← Тафсир

Тафсир · id 21561

تفسير جزء عم للشيخ مساعد الطيار

مساعد الطيار

Полный текст (266 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

سورة الانفطار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)

стр. 72

سورةُ الانفِطار ١ - قولُه تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾؛ أي: إذا انشقَّت السماءُ، كما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، وغيرها. ٢ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾؛ أي: وإذا كواكبُ السماء، وهي نجومها، تساقطت وتفرَّقت (١). ٣ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾؛ أي: وإذا هذه البحارُ العظيمةُ قد فُتِحَ بعضُها على بعضٍ فصارت بحراً واحداً ممتلئاً (٢).

стр. 73

٤ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾؛ أي: وإذا القبورُ التي دُفِنَ بها الموتى أُثيرت وقُلبت، فجُعِلَ أعلاها أسفلها، فخرجَ ما بها (١). ٥ - قولُه تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾؛ أي: علِمَت كلُّ نفسٍ الذي عملته من أعمال الخير والشر، والذي لم تعمَلْه منهما (٢).

стр. 74

٦ - قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾؛ أي: يا أيُّها الإنسانُ الكافرُ (١)، أيُّ شيءٍ سوَّلَ لك وجعلكَ تخالفُ أمرَ ربِّكَ الذي أوجدَكَ وربَّاك بنِعَمِه، ولم يعاجِلْكَ بعقوبته بكَرَمِه؟، سوَّل لك جهلُك، أو شيطانُك (٢)؟! ٧ - قولُه تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾؛ أي: ربُّك الكريم: الذي أوجدَك من العدَمِ، فجعلَ خلقك سويًّا قويماً لا خلَلَ فيه، وجعله متناسباً في الخلق يدان ورِجلان وعينان ... إلخ، وكلٌّ في مكانه المناسبِ له. ٨ - قولُه تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾؛ أي: جمعَ خلقكَ في شكلٍ خاصٍّ بك، مائلٍ في الشَبَهِ إلى أمٍّ أو أبٍ أو عمٍّ أو خالٍ أو غيرهم (٣). ٩ - قولُه تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ هذا خطابٌ للكفار، والمعنى: ليس الأمرُ كما تظنُّون يا من اغتررتم بجهلِكم فكفرتُم بربِّكُم، ولكن أنتم تكذِّبون بيوم الجزاء والحساب، ولا تصدِّقون به، فتعملون له (٤).

стр. 75

١٠ - قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾؛ أي: وإنَّ عليكم حَفَظَةً من الملائكة يرقبون أعمالكم ويسجِّلونها عليكم (١). ١١ - ١٢ - قولُه تعالى: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ *يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾؛ أي: هؤلاء الحَفَظَةُ من الملائكة شرفاءُ أمناءُ يحفَظونَ بالتدوين والكتابةِ أعمالكم كلها التي يسَّر الله لهم أن يطَّلِعوا عليها، فلا يزيدون فيها، ولا يُنقصون. ١٣ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾؛ أي: إنَّ الذين اتَّصفوا بكثرة الطاعاتِ يحيطُ بهم التنعُّم الدائم الذي لا يزول، وهو نعيم الجنة. ١٤ - قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾؛ أي: وإنَّ الذين شقُّوا سترَ الدينِ بالكفر، وفَجَروا في أعمالهم، وكَفَروا بالبعث، يحيطُ بهم عذابُ النار، ويخلدون فيها بسبب كُفرهم. ١٥ - قولُه تعالى: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾؛ أي: يدخلونها فتحرقهم بِحَرِّها وتشوِيهم في ذلك اليوم العظيم: يوم الجزاء والحساب. ١٦ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾؛ أي: هم خالدون فيها أبدَ الآباد (٢)؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [البقرة: ١٦٧]. ١٧ - ١٨ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ *ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ تعلمُ عن يوم الجزاء والحساب، ذلك اليوم العظيم (٣)؟،

стр. 76

وكرَّرَ الاستفهامَ لتهويلِ أمرِ هذا اليومِ وتعظيمه (١). ١٩ - قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾: هذا بيانٌ لذلك اليوم؛ أي: ذلك اليومُ هو يوم لا يستطيع أن ينفعَ أحدٌ من البشر غيره، فَبَطَلَ كل مُلْكٍ وأمر، وصار الأمر والإذن كله لله وحده (٢)، كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٣) [غافر: ١٦].

