← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21562

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين

الراغب الأصفهاني

Полный текст (99 стр.). Показаны 71–99 · переход к 76.

стр. 71

الباب الخامس والعشرون في بيان الأمراض والأنجاس التي لا يمكن إزالتها إلا بالشرع كما أن في بدن الإنسان عوارض وأموراً موجودة عند الولادة أو توجد حالاً فحالاً بحكمة تقتضي ذلك وهي تعد نجاسات لا بد من إماطتها كلها أو إماطة فضولاتها، وذلك كالسَّلى والسرَّة والقلفة والعقيقة الموجودة في الصبي عند الولادة وكالأوساخ والقمل والظفر وشعر العانة وشعر الإبط، كذلك في نفس الإنسان عوارض هي نجاسات وأمراض نفسانية يلزم إماطتها كالجهل والشره والعجلة والشح والظلم. ويدل على كون ذلك مخلوقاً فيه وأمره بإماطته وإماطة فضلاته ما ذكر الله تعالى في مواضع من كتابه بقوله: (خُلق الإنسان من عجل) فذكر أنه مخلوق منه كما ترى. ثم أمره أن ينحيه عن نفسه وأن لا يستعين به فقال: (سأُريكم آياتي فلا تستعجلون) . وقوله تعالى: (إنه كان ظلوماً جهولا) . ثم أمره بالعلم والعدل في غير

стр. 72

موضع من كتابه. وقوله تعالى: (وأحضرت الأنفس الشحَّ) . ثم قال: (وَمَنْ يوق شحَّ نفسه فاولئك هم المفلحون) . فأمر باتقاء الشح مع إحضاره إياه. وقوله تعالى: (إن الإنسان خُلق هلوعا إذا مسه الشرُّ جزوعا وإذا مسه الخير منوعا) . ووصفه بالكفور والقتور في قوله: (وكان الإنسان كفورا) . وقوله تعالى: (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا) . فأدخل عليه " كان " تنبيهاً على أن ذلك فيه غريزي موجود قبل لا هو شيءٌ طارئٌ عليه. وقوله تعالى: (وكان الإنسان أكثر شيءٍ جدلاً) . ثم نهى عن أكثر الجدال فالإنسان يحتاج أن يستعمل هذه القوى في الدنيا كما يجب وفي وقت ما يجب وأن يميط فضولاتها قبل خروجه من الدنيا حسب ما وردت به الشريعة، فإنه متى لم يتطهر من النجاسة، ولم يُزل أمراض نفسه لم يجد سبيلاً إلى نعيم الآخرة، بل ولا إلى طيب الحياة الدنيا، وذلك من تطهر تجلى عن قلبه الغشاوة فيعلم الحق حقاً والباطل باطلاً فلا يشغله إلا ما يعنيه، ولا يتناول إلا ما يعنيه فيحيا حياة طيبة كما قال تعالى: (فلنحيينَّه حياة طيبة) ولا تصير قنياته في الدنيا وبالاً عليه وعذاباً كما قال الله تعالى في الكفار: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) . ويصير قلبه إذا تطهر مقرَّ السكينة والأرواح الطيبة كما وصف الله تعالى المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم) . وعرف الطريق التي بها التوصل إلى الحنة المأوى ومصاحبة الملأ الأعلى في مقعد

стр. 73

صدق عند مليك مقتدر، فيسارع في الخيرات ويسابق إلى مغفرة من ربه. ومتى بقيت نجاسته وتزايدت صار قلبه مقرَّ الشبه والآثام كما قال الله تعالى: (هل أنبئكم على من تَنَزَّلُ الشياطين تنزل على كل أفَّك أثيم) . ولا يجد سبيلاً إلى سعادة الدار الآخرة كما قال الله تعالى: (أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم كلاّ إنا خلقناهم مما يعلمون) فنبه على أنه لا يصلح لجنته ما لم تطهر ذاته عن أشياء هي مخلوقة فيها وعلى هذا دلَّ قوله تعالى: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب) . فحق الإنسان أن يراعي هذه القوى فيصلحها ويستعملها على الوجه الذي يجب وكما يجب ليكون كمن وصفه الله تعالى بقوله: (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلامٌ عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) . وقد يقع للإنسان شبهة في أمر هذه النجاسات فيقو: أترى أن ذلك من عند غير الله؟ فإن كان من غيره فمن أين يوجده؟ ومن أين منبعه؟ وإن كان منه فما المعنى في أن أوجده في الإنسان ثم أمره بأن يزيله؟ فيقال لم يعرف ذلك البشر، لكن من الأشياء ما نفعه في وقت مخصوص أو إذا كان على قدر مخصوص، ثم إذا استغني عنه أو زاد على قدر ما يحتاج إليه يجب أن يزال وذلك إذ تؤمل ظاهر إذ من المعلوم أن السلا والسرة يحتاج إليهما لصيانة الولد في وقت ثم يستغني عنهما، فيكون إبقاءهما بعد نجاسة والشعر والظفر يحتاج إليهما إذا كان على حد وإذا زادا يجب إماطتهما.

