Полный текст (232 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وأظهرت النوم، وعاد يحادث غلامه بأعذب لفظ وأحلى معاتبة، ويخلط ذلك بمواعيد تدل على سعة حال وانبساط يد، وغلامه تارة يقبل يده وتارة يقبل فمه.
وغلبني عيناي إلى أن أيقظني هواء السحر، فانتبهت وهما متعانقان مما عليهما من اللباس فأوردت توديعه، وكرهت إنباهه وإزعاجه، فخرجت، فلقيني الخادم يريد إيقاظه وتعريفه انصرافي، فأقسمت عليه ألا يفعل، ووجدت غلامي قد بكر بما أركبه كما كنت أمرته، فركبت منصرفاً، وعازماً على العودة إليه والتوفر على مواصلته، وأخذ الحظ من معاشرته، ومتوهماً أن ماكنت فيه منام لطيبه، وقرب آخره من أوله.
واعترضتني أسباب أدت إلى اللحاق بسيف الدولة، فسرت على أتم حسرة لما فاتني من معاودة لقائه، وقلت في ذلك:
ويومٍ كأن الدهر سامحنا به ... فصار اسمه ما بيننا هبة الدهر
جرت فيه أفراس الصبا بارتياحنا ... إلى دير مران المعظم والعمر
بحيث هواء الغوطتين معطر ال ... نسيم بأنفاس الرياحين والزهر
فمن روضة بالحسن ترفد روضةً ... ومن نهرٍ بالفيض يجري إلى نهر
وفي الهيكل المعمور منه افترعتها ... وصحبي حلالاً بعد توفية المهر
ونزهت عن غير الدنانير قدرها ... فما زلت منها اشرب التبر بالتبر
وحل لنا ما كان منها محرماً ... وهل يحظر المحظور في بلد الكفر!
فأهدت لي الأيام منها مودةً ... دعتني إلى ستر فلبيت في ستر
أتى من شريف الطبع أصدق رغبة ... يخاطبني عن معدن النظم والنثر
فلاقيت ملء العين نبلاً وهمةً ... محلى السجايا بالطلاقة والبشر
وكان جوابي طاعةً لا مقالةً ... ومن ذا لايستجيب إلى اليسر!
وأحشمني بالود حتى ظننته ... يريد اختداعي عن حياتي ولا أدري
ونزه عن غيري الصفاء اجتماعنا ... فكنت وإياه كقلبين في صدر
وشاء سرور أن يلينا بثالث ... فلاطفنا بالبدر أو بأخي البدر
بمعطٍ عيوناً ما اشتهت من جماله ... ومضنٍ قلوباً بالتجنب والهجر
جنينا جنى الورد في غير وقته ... وزهر الربا من ورد خديه والثغر
وقابلنا من وجهه وشرابه ... بشمسين في جنحي دجا الليل والشعر
وغنى فصار السمع كالطرف آخذاً ... بأوفر حظ من محاسنه الزهر
стр. 72
وأمتعنا من وجنتيه بمثل ما ... تمزج كفاه من الماء والخمر
سرور شكرنا منة الصحو إذ دعا ... إليه، ولم نشكر به منة السكر
كأن الليالي نمن عنه فعندما ... تنبهن نكبن الوفاء إلى الغدر
مضى فكأني كنت منه مهوماً ... يحدث عن طيف الخيال الذي يسري
وهل يحصل الإنسان من كل ما به ... تسامحه الأيام إلا عن الذكر!
ولم أزل على أتم قلق، وأعظم حسرة وأشد أسف، على ما سلبته من عظيم النعمة بفراق الفتى؛ لاسيما ولم أحصل منه على حقيقة علم، ولا نص خبر؛ يؤديان إلى الطمع في لقائه إلى أن عاد سيف الدولة إلى دمشق، وأنا في جملته؛ فما بدأت بشئ قبل مصيري إلى الراهب، وقد كنت حفظت اسمه فخرج إلي مرعوباً؛ وهو لا يعلم ما السبب.
فلما رآني استطار فرحاً، وأقسم لا يكلمني إلا بعد النزول والمقام عنده يرمى ذلك؛ فلما جلسنا للمحادثة قال لي: أراك لا تسألني عن صاحبك! قلت: والله ما لي فكر ينصرف عنه، ولا أسف يتجاوز ما حزته منه، ولا سررت بعودي إلى هذا البلد إلا من أجله، ولذلك بدأت بقصدك، فاذكر لي خبره.
فقال أما الآن فنعم؛ هذا فتى من المارداتيين، جليل القدر، عظيم النعمة، كان قد ضمن من سلطانه بمصر ضياعاً بمال عظيم، فخاس به ضمانه لقعود السعر عنه، وأشرف على الخروج من نعمته، فاستتر. ولما اشتد البحث عنه خرج مستخفياً إلى أن ورد دمشق بزي تاجر، وكان استتاره عند بعض إخوانه ممن لي به ارتباط، فإني كنت عنده يوماً إذ ظهر لي وقال لصديقه: إني أريد الانتقال إلى هذا الراهب إن كان مأموناً إذ ظهر لي وقال لصديقه مذهبي، وأظهرت له السرور بما رغب فيه من الأنس بي، وأنا لا أعرفه؛ غير أن صديقي قد أمرني بخدمته.
فلما حصل في قلايتي واصل الصوم، فلما كان بعد أيام، جاءنا الرسول من عند صديقنا، ومعه الغلام والخادم وقد لحقا به، ومعهما سفاتج، وعليهما ثياب رثة، فلما نظر إلى الغلام والخادم قال: يا راهب قد حل الفطر، وجاء العيد. ووثب إلى الغلام فاعتنقه، وجعل يقبل عينيه ويبكي، ثم وقف على السفاتج، فأنفذها مع رقعة إلى صديقه.
فلما كان بعد يومين حمل إليه ألفى دينار وما يحتاج إليه من فرش وملبوس؛ ولم يزل مكبا على ما رأيت إلى أن ورد عليه البغال والآلات السنية الحسنة من مصر، وكتب إليه أهله باجتماعهم بصاحب مصر وتعريفهم إياه الحال في بعده عن وطنه لضيق ذات
стр. 73
يده عما يطالب به والتوقيع بحطيطة المال فلما أعمل المسير قال لغلامه: سلم جميع مابقى معك من النفقة إلى الراهب ليصرفه في مصالح الدير إلى أن نواصل تفقده في مستقرنا، وسار وماله حسرة غيرك، ولا أسف إلا عليك، يقطع الأوقات بذكرك؛ ولا يشرب إلا على ما يغنيه الغلام من شعرك، وهو الآن بمصر على أحسن الأحوال وأجملها ما يخل بتفقدي، ولا يغب بري.
قال أبو الفرج: فتعجلت بعد السلوة بما عرفت من حقيقة خبره، وأتممت يومي عند الراهب، وكان آخر العهد به.
قال علي بن ظافر: أقسم بالله إن هذه الحكاية - وإن طالت - لحقيقة أن تكتب بالمقل السود، على صفحات الخدود؛ ولقد أزرت بمرأى العقود بين الترائب والنهود؛ فرحم الله أبا الفرج وصاحبه؛ فلقد استحقا منا بهذه الحكاية حمداً وشكراً، وأبقيا لهما في الظرفاء ذكراً، ولقد بلغ من طربي بها، وارتياحي عند قراءتها، ما أنى أوسع هذا الفتى المارداني دعاءً وترحيماً، وأتبع ذكره صلاة عليه وتسليماً، حتى أني أكثر قصد ترب الماردانيين بالزيارة والدعاء؛ أملا أن يكون في جملتهم وطمعا أن يكون مدفونا معهم وما أنا وإياهم إلا كما قال خالد بن يزيد:
أحب بني العوام من أجل حبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا
وهذه غاية جهدي، مع تربة دائرة ورمةٍ بالية، فرحمة الله كلما غرب نجم وطلع، ونبت نجم وأينع، بحرمة محمد ﷺ !
أنبأني العماد أبو حامد، أخبرني علي الحسن بن سعد الشاتاني
قال لي نجم الدين بن الشهرزوري قاضي الموصل؛ دخل إلى شاب من أهل بغداد فأنشدني هذه الأبيات:
في نهر عيسى والهواء معنبر ... والماء فضي القميص صقيل
والطير إما هاتف بقرينه ... أو نادب يشكو الفراق ثكول
والدهر كالليل البهيم وأنتم ... غرر تضئ ظلامه وحجول
واستاجازني فقلت:
والغصن مهزوز القوام كأنما ... هبت عليه من الشمال شمول
وكأنما السرو التحفن بسندسٍ ... ورقصن فارتفعت لهن ذيول
قال علي بن ظافر
واتفقت لي وللقاضي الأجل شهاب الدين يعقوب سفرة إلى البيت المقدس للتبرك بما هناك من البقاع المقدسة، والمشاهد المعظمة،
стр. 74
وأجداث الأنبياء المباركة الطيبة؛ فلما جد بنا المسير، وسهل من فراق الأهل والأوطان العسير، وقطعت المطايا بنا الربا والوهاد، ولم يسمع إلا هيد وهاد، صنع الشهاب:
يا رب كالشهاب المحرق
قدحته من زند عودٍ أورق
يسير في الخرق مسير الأخرق
فهل رأت عيناك عدو النقنق
حتى إذا ماافتر ثغر المشرق
ثم استجازني فقلت:
ولاح في الجو احمرار الشفق
كالخمر صبت في زجاجٍ أزرق
بدا على الآل قطار الأينق
كمثل سطرٍ في بياض مهرق
أو كالمدارى في مشيب المفرق
كم بازلٍ في بحره كالزورق
أو كهلالٍ مشرقٍ في زبرق
وهذه أيضاً حكاية بديعة، تشتمل على نوعي الإجازة
القديم والعصري، قصدت بإيرادها في هذا الموضع أن تكون دهليزاً للخروج من القسم الأول، والدخول في القسم الثاني لما بينهما من الاشتراك فيها:
روى من طرق مختلفة كتبت أكملها وأتمها، أن الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر ارتاح منادمة من بعد عهده بمنادمته، أو من لم يره، وحضره صاحبه الحسن بن محمد بن طالوت - وكان أخص الناس به - فقال له: لابد لنا في يومنا هذا من ثالث، نطيب بمعاشرته، ونلتذ بصحبته ومؤانسته، فمن ترى أن يكون طاهر الأعرق، غير دنس الأخلاق؟ فأعمل فكره، وأمعن نظره، وقال: أيها الأمير؛ قد خطر ببالي رجل ليست علينا في مجالسته كلفة، قد خلا من إبرام المجالسة، وبرئ من ثقل المؤانسة، خفيف الوقفة إذا أحببت، سريع الوثبة إذا أمرت، قال: ومن ذاك؟ قال: ماني الموسوس، قال: أحسنت والله. فتقدم إلى أصحاب الأرباع بطلبه، فما كان أسرع من أن اقتنصه صاحب ربع الكرخ، فصار به إلى باب الأمير فأدخل الحمام، وأخذ من شعره،
стр. 75
وألبس ثياباً نظافاً، ثم أدخل عليه، فقال: السلام عليك أيها الأمير؛ فقال: وعليك السلام يا ماني، ألم يأن أن تزورنا على حين توقان منا إليك، ومنازعة قلوبنا نحوك! فقال ماني: الشوق شديد والمزار بعيد، والحجاب عتيد والبواب فظ، ولو سهل الإذن لسهلت علينا الزيارة، قال: لقد ألطفت في الاستئذان، فلا تمنع في أي وقت جئت من ليل أو نهار! ثم أذن له فجلس، ثم دعا بالطعام فأكل، ثم غسل يده وأخذ مجلسه، وكان محمد قد تشوق إلى السماع من تنوسة جارية ابنة المهدي، فأحضرت، فكان أول ما غنت:
ولست بناس إذ غدوا فتحملوا ... دموعي على الأحباب من شدة الوجد
وقولي وقد زالت بليلٍ حمولهم ... بواكر تخدى: لا يكن آخر العهد
فقال ماني: أحسنت والله، بحق رأس الأمير إلا ما زدت فيه:
أقمت أناجي الفكر والدمع حائر ... بمقلة موقوفٍ على الجهد والصد
ولم يعدني هذا الأمير بعزه ... على ظالم قد لج في الهجر والصد
فاندفعت تغنيه، فرق محمد عبد الله له وقال: أعاشق أنت يا ماني؟ قال: فاستحيا، وغمزه ابن طالوت لئلا يبوح له بشئ فيسقط من عينه، فقال: بل هلع مطرب أعز الله الأمير، وشوق كان كامناً فظهر، وهل بعد المشيب من صبوة! ثم اقترح محمد على تنوسة هذا الصوت من شعر أبي العتاهية:
حجبوها عن الرياح لأني ... قلت يا ريح بلغيها السلاما
لو رضوا بالحجاب هان ولكن ... منعوها يوم الرحيل الكلاما!
فغنته، فطرب محمد، فقال ماني: ما على قائل هذا الشعر لو زاد فيه:
فتنفست ثم قلت لطيفي: ... آه لو زرت طيفها إلماما
خصها بالسلام سراً وإلا ... منعوها لشقوتي أن تناما
فكان أبعث للصبابة بين الأحشاء، وألطف تغلغلاً على كبد الظمآن من زلال الماء، مع حسن تأليف نظامه، وانتهائه إلى غاية تمامه.
