← Тафсир

Тафсир · id 21561

تفسير جزء عم للشيخ مساعد الطيار

مساعد الطيار

Полный текст (266 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

١١ - قولُه تعالى: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾؛ أي: كيف نرجِعُ إلى حالِنا الأوَّل، وقد تحلَّلت أجسامُنا وصِرنا عظاماً باليةً فارغة (١).

стр. 37

١٢ - قولُه تعالى: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾؛ أي: إنَّ الرجعةَ إلى الحياةِ بعد المماتِ رجعةٌ لا خيرَ فيها، بل فيها غَبْنٌ لهم (١). ١٣ - قولُه تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾؛ أي: إنَّ الأمرَ لا يحتاجُ إلى كبيرِ عناءٍ، بل هي صيحةٌ واحدةٌ لا ثانيةَ لها ينفُخُها إسرافيلُ في الصُّور، فيقومونَ من قبورهم أحياء (٢). ١٤ - قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾؛ أي: بعد أن يسمَعوا الصَّيَحةَ فإنهم سُرعانَ ما سيكونونَ على الأرض (٣).

стр. 38

١٥ - ١٦ - قولُه تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى *إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوى﴾: استفهامٌ للتشويق لخبرِ موسى بن عمران، والمعنى: هل جاءك خبرُ موسى حين كلَّمه الله نداءً في وادي طُوى المطهَّر (١). ١٧ - قولُه تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾؛ أي: ناداه أنِ اذْهَبْ إلى فرعونِ مصر، إنه قد تجاوزَ الحدَّ في العُدوان والتكبُّر (٢). ١٨ - قولُه تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾؛ أي: اعرض عليه أن

стр. 39

يتطهَّر من الكُفر والتجبُّر، فيُسْلِم لله (١). ١٩ - قولُه تعالى: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾؛ أي: أدلُّكَ وأرشدُكَ إلى الطريق الموصلِ لمن ملَكَكَ بربوبيته، وهو الاستسلام لله، فيخضعُ قلبك ويلينُ ويُطيع، بعد أن كان قاسياً بعيداً عن الخير (٢).

стр. 40

٢٠ - قولُه تعالى: ﴿فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى﴾؛ أي: فأظهرَ موسى ﵇ لفرعونَ العصا واليدَ علامةً واضحةً على نبوَّتِه وصدقِه فيما جاء به (١). ٢١ - قولُه تعالى: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾؛ أي: كانت نتيجة هذه المقابلة وعرض الآية أن لم يصدِّقها فرعون، وخالفَ ما أمرَهُ به موسى ﵇ من الطاعة. ٢٢ - قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾؛ أي: ثم أعرضَ عن الإيمانِ بما جاء به موسى ﵇ ومضى في عملِ الفساد. ٢٣ - ٢٤ - قولُه تعالى: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى *فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾؛ أي: من سعيِه بالفساد أنه جمعَ قومَه وأتباعَهُ، ونادى فيهم قائلاً: أنا ربُّكُمُ الأعلى، وفي هذه ردٌّ لما جاء به موسى ﵇ من دعوته لربِّه، فزعَمَ أنه ربٌّ لقومه. ٢٥ - قولُه تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾؛ أي: فنالَهُ اللَّهُ بعقوبةِ الدنيا بالغرق، والآخرةِ بالنار، على ما فعلَه في أوَّل أمرِه وآخِرِه (٢).

стр. 41

٢٦ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾؛ أي: إنَّ في ما حَدَثَ لفرعونَ موعظةً لمن يتَّعِظ ويخافُ عقابَ الله (١). ٢٧ - قولُه تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ يقول تعالى للمكذِّبين بالبعثِ القائلينَ: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾: أأنتم أيها الناسُ أصعبُ في الإيجاد، أم إيجادُ السماء وابتداعها أصعب؟ ولا شك أنَّ خلقَ السماء أصعب، وفي هذا دلالةٌ على وقوعِ البعثِ الذي أنكروه. ثم بيَّن كيفيةَ خلقِهِ للسماء بجُمَلٍ متعاقِبة، فقال: ﴿بَنَاهَا﴾؛ أي: شيَّدَها. ٢٨ - قولُه تعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ بيَّن كيف بِناؤها بقوله: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾؛ أي جعل ارتفاعَها ارتفاعاً عالياً في البناء، معتدلَةَ الأرجاء، لا فُطور فيها، ولا تفاوت. ٢٩ - قولُه تعالى: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾؛ أي: جعلَ ليلَ السماءِ

