← Адаб

Адаб · id 21559

بدائع البدائه

ابن ظافر الأزدي

Полный текст (232 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

نسخة من ديوان شعره، فتشاغل بتسويد كتابه جوابه، فلما كتب بعضه التفت إلي وقال: اصنع أبياتاً أكتبها إليه في صدر الجواب، وأذكر فيها شعره، فقلت له: على مثل هذا الحال؟ قال: نعم. فقلت: بقدر ما أنجز بقية النسخة: أيا ملكاً قد أوسع الناس نائلاً ... وأغرقهم بذلاً وعمهم عدلا فديناك هب للناس فضلاً يزينهم ... فقد حزت دون الناس كلهم الفضلا ودونك فامنحهم من العلم والحجا ... كما منحتهم كفك الحود والبدلا إذا حزت أوفى الفضل عفواً فما الذي ... تركت لمن كان القريض له شغلا! وماذا عسى من ظل بالشعر قاصداً ... لبابك أن يأتي به قل أو جلا فلا زلت في عز يدوم ورفعة ... تحوز ثناءً يملأ الوعر والسهلا قال وكنت عند المولى الملك الأشراف أبقاه الله تعالى في سنة ثلاث وستمائة بالرها وقد وردت إليه في رسالة، فجعلني بين سمعه وبصره، وأنزلني في بعض دوره بالقلعة بحيث يقرب عليه حضوري في وقت طلبتي، أو إرادة الحديث معي. فلم أشعر في بعض الليالي - وأنا نائم في فراشي - إلا وهو قائم على رأسي، والسكر قد غلب عليه، والشموع تزهو بين يديه، وقد حفت به مماليكه كأنهم الأقمار الزواهر، في ملابس كرياض ذات أزاهر. فقمت مروعاً، فأمسكني وبادر بالجلوس إلى جانبي، ومنعني من القيام عن الوساد، وأبدى من جميله ما أبدلني بالنفاق بعد الكساد. ثم قال: غلبني الشوق إليك، ولم أرد بإزعاجك التثقيل عليك ثم استدعى من بمجلسه من المغنين فحضروا وأخذوا من الغناء فيما يملأ المسامع التذاذاً، ويجعل القلوب من الوجد جذاذا. وكان له في ذلك الوقت مملوكان هما نيرا سماء ملكه، وواسطتا در سلكه، وقطبا فلك طربه وزهوه، وركنا بيت سروره ولهوه، وكانا يتناوبان في خدمته، فحضر أحدهما في تلك الليلة وغاب الآخر، وكان كثيراً ما يداعبني في شأنهما، ويستدعي مني القول فيهما، والكلام في التفضيل بينهما، فصنعت في الوقت: يا مالكاً لم يحك سيرته ... ماضٍ ولا آتٍ من البشر اجمع لنا تفديك أنفسنا ... في الليل بين الشمس والقمر فطرب، وأمر في الحال باستدعاء الغائب منهما، فحضر، والنوم قد زاد أجفانه تفتيرا، ومعاطفه تكسيرا، فقلت بين يديه بديها في صفة المجلس:

стр. 177

سقى الرحمن عصراً قد مضى لي ... بأكناف الرها صوب الغمام وليلاً باتت الأنوار فيه ... تعاون في مدافعة الظلام فنور من شموعٍ أو ندامى ... ونور من سقاةٍ أو مدام يطوف بأنجم الكاسات فيه ... سقاة مثل أقمار التمام تريك به الكثوس جمود ماء ... فتحسب راحها ذوب الضرام يميل به غصوناً من قدودٍ ... غناء مثل أصوات الحمام فكم من موصلي فيه يشدو ... فينسى النفس عادية الحمام وكم من زلزلٍ للضرب فيه ... وكم للزمر فيه من زنام لدى موسى بن أيوب المرجي ... إذا ماضن غيث بانسجام ومن كمظفر الدين المليك ال ... أجل الأشرف الندب الهمام فما شمس تقاس إلى نجوم ... تحاكي قدره بين الكرام فدام مخلداً في الملك يبقى ... إذا ما ضن دهر بالدوام فلما أنشدتها قام، فوضع فرجية من خاص ملابسه كنت عليه على كتفي، ووضع شربوسة بيده على رأس مملوك صغير كان لي. قال: ومررت أيضاً عليه وقد أنفذني السلطان خلد الله تعالى ملكه في رسالة إلى الموصل في سنة سبع وستمائة فلما عدت أمسكني عنده نحو شهر بالرها، وجرت لي عنده بدائه كثيرة، من جملتها أنه غنى بين يديه بشعر أعجمي ليس على أوزان العروض، فأعجبه واقترح على أن أصنع له على وزنه ليغني له به ما يفهمه، وأرسل إلي بذلك، فعملت في الوقت بالمعنى الذي اقترحه: مالذة المعنى ... إلا مدامته ووصل من عليه ... قامت قيامته ظبي صريعه ... ما ترجى سلامته والٍ على غرامي ... دامت ولا يته في السلم لينه ... وفي الهيجا صرامته كالسيف مقلتاه ... كالرمح قامته كالبدر وجهه ... والأصداغ هالته كالغصن حين تز ... هو به غلالته كالليث حين تب ... دو عليه لامته وليس مثل قلبي تخشى سآمته إن الوفاء منه ... والصبر عادته وولائمي عليه ... بانت لآمته كالريح لم تؤثر ... عندي ملامته فقم أدر شراباً ... لذت مرارته قد جلت الدياجي ... عنا إنارته فما السرور عندي ... إلا إدارته

стр. 178

وأنفذته إليه وهو في مجلس أنه مع مملوك لي للوقت، فعاد مخلوعاً عليه خلعة خاصة الفصل الثاني فيما وقع من بدائع البدائه من غير اقتراح روى مرة أن بن محكان السعدي تميم قدم بين يدي مصعب بن الزبير أيام ولايته العراق لأخيه عبد الله بن الزبير - وأظن ذلك بعد وقعة الحرة، ودخول مصعب البصرة - فأمر رجلا من بني أسد بقتله، فقال مرة بن محكان بديهاً: بني أسدٍ إن تقتلوني تحاربوا ... تميماً إذا الحرب العوان اشمعلت ولست وإن كانت إلى حبيبةً ... بباكٍ على الدنيا إذا ما تولت وذكر الطبري أن الوليد بن عبد الملك - أو سليمان - مضى إلى الحج، فلما وصل إلى المدينة أتى له بجماعة من أسرى الروم ففرقهم على أشرافها ليقتلوهم، فأعطى عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ أسيراً منهم ليقتله، فقام وحسر عن ساعديه، وطلب سيفاً فلم يجسر أحد أن يعطيه سيفاً، فناوله بعض الحرس سيفاً كليلا، فضرب به الأسير ضربةً أطارت رأسه وبعض كتفه، فعجب الناس وقالوا: ما قطعها إلا حسبه. ثم أعطى أسيراً لجرير، فقام إليه بعض بني عبس سيفاً صارماً فضرب به الأسير فأطار رأسه، ثم أعطى أسيراً للفرزدق. فدس اليه بعض بني عبس سيفاً كهاماً ضرب به الأسير نباً فضحكوا وخجل الفرزدق ثم قال: يا أمير المؤمنين، هبه لي ففعل. فأعتقه، ثم قال مرتجلا يعتذر، ويعير بني عبس: فإن يك خان أو قدر نبا ... لتأخير نفسٍ حينها غير شاهد فسيف بني عبسٍ وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحياناً مناط القلائد - عيرهم بنبو سيف ورقاء بن زهير بن جذيمة عن رأس خالد بن جعفر الكلابي قاتل أبيه زهير، وقد كان ضربه عدة ضربات، وهو ملقٍ نفسه على زهير، فلم يصنع شيئاً، وفي ذلك يقول جرير يهجو الفرزدق: بسيف أبي رغوان سيف مجاشعٍ ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم فأجابه الفرزدق بقوله:

стр. 179

ولا تقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم وروى أنه سكر يوماً فتكشف فمرت به امرأة فسخرت منه فأنشأ يقول: وأنت لو باكرت مشمولةً ... صهباء مثل الفرس الأشقر عدت وفي رجليك ما فيهما ... وقد بدا هنك من المئزر وروى أبو الغراف قال: إن الحجاج قال لجرير والفرزدق، وهو في قصره بجزيز البصرة: ائتياني في لباس آبائكما في الجاهلية؛ فلبس الفرزدق الديباج والخز، وقعد في قبة وشاور جرير دهاة بني يربوع وشيوخهم، فقالوا: مالباس آبائنا إلا الحديد. فلبس درعاً، وتقلد سيفا، وتابط رمحاً، وركب فرساً لعباد بن الحصين الحبطى، وأقبل في أربعين فارساً، من بني يربوع، وجاء الفرزدق في هيئته، فقال جرير: لبست سلاحي والفرزدق لعبة ... عليه وشاح كرجٍ وخلاخله أعدوا مع الخز الملاب فإنما ... جرير لكم بعل وأنتم حلائله ثم رجعا، فوقف جرير في مقبرة بني حصن، ووقف الفرزدق في المربد. وروى أن الحجاج لما أتى بالحكم بن المنذر الجارود قال: أنت الذي قال فيك الشاعر: ياحكم بن المنذر الجارود ... سرادق العز عليكً ممدود قال: نعم، قال: والله لأجعلن سرادقك السجن، فقال الحكم مرتجلا: متى ماأكن في السجن في حبس ماجدٍ ... فإني على ريب الزمان صبور فلو كنت النكث والغدر لم أجب ... دعاك؛ ولو منك الأمان غرور لقد كنت دهراً لا أخوف بالتي ... أخاف، ولايسطو على أمير فقال الحجاج: لله أبوك! إن زعارة العرب لبنية فيك؛ خلوا سبيله. وروى عن عبد الأعلى الشيباني أن حماد عجرد ومطيع ابن إياس اجتمعا في مجلس محمد بن خالد، وهو أمير الكوفة للسفاح، فتمازحا فقال حماد: يا مطيع يا مطيع ... أنت إنسان رقيع وعن الخير بطئ ... وإلى الشر سريع فقال مطيع: إن حماداً لئيم ... سفلة الأصل عديم

стр. 180

لا تراه الدهر إلا ... بهن العير يهيم فقال له حماد: ويحك! أترميني بدائك! والله لولا كراهتي لتمادى الشر ولجاج الهجاء، لقلت لك قولا يبقى، ولكن لا أفسد مودتك، ولا أكافئك إلا بالمدح، ثم قال: كل شيء لي فداء ... لمطيع بن إياسٍ رجل مستملح في ... كل لينٍ وشماس عدل روحي بين جنبي ... وعيني وراسي غدس الله له ... كبدي أوفي غراس ذاك إنسان له فضل على كل أناس وروى إسحاق الموصلي أن يحيى بن زياد الحارثي قال لمطيع بن إياس امض بنا إلى فلانة صديقتي، فإن بيني وبينها مغاضبة، لتصلح بيننا، ولكن - بئس المصلح أنت! فدخلا إليهما، وجعلا ملياً يتعاتبان ومطيع ساكت، حتى إذا أكثرا قال له يحيى: ما يسكتك أسكت الله نأمتك! فقال مطيع: أنت معتلة عليه وما زا ... ل مهيناً لنفسه في رضاك فأعجب يحيى ما سمع وهش، فقال مطيع: فدعيه وواصلي ابن إياسٍ ... جعلت روحه الغداة فداك فقام يحيى بوسادة في البيت، فما زال يصدع بها رأسه ويقول: ألهذا جئت بك يابن الزانية! ومطيع يغوث، والجارية تضحك منهما. وروى أن أبا دلامة تاب وعزم على الحج فلما صار بطبرتاباذ لقيه علج من الخمارين الذين كان يألفهم، اسمه أبو بشر، فدعاه إلى منزله وأضافه وأحضر له نبيذاً، فامتنع أبو دلامة منه وأخبره بتوبته، وما عزم عليه، فقال العلج: إنه مطبوخ، فشرب منه، فلم يلبث أن دبت فيه سورته، فرفع عقيرته وأنشد: سقاني أبو بشرٍ من الراح شربةً ... لها سورة ما ذقها لشراب وما طبخوها غير أن غلامهم ... مشى في نواحي كرمها بشهاب وروى انه كان منحرفاً عن علي بن سليمان بن علي بن عبد الله ابن العباس فاتفق أن خرج المهدي إلى الصيد، ومعه علي وأبو دلامة، فرمى المهدي ظبيا عن له فأنفذ مقاتله، ورمى علي بن سليمان فأصاب كلباً من كلاب الصيد، فارتجل أبو دلامة:

стр. 181

قد رمى المهدي ظبياً ... شك بالسهم فؤاده وعلى بن سليما ... ن رمى كلباً فصاده فهنيئاً لهام ك ... ل فتىً يأكل زاده فخجل علي بن سليمان، وضحك المهدي، وأمر له بجائزة. وذكر دعبل بن علي قال: كان لأبي الشمقمق على بشار مائتا درهم في كل سنة، فأتاه أبو الشمقمق في بعض السنين فقال: هلم الجزية يا أبا معاذ، فقال: ويحك! أوجزية هي؟ قال: نعم هو ما تسمع، فقال له بشار يمازحه: أنت أفصح أو أحكم مني؟ قال: لا، قال: فلم أعطيك؟ قال: لئلا أهجوك، قال: لئن هجوتني لأهجونك، قال أبو الشمقمق: أو هكذا هو؟ قال: نعم ما بدالك. فقال أبو الشمقمق: إني إذا ما شاعر هاجانيه ... ولج في القول له لسانيه أدخلته في است أمه علانيه ... بشار يا بشار ... أراد أن يقول: يا بن الزانية. فوثب إليه بشار وأمسك فاه، ثم قال: أراد والله أن يشتمني، ثم دفع إليه مائتي درهم وقال: لا يسمع هذا منك الصبيان. وروى أن أبا نواس لما وفد على الخصيب قال له مرة يمازحه وهو بالمسجد الجامع: أنت غير مدافع في قول الشعر، ولكنك لا تخطب، فقام من فوره وصعد المنبر وأنشد مرتجلا: محضتكمم يا أهل مصر نصيحتي ... ألا فخذوا من ناصحٍ بنصيب رماكم أمير المؤمنين بحيةٍ ... أكولٍ لحيات البلاد شروب فإن يك باق سحر فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكف خصيب ثم التفت إليه وقال: لا يأتى بها والله خطيب مصقع. فاعتذر إليه، وحلف أنه إنما كان يمازحه. وروى أنه كان تنزه مرة مع عيسى بن الرشيد بالقفص في أواخر شعبان فلما كان في اليوم الموفى ثلاثين قيل لأبي نواس: هذا يوم شك، وبعض الناس يصومه احتياطاً. فقال: ليس الشك حجة على اليقين، حدثنا أبو جعفر يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته "، ثم التفت إلى عيسى وارتجل: لو شئت لم نبرح من القفص ... نشربها حمراء كالفص نسرق هذا اليوم من شهرنا ... فالله قد يعفو عن اللص وذكر يزيد بن أبي اليسر الرياضي في أمثاله قال: حدثنا أبو سهل الحاسب،

стр. 182

ونحن معه في بعض حوانيت الفسطاط، قال: كان أكثر قعود الحسن بن هانئ في هذا الحانوت، فمر به في بعض الأيام ابن عبد الحكم، وكان في يده سوط، فسلم علينا به، فقال الحسن: سلم السوط إذ مررت علينا ... فعلى السوط لا عليك السلام فقال ابن عبد الحكم لمن معه: من هذا؟ فقيل: هذا الحسن بن هانئ. فرجع إليه ونزل واعتذر، فقبل الحسن بن هانئ عذره وألطفه. وذكر أبو الفرج في كتاب القيان والمغنين أنه كان بالكرخ مغن يقال له أبو عمير، وكان له قيان حسان، وكان عبد الله بن محمد. أظنه التيمي - قد عشق جارية منهن، يقال لها عبادة فكان يغشى منزله وينفق فيه. ثم أضاق إضافة شديدة حملته على انقطاع عنهم، وكره أن يقصر عما كان عليه من برهم، ثم نازعته نفسه إلى لقائها وزيارتها، فأتاها فأصاب عندها جماعة ممن كان يألف منزل مولاها، فرحبت به الجارية وسيدها، واستبطئو زيارته وعاتبوه على تأخره عنهم، فجعل يجمجم في عذره، ولا يصرح، فلما سكر رفع عقيرته منشداً: لو تشكى أبو عمير قليلاً ... لأتيناه من طريق العياده وقضينا من الزيارة حقا ... ونظرنا لمقلتي عباده فقال له أبو عمير: مالي ولك يا بن أخي! انظر إلى مقلتي عبادة كيف شئت غير ممنوع ... ، ولا تتمن لي المرض. وذكر أيضاً فيه برواية تتصل بعلي بن هشام قال: قدمت على جدتي شاهك من خراسان، فقالت لي: اعرض على جواريك، فعرضتهن عليها، ثم جلسنا على الشراب، ومتيم تغني، فأطالت جدتي الجلوس عندنا، فلم أنبسط للجواري إجلالاً لها، فأخذت الدواة وصنعت في الحال، وكتبت به رقعة ورمت بها إلى متيم: أنبقى على هذا وأنت قريبة ... وقد منع الزوار بعض التكلم! سلام عليكم لا سلام مودعٍ ... ولكن سلام من محب متيم فأخذته ثم نهضت إلى الصلاة، وعادت وقد صنعت لحناً فغنته، ففطنت جدتي، وقالت: أظن أننا ثقلنا عليكم، وأمرت الخدم فحملوا محفتها، وأمرت للجواري بصلاتٍ، وأمرت لمتيم بثلاثين ألف درهم. أنبأني الفقيه النبيه أبو الحسن المفضل علي بن الحسين المقدسي عن الفقيه أبي القاسم مخلوف بن علي

стр. 183

القيرواني، عن أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي، عن أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي الحافظ، قال: أخبرنا أبو العباس البغدادي. قال: حدثنا أبو البركات محمد بن عبد الواحد الزبيري، حدثنا أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، قال حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، قال: لما وصل المأمون إلى بغداد، وقر بها، قال ليحيى ابن أكثم: وددت لووجدت رجلا مثل الأصمعي ممن يعرف أخبا العرب وأيامها وأشعارها، فيصحبني كما صحب الأصمعي الرشيد؛ فقال يحيى: ها هنا شيخ يعرف الأخبار، يقال له غياث بن ورقاء الشيباني، قال: أحضره، فلما حضر قال له يحيى: إن أمير المؤمنين يرغب في حضورك مجلسه فقال: أنا شيخ كبير، لاطاقة لي بذلك؛ لأنه قد ذهب مني الأطيبان، فقال له المأمون: لابد من ذلك؛ فقال الشيخ: فاسمع ما حضرني، وأنشد اقتضاباً: أبعد شيبي أصبو ... والشيب للمرء حرب شيب وسن وإثم ... أمر لعمرك صعب يابن الإمام فهلا ... أيام عودي رطب وإذ شفاء الغواني ... منى حديث وقرب وإذ مشى قليل ... ومنهل العيش عذب والآن حين رأى بي ... عواذلي ما أحبوا آليت أشرب راحاً ... ماحج لله ركب فقال المأمون: اكتبوها بالذهب؛ وأمر له بجائزة وتركه. وبهذا الإسناد عن الحميدي قال: أخبرنا أبو محمد على بن أحمد، قال: أخبرنا عبد الله بن ربيع التيمي، قال: حدثنا أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي، قال: حدثني أبو معاذ عبدان الخوبي المتطبب، قال: دخلنا يوماً بسر من رأى علي عمرو بن بحر الجاحظ نعوده، وقد فلج، فلما أخذنا مجالسنا أتى رسول المتوكل إليه فقال: وما يصنع أمير المؤمنين بشق مائل، ولعاب سائل! ثم أقبل علينا فقال: ما تقولون في رجل له شقان، أحدهما لو غرر بالمسال ما أحسن، والشق الآخر يمر به الذباب فيغوث! وأكثر ما أشكوه الثمانون، ثم أنشدنا بيتاً من قصيدة عوف بن ملحم الخزاعي. قال أبو معاذ: وكان سبب هذه القصيدة أن عوفاً دخل على عبد الله بن طاهر، فسلم

стр. 184

علي عبد الله فلم يسمع فأعلم بذلك، فزعموا أنه ارتجل هذه القصيدة وأنشد: يابن الذي دان له المشرقان ... طرا وقد دان له المغربان إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وبدلتني بالشطاط الحنا ... وكنت كالصعدة تحت السنان وأبدلتني من زمان الفتى ... وهمتي هم الجبان الهدان وقاربت مني خطاً لم تكن ... مقارباتٍ وثنت من عنان وأنشأت بيني وبين الورى ... عنانةً من غير نسج العنان ولم تدع في لمستمتعٍ ... إلا لساني، وبحسبي لسان أدعو به الله وأثني به ... على الأمير المصعبي الهجان فقرباني بأبي أنتما ... من وطني قبل اصفرار البنان وقبل منعاي إلى نسوةٍ ... أوطانها حران والرقتان وذكر أن تميم بن جميل التغلبي عاث ببعض الأعمال فحمله مالك بن طوق إلى المعتصم، فلما قدم بين يديه، وأحضر السيف والنطع لقتله، رآه المعتصم جميلا وسيما، فاحب أن يعلم كيف منطقة، فقال له: تكلم، فقال بعد أن حمد الله تعالى ودعا للمعتصم: إن الذنوب تخرس الألسنة، وتعمي الأفئدة، وقد عظمت الجريرة وانقطعت الحجة وساء الظن، ولم يبق إلا العفو أو الانتقام، وأرجو أن يكون أقربهما مني وأسرعهما إليك، أشبهها بك، وأولاك يكرمك ألقيهما بك، ثم ارتجل: أرى الموت بين النطع والسيف كامناً ... يلاحظني من حيثما أتلفت وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... ومن ذا الذي مما قضى الله يفلت وأي امرئ يدلي بعذرٍ وحجةٍ ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت! يعز على الأوس بن تغلب موقف ... يسل على السيف فيه وأسكت وما جزعي من أن أموت، وإنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت ولكن خلفي صبيةً قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا فإن عشت عاشوا سالمين بغبطةٍ ... أذود الردى عنهم وإن مت موتوا وكم قائل: لا يبعد الله داره ... وآخر جذلانٍ يسر ويشمت فعفا عنه المعتصم وقلده عملا. وهذه بديعة لو وقعت لمرو ثابت الجأش، مع

стр. 185

طول المدة وحصول الأمن لكانت عظيمة، فكيف بالبديهة في هذه الساعة التي يحول فيها الجريض دون القريض، وحسبك بحال لم يقدر عبيد بن الأبرص فيها على الروية. وكذلك على بن الجهم قال ارتجالا وقد صلب: لم يغصبوا بالشاذياخ عشيةال ... إثنين مسبوقاً ولا مجهولا نصبوا بحمد الله ملء عيونهم ... حسناً وملء قلوبهم تبجيلا ما ضره أن بز عنه ثيابه ... فالسيف أهول ما يرى مسلولا وهذا من أحسن شعره وأبدعه. وروى عن خالد الكاتب أنه قال: دخلت الدير يوماً فإذا أنا بشاب مغلول مربوط إلى سارية، فملت إليه وسلمت عليه، فقال: من تكون؟ قلت: خالد الكاتب، قال: صاحب المقطعات؟ قلت: نعم، قال: أنشدني، فأنشدته: ترشفت من شفتيه عقاراً ... وقبلت من خده جلنارا وعانت منه قضيباً رطيباً ... وردفاً مهيلاً وبدراً أنارا وعاينت من حسنه في الظلام ... إذا ما تبدى نهاراً جهارا فأطرق ثم أنشد: رب ليلٍ أمد من نفس العا ... شق طولاً قطعته بانتخاب ونعيم ألذ من وصل معشو ... ق تبدلته بيوم عتاب قال خالد: فوالله إني منذ ثلاثين سنة لا أحسن إجازتهما. وروى أبو الفرج أن شحنة بغداد كسر نبيذاً كثيراً حتى ملأ الطريق، فمر به بكر بن خارجة، فلما رآه جلس يبكي فمر عليه بعض أصحابه، فسأله عن سبب بكائه، فقال بديهاً: يا لقومي لما جنى السلطان ... لم يكن للذي أهان هوان صبها في الطريق من حلب الكر ... م عقاراً كأنها زعفران صبها في مكان سوءٍ لقد أد ... رك سعد السعود ذاك المكان قال الكرماني: أنشدتها الجاحظ فقال: إن من حق الفتوة والمروءة ألا أكتبها إلا قائما، فعمدته لأنه كان مفلوجاً حتى كتبها. وذكر ابن العباس بن إبراهيم الصولي كان قد ولى بعض النواحي للمتوكل، فأخرج إليه أحمد بن المدبر جملة كبيرة، وجلسا للمناظرة بين يدي المتوكل، ولم يكن إبراهيم من رجال أحمد في كتابة الخراج، ولا واحدٍ من رجاله في البلاغة والشعر؛ فكاد يفتضح، فوقعت