стр. 74

الباب السادس والعشرون في القوى التي يجب إزالة أمراضها وأنجاسها والمعاني التي تحصل منها إزالة الأنجاس واجتلاب الطهارة المذكورة في قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) واكتساب الصحة وإماطة المرض المذكور في قوله تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً) يكون بإصلاح القوى الثلاث التي هي دواعي الإنسان في متصرفاته وهي قوة الشهوة وقوة الحمية وقوة الفكر فبإصلاح قوة الشهوة تحصل العفة فيتحرز بها من الشره وإماتة الشهوة ويتحرى المصلحة في المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح وطلب الراحة وغير ذلك من اللذات الحسية، وبإصلاح قوة الحمية تحصل الشجاعة فيتحرز من الجبن والتهور والحسد ويتحري الاقتصاد في الخوف والغضب والأنفة وغير ذلك. وبإصلاح قوة الفكر تحصل الحكمة حتى يحترز من البله والجربزة ويتحرى الاقتصاد في تدبير

стр. 75

الأمور الدنيوية. وليس نعني بالحكمة ههنا العلوم النظرية وإنما نعني بها الحكمة العملية التي يتحري بها المصالح الدنيوية، وبإصلاح هذه القوى يحصل في الإنسان قوة العدالة فيقتدي بالله تعالى في سياسة نفسه وسياسة غيره، فنفس الإنسان معادية له كما قال تعالى: (إن النفس لأمارة بالسوءِ إلا ما رحم ربي) وقال النبي ﷺ : " أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك " فمن أدبَّها أو قمعها أو من ظلمها وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: (ومن يعمل الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضما) أي لا يخاف أن تظلمه نفسه الشهوية فالأعمال الصالحة حصن منها لقول الله تعالى: (إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر) .

стр. 76

الباب السابع والعشرون في كون الإنسان مفطور على إصلاح النفس الإنسان مفطور في أصل الخلقة على أن يصلح أفعاله وأخلاقه وتمييزه وعلى أن يفسدها وميسَّر له أن يسلك طريق الخير والشر وإن كان منهم من هو بالجملة إلى أحدهما أميل. وعلى تمكنه من السبيلين دلَّ الله بقوله: (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا) وقوله تعالى: (وهديناه النجدين) أي عرَّفناه الطريقين، وكما أنه مفطور على اكتساب الأمرين في ابتدائه مفطور على أنه إذا تعاطى أحدهما أن خيراً وأن شراًّ ألفه، فإذا ألفه تعوَّده، وإذا تعوده تطبع به، وإذا تطبع به صار له طبعاً وملكة فيصير فيه بحيث لو أراد أن يتركه لم يمكنه كما قيل: " وتأبى الطباع على الناقل " ويكون مثله كمثل شجر نبت فاعوجَّ سهل في الابتداء تثقيفه وتسويته بخيط يشد أو بخشب يفرش بجنبه فيسدد به. ثم إذا

стр. 77

غلظ واشتد مستوياً أمن أن يعوج بل لا يمكن تعويجه، وإن ترك حتى يعوجَّ فيصلب على عوجه لم يمكن تثقيفه كما قال الشاعر: يقوَّم بالثقاف العود لدْناً ... ولا يتقوَّم العودُ الصليبُ على هذا الوجه قال الله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات) وقال تعالى: (ويدرأون بالحسنة السيئة) وقد توهم قوم أن لا أثر للتأديب والتهذيب فإن الناس مجبولون على طبائع لا سبيل إلى تغييرها، فمنهم أخيار بالطبع، ومنهم أشرار بالطبع واستدلوا بقول الله تعالى: (قل كلٌّ يعمل على شاكلته) وقوله تعالى: (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) فنبه الله بهذا المعنى على إن كل إنسان على حال لا سبيل إلى تغييرها. وقول النبي ﷺ : كلٌّ ميسر لما خلق له ". وقوله ﵇: " فرغ ربكم من الخَلْقِ واَلْخلُقِ والرزق والأجل ". وبقوله تعالى: (ولقد اصطفيناه في الدنيا وأنه في الآخرة لمن الصالحين) وقوله: (إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وأنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) وقوله: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) والناس وإن تفاوتوا في أصل الخلقة فما أحد إلا وله قوة على اكتساب قدر ما من الفضيلة ولولا ذلك لبطلت فائدة الوعظ والإنذار والتأديب.

