← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21562

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين

الراغب الأصفهاني

Полный текст (99 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الباب الثاني في ذكر أجناس الموجودات وموضع الإنسان منها إعلم أن الله تعالى هو الواجب الوجود الذي لا سبب لوجوده بل هو سبب كل موجود. وكلُّ موجود فمنه وبه تعالى وجوده. والموجودات ضربان: المعقولات العلوية والمحسوسات السفلية، وإيجاده تعالى للمعقولات العلوية قبل إيجاده للمحسوسات السفلية، كما رُوي أنه أول ما خلق الله تعالى القلم ثم اللوح، وقال: اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة. وروي أنه أول ما خلق الله العقل فقال له: أقبل. فأقبل ثم قال له: أدبر. فأدبر فقال: بعزتي وجلالي ما خلقتُ خلقاً أكرمَ عليَّ منك بك آخذ وبك أعطي ولك الثواب وعليك العقاب وليس المراد بالعقل ههنا العقول البشرية بل الإشارة به إلى جوهر شريف عنه تنبعث العقول البشرية. وقال قوم: " العقل ههنا عبارة عن القلم المذكور في الخبر الآخر " والله أعلم. ثم أوجد الله تعالى الروحانيات الذين لا يستكبرون عن عبادته

стр. 2

ولا يستحسرون، وإيجاد هذه الأشياء على سبيل الإبداع. والإبداع هو إيجاد الشيء لا عن شيءٍ موجود من قبل. ثم خلق الأركان الأربعة والجمادات والناميات والحيوانات، وختم بالصورة الإنسانية كما دل عليه النبي ﷺ بقوله: " خلق الله تعالى يوم الأحد كذا ويوم الاثنين كذا إلى أن قال خلق الإنسان يوم الجمعة آخر نهار ". والخلق في أكثر الأحوال يقال في إيجاد الشيءِ من الشيءِ قبله كخلق الإنسان من التراب، ويقتضي تركيباً ولذلك قال اله تعالى: (ومن كل شيءٍ خَلَقنا زوجين لعلكم تذكَّرون) . وإلى الأشياء المركَّبة أشار بقوله تعالى: (أو لم يروا إلى الأَرضِ كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم) . واعلم أن كل شيءٍ من المبدعات فتامٌّ لا نقص فيه، ولو كان فيه نقص لدل ذلك على نقصان مبدعه وصانعه، فأَما المخلوق الذي هو مركب من شيء فقد يحتمل أن يكون فيه نقص ويكون نقصه عارضاً من جهة ما تركب منه لا من جهة مركِبه وفاعله، فلهذا صارت المبدعات من الأشياء العلوية معرّاة عن اعتراض الفساد فيها حالاً فحالاً، بل تبقى على حالتها إلى أن يشاء الله تعالى أن يرفع العالم. والإنسان إنسانان: أحدهما آدم الذي هو أبو البشر، ويجري هو من سائر الناس مجرى البَذر الذي منه أنشئ غيره، والباري تعالى قد تولى بنفسه إيجاده وتربيته وتعليمه كما نبَّه عليه بقوله تعالى: (ما منعك أن تسجد لما خلقتُ بيديَّ) . وقوله تعالى: (وَعلَّم آدم الأسماءَ كلَّها) والثاني بنوه وموجدهم أيضاً الباري تعالى، ولكن جعل

стр. 3

انشاءَهم وتربيتهم وتعليمهم بوسائط جسمانية وروحانية، فالجسماني كالأبوين والروحاني كالملائكة المدّبرات والمقسّمات الذين يتولون انشاءَه وتربيته، كما روي في الخبر: الولد يكون أربعين يوماً نطفةً، ثم يصير علقة، ثم يصير مضغة، ثم يبعث الله ملكاً فينفخ فيه الروح، إلى غير ذلك من الأخبار. ولكون الأبوين سبباً في وجود الولد عظَّم الله تعالى حقهما وألزم بعد شكره شكرهما فقال: (اشكر لي ولوالديك) . ويسمى الولد ابناً وهو مشتق من بنيتُ البنية تنبيهاً على أنه جار للأب مجرى البناءِ للباني.

стр. 4

الباب الثالث في ذكر العناصر التي منها أُوجد الإنسان ذكر الله تعالى العناصر التي خلق منها آدم ﵇، ونبَّه على أنه جعله إنساناً في سبع درجات. وأشار إلى ذلك في مواضع مختلفة حسب ما اقتضته الحكمة، فقال في موضعٍ خَلَقَه من تراب إشارةً إلى المبدأ الأول. وفي آخر من طين إشارة إلى الجمع بين التراب والماء. وفي آخر من حمإٍ مسنون إشارة إلى الطين المتغير بالهواء أدنى تغير. وفي آخر من طين لازب إشارة إلى الطين المستقر على حالة من الاعتدال يصلح لقبول الصورة. وفي آخر من صلصال من حمإٍ مسنون إشارة إلى يبسه وسماع صلصلة منه، وفي آخر من صلصال كالفخار، وهو الذي قد أُصلح بأَثر من النار فصار كالزخرف، وبهذه القوة النارية حصل في الإنسان أثر من الشيطنة وعلى هذا المعنى دلَّ بقوله: (خلق الإنسان من صلصال كالفخَّار وخلق الجانَّ من مارج من نار) . فنبه على أن الإنسان فيه من القوة الشيطانية بقدر ما في الفخار من أثر النار وأن الشيطان ذاته من المارج الذي لا استقرار

стр. 5

له. ثم نبه الله على تكميل الإنسان بنفخ الروح فيه فقال: (إني خالق بشراً من طين فإذا سوَّيتُه ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) . فهذه سبع درجات نبه عليها كما ترى. ثم دلَّ على تكميل نفسه بالعلوم والآداب بقوله تعالى: (وعلَّم آدم الأسماءَ كلَّها) ثم ذكر خلق بني آدم وعناصرهم التي أوجدها حالةً بعد حالة، فنبه على أنه جعلهم أناساً في سبع درجات حسب ما جعل آدم ﵇ فقال تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأْناه خَلْقاً آخرَ أشار به إلى ما جعل من له من قوة العقل والفكر والنطق. فإن قيل فلم قال فكسونا العظام لحماً ولم يقل فخلقنا منه لحماً كما قال في الأول. قيل إشارة منه تعالى إلى لطيفة من صنعه وهو أن النطفة انتهت إلى صورة العظم، ثم أنشأ الله اللحم إنشاءاً آخر لا من النطفة، وأجراها مجرى الكسوة التي قد يخلعها الإنسان ويجدّدُها، ولذلك إذا قطع من الحيوان لحمٌ عاد ولم يكن كالعظم الذي لا يعود بعد قطعه فإن قيل كيف حكُم على جميع الناس أنه خلقهم من سلالة من طين والمخلوق منها هو آدم دون أولاده. قيل أن ذلك على وجهين: أحدهما أنه لما خلق آدم من دون أولاده. قيل أن ذلك على وجهين: أجدهما أنه لما خلق آدم من سلالة من طين فأولاده الذين منه هو أيضاً منها. والثاني أن الإنسان يتكوَّن من النطفة ويتربى بدم الطمث، وهما يتكوَّنان من الغذاءِ

