← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21562

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين

الراغب الأصفهاني

Полный текст (99 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الإنسان أن يتفق له في صباه من يعوّده تعاطي الشريعة حتى إذا بلغ الحلم وعرف وجوبها فوجدها مطابقة لما تعوده قويت بصيرته ونفذت في تعاطيها عزيمته " والسادس اختلاف من يتخصص به ويخالطه، فيأخذ طريقته فيما يتمذهب به (عن المرءِ لا تسأل وابصر قرينه) والسابع اختلاف اجتهاده في تزكية نفسه بالعلم والعمل حين استقلاله بنفسه. والفاضل التام الفضيلة من اجتمعت له هذه الأسباب المسعدة. وهو أن يكون طيب الطينة معتدل الأمزجة جارياً في أصلاب آباءٍ صالحين ذوي أمانة واستقامة، متكوناً من نطفة طيبة ومن دم طمث طيب على مقتضى الشرع، ومرتضعاً بدَرٍ طيب ومأخوذاً في صغره من قبل مربيه بالآداب الصالحة وبالصيانة عن مصاحبة الأشرار، ومتخصصاً بعد بلوغه بمذهب حق ومجهداً نفسه في تعرف الحق مسارعاً إلى الخير. فمن وُفق في هذه الأشياء تنجع فيه الخيرات من جميع الجهات كما قال الله تعالى: (لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) . ويكون جديراً أن يعد ممن وصفه الله تعالى بقوله: (وأنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) . والرذل التام الرذيلة هو من يكون بعكس هذا في الأمور التي ذكرناها. واعلم أن من طابت أحواله انتفع بكل ما سمعه وشاهده أن خيراً وأن شراً، ومن خبثت أحواله استضر بكل ما سمعه وشاهده. وعلى ذلك دلَّ الله تعالى بقوله: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً) . فالخبيث من الأرض وإن طاب بذره وعذب ماؤه لا ينبت إلاّ خبيثاً، والطيب من الأرض وإن

стр. 37

كدر بذره وملح ماؤه لا ينبت إلاّ طيباً، ولذلك قال يسبحانه وتعالى في كتابه: (تسقى بماءٍ واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل) وقال في صفة كتابه: (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاؤٌ والذين لا يؤمنون في آذانهم وقرٌ عليهم عمىّ) .

стр. 38

الباب الرابع عشر في بيان الشجرة النبوية وفضلها على جوهر سائر البرية اقتضت الحكمة ان تكون الشجرة النبوية صنفاً مفرداً ونوعاً واحداً واقعاً بين الإنسان والملَك، ومشاركاً لكل واحد منهما على وجهٍ، فإنهم كالملائكة في اطلاعهم على ملكوت السموات والأرض، وكالبشر في احوال المطعم والمشرب. ومثَلُه في كونه واقعاً بين نوعين مثل المرجان فإنه حجر يشبه الأشجار بتشذّب اغصانه، وكالنخل فإنه شجر شبيه بالحيوان في كونه محتاجاً الى التلقيح وبطلانه اذا قطع رأسه. وجعل الله النبوة في ولد ابراهيم ومن قبله نوح كما نبه عليه بقوله: (ولقد ارسلنا نوحاً وابراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب) وقال تعالى: (ذرية بعضها من بعض) . فهم ﵈ وان كانوا من حيث الصورة كالبشر، فهم من حيث الأرواح كالملَك قد أُيّدوا بقوةٍ روحانيةٍ وخُصّوا بها كما قال الله تعالى في عيسى ﵇: (وايدناه بروح القدس) وقال في محمد ﷺ : (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين) .

стр. 39

وتخصيصهم بهذا الروح ليمكنهم ان يقبلوا من الملائكة لما بينهم من المناسبة البشرية لذلك قال سبحانه: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ولَلَبَسْنَا عليهم ما يلبسون) تنبيهاً على ان ليس في قوة عامة البشر الذين لم يخصوا بذلك الروح ان يقبلوا الاَّ من البشر. ولما عمي الكفار عن ادراك هذه المنزلة وعما للأنبياء من الفضيلة انكروا نبوة الأنبياء كما قال الله تعالى: (قالوا ان انتم الا بشرٌ مثلنا تريدون ان تصدونا عما كان يعبد آباءُنا فأتونا بسلطان مبين) . فالأنبياء صلوات الله عليهم بالإضافة إلى سائر الناس كالإنسان بالإضافة إلى الحيوانات، وكالقلب بالإضافة إلى سائر الناس كالإنسان بالإضافة إلى الحيوانات، وكالقلب بالإضافة إلى سائر الجوارح، وأيضاً فمنزلة الأنبياء من أُممهم بمنزلة الشمس من القمر، ومنزلة علمهم من علوم أممهم بمنزلة ضوء الشمس من نور القمر كما قال الله تعالى: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً) . فكما أن نور القمر مقتبس من ضوء الشمس وهو قاصر عنها، كذلك منزلة الأُمم من أنبيائهم ومنزلة علمهم من علومهم. وكما لا يحصل النور للقمر إلاّ بوساطة الشمس، كذلك لا تحصل علوم الناس وتزكية نفوسهم إلاّ بوساطة الشمس، كذلك لا تحصل علوم الناس وتزكية نفوسهم إلاّ بوساطة الأنبياء، وعلى هذا دل الله تعالى بقوله: (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) . فالله ﵎ يزكي الأنبياء بوساطة الملك، ويزكي من يشاء من الناس بوساطة الأنبياء، كالطابع الذي جعل له كتابة ثم بوساطته يثبت في الشموع المختلفة شكل تلك الكتابة.

стр. 40

الباب الخامس عشر في هداية الأشياء إلى مصالحها كل ما أوجده الله سبحانه فإنه هداه لما فيه مصلحته، كما نبه عليه بقوله تعالى: (أعطى كل شيءً خلقه ثم هدى) . لكن هدايته للجمادات بالتسخير فقط كالأشياء الأرضية التي إذا تركت تنحو نحو السفل وكالنار التي تنحو إلى العلو. وهدايته للحيوانات إلى أفعال تتعاطاها بالتسخير والإلهام كالنحل فيما يتعاطى من السياسة واتخاذ البيوت المسدسة ومن عمل العسل. وكالسُّرفة فيما تبنيه من الأبنية. وكالعنكبوت في نسجه. وهدايته للملائكة بالتسخير والإلهام وببداهة العقل وما جعل لها من العلوم الضرورية، فأما الإنسان فهدايته له تعالى بكل ذلك وبالفكر، وذلك أنه بالتسخير بنفسه وكثير من حركاته، وبإلهام هدايته طفلا للارتضاع بالثدي وطلب