стр. 78

الباب الثامن والعشرون في سبب رذيلة الإنسان وتأخره عن الفضيلة سبب تأخر الإنسان عن الفضيلة لا تخلو من أوجه: إما أن تكون نقصاً في أصل خلقته وعجزاً مركباً في جبلته يتقاعد به عن تحصيل القوة وجمع الآلة التي يتوصل بها إلى السعادة كمن تضعف نحيزته، أو لا يفضل عن طلب معايشه الضرورية في وقته، أو لا يجد هادياً يرشده، فمن كان كذلك فمعذور لقوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) وأما أنه غير عاجز عن ذلك لكن لم يساعده على بلوغه عمره فذلك قد وقع أجره على الله لما قال الله تعالى: (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) . وأما أن يتفق له مُرَبٍ ومعلم مُضلٌ فيضله عن الطريق، وهذا إن لم يتمكن من الاهتداء بمن يرشده ويسدده يكون معذوراً، والإثم فيما يرتكبه لمن قد أضله لا له كما قال الله تعالى في المضلين: (ليحملوا

стр. 79

أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألاَ ساءَ ما يزرون) . وإن تمكن بعد ممن يهديه فلم يهتد به يكون هو ومضله مشتركين في الإثم كما قال الله تعالى: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) . وأما أن يكون ضلاله من جهة نفسه لا من جهة شيء مما تقدم، وذلك هو المتوعَّد بالعذاب، فمن أزاح الله علته بالفهم والكفاية والعلم الناصح فرغب عن الاهتداء وترك طريقة الرشاد، يكون كمن وصفه الله تعالى بقوله: (واتلُ عليهم نبأَ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين) وبقوله: (ولقد أريناه آياتنا كلها فكذَّب وأبى) وأكثر منه عقوبة من استفاد العام وعرف الحق وسلك من طريق الخير مراحل ثم ارتد عنها راجعاً، كمن وصفه الله بقوله: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى سوَّلَ لهم وأملى لهم) وبقوله: (ومن يرتد منكم عن دينه ... الآية) .

стр. 80

الباب التاسع والعشرون في أحوال الناس ومنازلهم وفي تعاطي الأفعال المحمودة والمذمومة وطرقها الناس في إقامة العبادات وتحري الخيرات على أربعة أضرب: الأول من له العلم بما يجب أن يفعل وله مع ذلك قوة العزيمة على العمل به وهم الموصوفون بقوله في غير موضع: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب) . والثاني من عدمهما جميعاً وهم الموصوفون بقول الله تعالى: (إن شرَّ الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون) وقوله: (إن هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا) . الثالث. من له العلم وليس له قوة العزيمة على فعله، فهو في مرتبة الجاهل بل هو شرٌّ منه، كما روي أن حكيماً سئل: متى يكون العلم شرّاً من الجهل فقال: أن لا يعمل به. وروي عن أمير المؤمنين عليّ كرَّم الله وجهه أنه قال: من كانت ضلالته بعد التصديق بالحق فهو بعيد من المغفرة. الرابع من ليس له العلم لكن له قوة العزيمة، فهذا متى انقاد لأهل العلم وعمل بقولهم أنجح في فعله وصار من

стр. 81

الموصوفين بقوله تعالى: (أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) . والأفعال الجميلة والقبيحة يتقوى الإنسان فيها بتكريرها مراراً كثيرة وزماناً طويلاً وقتاً بعد وقت في أوقات متفاوتة، فإن من فعل ذلك في شيءٍ اعتاده، وإذا اعتاده تخلق به، فالحذق في الصناعة كالكتابة مثلاً يكون باعتياده فعل من هو حاذق في الكتابة. والأفعال التي يتعاطاها المتخلق بها تصير خلقاً. فحق الإنسان أن يتدرب بفعل الخير، فإن من تعوَّد فعلاً صار له ملكة، كالصبي قد يلعب بتعاطي صناعة فيؤدي لعبه بها إلى أن يتعلمها. فصل العبادات تكون محمودة إذا تعاطاها الإنسان طوعاً واختياراً لا اتفاقاً واضطراراً ودائماً في زمان دون زمان، لأجل أن ذاتها حسنة لا لأجل غيرها، فمن أقامها على هذا الوجه فهو الموصوف بقوله تعالى: (واخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً) . وقال النبي ﷺ : " أخلص يكفك القليل من العمل ولا يرضى تعالى إلا الإخلاص " كما قال الله تعالى: (ألاَ لله الدين الخالص) . فإن من فعل خيراً نحو أن يصلي لأنه اتفق اجتماعه مع المصلين فساعدهم أو أكره أن يصلي أو صلاَّها في شهر رمضان مثلاً دون سائر الأوقات أو لأجل أن ينال بها جاهاً أو مالاً، فليس ذلك مما يستحق بها محمدة. وكذا من ترك قبيحاً أما اتفاقاً أو اضطراراً أو خوفاً أو في أي زمان دون زمان أو لأن ينال بذلك أمراً

стр. 82

دنيوياً فليس بمحمود، ولهذا قال الله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوه مَنّاً ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون) . تنبيهاً على أن من لم يُنفق ماله هكذا ويعلوه خوفٌ من الفقر وحزن على الإنفاق فلا يحصل له بذلك فضيلة ثم قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى كالذي ينفق ماله رئاءَ الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب ... الآية) .