قال محمد: أحسنت والله يا ماني، ثم أمر تنوسة بإلحاقها هذين البيتين من شعر أبي نواس:
يا خليلي ساعة لا تريما ... وعلى ذي صبابةٍ فأقيما
ما مررنا بدار زينب إلا ... فضح الدمع سرها المكتوما
فاستحسنه محمد، فقال ماني: لولا رهبة التعدي لأضفت إلى هذي البيتين بيتين
стр. 76
لا يردان على سمع ذي لب إلا صدر استحسانه لهما، فقال محمد: الرغبة فيما تأتي به حائلة دون كل رهبة؛ فهات ما عندك، فقال:
ظبية كالغزال لو تلحظ الصخ ... ر بطرفٍ لغادرته هشيماً
وإذا ما تبسمت خلت ما تب ... دى من الثغر لؤلؤاً منظوما
فقال محمد: أحسنت والله، فأجز هذا الشعر:
لم تطب اللذات إلا لمن ... طابت له لذة تنوسة
غنت بصوتٍ أطلقت عبرة ... كانت بحسن الصبر محبوسة
فقال ماني:
وكيف صبر النفس عن غادةٍ ... تظلمها إن قلت: طاووسة
وجرت إن شبهتها بانةً ... في جنة الفردوس مغروسة
ثم سكت، فقال محمد: فأعد لي وصفك لها، فقال:
وغير عدلٍ إن قرنا بها ... جوهرةً في التاج ملموسة
جلت عن الوصف فما فكرة ... تلحقها بالنعت محسوسة
فقالت تنوسة: وجب علينا يا ماني شكرك، فساعدك دهرك، وعطف عليك إلفك، وقارنك سرورك، وفارقك محذورك، والله تعالى يديم لنا السرور ببقاء من بقائه اجتمع شملنا، وطاب يومنا، فأنشأ يقول:
ليس لي إلف فيقطعني ... فارقت نفسي الأباطيل
أنا موصول بنعمة من ... حبله بالحمد موصول
أنا مشمول بمنة من ... منه في الخلق مبذول
أنا مغبوط زورة من ... ربعه بالمجد مأهول
فأومأ إليه ابن طالوت بالقيام، فنهض وهو يقول:
ملك عز النظير له ... زانه الغر البهاليل
طاهري في مركبه ... عرفه للناس مبذول
دم من يشقى بصارمه ... مع هبوب الريح مطلول
فقال محمد: وجب جزاؤك، لشكرك على غير نعمة سلفت منا إليك. ثم أقبل على ابن طالوت فقال: يا هذا، ليست خساسة ثوب المرء واتضاع المنظر ونبو العين بمذهبةٍ جوهر الأدب المركب فيه، ولله در صالح بن عبد القدوس حيث يقول:
стр. 77
لايعجبنك من يصون ثيابه ... حذر الغبار وعرضه مبذول
فلربما افتقر الفتى فرأيته ... وسخ الثياب وعرضه مغسول
قال ابن طالوت: فما رأيت أحداً أحضر دهناً منه، إذ تقول له الجارية: عطف عليك إلفك، فينفيها بقوله:
ليس لي إلف فيقطعني
قال: ولم يزل مجريا عليه رزقاً سنياً إلى أن مات.
القسم الثاني ما تكون الإجازة فيه لشعر قديم فمنه إجازة بيت ببيت
كما روى إسحاق الموصلي، قال أبو المجيب شداد بن عقبة: دعا رجل من الحي - يقال له أبو سفيان - رجلا من حيه اسمه القتال الكلابي إلى وليمة، فجلس القتال ينتظر رسوله، ولا يأكل حتى ارتفع النهار، وكانت عند امرأته فقرة من حوار؛ فلما يئس قال:
فإن أبا سفيان ليس بمولمٍ ... فقومي فهاتي فقرةً من حوارك
قال إسحاق، فقلت له: ثم ماذا؟ قال: لم يأت بعده بشئ؛ إنما أرسله يتيماً، فقلت: أفلا أزيدك إليه بيتاً آخر ليس بدونه؟ قال: بلى، فقلت:
فبيتك خير من بيوتٍ كثيرة ... وقدرك خير من وليمة جارك
فقال: بأبي أنت وأمي! والله لقد أرسلته مثلا وما انتظرت به العرب وإنك لبز طراز، ما رأيت في العراق مثله، وما يلام الخليفة على أن يدنيك ويؤثرك ويتملح بك؛ ولو كان السباب يشتري لابتعته لك بإحدى يدي، ويمنى عيني؛ على أن فيك بحمد الله منه بقيةً تسر الودود، وترغم الحسود.
هذا من رواية الأصبهاني تتصل بعمر بن شبة وحماد عن إسحاق. وفي رواية له تتصل بالأخفش ويزد المهلبي، أن إسحاق قال: أخبرني أبو زياد الكلابي، قال: أولم جار لي ... ، وذكر الحكاية. والبيت الأول فيها لأبي زياد؛ فعلى هذا تكون من إجازة بيت عصري ببيت.
ومن ذلك ما روى أحمد بن أبي فنن
قال: دخل أبو نواس على الذلفاء جارية ابن طرخان، ودخل على إثره مروان بن أبي حفصة، فرفعه مولاها عنه، فغضب، وقال: أجيزي لجرير:
غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فقالت - وكانت تشبب بالرشيد:
стр. 78
هيجت بالبيت الذي أنشدتني ... حبا بقلبي للإمام دفينا
فقام أبو نواس عند ذلك، وخرج وهو ينشد:
عجباً من حماقة الذلفاء ... تتشهى فياشل الخلفاء
قال ابن أبي فنن: فأجزت أنا قول أبي نواس، وأكثر الناس يروونه له:
لو تشهيت غيره كان أولى ... من أيور الدناة والضعفاء
إن أدنى الأمور عندي منالاً ... شهوات الأكفاء للأكفاء
وروى أحمد بن معاوية
قال: قال لي رجل: تصفحت كتباً، فوجدت فيها بيتاً جهدت جهدي أن أجد من يجيزه، فلم أجد، فقال لي صديقي: عليك بعنان جارية الناطفي، فجئها فقلت: أجيزي:
فما زال يشكو الحب حتى رأيته ... تنفس في أحشائه وتكلما
فلم تلبث أن قالت:
ويبكى فأبكى رحمةً لبكائه ... إذا ما بكى دمعاً بكيت له دما
وروى العباس بن رستم
قال: دخلت مع أبان اللاحقي على عنان في خيشها، فقال:
العيش في الصيف خيش
فقالت مسرعة:
إذ لا قتال وجيش
قال: فأنشدتها لجرير:
ظللت أواري صاحبي صبابتي ... وقد علقتني من هواك علوق
فقالت:
إذا أغفل الخوف اللسان تكلمت ... بأسراره عين عليه نطوق
وذكر الجهشياري في كتاب الوزراء والكتاب
حدث محمد بن الفضل الهاشمي قال: حدث أحمد بن سلمة الكاتب، أنه قال لعياش بن القاسم: اجتمعت مع عمرو بن مسعدة وأحمد بن يوسف في مجلس فيه قينة، فغنت:
أناس مضوا كانوا إذا ذكر الألي ... مضوا قبلهم صلوا عليهم وسلموا
فقال عمرو: هو - والله - حسن، إلا أنه مفرد، فأضيفوا إليه بيتاً آخر، فإنه أحسن له وأطول للقافية، وأطوع للغناء فيه، فقال أحمد بديهاً:
وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلاً بعدهم وتقدموا
فغنت بهما المغنية، فطربوا وشربوا عليهما بقية يومهم.
وروى علي بن الحسن الباخرزي في كتاب دمية القصر
أن أبا جعفر محمد بن إبراهيم المعدني، معدن زوزن؛ رأى على جدارٍ بيتاً مكتوباً:
стр. 79
لكل شئ من فقده عوض ... وما لفقد الشباب من عوض
وليس في الدهر من شدائده ... أشد من فاقةٍ على مرض
وذكر أحمد بن أبي طاهر قال
ألقى بعض أصحابنا على فضل الشاعرة:
ومستفتح باب البلاء بنظرةٍ ... تزود منها قلبه حسرة الدهر
فقالت مسرعة:
فوالله ما ندري: أتدري بما جنت ... على قلبه أم أهلكته ولا تدري!
وروى الفضل بن العباس الهاشمي عنها وعن بنان الشاعرة
قالت: توكأ المتوكل على يدي ويد فضل وقال: أجيزا قول الشاعر:
تعلمت أسباب الرضا خوف سخطه ... وعلمه حبي له كيف يغضب
فقالت فضل:
يصد وأدنو بالمودة جاهداً ... ويبعد عني بالوصال وأقرب
فقلت أنا:
وعندي له العتبى على كل حالةٍ ... فما منه لي بد ولا عنه مذهب
قال علي بن ظافر
أنشدني أبو القاسم الصيرفي في قول عبد الله ابن السمط:
حار طرف تأملك ... ملك أنت أم ملك!
فقلت بديهاً:
بل تعاليت رتبةً ... فلك الأرض والفلك
وأخبرني بهاء الدين بن الساعاتي المقدم ذكره
قال: غنى مغنٍ في مجلس كنت به حاضراً:
يا بدر عذالي عليك كثيرة ... والمسعدون على هواك قليل
فأجزته بديهاً فقلت:
في الصبر عن هذا القوام ولينه ... قصر وفي شرح الصبابة طول
وأخبرني الأديب أبو القاسم العداس المنبوز بالراوية
قال: قصد الشيخ أبو الخير سلامة الأنباري الضرير النحوي تعجيزي بين يدي الشيخ العلامة أبي محمد بن بري، لسرٍ كان بيني وبينه، فقال لي: إن كنت شاعراً كما تزعم فأجز:
أدرجت في أثناء نسيانكم ... حتى كأني ألف الوصل
فقلت بديهاً:
وكنت عين الفعل في قربكم ... فصرت لام الجر في الفعل
قال علي بن ظافر
أنشدني بعض أصحابنا هذا البيت من شعر ابن منير، وسألني إجازته:
стр. 80
يجل عن التشبيه في الحسن وجهه ... فبدر الدجى من حسنه يتعجب
فقلت في قصيدةٍ اقتضاها سؤاله:
ومن كان بدر التم يعجب أن رأى ... محاسنه بالبدر كيف يلقب
ومنه ما تكون الإجازة فيه لبيت بأكثر من بيت
روى أبو الفرج في كتاب القيان والمغنين أن بذلاً الكبيرة جارية عبد الله بن موسى الهادي غنت بين يدي المأمون:
ألا لا أرى شيئاً ألذ من الوعد ... ومن أملٍ فيه وإن كان لا يجدي
فصنع المأمون بيتين بديهاً وقال: زيديهما فيه:
ومن غفلة الواشي إذا ما لقيته ... ومن زورتي أبياتها خالياً وحدي
ومن ضحكةٍ في الملتقى ثم سكتةٍ ... وكلتاهما عندي ألذ من الشهد
وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام في الذخيرة
قال: غنى يوماً بيت يدي العالي الإدريسي بمالقة ببيت لعبد الله بن المعتز:
هل ترين البدر يختال ... إن غدت للسير أجمال
فأمر الفقيه أبا محمد غانم بن الوليد المالقي بإجازته، فقال بديهاً:
إنما العالي إمام هدى ... جلبت في عصره الخال
ملك إقبال دولته ... لذوي الأفهام إقبال
قل لمن أكدت مطالبه ... راحتاه الجاه والمال
وأخبرني أبو الحسن بن الساعاتي المقدم ذكره
قال: غنى مغن في بعض المجالس:
أسفي على بان القدود ... ريان أثمر بالنهود
وكان عندنا بالمجلس رجل كبير الأنف، يتطايب، وكان ينعت بالسديد، فأردت العبث به، فقلت بديهاً:
يا مانعي صفو الوصا ... ل وما نحى كدر الصدود
ما ضاقت الدنيا علي وقد حوت أنف السديد
وغنى بعض القوالين يوما
سلام على من لست أرجو وصاله ... وغير الصبا مالي إليه رسول
فأجابه الشهاب بن المجاور بديهاً بقوله:
стр. 81
يراجعني عن خده وهو عاطر ... ويرجع عن عطفيه وهو بليل
وما كنت لولا هجره بمروعٍ ... ولو صدني عنه قناً ونصول
أناهٍ فإني لا أصيخ للائمٍ ... ولو أن حد المشرفي عذول
سأصبر لايدري هواي فينثني ... ولا أنا أرجو عطفه فأقول
وأخبرني القاضي الموفق بهاء الدين أبو علي الديباجي كاتب الدست الشريف
قال: أنشدنا مولانا السلطان الملك الكامل - خلد الله ملكه - قول الشاعر:
ترحل من حياتي في يديه ... فيا أسفي ويا شوقي إليه!
