← Адаб

Адаб · id 21559

بدائع البدائه

ابن ظافر الأزدي

Полный текст (232 стр.). Показаны 211–232 · переход к 216.

стр. 211

فقلت: - وقد أعجبت بها جداً، وأثنى عليها كثيراً: أحسن ما في القطمة سياقة الأعداد والاستنزال، لكنه قد استرسل فلم يقابل بين أطراف البيت الأخير، والبيت الذي قبله، فينزل بإزاء كل واحد مناه ما يلائمه، وهل يحسن أن ينزل بإزاء قوله: وإذا نطق قوله شغل الحدق، وكأنه نازعني القول في أن هذا غاية الجهل، فقلت بديهاً: ومهفهفٍ طاوى الحشى ... خنث المعاطف والنظر ملأ العيون بصورةٍ ... تليت محاسنها سور فإذا رنا وإذا مشى ... وإذا شدا وإذا سفر فصح الغزالة والنعا ... مة والحمامة والقمر فجن بها. قال علي بن ظافر: والقطعة الأولى ليست لابن رشيق، هي لأبي الحسين بن علي بن بشر الكاتب أحد شعراء اليتيمة. وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام أن أبا عبد الله بن أبي الخصال وقف ببعض القضاة، واستأذن عليه فحجبه، فكتب إليه بديهاً: جئناك للحاجة الممطول صاحبها ... وأنت تنعم، والإخوان في بوس وقد وقفنا طويلا عند بابكم ... ثم افترقنا على رأي ابن عبدوس أشار بهذا القول إلى قول الوزير أبي عامر بن عبدوس: لنا قاض له خلق ... أقل ذميمه النزق إذا جئناه يحجبنا ... فنلعنة ونفترق قال ابن بسام كان أبو عبد الله بن عائشة البلنسي مع ابن خفاجة في جماعة مع أهل الأدب، تحت دوحة خوخ منورة، فهبت ريح أسقطت عليهم بعض زهر، فقال ابن عائشة ارتجالا: ودوحةٍ قد علت سماءً ... تطلع أزهارها نجوما هفا نسيم الصبا عليها ... فخلتها أرسلت رجوما كأنما الجو غار لما ... بدت فأغرى بها النسيما وأخبرني أبو عبد الله محمد القرموني المقدم ذكره يدمشق قال: كان بين السميسر الشاعر وبين بعض رؤساء المرية شيء لمدح مدحه به فلم يجزه عليه، فصنع ذلك الممدوح دعوة للمعتصم بالله أبي يحيى بن صمادح، واحتفل فيها بما يحتفل مثله في دعوة السلطان مثل المعتصم، فصبر السميسر إلى أن ركب

стр. 212

السلطان متوجهاً إلى الدعوة، فوقف له في الطريق، فلما حاذاه رفع صوته قائلاً: يأيها الملك الميمون طائره ... ومن لذي مأتمٍ في وجهه عرس لا تقربن طعاماً عند غيركم ... إن الأسود على المأكول تفترس فقال المعتصم: صدق والله، ورجع من الطريق، وفسد على الرجل كل ما عمله. قال علي بن ظافر أذكرتني هذه الحكاية حكاية كنت نسيتها وقد تنبهت لها الآن؛ كان عباد ابن الحريش قد مدح رجلا من كبار أصفهان من أرباب الضياع والأملاك والتبع الكثير، كنت أعرف اسمه ونسبته، فمطله بالجائزة، ثم أجازه بما لم يرضه فرده عليه، وبعد ذلك بحين عمل الرجل دعوة عظيمة، غرم عليها ألوف الدنانير لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي، على أن يجيء إليه من الكرج، فلما استحق المغرم خرج عباد ليلاً، ووقف بين الكرج وأصقهان، ووصل أبو دلف، فلما وقعت عين عباد عليه، وهو يساير بعض خواصه، أومأ إلى ذلك المساير له، وأنشأ بأعلى صوته: قل له يا فديته ... قول عباد: ذا سمج جئت في ألف فارسٍ ... لغداءٍ من الكرج ما على النفس بعد ذا ... في الدناءات من حرج فقال أبو دلف: - وكان أخوف الناس من شاعر - صدق والله، أجيء من الكرج إلى أصفهان حتى أتغدى بها! والله ما على هذا مزيد من دناءة النفس. ثم رجع من طريقه وفسد على الرجل كل ماغرمه، وعرف من أين أتى، وتخوف أن يعود عليه عباد بأشد منها، فسير إليه جائزة سنية مع جماعة، فلم يقبل الجائزة، ثم أنشد بديهاً فقال: وهبت يا قوم لكم عرضه فقالوا: جزاك الله خيراً، فقال كرامةً للشعر لا للفتى لأنه أحرص من ذرةٍ ... على الذي تجمعه في الشتا قال علي بن ظافر وذكر أبو الصلت في رسالته ما معناه: أنه عزم هو ورفقاؤه على الاصطباح، فقصدوا بركة الحبش في وقت ولاية الغبش، وحلوا منها روضاً بسم زهره، ونسم عطره، فأداروها كئوساً، تطلع من المدام شموساً، وعاينوها نجوماً، تكون لشياطين الهموم رجوماً، فطرب حتى أظهر الطرب

стр. 213

نشاطه، وأبرز ابتهاجه وانبساطه، فقال: لله يومي ببركة الحبش ... والجو بين الضياء والغبش والنيل تحت الرياح مضطرب ... كصارمٍ في يمين مرتعش ونحن في روضةٍ مفوفةٍ ... دبج بالنور عطفها ووشى قد نسجتها يد الغمام لنا ... فنحن من نسجها على فرش فعاطني الراح إن تاركها ... من سورة الهم غير منتعش وأسقني بالكبار مترعةً ... فهن أروى لشدة العطش فاثقل الناس كلهم رجل ... دعاه داعي الهوى فلم يطش وأخبرني الفقيه أبو الحسن بن المفضل القدسي عن الفقيه الشريف أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى العثماني الديباجي عن أبي إسحاق إبراهيم بن المنفق اللخمي السبتي، عن أبي الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت: كنت مع الحسن بن علي بن تميم بن معد بن باديس بالمهدية في الميدان، وقد رمى بالنشاب، فصنعت بديهاً: يا ملكاً قد خلقت كفه ... لم تدر إلا الجود والباسا إن النجوم الزهر مع بعدها ... قد حسدت في قربك الناسا وودت الأفلاك لو أنها ... تحولت تحتك أفراسا كما تمنى البدر لو أنه ... أضحى لنشابك برجاسا أخبرني الشيخ الأديب أبو الحسن علي بن خروف القيسي القرطبي ﵀ قال: صنع الوزير أبو جعفر أحمد وزير الرئيس أبي إسحاق ابن همشك صهر الأمير أبي عبد الله محمد بن مروان، في غلام أسود بيده قضيب نور بديهاً: وزنجي أتى بقضيب نورٍ ... وقد زفت لنا بنت الكروم فقال فتى من الفتيان صفه ... فقلت: الليل أقبل بالنجوم وأخبرني أن الأستاذ ابن الطراوة حضر مجلس شراب، فعجز بعض الندماء عن الشرب كما يشرب الجماعة، ويسألوه في شرب نصيبه من بعض الأدوار ففعل، وقال بديهاً: يشربها الشيخ وأمثاله ... وكل من تحمد أفعاله والبكر إن لم يستطع صولةً ... تلقى على النازل أثقاله

