كما ماج ماء قد تردى بطحلب
واستجازني، فقلت:
يخيل لي مرآه نعمان أطلعت ... قضيباً على حقفٍ ليبرين معشب
стр. 52
قال القاضي الفقيه جمال الدين: وهاتان حكايتان قرأتهما في بعض المجاميع، ولم أعرف رواتهما، فأستدل بهم على عصرهم، فلذلك أفردتها ها هنا، ولم أضعهما في نظام الحكايات المرتبة على ترتيب الأعصار، خوفاً من نقد منتقد:
إحداهما: قال أبو سليمان الواسطي
مر بنا موسوس كان يؤثر عنه أدب، والسماء مغيمة، فتعرضت له وقلت:
أرى يومنا يوماً تكامل حسنه ... ويوشك أن اليوم لا شك ماطر
وقلت له: أجز؛ فوقف وقال:
وقد سترت فيه السحائب شمسه ... كما سترت ورد الخدود المعاجر
والأخرى قال أبو علي
اجتمعنا في بعض الأيام جماعة من أهل الأدب؛ وخرجنا إلى منتزه، فوقفنا في ظل قصر لنستريح، فوقعت علينا منه وقعة فيها: أجيزوا هذا لبيت:
ولي مقلة عهدها بالكرى ... بعيد وبالدمع عهد قريب
فكتبت تحته:
يحار إذا مر فيها المنام ... كما حار في الحي ضيف غريب
ثم صرفنا الرقعة مع بواب القصر، فأخرج إلينا سفرة فيها طعام كثير وأشياء فيها عون لنا على نزهتنا.
قال علي بن ظافر: وأحسب أن أبا علي هذا، الحاتمي، فإن صح الحديث، فينبغي أن يكون بعد حكاية الصاحب بن عباد رحمه الله تعالى.
ومن إجازة بيت ببيت ما يكون الشاعر قد عمل بيتاً
واستجاز له أولاً، أو عمل بيتين وأراد إبدال أحدهما أو الاختبار فيه، مثل ما أنبأنا به العماد أبو جعفر الأصبهاني، قال: أخبرني الأمير الأجل نجم الدين بن مصال، أن شاباً يعرف بأحمد الآبي من أهل الإسكندرية سافر إلى الشيخ الأجل أبي بكر أحمد بن محمد العيذبي التميمي الكاتب فاضل اليمن ورئيسه، وانتفع من جانبه، وأن أحمد ذكر عنه أنه عمل أبياتاً يهنئ فيها الداعي بطهور أولاده، من جملتها قوله:
كذبالة المصباح يقضى قطعها ... عند الخمود لها بقوة ناره
قال: فقال الأديب العيذبي: يصلح أن يكون لهذا البيت توطئه من قبله، فقال:
أخذ من العضو الشريف قضى له التأ ... ثير فيه بمقتضى آثاره
قال العماد
ونقلت من مجموع أبي المعالي الكتبي لأبي القاسم الهمداني:
تعيرني وخط الشيب بعارضي ... ولولا الحجول البيض لم تحسن الدهم
حنى الشيب ظهري واستمرت عزيمتي ... ولولا انحناء القوس لم ينفذ السهم
قال: فنظمت المعنى، وقلت:
يفيد العقل اليقظ التغابي ... ليدرك في الغني حظ الغبي
فلم تصب السهام على اعتدال ... بها لولا اعوجاج في القسي
قال: وأنشدتها للأمير مؤيد الدولة أسامة بن منقذ، فصنع في الحال بدل الأول من البيتين وهو:
أرى أن الحليم به افتقار ... إلى جهل الفتى الغر الغبي
стр. 53
قال بن ظافر
وبالإسناد المتقدم عن أبي الحسن على ابن بسام الشنتريني مما أورده في كتاب الذخيرة ما هذا معناه، واللفظ لي: أن المعتمد على الله أبا القاسم محمد بن عباد صاحب إشبيلية وغرب الأندلس جلس يوماً للشرب، وذلك في وقت مطر أجرى كل وهدةٍ نهرا؛ وحلى جيد كل غصن من الزهر جوهراً، وبين يديه ساقية تخجل الزهر بطيب العرف والريا، وتقابل بدر وجهها بشهاب الكاس في راحة الثريا، فاتفق أن لعب البرق بحسامه، وأجال سوطه المذهب ليسوق به ركاب ركامه، فارتاعت لخطفته، وذعرت من خيفته، فقال بديهاً:
روعها البرق وفي كفها ... برق من القهوة لماع
عجبت منها وهي شمس الضحى ... كيف من الأنوار ترتاع!
وحين صنعهما أطربه معناهما وهزه، وحركه استحسانهما واستفزه، فاستدعى عبد الجليل بن وهبون المرسي، وأنشده البيت الأول، فقال عبد الجليل:
ولن ترى أعجب من آنسٍ ... من مثل ما يمسك يرتاع
فاستحسنه، وأمر له بجائزة. وبيته أحسن من بيت المعتمد عندي.
وأخبرنا القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك ﵀ بما هذا معناه
قال: تذاكرنا في بعض الأيام بديوان الإنشاء، فأفضى بنا الحديث إلى ذكر الناشي الأصغر وقوله في وردة:
ووردة في بنان معطار ... حيا بها في خفي إسرار
كأنها وجنة الحبيب وقد ... نقطها عاشق بدينار
فقلت: تشبيه الصفرة بالدينار فيه بعض تقصير، وعليه نقد خفي لا يدركه إلا الناقد البصير، وهو كون الصفرة في رأى العين أصغر من الدينار، ولو قال:
كمثل وجنة خودٍ ... قد نقطت برباع
لكان أخصر وأحسن؛ فاستحسنته الجماعة، فقال السديد هبة الله بن سراج منشئ الديوان: يا قوم، أنا أجيزه ببيتٍ أول، ثم صنع جارياً على عادته في التجنيس:
ووردةٍ نالت الحس ... ن إذ زهت في الرباع
وأخبرني صاحبنا الفقيه أبو الفضل جعفر الحموي
قال: مر بي في بعض الأيام يهودي يعرف بأبي الخير، أقبح الناس صورة، وأشدهم تنافر خلقة، قصير القامة، طويل اللحية، بارز الأنف، فحين رأيته وقع لي بيت على شبه الارتجال؛ وهو:
стр. 54
لحية طولها ذراع، وأنف ... طول شبر، وقامة طول إصبع
ثم أرتج على؛ فمر بي الأديب فاضل بن راحبي الله المنبوز بمداد، فأنشدته إياه، فقال: أعمل له أولاً؟ فقلت: إن شئت؛ فقال:
ما رأينا ولا سمعنا بشخصٍ ... كأبي الخير في الخلائق أجمع
ومن ذلك ما أخبرني الفقيه أبو محمد الخالق بن زيدان المسكي المقدم ذكره
قال: أخبرني صاحبنا الأديب أبو الحسن علي ابن خروف القرطبي - المقدم ذكره في هذا الكتاب - قال: رأيت في المنام منشداً ينشدني:
إذا كنت في الدنيا حليف تكبرٍ ... فإنك في الأخرى أقل من الذر
قال: فانتبهت وقد حفظته، فأجزته بقولي:
تنزه عن الدنيا وكن متواضعاً ... عفيفاً ولا تسحب ذيولاً من الكبر
ومنها إجازة بيت بأكثر من بيت
فمن ذلك ما رواه أبو الفرج الأصبهاني في أخبار بشار بن برد، وهو ن المهدي أشرف يوماً من أعلى القصر، فرأى جارية من جواريه تغتسل، فحين رأته استترت منه فقال:
نظرت من القصر عيني ... نظراً وافق حيني
ثم ارتج عليه، فأمر بإحضار من يجيزه، فأحضر بشار، فأنشده البيت فقال:
سترت لما رأتني ... دونه بالراحتين
فضلت منه فضول ... تحت طي المكنتين
فقال المهدي: قبحك الله! أكنت ثالثنا؟ ثم قال: ثم ماذا؟ فقال:
فتمنيت وقلبي ... للهوى في زفرتين
أنني كنت عليه ... ساعةً أو ساعتين
فضحك المهدي، وأمر له بجائزة، فقال له: يا أمير المؤمنين! أقنعت في مثل هذه الصفة بساعة أو ساعتين؟ قال: فبم ويحك! قال: سنة أو سنتين! فضحك وقال: أخرج عني قبحك الله!