стр. 186

قضية للمتوكل أوجبت أن ارتجل إبراهيم: صد عني وصدق الأقوالا ... وأطاع الوشاة والعذالا أتراه يكون شهر صدودٍ ... وعلى وجهه رأيت الهلالا فطرب المتوكل، وأقره على عمله، وسوغه ما عليه. وذكر أبو الفرج في كتاب القيان والمغنين انه كان يعشق جارية لبعض الهاشميين يقال لها أمل، فدعا إخواناً له من أجلاء الكتاب، ودعاها ودعا قياناً غيرها، فحضروا وتأخرت، فتنغص عليه يومه من أجلها، ثم جاءت فسرى عنه، وطرب وشرب، وكتب ارتجالا: ألم تريا يومنا إذ نأت ... فلم تأت من بين أترابها وقد غمرتنا دواعي السرور ... بإلهائها وبإطرابها ومدت علينا خيام النعيم ... وكان المني بعض أطنابها ونحن فتور إلى أن دنت ... وبدر الدجى بين أثوابها فلما نأت كيف كنا لها ... ولما دنت كيف صرنا بها وقرئت عليها الأبيات، فقالت: ليس الأمر كذلك، قد كنتم قبلي في لذة، وإنما تجملتم بهذا لما حضرت، فقال: يامن حنيني إليه ... ومن فؤادي لديه ومن إذا غاب من بي ... نهم أسفت عليه من غاب غيرك منهم ... فإذنه في يديه فرضيت عنهم، وأتموا يومهم. وحكى أن علي بن الجهم قال: كنت بين يدي المتوكل، وقد أتاه رسول برأس إسحاق بن إسماعيل، فقال علي بن الجهم يخطر بين يدي الرسول، وهو يرتجز: أهلاً وسهلا بك من رسول ... جئت بما يشفى من الغليل برأس إسحاق بن إسماعيل فقال المتوكل: التقطوا هذا الجوهر لا يضيع. قال علي بن ظافر: إسحاق بن إسماعيل هذا مولى لبني أمية، خرج بتفليس في سنة سبع وثلاثين ومائتين، حين وثب أهل أرمينية بعاملهم من جهة المتوكل يوسف بن محمد بن يوسف. وتولى قتل إسحاق هذا بغا الكبير في سنة سبع وثلاثين؛ ولم يكن بين اغتباط المتوكل بعلى هذا الاغتباط وبين نفيه إلا نحو سنة، لأنه نفاه إلى خرسان في سنة ثمان وثلاثين. وذكر ابن أبي طاهر في أخبار بغداد عن محمد بن عبدوس الفارسي

стр. 187

أنه قال: سرت يوماً إلى علي بن الجهم، فأنشدني لنفسه في العناق: ولم أنسى ليلاً ضمنا بعد فرقةٍ ... وأدنى فؤاداً من فؤادٍ معذب وبتنا جميعاً لو تراق زجاجة ... من الراح فيما بيننا لم تسرب فانقدح زني لإيراد مثله، فأطرقت وقلت بديهاً: لا والمنازل من نجدٍ وليلتنا ... بفيد إذ جسدانا في الهوى جسد كم رام فينا الكرى من لطف مسلكه ... سيراً فما أنفك لاخد ولا عضد ما أنصفوني، دعوني فاستجبت لهم ... حتى إذا قربوني منهم بعدوا أنبأني المقدسي عن القيروان عن السرقسطي عن الحميدي، قال: حكوا أن عبد الله بن عاصم صاحب الشرطة كان أديباً شاعراً سريع البديهة، كثير النوادر من جلساء الأمير عبد الرحمن - ذكره غير واحد - وحكوا أنه دخل عليه في يوم غيم، وبين يديه غلام حسن المحاسن، جميل الزي، لين الأخلاق. فقال له: ما يصلح ليومنا هذا؟ فقال: عقار تنفر الذبان وتؤنس الغزلان، وحديث كقطع الروض قد سقطت فيه مؤنة التحفظ وأرخي علي عنان التبسط، يديرها هذا الأغيد المليح. فضحك ثم أمر بالغناء وآلات الصهباء، فلما دارت الكئوس واستمطر الأمير نوادره واستطرد بوادره. وأشار إلى الغلام أن يلح عليه، فلما أكثر رفع رأسه إليه وقال على البديهة: يا حسن الوجه لا تكن صلفاً ... ما لحسان الوجوه والصلف تحسن أن تحسن القبيح ولا ... ترثي لصبٍ متيمٍ دنف فاستبدع الأمير بديهته، وأمر له ببدرة. ويقال إنه خيرة بينها وبين الوصيف فاختارها نفياً للظنة عنه. وذكر أن الخليع حضر مجلس المتوكل في جملة الندماء وقد كبر سنه، وضعف جسمه، وبين يديه شفيع خادمه ينضد ورداً، وعليه قراطق موردة، ولم يكن في عصره خادم أحسن منه، فأمره المتوكل أن يحييه بوردة، ويغمز يده ليحرك خاطره، ففعل فارتجل: وكالوردة البيضاء حيا بوردةٍ ... من الحمر يمشي في قراطق كالورد سقاني بعينيه وكفيه شربةً ... فأذكرني ما قد نسيت من العهد له عبثات عند كل تحيةٍ ... بكفيه تستدعي الخلي إلى الوجد

стр. 188

سقى الله دهراً لم أبت فيه ليلةً ... من الدهر إلا من حبيب على وعد قال علي بن ظافر وهذه الحكاية تشبه حكاية ذكرها الفتح ابن خاقان في قلائد العقيان أوردتها ها هنا قاطعاً ترتيب الحكايات طلباً للمجانسة حتى إذا نجزت عدنا لترتيب الأخبار على ترتيب الأعصار، قال الفتح بن خاقان: أخبرني الوزير أبو عامر بن يشتغير أنه حضر مجلس القائد أبي عيسى بن لبون في يوم سفرت فيه أوجه المسرات، ونامت عنه أعين المضرات، وأظهر سقاته غصونا تحمل بدوراً، وتطوف من المدام بنار مازحت من الماء نوراً، وشموس الكاسات تشرق في أكف سقاتها كالورد في السوسان، وتغرب بين أقاحي نجوم الثغور فتذبل نرجس الأجفان. وعنده الوزير أبو الحسن بن الحاج اللورقي، وهو يومئذٍ قد بذل الجهد، في التحلي بالزهد، فأمر القائد ساقيه أن يعرض عليه ذهب كاسه، ويحييه بزبرجد آسه، ويغازله بطرفه، ويميل عليه بعطفه، ففعل ذلك عجلا، فأنشد أبو الحسن مرتجلا: ومهفهفٍ مزج الفتور بشدة ... وأقام بين تبذلٍ وتمنع يثنيه من فعل المدامة والصبا ... سكران: سكر طبيعةٍ وتصنع والله لولا أن يقال هوى الهوى ... منه بفضل عزيمةٍ وتمنع لأخذت في تلك السبيل بمأخذي ... فيما مضى ونزعت فيها منزعي أخبرنا المسكي عن السلفي، عن جعفر بن أحمد بن السراج، وابن يعلان الكبير، قالا: أنبأنا أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجستاني، قال: أخبرنا أبو يعقوب النجيرمي، حدثنا أبو الجود العروضي، عن جحظة البرمكي، قال: حدثنا أبو عبادة البحتري الشاعر - وكان المتوكل أدخله في ندمائه - قال: دخلت على المتوكل يوماً، فرأيت في يديه درتين، ما رأيت أشرق من نورهما، ولا أنقى بياضاً ولا أكبر، فأدمت النظر إليهما، ولم أصرف طرفي عنهما، ورآني المتوكل، فرمى إلى التي كانت في يده اليمنى، فقبلت الأرض، وجعلت أفكر فيما يضحكه طمعاً في الأخرى، فعن لي أن قلت: بسرمرا لنا إمام ... تغرف من كفه البحار خليفة يرتجى ويخشى ... كأنه جنة ونار

стр. 189

الملك فيه وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار يداه في الجود ضرتان ... هذي على هذه تغار وليس تأتي اليمين شيئاً ... إلا أتت مثله اليسار فرمى بالدرة التي كانت في يده اليسار وقال: خذها يا عيار. وحكى النميري قال: كنت عند الأمير عبد الله بن المعتز وعنده قينة قبيحة الصورة، فجعلت أتبرم بها، وجعل يظهر شغفاً بها وعشقاً لها، ليغايظني بذلك، فلما اشتد غيظي منه خلوت به فقلت له: نشدتك الله أيها الأمير، أعشقتها؟ فقال مضاحكاً: نعم، فقلت: ألست ترى قبح وجهها وسماجة خلقها! فارتجل: قلبي وثاب إلى ذا وذا ... ليس يرى شيئأً فيأباه يهيم بالحسن كما ينبغي ... ويرحم القبح فيهواه فسكت عنه تعجباً من سرعة بديهته. وروى أنه جاء يوماً إلى أبي العباس ثعلب أحمد بن يحيى وهو في المسجد الجامع ليسلم عليه فقام إليه هو والحاضرون، وأجلسه مكانه، فداس قلماً فكسره، فقال: لكفي وتر عند رجلي لأنها ... أبادت قتيلاً مالأعظمه جبر فعجبوا من بديهته وحسنها. قال يزيد الرياضي في كتابه في الأمثال سمعت أبا الطيب الكاتب يقول: ذكر المازري أنه كان في مجلس ابن المعتز، وغلام على رأسه يذب، فوقعت المذبة على رأس بعض الجلساء، فقال ابن المعتز: قل لمن ذب ذب نفسك عنا ... حسبنا منك، أو فحسبك منا حدثنا المسكي، بالإسناد المتقدم عن النجيرمي قال: حدثنا العروضي، عن الصولي وذكره. وبهذا الإسناد عن أبي الحسن بندقة، قال: أنشدنا عبد الله بن المعتز بيتي أبي نواس في الخمر وهما: وعاشقٍ دنفٍ نبهته سحراً ... فقام للكأس والصهباء قاصطبحا ودارت الكأس من صهباء صافيةٍ ... فما حسا قدحاً إلا بكى قدحا فاستمد فكتب: وقهوةٍ كشعاع الشمس صافيةٍ ... مثل السراب يرى من دقةٍ شبحا إذا تعاطيتها لم تدر من دهشٍ ... راحاً بلا قدحٍ أعطيت أم قدحا

стр. 190

قال يزيد الرياضي: حدثنا أبو عبد الله الكرماني قال: حدثنا الصولي قال: ذكر المرادي أنه كان في بعض الأيام عند ابن المعتز على شراب، فأكثر القوم كلامهم، فقال: إذا فتح القوم أفواههم ... لغير شرابٍ ولا مطعم فلا خير فيهم لشرب المدام ... فدعهم يناموا مع النوم قال: وذكر المرادي أنه دخل إليه يهنيه ببرء من علة فقال: أتاني برء لم أكن واثقاً به ... كحل أسير فك بعد وثاقه وكان لأحد بني المنجم جارية صفراء مولدة، فبلغ به الوجد بها إلى أن مرض ونحل، فدخل عليه الطبيب فجسه، فقال: هذا الفتى قد أحرقته الصفراء، فقال: أصبت وأحسنت من حيث لا تشعر، واستدعى دواة وكتب في الحال: قال الطبيب وقد تبين سحنتي ... قد أحرقت هذا الفتى الصفراء فعجبت منه إذ أصاب وما درى ... والحق أبلج ليس فيه مراء ومثل هذه الحكاية ما روى من أن العباس الفارسي كان يهوى مدام الشاعرة الكوفية، وكان مداوماً للشرب، فاعتل واشتدت حماه، فدخل عليه صديق له طبيب يكنى بأبي بشر، فجس يده فوجد حماه حادة، فقال له: ما يتلفك إلا مداومتك مدامك. فقال للوقت: عجبت من قول أبي بشر ... وقوله ضرب من السحر مدامك الهلك فلا تكثرن منها وأني لي بالكثر! أصابك في اللفظ ولكنه ... أخطأ في المعنى ولم يدر قال القاضي علي التنوخي في كتاب النشوان، أخبرني أبي قال: حدثني المعوج الرقي، قال: كبا الفرس ببدر الجمالي فافتصد، فدخلت عليه فأنشدته أبياتاً عملتها في الحال وهي: لا ذنب للطرف إن زلت قوائمه ... وليس يلحقه من عائب دنس حملت بأساً وجوداً فوقه وندى ... وليس يقوى لهذا كله الفرس قالوا افتصدت فما عقل العلا معها ... خوفاً عليك ولا نفس بها نفس كف الطبيب دعا كفا نقبلها ... ونطلب الرزق منها حين ينحبس قال: وحدثني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون المنجم قال حدثني أبي قال:

стр. 191

كنا في دعوة أبي علي الحسن بن مروان الكاتب، وحضر فيها الوزير أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي، وهو إذ ذاك يخلف أبا جعفر الصيمري على الأمر ببغداد، فغنت الرقية زوج أبي علي صوتاً من وراء الستارة أحسنت فيه، فأخذ المهلبي الدواة، فكتب في الحال بديهاً وأنشدها لنفسه: ذات غني في الغناء من نغمٍ ... تنفق في الصوت منه إسرافا كأنها فارس على فرسٍ ... ينظر في الجرى منه أعطافا وروى أن نصر بن أحمد الخبز أرزي دخل على أبي الحسن ابن المثني في أثر حريق المربد فقال له: هل قلت في هذا شيئاً؟ فقال: ما قلت، ولكن أنشدك ارتجالا. أتتكم شهود الهوى تشهد ... فما تستطيعون أن تجحدوا جرى نفسي صعداً بينكم ... فأحرق من ذلك المربد وهاجت رياح حنيني لكم ... فظلت بها ناره توقد ولولا أدمعي لم يكن ... حريقكم أبداً يخمد ومثل هذا ما رويناه بالإسناد المتقدم عن ابن بسام في كتاب الذخيرة قال: ذكر سليمان بن محمد الصقلي، قال: كان بسوسة إفريقية رجل ظريف يهوى غلاماً، فتجنى الغلام عليه، فبينما هو ذات ليلة يشرب منفردا، وقد غلب عليه السكر، خطر بباله أن يأخذ قبس نار فيحرق به داره، ففعل، ووضع النار في الباب فاحترق، فاتفق أن رآه بعض الجيران، فخرج أهل الدار فأطفئوا الحريق، ولما أصبحوا حملوه إلى القاضي، فسأله: لم فعل؟ فأنشأ يقول: لما تمادى على بعادي ... وأضرم النار في فؤادي ولم أجد من هواه بدا ... ولا معيناً على السهاد حملت نفسي على وقوفي ... ببابه حملة الجواد فطار من بعض نار قلبي ... أقل من لمعة الزناد فأحرق الباب دون علمي ... ولم يكن ذاك في مرادي فاستظرفه القاضي واستلطفه، وغرم عنه أرش ما أتلفه. أنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن علي المقدسي عن أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن عبد الله محمد بن أبي عبد الله الحافظ الحميدي، قال أخبرني أحمد بن قاسم، جار لنا كان بالمغرب، أن عبد الملك بن إدريس الحريري

стр. 192

كان ليلة بين يدي المنصور بن أبي عامر، والقمر يبدو تارة ويخفيه السحاب تارة أخرى، فارتجل: أرى بدر السماء يلوح حينا ... فيبدو ثم يلتحف السحابا وذلك أنه لما تبدي ... وأبصر وجهك استحيا فغابا مقال لو نمى عني إليه ... لراجعني بتصديقي جوابا وبهذا الإسناد قال الحميدي: حضر عقيل بن نصر مجلساً فيه أحداث من الكتاب، فاختلفوا في شيء من الآداب إلى أن أفضى نهم ذلك إلى السباب، فقال عقيل على البديهة، وأنشدنيها بعض الرؤساء ولم يعلم قائلها: تعس الزمان لقد أتى بعجائبٍ ... ومحا رسوم الفضل والآداب وأتى بكتابٍ لو انبسطت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتاب أخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن فاضل بن صمدون الصوري عن الإمام الحافظ السلفي، عن أبي غالب شجاع بن فارس الرملي، عن أبي منصور محمد المالكي البصري، عن أبي محمد عبد الله بن محمد الأكفاني البصري قال: خرجت مع عمي أبي عبد الله الأكفاني وأبي الحسين بن لنكك وأبي عبد الله المفجع، وابن الحسين السباك في بطالة العيد، فمشوا حتى انتهوا إلى نصر بن أحمد الخبز أرزي، وهو جالس يخبز على طائفة، فجلسوا عنده ثم قاموا عند تزايد الدخان، فقال نصر لابن لنسكك: متى أراك يا أبا الحسين؟ فقال له أبو الحسين. إذا اتسخت ثيابي - وكانت ثيابهم جدداً قد لبسوها للتجمل بها في العيد - فمشينا في سكة بني سمرة، حتى انتهينا إلى دار أحمد بن المثني، فجلس أبو الحسين بن لنكك وقال: يا أصحابنا إن نصراً لا يخلى هذا المجلس الذي مضى لنا معه من شيء يقوله، ونحن نبدؤه قبل أن يبدأنا، واستدعى بدواة وكتب إليه: لنصرٍ في فؤادي فرط حب ... يزيد به علي كل الصحاب قصدناه فبخرنا بخوراً ... من السعف المدخن للثياب فقال: متى أراك أبا حسينٍ؟ ... فقلت له: إذا اتسخت ثيابي وأنقذ الأبيات إلى نصر، فأملى جوابها في الحال، فقرأناه فإذا هو قد أجاب: منحت أبا الحسين صميم ودي ... فداعبني بألفاظٍ عذاب أتى وثيابه كقتير شيبٍ ... فعدن له كريعان الشباب

стр. 193

وقلت متى أراك أبا حسين؟ ... فجاوبني: إذا اتسخت ثيابي فإن يكن التقذر فيه فخر ... فلم يكنى الوصي أبا تراب! وذكر الباخرزي في كتاب دمية القصر قال: حدثني أبو محمد الحسن بن علي الجوهري ببغداد، قال: أنشدت أبا القاسم الصوري بيتين، كان أبوعبد الله عمر بن يحيى ادعاهما لنفسه في مجلس المهلبي الوزير، فأنكر أبو الفرج الأصبهاني ذلك، وأخرجهما في أناشيد ثعلب وهما: أقول لها إذ بت في أسر قومها ... وجامعتي عن منكبي تضيق لما سرني أن بت عني بعيدة ... وأني من هذا الإسار طليق ثم قلت له: أهما أحسن أم بيتان عملتهما في المعنى، وهما: أقول لها والحي قد نذروا بنا ... ومالي متأثر المنون براح لما ساءني أن وشحتني سيوفهم ... وأنك لي دون الوشاح وشاح فأمسك ساعة ولم يجب، ثم عمل في الحال وأنشدنيه: ألا مرحباً بالأسر يا أم مالكٍ ... وجامعتي والقد منه قريني إذا كنت في كسر الخباء قريبةً ... تحسين مني لوعتي وأنيني وعمل أيضاً في الحال وأنشدنيه: أقول وقد هز القنالي قوامها ... ومالي من بين الأسنة مذهب ألا ليت نحري للأسنة ملعب ... وكفي في بحر ابنة القوم يلعب قال وحدثني أبو إسحاق النجيرمي عند كافور الإخشيدي، فدخل عليه أبو الفضل بن عياش فقال: أدام الله أيام مولانا، وكسر الميم فتبسم كافور إلى أبي إسحاق، ففطن لذلك، فقال ارتجالا: لا غرو أن لحن الداعي لسيدنا ... وغص من دهشٍ بالريق والبهر فمثل سيدنا حالت مهابته ... بين الأديب وبين القول بالحصر وإن يكن خفض الأيام من دهش ... في موضع النصب لا من قلة البصر فقد تفاءلت من هذا لسيدنا ... والفأل مأثوره عن سيد البشر بأن أيامه خفض بلا نصبٍ ... وأن دولته صفو بلا كدر فأمر له بثلمائة دينار وللنجيرمي بمائتين. وذكر صاحب اليتيمة وقد ذكرنا الإسناد إليه فيما سبق من الكتاب - أنه قدم

стр. 194

إلى عضد الدولة فنا خسرو جام بهطة بيضاء عليها لوز منصف، وكان ينادمه رجل من أهل الأدب، قلما يحضر شيء على المائدة إلا قال فيه شعراً له أو لغيره، فاستدعى منه عضد الدولة أن يصفها فأرتج عليه، فارتجل عضد الدولة: بهطة تعجز عن وصفها ... يا مدعي الأوصاف بالزور كأنها في الجام غذ زينت ... لآلي في ماء كافور وشرب السري الموصلي يوماً مع جماعة من أصحابه بالقفص في حانةٍ لبعض الخمارين، فأقاموا نهارهم يديرون من الكئوس شعلا يلهبها الماء ويزول برشفها الظماء، وبين أيديهم أسد قد نظم من الورد، فقال السري بديهاً: رب أيامٍ على القفص لنا ... لانرى مثلها طول الأبد غيضة ريحاننا الغض بها ... أسد من غابة الورد ورد ما رأى الناس ندامي قبلنا ... شربوا الراح على وجه الأسد قال علي بن ظافر: ذكرت بهذا قول ابن الخياط الدمشقي بديهاً في مثله: لنا أسد ورد سبانا به الهوى ... وما كان يهوى قبله الأسد الورد له وردة حمراء في فيه غضة ... يرى عادياً منها وإن كان لايعدو كليثٍ قريبٍ بالفريسة عهده ... فباقي دم المفروس في فمه يبدو وحكى أبو الفضل الهمذاني قال: قال الصاحب يوماً لجلسائه وأنا فيهم، وقد جرى ذكر أبي فراس: لايقدر أحد أن يزور على أبي فراس شعراً، فقلت: ومن يقدر أن يزور عليه وهو الذي يقول - وارتجلت: رويدك لا تصل يدها بباعك ... ولا تعن السباع على رباعك ولا تعن العدو على إني ... يمين إن قطعت، فمن ذراعك فقال الصاحب: صدقت، فقلت: أيد الله مولانا، قد فعلت. وروى ابن الصابي في كتاب الوزراء قال: كان في مجلس الصاحب متكلم يعرف بابن الحضيري، فغلبه النوم يوماً في المجلس، فكانت منه فلتة، فقام خجلا، فقال فيه الصاحب ارتجالا: يا ابن الحضيري لا تذهب على خجل ... من ضرطةٍ أشبهت ناياً على عود فإنها الريح لا تسطيع تحبسها ... إذ أنت لست سليمان بن داود وأنبأني ذو النسبتين الحافظ أبو الخطاب بن دحية عن الأستاذ المفيد أبي

стр. 195

بكر محمد بن خير بقراءته عليه - عن الحافظ أبي القاسم خلف ابن يوسف الشنتريني - عرف بابن الأبرش، - بقراءته على أبي الحسن على ابن بسام، قال: كان أبو العلاء صاعد اللغوي البغدادي كثيراً مل يمدح بلاد العراق بمجلس المنصور بن أبي عامر كفيل المؤيد هشام صاحب الأندلس، فكتب الوزير أبو مروان عبد الملك بن شهيد والد الوزير أبي عامر أحمد صاحب الغرائب الماضية في هذا الكتاب إلى المنصور في يوم برد، وكان أخص وزرائه: أما ترى برد يومنا هذا ... صيرنا للكمون أفذاذا قد فطرت صحة الكبود به ... حتى لكادت تعود أفلاذا فادع بنا للشمول مصطلياً ... نغذ سيراً إليك إغذاذا وادع المسمى بها وصاحبه ... تدع نبيلاً وتدع أستاذا ولا تبالي أبا العلاء زها ... بخمر قطربلٍ وكلواذا ما دام من أرملاط مشربنا ... دع دير عمي وطير ناباذا وكان المنصور في ذلك اليوم قد عزم على الانفراد بحرمه، فأمر باحضار من جرى رسمه من الوزراء والندماء، وأحضر ابن شهيد في محفة - لنقرس كان يعتاده - وأخذوا في شأنهم، فمر لهم يوم لم يعهدوا مثله، وعلا الطرب وسما بهم حتى تهايجوا ورقصوا بالنوبة، حتى انتهى الدور إلى ابن شهيد، فأقامه الوزير أبو عبد الله بن عباس فجعل يرقص وهو متوكئ عليه وارتجل قائلا: هاك شيخاً فاده عذر لكا ... قام في رقصته مستهلكاً لم يطق يرقصها مستثبتاً ... فغدا يرقصها مستمسكا عاقه عن هزها منفرداً ... نقرس أخنى عليه فاتكا من وزير فيهم رقاصةٍ ... قام للسكر يناغي ملكا أنا لو كنت كما تعهدني ... قمت إجلالا على رأسي لكا قهقة الإبريق مني ضاحكاً ... ورأى رعشة رجلي فبكى وهذه قطعة مطبوعة وطرفها الأخير واسطتها. وكان قد حضرهم ذلك اليوم رجل بغدادي يعرف بالكك، كان حسن النادرة سريعها، وكان ابن شهيد أحضره إلى المنصور فاستطبعه وارتبطه، فلما رأى ابن شهيد يرقص قائماً مع ألم المرض الذي كان منعه من الحركة قال: لله درك يا وزير ترقص قائماً وتصلي قاعداً: فضحك