стр. 214

أنبأني الشيخان تاج الدين بن اليمن الكنديوقاضي القضاة جمال الدين أبو القاسم بن الحرستاني إجازة، عن الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، قال: وقد ذكر إبراهيم بن سعيد الإسكندري المعروف بالسديد، وذكره لنا أبو عبد الله بن المحلي فيمن لقيه من أهل الأدب قال: كان صاعد قد عمل شخص حديد ينفخ النار ساعات، فأراد السديد اختباره كما يجب، فأطفأ النار، فقال صاعد بديهاً: نار تيممها السديد فردها ... برداً وكانت قبل وهي جحيم فكأنما المفتاح آية ربه ... وكأن إبراهيم إبراهيم وأنبأني جميعاً عن الشيخ الحافظ أبي القاسم قال: أنشدنا أبو بكر عبد الله بن منصور، قال: أنشدنا أبو الحسن محمد بن علي بن الصفراء الواسطي لنفسه ارتجالا، وقد دخل عزاء لصبي، وهو في عصر المائة، وبه ارتعاش، فتغامز عليه الحاضرون فقال: إذا دخل الشيخ بين الشباب ... عزاءً وقد مات طفل صغير رأيت اعتراضاً على الله إذ ... توفى الصغير وعاش الكبير فقل لابن شهر وقل لابن ألفٍ ... وما بين ذلك: هذا المصير وبهذا الإسناد قال الجاحظ أخبرني أبو عبد الله محمد ابن عبد الواحد بن أحمد الغساني قال: سمعت أبي ينشد لنفسه يديهاً في صفة نهر ثوراء بحضرة أبي عبد الله محمد بن الخياط الشاعر: دمشق دار رعاها الله من بلدٍ ... ونهر ثورا سقاه الله من واد كأنه ونسيم الريح خمشه ... نقش البارد في سلسساله الهادي مزجت بالراح منه الراح فاكتسبت ... لوناً وطعماً غريباً غير معتاد في روضةٍ من رياض الخلد باكرها ... صوب الغمام بإبراقٍ وإرعاد ظللت فيها رخى البال مع رشاءٍ ... مهفهفٍ كقضيب البان مياد قالا وأخبرنا الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي قال: أنشدني أبو البركات الخضر بن هبة الله بن أبي الهمام لنفسه، وكتب لي بخطه مما أنشده، وقد حضر بين يدي أمير المؤمنين الراشد بالله بن المسترشد على البديهة: ولما شأوت الحاسدين إلى مدىً ... رفيع يزل العصم دون مرامه ورفعت الأستارلي دون ماجدٍ ... شفا غلتي من بشره وسلامه

стр. 215

سطوت على صرف الزمان بجوده ... وصلت على كيد العدا بانتقامه وأخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي القرموني قال: لما أفرط أبو يحيى البكاء في هجاء أهل فاس، تعصبوا عليه وساعدهم واليهم مظفر الخصي من قبل أمير المسلمين علي بن يوسف، والقائد عبد الله بن خيار الجياني، وكان يتولى أموراً سلطانية بها، فقدموا رجلا ادعى عليه بدين، وشهد عليه به رجل، فقيه يعرف بالزناتي، ورجل يكنى بابي الحسين من مشايخ البلد، فأثبت الحق عليه، وأمر به إلى السجن، فرفع إليه، وسيق سوقاً عنيفاً. فلما وصل بابه طلب ورقة من كاتب وكتب فيها، وأنفذها إلى مظفر مع العون الذي أوصله إلى السجن، فكان ما كتب: ارشوا الزناتي الفقيه ببيضةٍ ... يشهد بأن مظفراً ذا بيضتين واهدوا إليه دجاجةً يحلف لكم ... ما نال عبد الله عرس أبي الحسين وأخبرني الشيخان تاج الدين العلامة أبو اليمن الكندي، والشيخ جمال الدين أبو القاسم بن الحرستاني إجازة، عن الشيخ الحافظ أبي القاسم ابن عساكر قراءة عليه، قال: بلغني أن علقمة بن عبد الرازق العليمي لما قصد بدراً الجمالي بمصر رأى على بابه أشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم، فسألهم عن حالهم، فأخبرهم بقدومه قاصداً له، فكل آيسه من لقائه، فبيناهم كذلك إذ خرج بدر يريد الصيد، فلما رآه مقبلا علا نشزاً من الأرض، ثم جعل في عمامته ريشة نعام ليشهر بها نفسه، فلما قرب إليه أومأ برقعة كانت معه وأنشأ يقول: نحن التجار وهذه أعلاقنا ... درر وجود يمينك المبتاع قلب وفتشها بسمعك إنما ... هي جوهر تختاره الأسماع كسدت علينا بالشآم وكلما ... قل النفاق تعطل الصناع فأتاك يحملها إليك تجارها ... ومطيها الآمال والأطماع حتى أناخوها ببابك والرجا ... من دونها السمسار والبياع فوهبت ما لم يعطه في دهره ... هرم ولا كعب ولا القعقاع وسبقت هذا الناس في طلب العلا ... فالناس بعدك كلهم أتباع يا بدر أقسم لوبك اعتصم الورى ... ولجوا إليك جميعهم ما ضاعوا