стр. 83

الباب الثلاثون في ارتداد الناس من طريق الخير والشر للإنسان فيما يتحراه من الخير والشر حالتان: حالة يتمكن فيها من الارتداد على ادباره فيما يتعاطاه ان خيراً وان شراً وذلك قبل ان يمعن في سيره ويتناهى في ممره. وحالة يتعذر عليه الارتداد على ادباره بل لا يكون له سبيل الى الرجوع وذلك اذا امعن في سيره وتناهى في ممره. وذلك ان كل من كان متعاطياً لفعل خير فتكاسل عنه، ومتعاطياً لشرٍّ فلم يقلع عنه، اورثه كسله ضيق صدر بتحري الخير كما قال الله تعالى: (ومن يُرد ان يُضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً) . وانشراح صدره بفعل الشر كما قال تعالى (فمن زُين له سوءُ عمله فرآه حسناً) . فإن استمر على ذلك ولم يقلع، اورثه ذلك رَيْنا على قلبه كما قال الله تعالى: (كلاَّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) . فإن تمادى في ذلك واستمر اورثه ذلك غشاوة، كما قال تعالى: (فاغشيناهم فهم لا يبصرون) فإن ازداد اورثه ذلك طبعاً وختماً، كما قال تعالى: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى

стр. 84

ابصارهم) . وقوله: (أَفرأيت من اتخذ آلهه هواه واضله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون) . فإن ازداد صار ذلك قُفلاً كما قال الله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها) . ثم إذا تمادى صار قلبه موتاً قلما ترجى له حياة فلا تنفعه الآيات والنذر كما قال الله تعالى: (إنك لا تُسمع الموتى ولا تسمع لصم الدعاء إذا ما ينذرون) . ومن حيث أن الله تعالى علم من أحوال من بلغ هذا المبلغ أنه لا يتوب ولا يؤوب قال الله تعالى: (الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون) . فلم يرد تعالى أنهم إذا تابوا لم تقبل توبتهم بل نبه بذلك على أنهم لا يتوبون فتقبل توبتهم فدل منتهى الفعل على مبدأه وهذا من كلامهم كقول الشاعر: " ولا يرى الضبُّ بها ينجحر " ي ليس بها ضب فينجحر فنفي انجحار الضب وهو في الحقيقة نفي لوجود الضب بها، وعلى هذا دل قوله تعالى: (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) . أي لم يكونوا ليتوبوا فيغفر لهم، وعلى هذا قال تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب) . تنبيهاً على أن هؤلاء هم الذين يرجى لهم التوبة. وعلى

стр. 85

هذه الجملة المذكورة قال النبي ﷺ : " إذا أذنب الرجل نكُتت على قلبه نكتة سوداء فإذا أذنب ثانياً نكتت أخرى فلا يزال كذلك حتى يصير قلبه كلون الشاة الرمداء ". وفي خبر آخر: " الذنب على الذنب حتى يسود القلب فلا تُرجى له الإنابة ". وكذا حال الإنسان فيما يتعاطاه من فعل الخير فإن من صبر في اقتراف الحسنة أورثه صبره حسناً كما وصف الله به الصابرين في مواضع من كتابه قال تعالى: (ومن يقترف حسنة نزد له فيه حسناً) . فإن استمر في ذلك بعض الاستمرار اهتز ونشط وانشرح به صدره كما قال تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) . فإن دام على ذلك امتحن وتطهر قلبه كما قال الله تعالى: (أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى) . ويكون كما وصفه في هذه السورة: (ولكن الله حبَّب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم) . فإن تزايد في فعله إنضم إليه من الله تعالى باعثٌ يهزه وداع يبعثه عليه كما قال الله تعالى: (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم) . فحق الإنسان أن لا يسامح نفسه في الاجتهاد وأن لا يخلّ بخير تعوّده ولا يرخص لها في شر ارتكبه، فتعاطي صغير الذنب يفضي إلى ارتكاب الكبير، والإخلال بقليل الخير يؤدي إلأى الإخلال بكثير كما قال الشاعر: وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه ... وأول الغيث قطر ثم ينسكب