стр. 77

سورةُ المطِّففين آياتها:٣٩

стр. 78

سورة المطففين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)

стр. 79

سورةُ المطِّففين عن ابن عباسٍ ﵄ قال: لما قدِمَ نبيُّ الله ﷺ المدينةَ، كانوا من أخبثِ الناسِ كَيْلاً، فأنزل الله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، فحسَّنوا كَيلَهُم. ١ - قولُه تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾: يتوعَّدُ اللَّهُ سبحانَه بالهلاكِ والخسارة، الذين يبخسونَ حقَّ الناس بأخذ القليلِ منه: إما بنقصِ كَيْلِ الناس ووزنِهم، وإما بزيادتهم كيلَ أنفسِهم ووزنه على حساب الناس. ٢ - ٣ - قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ *وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾: هذا بيانٌ للتطفيفِ الذي يكونُ من هؤلاء المطفِّفين، وذلك أنهم إذا أخذوا كيلَهم أو وزنَهم من الناس أخذوه تامًّا غير ناقصٍ، وإذا أعطوا الناسَ كيلهم أو وزنهم نقصوا منه الشيءَ القليل، ظلماً منهم ولؤماً (١).

стр. 80

٤ - ٥ - قولُه تعالى: ﴿أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ *لِيَومٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: ألا يقعُ في حسِّ هؤلاء المطفِّفين أنهم سيُبعثونَ يومَ القيامة الذي عَظُمَ بما يقعُ فيه من الأهوالِ، ويحاسَبونَ على تطفيفِهم؟. ٦ - قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: هذا بيانٌ لليومِ العظيمِ، وهو يومُ قيامِ الناسِ أمامَ ربِّهم للحساب، كما قال ﷺ : يومَ يقومُ الناسُ لربِّ العالمين، «حتى يغيبَ أحدُهم في رشحهِ إلى أنصافِ أُذُنَيه». ٧ - ٩ - قولُه تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ *كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾: رَدَّ على المطفيين بأن الأمر ليس كما يعتقدونَ من عدمِ البعث، ثمَّ أخبرَ عن كتابِ الذين فَجَروا في أعمالهم أنه في سِفَالٍ وخَسَارٍ في الأرض السُّفلى (١)، ولتهويلِ أمرِ هذا الكتابِ استفهمَ على طريقة

стр. 81

القرآن في الاستفهامِ عن سِجِّين، وبيَّن أن كتابَهم قد فُرِغَ منه، فلا يُزادُ فيه ولا يُنقص منه (١)، ولا يزولُ رَقْمُهُ كما لا يزول الخيطُ الذي على الثوب، والله أعلم. ١٠ - ١١ - قولُه تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ *الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾؛ أي: يومَ يقومُ الناسُ لربِّ العالمينَ فالهلاك والثبور لمن كذَّبَ بيوم الجزاءِ والحساب. ١٢ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾؛ أي: ما يقعُ التكذيبُ بيوم الدِّين إلا من كلِّ من هو متجاوزٌ لما أحلَّ الله، مرتكِبٌ لما حرَّمَ الله. ١٣ - قولُه تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾؛ أي: من صفةِ هذا المعتدي الأثيمِ أنه إذا قُرئت عليه آياتُ القرآنِ قال عنها: إنها شبه الأقاصيصِ المكذوبةِ والمخترَعَةِ على السابقين من الأمم. ١٤ - قولُه تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: ليس الأمرُ كما يقول هذا المكذِّب في القرآن، ويعتقدُ في البعث، ولكن غلبَ على قلبه وغطَّاه ما كسَبَهُ من الذنوب، فجعَلَتهُ لا يُبصرُ الحق، كما قال ﷺ : «إذا أذنبَ العبدُ نُكِتَ في قلبه نُكْتَةً سوداء، فإن تاب، صقلَ منها، فإن عاد، عادت، حتى تعظم في قلبه، فذلك الرَّانُ الذي يقول الله: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢)».