стр. 216

قال: وكان على يد بدرٍ باز، فدفعه إلى البازدار، فضرب على يده وانفرد به عن الجيش، وجعل يستعيده الأبيات وهو ينشدها إلى أن استقر في مجلسه، ثم التفت إلى جماعة غلمانه وخاصته وأصحابه وقال: من أحبني فليخلع على هذا الشاعر. قال علقمة: فوالله لقد خرجت من عنده ومعي سبعون بغلا تحمل الخلع، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، فخرجت فقلت لمن ببابه: الحقوني يا متخلفين، فلحقوني بأجمعهم، فما فيهم إلا من خلعت عليه، ووهيت له من جائزتي. وذكر القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسين الآمدي النائب كان في الحكم بالإسكندرية قال: دخلت على الأمير السعيد بن مظفر في أيام ولايته بالثغر، فوجدته يقطر دهناً على خنصره، فسألته عن سببه: فذكر ضيق خاتمه عليه، وأنه ورم بسببه. فقلت له: الرأي قطع حلقته قبل أن يتفاقم الأمر فيه، فقال: اختر من يصلح لذلك، فاستدعيت أبا منصور ظافر ابن القاسم الحداد، فقطع الحلقة وأنشد بديهاً: قصر في أوصافك العالم ... وأكثر الناثر والناظم من يكن البحر له راحةً ... يضيق عن خنصره الخاتم فاستحسنه الأمير ووهبه الحلقة، وكانت من ذهب. وكان بين يدي الأمير غزال متأنس قد ربض، وجعل رأسه في حجره، فقال ظافر: عجبت لجرأة هذا الغزال ... وأمرٍ تخطى له واعتمد وأعجب به غدا جاثماً ... وكيف اطمأن وأنت الأسد فزاد الأمير والحاضرون في الاستحسان. وتأمل ظافر شباكاً على باب المجلس تمنع الطير من دخولها، فقال: رأيت ببابك هذا المنيف ... شباكاُ فداخلني بعض شك وفكرت فيما رأى خاطري ... فقلت: البحار مكان الشبك وأنبأني العماد أبو حامد قال: وفد أبو الصقر الواسطي على نظام الملك ﵀ فحجب عنه، فكتب إليه بديهاً: لله درك إن دارك جنة ... لكن خلف الباب منها مالكا هذا نظام الملك ضد المقتضى ... قد كان يروى عن جهنم ذلكا أنعم بتيسير الحجاب فإنني ... لاقيت أنواع النكال هنالكا مالي أصادف في رحابك جفوةً ... وأنا غني راغب عن مالكا!

стр. 217

قال: فلما أذن له قال له: إذا كنت غنياً عن مالنا فانكف عنا، فقال: كلا، أنت شافعي المذهب، وقد جئتك لمذهبك لا لذهبك. وأنبأني العماد أيضاً قال: ذكر عمارة في كتابه في أشعار أهل اليمن قال: وهب الداعي محمد بن سبالا بن سلمان - رجل من قومه - ألف دينار، والقاضي يحيى بن أحمد بن يحيى حاضر - وبنو يحيى بيت كبير بصنعاء - فارتجل القاضي لوقته: لا فخر إلا إذا أقبلت مستلماً ... كف المكين ظهير الدين مولانا هي لتي تهب الآلاف وافيةً ... إن كنت غراً فسل عنها ابن سلمانا فقال الداعي: أنا أبو عبد الله، أما ابن سلمان فهو ابن عمتي، وإنما المسئول عنها أنت. ثم أمر له بألف دينار، فقبضها في الحال. وذكر عبد الرحمن بن نصر الدمشقي في كتابه المسمى بالتحفة والطرفة أن الوزير المزدقاني خرج للتنزه، فرأى امرأة في بعض القصور فأعجبته، فوقف متأملا لها، فأشارت إليه، وآنس منها قبولا، فأرسل إليها رسولا يعلمها بشدة شوقه ووجده بها، فردت رسوله ومعه تفاحة عنبر، فيها زر من ذهب ولم تكلمه بشيء، فلم يفطن هو ومن حضره لتأويل ذلك، فقال له ابنه أحمدك قد فهمت ما أرادت، ونظمه في الحال في بيتين وأنشد: أهدت لك العنبر في جوفه ... زر من التبر خفى اللحام فالزر في العنبر معناهما: ... زر هكذا، مختفياً في الظلام وأنبأني الفقيه أبو الحسن بن المفضل المقدسي قال: أخبرني الشيخ أبو الحسن علي بن عتيق بن مؤمن القرطبي الأنصاري قال: عمل والدي محملا للكتب من قضبان شبهٍ سلماً، فدخل عليه أبو عبد الله محمد بن مفيد فرآه، فقال ارتجالا مخبراً عن لسان حال السلم: أيها السيد الذكي الجنان ... لا تقسني بسلم البنيان فضل شكلى على السلالم أني ... محمل للعلوم والقرآن حزت من حلية المحبين ضعفي ... واصفراري ورقة الأبدان فادع للصانع المفيد بفوزٍ ... ثم وال الدعاء للإخوان ثم عمل أيضاً: أيها السيد الكريم المساعي ... التقت صنعتي وحسن ابتداعي أنا للكتب محمل خف حملي ... أنا في الشكل سلم الإطلاع

стр. 218

وأنبأني الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي قال: أنشدني تاج الدين المسعودي أبو سعيد عبد الرحمن قال: أنشدني ظهير الدين أبو النجيب الحسن بن شهراسوب القاضي أبو بكر الأرجاني، وقد دخل عليه من طمع في طيلسانه، فقال ارتجالا: حسبك مني يا فتى خلعة ... أمسك عن نشر مساويكا في طيلساني لا تكن طامعاً ... طي لساني عنك يكفيكا وقد أخبرني العماد أبو حامد، أنه سمع جميع شعر القاضي أبي بكر على ابنه عنه، وطلب مني قراءته عليه، فلم أتفرغ له، وأجازنيه في جملة ما أجازني روايته عنه. وأخبرني القاضي الوجيه الحسين أبي منصور بن حران الواسطي قال: كنت مع خالي نجم الدين بن أبي الغنائم بن المعلم الهرني على طعام، فأنهى إليه أن ظهير الدين محمود بن محمد بن بردامسيا ضامن بلاد واسط، قد طرح على قرى كانت في ملكه عدة أكرار أرز، فناولني درجاً، ثم قال لي: اكتب، فكتب: إيه ظهير الدين إنك في ندى ... ووغى كغيث جداً وليث عرين وإذا امرؤ ضاقت عليه أموره ... وكأنه في حلقة التسعين ودعا بك انفرجت سجون صعابها ... عنه بأبلج شامخ العرنين ثم أتبعها رسالة أملاها لي إليه وأرسلها. وأنبأنا العماد الأصفهاني إجازة قال: اجتمعت أنا والمرتضى ابن أبي المؤيد الجعفري الأصفهاني، فجرى بيننا في المحاورة ذكر رجل يقال له ابن عمرو، وكان ينسب إلى كبر، فنظم الجعفري بديهة يخاطب جمال الدين ابن الخجندي فقال: أيها الصدر كم تشيع فينا ... من تخيرته بما ليس فيه وإذا ما عددت أبناء فضلٍ ... فابن عمرو كمثل واو أبيه وأنبأني أيضاً قال: أخبرني أكرم الدين أبو سهيل خازن دار الكتب بالنظامية قال: دخل علي عزيز بن محمد الشلمكي دار الكتب وبيده عصا، فقلت: إن العصا للشيخ رجل ثالثة، فقال بديهاً: ضعف جسمي لمشيبي ... لم يضع مني وقارا صار حالي عبرة العا ... قل إن رام اعتبارا العصا صارت حماري ... ولها صرت حمارا