стр. 41

الغذاء والتشكي من الآلام بالبكاء، وببديهية العقل يعرف مبادي العلوم، وبالفكر يتوصل إلى استنباط المجهول بالمعلوم، فهو إن خلق عارياً من المعارف التي جعلها الله تعالى للحيوانات بالإلهام، ومن الملابس والأسلحة التي جعلها لها بالتسخير، فقد جعل للإنسان قوة التعلم بالعقل والفكر وتحصيل الملابس والأسلحة والآلات المختلفة، ووكله إلى نفسه من الإستفادة، ومكنه من ذلك، وذلك فضيلة لا نقيصة ورفعة لا ضعة فإنه بإعطائه العلم والعقل واليد العاملة قد أعطاه كل شيءٍ، ولو أُعطي كل شيءٍ حسب ما أعطي البهائم شيئاً فشيئاً لكان قد منع كلَ شيءٍ لأن بعضه كان يمنعه عن استعمال البعض. وإلى تمكن الإنسان من تحصيل ما يريده أشار الله تعالى بقوله: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) وقد ظن قوم أن الله تعالى خلق الناس من بين الحيوان خلقاً منقوصاً إذ لم يعطوا سلاحاً يدفعون به عن أنفسهم كما أعطى كثيراً من الحيوان أسلحة كالأنياب والمخالب، إذ لم يكفهم لباسهم كما كفى الحيوان بل قد أحوجهم إلأى تطهير البدن وقد أغناها عنه، قالوا ولذلك قال الله تعالى: (وخُلق الإنسان ضعيفاً) . وليس كذلك والصحيح عند المخلصين أن الإنسان وإن كان ضعيفاً بالإضافة إلى الباري تعالى وإلى الملإِ الأعلى فليس يقصر عن الحيوان جميعه من جهة ما ظنوه، فإن الله تعالى بحكمته البارعة أعطى كل واحد من الحيوان سلاحاً بقدر ما علم من مصلحته، فبعض جعل له آلة الهرب كالعدو، وبعض جعل له رمحا

стр. 42

يدفع به كالقرون للبقر والغنم، وبعض دبوساً كالحافر للفرس والحمار، وبعض نشاباً كالشوك للقنفذ، وجعل لكلٍ لباساً بحسب كفايته، وألهم كلاً منها صنعة يتعاطاها بطبعه، وجعل للإنسان بدل ذلك الفكر والتمييز الذي يمكنه أن يتخذ به كل آلة وكل ملبس على قدر حاجته إليه، ويتناوله متى شاء، ويضعه متى أحب، ويستبدل به كيفما أراد، والحيوانات ليس لها أن تضع أسلحتها متى ما استغنت عنها ولا أن تستبدل بها فهذا دليل على تمام الإنسان ونقصان الحيوانات، والإنسان بالفكر والرويّة يقهر الحيوانات التي هي أقوى منه لأنه يهيء بفكرته لكل منها آلة يصطادها بها. فإذاً العقل الذي أعطاه ليحصل به كل ما يحتاج إليه أعلى وأشرف، فإنه مرآة إذا جلاها اطّلع بها على ملكوت السموات والأرض.

стр. 43

الباب السادس عشر في سعادة الإنسان ونزوعه إليها قال بعض الحكماء: جعل الله لكل شيء كمالاً ينساق إليه طبعا، وقد هداه إلى التخصيص به تسخيراً، كما نبه الله عليه بقوله تعالى: (أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) . وللإنسان سعادات أتيحت له وهي النعم المذكورة في قوله تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) وجميع النعم والسعادات على القول المجمل ضربان ضرب دائم لا يبيد ولا يحول وهو النعم الأُخروية. وضرب يبيد ويحول وهو النعم الدنيوية. والنعم الدنيوية متى لم توصلنا إلى تلك السعادات فهي كسراب بقيعة وغرور وفتنة وعذاب كما وصفه الله تعالى في كتابه: (إنما مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماءِ.. الآية) . وما أصدق ما قال الشاعر: إِنما الدنيا كرؤيا أفرحت ... من رآها ساعةً ثم انقضت

стр. 44

فصل ما أحد إلا وهو فازع إلى السعادة يطلبها بجهد ولكن كثيرا ما يخطيءُ فيظن ما ليس بسعادة في ذاته أنه سعادة فيغتر بها فيكون كالموصوف بقول الله تعالى: (والذين كفروا أعمالُهم كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً) . وبقوله تعالى: (أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يومٍ عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء) وقال الشاعر: كلٌ يحاول حيلة يرجو بها ... دفع المضرة واجتلاب المنفعة والمرء يغلط في تصرف حاله ... فلربما اختار العناء على الدعة فصل النعم الدنيوية إنما تكون نعمة وسعادة متى تُنُو ولت على ما يجب وكما يجب، ويجري بها على الوجه الذي لأجله خُلق، وذلك أن الله جعل الدنيا عارية ليتناول منها قدر ما يتوصل به إلأى النعم الدائمة والسعادة الحقيقية. وشرع لنا، في كل منها حكما بيَّن فيه كيف يجب أن يتناول ويتصرف فيها لكن صار الناس في تناولها فريقين: فريق يتناوله على الوجه الذي جعله الله لهم فانتفعوا به، فصار ذلك لهم نعمة وسعادة وهم الموصوفون بقوله تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) وقوله : (للذين أحسنوا في هذه

стр. 45

الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين) وقوله تعالى: (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوأنهم في الدنيا حسنة) . فهؤلاء حيوا بها حياةً طيبة كما قال تعالى: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طيبة) وفريق يتناولوها لا على الوجه الذي جعلها الله لهم، فركنوا إليها فصار ذلك لهم نقمة وشقاوة، فتعذبوا بها عاجلاً وآجلاً وهم الموصوفون بقوله تعالى: (إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) . فصل والسعادات الأُخروية ليس لنا تصور كنهها ما دمنا في دار الدنيا ولذلك قال تعالى: (فلا تعلم نفسٌ ما أُخفي لهم من قرة أعين) . وكما قال النبي ﵊ عن ربه تعالى " أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أُذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر " والسبب في قصورنا عن تصورها شيئان: أحدهما أن الإنسان لا يمكن أن يعرف حقيقة الشيء وتصوره حتى يدركه بنفسه، وإذا لم يدركه ووصف له يجري مجرى صبيّ توصف له لذة الجماع فلا يمكن أن يتصور حقيقته حتى يبلغ فيباشره بنفسه. وكالأكمه توصف له المرآة. وحالنا في اللذة الأُخروية هكذا فإننا لا نتصورها على الحقيقة إلا إذا طالعناها فإذا طالعناها شغلنا الفرح والتلذذ بها عن كل ما دونها كما قال تعالى: (أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون) . والثاني أن لكل قوة من قوى النفس وجزءاً من أجزاءِ البدن لذة تختص بها لا يشاركها فيها غيرها، فلذة العين في النظر إلى ما تستحسنه، ولذة السمع في الإستماع