стр. 82

١٥ - ١٧ - قولُه تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ *ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ *ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: هذا تكرارٌ للرَّدِّ على أولئك المكذِّبين، وبيانُ أنهم ممنوعونَ من رؤيةِ اللَّهِ سبحانه (١)، ثمَّ إنهم سيدخُلونَ

стр. 83

النارَ التي تشويهم بحرِّها، ثم تقولُ لهم ملائكةُ العذابِ: هذا العذابُ الذي كنتم لا تصدِّقونَ به. ١٨ - ٢٠ - قولُه تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ *كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾؛ أي: ليس الأمرُ كما تقولونَ من تكذيبِكم بالجزاء والعذابِ، ثم أخبرَ عن كتابِ الذين أطاعوا ربَّهم فأكثروا، وعبَدوه فأحسنوا، أخبرَ أنَّ كتابَهم عالٍ قدرُهُ في السماء السابعة (١)، ولتعظيمِ أمرِ هذا الكتابِ

стр. 84

استفهمَ عن موضعِ كتابِهم على طريقة القرآنِ في الاستفهام، فقال: وما أعلمكَ ما عِلِّيُّون؟، ثم بيَّنَ أن كتابَهم قد فُرِغَ منه، فلا يُزادُ فيه ولا يُنقصُ منه، ولا يزولُ رَقْمُهُ كما لا يزولُ الخيطُ الذي على الثوب، والله أعلم. ٢١ - قولُه تعالى: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾؛ أي: يحضرُ كتابَ هؤلاء الأبرارِ مقرَّبو كلِّ سماءٍ (١). ٢٢ - ٢٤ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعْيمٍ *عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ *تَعْرِفُ فِي وَجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾؛ إنَّ الذين برُّوا باتِّقاء الله وأداءِ فرائضِه لفي تنعُّمٍ دائمٍ لا يزول، وذلك في الجنَّة، التي يجلسونَ على سُرُرِها المزيَّنة في الغُرَفِ (٢)، ينظرونَ ـ وهم عليها ـ إلى ما آتاهم الله من النَّعيم، وأعلى هذا النَّعيم رؤية الباري جلَّ وعزَّ (٣). وإذا رأيتَهم، فإنكَ ترى أَثَرَ التنعُّم على وجوهِهِم بما يظهرُ عليها من الحُسْنِ والبهاء. ٢٥ - ٢٦ - قولُه تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ *خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾؛ أي: يسقيهم خَدَمُهُم من خمرِ الجنة (٤) الذي قد

стр. 85

خُلِطَ بالمِسك، وجُعِلَ في نهايته (١)، فهم يشمُّونه من أوَّلِ شُربهم إلى

стр. 86

آخِره. وفي طلبِ هذا التنعُّم يجبُ أن يَتبارَى ويَتسابقَ في الحصولِ عليه الذين يريدون النعيمَ الأبديَّ (١). ٢٧ - ٢٨ - قولُه تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ *عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾؛ أي؛ وهذا الرحيقُ المختومُ بالمسكِ يُخْلَطُ به ماءٌ من عَيْنِ تسنيم، التي ينزلُ عليهم ماؤها من أعلى الجنة، فيشربُه (٢) المقرَّبونَ صِرْفاً غير مخلوطٍ، ويشربه سائرُ المؤمنينَ مخلوطاً بغيره (٣).

стр. 87

٢٩ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾؛ أي: إنَّ الكفارَ الذين اكتسبوا المآثم، كانوا في الدنيا يهزأون بالمؤمنين ويضحَكون منهم (١). ٣٠ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾؛ أي: وإذا مرَّ الكفَّار بالمؤمنين، أشاروا إليهم: إمَّا باليد، وإمَّا بالعينِ، سُخْرِيةً واستِهْزاءً (٢). ٣١ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾؛ أي: وإذا عادَ هؤلاءِ الكفارُ إلى بيوتهم بعد أعمالهم هذه التي عَمَلوها للمؤمنين، عادوا وهم متلذِّذون بما فعلوا. ٣٢ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَآلُّونَ﴾؛ أي: وإذا قابلَ هؤلاءِ الكفار المؤمنين، فرأَوْهُم، قالوا مُصْدِرينَ الحكمَ عليهم: إنَّ هؤلاء الذين آمنوا لتائِهونَ عن الحق؛ لأنهم ليسوا على ديننا. ٣٣ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾: هذا تعقيبٌ من الله على هؤلاء الكفارِ الذين يُصْدِرونَ مِثْلَ هذه الأحكام، بأنَّ الله لم يبعثهم رسلاً ليسَجِّلوا على المؤمنين أعمالَهم!.