стр. 6

والغذاءُ يتكوَّن من الحيوان، والحيوان من النبات، والنبات من سلالة من طين، فإذاً الإنسان على الحقيقة من سلالة من طين، وعلى هذا نبَّه الله تعالى بقوله: (إِنا صببنا الماءَ صبّاً ثم شققنا الأرض شقّاً فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً) . وقوله: (خلقكم من تراب ثم من نطفة) . فجعله الله تعالى من تراب على هذا الوجه. وقال: (ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشرٌ تنتشرون) . وفي آخر: (خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماءٍ مهين) . وعني بالإنسان ههنا آدم ولذلك قال: ثم جعل نسله. فاقتصر ههنا على النطفة دون المبدأ الأول الذي هو التراب. وإنما ذكر هذه المبادئ متفرقةً لحكمةٍ اقتضت تخصيص ذكر كل واحد من ذلك في موضعه مما يليق بهذا الكتاب.

стр. 7

الباب الرابع في ذكر قوى الأشياء التي جمعت في الإنسان الإنسان قد جمع فيه قوى العالم، وأوجد بعد وجود الأشياء التي جمعت فيه، وعلى هذا نبه الله تعالى بقوله: (الذي أحسن كل شيءٍ خَلْقَه وبدأَ خَلق الإنسان من طين) . وقول النبي ﷺ الذي تقدم ذكره. وقد جمع الله تعالى في الإنسان قوى بسائط العالم ومركباته وروحانياته وجسمانياته ومبدعاته ومكوّناته. فالإنسان من حيث أنه بوساطة العالم حصل ومن أركانه وقواه أوجد هو العالم. ومن حيث أنه صغُر شكله وجمع فيه قواه كالمختصر من العالم فإن المختصر من الكتاب هو الذي قُلّل لفظه، وأستوفي معناه. والإنسان هكذا هو إذا اعتبر بالعالم. ومن حيث أنه جعل من صفوة العالم ولبابه وخلاصته وثمرته، فهو كالزُبْد من المخيض والدهن من السمسم، فما من شيءٍ إلا والإنسان يشبهه من وجه، فإنه كالأركان من حيث ما فيه من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وكالمعادن من حيث ما هو

стр. 8

جسم، وكالنبات من حيث ما يتغذى ويتربى، وكالبهيمة من حيث ما يحس ويتوهم ويتخيل ويلتذ ويتألم، وكالسبع من حيث ما يحرض ويغضب، وكالشيطان من حيث ما يغوي ويضل، وكالملائكة من حيث ما يعرف الله تعالى ويعبده ويخلفه، وكاللوح المحفوظ من حيث قد جعله الله مجمع الحكم التي كتبها فيه على الاختصار - فقد ذكر بعض الحكماء في بدن الإنسان أربعة آلاف حكمة، وفي نفسه قريباً من ذلك. وكالقلم من حيث ما يثبت بكلامه صور الأشياء في قلوب الناس كما أن القلم يثبت الحكم في اللوح المحفوظ. ولكون الإنسان من قوى مختلفة قال الله تعالى: (اناّ خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج) أي مختلطة من قوى أشياء مختلفة. ولكون العالم والإنسان متشابهين إذا اعتبر قيل الإنسان عالم صغير والعالم إنسان كبير ولذلك قال الله تعالى: (ما خَلْقكم ولا بعثكم الاّ كنفس واحدة) . فأشار بالنفس الواحدة إلى ذات العالم. ولما كان كل مركب من أشياء مختلفة يحصل باجتماعهنَّ معنى ليس بموجود فيهن على انفرادهن كالمركبّات من الأدوية والأطعمة، كذلك في نفس الإنسان حصل معنى ليس فس شيءٍ من موجودات العالم، وذلك المعنى هو ما يختص به من خصائصه التي بها تميَّز عن غيره من هيئات له، كانتصاب القامة وعرض الظُّفر، وانفعالات له كالضحك والحياء، وأفعال كتصور المعقولات وتعلم الصناعات واكتساب الأخلاق.

стр. 9

الباب الخامس في تكوين الإنسان شيئاً فشيئاً حتى يصير إنساناً كاملاً الإنسان يكون أولاً جماداً ميتاً قال الله تعالى: (وكنتم أمواتاً فأحياكم) وذلك حيث كان تراباً وطيناً وصلصالاً ونحوها. ثم يصير نباتاً نامياً كما قال الله تعالى: (والله أنبتكم من الأرض نباتاً) وذلك حيث ما كان نطفة وعلقة ومضغة ونحوها. ثم يصير حيواناً وذلك حيث ما يتبع بطبعه بعض ما ينفعه ويحترز من بعض ما يضره. ثم يصير إنساناً مختصاً بالأفعال الإنسانية وقد نبه الله تعالى على ذلك في مواضع نحو قوله: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلَّقة وغير مخلَّقة) . وقوله: (أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سوَّاك رجلاً) . فأول ما يظهر فيه قوة النزاع الموجودة في النبات والحيوان، ثم قوة تناول الموافق ودفع المخالف، ثم الحس ثم التخيل ثم التصور ثم التفكر ثم العقل، فهو لم يصر إنساناً إلاّ بالفكر والعقل

стр. 10

الذي يميز بين الخير والشر والجميل والقبيح. وإلى العقل أشار الله تعالى بقوله: (وصوَّركم فأحسن صوَرَكم) . فالإنسان بعقله صار معدن العلم ومركز الحكمة. ووجود العقل فيه إبتداء الأمر بالقوة كوجود النار في الحجر المحتاج في أن يري إلى الاقتداح، وكوجود النخل في النوى المحتاجة في أن تثمر إلى غرس وسقي. وكوجود الماء تحت الأرض المحتاجة في الاستقاءِ منه إلى حفره ونفس الإنسان واقعة بين قوتين: قوة الشهوة وقوة العقل، فبقوة الشهوة يحرص على تناول اللذات البدنية البهيمية كالغذاء والسفاد والتغالب وسائر اللذات العاجلة، وبقوة العقل يحرص على تناول العلوم والأفعال الجميلة والأمور المحمودة العاقبة، وإلى هاتين القوتين أشار الله تعالى بقوله: (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا) . وبقوله: (وهديناه النَّجْدَين) . ولما كان من جبلة الإنسان أن يتحرى ما فيه اللذة، وكانت اللذات على ضربين: أحدهما محسوس كلذة المذوقات والملموسات والمشمومات والمسموعات والمبصرات وهي من توابع الشهوة الحيوانية، والثاني معقول كلذة العلم وتعاطي الخير وفعل الجميل. واللذات المحسوسة أغلب علينا لكونها أقدم وجوداً فينا، لأنها توجد في الإنسان قبل أن يولد، وهي ضرورية في الوقت ولذلك قال الله تعالى: (يحبون العاجلة ويذرون الآخرة) ولذلك يكره أكثر الناس ما يأمر به العقل ويميل إلى ما يأمر به الهوى حتى قيل: " العقل