стр. 46

إلأى ما يستطيبه، ولذة اللمس في لمس ما يستلذه، ولذة لوهم في تصور ما يؤمله، ولذة الخيال في تخيل ما يستحسن تصوره، ولذة الفكر في أمر مجهول عنده يتعرفه، وكل واحد من هذه القوى والأجزاءِ إذا عرض لها آفة تعوقها عن شهوتها وعن إدراك لذتهايكون كالمريض الذي لا يشتهي الماء وكان به ظمأ وإذا تناوله لم يجد له لذة كما قال الشاعر: ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرّا به الماء الزلالا وإذا كان كذلك فاللذات الأُخروية هي لذات لا تدرك إلا بالعقل المحض وعقول أكثر من في هذه الدار مولهة معوقة عن إدراك حقائق اللذات الأخروية فلا تشعر بها كالخدر لآفة عرضت له فلا يحس بالسبب المؤلم. وكالمريض الذي لا يحس بالجوع وإن كان جوعه يؤذيه، ولا يشتهي الطعام إن كان فقد الطعام يضنيه، بل إنما يحس بالجوع إذا زال السبب المؤلم. وأيضاً فعقول أكثرنا ناقصة وجارية مجرى عقول الصبيان ما داموا صغاراً لا يحسون باللذات والآلام التي تعرض للرجال فيتعللون بالأباطيل والأضاليل، كذلك من كان في عقله صبياً لم يطلع على الحقائق وبالاعتبار بهم قال الله تعالى: (وما هذه الحياة الدنيا الاّ لهوٌ ولعب) وقال تعالى: (فلا تغرنَّكم الحياة الدنيا ولا يغرنَّكم بالله الغرور) ولما أراد الله تعالى أن يقرّب معرفة

стр. 47

تلك اللذات من أفهام الكافة شبهَّها ومثَّلها لهم بأنواع ما تدركها حواسهم فقال تعالى: (مثَل الجنة التي وُعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهارٌ من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى) . ليبين للكافة طيبها بما عرفوه من طيب المطاعم وقال: (مثل الجنة التي وُعد المتقون) . ولم يقل الجنة لينبه الخاصة على أن ذلك تصوير وتمثيل، فالإنسان وإن اجتهد ما اجتهد أن يطلع على تلك السعادة فلا سبيل له إليها إلاّ على أحد وجهين: أحدهما أن يفارق هذا الهيكل، ويخلّف وراءَه هذا المنزل فيطلع على ذلك كما قال الله تعالى: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً قل انتظروا وإنا منتظرون) . والثاني أن يزيل قبل مفارقة الهيكل الأمراض النفسانية المشار إليها بوله تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً) وأرجاسها المشار إليها بقوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) فيطلع من وراءِ ستر رقيق على بعض ما أعد له كما حكي عن حارثة حيث قال للنبي ﷺ عزفت نفسي من الدنيا فكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً وأطلع على أهل الجنة يتزاورون وعلى أهل النار يتعاوَوْن فقال له النبي ﷺ : " عرفت فالزم " وقال أمير المؤمنين عليٌّ ﵇: " لو كُشف الغِطاء ما ازددتُ يقيناً ".

стр. 48

الباب السابع عشر في حالة الإنسان في دنياه وما يحتاج أن يتزود منها الإنسان مسافر ومبدأ سفره من حيث ما أشار إليه تعالى بقوله: (وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدوٌ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) . وحيث قال في صفة نبيه: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) . ومنتهى سفره دار السلام ودار القرار. وله في سفره أربعة منازل ظهر أبيه وبطن أمه وظهر الأرض والموقف، وله حالتان حالة هو فيها مستودع وهو ما دام في هذه المنازل، وحالة هو فيها مستقرٌ وهو إذا حصل في دار القرار وإلى ذلك أشار الله تعالى بقوله: (وهو الذي أنشأكم من نفسٍ واحدة فمستقر ومستودع) . والمنزل الذي فيه يحتاج إلى تزود ظهر الأرض فالإنسان في كدح وكبد ما لم ينته إلى دار القرار كما قال الله تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً

стр. 49

فملاقيه) . وقال تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كَبد) . وهو مجبول على طلب الراحة لكن الناس في طلبها على ضربين ضرب عموا عن الآخرة وقالوا: (وما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا) أو فعلوا فعل من قال ذلك وإن لم يقولوا قولهم، فطلبوا الراحة من حيث لا راحة وهم كالموصوفين بقوله : (والذين كفروا أعمالُهم كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً) وقوله: (إنما مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض..) الآية. فإنهم طلبوا من الدنيا ما ليس في طبيعتها ولا موجوداً فيها ولها. وما أحسن قول الشاعر: أريد من زمني ذا أن يبلغني ... ما ليس يبلغه في نفسه الزمن وقال آخر: مضى قبلنا قوم رجوا أن يقوموا ... بلا تعب عيشاً فلم يتقوّمِ وضرب عرفوا الدنيا والآخرة وعلموا أن الدنيا كما قال الله تعالى: (ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين وإن الدار الآخرة لهي الحيوان) . وعلمواأن فيها يستقر الإنسان ويطمئن كما قال الله تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) . وإنه يحتاج إلى أن يسافر إليها كما قال ﵇: " سافروا تغنموا ". فاحتملوا المشقة، علماً أن كل تعب يؤديهم إلى راحة فهو راحة فسعدوا كما قال الله تعالى: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة) .

стр. 50

وقد جعل للإنسان حرثين مفيدين لزادين: احدهما روحاني كالمعارف والحكم والعبادات والاخلاق الحميدة، وثمرته الحياة الابدية والغني الدائم، والاستكثار منه محمود ولا يكاد يطلبه الاَّ من قد عرفه وعرف منفعته. والثاني جسماني كالمال والاثاث، وفي الجملة ما قد نبه الله تعالى عليه بقوله: (زُين للناس حبُّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوَّمة والانعام والحرث) . وثمرته ان تحصل به الحياة الدنيوية الفانية، ويسترجع من الإنسان اذا فارق دنياه، ولا ينتفع منه بشيء الاَّ بقدر ما أستعان به في الوصول إلى الزاد الأُخروي كما نبه الله تعالى عليه بقوله: (وما الحياة الدنيا في الآخرة الاَّ متاع) . ولا يولع بالركون اليها الا من جهل حقائقها ومنافعها. والاستكثار منه ليس بمذموم ما لم يكن مثبطاً لصاحبه عن مقصده، وكان متناولاً على الوجه الذي يجب وكما يجب، ومجعولاً الى الوجه الذي ينتفع به في مقصده، لكن تناوله على هذا الوجه والاستكثار منه لا يتأتى الاَّ اذا كان السلطان عادلاً والامور جارية على أَذلالها فيحفظ الناس معاملاتهم على مقتضى الشرع، ثم يكون صاحبه اذا تناوله كما قال تعالى: (ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أُوتوا ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة) . فاذا لم يكن الامر كما ذكرنا من الاستقامة فليس الا الاقتصاد والاقتصار والتبلغ بما امكن حتى ينقضي السفر. الموفق في الدنيا اذا رأَى نفسه قاصرة عن الجمع بين الامرين اهتم بما يبقى