стр. 88

٣٤ - قولُه تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾؛ أي: فاليومَ الذي هو يوم القيامة يضحكُ المؤمنون من الكفارِ لِما يَرَوْنهم فيه من الخزِي، وهذا مقابلُ ضَحِكِ الكفارِ عليهم في الدنيا. ٣٥ - قولُه تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: هؤلاء المؤمنونَ جالسونَ على سُرُرٍ في مكان مزيَّن لهم ينظرونَ إلى الكفار وهم يعذَّبون، فَيُسَرُّون بذلك، ويضحَكون من أعداء الله الذين كانوا يضحكون منهم في الدنيا (١). ٣٦ - قولُه تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ أي: هل جُوزِيَ الكفارُ بهذا العذابِ الذي رآه المؤمنون بما فعلوا؟ ولا شكَّ أنهم قد جُوزوا بسوء عملِهم، والله أعلم.

стр. 89

سورةُ الإنشِقاق آياتها:٢٥

стр. 90

سورة الانشقاق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥) فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)

стр. 91

سورةُ الانشِقاق ١ - ٢ - قولُه تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ *وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾؛ أي: إذا السماءُ تصَدَّعَتْ وتَقَطَّعَتْ، وسَمِعَت وأطاعَت أمْرَ ربِّها في تصدُّعها (١)، وحُقَّ لها أن تطيع، فهي أهلٌ لهذه الطاعة (٢). ٣ - ٥ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ *وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ *وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾؛ أي: وإذا الأرض بُسِطت يوم القيامة (٣)، فزِيدَ في سَعَتِها (٤)، وأَخرَجتْ ما في بطنها من الموتى وغيرهم (٥)، وسمِعَت وأطاعت أمرَ ربِّها

стр. 92

في مَدِّها وإخراج ما في بطنها، وحُقَّ لها أن تطيع، فهي لا تعصي أمره (١). ٦ - قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ﴾؛ أي: إنك تعملُ عملاً تلقى اللَّهَ به، خيراً كان أم شراً (٢). ٧ - ٩ - قولُه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ *فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا *وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾: هذا تفصيلٌ لأهلِ الكَدْحِ، فمن أُعطِي صحيفةَ أعمالِه بيدِه اليُمنى، فإنَّ الله يَعْرِضُ عليه ذنوبَه ولا يُدَقِّقُ عليه، فلا يحاسِبُه بها، بل يسهِّلُ أمرَهُ، ويتجاوزُ عنه (٣)، ثمَّ ينصرفُ بعد هذا الحسابِ اليسيرِ إلى أهله في الجنة (٤)، وهو فَرِحٌ بما أُعطِيَ. ١٠ - ١٢ - قولُه تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ *فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا *وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾: هذا الفريقُ الثاني من أهلِ الكَدْحِ، وهم من يُعطَى صحيفةَ أعمالِه السيئةِ بيدِه الشِّمالِ من وراء ظهرِه (٥)، فأولئك ينادُون بالهلاك

стр. 93

على أنفسِهم (١)، ويدخلونَ نار جهنَّمَ التي أُوقِدَتْ مرةً بعد مرةٍ، فتشويَهُم وتحرقَهُم بحرِّها (٢). ١٣ - ١٥ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا *إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ *بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾؛ أي: إنَّ هذا الذي أوتي كتابه وراءَ ظهرِه كان في أهله في الدنيا (٣) فَرِحاً لما هو فيه من المعاصي، وكان يعتقدُ أنه لن يرجع إلى الحياة بعد الممات (٤)، ولذا كان يركَبُ المعاصي ولا يُبالي، ولكنه مخطئٌ في هذا الاعتقاد، بل سيرجع ويحاسَب على أعماله التي كان الله مطَّلِعاً عليها. ١٦ - ١٨ - قولُه تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ *وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ *وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾: يُقْسِمُ الربُّ سبحانه بحُمْرَةِ الأُفُقِ التي تظهرُ عندَ غروبِ الشمس (٥)،