واستجاز الجماعة، فقلت:
ومن هذا يكون عليه مثلي ... وهذي الريح أخشاها عليه
وقال الأمير الأجل الكبير صلاح الدين أدام الله توفيقه:
ألا يا ليته إن كان يأتي ... حياتي ثم موتي في يديه
ومنه ما تكون الإجازة فيه لأكثر من بيت؛ ذكر أبو العتاهية
قال: حبسني الرشيد لتركي الشعر، وغلقت على الأبواب، فبقيت دهشا كما يدهش مثلي لتلك الحال، فإذا رجل جالس في جانب السجن، وهو مقيد، فجعلت أنظر إليه ساعة، فتمثل بقوله:
تعودت مر الصبر حتى ألفته ... فأسلمني حسن العزاء إلى الصبر
وصيرني يأسى من الناس راجياً ... لحسن صنيع الله من حيث لا أدري
فقلت له: أعد - أعزك الله - هذين البيتين، فقال لي: ويلك يا أبا العتاهية! ما أسوأ أدبك وأقل عقلك! دخلت على السجن، فما سلمت تسليم المسلم على المسلم، ولا سألت مسألة الحر للحر، ولا توجعت توجع المبتلى للمبتلى، حتى إذا سمعت بيتين من الشعر الذي لا فضيلة فيك سواه، لم تصبر عن استعادتهما، ولم تقدم قبل مسألتك عنهما عذراً لنفسك في طلبهما! فقلت: يا أخي، إني دهشت من هذه الحال، فلا تعذلني واعذرني متفضلاً فقال: أنا والله بالدهش والحيرة أولى منك؛ لأنك حبست على أن تقول الشعر الذي به ارتفعت وبلغت ما بلغت، وإذا قلته أمنت؛ وأنا حبست على أن أدل على ابن رسول ﷺ ؛ ليقتل أو أقتل دونه! والله لا أدل عليه أبداً، والساعة يدعى بي فأقتل، فأينا أحق بالدهش! فقلت: أنت والله أولى،
стр. 82
سلمك الله وكفاك، ولو علمت أن هذه حالك ما سألتك، فقال: إذاً لا أبخل عليك؛ ثم أعاد على البيتين؛ حتى حفظهما، وأجزتهما بقولي:
إذا أنا لم أقبل من الدهر كل ما ... تكرهت منه طال عتبي على الدهر
ثم سألته عن اسمه؛ فقال: أنا أبو حاضرة داعية عيسى بن زيد وابنه أحمد. قال: فلم نلبث إلا قليلاً حتى سمعنا صوت الأقفال، فقام فسكب عليه ماءً من جرة كانت عنده، ولبس ثوباً نظيفاً، ودخل الحرس ومعهم الشموع، فأخرجونا جميعاً. وقدم قبلي إلى الرشيد، فسأله عن أحمد بن عيسى، فقال: لا تسألني عنه، وافعل ما بدا لك؛ فلو أنه تحت ثوبي ما كشفت عنه.
فأمر به، فضربت عنقه، ثم قال: أظنك يا إسماعيل ارتعت! فقلت: دون ما رأيت تسيل منه النفوس؛ فقال: ردوه إلى محبسه، فردوني.
وذكر ابن عبد ربه في كتاب العقد
قال: صنع أبو دلف القاسم بن إسماعيل العجلي.
أنا أبو دلف البادي بقافية ... جوابها يعجز الداهي من الغيظ
من زاد فيها له رحلي وراحلتي ... وخاتمي والمدى فيها إلى القيظ
فظن أنه لا ثالث لهاتين القافيتين، فصنعت:
قد زدت فيها ولو أمسى أبو دلفٍ ... والنفس قد أشرفت منه على الفيظ
قال علي بن ظافر: تذاكرنا بهذه القطعة فقال بعض الحاضرين: لم يبق رابعه، فصنعت:
أزيد فيها ولو ماتا بغيظهما ... ما ألقت النمل أحياناً من البيظ
وذلك أن كل بيض لطائر أو حيوان فبالضاد إلا بيظ النمل فإنه بالظاء؛ وكل ما يفيض من إناء وغيره فبالضاد إلا فيظ النفس، فإنه بالظاء.
ثم صنع القاضي الأعز بن المؤيد ﵀ بعد ذلك بديهاً:
ذو الحزم لا يتعدى في فعائله ... ما دام للناس تكوين من البيظ
والبيظ ها هنا: ماء الرجل.
ثم صنع شهاب الدين ابن أخت الوزير نجم الدين ﵀:
يا سادتي في القوافي قل ما تركوا ... كماتح البئر لم يترك سوى البيط
حازت قوافيكم الظاآت أجمعها ... كمثل ما حيز مح البيظ بالبيظ
لكن مواعيد باديكم أبي دلف ... لا صدق فيها كمثل الآل والبيظ
البيظ في القافية الأولى: بقية الماء في نقرة البئر، وهي الحفرة التي يبقى فيها الماء بعد نزحها، وفي القافية الثانية: قشرة البيض الرقيقة فوق المح وهو الغرقئ، قال زهير:
стр. 83
كأن البيظ لفعه قناعاً ... على الهامات كرات الدهور
وفي القافية الثانية خيال وجه الإنسان في السيف، قال عبيد:
كأن وجوه نسل بني نمير ... مثال البيظ في السيف اليماني
قالوا: وجميعها بالظاء، ولست على يقين من صحة ذلك، وأظن أن صاحب العقد قد وهم في كون قائل البيتين أبا دلف المجلى، فإن أبا دلف أفضل وأفصح وأعلم وأشرف من أن يقع في مثل هذا، وأظن قائلهما أبا دلف هاشم بن محمد الخزاعي الوالي، كان بالبصرة للمقتدر بالله سنة خمس وثلثمائة وهذا كله إنما وقع في المختصرات، وأما الأمهات فلم تذكر فيها إلا القوافي الثلاث الأول
وبالإسناد المتقدم ذكره
ذكر صاحب اليتيمة أن الصاحب أمر أبا محمد الحسن بن محمد البروجردي بإجازة هذين البيتين:
يا نسيم الريح من بلدي ... خبري بالله كيف هم
ليس لي صبر ولا جلد ... ليت شعري كيف صبرهم!
فقال:
ولسان الدمع يشهد لي ... وهو ممن ليس يتهم
وأنبأني الفقيه أبو الحسن بن المقدسي إجازة
قال: أنبأني الشيخ أبو القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي نصر بن عبد الله الحميدي، قال: أخبرني أبو الوليد الحسين بن محمد الكاتب المعروف بابن الفراء، قال: حضرت عند عمي وعنده أبو عمر القسطلي - يعني ابن دراج - وأبو عبد الله المتيطي، فغنى المتيطي:
مروع منك كل يوم ... محتمل فيك كل لوم
يا غايتي في المنى وسؤلي ... ملكت رقي بغير سوم
فأعجبنا بهذين البيتين، فقال أبو عمر: أنا أضيف إليهما ثالثاً لا يتأخر عنهما، ثم قال:
تركت قلبي بغير صبرٍ ... فيك وعيني بغير نوم
وذكر ابن بسام في كتاب الذخيرة
أن المعتمد بن عباد غنى بين يديه يقول ابن المعتز:
وحمارةٍ من بنات المجوس ... ترى الزق في بيتها سائلا
وزنا لها ذهباً جامداً ... فكالت لنا ذهباً سائلا
فأجازهما بديهاً بقوله:
وقلنا خذي جوهراً ثابتاً ... فقالت خذوا عرضاً زائلا
ونقلت من خط عبد الجليل بن عبد المحسن الكتامي الشاعر الأسيوطي
قال:
стр. 84
غنى لنا يوماً بعض القوالين هذين البيتين، وهما لأبي العلاء الأسدي من شعراء اليتيمة:
لا لعمري ما أنصفوا حين بانوا ... حلفوا لي ألا يخونوا فخانوا
شتتوا بالفراق شمل اتصالي ... جمع الله شملهم أين كانوا
قال: فأجزتهما بقولي بديهاً:
أنا ممن يدبن في الرجعة الآ ... ن تراهم بمذهب الصب دانوا
قال علي بن ظافر
ومما هو من هذا الباب إلا أن الإجازة فيه لسد فرجة بين البيتين ما ذكره صاحب المقتبس من أن أبا الحسن زرياباً المغني مولى المهدي المرواني غنى يوماً بين يدي الأمير عبد الرحمن الداخل ملك الأندلس بهذين البيتين:
قالت ظلوم سمية الظلم: ... مالي رأيتك ناحل الجسم!
يا من رمى قلبي فأقصده ... أنت الخبير بموقع السهم
فقال عبد الرحمن: هذان البيتان منقطعان، فلو كان بينهما ما يوصلهما لكان أبدع، فقال عبد الحمن بن قزمان بديها:
فأجبتها والدمع منحدر ... مثل الجمان هوى من النظم
فاستحسنه وأمر له بجائزة.
ومما يجري مجرى الطرف
ما أخبرني به الأديب أبو القاسم ابن نفطويه، أنه جلس أيام اشتغاله على الشيخ الأستاذ العلامة أبي محمد بن بري مع جماعة من تلامذته، فتذاكروا ما يعانيه الشيخ من بلادة بعض طلبته - وهو رجل كرهت ذكره مع فرط اعتنائه بتعليمه وشدة عنائه في تفهيمه - فأنشد أحدهم قول أبي العباس المبرد:
أقسم بالمبتسم العذب ... ومشتكى الصب إلى الصب
لو قرأ النحو على الرب ... ما زاده إلا عمى القلب
قال: فقلت ارتجالا:
قد عذب الله به شيخنا ... في هذه الدنيا بلا ذنب
فضحك الجماعة واستطرفوا البيت.
ومنه ما تكون الإجازة فيه بأكثر من بيت لأكثر من بيت
فمن ذلك ما ذكره إسحاق الموصلي قال: أنشدني شداد بن عقبة لجميل:
بثين سليني بعض مالي فإنه ... يبين عند المال كل بخيل
стр. 85
وإني وتكراري الزيارة نحوكملبين يدي هجربثينطويل
قال: فقلت لشداد: أفلا أزيدك فيهما؟ قال: بلى، فقلت مسرعاً:
ألا ليت شعري هل تقولين بعدنا ... إذ نحن أجمعنا غداً لرحيل:
ألا ليت أياماً مضين رواجع ... وليت النوى قد ساعفت بجميل!
فقال: أحسنت - والله - إن لهو الشعر الضائع، فقلت: وكيف؟ قال: نفيته عن نفسك بتسميتك جميلاً فيه، ولم يلق برتبة شعر جميل، فضاع بينكما جميعاً.
أنبأني الشيخان: الأجل العلامة تاج الدين الكندي والفقيه جمال الدين بن الحرستاني إجازة
قالا: أخبرنا الإمام الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي سماعاً عليه، قال: أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، عن أبي القاسم التنوخي، أخبرني أبو عبد الله محمد بن عثمان الخرقي الفارقي الحنبلي التميمي قال: كنت بالرملة سنة ثلثمائة وخمس وستين، وقد ورد إليها القرمطي أبو علي القصير الثياب، فاستدناني منه، وقربني إلى خدمته، فكنت ليلة عنده إذ حضر الفراشون بالشموع، فقال لأبي نصر بن كشاجم - وكان كاتبه -: يا أبا نصر، ما يحضرك في صفة هذه الشموع؟ فقال: إنما نحضر مجلس السيد لنسمع كلامه، ونستفيد من أدبه، فقال أبو علي في الحال بديهاً:
ومجدولةٍ مثل صدر القتاة ... تعرت وباطنها مكتس
لها مقلة هي روح لها ... وتاج على الرأس كالبرنس
إذا غازلتها الصبا حركت ... لساناً من الذهب الأملس
وإن رنقت لنعاسٍ عرا ... وقطعت من الرأس لم تنعس
وتنتج في وقت تلقيحها ... ضياءً يجلي دجا الحندس
فنحن من النور في أسعدٍ ... وتلك من النار في أنحس
تكيد الظلام وما كادها ... فتفنى وتفنيه في مجلس
فقام أبو نصر بن كشاجم، وقبل الأرض بين يديه، وسأله أن يأذن له في إجازة الأبيات فأذن له فقال:
وليلتنا هذه ليلة ... تشاكل أشكال إقليدس
فيا ربة العود غني لنا ... ويا حامل الكأس لا تجلس
فتقدم بأن يخلع عليه، وحملت إليه صلة سنية، وإلى كل من الحاضرين.
وأخبرني الأمير شمس الدولة عبد الرحمن بن محمد بن ورشد بن علي بن منقذ بن نصر بن
стр. 86
منقذ رحمه الله تعالى
قال: جرت بيني وبين القاضي المهذب أبي محمد الحسن بن علي بن الزبير مفاوضة في قول الشعر بديهاً، وذلك في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة بدار الوزارة بالقاهرة؛ قال: كنت في مبدأ عمري أملي الشعر إملاء - كالمحفوظ - على من يكتبه، فربما سبقته بالإملاء ول أتوقف. فجعلت أتعجب من قوله تعجباً يظهر منه الاستعباد، فقال: وكأنك تستصعب هذا! إنما الصعب أن تقترح على الشاعر العمل في معنى مخصوص على قافية شاذة في وزن معين، وإن أردت أن تقف على حقيقة ما قلته ليزول عنك الشك وتدركه بالرؤية لا بالرواية، فأنشدني ما أعمل لك عليه، قال: فأنشدته من شعر الحماسة:
فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها ... لقاء عدو أو وعيد أمير
فلن يمنعوا عيني من دائم البكا ... ولن يظهروا ما قد أجن ضميري
فأنشد مبادراً كأنه يحفظ ما ينشده:
صبرت على جور الزمان وصرفه ... وإن كنت يوم البين غير صبور
وإن الذي يبغى اعتلاقاً بودها ... لمستمسك منها بحبل غرور
أرى الناس قد فكوا العناة تحرجاً ... فهل لك يوماً في فكاك أسير!