стр. 11

صديق مقطوع والهوى عدوّ متبوع ". ولذلك قال النبي ﷺ " حُفَّت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " ولذلك يحتاج الإنسان أن يقاد في بدءِ أمره إلى مصالحه بضرب من القهر حتى قال ﷺ : " يا عجباً لقوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل ". فحقُّ الإنسان أن يجاهد هواه إلى أن يقتحم العقبة فيتخلص حينئذٍ من أذاه. وللنفس نظران: نظرٌ إلى فوق نحو العقل، ومنه تستمد المعارف، وتميز بين المحاسن والقبائح، فتعرف كيف تتحرى المحاسن وتتجنب القبائح. ونظرٌ إلى تحت نحو الهوى، وبه تنسى الحقائق وتألف الخسيسات بل القاذورات. والنفس متى كانت شريفة أَدامت النظر إلى فوق كما ذكرنا، ولا تنظر إلى ما دونها إلا عند الضرورة، ولا تتناول اللذات البدنية إلا بحسب ما يرسمه العقل المستمد من الشرع، أو إذا كانت دنيَّة أكثرت الميل إلى الشهوات البدنية، فيحدث ذلك لها إذعاناً وانقياداً لللشهوات فيستعبدها الهوى كما قال الله تعالى: (أَفرأَيْتَ مَن اتخذ إلهه هواه وأَضلَّه الله على علْم) وإنما أضله بعد أن اتخذ إلهه هواه وجعله عبداً لأغراض دنيوية كما قال النبي ﷺ : " تعس عبد الدرهم ". الخبر. ومن هذه العبودية استعاذ إبراهيم الخليل ﵇ حيث قال: (واجْنُبني وبَنيَّ أَن نعبد الأصنام) .

стр. 12

الباب السادس في ظهور الإنسان في شعار الموجودات وتخصيصه بقوة شيء فشيء منها ذات الإنسان من حيث ما اجتمع فيه قوى الموجودات صار وعاء معاني العالم وطينة صوره ومعدن آثاره ومجمع حقائقه، وكأنه مركب من جمادات ونباتات وبهائم وسباع وشياطين وملائكة، ولذلك قد يظهر في شعار كل واحد من ذلك فيجري تارة مجرى الجمادات في الكسل وقلة التحرك والإنبعاث، وعلى هذا نبه الله تعالى بقوله: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدُّ قسوة) وقد يظهر في شعار النباتات الحميدة أو الذميمة فيصير إِما كالأُترج الذي يطيب حمله ونَوْره وعوده وورقه أو كالنخل والكرم فيما يؤتي من النفع، أو كالكشوث في عدم الخير، أو

стр. 13

كالحنظل في خبث المذاق، وعلى هذا نبه الله تعالى بقوله: (مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كلَّ حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجْتُثَّت من فوق الأرض ما لها من قرار) . ويظهر تارة في شعار الحيوانات المحمودة والمذمومة، فيصير أما كالنحل في كثرة منافعه وقلة مضاره وفي حسن سياسته. قال الله تعالى: (وأَوحى ربك إلى النحل أَن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون) أو كالطير المسمى بأبي الوفا، أو كالخنزير في الشره، أو كالذئب في العيث، أو كالكلب في الحرص، أو كالنمل في الجمع، أو كالفأر في السرقة، أو كالثعلب في المراوغة، أو كالقرد في المحاكاة، أو كالحمار في البلادة، أو كالثور في الفظاظة، وعلى هذا النحو من المشابهات دلَّ الله بقوله: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلاّ أُمم أمثالكم ما فرَّطنا في الكتاب من شيءٍ ثم إلى ربهم يحشرون) ويظهر تارة في شعار الشياطين فيغوي ويضل ويسول بالباطل في صورة الحق كما دل الله تعالى بقوله: (شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) وإنما يكون إنساناً إذا وضع كل واحد من هذه الأشياء في موضعه حسب ما يقتضيه العقل المرتضي المستبصر بنور الشرع.

стр. 14

الباب السابع في ماهية الإنسان ماهية كل شيءٍ تحصل بصورته التي يتميز بها عن أغياره، كصورة السكين والسيف والمنجل ونحوها. ولما كان الإنسان جزئين بدن محسوس وروح معقول كما نبه الله تعالى عليه بقوله: (إني خالق بشراً من طين فإذا سوَّيته ونفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدين) كان له بحسب كل واحد من الجزئين صورة، فصورته المحسوسة البدنية انتصاب القامة وعرض الظفر وتعري البشرة عن الشعر والضحك. وصورته المعقولة الروحانية العقل والفكر والرويّة والنطق. قالوا فالإنسان هو الحيوان الناطق، ولم يعنوا بالناطق اللفظ المعبر به فقط، بل عنوا به المعاني المختصة بالإنسان فعبروا عن كل ذلك بالنطق فقد يعبر عن جملة الشيء بأخص ما فيه أو بأشرفه أو بأوله، كقولك سورة الرحمن وسورة يوسف وسورة لإيلاف ونحو ذلك، فالإنسان يقال على ضربين عام وخاص فالعام أن يقال لكل منتصب القامة مختص بقوة الفكر واستفادة العلم، والخاص أن يقال

стр. 15

لمن عرف الحق فاعتقده والخير فعمله بحسب وسعه، وهذا معنى يتفاضل فيه الناس ويتفاوتون فيه تفاوتاً بعيداً، وبحسب تحصيله يستحق الإنسانية وهي تعاطي الفعل المختص بالإنسان فيقال فلان أكثر إنسانية. وكما يقال الإنسان على وجهين يقال له الحيوان الناطق على وجهين عام ويراد به مَنْ في قوة نوعه استفادة الحق والخير، كقولك الإنسان هو الكاتب دون الفرس والحمار، أي هو الذي في قوته استفادة الكتابة. وكذا يقال له عبد الله على وجهين: عام ويراد به الحيوان المتعرض لارتسام أوامر الله ارتسم أو لم يرتسم وهو المشار إليه بقوله تعالى: (إِن كل من في السموات والأرض الاّ آتي الرحمن عبداً) وخاصٌّ وهو المرتسم لأوامر الله تعالى كما قال سبحانه: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) وكذا يقال له حيٌّ وسميع وبصير ومتكلم وعاقل كل ذلك على وجهين: يقال عاماً وهو لمن له الحياة الحيوانية التي بها الحس والتخيل والنزوع والشهوة ولمن سمع الأصوات ولمن يدرك الألوان، ولمن يُفهم الكافة بما يريده، ولمن له القوة التي يتبعها التكليف، والثاني يقال له خاصاً وهو لمن له الحياة التي هي العلم المقصود بقول الله تعالى: (لِيُنْذِر مَن كان حياً) وله السمع الذي به يسمع حقائق المعقولات، والبصيرة التي بها يدرك الاعتبارات، واللسان الذي به يورد التحقيقات، وهي التي نفاها عن الجهلة الكفرة في قوله تعالى: (صمٌّ بكمٌّ عميٌ فهم لا يعقلون) .