стр. 94

ويقسمُ بالليلِ وما جَمَعَ فيه من الخلقِ وحَواهم (١)، ويقسِمُ بالقمرِ إذا تمَّت

стр. 95

استدارَتَه، واجتمعَ فصار بَدْراً (١). ١٩ - قولُه تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: هذا جوابُ القَسَمِ، والمعنى: إنكم أيها الناس ستمُّرونَ بأحوالٍ تركَبونها حالاً بعد حال، من ابتداء أمرِكم بكونِكم نُطَفَاً في الأرحام إلى خروجِكم من بطون أمهاتِكم، إلى معايَنَتِكم أحوالَ الدنيا ونَكَدِها، إلى وصولِكم لأحوالِ الآخرة وهَوْلِها، حتى يدخلَ كل فريق منزِلَه: الجنة أو النار (٢).

стр. 96

٢٠ - قولُه تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: لم لا يصدِّقُ هؤلاء المشركونَ بالله، ويُقِرُّون بالبعث، مع ما قد عاينوا من حُجَجِ الله بحقيقة توحيدِه؟.

стр. 97

٢١ - قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾؛ أي: ولمَ إذا تُلِيَ عليهمْ كتابُ الله لا يخضَعون فيسجُدون لله تعالى تعظيماً واحتراماً؟. ٢٢ - ٢٣ - قولُه تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ *وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾؛ أي: ولكن الذين كفروا من سَجِيَّتِهِم تكذيب ما جاء عن الله تعالى، الذي هو عالمٌ بما تحوِيه صدورُهم وتُخْفِيه من التكذيبِ بكتابِ الله ورسولِه، وغيره. ٢٤ - ٢٥ - قولُه تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ أي: فأخْبِرهم بما سيلقَونه بسببِ تكذيبِهم من العذابِ المؤلم، لكن من تابَ منهم فآمنَ وعَمِلَ من الأعمالِ الصالحاتِ بأداء فرائضِ الله واجتنابِ نواهيه، فإنَّ لهم ثواباً من الله لا يُنقص ولا يُقطع، بل هو دائم. والله أعلم.

стр. 98

سورةُ البُروج آياتها:٢٢

стр. 99

سورة البروج بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)

стр. 100

سورةُ البُروج ١ - قولُه تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾: يقسمُ ربُّنا بالسماءِ صاحبةِ النجومِ ومنازِلها (١).

стр. 101

٢ - قولُه تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾: ويقسمُ ربُّنا باليومِ الذي وعدَ به عبادَهُ للفصلِ بينهم، وهو يوم القيامة. ٣ - قولُه تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾: ويقسمُ ربُّنا بكلِّ راءٍ مشاهِدٍ ومَرئيٍ مُشاهَدٍ، وكلِّ شاهدٍ على أحدٍ ومشهودٍ عليه؛ كيوم الجُمعة شاهدٌ لمن حضره، وهو مشهودٌ بمن حضره، وكذا يوم عرفة، أو الرسولُ ﷺ شاهدٌ على أمتِّه، وأمته مشهودٌ عليها، وكذا غيرها من الأقوال (١). وجوابُ القَسَمِ محذوف، تقديره: «لتُبْعَثُنَّ» بدلالة قوله تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾، وهو اليوم الذي يكذِّبُ به الكفَّار. ٤ - ٥ - قولُه تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ *النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾: أصحابُ الأخدود (٢) هم الذين أمروا بحفر الشقوقِ الكبيرة في الأرض،