إذا أظلمت أيامنا من صدودكم ... جلوتم بدوراً في ظلام شعور
ولم أر فيمن أستعين به سوى ... عذولٍ فمن لي فيكم بعذير
وإن ظباء الوحش تحسب منكم ... بحسن نفورٍ عندها ونحور
وما كنت ممن يصبح الحب قادراً ... عليه ولكن ذاك فعل قدير
قال الأمير: فجننت استحساناً لما أتى به وتعجباً من سرعته؛ فقال: أنشدني غير هذا لئلا تقول إنه محفوظ لي، تحرجاً من ذلك، فأبى إلا أن أنشد فأنشده:
وما فارقت لبني عن تقالٍ ... ولكن شقوة بلغت مداها
فاسترسل مع آخر إنشادي قائلاً:
وكل مني النفوس إلى انقطاعٍ ... إذا بلغت لعمرك منتهاها
أناديها وليس تجيب قولي ... كأني قد دعوت بها سواها
سألقى دونها نبل الأعادي ... وأرمي منهم من قد رماها
وأصبر للتجني كل يومٍ ... وما أنا الصبور على قلاها
سلاها حين مال القلب عنها ... ولم يعلق سواها، هل سلاها!
стр. 87
ومن هذا الذي عني حماها ... على قربٍ ولم يدخل حماها
وضنت بالسلام على بخلاً ... وقد ضمنت لطارقها قراها
وعين حل فيها السحر لما ... أحلت في نواظرها قذاها
غدا الإعراض حظ مؤمليها ... وأمسى اليأس غاية من رجاها
أود ومهجتي في راحتيها ... مدى الأيام لو جعلت فداها
قال الأمير: وحين انتهى إلى هذا الحد، ورأيت شدة تجمعه وفرط تحفزه، وما يعانيه في إحضار ذهنه، قطعته إشفاقاً عليه.
ومما وقع من هذا الباب وكانت الإجازة في وسط الشعر صلةً لمعنى منقطع
ما أخبرني به الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي القرموني، قال: أنشد والدي الشيخ أبو الحسن علي بن محمد اليحصبي القرموني قول ابن الرومي:
شهر الصيام مبارك ... ما لم يكن في شهر آب
خفت العذاب فصمته ... فوقعت في نفس العذاب
فقال: هذان البيتان منقطعان، ويحتاجان إلى ما يصل بينهما. فقال بديهاً:
اليوم فيه كأنه ... من طوله يوم الحساب
والليل فيه كأنه ... ليل التواصل والعتاب
الباب الثالث
في بدائع بدائه التمليط
التمليط هو أن يجتمع شاعران فصاعداً على تجريد أفكارهم، وتجريب خواطرهم في العمل في معنى واحد.
وأما اشتقاقه فذكر ابن رشيقٍ أنه من أحد شيئين؛ إما أن يكون من الملاطين؛ وهما جانبا السنام في مرد الكتفين؛ قال جرير:
ظللن حوالي خدر أسماء وانتحى ... بأسماء موار الملاطين أروح
فكأن كل قسيم أو بيت ملاط، أي جانب من البيت أو القطعة.
والآخر أن يكون من الملاط، وهو الطين يدخل في البناء، ويملط به الحائط تمليطاً، أي يدخل بين اللبن حتى يصير شيئاً واحداً.
وأما الملط؛ وهو الذي لا يبالي ما صنع، والأملط؛ وهو الذي لا شعر له في جسده؛ فليس لاشتقاقه منهما وجه.
قال علي بن ظافر: فمن التمليط ما يكون بين شاعرين؛ ومنه ما يكون بين شعراء، ومنه ما يكون بقسيمٍ لقسيمٍ، ومنه ما يكون بيت لبيت، ومنه ما يكون ببيتين لبيتين.
والفرق بينه وبين الإجازة أن التمليط يتفق فيه الشعراء قبل العمل على العمل، أو يندبون لذلك،
стр. 88
وتتكرر منهم المناوبة؛ وهذا ليس من شروط الإجازة.
فمما وقع من التمليط بين شاعرين بقسيم لقسيم وهذا النوع يسمى المماتنة
ما أنبأني به الشيخان تاج الدين الكندي وجمال الدين الحرستاني إجازة عن الإمام الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر الدمشقي، قال أخبرنا محمد بن طاووس، أخبرنا عاصم بن الحسن، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا الحسن بن صفوان، حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثني أبو عدنان البصري، حدثني الصامت بن مخبل اليشكري سنة إحدى وتسعين ومائة؛ وأخبرني به أبو عبيدة، عن أبي عمرو بن العلاء، قال: أقبل امرؤ القيس حتى لقي التوءم اليشكري - وكان اسمه الحارث بن قتادة، ويكنى أبا شريح فقال امرؤ القيس: إن كنت شاعراً كما تقول فملط أنصاف ما أقول، فقال امرؤ القيس:
أحار ترى بريقاً هب وهناً
فقال التوءم:
كنار مجوس تستعر استعارا
فقال امرؤ القيس:
أرقت له ونام أبو شريح
فقال التوءم:
إذا ما قلت قد هدأ استطارا
فقال امرؤ القيس:
كأن حنينه والرعد فيه
فقال التوءم:
عشار وله لاقت عشارا
فقال امرؤ القيس:
فلم يترك ببطن الأرض ظبياً
فقال التوءم:
ولم يترك بجلهتها حمارا
فقال امرؤ القيس:
فلما أن دنا لقفاً أضاحٍ
فقال التوءم:
وهت أعجاز ريقه فحارا
فقال امرؤ القيس: لا أتعنت على أحد بعد ذلك بالشعر، فقيل إنه عز على ابن حجرٍ مماتنته ومساواته له، وآلى ألا ينازع شاعراً أبداً. وكان أبو عبيدة يقول: هي محمولة عليه.
وروى ابن الكلبي عن أبيه
قال: حدثني شيخ من بني زياد بن عبد المدان - وكان عالماً بقومه - قال: نشأ غلام من بني جنب يقال له رفاعة، ويقال له المحترش، فنبغ في الشعر وماتن شعراء قومه حتى أبر عليهم، فلما وثق من نفسه بذلك قال لأبيه: لأخرجن في قبائل اليمن، فإن وجدت أحداً يماتنني رجعت إلى بلادي، وإن لم أصادف من يماتنني تقريت قبائل العرب. فنزل بصرم من بني فهد والحي خلوف، فأتى حجرة عن جنب الحواء، فإذا عجوز حيزبون قد أقبلت معتمة تتوكأ على محجن فقالت: عم ظلاماً، فقال: نعم ظلامك، فقالت: ممن الرجل؟ قال: فقلت: من مذجج، قالت: من أيهم؟ قلت: من جنب. قالت: أضيف أنت؟ فقلت: نعم، قالت: فلا حملك الله، ما عدوت أن بخلتنا، وأسأت أحدوثتنا. ثم أثارت ناقتي وكنتها في خبائها،
стр. 89
وأمرت وليدة لها فجاءت بعتودٍ يمرح في إهابه سمناً ومدية، وقالت: اذبح أيها الرجل. واعتجنت وامتلت وطبخت، وقربت طعاماً، وجلست أنا وهي والوليدة: فلما تعشينا قالت: ما رمى بك إلى هذه البلاد؟ فأخبرتها خبري، فضحكت وقالت: بت فسأجيئك غداً بعشر خرائد تماتنك دون الرجال، فإن غلبت فارجع إلى بلادك، واعلم أنك ترمي من مرام، فبت فلما أصبحنا إذا العجوز قد أقبلت، ومعها ثلاث فتيات كالمهرات، فابتدرن إلى الحجرة، وأقبلت العجوز فحيتني، وسألتني عن مبيتي، ثم أومأت إلى إحداهن، فأقبلت كالعيدانة يميلها الصبا، فقالت: أنت المتحدي بالمماتنة؟ فقلت: نعم، فقالت: قل أسمع، فقلت:
سوام تداءت سومها وعجافها
فقالت:
حوامل أثقالٍ تنوء فترزح
فقلت:
إذا أيهت في حجرتيها رعاؤها
فقالت:
سمت فرق منها شوامر لقح
فقلت:
نواء تداعى بالجنين عشارها
فقالت:
فتبرح ناراُ أو تبيت فتسنح
فقلت:
إذا وصلت أرضاً سقتها بدرها
فقالت:
أفاويق رسل محصنة لا تضيح
فقلت:
إذا انسفحت أخلافها خلت ما جرى
فقالت:
على الأرض منه لجة تتضحضح
فقلت: أمطلقة أم ذات بعل؟ فقالت:
عقال لعمر الله لو شئت بتهشرادى ولكن التكرم أجدر
فقمت إلى راحلتي، فقالت العجوز: رويت أم أحلب لك أخرى؟ فقلت: أروتني الأولى، فقالت: الحق الآن بأرضك.
فخرجت أريد لرجوع إلى قومي، فأبى بي اللجاج إلا قصد ما خرجت إليه، فدفعت إلى صرم من جرم، فإذا صبيان على غدير يرتجزون، فدعوت غلاماً منهم من أبشرهم. فقلت: يا غلام! هل في صرمكم من يماتنني؟ فإني قد برزت على شعراء العرب، فقال: أنا. فقلت: أنت أيها الفصيل! فقال: قل ودع عنك ما لا يجدي، فقلت:
أوابد كالجزع الظفاري أربع
فقال:
حماهن جون الطرتين مولع
فقلت:
يرود بهن الروض في الأمن جاره
فقال:
وأحلى لهن المنتضى والمودع
فقلت:
فلما اشتكت أمات قردانه السفا
فقال:
وحب على البيد السفير الممذع
فقلت:
وشبت على الأكابد نار من الصدى فقال:
تظل لنا بين الحيازيم تسفع
فقلت: أولى لك! وامتطيت راحلتي، حتى دفعت إلى شيخ يرعى غنيماتٍ له، فاستقريته، فقام مبادراً إلى قعب له، فاحتلب ما كان في ضروعهن، ثم جاءني به، فشربت، فلما
стр. 90
اطمأننت قال: ما رمى بك إلى هذا القطر؟ فأخبرته، وكتمت ما لاقيت. فكشر وصاح بغلمةٍ يرعون قريباً منه، فأقبل غلام منهم، فقال: ادع عشرقة. فما لبث أن أقبلت جويرية عجفاء كأنها وبيلة خيسفوج، حتى وقفت بين يديه. فقال: إن ابن عمك هذا خرج من بلاده يتحدى بالمماتنة، فهل عندك شيء؟ فقالت: قل أيها المتحدي - وإنها لتقلب عينيها كعيني الأرقم - فقلت:
فما بسرة زرقاء في ظل صخرةٍ
فقالت:
ذخيرة غراء الذرى جونة النضد
فقلت:
نفى سيلان الريح عن متنها القذى
فقالت:
وذادت غصون الأيك عن متنها الوقد
فقلت:
سياب مجاج أخلص الدبر أريه
فقالت:
بصهباء صرفٍ جيب عن صفوها الزبد
فتركت ما قصدت له، وملت إلى وجهة أخرى ووصفت ناقة، فضحكت وقالت: أغوصت، فقلت:
إذا انشنج الحرباء في رأس عوده
فقالت:
وألجأ أم الحسل في مائها الصخد
فقلت:
أثارت بموماتين تحت حجاجها
فقالت:
حوانك أشباهٍ كرانية الجلد
قال: فرحت وآليت ألا أماتن أحداً ما عشت.
تفسير ما في الكلام والشعر العتود: الجذع من الغنم أو فوق ذلك.
والعيدانة: النخلة الطويلة، قال الشاعر:
وإذا مشين مشين غير جوارب ... هز الجنوب نواعم العيدان
والشوامر: التي قد شالت بأذيالها، أي رفعها.
والنواء: السمان، الواحدة ناوية، قال الشاعر:
ألا يا حمز للشرف النواء ... وهن معقلات بالفناء
والبارح: الذي يمر ومياسره عن مياسرك، والسامح: الذي يمر وميامنه عن ميامنك، وأهل نجد يتيامنون بالسامح، ويتشاءمون بالبارح، وأهل الحجاز يخالفونهم في ذلك.
وأفاويق: جمع فواق، ويمكن أن يكون جمع فيقة، وهي السكتة بين المطرتين، والسكتة بين الحلبتين، قال:
حتى إذا فيقة في ضرعها اجتمعت ... جاءت لترضع شق النفس لو رضعا
والضيح: اللبن الذي صب فيه ماء، وكذلك المذق، قال الراجز:
فامتضحا وسقياني ضيحاً ... فقد كفيت صاحبي الميحا
وانسفحت: انصبت، وبه سمي السفاح التغلبي؛ لأنه سفح ماء أصحابه وقال: لا ماء
стр. 91
لكم دون الكلاب. قال:
وأخوهما السفاح ظمأ خيله ... حتى وردن جبا الكلاب نهالا
الجبا: الماء بعينه، والجبا: الحوض أيضاً.
والضحضاح: الماء القليل يضطرب على وجه الأرض.
والخيسفوج: القطوف والخشب اليابس.
ومن ذلك ما رواه أبو عزبة
قال: أقبل النابغة الذبياني يريد سوق بني قينقاع، فلحق الربيع بن أبي الحقيق نازلاً من أطمه، فلما أشرفا على السوق سمعا الضجة، وكانت سوقاً عظيمة، فحاصت بالنابغة ناقته. فقال:
كادت تهلل من الأصوات راحلتي
ثم قال: يا ربيع أجز. فقال:
والنفر منها إذا ما أوجست حلق
فقال: ما رأيت كاليوم شعراً! ثم قال: أجز:
لولا أنهنهها بالزجر لاجتذبت
فقال:
متى الزمام وإني راكب لبق
فقال النابغة:
قد ملت الحبس في الآطام واشتعفت
فقال:
إلى مناهلها لو أنها طلق
فقال النابغة: يا ربيع أنت أشعر الناس.