стр. 16

الباب الثامن في كون الإنسان مستصلحاً للدارين الإنسان من بين الموجودات مخلوق خلقة تصلح للدارين، وذلك أن الله تعالى قد أوجد ثلاثة أنواع من الأحياء، نوعاً لدار الدنيا وهي الحيوانات، ونعاً للدار الآخرة وهو الملأ الأعلى، ونوعاً للدارين وهو الإنسان، فالإنسان واسطة بين جوهرين وضيع وهو الحيوانات، ورفيع وهو الملائكة، فجمع فيه قوى العالمين وجعله كالحيوانات في الشهوة البدنية والغذاء والتناسل والمهارشة والمنازعة وغير ذلك من أوصاف الحيوانات. وكالملائكة في العقل والعلم وعبادة الرب والصدق والوفاءِ، ونحو ذلك من الأخلاق الشريفة ووجه الحكمة في ذلك أنه تعالى لما رشحه لعبادته وخلافته وعمارة أرضه وهيأه مع ذلك لمجاورته في جنته اقتضت الحكمة أن يجمع له القوتين، فإنه لو خُلق كالبهيمة معرىّ عن العقل لما صلح لعبادة الله تعالى وخلافته، كما لم يصلح لذلك البهائم ولا لمجاورته ودخول جنته.

стр. 17

ولو خلق كالملائكة معرىّ عن الحاجة البدنية لم يصلح لعمارة أرضه كما لم يصلح لذلك الملائكة حيث قال تعالى في جوابهم: (إِني أعلمُ ما لا تعلمون) فاقتضت الحكمة الإلهية أن تجمع له القوتان، وفي اعتبار هذه الجملة تنبيه على أن الإنسان دنيويٌّ وآخرويٌّ، وأنه لم يُخلق عبثاً كما نبه الله عليه بقوله: (أَفحسبتم أَنما خلقناكم عبثاً وأَنكم إلينا لا ترجعون) .

стр. 18

الباب التاسع في تمثيل ذات الإنسان وتصويره قد ذكر الحكماء لذات الإنسان وقواها مثالاً صوَّرها بها، فيتمثل كل ما لا يدرك إلا بالعقل بتصور الحس ليقرب من الفهم، فقالوا: ذات الإنسان لما كان عالماً صغيراً كما تقدم جرى مجرى بلد أحكم بناؤه، وشيد بنيانه، وحُصّن سوره، وخُطَّت شوارعه، وقسمت محاله وعُمرت بالسكان دوره، وسلكت سبله،، اجريت أنهاره، وفتحت أسواقه، واستعملت صناعه، وجعل فيه ملك مدبر، وللملك وزير وصاحب بريد وأصحاب أخبار وخازن وترجمان وكاتب وفي البلد أخيار وأشرار. فصناعها هي القوى السبعة التي يقال لها الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والنامية والغاذية والمصورة والملك العقل ومنبعه من القلب. والوزير القوة المفكرة ومسكنها وسط الدماغ. وصاحب البريد القوة المتخيلة ومسكنها مقدم الدماغ. وأصحاب الأخبار الحواس الخمس ومسكنها الأعضاء

стр. 19

الخمسة. والخازن القوة الحافظة ومسكنها الدماغ. والترجمان القوة الناطقة وآلتها اللسان. والكاتب القوة الكاتبة وآلتها اليد، وسكانها الأخيار والأشرار هي القوى التي منها الأخلاق الجميلة والأخلاق القبيحة، وكما أن الوالي إذا تزكى وساس الناس بسياسة الله صار ظل الله في الأرض كما روي أن النبي ﷺ قال: " السلطان ظل الله في الأرض ويجب على الكافة طاعته " كما قال الله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) كذلك متى جُعل العقل سائساً وجب على سائر قوى النفس أن تطيعه. وكما أن الله تعالى جعل الناس متفاوتين كما نبه الله تعالى عليه بقوله: (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخريّاً) . كذلك جعل قوى النفس متفاوتة وجعل من حق كل واحدة أن تكون داخلة في سلطان ما فوقها ومتأمرة على ما دونها. فحق القوة الشهوانية أن تكون مؤتمرة للقوة العاقلة، وحق القوة العاقلة أن تكون مستضيئة بنور الشرع ومؤتمرة لمراسمه، حتى تصير هذه القوى متظاهرة غير متعادية كما قال الله تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غِلّ إخواناً على سُرُرٍ متقابلين) . وكما لا ينفك أشرار العالم من أن يطلبوا في العالم الفساد ويعادوا الأخيار كما قال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً شياطين الأنس والجن) . كذلك في نفس الإنسان قوى رديئة من الهوى والشهوة والحسد تطلب الفساد وتعادي العقل والفكر. وكما نبه أنه يجب للوالي أن يتبع الحق ولا

стр. 20

يُصغي إلى الأشرار ولا يعتمدهم كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانةً من دونكم..) . وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) . وقال: (وأَن احكم بينهم بما أَنزل الله ولا تَتَّبعْ أهواءهم واحذَرْهم أَن يفتنوك) . كذلك يجب للعقل والفكر أن لا يعتمد القوى الذميمة. وكما أنه يجب للوالي أن يجاهد اعداء المسلمين كما قال تعالى: (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوَّ الله وعدوكم) . وكذلك يجب للعقل أن يعادي الهوى فإن الهوى من اعداء الله بدلالة قول النبي ﷺ : " ما في الأرض معبود ابغض الى الله من الهوى " ثم تلا (أفرأيت من أتخذ آلهة هواه) وكما أن من استحوذ عليه الشيطان انساه ذكر الله، وكذلك العقل إذا استحوذ عليه الهوى. كما أنه يجب للوالي أن يسالم اعاديه إذا لم يقو عليهم كما قال الله تعالى: (وان جنحوا للسلم فاجنح لها) وان لا يركن اليهم وان سالمهم كما قال الله تعالى: (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار) كذلك يجب للعقل ان يسالم الاشرار من قوى النفس اذا عجز عنها وان لا يركن اليها. وكما ان الوالي اذا احس بقوة احتاج الى ان يعدل الى نقض العهد واظهار المعاداة كما قال الله تعالى: (فإذا انسلخ الاشهر الحرُمُ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخُذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلَّ مرصد) . كذلك حق العقل اذا قوي على قوى النفس ان لا يداهنها. وكما ان شياطين الانس والجن يضعف كيدهم على من