стр. 42

مظلماً، وأظهرَ ضُحاها بنور الشمس (١). ٣٠ - قولُه تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾؛ أي: بسَطَ الأرضَ (٢) بعد خلقِ السماء وإغطاشِ ليلِها وإخراجِ ضُحاها (٣). ٣١ - قولُه تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾؛ أي: أظهرَ من الأرضِ ماءها وكلأها من النبات (٤).

стр. 43

٣٢ - قولُه تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾؛ أي: ثبَّتَ الجبالَ في الأرض، فهي مثبِّتةٌ للأرض، والأرض مثبتة لها (١). ٣٣ - قولُه تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾؛ أي: ما ذكرَهُ من خلقِ السماء ودَحْوِ الأرض وإرساءِ الجبالِ منفعةٌ لكم، تنتفعونَ به أنتم وأنعامُكم مُدةً من الزمان، ثم ينتهي هذا الانتفاع. ٣٤ - قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾؛ أي: إذا جاءت الساعة (٢) التي تَطُمُّ ـ أي: تغمُر ـ كل هائلةٍ من الأمور فتغمُرُها بعظيم هَوْلِها، حتى لا يوجد أكبر منها، عرفوا سوءَ عاقبتهم وتكذيبهم بالبعث (٣). ٣٥ - قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾؛ أي: إذا جاءت

стр. 44

الطامَّة، كان من الإنسان المؤمنِ والكافرِ تذكُّر ما عمله في حياته من خيرٍ وشر (١). ٣٦ - قولُه تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾؛ أي: جيء بجهنم فأُظهرت، ليراها من يُبصر في هذا اليوم، كما ورد في حديث ابن مسعود: يُؤتى بجهنم يومئذ، لها سبعونَ ألفَ زِمام، مع كل زِمامٍ سبعونَ ألفَ مَلَكٍ يجرُّونها (٢). ٣٧ - قولُه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾: تفصيلٌ في حال الفريقين من أهل السعي من الناس، فبدأ بالذي تجاوزَ الحدَّ في أعماله، وهو المكذِّبُ بالبعثِ؛ لأن السورة في النعي عليه، وإثباتِ ما أنكره. ٣٨ - قولُه تعالى: ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: قدَّمَ الحياةَ الدنيا بما فيها من الملذَّات الزائلةِ على نعيمِ الآخرة. ٣٩ - قولُه تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى﴾؛ أي: مآلُ هذا المكذِّبِ بالبعثِ ومسكنُه النارُ التي قد تجحَّمَت من شدَّة الإيقاد. ٤٠ - قولُه تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾، هذا الفريق الثاني، وهو من امتلأ قلبه بالخوف من قيامه أمامَ ربِّه، وكَفَّ نفسَه عن ما ترغَبه من المعاصي (٣). ٤١ - قولُه تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى﴾ هذا جوابُ أمَّا، والمعنى: أن الجنة هي مرجِعُ ومستقَر من خاف مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى.

стр. 45

٤٢ - قولُه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾؛ أي: يسألُك المكذِّبونَ بالبعث متى تقع الساعة؟. ٤٣ - قولُه تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾؛ في أي شيء أنت من ذِكْرِ الساعة والبحثِ عن وقت وقوعها؟؛ أي ليس هذا من شأنِك، بل شأنُكَ الإعداد لها، كما قال ﷺ للسائل عنها: ماذا أعددتَ لها. ٤٤ - قولُه تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾؛ أي: إلى ربِّك مرجع علمِ وقوعِها، وعلم ما فيها. ٤٥ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾: هذا بيانٌ لمَهَمَّة الرسولِ ﷺ ، وهي تخويفُ الناس وتحذيرُهم من الساعة وأهوالها، وخصَّ الخائفينَ منها بالذِّكر لأنهم المنتفعونَ بها. ٤٦ - قولُه تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾؛ أي: كأنَّ هؤلاء المكذبينَ بالبعث يوم يُعايِنون الساعةَ بأبصارهم، لم يمكثوا في هذه الدنيا إلا زمناً يسيراً، لا يتجاوز قَدْرُه آخرَ النهارِ، أو أوَّله، والله أعلم.