ومثله ما روى من أن الرشيد أنشد الأصمعي بيتاً وهو
ليتني عقدك أو يا ليتني ... تكة موشية من تككك
واستجاره فقال:
امنحيني الوصل يا سيدتي ... واطمعيني عسلاً من عككك
ما على قومك أو ما ضرهم ... لو وقفنا ساعة في سككك
стр. 55
وقد تقدم قريب منهما في باب المجاوبة.
قال يزيد بن أبي يسر الرياضي في كتابه الأمثال
سمعت سيبويه يقول: دخل عبد الله بن طاهر الرى سحراً، فسمع قمرية تنوح فقال: لله در الهلالي حيث يقول:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك مياد ففيم تنوح!
وكان معه عوف بن محلم الشاعر، فقال له: أجز هذا البيت، فقال:
وأرقني بالليل صوت حمامةٍ ... فنحت وذو الشوق القديم ينوح
على أنها ناحت ولم تذر دمعةً ... ونحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح
أنبأني الشيخان
الأجل العلامة تاج الدين الكندي وابن الحرستاني إجازة عن أبي القاسم بن عساكر سماعاً منه، أخبرنا أبو بكر المرزوقي، أنبأنا أبو منصور العكبري، أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمد الصلت المحبر، حدثنا أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني، حدثني علي بن صالح، عن أحمد بن أبي طاهر، حدثه أنه ألقى على فضل الشاعرة
علم الجمال تركتني ... في الحب أشهر من علم
فقالت:
وأبحتني يا سيدي ... سقماً يزيد على السقم
وتركتني غرضاً فدي ... تك للعواذل والتهم
وذكر أبو العباس المروزي
قال: صنع المتوكل بيتاً وطالب فضل الشاعرة أن تجيزه وهو:
لاذ بها يشتكي إليها ... فلم يجد عندها ملاذا
فصنعت بديهة:
ولم يزل ضارعاً إليها ... تهطل أجفانه رذاذا
فعاتبوه فزاد شوقاً ... فمات عشقاً فكان ماذا
فطرب المتوكل وقال: أحسنت - وحياتي - يافضل، وأمر لها بمائتي دينار، وأمر عريب فغنت به.
قال علي بن ظافر: وقد ذكرنا البيت الأخير من بيتي فضل في حكاية أبي السمراء في إجازة بيت ببيت، إلا أن هذه الحكاية أثبت رواية من تلك، وهي من رواية أبي الفرج في الأغاني.
وبالإسناد المتقدم ذكر الثعالبي في كتاب اليتيمة
قال: جلس سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان يوماً مع جماعة من خواص كتابه وأصحابه، فقال: أيكم يجيز قولي:
لك جسمي تعله ... فدمي لم تحله
стр. 56
وليس لها إلا سيدي - يعني ابن عمه أبا فراس بن أبي العلاء بن حمدان - فارتجل أبو فراس:
لك من قلبي المكا ... ن فلم لاتحله
ولئن كنت مالكاً ... فلك الأمر كله
فاستحسنهما ووهب له ضيعة منبج، تغل ألفي دينار في كل سنة.
١٤١ - وذكر القاضي أبو علي التنوخي في كتاب النشوار قال: أنشدني أبو القاسم عبد الله بن محمد الضروي لنفسه بالأهواز يقول:
إذا حمد الناس الزمان ذممنه ... ومن كان فوق الدهر لايحمد الدهرا
وزعم أنه حاول أن يضيف إليه شيئاً فتعذر عليه مدة طويلة، وضجر منه وتركه مفرداً، وكان عنده أبو القاسم المصيصي المؤدب، فسمع القول، فعمل في الحال إجازة له، وأنشدها لنفسه:
وإن أوسعتني النائبات مكارهاً ... ثبت ولم أجزع وأوسعتها صبرا
إذا ليل خطبٍ سد طرق مذاهبي ... لجأت إلى عزمي فأطلع لي فجرا
وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام في كتاب الذخيرة
أن المعتمد بن عباد جلس يوماً في بعض دور الحرم، فمر عليه بعض حظاياه في غلالة لايكاد يفرق بينها وبين جسمها، وذوائب تبدي إياة الشمس في مدلهما، فسكب عليها إناء ماء ورد كان بين يديه، فامتزج الكل ليناً واسترسالاً، وطيباً وجمالاً، وأدركت المعتمد أريحية الطرب، ومادت بعطفيه راح الأدب، فقال:
وهويت سالبة النفوس عزيزةً ... تختال بيت أسنةٍ وبواتر
وتعذر عليه المقال، فال لبعض الخدم القائمين على رأسه: سر أبي الوليد النحلي، وخذه بإجازة هذا البيت ولا تفارقه حتى يفرغ، فأضاف إليه لأول وقوع الرقعة بين يديه:
راقت محاسنها ورق أديمها ... فتكاد تبصر باطناً من ظاهر
وتمايلت كالغصن بلله الندى ... يختال في ورق الشباب الناضر
تبدى بماء الورد مسبل شعرها ... كالطل يسقط من جناح الطائر
تزهى برونقها وحسن جمالها ... زهو المؤيد بالثناء العاطر
ملك تضاءلت الملوك لقدره ... وعنا له صرف الزمان الجائر
وإذا لمحت جبينه ويمينه ... أبصرت بدراً فوق بحرٍ زاخرٍ
стр. 57
فلما قرأها المعتمد استحضره وقال له: أحسنت، أو كنت معنا؟ فأجابه النحلي بكلام معناه: ياقاتل المحل، أو ماتلوت: " وأوحى ربك إلى النحل "!
ومن ذلك، بالإسناد المتقدم أيضاً لكتاب الذخيرة ما رورى ابن بسام
أن المعتمد أيضاً أمر بصنع غزال وهلال من ذهب، فصيغا، فجاء وزنهما سبعمائة مثقال، فأهدى الغزال للسيدة ابنة مجاهد، والهلال لابنه الرشيد، فوقع له أن قال:
بعثنا بالغزال إلى الغزال ... وللشمس المنيرة بالهلال
واصطبح، وحضر الرشيد فدخل عليه، وجاء الندمان والجلساء، وفيهم أبو القاسم بن مرزقان، فحكى لهم المعتمد البيت، وأمر بإجازته، فبدر ابن مرزقان فقال:
فذا سكني أسكنه فؤادي ... وذا نحلي أقلده المعالي
شغلت بذا وذا خلدي ونفسي ... ولكني بذاك رخى بال
زففت إلى يديه زمام ملكي محلى بالصوارم والعوالي
فقام يقر عيني في مضاءٍ ... ويسلك مسلكي في كل حال
فدمنا للعلاء ودام فينا ... فإنا للسماح وللنزال
وذكر أبو الفتح بن خاقان في كتاب القلائد
قال: خرجت من إشبيلية لوداع كبير من المرابطين، فوجدت معه الوزير أبا محمد ابن مالك، فلما انصرفنا عدنا متسايرين، فمررنا بمرجٍ حسن النبات، بديع النوار، فبادر مملوك من مماليكه وضيء الوجه إلى زهرةٍ بديعة، فقطفها، وأتاه بها لتعجبه من حسنها، فاقترح على أن أصفه: فقلت:
وبدرٍ بدا والطرف مطلع حسنه ... وفي كفه من رائق النور كوكب
فقال مجيزاً له:
يروح لتعذيب النفوس ويغتدي ... ويطلع في أفق الجمال ويغرب
ويحسد منه الغصن أي مهفهفٍ ... يحئ على مثل الكثيب ويذهب
قال علي بن ظافر
ومن هذا القسم ما تكون الإجازة لبيت بأبيات تجعل قبله أو بعده وقبله كما أنبأني العماد أبو حامد قال: قال عمارة اليمني الشاعر في كتابه في شعراء اليمن: إن الفقيه أبا العباس أحمد بن محمد الآبي حدثه، قال: أذكر ليلة وأنا أمشي مع الأديب أبي بكر العدني على ساحل عدن، وقد تشاغلت عن الحديث معه، فقال لي: في أي شيء أنت تفكر؟ فقلت: في بيت عملته، وهو:
وأنظر البدر مرتاحاً لرؤيته ... لعل طرف الذي أهواه ينظره
стр. 58
فقال: لمن هذا البيت؟ فقلت: لي، فأنشد مرتجلاً:
يا راقد الليل بالإسكندرية لي ... من يسهر الليل وجداً حين أسهره
ألاحظ النوم تذكاراً لطلعته ... وإن جرى دمع أجفاني تذكره
قال علي بن ظافر
اتفق أن خرجنا للقاء القاضي الفاضل، فرأيت في الموكب رجلا أسود اللون، وعليه جبة حمراء، فأنكرته ولم أعرفه، ولقيت القاضي الأسعد أبا المكارم أسعد بن الخطير أطال الله بقاءه، فقلت له: من هذا الأسود الذي كأنه فحمة من دم حجامة؟ فقال لي:
كأنه ناظر طرفٍ أرمد
فقلت: يصلح أن يكون قبله:
وأسود في ثوبه المورد
وبعده:
أو مثل خالٍ فوق خد أمرد
ثم لقيت بعد ذلك القاضي السعيد بن سناء الملك - رحمه الله تعالى - فأنشدته إياهما، وكتمته الأول، وقلت: قد صنعت لهما أولاً، فاصنع أنت أيضاً، وقصدت بذلك اختبار القافية وتمكنها؛ إذ كل خاطر إنما يبادر إليها، فقال:
وأسود في ملبسٍ مورد
فعجبت من توارد الخاطرين لما كانت القافية متمكنة غير مستدعاة ولا مجتلبة، إلا أن قوله: في ملبس أحسن من قولي: في ثوبه.