стр. 86

وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر) . فتبين أن قولهم للذين كرهوا ما نزل الله أدى بهم إلى الارتداد على أدبارهم وقال تعالى: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استنزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا) . فنبه على أن بعض ما كسبوا أدى بهم إلى الانهزام، فالمتدرب في فعل الخير المتقوي فيه يصير بحيث يكون له من الله تعالى واقية تحفظه عن الأفعال القبيحة وتحثه على الأفعال الحسنة. وهذا معنى العصمة وعلى ذلك نبه الله تعالى في صفة أولياءه بقوله: (أولئك كُتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروحٍ منه) . وقال تعالى: (رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا أن حزب الله هم المفلحون) . والمتدرب بفعل الشر المتقوي فيه قد يصير بحيث يكون له بما ارتكبه من القبائح باعث يبعثه على الأفعال القبيحة ويحثه على الأفعال السيئة ويسد عليه طرق الأفعال الحسنة، وعلى ذلك نبه الله تعالى بقوله في صفة أعدائه: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سدّاً فأغشيناهم فهم لا يبصرون) . وقال تعالى: (ومن يعيشُ عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطاناً فهو له قرين وأنهم ليصدون عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) . وقال تعالى: (إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون) . وقد نسب الله هداية العبد وضلاله جميعاً إلأى نفسه من حيث أنه جعل خلقه وطبعه بحيث إذا

стр. 87

تعاطى فعلاً إن خيراً وإن شراً فاستمر عليه يصير ذلك طبعاً له ملازماً لا يرجع عنه، ولم ينسب المنع من الإيمان إلى نفسه إلا بعد ذكر ما كان من إساءة العبد نحو قوله: (إنا جعلنا الشيطاين أولياء للذين لا يؤمنون) . فخص الذين لا يؤمنون بأن جعل الشيطان أولياءهم وقال تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير) . وقال تعالى: (إن الذين لا يؤمنو بالآخرة زيّنا لهم أعمالهم فهم يعمهون) . قال الشاعر: زُين في عينك القبيح كما ... زُين في عين غيرك الحسنُ

стр. 88

الباب الحادي والثلاثون في قدر ما في الوسع من اكتساب السعادة الإنسان لما كان على هيئة العالم أوجد فيه كلُّ ما أوجد في العالم، وكما أن في العالم أشياء لا يتأتى إصلاحها وحيوانات لا يمكن تأديبها كذلك في الإنسان قوى لا يتآتى إصلاحها وتهذيبها وكان له مع ذلك مثبطات عما أمر به وتقصير عما كُلف ولهذا قال الله تعالى: (قُتل الإنسان ما أكفره من أي شيءٍ خَلَقَه) . إلى قوله: (كلا لم يقض ما أمره) . فنبه على أن الإنسان لا يكاد يخرج من دنياه وقد قضى وطره، ولذلك يجب على الإنسان أن يجتهد في أداء ما أمكنه، ويطهر نفسه بقدر ما يتيسر له والرغبة إلى الله تعالى في تكفير ما قصر فيه ويتحقق أنه إذا فعل ما أمكنه فقد أعذر لقوله تعالى: (لا يكلف نفساً إلا وسعها) . فإذا فعل ما أمكنه يكون قد ترشح أن يزيل الله عنه باقي السيئات كما قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحة عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم) . وقال تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريما) . ولهذا أمرنا تعالى أن ندين الدعاء بقوله: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطئنا) . وقال تعالى: (والذين آمنوا معه

стр. 89

نورهم يسعى بين أيديهم وبإيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا) . فأمرنا أن نرغب إليه في إتمام ما قصرنا عن اكتسابه وقوله: (والذي جاء بالصدق إلى قوله ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون) . ولهذه الجملة قال جعفر الصادق ﵁: من زعم أنه يصل إلى الحق ببذل المجهود فهو متعنٍ ومن زعم أنه يصل إليه بغير بذل المجهود فهو متمنّ ولقصور الإنسان عن تزكية نفسه بالتمم قال ﷺ : " ما أحدٌ يدخل الجنة بعمله " قيل ولا أنت يا نبي الله قال: " ولا أنا إلاّ أن يتغمدني الله برحمته ". وقال تعالى تنبيهاً على هذا المعنى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء) . وبيان قصور الإنسان عن تزكية نفسه على التمام هو أن الإنسان حيوان ناطق متفكر والحيوان جوهر متنفس حساس، والمتنفس جوهر متغذ مترب لا قوام له إلا بالغذاء كما قال الله تعالى: (وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين) فالإنسان ما دام في الدنيا لا ينفك عن مشاركة البهائم والسباع لكونه حيواناً محتجاً إلى ما تحتاج إليه وعن مشاركة الحيوان والنبات لكونه متنفساً محتاجاً غلأى ما تحتاج إليه. والإنسان إذا لم يقتحم العقبو ويفك الرقبة وما لم يتعر عن الحاجات لدنية لم يأمن شياطين الإنس والجن فكيف يأمن وقد قال الله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) . قال بعض المفسرين: إن إبراهيم لما سأل الله تعالى فقال: (ربي أرني كيف تحيي الموتى قال