стр. 46

سورة عبس آياتها:٤٢

стр. 47

سورة عبس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)

стр. 48

سورةُ عَبَسَ نَزَلَتْ سورةُ عَبَسَ بِشأنِ عبد الله بن أمِّ مكتوم، قالت عائشة: أتى إلى رسولِ الله ﷺ ، فجعلَ يقول: أَرْشِدْني، وعندَه من عُظماء المشركين. قالت: فجعلَ النبيُّ ﷺ يُعْرِضُ عنه، ويُقْبِلُ على الآخر، ويقول: أترى بما أقولُه بأساً؟ فيقول: لا، ففي هذا أُنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾. ١ - ٢ - قولُه تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى *أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾؛ أي: قَطَّبَ وجهَه وكَلَحَ؛ لأجل أن جاءه الأعمى يسترشِدُ عن الدِّين، وأعرضَ وانشغلَ عنه بالغني الكافر رجاءَ أن يُسلم (١). ٣ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾؛ أي: وما يُعْلِمُكَ، لعلَّ هذا الأعمى الذي عَبسْتَ في وجهه يتطهَّر من ذنوبه بموعظتِك، فيُسْلِم؟ (٢). ٤ - قولُه تعالى: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾؛ أي: فإن لم يقع منه تزكٍّ، حصلَ الاتِّعاظ بالموعظة، فتنفعَه ولو بعد حين؟ (٣).

стр. 49

٥ - ٦ - قولُه تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى *فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾؛ أمَّا من عدَّ نفسَه غنيًّا عنكَ، وعن الإيمانِ بكَ (١)، فأنت تتعرَّضُ له. ٧ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى﴾؛ أيْ: أيُّ شيءٍ سيلحقُكَ إذا لم يُسلم هذا الكافر؟ (٢). ٨ - ١٠ - قولُه تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى *وَهُوَ يَخْشَى *فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾؛ أي: أمَّا هذا الأعمى الذي أتى يحثُّ الخُطى إليك بنفسه، وقد وَقَرَ في قلبه الخوف من الله، فأنت تنشغل عنه بهذا الكافرِ المظنونِ إسلامُه. ١١ - قولُه تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾؛ أي: ما الأمرُ كما فعلتَ يا محمد ـ (ص) ـ من أن تعبسَ في وجه من جاءك يسعى. إنَّ هذه الآيات موعظةٌ وتذكرةٌ لمن أرادَ أن يتذكَّر. ١٢ - قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾؛ أي: فمن أرادَ من عبادِ الله ـ صادقاً في إرادته ـ أن يتَّعِظَ بالقرآن وآياتِه حصلَ له الاتِّعاظ (٣).

стр. 50

١٣ - قولُه تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾؛ أي: هذا القرآن مكتوبٌ في صُحُفِ الملائكة، وهي صُحُفٌ شريفةٌ رفيعةُ القدرِ (١). ١٤ - قولُه تعالى: ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾؛ أي: هي في مكانٍ عالٍ وقَدْرٍ رفيعٍ؛ لأنها بأيدي الملائكة، ولذا فإنَّ الدَّنَسَ لا يقربها. ١٥ - قولُه تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾؛ أي: هذه الصحف التي كُتب بها القرآن بأيدي رُسل الله من الملائكة الذين يؤدُّون عنه وحيَه إلى عباده (٢). ١٦ - قولُه تعالى: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾؛ أي: هؤلاء السَّفَرَةُ من الملائكة في مَرْتَبَةٍ شريفةٍ عند الله، حيث خصَّهم بِوَحْيِه (٣)، وهم كثيرو الخير، كثيرو