стр. 21

تحصن بالايمان واستعاذ بالله وتقوَّى على من والاه كما قال تعالى: (إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) كذلك يضعفُ كيد الهوى عن العقل إذا تقوَّى بالله واستعاذ به. فحقُّ العقل أن يستعيذ من الهوى والشره والحرص والأمل وأن يطهر ذاته منها ومن سائر القوى الرديئة، استعاذة إبراهيم صلوات الله عليه حيث قال: (رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبَنيَّ أن نعبد الأصنام) . فالقوى الرديئة والإرادات الرديئة في ذات الإنسان جارية مجرى أصنام قلَّ ما ينفك الإنسان من عبادتها كما قال الله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) وذكروا مثلاً آخر فقالوا: " كل إنسان مع بدنه كوالٍ في بلد قيل له طهّر بلدك من النجاسات وادّب من يقبل التأديب من أهله ورُضْ من يقبل الرياضة من حيوانه وسباعه. ومن عاث فيه ولا يقبل التأديب والرياضة فاحبسه أو اقتله ولكن بالحق " كما قال الله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرّمَ اللهُ إلاّ بالحق) . فإن عجزت عن تطهير عرصته من الأنجاس، وعن تأديب طغاته ورياضة حيواناته وسباعه، فلا تعجز عن صيانة نفسك عن التلطخ بنجاساته، وعن الاحتراس من أن تفترسك سباعه، وأن يسبيك طغاته حتى إذا لم تكن غالباً لم تكن مغلوباً. فصار الناس في ذلك بين ثلاثة أصناف: صنف لم يفعل ما أُمر، ولم يؤَد حق الإيالة، وتهاون فيما فوض إليه، فجرح وأُسر فصار عند نفسه مع كونه مجروحاً مأسوراً ملوماً مخذولاً. وصنف فعل ما أُمر فأَدى حق

стр. 22

الإيالة، فصار عند ربه مأجوراً مشكوراً. وصنف جدَّ تارة وقصَّر تارة، فجرح وجُرح، وغَلب وغُلب. فهو كما قال تعالى: (خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم) وقال بعضهم::الإنسان إذا اعتُبر مع قوة التخيل وقوة الغضب وقوة الشهوة فمثله مثل من بلي في سفره بصحبة ثلاثة اضطر إليهم حتى لا يمكنه أن ينفصل منهم ويقضي سفره من دونهم " كما قال الشاعر: ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى ... عدوًّا له ما من صداقته بدُّ فيا نكد الدنيا متى أنت نازح ... عن الحر حتى لا يقاربه ضد فواحدٌ أمامههو له رقيب يحفظه، وعين تكلأه، لكنه مَلق باهت مموّه يلفق الباطل تلفيقاً، ويختلق الزور اختلاقاً، فيخلط الكذب بالصدق والخطأ بالصواب. والثاني عن يمينه بطش زَعر، يحميه عن أعاديه، لكنه كثيراً ما يغويه، فيهيج هائجه فلا يقمعه النصحُ ولا يطأطئه الرفق، كأنه نار في حطب أو سيل في صبب أو قَرْمٌ مُغْتَلِم، أو سبعٌ ثاكل، فيحتاج أن يسكنه دائماً فيحتمي به ومنه فهو معه كما قيل: " راكب الأسد يهابه الناس وهو في نفسه أهيب " والثالث عن يساره وهو الذي يأتيه بالمطعم والمشرب ولكنه

стр. 23

أرعن ملق قَذِر شَبِق كإنه خنزير أجيع فأٌرسل في جِلَّة يأتيه أحياناً بأطعمة خبيثة فيكرهه على تناولها، فهو يحتاج أن يصابرهم حتى يقطع سفره، فيبلغ أرضاً مقدسة يشرق فيها النور ويشرب فيها الذئب والنعجة من حوض واحد فيأمن فيها بوائقهم، ومن حيلته التي ترجى أن يسلم منهم بها أن يسلط هذا البطش الزّعِر على هذا الأرعن الملق حتى يزبره زبراً وأن يطفي غلو هذا الزعر التائه بخلابة هذا الأرعن المَلِق، وأن لا يجنح إلى الباهت المتخرص حتى يؤتيه موثقاً من الله غليظاً ثم يصدقه فيما ينهيه إليه، فجعل الملق الباهت كناية عن الوهم، والبطش الزعر عن الغضب، والأرعن الملق عن الشهوة، وجعل الأرض المقدسة عبارة عن دار السلم، وذكر أن حيلته في أن يسلم منهم أن يدفع بعض هذه القوى ببعض دفع الشر بالشر.

стр. 24

الباب العاشر في كون الإنسان هو المقصود من العالم وإيجاد ما عداه لأجله المقصود من العالم وإيجاده شيئاً بعد شيء هو أن يوجد الإنسان، فالغرض من الأركان أن يحصل منها النبات، ومن النبات أن تحصل الحيوانات، ومن الحيوانات أن تحصل الأجسام البشرية ومن الأجسام البشرية، أن يحصل منها الأرواح الناطقة، ومن الأرواح الناطقة أن يحصل منها خلافة الله تعالى في أرضه فيتوصل بلإيفاء حقها إلى النعيم الأبدي كما دلَّ الله تعالى عليه بقوله: (إني جاعل في الأرض خليفة) . وجعل تعالى الإنسان سلالة العالم وزبدته وهو المخصوص بالكرامة كما قال تعالى: (ولقد كرَّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) . وجعل ما سواه كالمعونة له كما قال تعالى في معرض الامتنان: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) . فليس فضله بقوة الجسم، فالفيل والبعير أقوى جسماً منه، ولا بطول العمر فالنسر والحية أطول منه عمراً، ولا بشدة البطش فالأسد والنمر أشد منه

стр. 25

بطشاً، ولا بحسن اللباس والدراج أحسن منه لباساً، ولا بالقوة على النكاح فالحمار والعصفور أقوى منه نكاحاً، ولا بكثرة الذهب والفضة فالمعادن والجبال أكثر منه ذهباً وفضةً. وما أحسن قول الشاعر: لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان ولما تفاضلت النفوس ودبرت ... أيدي الكماة عواليَ المرَّان ولا بعنصره الموجود منه كما زعم ابليس حيث قال: (خلقتني من نار وخلقته من طين) . بل ذلك بما خصه الله تعالى به، وهو المعنى الذي ضمنه فيه، والأمر الذي رشحه له، وقد أشار إليه تعالى بقوله: (فإذا سويتُه ونفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدين) وبقوله: (خلقتُ بيديَّ) . والملائكة لما نبههم الله تعالى لفضل آدم تنبهوا فأذعنوا وسجدوا له كما أُمروا. وإبليس لما نظر إلى ظاهر آدم وبدئه وتعامى عما ذكر الله تعالى، ولم يتأمل المعنى الذي ضمنه الله تعالى آدم، والعاقبة التي جعلها له أبى واستكبر. وقد اقتدى به الكفار في ردّ الأنبياء حيث قالوا: (ما هذا إلاّ بشرٌ مثلكم يريد أن يتفضل عليكم) . وقالوا: (ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) . وقد نبه الله تعالى على أن الاعتبار بفضلهم ليس بظاهر

стр. 26

أبدانهم وإنما ذلك لمعاني في نفوسهم يعمى عنها الكفار فقال عزَّ من قائل: (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) . أي لا يعرفون ما فضلتهم به. فمن وفّق لفضل ما أٌعطي ولما رُشح له وأُعدَّ ثم سعى في مثاله، فقد أُوتي خيراً كثيراً وما يذَّكر الاّ أُولو الألباب.