стр. 219

قال علي بن ظافر وأخبرني بعض أصحابنا، أن أبا القاسم ابن هانئ الشاعر المحدث، قد هجا الأجل الموفق أبا الحجاج يوسف بن الخلال صاحب ديوان الإنشاء والمكاتبات، هجاءً اتصل به، فأضمر له الحقد بسببه مع إفراط جلالة الرجل، وفرط رياسته، وحسن معاشرته للناس وسياسته. واتفق بعض المواسم التي جرت عادة ملوك مصر بالجلوس فيها لاستماع المدائح وبذل المنائح، وزف بنات القرائح، فجلس الحافظ لذلك وحضر خواصه في ظاهر الرواق على مراتبهم، فانتهت النوبة في الإنشاد إلى أبي القاسم بن هانئ، فأنشد ما اهتزت له المعاطف وفض ختام روضه ليس لها إلا القلب والسمع جانٍ وقاطف، فمال الحافظ إلى القاضي الموفق متعجباً، وقال له: كيف تسمع؟ فاستحسن واستجاب، حتى نسبه إلى الإعجاز أو كاد، وهو في خلال ذلك يصنع صنع المخاتل، ويحاول قرطسة المقاتل، فسأله الحافظ عن الرجل، فأثنى على أدبه، وثنى بنسبه، حتى أوهمه الاعتناء به. ثم قال: ولو لم يكن له مما يمت به إلا انتسابه إلى أبي القاسم بن هانئ شاعر هذه الدولة، ومظهر مفاخرها، وناظم مآثرها لكفى، فكيف وفيه هذا الأدب الغض النضير، والشعر الذي لا ند له ولا نظير! لولا بيت أظهره منه الضجر عند دخوله هذه البلاد، فقال له الحافظ: ما هو؟ فتحرج من إنشاده، وامتنع من إيراده. فأبى الحافظ إلا أن يورده، ففي أثناء ذلك صنع هذا البيت وأنشده: تباً لمصر فقد صارت خلافتها ... عظماء تنقل من كلبٍ إلى كلب فعظم ذلك على الحافظ، وأمر بقطع صلته، وكاد أن يفرط في عقوبته، ولم يحصل له انتعاش من جهته طوال مدته. قال علي بن ظافر وأخبرني الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي، قال: أخبرنا تاج الدين أبو سعيد - وهو أبو عبد الله أيضاً محمد بن عبد الرحمن بن محمد المسعودي، قال: جاء رجل إلى أبي نصر أحمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن شمر الصخديهي - وكان قاضي بلد تعرف بخمس القرى - وكان من العلماء الفضلاء، فقال له في معرض الدعابة والمزاح: اشهد على أنني قد وقفت معدتي على سائر ألوان الطعام. فقال: قد شهدت، فقال: سجل لي، فأمر كاتباً فكتب كتاب وقف، فلما قدم إليه كتب في موضع الشهادة هذه الأبيات - قال: وكان ارتجالها ما بين ابتداء الكتاب وفراغه - وهي: يقول أبو نصر المبتلى ... بأمر القضاء بخمس القرى

стр. 220

أقر بمضمونه طائعاً ... أبو الأكل ملتقم ابن القرى وحليته صاحب الطيلسان ... مديد الحوايا قصير القرا وأخبرني الفقيه الحافظ بن دحية قال: دخلت على الوزير الفقيه الأجل أبي بكر عبد الرحمن بن محمد مغاور السلمي، فوقع الكلام في علوم لم تكن من جنس فنونه، فقال بديهاً: أيها العالم أدركني سماحاً ... فلمثلي منك السماح أن تراني إذا نطقت عيياً ... فبناني إذا كتبت وقاح أحرز الشأو في نظام ونثرٍ ... ثم أثني وفي العنان جماح فبهزلٍ كما تأود غصن ... وبجدٍ كما تسل الصفاح وأخبرني أيضاً قال: دخلت عليه منزله بمدينة شاطبة في اليوم الذي توفي فيه وهو يجود بنفسه، فأنشد بديهاً: أيها الواقف اعتباراً بقبري ... استمع فيه قول عظمي الرميم أودعوني بطن الضريح وخافوا ... من ذنوبٍ كلومها بأديمي تركوني بما اكتسبت رهيناً ... غلق الرهن عند مولى كريم وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد المقدم ذكره عن أبيه بما معناه قال: كنت بمجلس الصالح في يوم أسدل الجو به ستور الغمام، واختفت الشمس فيه اختفاء النور في الكمام، ونثرت السماء درر البرد نثراً عم الربا والآكام، حتى وصل إلى أطراف بسط المجلس، فصنع القاضي الموقف بن قادوس قطعة شذت عني لبعدي عنها؛ إلا قوله منها: ولكن أتتك ثغور السحاب ... تقبل بين يديك البساطا وأخبرني أيضاً ﵀ قال: أخبرني أبي بما معناه، قال: كنت في مجلس فارس المسلمين أخي الصالح، وقد نصب سماطاً بمجلسه لخواصه، ونصب سماطاً آخر في بعض المجالس لجماعة من أمراء العرب، وفي جملتهم الأمير إبراهيم بن شادي بن مرجان؛ وهو يومئذٍ يهتز كالغصن الممطور، ويأبز كالظبي المذعور، قبل أن يصير أحد الأمراء الأمجاد، والكرماء الأنجاد. قال: فبصرت أنا والأمير علو الدولة حاتم بن العسقلاني به، وقد كشف عن معصمه، وهو يشف عن مخه ودمه؛ فكأنه عمود بلور تبدى، وقد حشى ورداً، ووجهه تحت لثامه،