قال علي بن ظافر
وخرجت أنا وشهاب الدين يعقوب ابن أخت ابن المجاور ونحن بالإسكندرية أيام حلول الملك العزيز ﵀ بها، إلى جزيرتها المباركة لزيارة قبر صاحبنا القاضي الأعز أبو الحسن علي بن المؤيد المردد ذكره في هذا الكتاب؛ وقد كان توفي أغبط ما كان بالحياة، وأبعد ما كان من تخوف الوفاة، وغصن شبابه رطيب، والزمان على منبر فضله خطيب، فلما نزلنا بفناء قبره، وأسبلنا سيل المدامع لذكره، أنشدني شهاب الدين بيتين صنعهما في الطريق، وهما:
أيا قبر الأعز سقيت غيثاً ... كجود يديه أو دمعي عليه
فلا وإخائه الصافي وداداً ... وددت الموت من شوقي إليه
فقال: إن بين الأول والثاني فرجة، تريد بيتاً ليسدها، فلعلك أن تسعدني، فقلت:
وحلت جانبيك مروج زهر ... تحاكي طيب أوقاتي لديه
ومنه إجازة بيت وقسيم بقسيم
كما روى إسحاق الجصاص، قال: صنع زهير بن أبي سلمى بيتاً وقسيماً، وهما:
تراك الأرض إما مت خفاً ... وتحيا إن حييت بها ثقيلا
نزلت بمستقر العز منها
стр. 59
ثم أكدى، فمر به النابغة الذبياني فقال له: أجز يا أبا أمامة، وأنشده فأكدى لنابغة، وأقبل كعب بن زهير، وإنه لغلام، فقال له أبوه: أجز يا بني، فقال: وما أجيز؟ فأنشده فقال:
وتمنع جانبيها أن يزولا
فضمه زهير إليه وقال له: أنت ابني حقاً
ومن ذلك، ما رواه إسحاق الموصلي
قال: ولد للفضل بن يحيى بن خالد مولود، فدخل عليه أبو النضير عمر بن عبد الملك ولم يكن علم الخبر، فلما مثل بين يديه ورأى الناس يهنئونه نثراً ونظماً وقف وأنشد ارتجالاً:
ويفرح بالمولود من آل برمكٍ ... بغاة الندى والسيف والرمح والنصل
وتنبسط الآمال فيه لفضله
ثم أرتج عليه، فلم يدر ما يقول، فقال الفضل يلقنه:
ولا سيما إن كان من ولد الفضل
فاستحسن الناس بديهته، وأمر لأبي النضير بصلة.
أنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي
قال: أنبأني الفقيه أبو القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي عن أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، قال: أخبرني أبو زكريا يحيى بن علي الأنصاري فيما أظن، وقد كتبت منه - قال: أخبرني عمر بن الصيرفي المقري، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله عن أبيه، أنه سمع أبا عمرو الكلبي قال: كنت جالساً عند أبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه، فأتاه من بعض إخوانه طبق فيه أنابيب من قصب السكر، وكتاب معه، فحول ابن عبد ربه الكتاب، وجاوبه بديهة وكتب في الجواب:
بعثت يا سيدي حلو الأنابيب ... عذب المذاقة مخضر الجلابيب
كأنما العسل الماذي شيب به
قال الكلبي: ثم توقف، فقال: يا كلبي، أجز هذا البيت فإني لا أجد له تماماً، فقلت:
لا بل يزيد على المازي في الطيب
فقال: أحسنت يا كلبي، ثم أخذ القلم وأراد أن يكتبه على ما قلت، ثم كره الاستعارة فأطرق قليلاً ثم قال:
أو ريق محبوبةٍ جادت لمحبوب
قال الكلبي: فقمنا وقبلنا رأسه سروراً منا بقوله.
وأخبرني القاضي السعيد ابن سناء الملك
قال: صنعت:
قد كان لي منديل كم ساذجٍ ... ما جاز مسح يدي به في مذهبي
فاعتضت عنه بخد من أحببته
стр. 60
وأرتج علي، فلم أستطع أكمل البيت، فاستجزت القاضي تاج الدين ابن الجراح، فقال:
فمسحت في منديل كم مذهب
ومنه إجازة بيتين ببيت
فمن ذلك ما روى لنا أن أبا دلامة زيد بن الجون مولى بني أسد دعا السيد الحميري إلى منزله، فبكت ابنة له، فحملها على عاتقه، فبالت عليه فوضعها مغضباً، وقال:
بللت علي لا حييت ثوبيفبال عليك شيطان رجيم
فما ولدتك مريم أم عيسى ... ولا رباك لقمان الحكيم
ثم استجاز السيد الحميري، فقال:
ولكن قد تضمك أم سوءٍ ... إلى لباتها وأب لئيم
فضحك أبو دلامة وقال: عليك لعنة الله؛ ما دعاك إلى هذا كله! ثم حلف لا ينازعه بيتاً بعدها، فقال له السيد: يكون الهرب من جهتك لا من جهتي.
وقد روى أبو الفرج هذه الحكاية بإسناد ينتهي إلى علي بن إسماعيل؛ قال: كنت أسقي أبا دلامة والسيد ... ولم يذكر سوى البيت الثاني من بيتي أبي دلامة.
ورواها أبو الفرج أيضاً بإسناد ينتهي إلى الهيثم بن عدي، وأنها كانت بين أبي دلامة وأبي عطاء السندي، وأن أبا عطاء أجاز بيته بأن قال:
صدقت أبا دلامة لم تلدها ... مطهرة ولا فحل كريم
ولكن قد حوتها أم سوءٍ ... إلى لباتها وأب لئيم
وعلى هذه الرواية تدخل في باب المجاوبة.
وذكر ابن رشيق في كتاب الأنموذج
قال: اجتمعت بأبي حديدة الشاعر يوماً وأنا سكران، فسألني عن حال المكان الذي كنت فيه، فوصفته له، وأفضت بي صفته إلى ذكر غلام كان ساقياً، فقلت في عرض الكلام ولم أرد الوزن:
فشربتها من راحتي ... هـ كأنها من وجنتيه
وكأنها في فعلها ... تحكي الذي في ناظريه
وقلت له: أجز، فقال:
وشممت وردة خده ... نظراً ونرجس مقلتيه
فقلت له: أحسنت في شمك بالنظر؛ كما سمع أبو الطيب بالبصر حيث يقول:
كالخط يملأ مسمعي من أبصرا
واجتمع أبو عبد الله بن شرف الجذامي يوماً بأبي علي بن رشيق فوصف له منزلاً ضيقاً كان فيه، ثم صنع في صفته
فقال:
стр. 61
ومنزلٍ قبح من منزلٍ ... النتن والظلمة والضيق
كأنني في وسطه فيشة ... ألوطه والعرق الريق
وكان ابن شرف أعور أصلع، فقال: ابن رشيق يداعبه على طريق الإجازة:
وأنت أيضاً أعور أصلع ... فوافق التشبيه تحقيق
ولو قال ابن شرف: كأنني في وسطه فيشة في فقحة ... لكان أوضح في تشبيه المنزل.