стр. 196

المنصور، وأمر لابن شهيد بما جزيل ولسائر الجماعة وللكك. وبالإسناد أيضاً قال ابن بسام ودخل صاعد اللغوي يوماً على المنصور وعليه ثياب جدد وخف جديد، فمشى على جانب البركة لازدحام الحاضرين في الصحن، فزلقت رجله فسقط في الماء، فضحك المنصور وأخرج، وقد كان البرد يقضى عليه، فلما نظر إليه أمر له بثياب وأدنى مجلسه، وقال يا أبا العلاء قل في سقطتك، فأطرق ثم قال: شيئان كانا في الزمان عجيبةً ... ضرط ابن وهبٍ ثم سقطة صاعد فاستبرد ما أتى به، وكان أبو مروان الجزيري الكاتب حاضراً فقال: سروري بغرتك المشرقة ... وديمة راحتك المغدقه ثناني نشوان حتى سقطت ... في لجة البركة المغرقه لئن ظل عبدك فيها الغريق ... فجودك من قبلها أغرقه فقال: لله درك! قسناك بأهل العراق ففضلتهم، فبمن نقيسك بعد؟ وبالإسناد قال ابن بسام وحدث أبو بكر محمد بن أحمد ابن حعفر بن عثمان، قال: دخلت يوماً على أبي عامر - قال علي بن ظافر: يعني ابن شهيد - وقد ابتدأت به علته التي مات بها، فأنس بي، وجرى الحديث إلى أن شكوت إليه تجني بعض أصحابي علي ونفاره مني، فقال لي: سأسعى في إصلاح ذات البين. فخرجت عنه، فلقيت ذلك المتجني علي مع بعض إخواني وأعزهم علي، فتجنبتهما فسأله عن السبب الموجب فأخبره، فمشى حتى أدركني وعزم علي في مكالمته، وتعاتبنا عتاباً أرق من الهوى، وأشهى من الماء على الظما، حتى جئنا دار أبي عامر، فلما رآنا جميعاً ضحك وقال: من كان هذا الذي تولى إصلاح ماكنا سررنا بفساده؟ قلنا: قد كان ما كان. ثم أطرق قليلا وأنشد: من لا أسمى ولا أبوح به ... أصلح بيني وبين من أهوى أرسلت من كان الهوى فدرى ... كيف يداوي مواقع البلوى ولي حقوق في الحب ثابتة ... لكن إلفي يعدها دعوى قال علي بن ظافر وذكر ابن خاقان في كتاب مطمح الأنفس ما معناه: إن أبا عامر كان مع جماعة من أصحابه بجامع قرطبة في ليلة السابع والعشرين، فمرت بهم امرأة من بنات أجلاء قرطبة، قد كملت حسناً وظرفاً، ومعها طفل يتبعها كالظبية تستتبع خشفاً، وقد حفت بها الجواري كالبدر حف بالدراري.

стр. 197

فحين رأت تلك الجماعة، المعروفة بالخلاعة، ورمقوا الظبي بعيون أسود رأت فريسة، ارتاعت وتخوفت أن يخطف منها تلك الدرة النفيسة، فاستدنت إليها حشفها، وألزمته عطفها، فارتجل ابن شهيد قائلاً: وداعيةٍ تحت طي القناع ... دعاها إلى الله بالخير داع أتت بابنها تبتغي منزلاً ... لوصل التبتل والإنقطاع فجاءت تهادي كمثل الرءوم ... تراعى غزالا بروض اليفاع أتتنا تبختر في مشيها ... فحلت بوادٍ كثير السباع وجالت بأكنافه جولةً ... فحل الربيع بتلك البقاع وريعت حذاراً على طفلها ... فناديت: يا هذه لا تراعى! غزالك تفرق منه الليوث ... وتهرب منه كماة المصاع فولت وللمسك من ذيلها ... على الأرض خط كخط الشجاع أنبأني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي عن الفقيه أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي، عن أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، قال: أخبرنا أبو الحسن الراشدي، عن أبي عامر بن شهيد أن عبد الله بن فاكان الشاعر تناول نرجسة، فركبها في وردة، ثم قال له ولصاعد - قال علي بن ظافر: يعني أبا العلاء صاعداً اللغوي المقدم ذكره -: صفاها، فأفحما ولم يتجه لهما القول؛ فبيناهم على ذلك إذ دخل الزهيري - قال علي بن ظافر: يعني صاحب أبي العلاء صاعد وتلميذه، وكان أديباً شاعراً أمياً لا يقرأ ولا يكتب - فلما استقر به المجلس أخبر بما هم فيه، فجعل يضحك ويقول بغير روية: ما للأديبين قد أعيتهما ... مليحة من ملح الجنة نرجسة في وردةٍ ركبت ... كمقلةٍ تنظر في وجنه وبهذا الإسناد عن الحميدي قال: أخبرني الرئيس أبو الحسن عبد الرحمن بن راشد الراشدي قال: لما نعيت أبا عامر بن شهيد إلى ابن الخياط الشاعر - وقد عرفت ما كان بينهما من المنافسة - بكى وأنشدني لنفسه بديهةً: لما نعى الناعي أبا عامرٍ ... أيقنت أني لست بالصابر أودى فتى الظرف وترب الندى ... وسيد الأول والآخر

стр. 198

وبهذا الإسناد قال الحميدي وذكر أبو بكر المرواني أنه شاهد محبوباً الأديب الشاعر النحوي قال بديهةً في وصف ناعورة. وذات حنينٍ ما تغيض جفونها ... من اللجج الخضر الصوافي على شط وتبكي فتحي من دموع عيونها ... لآلي رياضٍ بالأزهر في بسط فمن أحمرٍ قانٍ وأصفر فاقعٍ ... وأزهر مبيض وأدكن مشمط كأن ظروف الماء من فوق متنها ... لآلي جمانٍ قد نظمن على قرط أنبأني ذو النسبتين الحافظ أن دحية، عن الأستاذ المفيد أبي بكر محمد بن خبر بقراءته عليه، عن الفقيه الحافظ أبي القاسم خلف الشنتريني عرف بابن الأبرش - بقراءته على أبي الحسن على بن بسام، قال: أمر الحاجب المنذر بن يحيى النجيبي صاحب سرقسطة بعرض الجند في بعض الأيام، وأميرهم مملوك له رومي يقال له خيار في نهاية الجمال، فجعل ينفخ في القرن ليجتمع أصحابه على عادتهم في ذلك، فقال ابن هند الدانى فيه ارتجالا: أعن بابلٍ أجفان عينيك تنفث ... ومن قوم موسى أنت للعهد تنكث أفي الحق أن تحكى إسرافيل نافخاً ... وأمكث في رمس الصدود وألبث عساك خيار الناس تأتي بآيةٍ ... فتنفخ في ميت الغرام فيبعث قال وكان بقرطبة غلام وسيم فمر عليه ابن فرج الجياني ومعه صاحب له فقال صاحبه: إنه لصبيح لولا صفرة فيه، فقال ابن فرج ارتجالا: قالوا به صفرة عابت محاسنه ... فقلت: ما ذاك من عيب به نزلا عيناه تطلب في آثار من قتلت ... فلست تلقاه إلا خائفاً وجلا قال وكان يوماً مع لمةٍ من أهل الأدب في مجلس أنس فاحتاج رب المنزل إلى دينار، فوجه من يأتيه به من السوق، فدخل غلام من الصيارف في نهاية الجمال، فرمى بالدينار إليهم من فيه مماجناً، فقال ابن فرج بديهاً: أبصرت ديناراً بكف مهفهف ... يزهى به من كثرة الإعجاب أومى به من فيه ثم رمى به ... فكأنه بدر رمى بشهاب وذكر الفرج بن إبراهيم الكاتب في سريرة الألباب وذخيرة الكتاب قال: دخلت يوما ديوان الإنشاء بمصر، ومتوليه ولي الدولة ابن خيران، فلم أجده في الديوان، إلا أني وجدت الكتاب على رسمهم، والناس على جارى عاداتهم،

стр. 199

وإذا سراويله ملقى على طراحة، فجلست أنتظره، فلم أشعر إلا وقد فتح خزانة وخرج، وقدامه غلام صقلي، كأن الشمس على صفحته، والغصن في قامته، منكسر الأجفان مطرقها، مورد الوجنة عرقها، وحين وصل الى الطراحة، لبس السراويل وارتجل: أنا ممن لايرى للنفس إلا بالصلاح لاتداوى علة الإنتعاظ إلا بالنكاح فعلم الحاضرون أنه كان يفسق به، فأطبقوا عند الخروج على لعنه. وذكر الفرج بن إبراهيم الكاتب في هذا الكتاب قال: دخلت على الوزير الحسين بن علي بن الحسين ابن المغربي أيام وزارته لشرف الدولة أبي علي الديلمي، وبيدي جزء من شعر شداد بن إبراهيم الخبز أرزى المعروف بالطاهر، فسألني عنه فأخبرته، فاستنشدني فأنشدته: يامنكراً شغفني به ... ومكذباً طول اشتياقي في أي أحوال تشك ... فهن أحوال السياق أمدامعي أم ضر جسمي ... أم ضناي أم احتراقي كل إذا أنصفتني ... حجج عليك بما ألاقي فاستحسن القطعة، وصنع في الحال: الله يعلم أنني ... ألتذ فيكم باشتياقي وأكاد من أنس التذكر لا أذم يد الفراق وأغض طرفي بعدما ... ملأته غزلان العراق وأقر من خجل العتا ... ب إلى مغالطة العناق وأخبرني ابن المقدسي قال: أخبرني الشيخ الإمام الحافظ السلفي قال: سمعت أبا الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي يقول: سمعت القاضي طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري يقول: كتبت إلى أبي العلاء المعري حين وافى بغداد: وما ذات در لا يحل لحالبٍ ... تناوله واللحم منها محلل لمن شاء في الحالين حياً وميتاً ... ومن شاء شرب الدر فهو مضلل إذا بلغت في السن فاللحم طيب ... وآكله عند الجميع معقل

стр. 200

وخرفانها للأكل فيها كراهة ... فما لحصيف الرأي فيهن مأكل وما يجتني معناه إلا مبرز ... عليم بأسرار القلوب محصل فأجابني وأملي على الرسول في الحال ارتجالا: جوابان عن هذا السؤال كلاهما ... صواب وبعض القائلين مضلل فمن ظنه كرماً فليس بكاذب ... ومن ظنه بخلاً فليس يجهل لحومهما الأعناب والرطب الذي ... هو الحل والدار الرحيق المسلسل ولكن ثمار النخل وهي غضيضة ... تعاف وغصن الكرم يجنى ويؤكل يكلفنا القاضي الجليل مسائلاً ... هي النجم قدراً بل أعز وأطول ولو لم أجب عنها لكنت بجهلها ... جديراً ولكن من يجيبك يقبل فأجبته ثانياً بقولي: أثار ضميري من يعز نظيره ... من الناس طراً بل أعز وأفضل تساوي له سر المعاني وجهرها ... وسائرها بادٍ لديه مفصل ومن قلبه كل العلوم بأسرها ... وخاطره في حدة النار تشعل ولما أثار الحب قاد صنيعه ... أسيراً بأنواع البيان يكبل وقربة من كل فهمٍ بكشفه ... وإيضاحه حتى رآه المغفل وأعجب منه نظمه الدر مسرعاً ... ومرتجلاً من غير ما يتمهل فيخرج من بحرٍ ويسمو مكانه ... جلالاً إلى حيث الكواكب تنزل فهنأه الله الكريم بفضله ... محاسنه والعمر منها مطول فأجابني مرتجلا وأملاه في الحال: ألا أيها القاضي الذي بدهائه ... سيوف على أهل الضلال تسلل فؤادك معمور من العلم آهل ... وجدك في كل المسائل مقبل فإن كنت بين الناس غير ممولٍ ... فأنت من الفهم المصون ممول إذا أنت خاصمت الخصوم مجادلاً ... فأنت وهم مثل الحمائم أجدل كأنك علم الشافعي مخاطباً ... ومن قلبه تملي فما تتمهل وكيف يرى علم ابن إدريس دارساً ... وأنت بإيضاح الهدى متكفل تفضلت حتى ضاق ذرعي تكرماً ... فقلت وكفى عن جوابك أجمل لأنك في كنه الثرياً فصاحةً ... وأعلى، ومن يبغى مكانك أسفل