стр. 27

الباب الحادي عشر في الغرض الذي لأجله أوجد الإنسان ومنازلهم الغرض منه أن يعبد الله ويخلفه وينصره ويعمر أرضه كما نبه الله تعالى بآيات في مواضع مختلفة حسب ما اقتضت الحكمة ذكره وذلك قوله تعالى: (وما خلقتُ الجنَّ والإنس إلا ليعبدون) وقوله: (إني جاعل في الأرض خليفة) وقوله: (ليستخلفنهم في الأرض) وقوله: (ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب) وقوله: (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله) وقوله: واستعمركم فيها. وكل ذلك إشارة إلى توليتهم أموراً لم يستصلح لها الإنسان، كما نبه الله تعالى عليه بقوله للملائكة: (إني أعلم ما لا تعلمون) . وذلك أن الله تعالى ما كان موجداً لما هو موجده وفاعلاً لما هو فاعله إلا على أربعة أوجه: الأول أفعال تولاَّها بذاته، وهي الإبداع ومعنى الإبداع هو إيجاد الشيء من العدم وإليه الإشارة بقوله تعالى: (بديع السموات والأرض) .

стр. 28

والثاني أفعالٌ استعبد فيها ملائكته وسماه قوم التكوينات، وذلك إخراج الشيء من النقص إلأى الكمال إخراجاً غير محسوس فاعله، وبذلك وصفهم الله تعالى بقوله: (فالمدبرات أمراً) وهم ثلاثة أضرب: ضرب إليهم القيام بالأجرام السماوية، وقد قيل هم إسرافيل وميكائيل ورضوان والمحتفُّون بالعرش الموصوفون بقوله تعالى: (وترى الملائكة حافّين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين) وقوله تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله.. الآية) . وضرب إليهم تدبير الأركان الهوائية كالملائكة الباعثة للرياح والمزجية للسحاب الموصوفين بقوله تعالى: (والمرسلات عُرْفاً) وقوله : (والنازعات غرقاً) وضرب إليهم تدبير الأرض كالموصوفين بقوله تعالى: (له معقّبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) . وكمن وصفه النبي ﷺ في صفة الجنين أنه يبعث ملكاً فينفخ فيه الروح وكالحفيظ والرقيب والعتيد وكمن وصفهم الله بقوله: (ألن يكفيكم أن يمدَّكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين) . والثالث أفعالٌ سخر الله تعالى لها الأركان وموجودات العالم كالإحراق والإذابة للنار والترطيب للماء، وفي الجملة ما قد سخر تعالى له شيئاً فشيئاً من لجمادات والناميات وغير ذلك، ونبه عليه بقوله تعالى: (وسخر لكم الشمس والقمر) . وغير ذلك من الآيات المذكورة. والرابع الصناعات والمهن المحسوسة التي استعبد الإنسان فيها

стр. 29

واستخلفه، وهي الأشياءُ التي يحتاج صناعة أكثرها إلى ستة أشياء، إلى عنصر تعمل منه، وإلى مكان وإلى زمان وإلى حركة وإلى أعضاء وإلى آلة، وهذا الضرب خص الإنسان به ولم يستصلح له الملائكة، وجعل لكم من الملَك مقاماً معلوماً كما نبه عليه تعالى بقوله: (وما منا إلاّ له مقام معلوم) . وكذلك جعل لكل نوع من الناس مقاماً معلوماً كما نبه عليه بقوله: (قل كلٌّ يعمل على شاكلته) وقوله: (انظر كيف فضَّلنا بعضهم على بعض) . وقول النبي ﷺ : " كلٌّ مُيَسَّرٌّ لما خُلق له ". ولكن عامة الملائكة لم يعصوا الله فيما أمرهم كما وصفهم تعالى بقوله: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) والناس فيما أُمروا به وكلفوه بين مطيع وعاصٍ فهم على القول المجمل ثلاثة أضرب: ضرب اخلُّوا بأمره، وانسلخوا عما خُلقوا لأجله، واتبعوا خطوات الشيطان وعبدوا الطاغوت. وضرب وقفوا بغاية جهدهم حيث ما وقفوا كالموصوفين بقوله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً) وضرب ترددوا بين الطريقين كما قال الله تعالى: (خلطوا عملاً صالحاً وأ آخر سيئاً) فمن رجح حسناته على سيئاته فموعود بالإحسان إليه. وعلى الأنواع الثلاثة دل الله تعالى بقوله: (وكنتم أزواجاً ثلاثة فأصحابُ الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة والسابقون السابقون أولئك المقرَّبون) وعلى هذا أقسم الله تعالى في آخر السورة فقال: (فأما إن كان من المقرَّبين فرَوْحٌ وريحانٌ وجنة نعيم وأما إن كان من

стр. 30

أصحاب اليمين فسلامٌ لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذّبِين الضالين فنزُلٌ من حميم وتصلية جحيم) . وكثيرٌ من الناس يعصون الله، ولا يأتمرون له. فقيضهم الله تعالى بغير إرادة منهم للسعي في نصرته من حيث لا يشعرون كفرعون في أخذ موسى وتربيته. وكجمعه السحرة ليكون سبباً في إيمانهم. وأخوة يوسف في فعلهم ما أفضى به إلى ملك مصر وتمكنه مما تمكن منه، ويكون مثلهم في ذلك كما قيل: قصدت مساتي فاجتلبتَ مسرَّتي ... وقد يُحسِنُ الإنسان من حيث لا يدري وقال آخر: فعل الجميلَ ولم يكن من قصده ... فقبلته وقرنته بذنوبه ولرب َّ فعل جاءَني من فاعل ... فحمدته وذممتُ من يأتي به فيكون فعلُه محموداً وفاعله مذموماً كما قيل: رُبَّ امرٍ أتاك لا تحمد ال ... فُعَّال وتحمد الأفعالا وقد أوجد الله تعالى كل ما ما في العالم للإنسان كما نبه عليه بقوله تعالى: (جعل لكم الأرض فراشاً والسماءَ بناءً وأنزل من السماءِ ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم) . وقال تعالى: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض ... الآية) . وقال : (وسخر لكم ما في الأرض) . وقوله تعالى: (هو الذي أنزل من السماءِ ماءً لكم منه