стр. 51

واقل العناية بما يفني وآثر الآخرة على الدنيا فلا يلتفت إلى الدنيا الاَّ بقدر ما يتبلغ به إلى الآخرة مراعياً فيه حكم الشرع ومحافظاً لقول الله : (يا ايها الناس ان وعد الله حقٌّ فلا تغرنَّكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) وكما قال النبي ﷺ : " ما انا والدنيا انما مَثَلي فيها مثل راكب سار في يوم صائف فرفعت له شجرة فنزل فقام في ظلها ساعة ثم راح وتركها ". وقد نبه الله تعالى على حال من يريد ان يتجرد ويتخلص من حبالة الدنيا على سبيل المثال بقوله: (ان الله مبتليكم بنَهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني الا من اغترف غرفة بيده) . ومحبة الدنيا كما قال النبي ﷺ رأس كل خطيئة. وقد روي عنه ﷺ : " من سكن قلبه حبُّ الدنيا بثلاثةٍ شغلٍ لا يبلغ مَداه وفقر لا يبلغ غناه وامل لا يبلغ منتهاه ". وقال ﷺ : " من كانت الدنيا اكبر همه فرَّق الله تعالى همته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا الا ما كتب له ومن كانت الآخرة اكبر همه جمع الله تعالى شمله وجعل غناه في قلبه واتته الدنيا وهي راغمة " وهذا معنى قوله : (من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) ومعرفة ذلك والوصول اليه لا يمكن الا ان يستضيء العقل بنور الشرع معتمداً على من له الخلق والأَمر.

стр. 52

الباب الثامن عشر في تظاهر العقل والشرع وافتقار احدهما إلى الآخر اعلم ان العقل لن يهتدي الا بالشرع، والشرع لا يتبين الا بالعقل، فالعقل كالأُس، والشرع كالبناء، ولن يغني اسٌّ ما لم يكن بناءٌ، ولن يثبت بناءٌ ما لم يكن اسٌ. وايضاً فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر ولهذا قال الله تعالى: (قد جاءَكم من الله نورٌ وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سُبُل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور بإِذنه) . وايضا فالعقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمده، فإن لم يكن زيت لم يحصل السراج، وما لم يكن سراج، لم يضئ الزيت. قال الله تعالى: (الله نور السموات والارض مثَلُ نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكبٌ دريٌّ يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نورٌ على نور يهدي الله لنوره من يشاء) . والله

стр. 53

هو الهادي. وايضاً فالشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما متعاضدان بل متحدان ولكون الشرع عقلاً من خارج سلب الله تعالى اسم العقل من الكافر في غير موضع من القرآن نحو قوله: (نورٌ على نور) أي نور الشرع ونور العقل ثم قال: (يهدي الله لنوره من يشاء) . فجعلهما نوراً واحداً فالشرع اذا فُقد العقلُ عجز عن اكثر الأمور عجزَ العين عند فقد الشعاع. واعلم ان العقل بنفسه قليل الفناء لا يكاد يتوصل الاَّ الى معرفة كليات الأَشياء دون جزئياتها؛ نجو ان يعلم جملة حسن اعتقاد الحق وقول الصدق وتعاطي الجميل وحسن استعمال العدالة وملازمة العفة ونحو ذلك من غير ان يعرف ذلك في شيءِ شيءٍ وما الذي هو معدلةٌ في شيءِ شيءٍ ولا يعرفنا العقل مثلاً ان لحم الخنزير والدم والخمر محرم، وانه يجب ان يتحامى من تناول الطعام في وقت معلوم، وان لا تنكح ذوات المحارم، وان لا تجامع المرأة في حال الحيض فإ اشباه ذلك لا سبيل اليها الا بالشرع فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة والافال المستقيمة والدال على مصالح الدنيا

стр. 54

والآخرة، ومن عدل عنه فقد ضلَّ سواء السبيل. ولأجل ان لا سبيل للعقل الى معرفة ذلك قال الله تعالى: (وما كنمعذّبين حتى نبعث رسولا) . وقد قال الله تعالى: (ولو أنا اهلكناهم بعذاب من قله لقالوا ربنا لولا ارسلت الينا رسولا فنتبع آياتك من قبل ان نذل ونخزى) . والى العقل والشرع اشار بالفضل والرحمة بقوله تعالى: (ولولا فضل الله ليكم ورحمته لأتبعتم الشيطان الا قليلا) . وعني بالقليل المصطفين الاخيار.

стр. 55

الباب التاسع عشر في فضيلة الشرع اعلم ان احكام الشرع من وجه دواءٌ ومعجون مفروغ منه تولى ايجاده مَنْ له الخلق والأمر. وهو دواءٌ مفيد للحياة الأبدية والسلامة الدائمة كما قال الله تعالى: (أَوَ من كان ميّتاً فأحييناه) وقال تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم) . فجعل ذلك روحاً لإفادة الحياة الأبدية. وقال الله تعالى: (قل هو للذين أمنوا هدى وشفاءٌ) . وقوله: (شفاءٌ لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤّ منين) . ومن وجهٍ هو ماءٌ مطهر مزيل للأنجاس والأرجاس النفسية كما قال الله تعالى في وصفه للقرآن: (أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً) . وكذلك قال الله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب الرجس عنكم أهل البيت ويطهركم تطهيرا) . ومن وجه ٍ هو نورٌ وسراجٌ مزيل للظلمة والحيرة والجهالة قال الله تعالى: (قد حائكم من الله نور

стр. 56

وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراطٍ مستقيم) وقوله تعالى: (الله نور السموات والأرض) . ومن وجهٍ وسيلةٌ إلى الله كما قال: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) . وقال فيمن مدحهم: (يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيُّهم أقرب ويرجون رحمته) وقوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً) وقوله تعالى: (فليتفرقوا في الأسباب) . ومن وجهٍ هو الطريق المستقيم كما قال الله تعالى: (وإن هذا صراطي مستقيماً) . فصل ذكر بعض الحكماء أن الأرض المقدسة المذكورة في قوله تعالى: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم) . هي في الدنيا الشريعة وفي الآخرة الجنة لأنها هي التي إذا دخلها الإنسان لا يرتد على دُبُره ونال السعادة الكبرى بلا مثنوية. فأما بيت المقدس في الأرض فإن من يدخله فبنفس دخوله إياه لا يستحق مثوبة بل المثوبة تستحق بأُمور أُخر يكون دخوله المكان الذي هو بيت المقدس آخرها بعد أن يكون دخوله على وجه مخصوص. قال وعلى هذا الحرم المذكور في قوله تعالى: (أو لم يروا إنا جعلنا حَرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون) . وسأل جعفر بن محمد الصادق

стр. 57

بعض الفقهاء عن هذه الآية فقال أُريد بها مكة فقال: " وا عجبا وأيُّ أرض أكثر تخطفاً لمن حولها من مكة. ويدل على ما قال قول الله تعالى بعد ذلك: (وما أوتيتم من شيءٍ فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون) وكذلك قوله تعالى: (وإذا قيل لهم أسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سُجَّداً نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين) . والسفر الموعود بالغنيمة بقول النبي ﷺ : " سافروا تغنموا " هو السفر إلى هذه الدار. وكذلك القرار المدّعو إليه من جهة المثل بقوله ففرُّوا إلى الله. وكذا الحج الأكبر الذي دعا الناس إليه بقوله: (وأذانٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر) وقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وكذا الجهاد الأعظم في قوله تعالى: (وجاهِدوا في الله حقَّ جهادِهِ) والهجرة الكبرى في قوله تعالى: (أَلم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) .