стр. 201

فعذري في أني أحببتك واثقاً ... بفضلك فالإنسان يسهو ويذهل وأخطأت في إنقاذ رقعتك التي ... هي المجد لي منها أخير وأول ولكن عداني أن أروم احتفاظها ... رسولك، وهو الفاضل المتفضل ومن حقها أن يصبح المسك غامراً ... لها وهي في أعلى المنازل تجعل فمن كان في أشعاره متمثلاً ... فأنت امرؤ في العلم والشعر أمثل تجملت الدنيا بأنك فوقها ... ومثلك حقاً من به يتجمل وبالإسناد المتقدم عن ابن بسام صاحب كتاب الذخيرة قال: ذكر أبو عبد الله الصفار الصقلي، قال: كان بالقيروان غلام وضيء، كان يختلف إلى أبي علي حسن بن رشيق، فكان يحذره من المخالطة، فخرج يوماً يتنزه مع جماعته، فأشيع عنه ما ينكر، وبلغ أبا علي، فقال بديهاً: يا سوء ما حاءت به الحال ... إن كان ما قالوا كما قالوا ما أحذق الناس يصوغ الخنا ... صيغ من الخاتم خلخال وقد كان أبو الفضل محمد بن عبد الواحد الدارمي يهوى فتىً ببغداد وينكر حبه، والغلام يعرف شدة وجده به وكلفه؛ فدمعت عينا أبي الفضل يوماً، فقال الغلام: دمعك شاهد عليك، فارتجل أبو الفضل: وهبني قد أنكرت حبك جملةً ... وهونت من نفسي العزيزة سخطها فمن أين لي في الحب جرح شهادةٍ ... سقامي أملاها، ودمعي خطها قال: وكان أبو الفضل محمد بن عبد الواحد البغدادي الدرامي ليلة مع بعض أصحابه وبين أيديهم شمعة، فأفضى حديثهم إلى وصفها فأطرق بعضهم ليصنع فيها، فبدره أبو الفضل فقال: ذهبنا فأذهبنا الهموم بشمعةٍ ... غنينا بها عن طلعة الشمس والبدر أقول وجسمي ذائب مثل جسمها ... ودمعتها تجري كما دمعتي تجري كلانا لعمري ذوب نارٍ من الهوى ... فنارك من حمرٍ وناري من هجر وأنت على ما قد تقاسين من أذى ... فصدرك في نارٍ وناري في صدري قال علي بن ظافر: وهذا مثل قول الأعمى التطيلي في شمعة: بآية ما تبكي وفي النار صدرها ... وقد جمدت عيناي والنار في صدري وبالإسناد المتقدم قال ابن بسام اصطبح المعتصم بن صمادح يوماً مع ندمائه فأبرز لهم وصيفة مهدوية متصرفة في أنواع اللعب، وحضر أيضاً هناك

стр. 202

لاعب مصري ساحر، فكان لعبه حسنا، فارتجل أبو عبد الله ابن الحداد قائلا: كذا فلتلح قمراً زاهرا ... وتجنى الهوى ناضراً ناظرا وإن ليومك ذا رونقاً ... منيراً كنور الضحى باهرا وسيبك صيب ندى مغدقٍ ... أقام لنا هامياً هامراً صباح اصطباحٍ بإسفاره ... لحظنا محيا العلا سافرا وأطلعت فيه نجوم الكئوس ... فما زال كوكبها زاهرا وأسمعتنا لاحناً فاتناً ... وأحضرتنا لاعباً ساحرا يرفرف فوق رءوس القيان ... فننظر ما يذهل الناظرا ويخطفها ذيل سرباله ... فننظر طالعها غائرا فظاهرها ينثني باطناً ... وباطنها ينثني ظاهرا وثناه ثانٍ لألعابه ... دقائق تثني الحجا حائرا وفي سورة الراح من سحره ... خواطر دلهت الخاطرا إذا ورد اللحظ أثناءها ... فما الوهم عن وردها صادرا ومن حسن دهرك إبداعه ... فما انفك عارضها ماطرا وسعدك يجتلب المغربات ... فيجعل غائبها حاضرا وحضر الأديب أحمد بن الشفاق المنعوت بالمنفتل عند القائد ابن دري بجيان هو وأبو زيد بن مقانا الأشبوني فأحضر لهما عنباً أسود مغطى بورق أخضر، فارتجل المنفتل: عنب تطلع من حشى ورقٍ لنا ... صبغت غلائل جلده بالإثمد فكأنه من بينهن كواكب ... كسفت فلاحت في سماء زبرجد قال وحضر ابن مرزقان ليلة عند ذي النون بن خلدون وبحضرته وصيفة تحمل شمعة فاستحسنها ابن مرزقان فقال بديهاً: يا شمعةً تحملها أخرى ... كأنها شمس علت بدرا امتحنت إحداهما مهجتي ... بمثل ماتمتحن الأخرى قال ودخل الأديب غانم يوماً على باديس بن حيوس صاحب غرناطة فوسع له على ضيق في المجلس فقال بديهاً: صير فؤادك للمحبوب منزلةً ... سم الخياط مجال للمحبين

стр. 203

ولا تسامح بغيضاً في معاشرةٍ ... فقلما تسع الدنيا بغيضين وإنما نظم ما روى من أن الخليل بن أحمد دخل عليه بعض أصدقائه وهو على نمرقة صغيرة، فرحب به وأجلسه في مكانه، فقال له الرجل: إنها لا تسعنا، فقال له الخليل: ما تضايق سم الخياط بمتحابين، ولا اتسعت الدنيا لمتباغضين. وخرج الأديب أبو الحسن علي بن حصن الإشبيلي إلى وادي قرطبة في نزهة فتذكر إشبيلية فقال بديهاً ذكرتك يا حمص ذكرى هوىً ... أمات الحسود وتعنيته كأنك والشمس عند الغروب ... عروس من الحسن منحوته غدا النهر عقدك والطود تا ... جك والشمس أعلاه ياقوته قال علي بن ظافر وذكر صاحب قلائد العقيان ما هذا معناه: أن المستعين بالله أحمد بن المؤتمن بن هود الجذامي صاحب سرقسطة والثغور، ركب نهر سرقسطة يوماً لتفقد بعض معاقله المنتظمة بجيد ساحله، وهو نهر رق ماؤه وراق، وأزرى على نيل مصر ودجلة والعراق، قد اكتنفته البساتين من جانبه، وألقت ظلالها عليه، فما تكاد عين الشمس أن تنظر إليه، هذا على اتساع عرضه، وبعد سطح الماء من أرضه. وقد توسط زورقه زوارق حاشيته توسط البدر للهالة، وأحاطت به إحاطة الطفاوة للغزالة، وقد أعدوا من مكايد الصيد ما استخرج ذخائر الماء، وأخاف حتى حوت السماء، وأهلة الهالات طالعة من الموج في سحاب، وقانصة من بنات الماء كل طائرة كالشهاب، فلا ترى إلا صيوداً كصيد الصوارم، وقدود اللهاذم، ومعاصم الأبكار النواعم؛ فقال الوزير أبو الفضل ابن حسداي، والطرب قد استهواه، وبديع ذلك المرأى استرق هواه: لله يوم أنيق واضح الغرر ... مفضض مذهب الآصال والبكر كأنما الدهر لما ساء أعتبنا ... فيه بعتبى وأبدى صفح معتذر نسير في زورقٍ حف السفين به ... من جانبيه بمنظومٍ ومنتثر مد الشراع به نشراً على ملك ... بذ الأوائل في أيامه الأخر هو الإمام الهمام المستعين حوى ... علياء مؤتمنٍ في هدي مقتدر تحوى السفينة منه آيةً عجبا ... بحر تجمع حتى صار في نهر تثار من قعره النينان مصعدةً ... صيداً كما ظفر الغواص بالدرر

стр. 204

وللندامى به عب ومرتشف ... كالراح يعذب في وردٍ وفي صدر والشرب في ود مولى خلقه زهر ... يذكو وبهجته أبهى من القمر قال علي بن ظافر: قوله: نينان غير معروف فإن نوناً لم يجئ جمعها نينان، وقد كان سيبويه لحن بشار بن برد في قوله وصف السفينة: تلاعب نينان البحور وربما ... رأيت نفوس القوم من جريها تجري فغيره بشار بتيار البحور، وقد قال أبو الطيب يصف خيلا: فهن مع السيدان في البحر عسل وهن مع النينان في البحر عوم وجلس المعتمد بن عباد يوماً فأنشد بعض جلسائه قول أبي الطيب إذا ظفرت منك العيون بنظرةٍ ... أثاب بها معيي المطي ورزامه فاستبدعه المعتمد واستحسنه، وجعله أبدع ما للمتنبي وأحسنه، فارتجل عبد الجليل بن وهبون المرسي. لئن جاد شعرا بين الحسين فإنه ... يجود العطايا واللها تفتح اللها تنبأ عجباً بالقريض ولو درى ... بأنك تروي شعره لتألها فاستحسن المعتمد وأمر له بمائتي دينار. وجلس يوماً والبزاة تعرض عليه، فاستحث الشعراء في وصفها فقال عبد الجليل بديهاً: للصيد قبلك سنة مأثورة ... لكنها بك أبدع الأشياء تمضي البزاة وكلنا أمضيتها ... عارضها بخواطر الشعراء قال علي بن ظافر ذكر صاحب قلائد العقيان ما معناه: خرج ابن وهبون يوماً لنظر هلال شوال وأبو بكر بن القبطرنة الوزير يسايره؛ وهو يومئذٍ غلام يخجل البدر، ويزرى بالغصن النضر، وصفحته لم يسطرها الذار بأنفاسه، ووردة خده لم يسترها الشعر بآسه، فارتجل عبد الجليل: يا هلال استتر بوجهك عني ... إن مولاك آخذ بشمال هبك تكي سناه خدا بخد ... قم فجئني لقده بمثال وبالإسناد المقدم قال ابن بسام أخبرني الحكيم النديم المطرب الإشبيلي، قال: حضرت مجلس الرشيد بن المعتمد بن عباد، وعنده الوزير أبو بكر بن عمار: فلما دارت الكئوس، وتمكن الأنس، وغنيت أصواتاً ذهب الطرب بابن عامر كل مذهب، فارتجل يخاطب الرشيد:

стр. 205

ما ضر أن قيل إسحاق وموصله ... ها أنت، وذي حمص وإسحاق أنت الرشيد فدع من قد سمعت به ... وإن تشابه أخلاق وأعراق لله درك داركها مشعشةً ... واحفر فساقك ما قامت به ساق قال وساير ابن عمار في بعض أسفاره وكان معه غلامان من بني جهور أحدهما أشقر العذار، والآخر أخضره، فجعل يميل بحديثه إلى المخضر العذار، فقال ارتجالا: تعلقته جهوري النجار ... وحلو اللمي جوهري الثنايا من النفر البيض جرد الزمان ... رقاق الحواشي كرام السجايا ولا غرو أن تغرب الشارقات ... وتبقى محاسنها بالعشايا ولا وصل إلا جمان الحديث ... تساقطه من ظهور المطايا شنئت المثلث للزعفران ... وملت إلى خضرة في التفايا قال علي بن ظافر: ومعنى هذا البيت أنه أبغض المثلث، لدخول لزعفران فيه، لشبهه بعذار الأشقر منهما، وأحب خضرة التفايا، وهي لون من طعام يعمل بالكزبرة، لشبهها بعذار الأخضر منهما. قال علي بن ظافر وذكر صاحب قلائد العقبان ما معناه أن ابن عمار تنزه بالدمشق بقرطبة، وهو قصر شيده خلفاء بني أمية وزخرفوه، ودفعوا صرف الدهر عنه وصرفوه، وأجروه على إرادتهم وصرفوه، وذهبوا سقفه وفضضوها، ورخموا أرضه وروضوها، فبات به والسعد يلحظه بطرفه، والروض يحييه بعرفه، فلما استنفد كافور الصبح مسك الغسق، ورصع أبنوس الظلام نضار الشفق، قال مرتجلا: كل قصرٍ غير الدمشق يذم ... فيه طاب الحيا وفاح المشم منظر رائق وماء نمير ... وثرى عاطر وقصر أشم بت فيه والفجر والليل عندي ... عنبر أشهب ومسك أحم وقال علي بن ظافر وأخبرني الفقيه أبو العرب إسماعيل ابن معوشة الكناني السبتي، قال: أخبرني شيخ من أهل إشبيلية كان قد أدرك دولة آل عباد، وكان عليه من آثار كبر السن ودلائل التعمير ما يشهد له بالصدق، وينطق بأن قوله الحق. قال: كنت في صباي حسن الصورة بديع الخلقة لا تلمحني عين أحد إلا ملكت قلبه، وخلست خلبه، وسلبت لبه، وأطلت كربه، فبينا أنا واقف على