стр. 31

شراب ومنه شجر فيه تُسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وسخر لكم الليل والنهار.. الآية) . وأباح جميعها لهم كما نبه الله تعالى عليه بقوله: (قلْ مَنْ حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) . فللإنسان أن ينتفع بكل ما في العالم على وجهه، أما في غذائه أو في دوائه أو في ملابسه ومشموماته ومركوباته، وزينته والالتذاذ بصورته، أو رؤيته والاعتبار به، وبإستفادة علم منه والافتداءِ بفعله فيما يستحسن منه، والاجتناب عنه فيما يستقبح منه، فقد نبه الله تعالى على منافع جميع الموجودات، واطلع الخلائق عليها أما بألسنة الأنبياء ﵈، أو بإلهام الأولياء ﵃، وكما أنَّ حق الإنسان أن يعرف منافع الحيوانات في ذواتها فينتفع بها في المطاعم والملابس والأدوية، فحقه أن يعرف أخلاقها وأفعالها فينتفع بها في اجتناء ما يستحسن واجتناب ما يستقبح منها. فقد أحسن من قال: " تعلمتُ من كل شيءٍ أحسن ما فيه حتى من الكلب حمايته على أهله. ومن الغراب بكورة في حاجته " وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في وصف النحل فقال: (وأَوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات.. الآية) فنبه على أن الإنسان حقه أن يقتدي بالنحل في مراعاته لوحي الله ، فكما أنها لا تتخطى وحي الله في تحري المصالح طبعاً، كذلك يجب على الإنسان أن لا يتخطى وحي الله اختياراً.

стр. 32

الباب الثاني عشر في تفاوت الناس واختلافهم الأشياءُ كلها متساوية غير متفاوتة من حيث أنها مصنوعة بالحكمة، وعلى ذلك نبه الله تعالى بقوله: (ما ترى في خَلْق الرحمن من تفاوت) . ومختلفة من حيث أن كل نوع يختص بفائدة، وكل نوع وأن اختلف فما من شيء أكثر اختلافاً من الناس، كما قال الله تعالى: (وقد خلقكم أطواراً) وقال تعالى: (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) وقال : (أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً) وقال سبحانه: (ولو شاءَ الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما أتاكم) وقال تعالى: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم) وقال سبحانه: (ولو شاءَ ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربك) وعلى هذا نبه الله تعالى بقوله: (وفي الأرض قطَعٌ متجاوراتٌ وجنات من أعناب وزرع (إلى قوله) إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) . والحكمة المقتضية لذلك هو أن الإنسان

стр. 33

لما كان غير مكفي بتفرده بقاؤه أدنى مدة، فإن أول ما يحتاج الإنسان إليه ما يواريه وما يغذوه، وليس يجد ما يواريه مصنوعاً، ولا ما يغذوه مطبوخاً، كما يكون لكثير من الحيوانات بل هو مضطر إلى اصلاحهما، واصلاحُ ذلك يحوجه إلى آلاتٍ غير مفروغ منها، والإنسان الواحد لا توصل له إلى إعداد جميع ما يحتاج إليه ليعيش العيشة الحميدة، فلم يكن بُدُّ الناس من تشارك وتعاون، فجعل لكل قوم صنعة وهيئة مفارقة للصنعة الأخرى ليقتسموا الصناعات بينهم، فيتولى كلٌّ منهم صنفاً من الصناعات فيتعاطاه باهتزاز، كما قال الله تعالى: (فتقطعوا أمرهم بينهم زُبراً كلُّ حزب بما لديهم فرحون) . فاقتضت الحكمة أن تختلف جثثهم وقواهم وهممهم، فيكون كلٌّ ميسرٌّ لما خلق له. وقال تعالى: (قل كلٌّ يعمل على شاكلته) . فتكون معايشهم مقتسمة بينهم، كما نبه الله عليه بالآيات المتقدمة. وقال تعالى: (ولو شاءَ ربك لجعل الناس أُمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) . والاختلاف الحاصل بيِّنٌ. فالناس إذا اعتبر اختلاف أغراضهم وهممهم فهم في صناعاتهم في حكم المسخرين وإن كانوا في الظاهر مختارين. وقد أشار النبي ﷺ إلى ما يتعلق من المصلحة بتباينهم واختلاف طبقاتهم فقال: " لا يزالُ الناس بخيرٍ ما تباينوا فإذا تساووا وهلكوا ".

стр. 34

الباب الثالث عشر في سبب تفاوت الناس أسباب ذلك سبعة أشياء: الأول اختلاف الأمزجة وتفاوت الطينة واختلاف الخلقة، كما أشير فيما روي أن الله تعالى لما أراد خلق آدم ﵇ أمر أن يؤخذ من كل أرض قبضةٌ، فجاء بنو آدم على قدر طينتها الأحمر والأبيض والأسود والسهل والحزْنُ والطيب والخبيث، وإلى نحو هذا أشار الله تعالى بقوله: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خَبُثَ لا يخرج إلاّ نكدا) . وقال تعالى: (هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء) والثاني اختلاف أحوال الوالدين في الصلاح والفساد، وذلك أن الإنسان قد يرث من أبويه آثار ما هما عليه من جميل السيرة والخلق وقبيحهما، كما يرث مشابهتَهُما في خلقهما، ولهذا قال الله تعالى: (وكان أبوهما صالحا) . وعلى نحوه روي أنه قال التوراة " إِني إذا رضيتُ باركتُ وإِن بركتي لتبلغ البطن السابع وإذ

стр. 35

سَخِطْتُ لعنتُ وإِن لعنتي لتبلغ البطن السابع " تنبيهاً على أن الخير والشر الذي يكسبه الإنسان ويتخلق به يبقى أثره موروثاً إلى البطن السابع. والثالث اختلاف ما تتكوَّن منه النطفة التي يكون منها الولد، ودم الطمث الذي يتربى به الولد، فذلك له تأثيرٌ بحسب طيب ما تكونا منه وخبثه، ولهذا قال ﷺ : " تخيروا لنطفكم " وقال: " الناكح غارس فلينظر أحدكم أين يضع غرسه " وقال: " إياكم وخضراء الدّمن، قيل وما خضراءُ الدمن قال: " المرأة الحسناءُ في المنبت السوء " والرابع اختلاف ما يتفقد به من الرضاع ومن طيب المطعم الذي يتربى به، ولتأثير الرضاع يقول العرب لمن تصفه بالفضل: " لله درُّه " والخامس اختلاف أحوالهم في تأديبهم وتلقينهم وتطبيعهم وتعويدهم العادات الحسنة والقبيحة، فحق الولد على الوالدين أن يؤخذ بالآداب الشرعية وأخطار الحق بباله وتعويده فعل الخير كما قال النبي ﷺ : " مُروهم بالصلاة لسبع واضربوهم لعشر " ويجب أن يصان عن مجالسة الأردياء، فإنه في حال صباه كالشمع يتشكل بكل شكل يُشكل به، وأن يحسن في عينه المدح والكرامة ويقبح عنده الذم والمهانة، ويبغض إليه الحرص على المآكل والمشارب، ويعود الاقتصاد في تناولها ومخالفة الشهوة ومجانبة ذوي السخف، ويؤخذ بقلة النوم في النهار، فهو يشيب ويورث الكسل ويعود التأني في أفعاله وأقواله، ويمنع من مفاخرة الأقران ومن الضرب والشتم والعبث والاستكثار من الذهب والفضة، ويعوِّد صلة الرحم وحسن تأدية فروض الشرع. قال بعض الحكماء: " من سعادة