قال علي بن ظافر
وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد ﵀، بما هذا معناه: أنه كان عند أبي المعالي بن الشماس كاتب القاضي الأسد ابن مماتي في ليلة اصطلى فيها بالجمر، من كئوس الخمر، واجتلى بها النجوم الزهر، من مجتنى نجوم الزهر؛ قال: فأفضت في ذمها، وذكر عظيم إثمها، ثم ندمت على ما فرط، واعتذرت اعتذار من فرط، فقلت:
شربتم قهوةً وشربت ماءً ... فأغناني اللجين عن النضار
ومن بانت أحبته وساروا ... تعلل بالتشاغل بالديار
ثم استجزته فقال:
وكنت نظيركم بالشم منها ... ولكني سلمت من الخمار
قال علي بن ظافر
بتنا ليلةً على المقياس عند مبالغة النيل في نقصه واحتراقه، وانفراجه عما لم يزل مستوراً من أرصفه وانفراقه، والمراكب قد انتظمت في لبته، ور كدت بالإرساء فوق لجته، وأحاطت به إحاطة المحيط بنقطته، وسفهاء الرياح تعبث بها حتى كادت تذهب بورقها، وأجسادها قد لبست لفقد الماء حداد قارها وهي في أوكارها، من المراسي مزمومة، وأجنحة قلوعها لعارض الليل مضمومة، فقلت بديهاً:
أو ما ترى المقياس قد حفت به ... سود المراكب فوق ظهر اللجة
يسمو وقد حفت به كقلادةٍ ... سبحيةٍ في لبةٍ فضية
واستجزت القاضي الأعز بن المؤيد ﵀ فقال:
وكأنه حصن عليه عسكر ... للزنج لف بنوده للحملة
ومنه إجازة بيتين بأكثر من بيت كما روى العباس ابن الفضل بن الربيع
قال: غضب الرشيد على جارية له، فحلف لا يدخل إليها، ثم ندم فقال:
صد عني إذ رآني مفتن ... وأطال الصد لما أن فطن
стр. 62
كان مملوكي فأضحى مالكي ... إن هذا من أعاجيب الزمن
ثم قال لجعفر بن يحيى: اطلب لي من يزيد في هذين البيتين؛ فقال: ليس لهما إلا أبو العتاهية - وكان محبوسا - فبعثوا إليه، فكتب إلى الرشيد:
يا بن عم النبي سمعاً وطاعةً ... قد خلعنا الكساء والدراعة
ورجعنا إلى الصناعة لما ... كان سخط الإمام ترك الصناعة
فأمر بإطلاقه وصلته، فقال: الآن طاب القول؛ ثم قال يجيزهما:
عزة الحب أرته ذلتي ... في هواه وله وجه حسن
فلهذا صرت مملوكاً له ... ولهذا شاع ما بي وعلن
فقال الرشيد: أحسنت والله وأصبت ما في نفسي، وأضعف صلته.
وذكرها الصولي في الأوراق بقريب من هذا، وأنه كتب إليه لما أمر بالإجازة يقول:
ضعف المسكين عن تلك المحن ... لهلاك الروح منه والبدن
ولقد كلفت شيئاً عجباً ... زاد في النكبة واستوفى المحن
قيل فرحنا وأبى فرح ... أن يوافيني في بيت الحزن
ولم يذكر العينية: وأما يزيد بن محمد المهلبي فإنه روى البيتين اللذين هما على قافية العين لموصولين بالهاء لإسحاق الموصلي، وذلك أنه كتب بهما إلى المأمون، وكان قد ترك الغناء والمنادمة فسجنه.
وذكر محمد بن جرير الطبري في تاريخه الكبير
قال: خرج كوثر خادم الأمين لينظر الحرب أيام محاصرة طاهر بن الحسين وهزيمة ابن أعين لبغداد، فأصابه سهم غرب فجرحه، فدخل على الأمين وهو يبكي لألم الجراحة، فلم يتمالك الأمين أن جعل يمسح عنه الدم ويقول:
ضربوا قرة عيني ... ومن أجلي ضربوه
أخذ الله لقلبي ... من أناسٍ أوجعوه
ثم ارتج عليه، فاستدعى الفضل بن الربيع، وأمره بإحضار شاعر يجيز البيتين، فاستدعى لذلك عبد الله بن محمد بن أيوب التيمي، وأنشدهما له فقال:
ما لمن أهوى شبيه ... فبه الدنيا تتيه
وصله حلو ولكن ... هجره مر كريه
стр. 63
من رأى الناس له الف ... ضل عليهم حسدوه
مثل ما قد حسد القا ... ئم بالملك أخوه
فأمر الأمين له بوقر ثلاثة أبغل دراهم؛ فلما ولى المأمون الخلافة واستقر الأمر له توسل إليه عبد الله بالحسن بن سهل، فلما دخل عليه، قال: ألست القائل:
ما لمن أهوى شبيه
فقال: بل أنا القائل:
نصر المأمون عبد الل ... هـ لما ظلموه
نقضوا العهد الذي كا ... نوا قديماً أكدوه
لم يعامله أخوه ... بالذي أوصى أبوه
وأنشده في مدحه قصيدة أولها:
جزعت ابن تيم أن علاك مشيب ... وبان شباب والشباب حبيب
فأمره له بعشرة آلاف درهم.
وذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتاب القيان والمغنين
أن المأمون قال يوماً لمتيم الهاشمية، جارية على بن هشام: أجيزي:
تعالى تكون الكتب بيني وبينكم ... ملاحظة نومي بها ونشير
فعندي من الكتب المشومة حيرة ... وعندي من شؤم الرسول أمور
فقالت:
جعلت كتابي عبرةً مستهلةً ... ففي الخد من ماء الجفون سطور
ورسلي لحاجاتي وهن كثيرة ... إليك إشارات بها وزفير
أنبأني الشيخان
الشيخ الأجل العلامة تاج الدين أبو اليمن الكندي، والشيخ الأجل الفقيه جمال الدين بن الحرستاني إجازة، قالا: أخبرنا الإمام الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن أحمد ابن الحسين، أخبرنا أحمد بن محمد بن الصلت، حدثنا أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني، أخبرني حعفر بن قدامة، قال: اشترى أبو عبادة جاريته سلمى اليمانية، من نخاس مكي قدم بها عليه، فلما جاءه بها أراد أن يمتحنها، فأنشده:
من لمحب أحب في صغره ... فصار أحدوثةً على كبره
من نظرٍ شفه فأرقه ... وكان مبد هواه من نظره
ثم قال لها: أجيزي، فقالت مجيبة غير متوقفة:
стр. 64
لولا التمني لمات من كمدٍ ... مر الليالي يزيد في فكره
ما إن له مسعد فيسعده ... بالليل في طوله وفي قصره
الجسم يبلى فلا حراك به ... والروح فيما أرى على أثره
أنبأني الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي، عن الحافظ السلفي إجازة
قال: أنبأنا أبو محمد جعفر بن السراج اللغوي وابن بعلان الكبير، قالا: حدثنا أبو نصر عبد الله بن سعيد السجستاني الحافظ، قال: أخبرنا أبو يعقوب النجيرمي، حدثنا أبو الحسين المهلبي عن أبي الفوارس، عن يعقوب ابن السكيت، قال: عزم محمد بن عبد الله بن طاهر على الحج، فخرجت جارية إليه شاعرة، فبكت لما رأت آلة السفر، فقال محمد بن عبد الله:
دمعة كاللؤلؤ الرط ... ب من الطرف الكحيل
هطلت في ساعة البي ... ن على الخد الأسيل
فقالت الجارية:
حين هم القمر الزا ... هر عنا بالأفول
إنما يفتضح العش ... اق في وقت الرحيل
قال علي بن ظافر
ذكر ابن رشيق في كتاب الأنموذج ما معناه، قال: خرج أبو العباس بن حديدة القيرواني في جماعة من رفقائه طالباً للتنزه، فحلوا بروضةٍ قد سفرت عن وجنات الشقيق، وأطلعت في زبرجد الأرض الخضراء نجوماً من عقيق، والجو قد أفرط في تعبيسه، ونثر لغيظه جميع ما كان من لؤلؤ القطر في كيسه، فقال ابن حديدة:
أو ما ترى الغيث المعرس باكياً ... يذري الدموع على رياض شقيق
فكأن قطر دموعه من فوقها ... در تبدد في بساط عقيق
قال: وأنشدنيهما، فأجزتهما بأن قلت:
فاجمع إلى شكليهما بزجاجةٍ ... شكلين من حببٍ وصفو رحيق
فكأنما انتصرا لعبرة عاشق ... مهراقةٍ في وجنتي معشوق
وبالإسناد المتقدم عن ابن بسام
قال في كتاب الذخيرة - ورواه الفتح بن خاقان في كتاب قلائد العقيان - قال: ذكر أبو إسحاق بن خفاجة الحريري الأندلسي قال: اجتمعت مع عبد الجليل بن وهبون المرسي، ونحن نريد المرية أيام مقام العدو بحصن بلبيط، فبتنا بلزقه نتجاذب أذيال المذاكرة إلى أن قام السفر
стр. 65
في السحر، للسرى والسفر، وقد شهروا سلاحهم، وأظهروا عددهم لقربهم من العدو، فظهر من عبد الجليل الجزع، والارتياع والهلع، مما ألجأني إلى تسكينه بإنشاد عجائب الأشعار، وإيراد غرائب الأخبار، وهو لا يفهم ما أورده، ولا يعقل معاني ما أسرده، فمررنا في الطريق بمشهدين متقابلين، وعليهما رأسان منصوبان فقلت:
ألا رب رأسٍ لا تزاور بينه ... وبين أخيه والمزار قريب
أناف به صلد الصفا فهو منبر ... وقام أعلاه فهو خطيب
ثم استجزته باستطالةٍ فقال:
يقول حذار الإغترار فطالما ... أناخ قتيل بي وفر سليب
وينشدنا إنا غريبان ها هنا ... وكل غريب للغريب نسيب
فإن لم يزره صاحب أو خليله ... فقد زاره نسر هناك وذيب
وها هو أما منظراً فهو ضاحك ... إليك وأما نصبه فكئيب
قال أبو إسحاق: فما أتم إنشاده حتى طلعت سرية العدو فأوقعت بالركب، فأناخ قتيلاً، وبحوت مسلوباً، فعجبت من هذا الاتفاق.
قال وصنع يوماً الأعز أبو الحسن بن المؤيد رحمه الله تعالى بديهاً في مغنٍ
مغن صوته يحكيه في حسن وفي لين
يغنيني فيغنيني ... ويحيا إذ يحييني
واستجاز شهاب الدين يعقوب ابن أخت الوزير نجم الدين بن المجاور فقال:
ويسقيني سلاف الرا ... ح من فيه فيشفيني
تعجلت به أجري ... ولم أعطف على ديني
ومنه إجازة أبيات ببيت
كما أنبأني الشيخان تاج الدين أبو اليمن زيد بن حسن الكندي وجمال الدين الحرستاني إجازة عن الإمام الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر، قال: أخبرنا أبو القاسم الحسين بن محمد، أخبرنا أبو الفرج سهل بن بشر، أخبرنا أبو الحسين علي بن عبد الله الهمداني إجازة، أخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن خيران، أخبرنا ابن الأنباري، قال: دخل الزبير بن بكار على أمير المؤمنين المعتز بالله وهو محموم، فقال له: يا أبا عبد الله إني قد قلت في ليلتي هذه أبياتاً، وقد أعيا على إجازة بعضها، وأنشدني:
стр. 66
إني عرفت علاج الجسم من وجعي ... وما عرفت علاج الحب والجزع
جزعت للحب، والحمى صبرت لها ... إني لأعجب من صبري ومن جزعي
من كان يشغله عن حبه وجع ... فليس يشغلني عن حبكم وجعي
فقال أبو عبد الله:
وما أمل حبيبي، ليتني أبداً ... مع الحبيب، ويا ليت الحبيب معي
فأمر له على هذا البيت بألف دينار.
وبهذا الإسناد عن الإمام الحافظ ابن عساكر
قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن المحسن بن أحمد الملحي لفظاً - وكتبه لي بخطه - قال: حدثني السابق أبو اليمن محمد بن الخضر المعري، قال: اجتمعت بأبي عبد الله ابن الخياط - يعني الشاعر الدمشقي بطرابلس - وكنت أنا وهو نجلس في دكان عطار نصراني، يعرف بأبي المفضل، فيه ذكاء ومحبة للأدب، فخرجنا يوماً إلى ظاهر البلد، فاخترنا موضعاً نجلس فيه على غدير هناك، فقال ابن الخياط بديهياً:
أو ما ترى قلق الغدير كأنه ... يبدو لعينك منه حلى مناطق
مترقرق لعب الشعاع بمائه ... فتراه يخفق مثل قلب العاشق
فإذا نظرت إليه راقك لمعه ... وعللت طرفك من سراب صادق
ولم يفتح الله على السابق ولا بلفظة، فقال العطار:
قد كنت أرجو أن تكون مصلياً ... حتى رأيتك سابقاً للسابق
فاستحسنا ما أتى به العطار، وجعلناه من مأثور الأخبار.
قال أبو عبد الله: وكان السابق لا يحفظ من شعره بيتاً واحداً، وأبو عبد الله بن الخياط بخلافه، يحفظ شعره منذ عمله إلى أن مات.
ومنه إجازة أكثر من بيت بأكثر من بيت
فمن ذلك ما ذكره الثعالبي في كتاب اليتيمة من حكاية أبي الفرج الببغاء في دير مران، ووصفها بأن قال: وهي وإن كان فيها بعض طول، فالبديع غير مملول؛ وكل ما أرويه وأسنده إلى اليتيمة في هذا الكتاب فهو مما أجازه لي القاضي الفقيه نبيه الدين أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي - رحمه الله تعالى - قال: أخبرنا الشيخ الفقيه أبو القاسم علي بن مهدي الإسكندري، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن سلامة الهذلي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن الحسن التميمي، قال: أخبرنا أبو محمد إسماعيل بن محمد النيسابوري، قال:
стр. 67
أخبرنا أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي - وقد تقدم ذكر هذا الإسناد - قال الثعالبي: قال أبو الفرج واللفظ له: تأخرت عند سيف الدولة بدمشق مكرهاً، وقد سار عنها في بعض وقائعه، وكان الخطر شديداً على من أراد اللحوق به من أصحابه، حتى إن ذلك كان يؤدي إلى الهب وطول الاعتقال، فاضطررت إلى إعمال الحيلة والسلامة بخدمة من بها من رؤساء الدولة الإخشيدية، وكانت سني في ذلك الوقت عشرين سنة، وكان انقطاعي منهم إلى أبي بكر علي بن صالح الروذباري لتقدمه في الرياسة، ومكانه من الفضل والصناعة فأحسن تقبلي وبالغ في الإحسان إلي وحصلت تحت الضرورة والمقام، فتوفرت على قصد البقاع المستحسنة، والمتنزهات المطروقة، تسلياً وتعللا، فلما كان في بعض الأيام، عملت على قصد دير مران - وهذا الدير مشهور الموقع في الجلالة وحسن المنظر - فاستصحبت بعض من كنت آنس به، وتقدمت بحمل ما يصلحنا، وتوجهت نحوه، فلما حصلنا تحته أخذنا في شأننا. وقد كنت اخترت من رهبانه لعشرتنا من توسمت فيه رقة الطبع، وسجاحة النفس، حسبما جرى به الرسم والعادة في غشيان الأغمار، وطروق الديرة من التظرف بعشرة أهلها والأنسة بسكانها، ولم تزل الأقداح دائرة بين مطرب الغناء ومزاهر المذاكرة إلى أن فض اللهو ختامه، ولوح السكر لصحبي أعلامه، فحانت مني التفاتة إلى بعض الرهبان، فوجدته إلى خطابي متوثباً، ولنظري إليه مترقباً، فلما أخذته عيني أكب يزعجني بخفى الرمز ووحي الإيماء، فاستوحشت لذلك وأنكرته، ونهضت عجلاً واستحضرته، فأدرج لي رقعة مختومة، وقال لي: قد لزمك فرض الأمانة فيما تتضمنه هذه الرقعة وسقط ذمام كاتبها في سترها بك عني، ففضضها فإذا فيها مكتوب بأحسن خط وأملحه وأقواه وأوضحه: بسم الله الحمن الرحيم. لم أزل فيما تؤديه هذه الرقعة - يا مولاي - بين حزم يحث على الانقباض عنك؛ وحسن ظن يحض على التسامح بنفيس الحظ منك، إلى أن استنزلتني الرغبة فيك على حكم الثقة بك من غير خبرة، فرفعت سجف الحشمة، وأطعت في الانبساط أوامر الأنسة، وانتهزت في التوصل إلى مودتك فأنت الفرصة. والمسماح منك - جعلني الله فداك - زورة أرتجع بها ما اغتصبتنيه الأيام من المسرة، مهنأة بالإنفراد إلا من غلامك، الذي هو مادة مسرتك.