стр. 206

باب دارنا، إذا الوزير أبي بكر بن عمار قد أقبل في موكب زجل على فرس كالصخرة الصماء قدت من قنة الجبل، فحين حاذاني ورآني، أشرأب إلي ينظرني، وبهت يتأملني، ثم دفع بمخصرة كانت في يده في صدري، وأنشد: كف هذا النهد عني ... فبقلبي منه جرح هو في صدرك نهد ... وهو في صدري رمح قال علي بن ظافر وذكر الفتح بن خاقان في كتاب القلائد ما معناه قال: أخبرني ذو الوزارتين أبو المطرف بن عبد العزيز أنه حضر عند المؤتمن بن هود في يوم أجرى فبه الجو أشقر برقة، ورمى ببندق ودقة، وحملت الرياح فيه أوقار السحاب على أعناقها، وتميلت قامات الغصون في الحلل الخضر من أوراقها، والأزهار قد تفتحت عيونها، والكمائم قد ظهر مكنونها، والأشجار قد انصقلت بمداوس القطر، ونشرت ما يفوق ألوان البز وبثت ما يعلو أرواح العطر، والراح قد أشرقت نجومها في بروج الراح، وحاكت شمسها شمس الأفق فتلفعت بغيوم الأقداح، ومديرها قد ذاب ظرفاً فكاد يسيل من إهابه، وأخجل خده حسناً فتكلل يعرق حبابه؛ إذا بفتىً رومي من فتيان المؤتمن أقبل متدرعاً، كالبدر اجتاب سحاباً، والخمر اكتست حباباً، والطاووس انقلب حبابا، فهو ملك حسناً إلا أنه جسد، وغزال ليناً إلا أنه في هيئة أسد، وقد جاء يريد استشارة المؤتمن في الخروج إلى موضع كان عول فيه عليه، وأمره أن يتوجه إليه، فحين وصل إلى حضرته لمحه ابن عمار، والسكر قد استحوذ على لبه، وانبثت سراياه في نواحي قلبه. فأشار إليه وقربه، واستبدع ذلك اللباس واستغربه، وجد في أن يستخرج الدرة من ماء ذلك الدلاص، وأن يجلي عنه سهكه كما يجلي عنه الخبث عن الخلاص، وأن يوفر على ذلك الوفر نعمة جسمه، ويكون هو الساقي على عادته القديمة ورسمه، فأمره المؤتمن بقبول أمره وامتثاله، واحتذاء مثاله، فحين ظهرت تلك الشمس من حجبها ورميت شياطين النفوس من كمت المدام بشهبها ارتجل ابن عمار يقول: وهويته يسقي المدام كأنه ... قمر يدور بكوكبٍ في مجلس متناوح الحركات يبدي عطفه ... كالغصن هزته الصبا يتنفس يسقي بكأسٍ في أنامل سوسنٍ ... ويدير أخرى من محاجر نرجس

стр. 207

أيا حامل السيف الطويل نجاده ... ومصرف الفرس القصير المحبس إياك بادرة الوغى من فارسٍ ... خشن القناع على عذارٍ أملس جهمٍ وإن كشف القناع فإنما ... كشف الظلام عن النهار المشمس يطغى ويلعب في دلال عذاره ... كالمهر يلعب في اللجام المخرس سلم فقد قصف القنا غصن النقا ... وسطا بليث الغاب ظبي المكنس عنا بكأسك قد كفتنا مقلة ... حوراء قائمة بسكر المجلس وصنع فيه أيضاً: وأحور من ظباء الروم عاطٍ ... بسالفتيه من دمعي فريد قسا قلباً وشن عليه درعاً ... فباطنه وظاهره حديد بكيت وقد دنا ونأى رضاه ... وقد يبكي من الطرب الجليد وإن فتى تملكه برقٍ ... وأحرز حسنه لفتى سعيد وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام أن أبا العرب الصقلي حضر مجلس المعتمد بن عباد يوماً وقد حمل إليه حمول وافرة من قراريط الفضة، فأمر له بكيسين منها، وكان بين يديه تماثيل عنبر، من جملتها جمل مرصع بالذهب واللآلي، فقال له أبو العرب معرضًا: ما يحمل هذين الكيسين إلا جمل، فتبسم المعتمد وأمر له به، فقال أبو العرب بديهاً: أجديتني جملا جوناً شفعت به ... حملاً من الفضة البيضاء لو حملا يناخ جودك في أعطان مكرمةٍ ... لا قد تعرف من منعٍ ولا عقلا فاعجب بشأني فشأني كله عجب ... رفهتني فحملت الحمل والجملا فسارت بهذا الركائب، وتهادته المشارق والمغارب. قال ابن بسام وكان في قصر المعتمد فيل من فضة على شاطئ بركة يقذف الماء، وهو الذي يقول فيه عبد الجليل بن وهبون المرسي من بعض قصيدة: ويفرغ فيه مثل النصل بدع ... من الأفيال لا يشكو ملالا رعى رطب اللجين فجاء صلدا ... تراه قلما يخشى هزالا فجلس المعتمد يوماً على تلك البركة، والماء يجري من ذلك الفيل، وقد أوقدت شمعتان من جانبيه، والوزير أبو بكر بن الملح عنده، فصنع الوزير فيهما عدة مقاطيع بديهاً منها:

стр. 208

ومشعلين من الأضواء قد قرنا ... بالماء والماء بالدولاب منزوف لاحا لعيني كالنجمين، بينهما ... خط المجرة ممدود ومعطوف وقال أيضاً: كأنما النار فوق الشمعتين سناً ... والماء من نافذ الأنبوب منسكب غمامة تحت جنح الليل هامعة ... في جانبيها حفاف البرق يضطرب وقال أيضاً: وأنبوب ماءٍ بين نارين ضمنا ... هوى لكئوس الراح تحت الغياهب كأن اندفاع الماء بالماء حية ... يحركها في الماء لمع الحباحب وقال أيضاً: كأن سراجي شربهم في التظائها ... وأنبوب ماء الفيل في سيلانه كريم تولى كبره من كليهما ... لئيمان في إنفاقه يعذلانه قال علي بن ظافر خرج المعتصم بن صمادح صاحب المرية يوماً إلى بعض منزهاته فحل بروضة قد سفرت عن وجهها البهيج، وتنفست من مسكها الأريج، وماست معاطف أغصانها، وتكللت بلآلئ الطل أجياد قضبانها، فتشوق إلى الوزير أبي طالب بن غانم أحد وزراء دولته، وسيوف صولته، يكتب إليه بديهاً في وريقة كرنب بعود من شجرة: أقبل أبا طالبٍ إلينا ... واسقط سقوط الندى علينا فنحن عقد بغير وسطى ... ما لم تكن حاضراً لدينا وجلس يوماً وبين يديه ساقية قد أخمدت ببردها حر الأوار، والتوى ماؤها التواء السوار، فقال ارتجالا: انظر إلى الماء كيف انحط في صببه ... كأنه أرقش قد جد في هربه وقال علي بن ظافر وذكر الفتح ما معناه، قال: خرج الوزراء بنو القبطرنة إلى المنية المسماة بالبديع، وهو روض قد اخضرت مسارح نباته، واخضلت مساري هباته، ودمعت بماء الطل عيون أزهاره، وذاب على زبرجده بلور أنهاره، وتجمعت فيه المحاسن المتفرقة، وأضحت مقل الحوادث عنه مطرقة، فخيول النسيم تركض في ميادينه فلا تكبو، ونصول السواقي تصول لحسم أدواء الشجر فلا تنبو، والزروع قد ثقبت وجه الثرى، وحجبت الأرض عن العيون

стр. 209

فلا تبصر ولا ترى. وكان المتوكل ابن الأفطس يعده غاية الأدب، ويعده منبهة للطرب ومدفعة للكرب، فباتوا ليلتهم يديرون لمع لهب، ينمنون فيه الخلود ويحتسون ذوب ذهب، لا يصهر به ما في بطونهم والجلود، حتى تركتهم ابنة الخابية، كأنهم أعجاز نخل خاوية. فلما هزم رومى الصباح زنجي الظلام، ونادى الديك: حي على المدام، انتبه كبيرهم أبو محمد مستعجلاً، وأنشد مرتجلا: يا شقيقي واف الصباح بوجهٍ ... ستر الليل نوره وبهاؤه فانتبه واغتنم مسرة يومٍ ... ليس يدري بما يجيء مساؤه فانتبه أخوه أبو بكر لصوته، وتخوف لذهاب ذلك الوقت وفوته، وانتبه أخوهما أبو الحسن وهو يرتجل: يا أخي قم تر النسيم عليلا ... باكر الراح والمدام شمولا لاتنم واغتنم مسرة يومٍ ... إن تحت التراب نوماً طويلا فانتبه أخوه لكلامه، رافضاً لذة منامه للذة قيامه، وقال مرتجلا: يا صاحبي ذرا لومي ومعتبتي ... وبادرا قهوةً من خير ما ذخرا وبادرا غفلة الأيام واغتنما ... فاليوم خمر وتبدي في غدٍ خبرا قال علي بن ظافر وركب الأستاذ أبو محمد بن صارة مع أصحابٍ له في نهر إشبيلية، سال أصيلها على لجين الماء عقباناً، وطارت زوارقها في سماء الماء عقباناً، وأبدى نسيمها من الأمواج والدارات سرراً وأعكانا، ففي زورق يجول جولان الطرف، ويسود اسوداد الطرف، فقال بديهاً: تأمل حالنا والجو طلق ... محياه وقد طفل المساء وقد جالت بنا عذراء حبلى ... تجاذب مرطها ريح رخاء بنهر كالسجنجل كوثري ... تعبس وجهها فيه السماء واتفق أن وقف أبو إسحاق بن خفاجة على القطعة، فاستظرفها واستطابها، فقال يعارضها على وزنها ورويها وطريقها، فأنشد: ألا يا حبذا ضحك الحميا ... بحانها وقد عبس المساء وأدهم من جياد الماء نهدٍ ... تنسازع حبله ريح رخاء إذا بدت الكواكب فيه غرقي ... رأيت الأرض تحسدها السماء وذكر ابن خفاجة في ديوان شعره وقد أنبأني به ذو النسبتين الحافظ ابن

стр. 210

الخطاب بن دحية إجازة، قال: صاحبت في دهري من الغرب سنة ثلاث وثمانين أبا محمد عبد الجليل بن وهبون شاعر المعتمد، وكان أبو حفص بن رشيق يومئذ قد تمنع ببعض حصون مرسية، وشرع في الشقاق، وقطع السبيل وإخافة الطريق. ولما حاذينا قلعته وقسد احتدمت جمرة الهجير، ومل الراكب رسيمه وذميله، فأخذ كل منا يرتاد مقيله، اتفقنا على ألا نطعم طعاماً، ولا نذوق مناماً، حتى نقول في صورة تلك الحال، وذلك الترحال، ما حضر، وشاء الله أن أجبل ابن وهبون فاعتذر، فقلت أريض نار نزوته، وأعرض بعظيم لحيته: ألا قل للمريض القلب مهلاً ... فإن السيف قد ضمن الشفاء ولم أر كالنفاق شكاة حر ... ولا كدم الوريد له دواء وقد دحى النجيع هناك أرضاً ... وقد سمك العجاج به سماء وديس به انحطاطاً بطن وادٍ ... قد اعشب شعر لحيته ضراء وقال ابن خفاجة وحضرت يوماً مع أصحاب لي، ومعهم صبي متهم في نفسه، واتفق أنهم تباروا في تفضيل الرمان على العنب، فانبرى ذلك الصبي، فأفرط في تفضيل العنب، فقلت بديهاً أعبث به: صلني لك الخير برمانةٍ ... لم تنتقل عن كرم العهد لا عنباً أمتص عنقوده ... ثديا كأني بعد في المهد وهل ترى بينهما نسبةً ... من عدل الخصية بالنهد! فخجل خجلا شديداً وانصرف. قال وخرجت يوماً بشاطبة إلى باب السمارين ابتغاء الفرجة على خرير الماء بتلك الساقية، وذلك سنة ثمانين وأربعمائة، وإذا بالفقيه أبي عمران بن أبي تليد ﵀ قد سبقني إلى ذلك، فألفيته جالساً على مصطبة دكان كانت هناك مبنية لهذا الشأن، فسلمت عليه وجلست إليه متأنساً به، فجرى أثناء ما تناشدناه ذكر قول ابن رشيق: يا من يمر ولا تمر به القلوب من الحرق بعمامةٍ من خده ... أو خده منها استرق فكأنه وكأنها ... قمر تعمم بالشفق فإذا بدا وإذا انثنى ... وإذا رنا وإذا نطق شغل الخواطر والجوا ... رح والمسامع والحدق