стр. 51

الطاعة: ﴿لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (١) [التحريم: ٦]. ١٧ - قولُه تعالى: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾: هذا دعاءٌ على الإنسانِ الكافر (٢) بالقتل (٣)، لشدَّةِ كُفره بالله (٤)، ومن لازم ذلك لعنُه وطردُه من رحمة الله. ١٨ - قولُه تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾: استفهامٌ على سبيلِ التقريرِ، والمعنى: ما أصلُ خلقِ هذا الإنسان حتى يستغني عن الإيمان بربِّه ويكفُر؟. ١٩ - قولُه تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾: بيَّن اللَّهُ في هذا أصلَ الإنسانِ، وأنَّ منشأَهُ من ماء قليلٍ هو أصلُ هذا التناسلِ البشري، وأنه قدَّره بعد ذلك أطواراً في الخلق، حتى صار جنيناً في بطن أمِّه. ٢٠ - قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾؛ أي: ثُمَّ بعدَ هذه الأطوارِ التي عاشَها في بطنِ أمه، سهَّلَ اللَّهُ له الخروجَ من هذا البطن (٥).

стр. 52

٢١ - قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾؛ أي: حكمَ اللَّهُ عليه بالموتِ بعد أن عاشَ في هذه الحياة، وأمرَ بدفنه في باطن الأرض (١). ٢٢ - قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾؛ أي: بعد أن يموتَ هذا الإنسان، فإن الله سيبعثُه إذا أرادَ ذلك، وهو كائنٌ يوم يُنفخُ في الصُّور (٢).

стр. 53

٢٣ - قولُه تعالى: ﴿كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾؛ أي: ليس الأمرُ على ما يظنُّه من اشتدَّ كُفرهُ من أنه أدَّى حقَّ الله، بل إنه لم يؤدِّ أوامرَ الله التي أنزلها على رسوله ﷺ (١). ٢٤ - قولُه تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾؛ أي: فَلْيَعْتَبر هذا الكافر (٢) مُستعيناً بما وهبَه الله من النظر بعَيْنَيْهِ إلى الأحوال التي يمرُّ بها طعامه، حتى يصل إليه، فإنه لو اعتبرَ لتَرَكَ كُفره (٣). ٢٥ - قولُه تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾: هذا البدءُ بذكر أحوالِ الطعام، والمعنى: فلينظُر إلى إلقائِنا المطرَ من السماء إلى الأرض بغزارة وقوة (٤). ٢٦ - قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا﴾؛ أي: لما أنزلنا هذا المطر على الأرضِ واستقرَّ بها مدَّةً، أنبتَ النباتَ، ففتقَ هذا النباتُ الأرضَ وخرجَ منها. ٢٧ - ٢٩ - قولُه تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا *وَعِنَبًا وَقَضْبًا *وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً﴾؛ أي: فأنبتنا في هذه الأرض المتشقِّقة: الحبوبَ، وكُرومَ العِنَبِ، والعَلَف (٥)، والزيتون، والنخيل، وكلها كانت معروفة لهم يستفيدونَ من شجرها وثمرها.

стр. 54

٣٠ - قولُه تعالى: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾؛ أي: وبساتينَ قد أحيطَ عليها بسُور من شجر أو حَجَر أو غيره، وهذه البساتينُ شجرُها عظيمُ الجذعِ، ملتفٌّ بعضُها على بعضٍ لطولها (١). ٣١ - قولُه تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾؛ أي: وأنبتنا بهذا الماء المنصبِّ:

стр. 55

فاكهةً من ثمار هذه الأشجار يتفكَّهُ الناس بأكلِها، وعشباً تأكله أنعامُهم في المرعى (١). ٣٢ - قولُه تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾؛ أي: جعلنا هذا الطعامَ منفعةً لكم، تنتفعونَ به أنتم وأنعامكم مدةً من الزمان، ثم ينتهي هذا الانتفاع.