стр. 68
وما ذاك عن خلق بضيق بطارقٍ ... ولكن لأخذي باحتياطٍ على حالي
فإن صادف ما خطبته منك أيدك الله قبولا ولديك نفاقاً فمنية غفل الدهر عنها، إذ فارق مذهبه فيما أهداه إلى منها، وإن جرى على رسمه في المضايقة فيما أوثره وأهواه، وأترقبه من قربك وأتمناه، فذمام المروءة يلزمك رد هذه الرقعة وسترها وتناسيها، واطراح ذكرها إن شاء الله تعالى. وإذا بأبيات تتلو الخطاب وهي:
ياعامر العمر بالفتوة وال ... قصف وحث الكئوس والطرب
هل لك في صاحبٍ تناسب في ال ... غربة أخلاقه وفي الأدب
أوحشه الدهر فاستراح إلى ... قربك مستنصراً على النوب
فإن تقبلت ما أتاك به ... لم تشب الظن فيك بالكذب
وإن أبي الدهر دون رغبته ... فكن كمن لم يقل ولم يجب
قال أبو الفرج: فورد على ما حيرني، واسترد ما أخذه الشراب من تمييزي، وحصل لي في الجملة أن أغلب الأوصاف على صاحبها في الكتابة خطا وترسلاً ونظماً، وشاهدته بالفراسة من ألفاظه، وحمدت أخلاقه قبل الاختبار من رقعته، فقلت للراهب: ويحك! من هذا؟ وكيف السبيل إلى لقائه؟ فقال: أما ذكر حاله فإليه إذا اجتمعنا، وأما السبيل إلى لقائه فسهل إن شئت، قلت: دلني، قال: تظهر فتوراً، وتنصب عذراً تفارق به أصحابك منصرفاً؛ فإذا صرت بباب الدير عدلت بك إلى باب صغير تدخل منه. فرددت الرقعة عليه وقلت: أدفعها إليه ليتمكن أنسه بي وسكونه إلي، ثم عرفته أن التوفر على إعمال الحيلة المبادرة إلى حضرته على ما آثره من التفرد أولى من التشاغل بإصدار جواب وقطع وقت بكتابته.
ومضى الراهب وعدت إلى أصحابي بغير النشاط الذي ذهبت به؛ فأنكروا ذلك مني، فاعتذرت إليهم بشيء عرض لي، واستدعيت ما أركبه، وتقدمت إلى من كان معي من الخدم بالتوفر على خدمتهم؛ وقد كنا عولنا على المبيت، فأجمعوا على تعجيل السكر والانصراف، وخرجت من باب الدير ومعي صبي صغير كنت آنس به وبخدمته، وتقدمت إلى الشاكري برد الدابة وستر خبري ومباكرتي. وتلقاني الراهب، فعدل بي إلى طريق في مضيق، وأدخلني الدير من طريق غامض، وصار بي إلى باب قلايةٍ يتميز عما يجاوره من الأبواب نظافةً وحسناً، فقرعه بحركات مختلفة كالعلامة بينهما، فابتدرنا منه غلام كأن البدر ركب على أزراره: مهفهف
стр. 69
الكشح مخطفه، معتدل القوام أهيفه، تخال الشمس برقعت غرته، والليل ناسب أصداغه وطرته.
في غلالة تم على ما تستر، وتجفو مع رقتها عما يظهر، وعلى رأسه مجلسية، فصمته فبهر عقلي، واستوقف نظري، ثم أجفل كالظبي المذعور، وتلوته والراهب إلى صحن القلاية، فإذا أنا ببيت فضي الحيطان، رخامي الأركان، يضم طارمة خيش مفروشة بحصير مستعمل، فوثب إلينا منه فتى مقتبل الشبيه، حسن الصورة، ظاهر النبل والهيئة، متزى من اللباس بزي غلامه، فلقيني حافياً يعثر في سراويله، واعتقني، ثم قال: إنما استخدمت هذا الغلام في تلقيك يا سيدي لأجعل ما لعلك استحسنته من صورته، مصانعاً لما يرد عليك من مشاهدتي.
فاستحسنت اختصاره الطريق إلى بسطى، وارتجاله إلى النادرة على نفسه حرصاً على تأنيسي. وأفاض في شكري على المسارعة إلى امتثال أمره، مكدود بمن كان معك، والتمكن من الأنس بك لا يتم إلا براحتك.
وقد كان الأمر على ما ذكر، فاستلقيت يسيراً ثم نهضت، فخدمت في حالتي النوم واليقظة الخدمة التي عهدتها في دار الملوك وجلة الرؤساء. ثم جاءنا خادم لم أر أحسن وجهاً، ولا أتم سواداً منه، يضم ما يتخذ للعشاء مما خف ولطف، فقال: يا سيدي العشاء مني للحاجة، ومنك للمؤانسة. فنلنا شيئاً.
وأقبل الليل وطلع القمر، ففتحت مناظر ذلك البيت إلى فضاءٍ أدى إلينا محاسن الغوطة، وحبانا بذخائر رياضها من المنظر الجناني، والنسيم العطري، وجاءنا الراهب من الأشربة بما وقع اتفاقنا عليه، واقتعدنا غارب اللذة، وجرينا في ميدان المفاوضة، وأخذ يناهبني نوادر الأخبار وملح الأشعار، ويخلط ذلك من المرح بأظرفه، ومن التودد بألطفه، فلما توسطنا الشرب التفت إلى غلامه وقال: يا مترف، إن مولاك لم يدخر عنا ممكناً من السرور بحضرته فينبغي لنا ألا ندخر ممكناً من تمام مسرته. فامتقع وجه الغلام حياء وخفراً، فأقسم عليه بحياته، وأنا لا أعلم ما يريد، فمضى ثم عاد يحمل طنبوراً، وجلس فقال لي: تأذن لي يا سيدي في خدمتك؟ فهممت بتقبيل يديه، لما داخلني من عظم المسرة بذلك، فأصلح الغلام الطنبور، وضرب وغنى يقول:
يا مالكى وهو ملكي ... وسالبي ثوب نسكي
نزه يقين الهوى في ... ك عن تعرض شك
لولاك ما بت أبكي ... إلى الصباح وأبكي
стр. 70
فنظر إلى الغلام وتبسم، فعلمت أن الشعر له، وكدت - والله - أن أطير طرباً وفرحاً لملاحة خلقه وجودة ضربه، وعذوبة منطقه، وتكامل حسنه. فاستدعيت كيزاناً، فأحضر الغلام عدة قطع من البلور وجيد الجام المحكم فشربت سروراً بوجهه، وشرب بمثل ما شربت به. ثم قال: أنا - والله - يا سيدي أحب ترفيهك، ألا أقطعك عما أنت متوفر عليه، ولكن حيث عرف الاسم والنسب والصناعة واللقب، فلا بد أن تسم ليلتنا هذه بشيء يكون لها طرازاً، ولذكرها علماً. فجذبت الدواة وكتبت ارتجالاً، وقد أخذ الشراب مني:
وليلة أوسعتني ... لهواً وحسناً وأنسا
ما زلت ألثم بدراً ... بها، وأشرب شمسا
إذ أطاع الدير سعداً ... لم يبق مذآب نحسا
فصار للروح مني ... روحاً وللنفس نفسا
فطرب لقولي: ألثم بدراً وأشرب شمسا، وجذب غلامه فقبله، وقال: لم أجهل يا سيدي ما يجب لك من التوقير، وإنما اعتمدت تصديقك فيما ذكرته، فبحياتي إلا فعلت مثل ذلك بغلامك، فاتبعت آثاره خوفاً من احتشامه، ثم أخذ الأبيات وجعل يرددها، ثم أخذ الدواة وكتب إجازة لها:
ولم أكن لغريمي ... والله أبذل فلسا
لو ارتضى لي غريمي ... بدير مران حبسا
فقلت له: إذاً - والله - ما كان أحد يؤدي حقاً ولا باطلا.