ومن ذلك ما رواه إبراهيم بن المدبر
عن إبراهيم بن العباس الصولي، قال: وحدثني به دعبل أيضاً - وكانا متفقين - قال: كنا نطلب جميعاً بالشعر، فخرجنا سنة وكانت محلاً، فابتدأت أقول في المطلب ابن عبد الله:
أمطلب أنت مستعذب
فقال دعبل:
لسمر المنايا ومستقبل
فقلت:
فإن أشف منك تكن سبة
فقال دعبل: وإن أعف عنك فما تفعل
وقد ذكر الصولي في كتاب الوزراء
قال: حدثني محمد بن يحيى، قال: قدم أعرابي اسمه عتبة يقول الشعر، وكان ظريفاً من الأعراب، فضمه الحسن بن وهب إليه، فاجتمع الحسن يوماً وإبراهيم بن العباس، فقال لهما عتبة هذا: إن كنتما تقولان الشعر بالعجلة، فاهجواني، فقال الحسن:
لمن طلل في رأس عتبة مقمل
فقال إبراهيم:
عفته رياح الصفع تعلو وتسفل
فقال الحسن:
شكا ما يلاقيه من الصفع رأسه
فقال إبراهيم:
تناوبه منه جنوب وشمأل
فقال الأعرابي: والله لئن لم تمسكا لأخرجن من البلد.
وذكر الصابي في كتاب الوزراء والكتاب
قال: روى أبو الفتح منصور بن محمد بن المقتدر الأصفهاني، قال: كان أبو القاسم ابن أبي العلاء الشاعر من وجوه أهل أصفهان وأعيانهم
стр. 92
ورؤسائهم؛ فحدثني أنه رأى في منامه قائلاً يقول له: لم لم ترث الصاحب بن عباد، مع فضلك وشعرك؟ فقلت: ألجمتني كثرة فضائله، فلم أدر بما أبدأ منها! وخفت أن أقصر، وقد ظن بي الاستيفاء لها، فقال: أجز ما أقول، قلت: قل، قال:
ثوى الجود والكافي معاً في حفيرةٍ
فقلت:
ليأنس كل منهما بأخيه
فقال:
هما اصطحبا حيين ثم تعانقا
فقلت: ضجيعين في قبر بباب دريه فقال:
إذا ارتحل الثاوون عن مستقرهم
فقلت:
أقاما إلى يوم القيامة فيه
وباب دريه، المحلة التي فيها تربته، وهي ما يستقبل المسافر من أصفهان إذا توجه من الري.
ومن ذلك
ما أخبرنا به أبو الصلت أمية بن عبد العزيز في كتابه المسمى الحديقة قال: أخبرني محمد بن حبيب القلانسي الشاعر، قال: حضرنا ليلة بمجلس السلطان أبي يحيى تميم بن المعز بن باديس، فالتفت حميد بن سعيد الشاعر إلى مملوكين من مماليكه قد جمعا بين رأسيهما متناجين، فقال لي: ملط:
انظر إلى اللمتين قد حكتا
فقلت:
جنحي ظلامٍ على صباحين
فقال:
فاعجب لغصنين كلما انعطفا
فقلت:
ماسا من اللين في وشاحين
فقال:
ظبيان يحمى حماها أسد
فقلت:
لولا كانا لنا متاحين
فقال:
فلو تدانيت منهما لدنت
فقلت:
مني في الحين أسهم الحين
ومن ذلك
ما روى أن المعتمد بن عباد ركب في يوم قاصداً الجامع، والوزير أبو بكر بن عمار يسايره، فسمع أذان المؤذن، فقال المعتمد:
هذا المؤذن قد بدا بأذانه
فقال ابن عمار:
يرجو بذاك العفو من رحمانه
فقال المعتمد:
طوبى له من شاهدٍ بحقيقةٍ
فقال ابن عمار:
إن كان عقد ضميره كلسانه
أخبرني الفقيه الأجل السعيد أبو الحسن علي بن عبد الوهاب بن خليف بالإسكندرية
قال: أخبرني الأديب المعروف بابن رزين، قال: أخبرني عبد الجبار بن حمديس الصقلي، قال: أقمت بإشبيلية لما قدمتها وافداً على المعتمد بن عباد مدةً لا يلتفت إلى، ولا يعبأ بي، حتى قنطت لخيبتي، مع فرط تعبي، وهممت بالنكوص على عقبي؛ فإني لكذلك ليلةً من الليالي في منزلي، إذ أتاني غلام، ومعه شمعة ومركوب، فقال لي: أجب السلطان، فركبت من فوري ودخلت عليه، فأجلسني على مرتبةٍ فنل، وقال لي: افتح الطاق الذي يليك، ففتحته فإذا بكور زجاج على بعد، والنار تلوح من بابيه، وواقده يفتحها تارةً، ويسدهما أخرى، ثم أدام سد أحدهما وفتح الآخر، فحين تأملتهما قال لي: ملط:
انظرهما في الظلام قد نجما
فقلت:
كما رنا في الدجنة الأسد
стр. 93
فقال:
يفتح عينيه ثم يطبقها
فقلت:
فعل امرئ في جفونه رمد
فقال:
فابتزه الدهر نور واحدةٍ
فقلت:
وهل نجا من صروفه أحد!
فاستحسن ذلك، وأمر لي بجائزة سنية، وألزمني خدمته.
وأخبرني رجل من التجار بمصر يعرف بأبي الفضل ابن فتوح المصري
قال: سكنت بدار في الخطة المعروفة بدويرة خلف، فرأيت جميع جدران المنزل مكتوبةً بأخبار بديعة، وأشعار مستحسنة السبك، ووجدت في جملتها: لما دخلت بجاية عند عبوري، اجتزت في بعض الأيام بصديق لي من المعلمين وهو في مكتبه، وصبيانه قد حفوا به، فأحضر صبياً منهم، وقال لي: اختبره فإنه يقول الشعر الجيد، فقلت له: أجز:
وشادنٍ ذي شطاط
فقال:
حجي له ورباطي
فقلت:
موكل بضميري
فقال:
معلق بنياطي
فعجبت من سرعة بديهته مع صغر سنه، ثم تمادى الأمر، فاشتهر بقول الشعر، فنمي إلى السلطان تميم بن المعز أنه هجاه، وأنه قال فيه:
بلد مظلم وملك ظلوم ... وهما فيح حمةً وتميم
هو فيها كمالك والمقيمو ... ن بها المجرمون وهي الجحيم
فاستحضره السلطان، واستخبره عما قال فيه، فأنكره وقال: إنما قلت:
عرجا بي فذا مناخ كريم ... هذه حمنة وهذا تميم
هذه الجنة التي وعد الل ... هـ وهذا صراطه المستقيم
فاستظرفه تميم واستلطفه وأكرمه ثم صرفه.
قال المخبر بهذه الحكاية: ثم تقصيت عن المنزل، فقيا لي: إنه كان منزل أبي الصلت حين قدومه إلى مصر.
قرأت في بعض المجاميع أن شاعراً من أهل تنس من بلاد إفريقية
قصد المعتمد على الله بن عباد؛ وهو بسبته أيام جوازه للقاء أمير المؤمنين ابن تاشفين للاستنجاد به، فوصف له، فحضر، فأنشده، فقال: هذا يصلح لمنادمتنا الليلة، وأمر بإمساكه، فسقى، وجرى في المجلس حديث فرس أدهم كان مشهوراً بالأندلس، وعزيز المحل عند المعتمد.
واتفق أن الرجل سكر ونام، فخرج منه ريح بصوت شديد؛ فقال المعتمد ارتجالاً:
فيا عجباً من ضعيف القوى ... تزلزلت الأرض من ضرطته
ثم قال لندمائه: لا يشعره أحد بما جرى، واستيقظ الرجل فقال كالمعتذر من نومه: إن هذا النوم سلطان؛ فقال بعض الندماء الحاضرين: صدقت، قد سمعنا طبله؛ فجعل الرجل يقول: رأيت في منامي كأن السلطان أعزه الله قد حملني على فرس
стр. 94
أدهم؛ من صفته كذا ومن صفته كذا؛ فقال المعتمد: صدقت، قد سمعنا تحتك صهيله، ثم قال المعتمد: قولوا في هذا شيئاً؛ فقال بعض الحاضرين:
وضرطةٍ كالجرس
فقال المعتمد:
أو كصهيل الفرس
فقال الشاعر: أفلتها صاحبنا فقال المعتمد:
عند انصرام الغلس
فقال الشاعر:
سمعتها من سبتةٍ
فقال المعتمد:
وأصلها من تنس
وأخبرني الأديب أبو عبد الله محمد التوزورى
قال: حدثني الشيخ الباغاني النحوي قال: تذاكرت مع الشيخ الزاهد اليشكري ﵁ أمر أبي الهيثم الشاعر، فقال: اجتمعت به ليلةً، وكان نديمنا فيها فتى رامياً وضئ الوجه، فقلت له مستخبراً قريحته، وسالكاً به من التصنع غير مذهب: أجز ما أقول:
نشبت نشائب حب هذا الناشب
فقال:
بحشىً حشاه نار وجدٍ غالب
فقلت:
تصمى رمايته القلوب كأنما
فقال:
يرمى الورى عن قوس ذاك الحاجب
قال الشيخ أبو الفضل: فقلت: إنما تظهر القرائح في التشبيه، ونظرت إلى السماء، فإذا الجوزاء متوسطة، فقلت:
وكأنما الجوزاء في وسط السما
فقال:
در تنائر من قلادة كاعب
قال الشيخ أبو الفضل: ومررت به يوماً وهو مطرق يفكر، فقلت:
أراك تصنع شعرا
فقال:
نعم لحبي بدرا
فقلت:
قد حار وصفي فيه
فقال:
فتركي الوصف أخرى
فقلت:
هذا على أن شعرى
فقال:
من عاصف الريح أجرى
وأخبرني العماد أبو حامد
قال: روى السمعاني في تاريخه عن محمد بن علي بن أحمد بن جعفر بن الحسين البندنيجي أنه قال: سمعت والدي يقول: سمعت عم والدي أبا سعيد ن عقيل بن الحسين يقول: أتاني آت في المنام، فقال: هل لك أن تمصرع وأتمم، أو تتمم وأمصرع؟ فقلت: لا، بل أمصرع وتتمم. فقال لي: ياعيار، هربت من القافية، ولكن قل، فقلت:
هل عندكم رحمة يرجو عواطفها
فقال:
صب تشكت إلى الشكوى جوارحه
فقلت:
أغلقتم كل باب في مودته
فقال:
وفي يدى ظبيكم كانت مفاتحه
فقلت:
ما أمسكت قلبه إذ لم يطر جزعاً
فقال:
من فرط حر الجوي إلا جوانحه
ثم استيقظت.
وأخبرني القاضي الأعز أبو الحسن علي بن المؤيد ﵀
قال: أخبرني والدي، قال: كان الصالح طلائع بن رزيك الوزير لا يزال يحضر
стр. 95
مجلسه في ليالي الجمع جلساؤه وبعض أمرائه لسماع قراءة مسلم والبخاري وأمثالهما من كتب الحديث، وكان الذي يقرأ رجلاً أبخر، فلعهدي به، وقد حضر المجلس مع الأمير على بن الزبير والقاضي الجليس أبي محمد عبد العزيز ابن الحباب وقد أمال وجهه إلى القاضي المهذب بن الزبير، وقال له:
وأبخر قلت: لاتجلس بجنبي
فقال الأمير:
إذا قابلت بالليل البخاري
فقال الجليس: ولم؟ فبدره المهذب فقال:
فقلت وقد سئلت بلا احتشامٍ: لأنك دائماً من فيك خارى
قال علي بن ظافر
أخبرني أيضاً هو وشهاب الدين يعقوب المقدم ذكره بما هذا معناه: قالا: جلسنا في الأيام لاجتناء زهر المحادثة، واقتناء دور المنافقة، فسمعنا صوت شبابة تذكر الأشيب الهرم زمان الشبيبة، وتحرك من الخرف الهم غزله وتشبيبه، وصوتها أشجى من أنين المشتاق لفرط الأشواق، وأرق من نوح العشاق عند عزم الفريق على الفراق؛ فقال شهاب الدين:
وشبابةٍ شبت لظى الشوق في قلبي
فقال الأعز:
تذكرني عهد الصبابة والحب
فقال شهاب الدين:
حبتني على بعدٍ بترجيعها الهوى
فقال الأعز:
فأحيت فؤادي المسهام على قرب
وأخبرني الشهاب قلب
انفردت ببوصير يوماً بالفقيه رضى الدين أبي إسحاق بن عبد الباري ﵀، وكنا خرجنا إليها في خدمة الوزير نجم الدين ﵀ وكان قد مضى إليها متنزهاً؛ فجلس إلينا غلام من أولاد بعض الرؤساء الذين كانوا في خدمته، حسن الوجه، ثم انصرف، فقال الرضى:
لله يوم مضى ببوصير
فقلت:
والعيش صفو بغير تكدير
فقال:
نديمنا فيه شادن غنج
فقلت: مكتحل جفنه بتفتير
قال علي بن ظافر
ووجدت يوماً بالجامع الأنور بالقاهرة لانتظار الجمعة، وكان يجلس بالقرب من مكاننا صبي وضئ، نهب وجهه وشعره من البدر نوره، ومن الليل ديجوره، واغتصب طرفه وعطفه من الظبي كحله، ومن الغصن تميله، ينعت بالشمس، فتأخر حضوره يوماً، فتعاطينا القول في غيبته، فقلت:
أفدي الذي غاب فغاب السرور
فقال الشهاب:
واتسع الهم بضيق الصدور
فقلت:
وأظلم الأنوار من بعده
فقال الشهاب:
стр. 96
وليس بعد الشمس للأفق نور
واتفق لي أني اجتمعت مع القاضي أبي الحسن بن النبيه ومعنا جماعة من شعراء مصر
فأنشدهم قول مؤيد الدين الطفرائي في الهلال:
قوموا إلي لذاتكم يا نيام ... وأترعوا الكأس بصفو المدام
هذا هلال العيد قد جاءنا ... بمنجل يحصد شهر الصيام
فقال المذكور: لو شبهه بمنجل ذهب يحصد نرجس النجوم لكان أولى، ثم قال نظماً:
انظر إلى حسن هلالٍ بدا
فقلت:
يذهب من أنواره حندسا
فقال:
كمنجلٍ قد صيغ من عسجدٍ
قلت:
يحصد من شهب الدجى نرجسا
ثم زدت على هذا المعنى زيادتين بديعتين، يدركهما الناقد البصير، فقلت:
أما ترى الهلال يخفى أنجم ... الأفق بنور وجهه الوسيم
كمنجل من ذهبٍ يحصد من ... روض الظلام نرجس النجوم
ثم ولدت منه معنىً آخر ذكرته بعد هاتين القطعتين في كتاب التنبيهات وعجائب التشبيهات.