стр. 58

الباب العشرون في أن من لم يختص بالشرع وعبادة الله فليس بإنسان لما كان الإنسان إنما يصير إنساناً بالعقل، ولو توهمنا العقل مرتفعاً عنه لخرج عن كونه إنساناً، ولم يكن إذا تخطينا الشبح الماثل الاّ بهيمة مهملة أو صورة ممثلة. والعقل لن يكمل بل لا يكون عقلاً إلا بعد اهتدائه بالشرع كما تقدم ولذلك نفي العقل عن الكفار لما تعرّوا عن الهداية بالشرع في غير موضع من كتابه، والاهتداء بالشرع هو عبادة الله تعالى. فالإنسان إذاً في الحقيقة هو الذي يعبد الله ولذلك خُلقَ كما قال الله تعالى: (وما خلقتُ الجن والإنس إلاّ ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) . وكما قال تعالى: (وما أُمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصينَ له الدين) فكلُّ ما أُوجد لفعل فمتى لم يوجد منه ذلك الفعل كان في حكم المعدوم، ولذلك كثيراً ما يسلب عن الشيءِ اسمه إذا وجد فعله ناقصاً، كقولهم للفرس الرديء: ليس هذا بفرس وللإنسان ليس هذا بإنسان. ويقال: فلان لا عين له ولا أُذن له إذا بطل فعل عينه وأُذنه وإن كان شبحهما

стр. 59

باقياً، وعلى هذا قال تعالى: (صمٌ بكمٌ عميٌ) . فيمن لم ينتفع بهذه الأعضاء فالإنسان يحصل له من الإنسانية بقدر ما يحصل له من العبادة التي لأجلها خُلق، فمن قام بالعبادة حق القيام فقد استكمل الإنسانية، ومن رفضها فقد انسلخ من الإنسانية فصار حيوانا أو دون الحيوان كما قال الله تعالى في وصف الكفار: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضلُّ سبيلا) . وقال: (ان شر الدواب عند الله الصمُّ البكُم الذين لا يعقلون) . فلم يرضَ ان يجعلهم أنعاماً ودواب حتى جعلهم أضلَّ منها وجعلهم من أشرارها، وأخرج كلامهم عن جملة البيان فقال تعالى: (وما كان صلاتهم عند بيت إلا مُكاءً وتَصْدِيَة) تنبيها على انهم كالطيور التي تمكو وتُصَدّي ونبه تعالى بنكتة لطيفة على أن الإنسان لا يكون إنساناً إلاَّ بالدين ولا ذا بيان إلا بقدرته على الإتيان بالحقائق الدينية فقال تعالى: (الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان) فابتدأ بتعليم القرآن ثم بخلق الإنسان ثم بتعليم البيان، ولم يدخل الواو فيما بينهما وكان الوجه على متعارف الناس أن يقول خلق الإنسان وعلمه البيان وعلمه القرآن، فان إيجاد الإنسان بحسب نظرنا مقدم على تعليم البيان وتعليم البيان مقدم على تعليم القرآن، لكن لما لم يُعَد الإنسان إنسانا ما لم يتخصص بالقرآن ابتدأ بالقرآن، ثم قال خَلق الإنسان تنبيهاً على ان بتعليم القرآن جعله إنساناً على الحقيقة، ثم قال علمه البيان تنبيهاً على ان البيان الحقيقي المختص بالإنسان

стр. 60

يحصل بعد معرفة القرآن فنبه بهذا الترتيب المخصوص وترك حرف العطف منه وجعل كل جملة بدلاً مما قبلها لا عطفاً على إن الإنسان ما لم يكن عارفاً برسوم العبادة ومتخصصاً بها لا يكون إنساناً، وان كلامه ما لم يكن على مقتضى الشرع لا يكون بياناً. فإن قيل فعلى ما ذكرته لا يصح أن يقال للكافر إنسان وقد سماهم الله بذلك في عامة القرآن. قيل انا لم نقل إنا لا نسمي الكافر على تعارف الكافة، بل قلنا قضية العقل والشرع تقتضي أن لا يسمى به إلا مجازاً ما لم يوجد منه العقل والشرع تقتضي أن لا يسمى به إلا مجازاً ما لم يوجد منه العقل المختص به، ثم أن سمي به على سبيل تعارف العامة فليس ذلك بمنكر فكثير من الأسماء يستعمل على وجه فيبين الشرع أن ليس استعماله على ما استعملوه كقولهم الغنيُّ فإِنهم استعملوه في كثرة المال، وبيَّن الشرع أن الغنى ليس هو بكثرة المال، قال ﵊: " ليس الغني بكثرة المال وإنما الغني غنى النفس ". فيشير إلى أن الغنى ليس هو كثرة المال. وقال تعالى (ومن كان غنياً فليستعفف) . أي كثير الأعراض، فاستعمله على ما هو متعارف. وجملة الأمر أن اسم الشيء إذا أطلقه الحكيم على سبيل المدح يتناول الأشرف منه كقوله تعالى: (وأنه لَذكرٌ لك ولقومك) وقوله تعالى: (ورفعنا لك ذكرك) وإن كان الذكر قد يقال للمحمود والمذموم. وعلى هذا يمدح كل شيء بلفظ نوعه، فيقال: فلان هو إنسان. وهذا السيف سيف. ولهذا قيل: الإنسان المطلق هو نبي كل

стр. 61

زمان. وقد قال ﵊: " الناس اثنان عالم ومتعلم وما عداهما هَمَج ". وقال بعض العلماء: قول من قال الإنسان هو الحي الناطق الميت صحيح. وليس معناه مل توهمه كثير من الناس من أنه من الحياة الحيوانية والموت الحيواني والنطق الذي هو في الإنسان بالقوة وإنماما أريد بالحي من كان له الحياة المذكورة في قوله تعالى: (لينذر من كان حياً) . وبالنطق البيان المذكور بقوله: (علمه البيان) وبالميت من جعل قوته الشهوانية الغضبية مقهورتين على مقتضى الشريعة فيكون حينئذ ميتاً بالإرادة حياً بالطبيعة كما قيل: مت بالإرادة تحيَ بالطبيعة. كما قال أمير المؤمنين ﵇: من أمات نفسه في الدنيا فقد أحياها في الآخرة. أريد بالحي من كان له الحياة المذكورة في قوله تعالى: (لينذر من كان حياً) . وبالنطق البيان المذكور بقوله: (علمه البيان) وبالميت من جعل قوته الشهوانية الغضبية مقهورتين على مقتضى الشريعة فيكون حينئذ ميتاً بالإرادة حياً بالطبيعة كما قيل: مت بالإرادة تحيَ بالطبيعة. كما قال أمير المؤمنين ﵇: من أمات نفسه في الدنيا فقد أحياها في الآخرة.