وداعبته في هذا المعنى بما حضرني، وعرفت في الجملة أنه مستتر من دين قد ركبه، فقال لي: يا سيدي، قد خرج لك أكثر الحديث، فإن عذرت وإلا ذكرت لك القصة. فآثرت مراده في كتمان أمره. فقلت يا سيدي! كل ما لا يتعرف بك نكرة، وقد أغنت المشاهدة عن الاعتذار، ونابت الخبرة عن الاستخبار، وجعل يشرب وينتخب من غير إكراه ولا إبطاء، إلى أن رأيت الشراب قد دب فيه، وأكب على محادثة غلامه والفطنة تثنيه في الوقت بعد الوقت، فأظهرت السكر وحاولت النوم، وجاء الغلام ببرذعة ففرشها بإزاء برذعته، فنهضت إليها، فقام وتفقد أمري بنفسه، فقلت له: إن لي مذهباً في تقريب غلامي مني، واعتمدت في ذلك تسهيل ما يختاره من غلامه في هذه الحال، فتبسم وقال لي بسكره: وجمع الله لك المسرة كما جمعه لي بك.
стр. 71
وأظهرت النوم، وعاد يحادث غلامه بأعذب لفظ وأحلى معاتبة، ويخلط ذلك بمواعيد تدل على سعة حال وانبساط يد، وغلامه تارة يقبل يده وتارة يقبل فمه.
وغلبني عيناي إلى أن أيقظني هواء السحر، فانتبهت وهما متعانقان مما عليهما من اللباس فأوردت توديعه، وكرهت إنباهه وإزعاجه، فخرجت، فلقيني الخادم يريد إيقاظه وتعريفه انصرافي، فأقسمت عليه ألا يفعل، ووجدت غلامي قد بكر بما أركبه كما كنت أمرته، فركبت منصرفاً، وعازماً على العودة إليه والتوفر على مواصلته، وأخذ الحظ من معاشرته، ومتوهماً أن ماكنت فيه منام لطيبه، وقرب آخره من أوله.
واعترضتني أسباب أدت إلى اللحاق بسيف الدولة، فسرت على أتم حسرة لما فاتني من معاودة لقائه، وقلت في ذلك:
ويومٍ كأن الدهر سامحنا به ... فصار اسمه ما بيننا هبة الدهر
جرت فيه أفراس الصبا بارتياحنا ... إلى دير مران المعظم والعمر
بحيث هواء الغوطتين معطر ال ... نسيم بأنفاس الرياحين والزهر
فمن روضة بالحسن ترفد روضةً ... ومن نهرٍ بالفيض يجري إلى نهر
وفي الهيكل المعمور منه افترعتها ... وصحبي حلالاً بعد توفية المهر
ونزهت عن غير الدنانير قدرها ... فما زلت منها اشرب التبر بالتبر
وحل لنا ما كان منها محرماً ... وهل يحظر المحظور في بلد الكفر!
فأهدت لي الأيام منها مودةً ... دعتني إلى ستر فلبيت في ستر
أتى من شريف الطبع أصدق رغبة ... يخاطبني عن معدن النظم والنثر
فلاقيت ملء العين نبلاً وهمةً ... محلى السجايا بالطلاقة والبشر
وكان جوابي طاعةً لا مقالةً ... ومن ذا لايستجيب إلى اليسر!
وأحشمني بالود حتى ظننته ... يريد اختداعي عن حياتي ولا أدري
ونزه عن غيري الصفاء اجتماعنا ... فكنت وإياه كقلبين في صدر
وشاء سرور أن يلينا بثالث ... فلاطفنا بالبدر أو بأخي البدر
بمعطٍ عيوناً ما اشتهت من جماله ... ومضنٍ قلوباً بالتجنب والهجر
جنينا جنى الورد في غير وقته ... وزهر الربا من ورد خديه والثغر
وقابلنا من وجهه وشرابه ... بشمسين في جنحي دجا الليل والشعر
وغنى فصار السمع كالطرف آخذاً ... بأوفر حظ من محاسنه الزهر
стр. 72
وأمتعنا من وجنتيه بمثل ما ... تمزج كفاه من الماء والخمر
سرور شكرنا منة الصحو إذ دعا ... إليه، ولم نشكر به منة السكر
كأن الليالي نمن عنه فعندما ... تنبهن نكبن الوفاء إلى الغدر
مضى فكأني كنت منه مهوماً ... يحدث عن طيف الخيال الذي يسري
وهل يحصل الإنسان من كل ما به ... تسامحه الأيام إلا عن الذكر!
ولم أزل على أتم قلق، وأعظم حسرة وأشد أسف، على ما سلبته من عظيم النعمة بفراق الفتى؛ لاسيما ولم أحصل منه على حقيقة علم، ولا نص خبر؛ يؤديان إلى الطمع في لقائه إلى أن عاد سيف الدولة إلى دمشق، وأنا في جملته؛ فما بدأت بشئ قبل مصيري إلى الراهب، وقد كنت حفظت اسمه فخرج إلي مرعوباً؛ وهو لا يعلم ما السبب.
فلما رآني استطار فرحاً، وأقسم لا يكلمني إلا بعد النزول والمقام عنده يرمى ذلك؛ فلما جلسنا للمحادثة قال لي: أراك لا تسألني عن صاحبك! قلت: والله ما لي فكر ينصرف عنه، ولا أسف يتجاوز ما حزته منه، ولا سررت بعودي إلى هذا البلد إلا من أجله، ولذلك بدأت بقصدك، فاذكر لي خبره.
فقال أما الآن فنعم؛ هذا فتى من المارداتيين، جليل القدر، عظيم النعمة، كان قد ضمن من سلطانه بمصر ضياعاً بمال عظيم، فخاس به ضمانه لقعود السعر عنه، وأشرف على الخروج من نعمته، فاستتر. ولما اشتد البحث عنه خرج مستخفياً إلى أن ورد دمشق بزي تاجر، وكان استتاره عند بعض إخوانه ممن لي به ارتباط، فإني كنت عنده يوماً إذ ظهر لي وقال لصديقه: إني أريد الانتقال إلى هذا الراهب إن كان مأموناً إذ ظهر لي وقال لصديقه مذهبي، وأظهرت له السرور بما رغب فيه من الأنس بي، وأنا لا أعرفه؛ غير أن صديقي قد أمرني بخدمته.
فلما حصل في قلايتي واصل الصوم، فلما كان بعد أيام، جاءنا الرسول من عند صديقنا، ومعه الغلام والخادم وقد لحقا به، ومعهما سفاتج، وعليهما ثياب رثة، فلما نظر إلى الغلام والخادم قال: يا راهب قد حل الفطر، وجاء العيد. ووثب إلى الغلام فاعتنقه، وجعل يقبل عينيه ويبكي، ثم وقف على السفاتج، فأنفذها مع رقعة إلى صديقه.