ومن التمليط الواقع بين شاعرين ببيت لبيت ويسمى هذا النوع الإنفاذ
ما ذكره أبو الفرج برواية تتصل بحماد الراوية، قال: تحرك كعب بن زهير يقول الشعر، فنهاه زهير مخافة أن يكون لم يستمكن شعره، فيروى له ما لا خير فيه، فكان يضربه في ذلك فيغلبه، فلما طال عليه أخذه فحبسه، ثم قال: والذي أحلف به لا يبلغني أنك قلت بيتاً إلا نكلت بك؛ فبلغه أنه يقول، فضربه ضرباً مبرحاً، ثم أطلقه وسرحه في بهمة وهو غليم صغير فانطلق فزعاً، ثم روح عشيةً، وهو يرتجز:
كأنما أحدو ببهمي عيراً ... من القرى موقرة شعيرا
فغضب زهير، فركب ناقته وأردفه، وهو يريد أن يعنته ليعلم ما عنده من الشعر، فقال زهير حين برز من الحي منشداً:
وإني لتعديني على الهم جسرة ... تخب بوصالٍ صرومٍ وتعنق
ثم ضرب كعباً، وقال: أجز يا لكع، فقال:
كبنيانة القرئى موضع رحلها ... وآثار نسعيها من الدف أبلق
فقال زهير:
على لاحبٍ مثل المجرة خلته ... إذا ما علا نشزاً من الأرض مهرق
стр. 97
ثم ضربه وقال أجز، فقال:
منير هداه ليله كنهاره ... جميع إذا يعلو الحزونة أفرق
قال: ثم بدأ زهير في وصف النعام، وترك حركة القاف يتعسفه بذلك ليعلم ما عنده، فقال:
وظل بوعساء الكثيب كأنه ... خباء على صقبي بوانٍ مروق
بوان عمود من أعمدة البيت، فقال كعب:
تراخى به حب الضحاء وقد أرى ... سماوة قشراء الوظيفين عوهق
فقال زهير:
تحن إلى مثل الحبابير جثمٍ ... لدى منتجٍ من قيضها المتفلق
الحبابير: جمع حبارى ويجمع أيضاً على حباريات، فقال كعب:
تحطم عنها قيضها عن خراطمٍ ... وعن حدقٍ كالنبخ لم يتفتق
النبخ: الجدري؛ شبه عيون أولاد النعام به.
قال: فأخذ زهير بيده وقال: قد أذنت لك في قول الشعر يا بني؛ فلما نزل وانتهى إلى أهله قال قصيدته وهو صغير يومئذ، وهي أول شعر روي له:
أبيت فلا أهجو الصديق ومن يبع ... بعرض أبيه في المعاشر ينفق
ومن ذلك ما أنبأني به الشيخان
الشيخ الأجل العلامة تاج الدين الكندي، والشيخ الفقيه جمال الدين الحرستاني، قالا: أخبرنا الشيخ الحافظ أبو القاسم بن عساكر سماعاً عليه، أخبرنا أبو العز بن باديس، أخبرنا أبو يعلى بن الفراء، أنبأنا أبو القاسم إسماعيل بن سعيد بن المعدل بن سويد، أنبأنا أبو علي الحسين بن القاسم بن جعفر الكوكبي، أنبأنا دعبل بن ذكوان، أخبرنا الثوري، عن الأصمعي، عن ابن أبي طرفة، قال: جلس حسان بن ثابت ليلةً ومعه ابنته ليلى، فجعل يريد شعراً يقوله، فقال:
متاريك أدبار الأمور إذا اعترت ... تركنا الفروع واجتثثنا أصولها
ثم أجعل يريد الزيادة فلم يقدر، فقالت له ابنته: كأنك قد أجبلت! قال: نعم، قالت: أفأجيز عنك؟ قال: نعم، فقالت:
مقاويل بالمعروف خرس عن الخنا ... كرام يعاطون العشيرة سولها
فحمي حسان، فقال:
стр. 98
وقافية مثل السنان رزينةٍ ... تناولت من جو السماء نزولها
فقالت:
يراها الذي لا ينطق الشعر عنده ... ويعجز عن أمثالها أن يقولها
فقال: والله لا قلت بيت شعر ما دمت حية. قالت: أو أؤمنك؟ قال: فذاك، قالت: فأنت آمن أن أقول بيت شعر ما بقيت!
وروى عقيل بن خالد عن ابن شهاب
أن مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير اجتمعا ذات يوم في حجرة عائشة - رضي الله تعالى عنها - والحجاب بينهما وبينها، يحدثانها ويسألانها، فجرى الحديث بين مروان وابن الزبير ساعةً وعائشة تسمع، فقال مروان:
فمن يشأ الرحمن يخفض بقدره ... وليس لمن لم يرفع الله رافع
فقال ابن الزبير:
ففوض إلى اله الأمور إذا اعترت ... وبالله لا بالأقربين أدافع
فقال مروان:
وداو ضمير القلب بالبر والتقى ... فلا يستوي قلبان: قاسٍ وخاشع
فقال ابن الزبير:
ولا يستوي عبدان، هذا مكذب ... عتل لأرحام العشيرة قاطع
فقال مروان:
وعبد يجافي جنبة عن فراشه ... يبيت يناجي ربه وهو خاشع
فقال ابن الزبير:
وللخير أهل يعرفون بهديهم ... إذا اجتمعت عند الخطوب المجامع
فقال مروان:
وللشر أهل يعرفون بشكلهم ... تشير إليهم بالفجور الأصابع
فسكت ابن الزبير ولم يجب، فقالت عائشة ﵂: يا عبد الله، مالك لم تجب صاحبك! فوالله ما سمعت تجادل رجلين تجادلاً في نحو ما تجادلتما فيه، أعجب إلى من تجادلكما؛ فقال ابن الزبير: إني خفت عوار القول فكففت، فقالت عائشة ﵂: أما إن لمروان إرثاً في الشعر ليس لك من قبل صفوان بن المحرث الكناني - وكانت أم مروان آمنة بنت علقمة بن صفوان.
وروى أبو عبد الله الجماز
قال: كنت أنا وأبو نواس جالسين عند باب عثمان، إذ مر بنا أحمد بن عبد الوهاب الثقفي - وهو غلام حسن - فقال له أبو نواس: قبلني قبلة، فقال: لا، حتى
стр. 99
تقول في شيئاً، فقال:
حبك يا أحمد أضناني ... يا قمراً في زي إنسان
فقبله، فقلت: وأنا فما شأني؟ فقال: حتى تقول في، فقلت:
بذلت للأول ما يشتهي ... فجد أبا العباس للثاني
فقبلني، فقال أبو نواس: وهذا بيت يكون عندك ديناً، وأنشد:
يا وردةً أعجلها قاطف ... مرت بنا في باب عثمان
وذكر الأصبهاني في كتاب الأغاني
قال: دخل أبو نواس على عنان جارية الناطفي وهي تبكي، وقد كان سيدها ضربها، فأومأ إليه الناطفي أن يحركها بشئ، فقال:
عنان لو جدت يا مناي بما ... آمل لم تقطر السماء دما
فقالت مسرعة:
فإن تمادى ولا تماديت في ... منعك أصبح بقفرةٍ رمما
فقال:
علقت من لو أتى على أنفس ال ... باقين والغابرين ما رحما
فقالت:
لو نظرت عينها إلى حجرٍ ... ولد فيه فتورها سقما
قال أبو الفرج
وقرأت في بعض الكتب: دخل بعض الشعراء على عنان، فقال لها مولاها: عانتيه، فقالت:
سقياً لبغداد لا أرى بلداً ... يسكنه الساكنون يشبهها
فقال:
كأنها فضة مموهة ... أخلص تمويهها مموهها
فقالت:
أمن وخفض ولا كبهجتها ... أرغد أرضٍ عيشاً وأرفهها
فانقطع.
وذكر الصولي في كتاب الوزراء
قال: قال علي بن يحيى المنجم: كنت عند أبي الصقر إسماعيل بن بلبل، فقال:
حمد يتيه علينا ... بشكله وبقده
فقلت:
جزاؤه كلما تا ... هـ أن يهان بصده
فقال:
وقد ملا الأرض طراً ... بتيهه وببرده
فقلت:
يا رب فامنن علينا ... قبل الممات بفقده
وذكر محمد بن أيوب الغرناطي في كتاب فرحة الأنفس في أخبار الأندلس
أن الناصر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، جلس في جماعة من خواصه، ومعهم أبو القاسم لب، وكان يعده للمجون والتطايب،
стр. 100
فقال له: اهج عبد الملك بن جهور؛ أحد وزرائه، فقال: أخافه، فقال لعبد الملك، فاهجه أنت، فقال: أخاف على عرضي منه، فقال: أهجوه أنا وأنت؛ ثم صنع:
لب أبو القاسم ذو لحيةٍ ... طويلة في طولها ميل
فقال عبد الملك:
وعرضها ميلان إن كسرت ... والعقل مأفون ومخبول
فقال الناصر للب: اهجه فقد هجاك، فقال بديهاً:
قال أمين الله في عصرنا ... لي لحية أزرى بها الطول
وابن جهيرٍ قال قول الذي ... مأكوله القرضيل والفول
لولا حيائي من إمام الهدى ... نخست بالمنخس شو ...
ثم سكت، فقال الناصر: هات تمام البيت. فامتنع، فقال له: قولو يعني تمام البيت؛ قالها الناصر مسترسلاً غير متحفظ من زيادة الواو وإبدال الهاء واواً؛ إذ صوابه قله على حكم المشي مع الطبع والراحة من التكلف. فقال لب: يا مولانا! أنت هجوته. ففطن الناصر والحاضرون، وضحكوا وأمر له بجائزة.
القرضيل: شوك له ورق عريض تأكله البقر، وشو: اسم ذكر الرجل بالرومية. وقولو: اسم للاست. فكأنه قال: لولا حيائي من إمام الهدى نخست بالمنخس - الذي هو الذكر - استه.
قال علي بن ظافر
أخبرني من أثق به، وهو الشيخ أبو عبد الله محمد بن القرموني بما معناه: اجتمع الوزير أبو بكر بن القبطرنة، والأستاذ أبو العباس بن سارة في يوم جلا ذهب برقه، وأذاب ورق ودقه، والأرض قد ضحكت لتعبيس السماء، واهتزت وربت عند نزول الماء، فترافدا في صفتها، فقال ابن سارة:
هذي البسيطة كاعب أبرادها ... حلل الربيع وحليها النوار
فقال ابن القبطرنة:
وكأن هذا الجو فيها عاشق ... قد شفه التعذيب والإضرار
فقال ابن سارة:
فإذا شكا فالبرق قلب خافق ... وإذا بكى فدموعه الأمطار
فقال ابن القبطرنة:
من أجل ذلة ذا وعزة هذه ... يبكي الغمام وتضحك الأزهار
قال علي بن ظافر
وأخبرني أبو يحيى بن أحمد الستولي بما معناه: أخبرني كل
стр. 101
من الأديب أبي عبد الله المتيطي، وأبي العباس أحمد ابن خمير أنهما اجتمعا بمنار سبتة في بعض العشايا، والشمس قد آذنت بالرواح، ونثرت زعفرانها على مسك البطاح، فقال ابن خمير:
عشيتنا وقد لبست ردائي ... شحوبٍ للتفرق والوداع
فقال المتيطي:
فيا شمس الأصيل أراك تشكو ... كشكوائي، أطبعك من طباعي!