стр. 62

الباب الحادي والعشرون فيما يتعلق بالشرع من الأفعال للإنسان ضربان من الأحوال لا ينفك منهما، ضرب لا يلحقه فيه محمدةٌ ولا مذمة ولا في جنسه تكليف وذلك شيئان، أحدهما أحوال ضرورية لا يمكنه أن يتفصى منها كنبض العرق والتنفس وما يجري مجراهما من الأحوال الضرورية. والآخر ما يقع من الإنسان على سبيل السهو والخطأ وإن كان جنسه مقدوراً له وهو المذكور في قول النبي ﷺ : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". وضرب تلحقه فيه المحمدة والمذمة وفي جنسه التكليف وذلك ثلاثة أشياء: أحدها الأفعال المختصة بالجوارح كالقيام والقعود والركوب والمشي والنظر وكل ما يحتاج إلى استعمال الأعضاء فيه. والثاني حفظ عوارض النفس كالشهوة والخوف واللذة والفرح والغضب والشوق والرحمة والغيرة وما أشبه ذلك. والثالث ما يختص

стр. 63

بالتمييز والعلم. وكل واحد من هذه الثلاثة أما أن يحمد عليه الإنسان أو يذم. فحمده أن تكون أفعاله جميلة وعوارض نفسه مستقيمة وقلبه ذكياً حتى يعتقد الحق ويقوي على معرفته إذا ورد عليه. والمذمة تلحقه إن كانت على أضداد ذلك. والعبادات بهذه الأشياء الثلاثة تختص. ولله تعالى في كل فعل يتحراه الإنسان عبادة سواءٌ كان الفعل واجباً أو ندباً أو مباحاً، وتكون تلك العبادة مبينة أما ببديهة العقل أو بالكتاب أو بلسان النبي أو بإجماع الأمة أو بالاعتبارات والأقيسة المبنية على هذه الأصول بل ما من حكم إلا وكتاب الله ينطوي عليه كما قال الله تعالى: (ما فرَّطنا في الكتاب من شيءٍ) . عرفه من عرفه وجهله من جهله. وما من مباح إلا وإذا تعاطاه الإنسان على ما يقتضيه حكم الله تعالى كان الإنسان في تعاطيه عابداً لله مستحقاً لثوابه كما قال النبي ﷺ لسعدٍ: " إنك لتؤجر في كل شيء حتى اللقمة تضعها في فيّ امرأتك ". ومخاطبته لسعد بذلك لما عرف منه أنه يراعي في أفعاله حكم الله تعالى. وعلى هذا الوجه قال: " ما من غرس غرساً لم يأكل منه شيئاً إلا كان له صدقة ". ومراعاة أمر الله في جميع الأمور دقيقها وجليلها مستحب للكافة وواجب على النبي ﷺ وعلى كل من تقرب منزلته من منزلته لقول الله تعالى: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك) .

стр. 64

الباب الثاني والعشرون في تحقيق العبادة العبادة فعلٌ اختياريٌ للشهوات البدنية، تصدر عن نية يراد بها التقرب إلى الله تعالى طاعةً للشريعة. فقولنا فعلُ اختياريٌ يخرج منه الفعل التسخيري والقهري ويدخل فيه الترك الذي هو على سبيل الاختيار، فإن الترك ضربان، ضرب على سبيل الاختيار وهو فعل. وضرب هو العدم المطلق لا اختيار معه بل هو عدم الاختيار وليس بفعل. وبقولنا مناف للشهوات البدنية يخرج منه ما ليس بطاعة، وأما الأفعال المباحة كالأكل والشرب ومجامعة المرأة فليس بعبادة من حيث أنها شهوة ولكنها قد تكون عبادة إذا تحري بها حكم الشريعة، وإنما قيل تصدر عن نية يراد بها التقرب إلى الله تعالى لأنها إن خلت عن نية أو صدرت عن نية لم يقصد بها التقرب إلى الله تعالى بل أريد بها مراءاة لم تكن أيضاً عبادة، وإنما قيل طاعة للشريعة لأن من أنشأ من نفسه فعلا ليس بسائغ في الشريعة لم يكن عبادة وإن قصد به التقرب إلى الله تعالى، فالعبادة إذاً فعل يجمع هذه الأوصاف كلها.

стр. 65

الباب الثالث والعشرون في أنواع العبادة من اعلم والعمل العبادة ضربان: علم وعمل. وحقهما أن يتلازما، لأن العلم كالأُس والعمل كالبناء، وكما لا يغني أُس ما لم يكن بناء، ولا يثبت بناء ما لم يكن أسٌّ، كذلك لا يغني علم بغير عمل ولا عمل بغير علم، ولذلك قال الله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيّب والعمل الصالح يرفعه) . والعلم أشرفهما لكن لا يغني بغير عمل، ولشرفه قال رجل للنبي ﷺ : أيما الأعمال أفضل يا رسول الله؟ فقال: " العلم " فأعاد عليه السوال فقال: " العلم " فقال الرجل في الثالثة: اسألك عن العمل لا عن العلم. فقال ﵇: " عمل قليل مع العلم خير من عمل كثير مع الجهل " وقال ﵇: " طلب العلم فريضة على كل مسلم ". فالعلم ضربان: نظري وعملي، فالنظري ما إذا علم كفى ولم يحتج فيه بعده إلى عمل كمعرفة وحدانية الله تعالى ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ومعرفة السموات وما أشبه ذلك. والعملي ما إذا عُلم لم يغن حتى يعمل به كمعرفة الصلاة والزكاة والجهاد والصوم والحج وبرّ الوالدين. والأعمال ثلاثة أضرب: منها ما يختص بالقلب، ومنها ما يختص بالبدن، ومنها ما يشارك فيه البدن