стр. 221

كالبدر خلف غمامه، قال: فصنع بديهاً: سلمت من فتنة العيون ... فارحم فتىً هام بالفتون قلبي بلي، من بلى بظنيٍ ... يختلس الليث في العرين! مذ عقد القاف حل مني ... عقدة عزمي وعقد ديني يقول والقلب في هواه ... بلا مجيرٍ ولا معين إن كنت فرداً بحسن وجهٍ ... وكنت من ذا على يقين فاخلع ثيابي وانظر تشاهد ... عساكر الحسن في الكمين وأنبأني العماد أبو حامد قال: أنشدني أبو السعادات علي بن بختيار لنفسه في البرغوث والبق، وقد اقترح عليه بحضرة جماعة من الفضلاء، فقال بديهاً: ولما انتحى البرغوث والبق مضجعي ... ولم يك من أيديهما لي مخلص صفقت بكفي إذ مدامتها دمي ... فزمر هذا وابتدا ذاك يرقص قال العماد: وقد كنت عملت أبياتاً ارتجالاً لأصف بها ليلة بتها بنهر دقلا، فقلت: يالحا الله ليلة قرصتني ... في دياجيرها البراغيث قرصا شربت بقها دمي فتغنت ... وبراغيثها تواجدن رقصا قد تعريت من ثيابي لقرصي ... غير أني لبست منهن قمصا كلما زدت منعهن بحرصٍ ... عن فراشي شربن فازددن حرصا من براغيث خلتها طافراتٍ ... طائراتٍ جناحها قد قصا عرضت جيشها الفريقان حولي ... وهي أوفى من أن تعد وتحصى لو غزا سنجر بها الغز يوما ... لم يدع منهم على الأرض شخصا ومثل هذا ما أنشدنيه الحافظ ذو النسبتين أبو الخطاب بن دحية الحصري: ضاقت بلنسية بي ... وذاد عني غموضي رقص البراغيث فيها ... على غناء البعوض ومما أنشدنيه أيضاً للسميسير: بعوض شربن دمي قهوةً ... وغنيني بضروب الأغان كأن عروقي أوتارهن ... وجسمي الرباب وهن القنان وأحسن من هذا كله قول ابن رشيق القيرواني: لك مجلس كملت بشارة لهونا ... فيه ولكن تحت ذاك حديث

стр. 222

غنى الذباب فظل يزمر حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث وأسبق من هؤلاء إلى هذا المعنى أبو أحمد بن أيوب - من شعراء اليتيمة في قوله: لا أعذل الليل في تطاوله ... لو كان يدري ما نحن فيه نقص إذا تغنى بعوضه طرباً ... أطرب برغوثه الغنا فرقص وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن الطوسي المعروف بابن السيوري قال: دخلت على الأديب الأعز أبي الفتوح بن قلاقس، وهو مريض، فقال: صنعت بيتين بديهاً في الحمى، ووصفها بأحسن من صفة أبي الطيب، فأنشدته إياهما، فأنشدهما: وبغيضةٍ تدنو وما دعيت ... فتبيت بين الجلد والكبد يصبو الفؤاد لبينها فإذا ... ولت بكاها سائر الجسد وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن المقدسي قال: كنت معه - يعني ابن قلاقس - فمر بنا صبي صبيح معروف الاسم في ثوب أحمر، وعمامة زرقاء، فاستحسنه الحاضرون، فصنع في الحال: هذا أبو الفضل بدر الأرض قد شهدت ... صفاته أنه كالبدر في الأفق لما تعمم تيها بالسماء بدا ... وفوق أعطافه ثوب من الشفق ولا تقل لاح في خديه عارضه ... فإنما هو تأثير من الغسق وأخبرني أبو عبد الله المنجم بن الصواف قال: دخل منزلي الأديب الأعز أبو الفتوح بن قلاقس وجماعة من أصحابنا، فأحضرت لهم بطيخة صفراء وشققها وفرقتها عليهم، فارتجل الأعز: أتانا الفقيه ببطخةٍ ... وسكينة قد أجيدت صقالا فقطع بالبرق بدر الدجى ... وناول كل هلالٍ هلالا وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد، عن أبيه قال: كنت عند الأمير شمس الملك نبهان بن عين الزمان، وعنده الأعز بن قلاقس وجماعة ممن يجالسه، وعنده مغن يقال له الحسام؛ وهو ابن صاحب ربع المشهور، فجعل يغني ببليقة لحسام الدين الإسكندراني في هجاء ابن قلاقس أولها: اسألوا عني فتوح بن قلاقس كيف رأى ضرب الشلوح بالدرافس

стр. 223

فعز على ابن قلاقس ما فعله، وأوهم أنه يمضي إلى بيت الخلاء، فقام ثم عاد سريعاً، فوقف على باب المجلس، وقال: ليس الحسام حساماً ... وإنما هو غمد يشدو فكم من فؤادٍ ... تحت السياط يشد وقد قلت إذ تاه فينا ... تبظرماً لا يحد خرا عليك ولو أن معبداً لك عبد فكأنما ألقم حجراً. وأخبرني الأنجب السخاوي الساكن بالإسكندرية قال: لما وصل الأديب الأعز بن قلاقس من صقليه، وكان قد انتجع أبا القاسم بن الحجر، فانبجس بعيون العطاء وانفجر، خرج للسلام عليه جميع معارفه وخرجت في جملتهم، فلما نزل من المركب، وأخذنا في السلام عليه، إذ بأبي العباس أحمد بن محمد بن أبي الصلاح قد خرج، فحين وقعت عينه عليه - أي على الأعز - أنشد مرتجلاً: أظل هلال العاشقين فلا أهلا ... ولا مرحباً بالقادمين ولا سهلا ثم انصرف؛ وتركنا متعجبين لسرعة بديهته وقلة وفائه. أنبأني العماد أبو حامد ﵀ قال: جرى بين يدي القاضي الفاضل ﵀ يوماً ذكر حب الصغير، فارتجل هذه الأبيات: طفل كفاه القلب داراً له ... كأنما القلب له قالب كيوسف الحسن وقلبي له ... سجن وما ثم له صاحب أصبح والقلب لباس له ... لا قاصر عنه ولا ساحب وهو بعيني، وهو إنسانها ... وهي له من خارجٍ حاجب ضاق به ضيق عناقي له ... فلم يسع ما قاله العائب قال: وجرى بين يديه ذكر سيوف السلطان الملك الناصررحمه الله فارتجل قطعة، علق بحفظي منها: ماضيات على الدوام دوامي ... هي في النصر نجدة الإسلام في يمين السلطان إذا جردتها ... أشبهتها صواعق في غمام تنثر الهام في الحروب فما أشبه هذي السيوف بالأقلام في محاريب حربه البيض حلت ... وركوع الظبا سجود الهمام