стр. 36

الإنسان أن يتفق له في صباه من يعوّده تعاطي الشريعة حتى إذا بلغ الحلم وعرف وجوبها فوجدها مطابقة لما تعوده قويت بصيرته ونفذت في تعاطيها عزيمته " والسادس اختلاف من يتخصص به ويخالطه، فيأخذ طريقته فيما يتمذهب به (عن المرءِ لا تسأل وابصر قرينه) والسابع اختلاف اجتهاده في تزكية نفسه بالعلم والعمل حين استقلاله بنفسه. والفاضل التام الفضيلة من اجتمعت له هذه الأسباب المسعدة. وهو أن يكون طيب الطينة معتدل الأمزجة جارياً في أصلاب آباءٍ صالحين ذوي أمانة واستقامة، متكوناً من نطفة طيبة ومن دم طمث طيب على مقتضى الشرع، ومرتضعاً بدَرٍ طيب ومأخوذاً في صغره من قبل مربيه بالآداب الصالحة وبالصيانة عن مصاحبة الأشرار، ومتخصصاً بعد بلوغه بمذهب حق ومجهداً نفسه في تعرف الحق مسارعاً إلى الخير. فمن وُفق في هذه الأشياء تنجع فيه الخيرات من جميع الجهات كما قال الله تعالى: (لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) . ويكون جديراً أن يعد ممن وصفه الله تعالى بقوله: (وأنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) . والرذل التام الرذيلة هو من يكون بعكس هذا في الأمور التي ذكرناها. واعلم أن من طابت أحواله انتفع بكل ما سمعه وشاهده أن خيراً وأن شراً، ومن خبثت أحواله استضر بكل ما سمعه وشاهده. وعلى ذلك دلَّ الله تعالى بقوله: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً) . فالخبيث من الأرض وإن طاب بذره وعذب ماؤه لا ينبت إلاّ خبيثاً، والطيب من الأرض وإن

стр. 37

كدر بذره وملح ماؤه لا ينبت إلاّ طيباً، ولذلك قال يسبحانه وتعالى في كتابه: (تسقى بماءٍ واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل) وقال في صفة كتابه: (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاؤٌ والذين لا يؤمنون في آذانهم وقرٌ عليهم عمىّ) .

стр. 38

الباب الرابع عشر في بيان الشجرة النبوية وفضلها على جوهر سائر البرية اقتضت الحكمة ان تكون الشجرة النبوية صنفاً مفرداً ونوعاً واحداً واقعاً بين الإنسان والملَك، ومشاركاً لكل واحد منهما على وجهٍ، فإنهم كالملائكة في اطلاعهم على ملكوت السموات والأرض، وكالبشر في احوال المطعم والمشرب. ومثَلُه في كونه واقعاً بين نوعين مثل المرجان فإنه حجر يشبه الأشجار بتشذّب اغصانه، وكالنخل فإنه شجر شبيه بالحيوان في كونه محتاجاً الى التلقيح وبطلانه اذا قطع رأسه. وجعل الله النبوة في ولد ابراهيم ومن قبله نوح كما نبه عليه بقوله: (ولقد ارسلنا نوحاً وابراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب) وقال تعالى: (ذرية بعضها من بعض) . فهم ﵈ وان كانوا من حيث الصورة كالبشر، فهم من حيث الأرواح كالملَك قد أُيّدوا بقوةٍ روحانيةٍ وخُصّوا بها كما قال الله تعالى في عيسى ﵇: (وايدناه بروح القدس) وقال في محمد ﷺ : (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين) .

стр. 39

وتخصيصهم بهذا الروح ليمكنهم ان يقبلوا من الملائكة لما بينهم من المناسبة البشرية لذلك قال سبحانه: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ولَلَبَسْنَا عليهم ما يلبسون) تنبيهاً على ان ليس في قوة عامة البشر الذين لم يخصوا بذلك الروح ان يقبلوا الاَّ من البشر. ولما عمي الكفار عن ادراك هذه المنزلة وعما للأنبياء من الفضيلة انكروا نبوة الأنبياء كما قال الله تعالى: (قالوا ان انتم الا بشرٌ مثلنا تريدون ان تصدونا عما كان يعبد آباءُنا فأتونا بسلطان مبين) . فالأنبياء صلوات الله عليهم بالإضافة إلى سائر الناس كالإنسان بالإضافة إلى الحيوانات، وكالقلب بالإضافة إلى سائر الناس كالإنسان بالإضافة إلى الحيوانات، وكالقلب بالإضافة إلى سائر الجوارح، وأيضاً فمنزلة الأنبياء من أُممهم بمنزلة الشمس من القمر، ومنزلة علمهم من علوم أممهم بمنزلة ضوء الشمس من نور القمر كما قال الله تعالى: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً) . فكما أن نور القمر مقتبس من ضوء الشمس وهو قاصر عنها، كذلك منزلة الأُمم من أنبيائهم ومنزلة علمهم من علومهم. وكما لا يحصل النور للقمر إلاّ بوساطة الشمس، كذلك لا تحصل علوم الناس وتزكية نفوسهم إلاّ بوساطة الشمس، كذلك لا تحصل علوم الناس وتزكية نفوسهم إلاّ بوساطة الأنبياء، وعلى هذا دل الله تعالى بقوله: (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) . فالله ﵎ يزكي الأنبياء بوساطة الملك، ويزكي من يشاء من الناس بوساطة الأنبياء، كالطابع الذي جعل له كتابة ثم بوساطته يثبت في الشموع المختلفة شكل تلك الكتابة.

стр. 40

الباب الخامس عشر في هداية الأشياء إلى مصالحها كل ما أوجده الله سبحانه فإنه هداه لما فيه مصلحته، كما نبه عليه بقوله تعالى: (أعطى كل شيءً خلقه ثم هدى) . لكن هدايته للجمادات بالتسخير فقط كالأشياء الأرضية التي إذا تركت تنحو نحو السفل وكالنار التي تنحو إلى العلو. وهدايته للحيوانات إلى أفعال تتعاطاها بالتسخير والإلهام كالنحل فيما يتعاطى من السياسة واتخاذ البيوت المسدسة ومن عمل العسل. وكالسُّرفة فيما تبنيه من الأبنية. وكالعنكبوت في نسجه. وهدايته للملائكة بالتسخير والإلهام وببداهة العقل وما جعل لها من العلوم الضرورية، فأما الإنسان فهدايته له تعالى بكل ذلك وبالفكر، وذلك أنه بالتسخير بنفسه وكثير من حركاته، وبإلهام هدايته طفلا للارتضاع بالثدي وطلب
следующие страницы →