стр. 90

أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) . إنما سأله أن يريه الحياة المتعرية عن العوارض العارضة للحيوانات فقال: أو لم تؤمن أي أو لم تتحقق؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي أي ليتصور لي كيفية الطمأنينة أي تبري النفس من الشره والحرس والأمل والإفتخار وأعاين الحالة المذكورة في قوله تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية فأدخلي في عبادي وأدخلي جنتي) . فأمره أن يأخذ أربعة طيور. غراباً وهو المخصوص بالحرص والشره. ونسراً وهو المخصوص بالأمل وطاووساً وهو المخصوص بالإفتخار. وديكاً بالشبق، فأَمره أَن يقطّعهن ويصرهنَّ أي يدعوهن، ولما فعل ذلك صِرن إليه عاجلاً فنبه الله تعالى بذلك على أن الإنسان وإن اجتهد كلَّ الاجتهاد في حذف هذه المعاني عن نفسه وتطهير ذاته منها لن يتطهر ما دامت البشرية الدنيوية حاصلة له ولن تحصل له الطمأنينة المطلوبة. فأَما ما يدعيه قوم أن من الناس من قد تجرد عن هذه الخصائص حتى يستغني عن الطعام والشراب ويصير بحيث لا تعتريه الأخلاق البهيمية فهذا إن حصل في بعض الناس فإذ ذلك يكون ملكاً متشبحاً يسمى بإسم الإنسان على سبيل الإشتراك في الإسم، فيكون متبدل الجوهر تبدل جوهر النار إذا صارت برداً وسلاماً، وتبدل الدُعموص إذا صار ضفدعاً، والدود إذا صار فراشاً، وكثيراً من النبات إذا صار جوهراً آخر، وجيواناً كدودة القز وليس ذلك بمنكر في القدرة الإلهية وهو حينئذ خارج عن

стр. 91

الاستصلاح للأفعال التي خلق الإنسان لأجلها مستخلفاً في الأرض مستعمراً فيها. فصل اعلم من هاجر إلى الله وجاهد في سبيله فحقيق أن يهديه إلى سبيله كما وعد في قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهديّنهم سبلنا) . وقال: (والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا ... إلى قوله: أولئك هم المؤمنون حقاً) . والهجرة العظمى هجران فضول الشهوات والمجاهدة الكبرى مدافعة الهوى كما قال النبي ﷺ : " جهادك في هواك ". فمن هدي إلى سبيله وأمعن في مسيره مسارعاً في الخيرات ومسابقاً إلى مغفرة ربه فحقيق أن يصير من الإبدال، ومعنى الإبدال هم الذين يبّدلون من أخلاقهم وأفعالهم الذميمة أخلاقاً وأفعالاً حميدة، فيجعلون بدل الجهل العلم وبدل الشح الجود وبدل الشره العفة وبدل الظلم العدالة وبدل الطيش التؤَدة وعلى ذلك دل قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق إلى قوله: يبدّل الله سيئاتهم حسنات) . والإنسان إذا صار من الإبدال فقد ارتقى إلى درجة الأحباب الذين عناهم الله تعالى بقوله: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونهم) . فجعله مهيباً في البشر، معظم القدر عند كل واحد، بل قد يبلغ مبلغاً تخضع له البهائم والسباع والوحوش والحشرات كخضوعها لسليمان بن داود عليهما السشلام، ويصير الحديد له ليِّناً كما لان لنبيه داود ﵇، وتصير النار له إذا خاضها برداً وسلاماً

стр. 92

كما صارت على إبراهيم ﵇ وتنقاد له الريح فيركبها كركوب سليمان، وتسخر له المياه فيمشي عليها كتسخيرها للخضر ﵇، ويكلمه النبات والمعادن والأفلاك والنجوم فتفقه على منافعها وتخبره بسرائرها كمكالمتها لإدريس ﵇. روي أنه إذا أحب الله عبداً ألبسه صورة من صورته، ونفخ فيه روحاً من روحه، حتى ينقاد له كل حجر ومدر، ويتواضع له كل طائر وسبع، بل قد يخصه بكرامات لا يمكن أن يطلع على معرفتها غيرُ من خُصَّ بها كما قال النبي ﷺ عن ربه: " أعددتُ لعبادي الصلحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر " وقال تعالى إشارة لها هذا المعنى. (فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين) وهذه الأحوال كما تكون للأنبيء فقد تكون للأولياء المخصوصين بالكرامة وليس ذلك بمستبدع ولا منكر في قدرة الله تعالى ولا بمناف في حكمته كما ظن بعض المتكلمين أن ذلك إذا أظهره على ير أنبياءه لا يُؤمَنُ أن يُفتن به الناسُ وإنه يؤدي إلى اشتباه أمر لمعجزة على الكافة، فإن أحكم الحاكمين لا يؤتى هذه المكرمة إلا من هو أهلها كما نبه عليه سبحانه بقوله: (ألله أعلم حيث يجعل رسالته) ومن بلغه هذه المنزلة فقد آتاه لا شك من العلم والحكمة قدر ما يهديه ويؤدبه، وعرف ما يمسكه فيستقيم كما أمر فيه فيعرف قدره ولا يتعدى طوره.