стр. 224

وأخبرني السعيد أبو القاسم بن سناء الملك ﵀ قال: خرجنا للقاء القاضي الفاضل رحمه الله تعالى في بعض قدماته من الشام، فلقيناه وعدنا، فلما كنا في سطح الخشى عن ظبي للموكب، فركض خلفه المسكين بن حيون، طامعاً أن يلحقه، وكان مثل هذا الفعل لا يليق به، لأنه ليس من أهله، ولأن الصدر المتلقى لا ينبغي أن يغلط بين يديه مثله. فعجب الفاضل منه، واتفق أن فاته الصيد الذي طلبه، وسقطت مقرعته من يده، ورجع إلى الموكب، وعليه انكسار الفوات وحجل الغلط، فارتجل الأجل الفاضل: يا عادياً عدو السفي ... هـ وعائداً عود الحليم ضيعت مقرعةً وعد ... ت سميها من غير ميم قال: وأخبرني الفقيه أبو العباس أحمد الآبي وكان كثير الصحبة للأجل الفاضل في صدر عمره أيام كونه بالإسكندرية - قال: كان يصحبه رجل يعرف بابن بليمة، ولا يكاد يفارقه، وكان يحضر عنده رجل مغن من أهل الثغر، يعرف بشهاب؛ وكان يغني الموشحات، فغنى ليلةً، واتفق أن نعس ابن بليمة فأنبه، فضرط، فضحك الأجل الفاضل، وارتجل: تغنى شهاب لنا ليلةً ... غناء له هجع السمر فأعجب هذا ابن بليمةٍ ... فأقبل من دبره ينعر وأخبرني الفقيه شجاع الغزالي المتقدم ذكره قال: مضيت أنا ونشو الملك على بن مفرج بن المنجم المقدم ذكره إلى دار الكامل شجاع بن أمير الجيوش بن شاور آخر وزراء الدولة المصرية، ومن كان انقضاؤها بموته، ومعنا قصيدتان قد امتدحناه بهما في بعض الأعياد، فرأينا رماحاً قد عملت برسم الموكب، وجعل عليها مكان اللهازم أهلةً من ذهب، فقال نشو الملك: قد مقع لي في هذه الرماح معنى، فصنع في الحال: فعال الكامل الملك المرجى ... على ما فيه من فضل أدله نحا برماحه نحو الأعادي ... فكل قد سقاه بها وعله ولم يرض النجوم لها نصالاً ... فنصلها هنالك بالأهلة ثم كتبها وبعث بها إلى الكامل، فخرجت جائزته في الحال. وأخبرني الفقيه الوجيه أبو الفضل جعفر بن جعفر الحموي المقدم ذكره قال: كان بمصر صبي

стр. 225

مستحسن، وضيء الوجه، اسمه أسد، قد شغف به رجل اسمه الفأر، ووقع بينهما ما أدى الرجل إلى أن قتل الصبي وهرب، وخاض الناس في أمره، وأكثروا الحديث فيه، فجلست يوماً بسوق الكتب، إذا بابن المنجم قد مر راكباً، فحين رآني ثنى رجله على معرفة فرسه، ووقف للحديث، فمر علينا في أثناء ذلك شاب مشهور بجمال وانتماء أهل الأدب، فأنشدنا مرثية زعم أنه رثى بها الصبي القتيل، فصنع ابن المنجم في الوقت: ولم أر قبله أسداً قتيلاً ... لفأر ظل يرثيه غزال وأخبرني بعض أصحابنا قال: قال لي نشو الملك بن النجم: ما رأيت أوقح ولا أصغر جواباً من أبي الحسن الذروي - يعني المقدم ذكره ﵀ مر يوماً وهو راكب بغلة، وبين يديه عبد له، فصنعت في الحال: قل لمن تاه حين مر علينا ببغله بعد أن كان ليس يملك شعاً لنعله سقت قدامك الغلا ... م جزاءً بفعله هكذا كل شاعرٍ ... بغله خلف بعله ثم كررت مسرعاً لألحقه، فتأخر غلامي عني لأجل إسراعي، واستوقفته وجعلت أنشده وهو يحسن الاستماع حتى انتهيت، فقال: ليس كل شاعرٍ كذلك، ها أنت شاعر، وبعلك خلف بغلك، فكلحت والله وانصرفت. وأخبرني الفقيه القاضي أبو موسى عمران الخندقي ﵀ قال: دخلت أنا وجماعة من أصحابنا على الوجيه الذروي المذكور، وهو وجماعة من أصحابنا يشربون، فمزحنا وداعبناهم، فصنع بديهاً: ويومٍ قاسمتنا اللهو فيه ... أناس ليس يدرون الوقارا أدرنا الصفع والكاسات فيه ... فعربدت الصحاة على السكارى وأخبرني الفقيه العفيف شجاع العربي المقدم ذكره قال: اجتمعت مع الوجيه أبي الحسن بن الذروي، والأديب نشو الملك بن المنجم، وجعفر القرشي المنبوز بشلعلع - المقدم ذكر الجميع - عند القاضي الأسعد بن الخطير بن مماتي في بستانه، فمدحته بقطعة لإحسان كان منه إلي، وكتبتها في ورقة كرم، فحين وقف عليها صنع بديهاً:

стр. 226

أطربنا شعر العفيف الذي ... قد فاق في النبل وفي الفهم لو لم يكن يسكرنا شعره ... ما صاغه في ورق الكرم قال علي بن ظافر وكنت يوماً عند الأمير عضد الدين أبي الصوارم مرهف بن الأمير مجد الدين أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ، فدخل عليه رجل من بقايا جند مصر يعلم الرمي بالنشاب، واسمه الليث بن دبوس، وهو معبس الوجه كالحه، ثاني عطفه جامحه، فقال الأمير يداعبه بديهاً: أصبح الليث يوافينا بتعبيسٍ وتيه فمتى أنظر في يا ... فوخه اسم أبيه فاستحسنت البيتين، ثم صنعت في معناهما بعد ذلك بحين، وزدت عليه: قد جاءنا الليث بن دبوس على ... عادته في الانقباض ورسمه فمتى أرى اسم أبيه في يا فوخه ... ومتى أرى ناب اسمه في جسمه وهذه طريقة بديعة، ومن أحسن ما سمعت فيها قول السلامي في صبي يعرف بابن برغوث: بليت ولا أقول بمن لأني ... إذا ما قلت من هو يعشقوه غزال قد نفى عني رقادي ... فإن غمضت أيقظني أبوه وللصاحب بن عباد في مغن يعرف بابن عذاب: أقول قولاً بلا احتشامٍ ... يفهمه كل من يعيه ابن عذابٍ إذا تغنى ... فإنني منه في أبيه ولأبي الوليد النحلي الأندلسي خبر يدخل في بدائع البدائه قال ابن طوفان: دعا أبي أبا الوليد، فلما قضوا وطرهم من الطعام، جلست أسقيهم وجعلت أترع له الكاسات، فلما مشت فيه سورة الحميا ارتجل قائلاً: لابن طوفان أيادٍ ... قل فيها مشبهوه ملأ الكاسات حتى ... قيل في البيت أبوه وللمعقبل من شعراء كتاب الذخيرة لابن بسام في شاعر يعرف بابن الفراء: فإذا ما قال شعراً ... نفقت سوق أبيه أخبرني الفقيه تقي الدين اليوني الشاعر المعزو إلى ميافارقين سنة ثلاث وستمائة قال: اقترح صاحب قرقيسيا الملك المظفر محمود بن عماد الدين زنكي علي،