стр. 56

٣٣ - قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّآخَّةُ﴾؛ أي: تنتفعونَ بهذا المتاعِ الذي سُرعان ما ينتهي، وذلك بمجيء تلك الصَّيحة العظيمة التي تَصُكُّ الآذان بشدَّة صوتها (١). ٣٤ - ٣٦ - قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ *وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ *وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾؛ أي: إذا جاءت تلك الصيحة وقعَ هروبُ الإنسان من هؤلاء القرابة، وهم الإخوة والأبوان والزوجة والأبناء. ٣٧ - قولُه تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ﴾؛ أي: يهربُ هؤلاء من بعضهم لأنَّ لكلٍّ منهم حالَه التي تشغله عن غيره (٢). ٣٨ - ٣٩ - قولُه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ *ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾؛ أي: في ذلك اليوم ينقسمُ الناس إلى فريقين: فريقٌ قد أضاء وجهُهُ واستنار، فهو منبسطٌ منشرحٌ فَرِحٌ بسبب ما سيلاقيه من النعيم. ٤٠ - ٤٢ - قولُه تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ *تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ *أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾؛ أي: وفريقٌ قد تغبَّرت وجوهُهُم، وعَلاها السوادُ والظُّلمةُ بسبب ما هي صائرةٌ إليه من العذاب، وهي وجوهُ الذين ستروا فِطَرَهُم بالكُفر، وشقُّوا رِبْقَةَ الإيمانِ بأعمال الفجور، فجمعوا بين فسادِ الاعتقادِ والعمل، والله أعلم.

стр. 57

سورة التكوير آياتها:٢٩

стр. 58

سورة التكوير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤) فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)

стр. 59

سورةُ التَّكْوِير قال ﷺ : من سرَّه أن ينظرَ إلى يوم القيامة كأنه رأيَ عَيْنٍ، فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. وقد وردَ عن أُبي بن كعبٍ ﵁ أنَّ الآيات الستَّ الأُولى تكونُ في آخرِ الزمان والناس ينظرونَ إليها، والستَّ الأخيرةَ تكون في يوم القيامة. ١ - قولُه تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾؛ أي: إذا جُمع جِرمُ الشمس، وذهب ضوؤها، فأُلقيت في النار (١).

стр. 60

٢ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾؛ أي: وإذا نجومُ السماءِ وقعت وانتثَرت، فتغيَّرت وطُمسَ ضوؤها (١). ٣ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾؛ أي: وإذا هذه الجبالُ العظيمةُ قد أمر الله بتحريكِها من مكانها، فسَارت (٢).

стр. 61

٤ - قولُه تعالى: ﴿وإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾؛ أي: وإذا النُّوقُ الحوامِلُ التي بلَغت الشهرَ العاشرَ من حَمْلِها، التي هي أنفسُ أموالهم، قد أهملَها أهلها وتركوها من هَوْلِ الموقف (١). ٥ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾؛ أي: وإذا الحيواناتُ البرِّيَّة التي لم تأنسْ بالإنسان جُمِعت معه وزالَ ما بينهما من الاستيحاشِ بسبب هَوْلِ الموقف (٢).

стр. 62

٦ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾؛ أي: وإذا هذه البحارُ امتلأت بالماء، ففاضت به، ثم أُوقِدت، فذهبَ ما فيها من الماء (١).

стр. 63

٧ - قولُه تعالى (١): ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾؛ أي: إذا الأشخاصُ الذين يعملونَ أعمالاً متشابهة، يُقْرَنُ بينهم، فيُقرنُ الكافرُ مع الكافرِ، والمؤمنُ مع المؤمنِ، واليهوديُّ مع اليهوديِّ، والنصرانيُّ مع النصراني، وهكذا (٢). ٨ - ٩ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾؛ أي: وإذا سألَ اللَّهُ البنتَ المدفونةَ وهي على قيد الحياة: ما الجريمةُ التي فَعلتيها