стр. 102

ومَلْئِها بالنار، وإلقاء المؤمنين بها، والمعنى: ليحصلِ القتلُ لهؤلاء الكافرين الذين عذَّبوا المؤمنين بإلقائهم في النار التي تُشعَل بالحطب وغيره مما توقَدُ به النار. ٦ - قولُه تعالى: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾؛ أي: إذ هؤلاء الكفار قعودٌ حول النار، وهم متمكِّنون منها، يلقُون فيها من شاءوا من المؤمنين. ٧ - قولُه تعالى: ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾؛ أي: وهؤلاء الكفار يشهدونَ على أنفسِهم بما فعلوه بالمؤمنين، بعد أن حضروا تعذيبَهم. ٨ - ٩ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ *الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾؛ أي: ما أنكر هؤلاء الكفار على المؤمنين إلا إيمانَهم بالله القويِّ الذي لا يُقهر، والمحمودِ الذي يكثرُ منه فِعْلُ ما يَحْمَدُهُ عليه خلقُه. والذي له كلُّ ما في السموات والأرض مُلْكاً وحُكْماً، وهو مطَّلِعٌ على كلِّ شيءٍ لا تخفى عليه منهم خافية، وهو مطَّلِعٌ على ما فعلَه هؤلاء الكفار بأوليائه. ١٠ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾؛ أي: إنَّ الذين عذَّبوا المؤمنين بالنار (١) ـ من الكفَّار أو غيرِهم ممن اتَّصَفَ بعداءِ أولياءِ الله (٢) ـ إذا لم يتوبوا إلى الله من

стр. 103

فعلِهم فيصيروا بهذه التوبةِ من أوليائه (١)، فإن اللَّهَ سيعذِّبهم بنار جهنَّمَ التي تُطْبِقُ عليهم بظلُماتها، وبنارِ الحريقِ التي تحرقهم (٢). ١١ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾؛ أي: إنَّ الذين أقرُّوا بتوحيد الله من الذين عُذِّبوا بالنار وغيرهم من المؤمنين، وعملوا بطاعة الله: بفعل أوامره واجتنابِ نواهيه، لهم بساتين تجري على أرضها أنهارُ اللَّبَنِ والعَسَلِ والماء، وذلك النعيم هو الظَفَرُ الكبير الذي ينتظرهم في الآخرة. ١٢ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾؛ أي: إنَّ أخذَ ربِّك يا محمد وانتقامَه قويٌ، كما أخبرَ عنه الرسول ﷺ بقوله: «إن الله لَيُمْلي للظالم، حتى إذا أخذَهُ لم يَفْلِتْهُ، ثمَّ قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. ١٣ - ١٤ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ *وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾؛ أي: إنَّ الله ذا البطشِ الشديدِ يُبدئُ العذابَ على الكافرين في الدنيا، ويعيدُه عليهم في الآخرة (٣)، وإنه الذي يسترُ الذنبَ فلا يعاقِبُ به، ويحبُّ

стр. 104

أولياءَه ويحبونَه (١). ١٥ - قولُه تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾؛ أي: الله الكريمُ (٢) الذي له صفاتُ الكمالِ هو صاحبُ العرشِ الذي وَسِعَ السموات والأرض (٣).

стр. 105

١٦ - قولُه تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾؛ أي: من كمالِ هذا الربِّ المجيدِ أنه يفعلُ ما يشاء، متى شاء، وكيف شاء، لا يردُّه أحدٌ عن شيء ولا يَحُدُّه، فمتى شاء ضَحِكَ، ومتى شاء سَخِطَ، ومتى شاء أَحْيَا، ومتى شاء أَمَاتَ، وهكذا غيرها من أفعاله. ١٧ - ١٨ - قولُه تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ *فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾: هذا مثالٌ لأُمَمٍ وقع عليها بطشُ الله، والمعنى: قد أتاكَ فيما أنزِلَ عليكَ خبرُ الجموعِ الكافرةِ المتجنِّدة لحربِ أولياءِ الله، وهم فرعون وقومه الذين كذَّبوا موسى ﵇، وقومُ ثمودَ الذين كذَّبوا صالحاً ﵇، وهم قد كفروا برسُلِهم عن عِلْمٍ، فكان كُفرُهم كُفْرَ جُحود. ١٩ - ٢٠ - قولُه تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ *وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾؛ أي: لكن الذين كفروا من قومِك ينسبونَكَ إلى الكَذِبِ ولا يصدِّقونَكَ فيما تخبِرُ به من الوحي، والله المطَّلعُ عليهم متمكِّنٌ منهم، فهم لا يفلِتون منه، ولا يُعْجِزونَه، ولا مكان لهم يُؤويهم من عذابه. ٢١ - ٢٢ - قولُه تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ *فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾؛ أي: لكن هذا الوحي الذي يكذِّبون به كلامٌ متلوٌّ باللسانِ، وهو كلامٌ كريمٌ شريفٌ (١)؛ لأنه كلامُ ربِّ العالمين، وهو محفوظٌ مَصُونٌ في اللوح المحفوظ، محفوظٌ من كلِّ ما يُشينه وينقصه (٢)، فلا تصِل إليه يدُ التخريب (٣)، والله أعلم.