стр. 227

وعلى جماعة كانوا على بابه من الشعراء أن يعمل في سرج ما يكتب عليه، فصنعوا وصنعت بديهاً: فقت السروج فمسكي المسك رائحةً ... بغير شك كما عودي هو العود تحتي البراق متى رمت اللحاق ومن ... فوقي خليفة هذا العصر محمود قال: فاستحسنه وأجازني. وأخبرني موفق الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عمر بن عبد الله البغدادي بحران قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن جمل صاحب الجرمي لنفسه ارتجالاً: وعروس خدر حين نبرزها ... تسطو كأن فؤادها لهب خلع المزاج على معاطفها ... ثوباً كأن شعاعه الذهب وأراد يجلوها فصاغ لها ... تاجاً ورصع تاجها الحبب وأخبرني موفق الدين أبو الحسن علي بن محمد البغدادي الساكن برأس العين قال: كنت في خدمة السلطان الملك الأشرف - أبقاه الله - بدمشق، فدخل عليه الرشيد عبد الرحمن النابلسي الشاعر الملقب مدلويه، وعلى عينه خرقة، فجرت بيني وبينه معاتبة، فقلت بديهاً: إن أظلمت عين مدلويه فمن ... كثرة نقص العهود والذمم يقسم ألا يخون صاحبه ... وهو يصر الفجور في القسم لو خلق الشعر قيل مسترق ... واللص يمنى بكثرة التهم أو شرب المسكرين في حلبٍ ... كرسمه بعض ليله لعمي ولو يكون المجير بعد بها ... حيا لرمى بالعمى وبالصمم قال علي بن ظافر: المسكران المشار إليهما. النبيذ والصفع، والمجير رجل من ندماء الملك الظاهر، كان كثير العبث بالمذكور في مجلس الملك الظاهر، وهو الذي عناه الأديب شرف الدين الحلي صاحبنا ببيتين من قوله، وكتب بهما إلى الرشيد المذكور إلى دمشق؛ أنشد فيهما الموفق عنه، وهما قوله: قدم العزم يا رشيد وبادر ... فلقد آن من نواك الحضور ما تبقى على قذالك نطع ... تاب سلطاننا ومات المجير وأخبرني الشهاب ابن أخت نجم الدين بن المجاور المقدم ذكره قال: حضر ابن عنين الشاعر الدمشقي وابن الرومي البسام عند خالي، فتذاكرت معه في تشبيه

стр. 228

الثغر بالثريا، فادكر قليلاً ثم أنشد: يا غزالاً أرى الغواية رشداً ... في هواه والرشد في الحب غيا ما رأينا قبل ابتسامك بدر التم يفتر عن نجوم الثريا وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد المقدم ذكره عن العماد بن ناصر الدولة ﵀ قال: اجتمعنا ليلة بدمشق في دعوة غناء، ومعنا ابن عنين وعمر غلام الحكيم بن المطران، فأخذنا في الحديث باستحسانه واستعظام أمره في الحسن وشانه، وتمني الوصول إلى وصاله. وتشهي الاستمتاع بجماله، فقال له بعض الحاضرين: نبه لها عمر، وأطرق ثم أنشد بديهاً: وحاجةٍ بت أشكوها إلى ثقةٍ ... وقد تزاحمت الأشجان والفكر فقال لي مشفقاً: نبه لها عمراً ... فقلت واخيبتي إن لم ينم عمر! وعمر هذا هو الذي يشير إليه ابن عنين في قصيدته المسماة مقراض الأعراض التي عم فيها أهل دمشق بالهجاء، وأولها: أضالع تنطوي على كرب ... ومقله مستهلة الغرب ومنها يعني الحكيم بن مطران: ترى أن سيدي الموفق يخ ... تال في عراصها الرحب يمشي الهوينى وخلفه عمر ... يختال مثل المهاة في السرب وسيدي قلما يشاكله ... في الناس إلا تبظرم الرحبي المدعى أنه بحكمته ... علم بقراط صنعة الطب وأخبرني الأعز بن المؤيد ﵀ أنه حضر عند بعض الرؤساء، فناوله شمامة ريحان وورد، فصنع في الحال: سيداً قد أسدى لنا من أيادي ... هـ فعالا تنزه الأبصارا قرنت راحتك بالورد ريحا ... ناً فأهدت إلى الخدود عذارا قال علي بن ظافر دخلت يوماً على القاضي الفاضل ﵀ فجرى في مجلسه من فنون المذاكرة ما أداه إلى أن قال: كان الرشيد أحمد ابن الزبير قد اجتمعت فيه صفات وأخلاق تقتضي أن تجود معاني الهجاء فيه، من ذلك أنه كان أسود، ولا يزال يدعي الذكاء، وأن خاطره من نار، فقال فيه ابن قادوس: إن قلت من نارٍ خلق ... ت وقفت كل الناس فهما

стр. 229

قلنا صدقت فما الذي ... أطفاك حتى صرت فحما وأرسل إلى اليمن ولقب علم المهتدين، فقال فيه بعض الشعراء من قطعة يخاطب الخليفة: بعثت لنا علم المهتدين ... ولكنه علم أسود يعني أن الأعلام السود إنما تكون للعباسيين، وأعلام تلك الدولة بيض. وتولى مطابخ الخليفة، فقال فيه بعض الشعراء يخاطب الخليفة: تولى على الشيء أشكاله ... فتحسب هذا لهذا أخا تولى على المطبخ ابن الزبير ... تولى على مطبخ مطبخا وكان ينافر في سوق الشعر ويسرق المعاني، فقال فيه ابن فادوس: سلخت أشعار الورى جملةً ... حتى دعوك الأسود السالخا فأخذ الأسعد الخطير يستحسن هذه القطعة، فقلت له: كما تقول، إلا أنه لحن في قوله: الأسود سالخ، وسام أبرص، فاللحن يقيم الوزن، والصواب يكسره، فهو بين خطتي خسف. فأخذ في المشاغبة إلى أن قال: من أين نقلت هذا؟ فقلت أحضر شاهدي عندك الساعة، كتاب الحيات من كتاب الحيوان للجاحظ، فقال: الجاحظ ليس من أهل اللغة، ونقله في هذا الموضع لا يسمع، فقال الأجل الفاضل: دع هذا، فالصواب معه، وهذا مجمع عليه، ولكن عرفنا كيف يصنع حتى ينظم المعنى؟ فقلت يترك هذا الوزن وينظمه في وزن يستقيم عليه الصواب، فقال: انظمه لنا، فقلت ارتجالا: وسلخت أشعار البرية كلها ... حتى دعيت لذاك أسود سالخا فقال: مثلك يقول لذاك: فقلت: حتى دعاك الناس، فقال: إنما كنت أريد أن تنظمه أخصر من بيته. ودخل عليه من انقطع طلبه لدخوله، فلما سكن المجلس قال: تعرف له وجهاً يذهب النقد عنه، ويخلصه من الطعن عليه؟ قلت: مولانا أعلم، فقال: إنه حكى عن الناس تلقيبهم إياه بالأسود السالخ، فكأنه لحن على الحكاية، لا لأنه حكى عنه هذا. فاستحسناه وإن لم يكن صحيحاً من الأعذار. ثم خرجت فلقيت الأسعد بن عبد الرحمن بن شيث فحكيت له الحكاية، فقال: لما طلب منك اختصاره كنت تقول - وقال على الفور: وسلخت أشعار الورى ... فدعوك أسود سالخا