стр. 64

حتى يدفِنكِ أهلُك، فيقتلونَكِ بهذا الدفن (١)؟، وهذا فيه تبكيتٌ لقاتِلها، وتهويلٌ للموقف الذي يُسأل فيه المجني عليه، فما ظنُّكَ بما يلاقيه الجاني لهذه الجنايةِ البشعة؟. ١٠ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾؛ أي: وإذا ما كُتِبَتْ به أعمالُ العبادِ من الصُّحف قد فُتحت، ليقرأَ كلٌّ كتابَ أعمالِه؛ كقوله تعالى: ﴿اقْرَا كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]. ١١ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾؛ أي: وإذا نُزِعَتِ السماءُ كما يُنزعُ الجلدُ من الذبيحة (٢). ١٢ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾؛ أي: وإذا نارُ الجحيمِ أُوقِدَت، فزاد حرُّها. ١٣ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾؛ أي: وإذا الجنةُ التي أُعِدَّت للمتقين، قُرِّبَت وأُدْنِيَت (٣). ١٤ - قولُه تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾؛ أي: إذا وَقعت هذه

стр. 65

الأحداث، فإنَّ كُلَّ نفسٍ مؤمنةٍ وكافرةٍ تعلمُ علماً يقينياً بالذي جاءت به من الأعمالِ لهذا اليوم؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (١) [آل عمران: ٣٠]. ١٥ - ١٦ - قولُه تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾: لمَّا ذكرَ الآياتِ التي تكون في آخرِ هذا العالمِ وفي يوم القيامة، أتبعَهُ بالقَسَمِ على القرآن (٢)، فأقسَمَ ربُّنا (٣) بالنجوم التي تكون مختفيةً قبلَ ظهورِها بالليل، الجاريةِ في فلكِها، والداخلةِ وقتَ غروبها في النهار إذا طلع، كما تدخلُ بقرُ الوحشِ والظباءِ في كِناسِها؛ أي: بيتها (٤).

стр. 66

١٧ - قولُه تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾؛ أي: وأقسمَ بالليلِ إذا أقبلَ أو أدبر (١).

стр. 67

١٨ - قولُه تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾؛ أي: وأقسمَ بالصُّبح إذا بَزَغَ ضوؤه، وانتشرت نسماته الباردة. ١٩ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ هذا جوابُ القَسَم، والمعنى: إنَّ القرآنَ تبليغُ جبريلَ أشرفِ الملائكة (١). ٢٠ - قولُه تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ (٢) ﴿مَكِينٍ﴾؛ أي: جبريلُ صاحب قوةٍ عظيمة، وهو ذو مكانةٍ ومنزلةٍ عند الله سبحانه، ولذا خصَّه بوحيِه، فهو أمينُ السماء. ٢١ - قولُه تعالى: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾؛ أي: جبريلُ المؤتَمن على الوحي، الذي لا يخونُ، يُطيعه أهلُ السموات. ٢٢ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾؛ أي: وما محمدٌ الذي لازمَكم أكثرَ من أربعين عاماً، فلا تخفى عليكم دقائق أحواله، ما هو بمخبولٍ ولا بممْسوسٍ من الجنِّ كما تزعمون.

стр. 68

٢٣ - قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾؛ أي: أقسمُ أنَّ محمداً رأى جبريلَ على صورته الملَكية في أفقِ السماءِ الواضح، مكانَ طلوع الشمس أو غروبها، ولم يكن ذلك رِئياً من الجن كما تزعمون. ٢٤ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾؛ أي: ليس محمدٌ ﷺ ببخيلٍ عليكم (١) فيما بلَغه من الوحي، فيكتُمه عنكم، أو يأخذ عليه أجراً كما يأخذه الكاهن الذي يأتيه رِئيٌ من الجن (٢). ٢٥ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾؛ أي: ليس القرآنُ من كلامِ الشيطانِ الملعونِ المطرود، ولكنه كلامُ الله ووحيه. ٢٦ - قولُه تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾؛ أي: ما هو المسلكُ الذي ستسلُكونه بعد هذا البيانِ والإيضاح عن صِدْقِ القرآن؟. ٢٧ - قولُه تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾؛ أي: ما هذا القرآن الذي ذكرتُ لكم أحوالَه إلا موعظة لكم أيها المكلَّفون من الإنسِ والجن. ٢٨ - قولُه تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾؛ أي: هذا القرآنُ موعظةٌ لمن صَدَقَ في توجُّهه إلى الله، وأرادَ أن يكونَ مُسلِماً لله، مستقيماً على دينه، وفي هذا دلالة على أن العبدَ قد يحجبُ نفسَه عن الهداية؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]. ٢٩ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي:

стр. 69

ولا تقع منكم إرادةٌ كائنة ما كانت، إلا بعد أن يأذنَ الله بوقوعِها؛ لأنه ربُّ جميعِ العوالم، فلا يقع في مُلكه إلا ما يشاء (١).