فقال ابن خمير:
فلا تجزع لعل الدهر يوماً ... يجود على التفرق باجتماع
قال علي بن ظافر
وقال لي الستولي ما معناه: وأخبراني أيضاً أنهما مرا على صبي نجار ينجر أخشاب سفينة، كأن البدر يبسم عن محياه، والزهر ينسم عن رياه، وهو يبذل من أخشابه ما كان مصوناً، ويعاقبها بالقطع لسرقتها حركات أعطافه حين كان غصوناً، فتجاريا القول فيه؛ فقال المتيطي:
ورب ظبيٍ غريرٍ ... يروع بالهجر روعي
فقال ابن خمير:
ذلت له الخشب طوعاً ... كذلتي وخضوعي
فقال المتيطي:
فقلت: حبي، ماذا ... تبغي بهذا الصنيع؟
فقال ابن خمير:
فقال أنشي سفيناً ... لرحلتي ونزوعي
فقال المتيطي:
فقلت: دونك فاجعل ... سفينةً من ضلوعي
فقال ابن خمير:
شراعها من فؤادي ... وبحرها من دموعي
قال علي بن ظافر
وأخبرني القاضي أبو المكارم أسعد بن الخطير المقدم ذكره، قال: اجتمعت مع الوجيه أبي الحسن علي بن الذروي رضي الله تعالى عنه، ومعنا رجل سيء الخلق، كثير الضجر والحنق، ذو صدرٍ يضيق عن مثقال الذرة، ويتسع عنه اتساع الأفق لسم الإبرة، فترافدنا في ذمة، فقال ابن الذروى:
لو كان سرمك مثل صدرك ضيقةً ... طال اشتياق حتاره للفيشل
فقلت:
ولكنت أول من يقال بأنه ... بغاء إلا أنه لم يدخل
وأخبرني الأديب عبد المنعم بن صالح الجزيري
قال: اجتمع عندي ابن المنجم والوجيه أبو الحسن بن الذروي، والفقيه الأديب أبو الفضل المنبوز بطيري، وجلسوا للحديث، فدخل علينا أبو الربيع سليمان بن تنين الطحان، وذكر أنه رأى رجلاً مصلوباً بأعلى الجسر، وطعن بعد صلبه، فقال الوجيه ابن الذروي:
стр. 102
يا أصحابنا، اصنعوا في هذا شيئاً، فقال ابن المنجم: إنما يصنع فيه من يتهم بأنه لا يشعر، وليس ها هنا من يتهم إلا الشيخ أبو الفضل والشيخ أبو الربيع، فليصنعا بيتين على حرف الذال على سبيل المرافدة؛ ليثبت لهما ما ادعياه من قول الشعر، فصنع طيري في الحال:
ومفجعٍ تخذ الجذوع مطيةً ... فتقطعت لركوبها أفخاذه
وأطال أبو الربيع التفكر وافتضح في تمادي التأمل، فدس إليه ابن المنجم رقعة صغيرة فيها:
وبدا لسن الرمح فيه نفاذة ... أخنى على أفلاذه فولاذه
وناولها له بحيث فطنت الجماعة وتغافلوا، وخفى الأمر على طيري لسوء بصره، فقال: بيتي خير من هذا البيت؛ وأكثر الصياح والجلبة، فقال له ابن الذروي: دع عنك هذا القول، ألست القائل في بيتك: تخذ الجذوع ... فهذا صلب على جذع أو مائة! وقلت: أفخاذه، فله فخذان أو عشرة! وأوحى إليه بالقصة. فأقصر عن الكلام، ثم التفت ابن الذروي إلى سليمان وقال له: قد ثبت اليوم عملك للشعر. فانصرف، وقد ألزموه بعمل دعوة سروراً بذلك.
وأخبرني الأديب أبو القاسم عبد الرحمن العداس
قال: اجتمع في منزلي أبو الفضل جعفر المنبوز بشلعلع، والمهذب وابن سعدان الدمشقي، فأنشدنا ابن سعدان قصيدتين مفرطتي الطول، وقال: صنعتهما وبيضهما وحملتهما للممدوحين في يومي هذا. وكان الظهر لم يؤذن به بعد، فرددنا عليه قوله، فأخذ يدعي قوة الارتجال وسرعة البديهة، فقال له جعفر: هذا مكان يمكن فيه إقامة البينة من كل مدع، ثم أطرق وقال:
ولقد قطعت اليوم مغصصٍ ... بمهذبين محلق ومقصص
وقال له: اصنع على هذا البيت والزم الصادين. فقال ابن سعدان: هذا ينبغي أن يقوله صاحب المنزل؛ وصدق، لأن جعفراً عنى بقوله: محلق نفسه وعنى بقوله: مقصص ابن سعدان، لأنه كان يفرط في قص لحيته، فقال له جعفر: قل، فلم يصنع شيئاً، فقلت أنا:
وطفقت أغتنم السرور كأنما ... قد فزت من لذاته بتلصص
ثم استدعينا منه القول فما أمكن، وكأنما يبس، أو اعتراه الخرس، فقال المهذب:
فكأنما أسقيتها من خاتمٍ ... ورقٍ بياقوت المدام مفصص
стр. 103
ثم استدعيناه فلم يقل شيئاً، فقلت: أنا أصنع عنك، وقلت - وقد نزلت عن تكرير الصاد -:
أشنى المفند في المدام فدامةً ... وأحب كل مسامحٍ ومرخص
وانقضى المجلس ولم يصنع شيئاً.
قال علي بن ظافر
وكتب إلى القاضي الأعز ابن المؤيد من الإسكندرية - ولفظ الخبر له - قال: تسايرت أنا والقاضي المخلص أبو العباس أحمد بن يحيى بن عوف بشاطئ خليج الإسكندرية من جهة القنطرة المعروفة بقنطرة السواري، وقد رقصت أشجاره على غناء أطياره، وملأ لها ساقي الغمام كئوس جلناره، فبينما نحن نتناشد من نفيس رقيق الأشعار، ونتعاطى من كئوس رحيق الأخبار، ونتعجب من سماء ذلك الماء كيف خلت من البدور، ومن نجوم تلك الأزهار مع طلوع شمس النهار كيف لا تغور؛ إذا بجوارٍ هناك جوار، وبدور من قبل السواري سوار، فقلت:
لله أي بدورٍ ... من السواري سوار!
فقال المخلص:
من كل هيفاء خرسا ال ... وشاح خرسا السوار
فقلت:
لاحت فجلت وحلت ... قلبي وعقد اصطباري
فقال:
تنوب فرعاً ووجهاً ... عن الدجى والنهار
فقلت:
فناظرها وقلبي ... ما بين راضٍ وضار
فقال:
وخدها وفؤادي ... من جلنارٍ ونار
فقلت:
تحكى الغزالة في به ... جةٍ وحسن منار
فقال:
والظبي في حسن جيدٍ ... ومقلةٍ ونفار
قال علي بن ظافر
وأخبرني شهاب الدين يعقوب ابن أخت الوزير نجم الدين المقدم ذكره بما معناه: جلسنا على بركة في منظرة السيد الصاحب بالجزيرة، وقد ألقى عليها ورداً أحمر ملأ بكثرة نجومه فسحة سمائها، ونقبت حمرة خدوده صفحة مائها، وأهدى رمدة إلى مقلتها الزرقاء فصح سرورنا بدائها؛ فقال رضى الدين إسحاق بن عب الباري:
وبركةٍ صادقة الصفاء
فقلت:
بريئةٍ من دنس الأقذاء
فقال:
نقب فيها الورد وجه الماء
فقلت: فأبصرت من مقلةٍ رمداء
وأخبرني أيضاً
هو والشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي الحلبي أنهما كانا مجتمعين، فمر عليهما صبي من أبناء السواديين يسوق
стр. 104
بقراً - وكان وضئ الوجه، حسن القد - فتعاطينا القول في صفته، فقال الشهاب:
بنفسي غزالاً يسوق البقر ... ويقتل عمداً نفوس البشر
فقال الشريف:
بدا فبدا الغصن فوق الكثيب ... وبدر الدجى في ظلام الشعر
فقال الشهاب:
تقل الغزالة عن وجهه ... ويصغر تشبيهه بالقمر
فقال الشريف
شكوت إليه غرامي به ... فأعرض عني دلالاً ومر
فقال الشهاب:
حلا لي لما انثنى قده ... ولكنه لحياتي أمر
قال علي بن ظافر
كنت في بعض العشايا بالقرافة، أنا والأعز بن المؤيد المقدم ذكره ﵀ في منزل قد انعطفت قدود أشجاره، وابتسمت ثغور أزهاره، وذاب كافور مائه على عنبر طينه، ومدت بكاسات الجلنار بنان غصونه، والنسيم قد خفت فاعتل، وسقط رداؤه في الماء فابتل، ووهت قواه فضعف عن السير، واشتد مرضه حتى ناحت عليه نوائح طير، فاقترح علينا أصحاب لنا كانوا معنا أن نصنع في صفة تلك العشية على هذه القافية، فقال الأعز:
جاء النسيم إلى الغصون رسولا ... ومشى يجر على الرياض ذيولا
فقلت:
نشوان يعثر في الخمائل عابثاً ... بالزهر مبلول الرداء عليلا
فقال:
فتمايلت قاماتها فكأنما ... شربت بكاسات الشمائل شمولا
فقلت:
فكأنه قد هز رايات له ... خضراً وسل من المياه نصولا
فقال:
قد أطلعت من زهرها غرراً ومن ... جاري المياه يسوقها تحجيلا
فقلت:
تحكى العرائس في القلائد للثرى ... لبست خلاخل فضةٍ وحجولا
فقال:
ضحكت مباسم زهرها ولطالما ... بكيت بدمع الهاطلات طويلا
فقلت:
وبدا عليها الجلنار كأنه ... وجنات خودٍ سمتها التقبيلا
فقال:
سلت عليهن البروق صوارماً ... فكسونها منه دماً مطلولا
فقلت:
وتناظرت أطيارها فيه وقد ... أكثرن قالاً في الهديل وقيلا
قال علي بن ظافر
ومررت أنا وهو ﵀ يوماً بدولاب يئن أنين ثكالى فقدت أطفالها، والنواعج أضلت آفالها، ويبكي بكاء صب آلمه هواه، وصارمه من يهواه، وفرق البين بينه وبين محبوبه فراقاً لا يرجى انقطاعه، ولا يمكن استرداد ما سلبه منه ولا استرجاعه، فقلبه قد ملأته أوجاعه، وجفنه
стр. 105
قد ضاق مجراه عن دمعه فتفتحت به أضلاعه، فقلت:
وساقيةٍ تئن أنين ثكلى ... شكت بأنينها حر الأوار
فقال:
تحن ولا تزال تطوف عجلى ... كرازمةٍ تحن إلى حوار
فقلت:
غدت تحكي محباً ذا انتحابٍ ... يطوف باكياً في رسم دار
فقال:
حكت فلكاً لجلب اللهو دارت ... عليه من قوادسه دراري
وبصرنا بساقية تتلوى تلوي الأفعوان
وتخفق خفقات قلب الجبان، والزهر قد نظم بلبتها عقودا فوق أثوابها الممسكة، والنسيم يكسوها ويلبسها غلائل مفركة، فقلت:
أساقية أم أرقم فر هارباً
فقال:
أم الريح قد هزت من الماء قاضبا
فقلت:
حصىً مثل در الثغر أجرى زلاله ... رضاباً وأبدى نبته النضر شاربا
فقال:
يوشحها زهر الرياض قلائداً ... ويلبسها مر الرياح جلاببا
واجتمعت أنا وشهاب الدين يوماً
فتعاطينا القول في صبيٍ ينعت بالشمس، قد مضى ذكره، فقال:
وشمسٍ متى أشرقت يكسها الحيا ... شقيقاً ويلبسني الهوى حلة الورس
فقلت:
يلوح فأبكى حين أنظر وجهه ... وبالقسر يبكي من يحدق للشمس
قال علي بن ظافر
واجتمعنا بالقرافة في ليلة وقد عم السرور الأرض بسحابه، وغمرها بفائض انسكابه، فأنبتت نواحيها زاهي جلنار، من شعل النار، في غصونٍ مائساتٍ، كحبال القرقيسات، وكشف بها النور سجف الظلماء، ونقل طرف الليل إلى الشية الشقراء، عن الشية الدهماء، وزهت الأرض بشهب النيران على جو السماء، فترافدنا القول، فقلت:
أنعت ليلا مدلهما أقتما
فقال:
أشعل بالنار وكان أدهما
فقلت:
أضحى من الحسن منيراً مظلما
فقال:
كاثرت النيران فيه الأنجما
فقلت:
فلم نكد نعرف أرضاً من سما
قال علي بن ظافر
واجتمعنا يوماً على أن نتغزل في غلام رأيناه كأن الشمس من أزراره أشرقت، وكأن النار من وجناته أنارت وما أحرقت، ذي تخيلانٍ قد انبثت دهم خيلها في محياه، وتفرقت لاقتناص فرسان القلوب التي كسرها هواه، وقد حفت وجناته بالشقيق، ولففت فصوص السبج بالعقيق، فقال:
стр. 106
بي رشأ أصداغه كالأوراق
بل غصن من وشيه في أوراق
بل قمر من شعره في أغساق
فقلت:
أجفانه مثل جسوم العشاق
وقرطه مثل القلوب خفاق
يرمقنا شرراً فينفى الأرماق
فقال:
في خده ماء الجمال رقراق
عجبت منه شيم ذو إحراق
يريك خيلاناً حيال الأحداق
قال علي بن ظافر