стр. 93

الباب الثاني والثلاثون في إثبات المعاد وفضيلة الموت وما يحصل بعده من السعادة لم ينكر المعاد والنشأة الآخرة إلا جماعة من الطبيعيين أهملوا افكارهم وجهلوا أقدارهم، وشغلهم عن التفكير في مبدأهم ومنشأهم شغفُهم بما زين لهم من حب الشهوات المذكورة في قوله تعالى: (زُين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير لمقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا) . وأما من كان سوياً ولم يمش مكباً على وجهه لكونه: (كالأنعام بل هم أضل سبيلا) وتأمل أجزاء العالم علمٌ أن أفضلها ذوات الأرواح وأفضل ذوات الأرواح ذوو الإرادة والاختيار في هذا اعالم، وأفضل ذوي الإرادة والاختيار الناظر في العواقب وهو الإنسان فيعلم أن النظر في العواقب من خاصية الإنسان، وأنه لم يجعل تعالى هذه الخاصية له إلا لأمر جعله له في العقبى، وإلا كان وجود هذه القوة فيه باطلاً فلو لم يكن للإنسان عاقبة ينتهي إليها غير هذه الحياة الخسيسة المملوءة نصباً وهماً وحزناً ولا يكون بعده

стр. 94

حالٌ مغبوطة لكان أخس البهائم أحسن حالاً من الإنسان، فيقتضي أن تكون هذه الحكم الإلهية والبدائع الربانية التي أظهرها الله تعالى في الإنسان عبثاً كما نبه الله تعالى عليه بقوله تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون) فإن أحكام بنية الإنسان مع كثرة بدائعها وعجائبها ثم نقضها وهدمها من غير معنى سوى ما تشاركه فيه البهائم من الأكل والشرب والسفاد مع ما يشوبه من التعب الذي قد أغني عنه الحيوانات سفهٌ: (كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا) تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا. وما أظهر عند من ألقى عن مناكبه دثار العماية صدق أمير المؤمنين عليّ ﵇ في قوله: الدنيا دار ممر لا دار مقر فاعبروها ولا تعمروها وقد خُلقتم للأبد ولكنكم تنقلون من دار إلى دار حتى يستقر بكم القرار. وكثير من الجهال اتروا بقوم وصفوا بوفور العقل في أمور الدنيا حيث أنكروا أمر الآخرة فقالوا: لو كان ذلك حقاً لم ينكره أمثالهم مع وفور عقولهم وكثرة فهمهم ولم يعلموا أن العقل وإن كان جوهراً شريفاً فإنه لا يتوجه إلا حيث وجه ولا غناء له إلا فيما إليه صُرف فإذا صُرف، إلى أمور لآخرة أحكمها وإذا صرف إلى أمور الدنيا قبلها وعكف عليها، وأخل بما سواها فتقصر بصيرته حينئذ عن الأمور الأخروية كما نبه الله عليه في غير موضع من كتابه وقد تقدم القول فيه. فصل اعلم أن الموت المتعارف الذي هو مفارقة الروح للبدن هو أحد الأسباب الموصلة للإنسان إلى النعيم الأبدي، وهو انتقال من دار إلى

стр. 95

دار كما روي: " إنكم خلقتم للأبد لكنكم تنقلون من دار إلى دار حتى يستقر بكم القرار. فهو وإن كان في الظاهر فناءً واضمحلالاً فهو في الحقيقة ولادة ثانية قال الشاعر في ذلك: تمخضت المنون له بيوم ... أتى ولكل حاملة تمام فإنه جعل للمنون حملاً كحمل المرأة وتمخضاً متمخضها وولادة وولادة كولادتها تنبيهاً على انه أحد أسباب الكون. قال بعضهم: الإنسان ما دام في دنياه جار مجرى الفرخ في البيضة فكما أن من كمال الفرخ تفلق البيض عنه وخروجه منه، كذلك من شرط كمال الإنسان مفارقة هيكله ولولا هذا الموت لم يكمل الإنسان، فالموت إذن ضروري في كمال الإنسان، ولكون الموت سبباً للإنتقال من حال أوضع إلى حال أشرف وأرفع سماه الله تعلى توفياً وإمساكاً عنده فقال تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليه الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى) ولهذا تقول العرب: استأثر الله بفلان، ولحق بالله ونحو ذلك من الألفاظ ولأجل أن الموت الحيواني انتقال من منزل أدنى إلى منزل أعلى أحبه من وثق بما له عند الله، ولم يكره هذا إلا أحد رجلين أحدهما من لا يؤمن بالآخرة وعنده أن لا حياة ولا نعيم إلا في الدنيا كمن وصفهم الله تعالى بقوله: (ولتجدنهم أحرص لناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يُعمَّر) . وقال بعض من هذه طريقته شعراً في هذا المعنى:

стр. 96

خذ من الدنيا بحظ ... قبل أن تنقل عنها فهي دار ليس تلقى ... بعدها أطيب منها والثاني يؤمن به ولكن يخاف ذنبه، فأما من لم يكن كذلك فإنه يحبه ويتمناه كما أحبه الصالحون وتمنوه. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه " وقال تعالى: (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) تنبيهاً على أن من يكون متحققاً بحسن حاله عند الله لم يكره الموت. فالموت هو باب من أبواب الجنة منه يتوصل إليها، ولو لم يكن موت لم تكن الجنة ولذلك منَّ الله تعالى به على الإنسان فقال: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) فقدم الموت على الحياة تنبيهاً على أنه يتوصل به إلى الحياة الحقيقية وعدّه علينا في نعمه فقال: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم) فجعل الموت أنعاماً كما جعل الحياة أنعامأ لأنه لما كنت الحياة الأخروية نعمة لا وصول إليها إلا بالموت فالموت نعمة لأن السبب الذي يتوصل به إلى النعمة نعمة، ولكون الموت ذريعة إلى السعادة الكبرى لم يكن الأنبياء والحكماء يخافونه، حتى قال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ﵇: والله ما أبالي أقع على الموت أو يقع الموت عليَّ. وكانوا يتوقعونه ويرون أنهم في حبس فينتظرون المبشر بإطلاقهم. وعلى هذا روي: " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ". وقيل أنه لما مات داود الطائي سمع هاتف

стр. 97

يقول: " أطلق داود من السجن ". قال الله تعالى: (ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون) تنبيهاً على أن الموت سبيل الحياة المستفادة عند الله تعالى. وقال تعالى: (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرةً من الله ورحمة خيرٌ مما يجمعون) وقال تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتأً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون فرحين ... الآية) وعلى هذا نبه الله تعلى بقوله: (ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم أنكم بعد ذلك لميتون ثم أنكم يوم القيامة تبعثون) فنبه على أن هذه التغييرات خلق أحسن فنقض هذه البنية لإعادتها على وجه أشرف كالنوى المزروع الذي لا يصير نخلاً مثمراً إلا بعد إفساد جثتها، وكذلك البر إذا أردنا أن نجعله زيادة في أجسامنا يحتاج أن يطحن ويعجن ويخبز ويأكل فيغير تغيرات كثيرة هي فساد لها في الظاهر، وكذلك البذر إذا ألقي في الأرض يعده من لا يتصور مآله وحاله فساداً، فالنفس تحب البقاء في هذه الدار إذا كانت قذرة راضية بالأعراض الدنيوية رضا الجُعَل بالحُش أو جاهله بمآلها في المآل.

стр. 98

الباب الثالث والثلاثون في فضيلة الإنسان إذا شرف على الملائكة قد تقدم أن الناس ضربان: ضرب لم يحظ من الإنسانية إلا بالصورة التخطيطية من انتصاب القامة وعرض الظفر والقوة على الضحك ولغو من النطق يجري مجرى المكاء والتصدية وهو دون البهائم. وضرب هو الإنسان وهو المعنَّى بما خلق لأجله فمن كان كذلك فله حالتان: إحداهما حالته وهو في الدنيا ولم يقتحم العقبة ويفك الرقبة بل هو صريع جوعه وأسير شبعة، تنتنه العرقة وتؤلمه البقة وتقتله الشرقة، ولما يقض ما أمره، فهو ما دام في دنياه لا يحكم له [انه أفضل من الملائكة على الإطلاق. والحالة الثانية قد اقتحم العقبة وفك الرقبة بعدما قضى ما أمره، فصار من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، بل قد جعل في مقعد صدق عند مليك مقتدر ذا حياة بلا ممات وغنى بلا فقر وعز بلا ذل وعلم بلا جهل وقد قامت الملائكة تخدمه كما قال تعالى: (والملائكة يدخلون عليهم من

стр. 99

كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) فحينئذ من جعل له هذه المنزلة فهو أفضل من كثير من الملائكة، أعاننا الله على بلوغ هذه المنزلة وجعلنا من المترشحين لها برحمته أنه على ما يشاءُ قدير. فهذا آخر ما قصدت من بيان تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين نفعني الله به ومن نظر فيه برحمته أنه على ما يشاء قدير ولحمد لله وصلواته على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.