стр. 230

قال علي بن ظافر بت ليلةً أنا والشهاب يعقوب ابن أخت نجم الدين في منزل اعترفت له مشيدات القصور، بالانخفاض والقصور، وشهدت له ساميات البروج، بالاعتلاء والعروج، قد ابيضت حيطانه، وطاب استيطانة وابتهج به سكانه وقطانه، والبدر قد محا خضاب الظلماء، وجلا محياه في زورقة قناع السماء، وكسا الجدران ثياباً من فضة، ونثر كافوره على وجه الثرى بعد أن سحقه ورضه، والروض قد ابتسم محياه، ووشت بأسرار محاسنه رياه. والنسيم قد عانق قامات الغصون فميلها، وغصبها مباسم نورها وقبلها، وعندنا مغن قد وقع على تفضيله الإجماع، وتغايرت على محاسنه الأبصار والأسماع، إن بدا فالشمس طالعة، وإن شدا فالورقاء ساجعة، تغازله مقلة سراج قد قصر على وجهه تحديقه، وقابله فقلنا البدر قابل عيوقه، وهو يغار عليه من النسيم كلما خفق وهب، ويستجيش عليه بتلويح بارقة الموشى بالذهب، ويديم حرفته وسهده، ويبذل في إلطافه طاقته وجهده، فتارة يضمخه بخلوقه، وتارة يحليه بعقيقة، وآونة يكسوه أثواب شقيقه، فلم نزل كذلك حتى نعس طرف المصباح، واستيقظ نائم الصباح، فصنعت بديهاً في المجلس، وكتبت بما صنعت إلى الأعز بن المؤيد ﵀ أصف تلك الليلة التي ارتفعت على أيام الأعياد كارتفاع الرءوس على الأجياد، بل فضلت على ليالي الدهر، كفضل البدر على النجوم الزهر، فقلت: غبت عني يابن المؤيد في وق ... تٍ شهى يلهي المحب المشوقا ليلة ظل بدرها يلبس الجد ... ران ثوباً مفضضا مرموقا وغدا الطل فيه ينثر كافو ... را فيعلو مسك التراب السحيقا وتبدى النسيم يعتنق الأغ ... صان لما سرى عناقاً رفيقا بت فيها منادماً لصديقٍ ... ظل بين الأنام خلا صدوقا هو مثل الهلال وجهاً صبيحاً ... ومثال النسيم ذهناً رقيقا وغزال كالبدر وجهاً وغصن ال ... بان قدا والخمرة الصرف ريقا مظهر للعيون ردفاً مهيلاً ... وحشى ناحلاً وقدار شيقا إن تغنى سمعت داود أو لا ... ح تأملت يوسف الصديقا وإذا قابل السراج رأينا ... منه بدراً يقابل العيوقا

стр. 231

وأظن الصباح هام بمرآ ... هـ، فأبدى قلباً حريقاً خفوقا ذاك نجم ما لاح في الجدر كافو ... ر بياض إلا كساه خلوقا ما بدا نرجس الكواكب إلا ... قام في قومه يرينا الشقيقا وإذا ما بدت جواهرها في ... الجو أبدى في الأرض منهم عقيقا فغدونا تحت الدجى نتعاطى ... من رقيق الآداب خمراً حيقا وجعلنا ريحاتنا طيب ذكرا ... ك فخلناه عنبراً مفتوقا ذاك وقت لولا مغيبك عنه ... كان بالمدح والثناء خليقا فأجاب عنها على الوزن دون الروى: قد أتتني من الجمال قصيد ... يا لها من قصيدةٍ غراء جمعت رقة الهواء وطيب المس ... ك في سبكها وصفو الماء فأرتنا طباعه وشذاه ... والذي حاز ذهنه من ذكاء سيدي هل جمعت فيها اللآلي ... يا أخا المجد أم نجوم السماء أفحمتني حسناً وحق أيادي ... ك التي لا تعد بالإحصاء فتركت الجواب والله عجزاً ... فابسط العذر فيه يا مولائي هل يسامي الثرى الثريا وأنى ... يبلغ النجم فرط نور ذكاء قال علي بن ظافر: وقد ضمنت هذا الكتاب البديع النظم، الغريب الاسم، ما وقع لي إلى هذا التاريخ من حكايات البدائه، وكل ما فيه من الحكايات المسجوعة فخاطري جالب دره، وحالب دره، وساكب قطره، إلا ما استنبت به، وقد جاء علالة السائر، وأنس المسامر، وملهاة الساهر، ولولا ضيق الصدر بازدحام وفود الهموم، وما ران على البصيرة من تكاثف غيوم الغموم، لتكلفت مشقة الحث، وأنضيت ركائب البحث، فلا أزال في الطلب موضعاً، حتى لا أرى للزيادة موضعاً، إلا ما تنتجه الخواطر في الأزمان الآنفة، وتولده الفكر في الأعصار الرادفة. وقد عقدته عقداً لا يعقبه فسخ، ونظمته نظماً محكماً لا يعرفه نسخ، فمهما اطلعت عليه بعد ذلك من البدائه الواقعة في الأزمنة الخالية، أو مما تجدد في الأزمنة الآتية، جمعته وجعلته كالتتمة له، حتى لا أفض ختامه، ولا أفتق أكمامه، والله تعالى يوقعه عند الجناب المحمول إليه موقع الرضا عنه، والقبول له والإقبال عليه، إنه على ما يشاء قدير،

стр. 232

وبالإجابة جدير وصلى الله على سيدنا محمد زين الملاح، وعلى آله وصحبه أولى الوجوه السماح، وسلم تسليماً كثيراً. آمين.