واجتمعنا بالجامع، فرأينا غلاماً مائس العطف، ذابل الطرف، قد عانق أفعوان شعره غصن قده، وطابق بين مبيض وجهه ومسوده، فقلت فيه:
يارب ظبى عطر الأنفاس
يسكن قلبي بدل الكناس
وجنته تزهر كالنبراس
وشعره في قده المياس
مثل لواء لبني العباس
فقال: لو شبهته بعلم الخطيب، لا سيما إذا ذكرت حلوله بالجامع، ثم صنع فقال:
يا رب غصنٍ أهيفٍ رطيب
أنبته الحسن على كثيب
قام مقام الخاشع المنيب
يفتك في الجامع بالقلوب
وقده في شعره الغربيب
يميس مثل علم الخطيب
ثم قال: زد عليه فقلنا:
وشادنٍ ساجي اللحاظ أحور
فقال:
أبيض يحكيه قوام الأسمر
فقلت:
وقده تحت أثيث الشعر
فقال:
من فوق ردفٍ كالكثيب الأعفر
فقلت:
كعلم الخطيب فوق المنبر
قال علي بن ظافر
ولما أعرس ابن الأمير إياس المصري الأسدي بابنة الأمير سيف الدين أيار كوخ مقدم الأسدية، احتفل الأمراء والأجناد، وبلغوا في الحشد غاية الاجتهاد، وأبرزوا من ضروب آلات الحرب ما يفوق الوصف، ويروق الطرف، وظهرت من مرد المماليك بدور سماء الغبار، وغصون من زغفهم في غدران ومن سيوفهم بين أنهار، يسبون النواظر، بالقدود النواضر، ويستملكون الخواطر، بالثغور العواطر، فكانت أوقات ذلك الزفاف مشهورة مشهودة، وأيامه في أيام الأعياد المعدومة النظير معدودة، فخرجت أنا والشهاب لننظر ذلك الاحتشاد، ونتأمل تلك الظباء الظاهرة بزي الآساد، فقال:
نقبوا بالغبار وجه ذكاء ... ثم نابوا عن حسنها بالبهاء
فقلت:
وأرونا من سحر أعينهم منهم شموساً للنقع في ظلماء
فقال:
طاولوا بالنقا السماء اقتداراً ... وتبدوا من زغفهم في سماء
فقلت:
كل بدرٍ يسير تحت ثريا ... مغفرٍ خلف كوكب السمراء
стр. 107
فقال:
مل سكنى البروج فاعتاض عنها ... بسروجٍ على متونٍ ظباء
فقلت:
ما تثنى في الدرع إلا أرانا ... غصناً مائساً بجدول ماء
قال علي بن ظافر
واتفق أن مضى السلطان الملك الأشرف أبقاه الله - في أوائل خدمتي له وأواخر سنة ثمان وستمائة إلى مدينة نصيبين، وضرب خيمته على تل بين بساتينها يعرف بتل أبي نواس، وهو تل مشرف في غاية العلو، مستدير الشكل أحسن استدارة، قد استقبل جرية نهر الهرماس، حتى إذا وصل النهر إليه، تفرق حواليه، وتلوى تلوى الحيات من جانبيه، والبساتين محيطة به قد ملأت أكثر مرمى البصر، وهو في نفسه قد تأزر بالأعشاب، واكتسى بغرائب الأزهار، التي أدناها شقائق النعمان، وباسم الأقحوان. وكنت أنا مقيماً بالبلد لتدبير أحوالها، وتزجية وجوه أموالها، وأنا أتكرر إليه. وإنما نقطع المسافة إلى الخيام في جنات ذات أنهار، وظلال تمنع الحرور وتأذن للنسيم والأنوار، فعن لي أن قلت في بعض خرجاتنا ونحن سائرون على ظهور دوابنا:
اجلس بتل أبي نواس ... ما بين باطيةٍ وكاس
وابتع سروراً باعه ... منك الزمان بلا مكاس
في ظل غيثٍ ذي ارتجا ... زٍ بالرواعد وارتجاس
واستدعيت من شهاب الدين المذكور المساعدة وهو يسايرني، فقال:
تل تطلع مشرفاً ... بين المزارع والغراس
بالنهر منتطق على ... زهرٍ كموشى اللباس
من قاس ربوة جلقٍ ... بذاره أخطأ في القياس
فقلت:
أضربته بعصاك يا ... موسى فأصبح ذا نبجاس
فالماء يفرى المحل سي ... ف منه مكفوف الدياس
والقضب أمثال القنا ... والورد أمثال التراس
فقال:
والثم خدود الورد في ... هـ فتحتها أصداغ آس
وابن اصطباحك إن أرد ... ت من الغبوق على أساس
فقلت:
واسمع غناءً كالغنى ... قد جاء من بعد الإياس
شدواً إذا أدوى القلو ... ب أسىً فمنه لهن آس
стр. 108
فقال:
لاتقتنع بالكاس واب ... غ الري من جام وكاس
واكرع فما حق المدا ... مة أن تراك وأنت حاسي
فقلت:
خذها لها إن ساورت ... عقل الفتى أي افتراس
واترك على الأعراب ما اخ ... تاروه من لبن العساس
فقال:
من كف ظبي لين ال ... أعطاف صلد القلب قاسي
ظبي ولكن القلوب ... ب تكنه بدل الكناس
فقلت:
يحنى بلا سكرٍ ويك ... سر جفنه لا من نعاس
يهوى ويذكر وهو سا ... ل للذي يهواه ناسي
ثم شغلنا بالوصول، واستدعاني السلطان فدخلت إليه، فعمل الشهاب تمامها وأنا عنده، وكتبها على هذه الصورة وأنفذها إلى:
سهل الخلائق رطبها ... صعب الشكيمة والمراس
لا يستجيب ولا يطي ... ع ولا يجود ولا يواسي
ما بين ندمانٍ ظرا ... فٍ حين تخبر كياس
واشرب برأس التل لا ... تحفل بغمدانٍ براس
واهنأ بدولة سيف ذي ... يزنٍ ودولة ذي نواس
فلقد فضلتهما بمج ... دٍ شامخٍ وندى وباس
ورواق ملكٍ ثابت ال ... أركان سامي الفخر راس
فالعمر ما تم السرو ... ر به كقول أبي فراس
لا زال يخدمك الزما ... ن ومن حواه من أناس
واتفق يوماً
وقد اجتمعنا بثغر الإسكندرية أيام حلول السلطان الملك العزيز به إلى جزيرة الثغر لزيارة قبر أخينا الأعز بن المؤيد ﵀ وقد كان توفي أغبط ما كان بالحياة، وأيأس ما كان من الوفاة، وغصن شبابه رطيب، والزمان بالثناء على فضله الخطير خطيب، فلما حللنا بفناء قبره، وأرسلنا سيل المدامع لذكره، قال الشهاب:
أيا قبر الأعز سقيت غيثاً ... كجود يديه أو دمعي عليه
وقلت:
وحلت جانبيك مروج زهرٍ ... تحاكي طيب أوقاتي لديه
فقال الشهاب:
لفقد إخائه الصافي وداداً ... وددت الموت من شوق إليه
ومن التمليط الواقع بين ثلاثة من الشعراء مما كان بقسيم لقسيم:
روى المدائني
قال: خطب أويس القرني ﵁ أم الشماخ ومزرد وجزء، بني ضرار، وحضر إليهم، فقال الشماخ:
نبئتها ناكحةً أويسا
فقال مزرد: يهدي إليها أعنزاً وتيسا فقال جزء: حمقا ترى ذاك بها أم كيسا فقال أويس: لعن الله من يكون رابعكم.
وما أحسب أويساً ﵁ خطب امرأة قط، ولعله غيره، أو في الرواية وهم.
ومن ذلك ما رواه أبو الفرج الأصفهاني عن رجاله
وتتصل روايته بالحرمازي؛ قال: نزل شبيب بن البرصاء المري وأرطأة بن زفر وعويف القوافي برجلٍ من أشجع، كثير المال يسمى علقمة، فأتاهم بشربة
стр. 109
لبن ممذوقة، ولم يذبح لهم؛ فلما رأوا ذلك منه قاموا إلى مطيهم ورواحلهم فركبوها، ثم قالوا تعالوا حتى نهجو هذا الكلب، فقال شبيب:
أفي حدثان الدهر أم في قديمه ... تعلمت ألا تقري الضيف علقما
فقال أرطاة:
لبثنا طويلاً ثم جاء بمذقةٍ ... كماء السلا في جانب القعب أثلما
فقال عويف:
فلما رأينا أنه شر منزلٍ ... رمينا بهن الليل حتى تصرما
وروي أيضاً أن عقيل بن علفة المري
خرج هو وابناه جثامة وعلفة وابنته الجرباء حتى أتو بنتاً له ناكحاً في بني مروان بالشام آمت. ثم إنهم قفلوا بها حتى كانوا ببعض الطريق قال عقيل:
قضت وطراً من دير سعدٍ وربما ... على عرضٍ ناطحنه بالجماجم
إذا هبطت أرضاً يموت غرابها ... بها عطشاً أعطينهم بالخزائم
ثم قال: أجز يا علفة، فقال:
إذا علم غادرنه بتنوفةٍ ... تذارعن بالأيدي لآخر طاسم
ثم قال: أجز يا جثامة، فقال:
وأصبحن بالموماة يحملن فتيةً ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم
ثم قال: أجيزي يا جرباء، فقالت: وأنا آمنة؟ قال: نعم، فقالت:
كأن الكرى سقاهم صرخديةً ... عقاراً تمشت في المطا والقوائم
فقال عقيل: شربتها ورب الكعبة! لولا الأمان لضربت بالسيف ما تحت قرطيك، أما وجدت من الكلام غير هذا! فقال جثامة: وهل أساءت؟ إنما أجازت، وليس غيري وغيرك! فرماه عقيل بسهم، فأصاب ساقه والرحل، ثم شد عليها، وقال: لولا يعيرني بنو مرة بعد اليوم ما ذقت الحياة. ثم خرج متوجهاً إلى أهله. ثم نحر عند جثامة جزوراً وتركه وقصد قومه، وقال: لئن أخبرت أهلك بشأن جثامة، أو قلت لهم إنه أصابه غير الطاعون أتيت عليك. فلما قدموا على أهل أبير وهم بنو القين ندم عقيل على ما فعله بجثامة، فقال لهم: هل لكم في جزورٍ انكسرت؟ قالوا نعم، قال: الزموا إثر هذه الرواحل حتى تجدوا الجزور. فخرج القوم حتى انتهوا إلى جثامة، فوجدوه وقد أنزفه الدم، فحملوه واقتسموا الجزور، وأنزلوه عليهم، وعالجوه حتى برأ، وألحقوه بقومه، فلما احتملوه وقرب الحي تغنى جثامة بقوله:
стр. 110
أيعذر لاهينا ويلحين في الصبا ... وما هن والفتيان الاشقائق
فقال له القوم: إنما أفلت من الجراحة التي جرحك أبوك آنفاً، وقد عاودت ما يكرهه، فأمسك عن هذا ونحوه إذا لقيته، لا يلحقك منه شر وعر.
فقال: إنها خطرة خطرت، والراكب إذا سار يترنم.
وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب الأشربة هذه الحكاية على غير هذه الصفة، وذكر لعقيل البيت الأول من بيتيه، وجعل بدل علفة أخاه عملس، وأنشد له البيت الأول أيضاً من بيتيه، ثم ذكر أنه أنحى على ابنته الجرباء يضربها بالسوط، فلما رأى ذلك بنوه وثبوا عليه، فشلوا فخذه بسهم، فقال:
إن بني زملوني بالدم ... من يلق آساد الرجال يكلم
شنشنة أعرفها من أخزم
وذكر أبو الفرج هذا الرجز في حكاية أخرى تتصل بزيد ابن عياش التغلبي والربيع بن نمير
قال: غدا عقيل بن علفة على أفراس له عند بيوته، فأطلقها، ثم رجع فوجد بنيه وأمهم مجتمعين، فشد بسيف، فحاد عنه، وتغنى بقوله:
قفي يا بنة المري نسألك ما الذي ... تريدين فيما كنت منيتنا قبل
نخبرك إن لم تنجزي الوعد أننا ... ذواخله لم يبق بينهما وصل
فإن شئت كان الصرم ما هبت الصبا ... وإن شئت لا يفنى التكارم والبذل
فقال عقيل: يا بن اللخناء، متى منتك نفسك هذا! وشد عليه بالسيف - وكان عملس أخاه لأمه، فحال بينه وبينه - فشد على عملس بالسيف، فرماه علفة بسهم، فأصاب ركبته، فسقط عقيل، وجعل يتمعك في دمه، ويزمجر بالرجز المقدم. وبعده:
من يلق أبطال الرجال يكلم ... ومن يكن ذا أودٍ يقوم
قال المدائني: وأخزم فحل لرجل كان منجباً، فضرب في إبل رجل آخر، ولا يعلم صاحبه، فرأى بعد ذلك من نسله جملاً، فقال: شنشنة أعرفها من أخزم، فأرسلت مثلاً.
قال علي بن ظافر: ذكر الحريري في تفسير بعض مقاماته، أن أخزم جد حاتم الطائي، وأن جده الأدنى سعدا ضربه له مثلا، لما رأى منه تخلقه بأخلاقه وآثاره، والشنشنة: الشبه.
والصحيح ما ذكره أبو الفرج، وهذه الفعلة من علفة كانت سبب تفريق عقيل أولاده وطردهم عنه، وكانوا يقصدون أذاه بإنشاد الغزل بحضرة أخواتهم، لأنه كان مفرط الغيرة مبالغاً في الظنة، شديد الرقاعة،
следующие страницы →