стр. 211

فقلت: - وقد أعجبت بها جداً، وأثنى عليها كثيراً: أحسن ما في القطمة سياقة الأعداد والاستنزال، لكنه قد استرسل فلم يقابل بين أطراف البيت الأخير، والبيت الذي قبله، فينزل بإزاء كل واحد مناه ما يلائمه، وهل يحسن أن ينزل بإزاء قوله: وإذا نطق قوله شغل الحدق، وكأنه نازعني القول في أن هذا غاية الجهل، فقلت بديهاً: ومهفهفٍ طاوى الحشى ... خنث المعاطف والنظر ملأ العيون بصورةٍ ... تليت محاسنها سور فإذا رنا وإذا مشى ... وإذا شدا وإذا سفر فصح الغزالة والنعا ... مة والحمامة والقمر فجن بها. قال علي بن ظافر: والقطعة الأولى ليست لابن رشيق، هي لأبي الحسين بن علي بن بشر الكاتب أحد شعراء اليتيمة. وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام أن أبا عبد الله بن أبي الخصال وقف ببعض القضاة، واستأذن عليه فحجبه، فكتب إليه بديهاً: جئناك للحاجة الممطول صاحبها ... وأنت تنعم، والإخوان في بوس وقد وقفنا طويلا عند بابكم ... ثم افترقنا على رأي ابن عبدوس أشار بهذا القول إلى قول الوزير أبي عامر بن عبدوس: لنا قاض له خلق ... أقل ذميمه النزق إذا جئناه يحجبنا ... فنلعنة ونفترق قال ابن بسام كان أبو عبد الله بن عائشة البلنسي مع ابن خفاجة في جماعة مع أهل الأدب، تحت دوحة خوخ منورة، فهبت ريح أسقطت عليهم بعض زهر، فقال ابن عائشة ارتجالا: ودوحةٍ قد علت سماءً ... تطلع أزهارها نجوما هفا نسيم الصبا عليها ... فخلتها أرسلت رجوما كأنما الجو غار لما ... بدت فأغرى بها النسيما وأخبرني أبو عبد الله محمد القرموني المقدم ذكره يدمشق قال: كان بين السميسر الشاعر وبين بعض رؤساء المرية شيء لمدح مدحه به فلم يجزه عليه، فصنع ذلك الممدوح دعوة للمعتصم بالله أبي يحيى بن صمادح، واحتفل فيها بما يحتفل مثله في دعوة السلطان مثل المعتصم، فصبر السميسر إلى أن ركب

стр. 212

السلطان متوجهاً إلى الدعوة، فوقف له في الطريق، فلما حاذاه رفع صوته قائلاً: يأيها الملك الميمون طائره ... ومن لذي مأتمٍ في وجهه عرس لا تقربن طعاماً عند غيركم ... إن الأسود على المأكول تفترس فقال المعتصم: صدق والله، ورجع من الطريق، وفسد على الرجل كل ما عمله. قال علي بن ظافر أذكرتني هذه الحكاية حكاية كنت نسيتها وقد تنبهت لها الآن؛ كان عباد ابن الحريش قد مدح رجلا من كبار أصفهان من أرباب الضياع والأملاك والتبع الكثير، كنت أعرف اسمه ونسبته، فمطله بالجائزة، ثم أجازه بما لم يرضه فرده عليه، وبعد ذلك بحين عمل الرجل دعوة عظيمة، غرم عليها ألوف الدنانير لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي، على أن يجيء إليه من الكرج، فلما استحق المغرم خرج عباد ليلاً، ووقف بين الكرج وأصقهان، ووصل أبو دلف، فلما وقعت عين عباد عليه، وهو يساير بعض خواصه، أومأ إلى ذلك المساير له، وأنشأ بأعلى صوته: قل له يا فديته ... قول عباد: ذا سمج جئت في ألف فارسٍ ... لغداءٍ من الكرج ما على النفس بعد ذا ... في الدناءات من حرج فقال أبو دلف: - وكان أخوف الناس من شاعر - صدق والله، أجيء من الكرج إلى أصفهان حتى أتغدى بها! والله ما على هذا مزيد من دناءة النفس. ثم رجع من طريقه وفسد على الرجل كل ماغرمه، وعرف من أين أتى، وتخوف أن يعود عليه عباد بأشد منها، فسير إليه جائزة سنية مع جماعة، فلم يقبل الجائزة، ثم أنشد بديهاً فقال: وهبت يا قوم لكم عرضه فقالوا: جزاك الله خيراً، فقال كرامةً للشعر لا للفتى لأنه أحرص من ذرةٍ ... على الذي تجمعه في الشتا قال علي بن ظافر وذكر أبو الصلت في رسالته ما معناه: أنه عزم هو ورفقاؤه على الاصطباح، فقصدوا بركة الحبش في وقت ولاية الغبش، وحلوا منها روضاً بسم زهره، ونسم عطره، فأداروها كئوساً، تطلع من المدام شموساً، وعاينوها نجوماً، تكون لشياطين الهموم رجوماً، فطرب حتى أظهر الطرب

стр. 213

نشاطه، وأبرز ابتهاجه وانبساطه، فقال: لله يومي ببركة الحبش ... والجو بين الضياء والغبش والنيل تحت الرياح مضطرب ... كصارمٍ في يمين مرتعش ونحن في روضةٍ مفوفةٍ ... دبج بالنور عطفها ووشى قد نسجتها يد الغمام لنا ... فنحن من نسجها على فرش فعاطني الراح إن تاركها ... من سورة الهم غير منتعش وأسقني بالكبار مترعةً ... فهن أروى لشدة العطش فاثقل الناس كلهم رجل ... دعاه داعي الهوى فلم يطش وأخبرني الفقيه أبو الحسن بن المفضل القدسي عن الفقيه الشريف أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى العثماني الديباجي عن أبي إسحاق إبراهيم بن المنفق اللخمي السبتي، عن أبي الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت: كنت مع الحسن بن علي بن تميم بن معد بن باديس بالمهدية في الميدان، وقد رمى بالنشاب، فصنعت بديهاً: يا ملكاً قد خلقت كفه ... لم تدر إلا الجود والباسا إن النجوم الزهر مع بعدها ... قد حسدت في قربك الناسا وودت الأفلاك لو أنها ... تحولت تحتك أفراسا كما تمنى البدر لو أنه ... أضحى لنشابك برجاسا أخبرني الشيخ الأديب أبو الحسن علي بن خروف القيسي القرطبي ﵀ قال: صنع الوزير أبو جعفر أحمد وزير الرئيس أبي إسحاق ابن همشك صهر الأمير أبي عبد الله محمد بن مروان، في غلام أسود بيده قضيب نور بديهاً: وزنجي أتى بقضيب نورٍ ... وقد زفت لنا بنت الكروم فقال فتى من الفتيان صفه ... فقلت: الليل أقبل بالنجوم وأخبرني أن الأستاذ ابن الطراوة حضر مجلس شراب، فعجز بعض الندماء عن الشرب كما يشرب الجماعة، ويسألوه في شرب نصيبه من بعض الأدوار ففعل، وقال بديهاً: يشربها الشيخ وأمثاله ... وكل من تحمد أفعاله والبكر إن لم يستطع صولةً ... تلقى على النازل أثقاله

стр. 214

أنبأني الشيخان تاج الدين بن اليمن الكنديوقاضي القضاة جمال الدين أبو القاسم بن الحرستاني إجازة، عن الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، قال: وقد ذكر إبراهيم بن سعيد الإسكندري المعروف بالسديد، وذكره لنا أبو عبد الله بن المحلي فيمن لقيه من أهل الأدب قال: كان صاعد قد عمل شخص حديد ينفخ النار ساعات، فأراد السديد اختباره كما يجب، فأطفأ النار، فقال صاعد بديهاً: نار تيممها السديد فردها ... برداً وكانت قبل وهي جحيم فكأنما المفتاح آية ربه ... وكأن إبراهيم إبراهيم وأنبأني جميعاً عن الشيخ الحافظ أبي القاسم قال: أنشدنا أبو بكر عبد الله بن منصور، قال: أنشدنا أبو الحسن محمد بن علي بن الصفراء الواسطي لنفسه ارتجالا، وقد دخل عزاء لصبي، وهو في عصر المائة، وبه ارتعاش، فتغامز عليه الحاضرون فقال: إذا دخل الشيخ بين الشباب ... عزاءً وقد مات طفل صغير رأيت اعتراضاً على الله إذ ... توفى الصغير وعاش الكبير فقل لابن شهر وقل لابن ألفٍ ... وما بين ذلك: هذا المصير وبهذا الإسناد قال الجاحظ أخبرني أبو عبد الله محمد ابن عبد الواحد بن أحمد الغساني قال: سمعت أبي ينشد لنفسه يديهاً في صفة نهر ثوراء بحضرة أبي عبد الله محمد بن الخياط الشاعر: دمشق دار رعاها الله من بلدٍ ... ونهر ثورا سقاه الله من واد كأنه ونسيم الريح خمشه ... نقش البارد في سلسساله الهادي مزجت بالراح منه الراح فاكتسبت ... لوناً وطعماً غريباً غير معتاد في روضةٍ من رياض الخلد باكرها ... صوب الغمام بإبراقٍ وإرعاد ظللت فيها رخى البال مع رشاءٍ ... مهفهفٍ كقضيب البان مياد قالا وأخبرنا الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي قال: أنشدني أبو البركات الخضر بن هبة الله بن أبي الهمام لنفسه، وكتب لي بخطه مما أنشده، وقد حضر بين يدي أمير المؤمنين الراشد بالله بن المسترشد على البديهة: ولما شأوت الحاسدين إلى مدىً ... رفيع يزل العصم دون مرامه ورفعت الأستارلي دون ماجدٍ ... شفا غلتي من بشره وسلامه

стр. 215

سطوت على صرف الزمان بجوده ... وصلت على كيد العدا بانتقامه وأخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي القرموني قال: لما أفرط أبو يحيى البكاء في هجاء أهل فاس، تعصبوا عليه وساعدهم واليهم مظفر الخصي من قبل أمير المسلمين علي بن يوسف، والقائد عبد الله بن خيار الجياني، وكان يتولى أموراً سلطانية بها، فقدموا رجلا ادعى عليه بدين، وشهد عليه به رجل، فقيه يعرف بالزناتي، ورجل يكنى بابي الحسين من مشايخ البلد، فأثبت الحق عليه، وأمر به إلى السجن، فرفع إليه، وسيق سوقاً عنيفاً. فلما وصل بابه طلب ورقة من كاتب وكتب فيها، وأنفذها إلى مظفر مع العون الذي أوصله إلى السجن، فكان ما كتب: ارشوا الزناتي الفقيه ببيضةٍ ... يشهد بأن مظفراً ذا بيضتين واهدوا إليه دجاجةً يحلف لكم ... ما نال عبد الله عرس أبي الحسين وأخبرني الشيخان تاج الدين العلامة أبو اليمن الكندي، والشيخ جمال الدين أبو القاسم بن الحرستاني إجازة، عن الشيخ الحافظ أبي القاسم ابن عساكر قراءة عليه، قال: بلغني أن علقمة بن عبد الرازق العليمي لما قصد بدراً الجمالي بمصر رأى على بابه أشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم، فسألهم عن حالهم، فأخبرهم بقدومه قاصداً له، فكل آيسه من لقائه، فبيناهم كذلك إذ خرج بدر يريد الصيد، فلما رآه مقبلا علا نشزاً من الأرض، ثم جعل في عمامته ريشة نعام ليشهر بها نفسه، فلما قرب إليه أومأ برقعة كانت معه وأنشأ يقول: نحن التجار وهذه أعلاقنا ... درر وجود يمينك المبتاع قلب وفتشها بسمعك إنما ... هي جوهر تختاره الأسماع كسدت علينا بالشآم وكلما ... قل النفاق تعطل الصناع فأتاك يحملها إليك تجارها ... ومطيها الآمال والأطماع حتى أناخوها ببابك والرجا ... من دونها السمسار والبياع فوهبت ما لم يعطه في دهره ... هرم ولا كعب ولا القعقاع وسبقت هذا الناس في طلب العلا ... فالناس بعدك كلهم أتباع يا بدر أقسم لوبك اعتصم الورى ... ولجوا إليك جميعهم ما ضاعوا
следующие страницы →