стр. 66

القلب. والعلم أيضاً إذا نظر إليه وهو مكتسب فاكتسابه عمل وإذا نظر إليه وقد اكتسب وتصوّر في القلب خرج في تلك الحال عن أن يكون عملاً. ومن وجه آخر ضربان: واجب وندب فالواجب يقال له العدل والندب يقال له الإحسان وهما المذكوران في قول الله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) فالفرض والعدل تحري الإنسان لما إذا عمله أثيب وإذا تركه عوقب. والندب والإحسان تحري الإنسان لما إذا عمله أثيب وإذا تركه لم يعاقب والإنصاف من العدل والتفضل من البر والإحسان، فالإنصاف هو مقابلة الخير من الخير والشرّ من الشرّ بما يوازيه، والتفضل والبر هو مقابلة الخير بأكثر منه والشر بأقل منه. فالإحسان والتفضل احتياط في العدالة، والإنصاف ليؤمن به من وقوع خلل فيه وذلك إذا زدت في إعطاء ما عليك ونقصت في أخذ ما لك فقد احتطت وأخذت بالحزم، كدفع زيادة زكاء إلى الفقير وترك ما أُحل لك أن تتناول من مال اليتيم. فالعدالة إن كانت جميلة فالتفضل أحسن منها. ولذلك قال تعالى فيمن استوفى حقه فتحرى العدالة: (وَلمَن انتصر بعد ظلمه فأُولئك ما عليهم من سبيل) وقال سبحانه بعده: (وأن تعفوا أقرب للتقوى) . وقال : (ولا تنسُوا الفضل بينكم) . إشارة إلى أن الإحسان حسن والتفضل أحسن وقال : (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) فالإنسان إنما يكون محسناً متفضلاً بعد أن يكون عادلاً منصفاً. فأما من ترك ما يلزمه ثم تحرى ما لا يلزمه فإنه لا يقال له متفضل ولا يجوز تعاطي التفضل إلا لمن كان مستوفياً وموفياً لنفسه، فأما الحاكم

стр. 67

المستوفي والموفي لغيره فليس له إلا تحري العدالة والنَّصَفَةَ. فصل العلوم من حيث الكيفية ضربان تصور وتصديق فالتصور هو أن يعرف الإنسان معنى الشيء صحَّ عنده ذلك بدلالة أو لم يصح كمن عرف الصلاة وشرائطها وإن لم تثبت صحتها عنده بدلالة والتصديق هو أن يتصور الشيء ويثبت عنده بدلالة تقضي صحته. والتصديق على ثلاثة أضرب: أما بغلبة الظن وهو أن يكون عليه دلالة وقد يعترضها شُبه توهنها وتبطلها، قال الله تعالى: (إذا مسَّهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) . وأما بعلم اليقين وهو أن يصير بحيث يعلم ويعلم أنه يعلم ولا تعترضه شبه توهنه كالعلم مثلاً بأن ثلاثة وثلاثة ستةٌ وأنه لا يصح أن تكون أكثر من ذلك أو أقل، قال الله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) . وأما بعين اليقين وهو أن يرى بعقله الشيء ويعانيه ببصيرته في حال اليقظة والنوم، وقد نبه الله تعالى على هذه الوجوه بقوله: (كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين لترونّض الجحيم ثم لترونَّها عين اليقين) . فأما التصورات المجردة فالعامة الذين قال الله تعالى فيهم: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستبطونه) . وأما غلبة الظن فللعامة الذين مدحهم الله بقوله: (والذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) . وأما علم اليقين

стр. 68

فللخاصة. وأما عين اليقين ففي الدنيا للأنبياء ولبعض الصديقين. وإلى نحوه أشار النبي ﷺ بقوله: " تنام عيني ولا ينام قلبي " وبقوله: " إني أرى من خلفي كما أرى من قدامي ". قال أمير المؤمنين عليّ ﵇: لو كشف الغطاءُ ما ازددت يقيناً. وقال بعض الحكماء: علم اليقين يحصل للعقل بالفكر والذكر فإن العقل بفكره أي ببحثه يدرك المعارف وبذكره يستحضرها إذا نسيها وغفل واشتغل عنها وبذهنه ينظر إليها دائماً كما ننظر نحن إلى محسوس غير غائب عن أبصارنا بلا حاجة إلى بحث وطلب وتفكر وتذكر، وكذلك قيل الإنسان يعقل فينظر إلى الحق بالفكر، والملائكة دائماً ينظرون إليه بالذهن من غير حاجة إلى تفكر وطلب. فصل للإنسان في استفادة العلم وإفادته ثلاثة أحوال: حال استفادة فقط، وحال استفادة ممن فوقه وإفادة لمن دونه، وحال إفادة فقط، وقلَّ من يستحق أن يوجد مفيداً غير مستفيد، ففوق كل ذي علم عليم إلى أن ينتهي الأمر إلى علام الغيوب فقد نبه الله تعالى على الحاجة إلى الاستفادة بما حكاه من قول موسى ﵇ لصاحبه: (هل اتبعك على أن تعلمني مما عُلّمت رشدا) ونبه بما ذكر في قصة سليمان ﵇ عن الهدهد بقوله: (أحطتُ بما لم تحط به علماً) . إن الكبير قد يفتقر إلى الصغير في بعض العلوم فإذاً الإنسان ما دام حياً يجب أن لا يخرج من كونه مستفيداً ومفيداً كما قال النبي ﷺ : " الناس عالم ومتعلم وما سواهما همج ".

стр. 69

الباب الرابع والعشرون في أن الغرض من العبادة تطهير النفس واجتلاب صحتها لم يكلف الله الناس عبادته لينتفع هو تعالى بها انتفاع المولى باستعباد عبيده واستخدام خدمه فإن الله غنيٌّ عن العالمين. ولا ليؤدبهم ليزيل أنجاسهم وأمراضهم النفسية، فبذلك يمكنهم أن يحصلوا حياةً أبديةً باقيةً سرمديةً فإن من وُلد يكون ميتاً بالإضافة إلى أصحاب الدار الآخرة وفاقداً للعين التي بها يعرفهم والسمع الذي به يسمع تحاورهم واللسان الذي به يخاطبونه ويخاطبهم والعقل الذي به يعقلهم، فليس تلكم الحياة والعين والسمع ما للإنسان في الحياة الدنيا. وكيف يكون كذلك وقد نفى الله ذلك عن الكفار وجعلهم أمواتاً وصُماًّ وبُكماًّ وعُمياًّ، فإن الإنسان له قوة على تحصيل تلك الأمور في ابتداءِ أمره، وإن أهمل نفسه فأتت عنه تلك القوة فلا يمكنه بعد قبول ذلك، كالفحم إذا صار رماداً فلا يقبل بعد ذلك ناراً، فمن استمرَّ في كفره وفسقه وتمادى فيه صار أما ميتاً أو مريضاً

стр. 70

أو أصمَّ لا يقبل الشفاء، ولذلك قال الله تعالى فيمن ثكِل هذه القوة: (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصمَّ الدعاءَ إذا ولَّوا مدبرين وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم) . وقال تعالى: (صمٌّ بكمٌّ عميٌّ فهم لا يعقلون) وقال تعالى: (في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت) . وقال تعالى: (إنما المشركون نَجَسٌ) . وقال تعالى في المؤمنين: (لينذر من كان حياً) . وقال فيهم: (أولي الأيدي والأبصار) . فمن استفاد الحياة والصحة والطهارة قبل أن تبطل عنه هذه القوى أعني قبول ذلك فصار حياً سميعاً بصيراً طاهراً وحصل زاداً كما أمره الله تعالى بقوله: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور) . وائتمر له تعالى بقوله: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم) . واقتدى بالموصوفين بقوله سبحانه: (يسارعون في الخيرات) . فجديرٌ أن يفلح فيحصل هذه السعادة كما قال الله تعالى: (لعلكم تفلحون) .