فلما كان بعد يومين حمل إليه ألفى دينار وما يحتاج إليه من فرش وملبوس؛ ولم يزل مكبا على ما رأيت إلى أن ورد عليه البغال والآلات السنية الحسنة من مصر، وكتب إليه أهله باجتماعهم بصاحب مصر وتعريفهم إياه الحال في بعده عن وطنه لضيق ذات
стр. 73
يده عما يطالب به والتوقيع بحطيطة المال فلما أعمل المسير قال لغلامه: سلم جميع مابقى معك من النفقة إلى الراهب ليصرفه في مصالح الدير إلى أن نواصل تفقده في مستقرنا، وسار وماله حسرة غيرك، ولا أسف إلا عليك، يقطع الأوقات بذكرك؛ ولا يشرب إلا على ما يغنيه الغلام من شعرك، وهو الآن بمصر على أحسن الأحوال وأجملها ما يخل بتفقدي، ولا يغب بري.
قال أبو الفرج: فتعجلت بعد السلوة بما عرفت من حقيقة خبره، وأتممت يومي عند الراهب، وكان آخر العهد به.
قال علي بن ظافر: أقسم بالله إن هذه الحكاية - وإن طالت - لحقيقة أن تكتب بالمقل السود، على صفحات الخدود؛ ولقد أزرت بمرأى العقود بين الترائب والنهود؛ فرحم الله أبا الفرج وصاحبه؛ فلقد استحقا منا بهذه الحكاية حمداً وشكراً، وأبقيا لهما في الظرفاء ذكراً، ولقد بلغ من طربي بها، وارتياحي عند قراءتها، ما أنى أوسع هذا الفتى المارداني دعاءً وترحيماً، وأتبع ذكره صلاة عليه وتسليماً، حتى أني أكثر قصد ترب الماردانيين بالزيارة والدعاء؛ أملا أن يكون في جملتهم وطمعا أن يكون مدفونا معهم وما أنا وإياهم إلا كما قال خالد بن يزيد:
أحب بني العوام من أجل حبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا
وهذه غاية جهدي، مع تربة دائرة ورمةٍ بالية، فرحمة الله كلما غرب نجم وطلع، ونبت نجم وأينع، بحرمة محمد ﷺ !
أنبأني العماد أبو حامد، أخبرني علي الحسن بن سعد الشاتاني
قال لي نجم الدين بن الشهرزوري قاضي الموصل؛ دخل إلى شاب من أهل بغداد فأنشدني هذه الأبيات:
في نهر عيسى والهواء معنبر ... والماء فضي القميص صقيل
والطير إما هاتف بقرينه ... أو نادب يشكو الفراق ثكول
والدهر كالليل البهيم وأنتم ... غرر تضئ ظلامه وحجول
واستاجازني فقلت:
والغصن مهزوز القوام كأنما ... هبت عليه من الشمال شمول
وكأنما السرو التحفن بسندسٍ ... ورقصن فارتفعت لهن ذيول
قال علي بن ظافر
واتفقت لي وللقاضي الأجل شهاب الدين يعقوب سفرة إلى البيت المقدس للتبرك بما هناك من البقاع المقدسة، والمشاهد المعظمة،
стр. 74
وأجداث الأنبياء المباركة الطيبة؛ فلما جد بنا المسير، وسهل من فراق الأهل والأوطان العسير، وقطعت المطايا بنا الربا والوهاد، ولم يسمع إلا هيد وهاد، صنع الشهاب:
يا رب كالشهاب المحرق
قدحته من زند عودٍ أورق
يسير في الخرق مسير الأخرق
فهل رأت عيناك عدو النقنق
حتى إذا ماافتر ثغر المشرق
ثم استجازني فقلت:
ولاح في الجو احمرار الشفق
كالخمر صبت في زجاجٍ أزرق
بدا على الآل قطار الأينق
كمثل سطرٍ في بياض مهرق
أو كالمدارى في مشيب المفرق
كم بازلٍ في بحره كالزورق
أو كهلالٍ مشرقٍ في زبرق
وهذه أيضاً حكاية بديعة، تشتمل على نوعي الإجازة
القديم والعصري، قصدت بإيرادها في هذا الموضع أن تكون دهليزاً للخروج من القسم الأول، والدخول في القسم الثاني لما بينهما من الاشتراك فيها:
روى من طرق مختلفة كتبت أكملها وأتمها، أن الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر ارتاح منادمة من بعد عهده بمنادمته، أو من لم يره، وحضره صاحبه الحسن بن محمد بن طالوت - وكان أخص الناس به - فقال له: لابد لنا في يومنا هذا من ثالث، نطيب بمعاشرته، ونلتذ بصحبته ومؤانسته، فمن ترى أن يكون طاهر الأعرق، غير دنس الأخلاق؟ فأعمل فكره، وأمعن نظره، وقال: أيها الأمير؛ قد خطر ببالي رجل ليست علينا في مجالسته كلفة، قد خلا من إبرام المجالسة، وبرئ من ثقل المؤانسة، خفيف الوقفة إذا أحببت، سريع الوثبة إذا أمرت، قال: ومن ذاك؟ قال: ماني الموسوس، قال: أحسنت والله. فتقدم إلى أصحاب الأرباع بطلبه، فما كان أسرع من أن اقتنصه صاحب ربع الكرخ، فصار به إلى باب الأمير فأدخل الحمام، وأخذ من شعره،
стр. 75
وألبس ثياباً نظافاً، ثم أدخل عليه، فقال: السلام عليك أيها الأمير؛ فقال: وعليك السلام يا ماني، ألم يأن أن تزورنا على حين توقان منا إليك، ومنازعة قلوبنا نحوك! فقال ماني: الشوق شديد والمزار بعيد، والحجاب عتيد والبواب فظ، ولو سهل الإذن لسهلت علينا الزيارة، قال: لقد ألطفت في الاستئذان، فلا تمنع في أي وقت جئت من ليل أو نهار! ثم أذن له فجلس، ثم دعا بالطعام فأكل، ثم غسل يده وأخذ مجلسه، وكان محمد قد تشوق إلى السماع من تنوسة جارية ابنة المهدي، فأحضرت، فكان أول ما غنت:
ولست بناس إذ غدوا فتحملوا ... دموعي على الأحباب من شدة الوجد
وقولي وقد زالت بليلٍ حمولهم ... بواكر تخدى: لا يكن آخر العهد
فقال ماني: أحسنت والله، بحق رأس الأمير إلا ما زدت فيه:
أقمت أناجي الفكر والدمع حائر ... بمقلة موقوفٍ على الجهد والصد
ولم يعدني هذا الأمير بعزه ... على ظالم قد لج في الهجر والصد
فاندفعت تغنيه، فرق محمد عبد الله له وقال: أعاشق أنت يا ماني؟ قال: فاستحيا، وغمزه ابن طالوت لئلا يبوح له بشئ فيسقط من عينه، فقال: بل هلع مطرب أعز الله الأمير، وشوق كان كامناً فظهر، وهل بعد المشيب من صبوة! ثم اقترح محمد على تنوسة هذا الصوت من شعر أبي العتاهية:
حجبوها عن الرياح لأني ... قلت يا ريح بلغيها السلاما
لو رضوا بالحجاب هان ولكن ... منعوها يوم الرحيل الكلاما!
فغنته، فطرب محمد، فقال ماني: ما على قائل هذا الشعر لو زاد فيه:
فتنفست ثم قلت لطيفي: ... آه لو زرت طيفها إلماما
خصها بالسلام سراً وإلا ... منعوها لشقوتي أن تناما
فكان أبعث للصبابة بين الأحشاء، وألطف تغلغلاً على كبد الظمآن من زلال الماء، مع حسن تأليف نظامه، وانتهائه إلى غاية تمامه.
قال محمد: أحسنت والله يا ماني، ثم أمر تنوسة بإلحاقها هذين البيتين من شعر أبي نواس:
يا خليلي ساعة لا تريما ... وعلى ذي صبابةٍ فأقيما
ما مررنا بدار زينب إلا ... فضح الدمع سرها المكتوما
فاستحسنه محمد، فقال ماني: لولا رهبة التعدي لأضفت إلى هذي البيتين بيتين
следующие страницы →