стр. 106

سورةُ الطَّارِق آياتها:١٧

стр. 107

سورة الطارق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)

стр. 108

سورةُ الطَّارِق ١ - ٣ - قولُه تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ *النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾: يقسمُ ربُّنا بالسماء وما يأتي ويطرقُ فيها ليلاً، ثمَّ استفهمَ مشوِّقاً لهذا الطارقِ فقال: وما أعلمكَ ما الطارقُ، ثمَّ أجاب عنه بأنه النجوم المتَّقدةُ المضيئةُ في السماء. ٤ - قولُه تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾: هذا جوابُ القَسَمِ، والمعنى: لا توجد نفسٌ من نفوسِ بني آدم إلاَّ عليها حافظٌ من الملائكة يحفظونَ عليهم أعمالهم، ثمَّ يُحَاسَبون عليها بعد البعث. ٥ - ٦ - قولُه تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ *خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾؛ أي: فلينظرِ الكافرُ الذي يُنكرُ البعثَ، فلينظر مادةَ خَلْقِه، وهي المَنِيُّ المنصبُّ، فالذي خلقه من هذه النطفةِ الحقيرةِ قادرٌ على إعادته. ٧ - قولُه تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾؛ أي: يخرجُ هذا الماء المنصبُّ من موضع العمودِ الفِقْرِيِّ وأضلاعِ الصدرِ التي تضعُ المرأةُ القِلادةَ عليها (١).

стр. 109

٨ - ٩ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ *يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾؛ أي: إنَّ اللَّهَ يستطيعُ أن يَرُدَّ الإنسانَ بعد موته، فيُحْيِيه، وذلك كائنٌ يومَ تُختبرُ ضمائرُ الناسِ وما يخفونَه، فتظهرُ هذه المَخْفِيَّات أمامهم (١). ١٠ - قولُه تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ﴾؛ أي: في هذا اليومِ ليس لهذا الإنسانِ الكافرِ من قوة في ذاته يدفعُ بها عن نفسِه، ولا أحدٌ من الخلق مُعينٌ له من عذاب الله.

стр. 110

١١ - ١٤ - قولُه تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ *وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ *إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ *وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾: يقسمُ ربُّنا بالسماء التي يرجِعُ منها المطر مرَّةً بعد مرة (١)، وبالأرضِ التي تتشقَّقُ فيخرُجُ منها النبات (٢)، أنَّ هذا القرآن الذي أنزلَهُ على عباده قولٌ جِدُّ، وهو فُرقانٌ يفرِّقُ اللَّهُ به بين الحقِّ والباطل (٣)، وليس لَعِباً ولا لَهْواً من القول. ١٥ - ١٦ - قولُه تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا *وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾؛ أي: إنَّ هؤلاء المكذِّبينَ بالبعثِ والقرآنِ يُدبِّرون الحِيَلَ ويمكرون، والله يكيدهم كما هم يكيدون، ولذا ينقلبُ عليهم كيدُهم خُسراناً وهلاكاً، فمن ذا الذي يستطيع حربَ الله والكيدَ له؟!. ١٧ - قولُه تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾؛ أي: اتركهُم، ولا تتعجَّل عليهم، واصبِر عليهم قليلاً قليلاً، فإنهم سيلاقونَ ما أوعدَهم الله جزاءً لكيدِهم، والله أعلم.
следующие страницы →