стр. 71

الباب الخامس والعشرون في بيان الأمراض والأنجاس التي لا يمكن إزالتها إلا بالشرع كما أن في بدن الإنسان عوارض وأموراً موجودة عند الولادة أو توجد حالاً فحالاً بحكمة تقتضي ذلك وهي تعد نجاسات لا بد من إماطتها كلها أو إماطة فضولاتها، وذلك كالسَّلى والسرَّة والقلفة والعقيقة الموجودة في الصبي عند الولادة وكالأوساخ والقمل والظفر وشعر العانة وشعر الإبط، كذلك في نفس الإنسان عوارض هي نجاسات وأمراض نفسانية يلزم إماطتها كالجهل والشره والعجلة والشح والظلم. ويدل على كون ذلك مخلوقاً فيه وأمره بإماطته وإماطة فضلاته ما ذكر الله تعالى في مواضع من كتابه بقوله: (خُلق الإنسان من عجل) فذكر أنه مخلوق منه كما ترى. ثم أمره أن ينحيه عن نفسه وأن لا يستعين به فقال: (سأُريكم آياتي فلا تستعجلون) . وقوله تعالى: (إنه كان ظلوماً جهولا) . ثم أمره بالعلم والعدل في غير

стр. 72

موضع من كتابه. وقوله تعالى: (وأحضرت الأنفس الشحَّ) . ثم قال: (وَمَنْ يوق شحَّ نفسه فاولئك هم المفلحون) . فأمر باتقاء الشح مع إحضاره إياه. وقوله تعالى: (إن الإنسان خُلق هلوعا إذا مسه الشرُّ جزوعا وإذا مسه الخير منوعا) . ووصفه بالكفور والقتور في قوله: (وكان الإنسان كفورا) . وقوله تعالى: (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا) . فأدخل عليه " كان " تنبيهاً على أن ذلك فيه غريزي موجود قبل لا هو شيءٌ طارئٌ عليه. وقوله تعالى: (وكان الإنسان أكثر شيءٍ جدلاً) . ثم نهى عن أكثر الجدال فالإنسان يحتاج أن يستعمل هذه القوى في الدنيا كما يجب وفي وقت ما يجب وأن يميط فضولاتها قبل خروجه من الدنيا حسب ما وردت به الشريعة، فإنه متى لم يتطهر من النجاسة، ولم يُزل أمراض نفسه لم يجد سبيلاً إلى نعيم الآخرة، بل ولا إلى طيب الحياة الدنيا، وذلك من تطهر تجلى عن قلبه الغشاوة فيعلم الحق حقاً والباطل باطلاً فلا يشغله إلا ما يعنيه، ولا يتناول إلا ما يعنيه فيحيا حياة طيبة كما قال تعالى: (فلنحيينَّه حياة طيبة) ولا تصير قنياته في الدنيا وبالاً عليه وعذاباً كما قال الله تعالى في الكفار: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) . ويصير قلبه إذا تطهر مقرَّ السكينة والأرواح الطيبة كما وصف الله تعالى المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم) . وعرف الطريق التي بها التوصل إلى الحنة المأوى ومصاحبة الملأ الأعلى في مقعد

стр. 73

صدق عند مليك مقتدر، فيسارع في الخيرات ويسابق إلى مغفرة من ربه. ومتى بقيت نجاسته وتزايدت صار قلبه مقرَّ الشبه والآثام كما قال الله تعالى: (هل أنبئكم على من تَنَزَّلُ الشياطين تنزل على كل أفَّك أثيم) . ولا يجد سبيلاً إلى سعادة الدار الآخرة كما قال الله تعالى: (أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم كلاّ إنا خلقناهم مما يعلمون) فنبه على أنه لا يصلح لجنته ما لم تطهر ذاته عن أشياء هي مخلوقة فيها وعلى هذا دلَّ قوله تعالى: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب) . فحق الإنسان أن يراعي هذه القوى فيصلحها ويستعملها على الوجه الذي يجب وكما يجب ليكون كمن وصفه الله تعالى بقوله: (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلامٌ عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) . وقد يقع للإنسان شبهة في أمر هذه النجاسات فيقو: أترى أن ذلك من عند غير الله؟ فإن كان من غيره فمن أين يوجده؟ ومن أين منبعه؟ وإن كان منه فما المعنى في أن أوجده في الإنسان ثم أمره بأن يزيله؟ فيقال لم يعرف ذلك البشر، لكن من الأشياء ما نفعه في وقت مخصوص أو إذا كان على قدر مخصوص، ثم إذا استغني عنه أو زاد على قدر ما يحتاج إليه يجب أن يزال وذلك إذ تؤمل ظاهر إذ من المعلوم أن السلا والسرة يحتاج إليهما لصيانة الولد في وقت ثم يستغني عنهما، فيكون إبقاءهما بعد نجاسة والشعر والظفر يحتاج إليهما إذا كان على حد وإذا زادا يجب إماطتهما.

стр. 74

الباب السادس والعشرون في القوى التي يجب إزالة أمراضها وأنجاسها والمعاني التي تحصل منها إزالة الأنجاس واجتلاب الطهارة المذكورة في قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) واكتساب الصحة وإماطة المرض المذكور في قوله تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً) يكون بإصلاح القوى الثلاث التي هي دواعي الإنسان في متصرفاته وهي قوة الشهوة وقوة الحمية وقوة الفكر فبإصلاح قوة الشهوة تحصل العفة فيتحرز بها من الشره وإماتة الشهوة ويتحرى المصلحة في المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح وطلب الراحة وغير ذلك من اللذات الحسية، وبإصلاح قوة الحمية تحصل الشجاعة فيتحرز من الجبن والتهور والحسد ويتحري الاقتصاد في الخوف والغضب والأنفة وغير ذلك. وبإصلاح قوة الفكر تحصل الحكمة حتى يحترز من البله والجربزة ويتحرى الاقتصاد في تدبير

стр. 75

الأمور الدنيوية. وليس نعني بالحكمة ههنا العلوم النظرية وإنما نعني بها الحكمة العملية التي يتحري بها المصالح الدنيوية، وبإصلاح هذه القوى يحصل في الإنسان قوة العدالة فيقتدي بالله تعالى في سياسة نفسه وسياسة غيره، فنفس الإنسان معادية له كما قال تعالى: (إن النفس لأمارة بالسوءِ إلا ما رحم ربي) وقال النبي ﷺ : " أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك " فمن أدبَّها أو قمعها أو من ظلمها وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: (ومن يعمل الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضما) أي لا يخاف أن تظلمه نفسه الشهوية فالأعمال الصالحة حصن منها لقول الله تعالى: (إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر) .
следующие страницы →