стр. 70

سورةُ الإنفِطار آياتها:١٩

стр. 71

سورة الانفطار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)

стр. 72

سورةُ الانفِطار ١ - قولُه تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾؛ أي: إذا انشقَّت السماءُ، كما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، وغيرها. ٢ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾؛ أي: وإذا كواكبُ السماء، وهي نجومها، تساقطت وتفرَّقت (١). ٣ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾؛ أي: وإذا هذه البحارُ العظيمةُ قد فُتِحَ بعضُها على بعضٍ فصارت بحراً واحداً ممتلئاً (٢).

стр. 73

٤ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾؛ أي: وإذا القبورُ التي دُفِنَ بها الموتى أُثيرت وقُلبت، فجُعِلَ أعلاها أسفلها، فخرجَ ما بها (١). ٥ - قولُه تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾؛ أي: علِمَت كلُّ نفسٍ الذي عملته من أعمال الخير والشر، والذي لم تعمَلْه منهما (٢).

стр. 74

٦ - قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾؛ أي: يا أيُّها الإنسانُ الكافرُ (١)، أيُّ شيءٍ سوَّلَ لك وجعلكَ تخالفُ أمرَ ربِّكَ الذي أوجدَكَ وربَّاك بنِعَمِه، ولم يعاجِلْكَ بعقوبته بكَرَمِه؟، سوَّل لك جهلُك، أو شيطانُك (٢)؟! ٧ - قولُه تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾؛ أي: ربُّك الكريم: الذي أوجدَك من العدَمِ، فجعلَ خلقك سويًّا قويماً لا خلَلَ فيه، وجعله متناسباً في الخلق يدان ورِجلان وعينان ... إلخ، وكلٌّ في مكانه المناسبِ له. ٨ - قولُه تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾؛ أي: جمعَ خلقكَ في شكلٍ خاصٍّ بك، مائلٍ في الشَبَهِ إلى أمٍّ أو أبٍ أو عمٍّ أو خالٍ أو غيرهم (٣). ٩ - قولُه تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ هذا خطابٌ للكفار، والمعنى: ليس الأمرُ كما تظنُّون يا من اغتررتم بجهلِكم فكفرتُم بربِّكُم، ولكن أنتم تكذِّبون بيوم الجزاء والحساب، ولا تصدِّقون به، فتعملون له (٤).

стр. 75

١٠ - قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾؛ أي: وإنَّ عليكم حَفَظَةً من الملائكة يرقبون أعمالكم ويسجِّلونها عليكم (١). ١١ - ١٢ - قولُه تعالى: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ *يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾؛ أي: هؤلاء الحَفَظَةُ من الملائكة شرفاءُ أمناءُ يحفَظونَ بالتدوين والكتابةِ أعمالكم كلها التي يسَّر الله لهم أن يطَّلِعوا عليها، فلا يزيدون فيها، ولا يُنقصون. ١٣ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾؛ أي: إنَّ الذين اتَّصفوا بكثرة الطاعاتِ يحيطُ بهم التنعُّم الدائم الذي لا يزول، وهو نعيم الجنة. ١٤ - قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾؛ أي: وإنَّ الذين شقُّوا سترَ الدينِ بالكفر، وفَجَروا في أعمالهم، وكَفَروا بالبعث، يحيطُ بهم عذابُ النار، ويخلدون فيها بسبب كُفرهم. ١٥ - قولُه تعالى: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾؛ أي: يدخلونها فتحرقهم بِحَرِّها وتشوِيهم في ذلك اليوم العظيم: يوم الجزاء والحساب. ١٦ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾؛ أي: هم خالدون فيها أبدَ الآباد (٢)؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [البقرة: ١٦٧]. ١٧ - ١٨ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ *ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ تعلمُ عن يوم الجزاء والحساب، ذلك اليوم العظيم (٣)؟،
следующие страницы →