Полный текст (242 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وأمّا الجبن فإنّما لي نفسٌ واحدةٌ فأنا أحفظها، ولو كانت لي نفسٌ أخرى لجدت بها؛ وأمّا الغيرة فحقيقٌ لمن كانت له امرأةٌ حمقاء مثلك أن يغار عليها مخافة أن تجيئه بولدٍ من غيره فتقذف به في حجره.
حكى دعبل بن عليٍّ قال: عبث عطّارٌ اسمه فيروز بامرأةٍ من الشّام تسومه عطراً فعلقت بقلبه، فقعد لها على طريقها، فلمّا أضجرها قالت: والله لو أنّ عبد الله بن سيرة بقربي ما طمعت في هذا منّي. فبلغت عبد الله بن سيرة هذه الكلمة وهو في البعث بأرمينية، فترك مركزه وأقبل لا يلوي على أحدٍ، حتىّ وقف ببابها ليلاً، وكان يوصف بشدّة الغيرة، فاستأذن عليها، فأذنت له، فقال لها: أيّتها المرأة من هذا الذي عبث بك حتّى تمنّيت أنّي بقربك؟ قالت: رجلٌ عطّار. قال لها: فما ابتنى؟ قالت: لا. قال لها: فعديه الليلة القابلة وإنّي أسبقه إلى بيتك.
فبعثت إليه تقول له: إذ أبيت إلاّ ما تريد، فهلمّ إلى بيتي الليلة عندي. فأقبل إليها وقد سبقه ابن سيرة، فلمّا دخل وثب عليه وضربه ضربةً رمى برأسه، ثمّ قتل خادمها، وقال لها: إنّما قتلته لئلّا يطلع على الخبر أحدٌ من النّاس. ثمّ ناولها مائة دينارٍ، وقال لها: اشتري بها خادماً وانفقي باقيها على نفسك. ثمّ قال: هلمّي فأساً فقلع رأس البالوعة ثمّ جرّهما فألقاهما فيها، ثمّ سوّى رأس البالوعة، وقال للمرأة: أظهري
стр. 107
أنّ الخادم قد أبق. ثمّ خرج، ولم يعلم به أحد، ولم يأت منزله حتّى قدم أرمينيّة وقال في ذلك:
إنّ المنايا لغيرانٍ لمعرضةٌ ... يغتاله النّحر أو يغتاله الأسد
أو عقربٌ أو شجى في الحلق معترضٌ ... أو حيّةٌ في أعالي منتهى الزبد
وكانت لابن الدّمينة امرأةٌ يقال لها حما، وكان مزاحم بن عمر السّلولي يأتيها ويتحدّث إليها، فمنعها ابن الدّمينة من ذلك فاشتدّ ذلك عليه، فقال مزاحم عند ذلك يذكرها:
يا ابن الدّمينة والأخبار تحملها ... وخد النّجائب تبديها وتنميها
أمارةٌ، كيّةٌ ما بين عانتها ... وبين سرّتها لا شكّ كاويها
فلمّا بلغ ابن الدّمينة ذلك عرف العلامة التي في زوجته وعلم أنّه لم ير ذلك منها إلاّ وقد أفضى إليها. فأتى امرأته فقال: قد بلغني غشيان مزاحم لك، وقد قال فيك ما قال. فأنكرت ذلك، وقالت: والله ما أرى ذلك الموضع قط. قال: فما أعلمه بعلامتك التي وصفها؟ قالت: النّساء رأين ذلك إذ كنت جارتهنّ، فتحدّثن بذلك، فسمعه مزاحم. وتغافل ابن الدّمينة عن مزاحم حتّى ظنّ أنّه ذهب من قلبه، ثمّ قال لامرأته: لئن لم ترسلي إليه الليلة يأتيك في موضع كذا لأقتلنّك. فأرسلت
стр. 108
إليه: إنّك قد سمّعت بي ولا أحبّ أن تأتيني وأنا سآتيك في موضع كذا. فقعد في الموضع ابن الدّمينة وأصحابه، وجاء مزاحم وهو يظنّ أنّها في الموضع الذي وعدته به، فخرجوا إليه وأوثقوه وصرّوا صرّةً من رملٍ في ثوبٍ وضربوا بها كبده حتّى مات، واحتملوه حتّى أتوا به ناحية دور قومه فطرحوه بها. وجاء أهله فأخذوه ولم يجدوا به أثر سلاح، فعلموا أنّ ابن الدّمينة قتله. ورجع ابن الدّمينة إلى امرأته فقتلها وقتل ابنه له منها، وطلبه السّلوليّون فلم يجدوه:
وحكى الثّوريّ: أنّ رجلاً من بني عقيل تعلّق جاريةً وأبى أهلها أن يزوّجوه إيّاها، وكانت من أجمل النّساء، وكان اسمها ليلى، فسمع بها رجلٌ موسرٌ من ثقيف يقال له حارثة بن عوف، فقدم على أهلها فأرغبهم، فزوّجوه وظعن بها. فقال العقيلي الذي كان تعلّقها:
ألا إنّ ليلى العامريّة أصبحت ... تقطع إلاّ من ثقيفٍ وصالها
كأنّ مع الرّكب الذين تحمّلوا ... غمامة صيفٍ زعزعتها شمالها
ثمّ اشتدّ شوقه وزاد ولعه، فخرج في أثرها حتّى قدم الطّائف، فانتسب أنّه أخٌ لها وصدّقت هي فأدخله زوجها، وذبح له ونحر، وكان صاحب خمرٍ. فجلس هو والثّقفي يشربان وهي تسقيهما فلمّا أخذت الخمر في العقيلي باح بسرّه، فلمّا سمعه الثّقفي همّ به ثمّ غلبه السّكر فخرج العقيلي تحت الليل وتبعه الثّقفي بأكلب له عقرٌ فأدركه وقد شارف
стр. 109
بلاد بني كليب، وقد غلبه العطش فمات. فخلى أكلبه على جيفته فأكلته. فسمعت بذلك الكلابيّون فرحلوا في أثر الثّقفي فأدركوه فقتلوه وخلوا عليه أكلبه فأكلته. وسمع العقيليّون بخبر الرّجلين فركبوا إلى المرأة فطرقوها في منزله فقتلوها، ورحلوا. فوثبت عليها أكلب زوجها فأكلتها. فقال جار الثّقفي:
لعمري لقد ساق العقيلي حتفه ... وما خبر ليلى كان عنها بأبعد
وخبر الفتى القيسيّ قد سيق نحوه ... وأمسى مقيماً بين أضلاع أزبد
أقاموا جميعاً رهن أجواف أكلبٍ ... كذلك أمر الله في اليوم والغد
ويروى عن رسول الله، ﷺ ، أنّه قال: " الغيرة من الإيمان، وأيما رجلٍ أحسّ بشيءٍ من الفجور في أهله فلم يغيره، إلاّ بعث الله إليه ملكاً يقول له غر أربعين يوماً، فإن لم يفعل مسح بجانحه على عينيه، فإن رأى حسناً لم يدره، وإن رأى قبيحاً لم ينكره ".
وعنه ﷺ أنّه قال: كتب الجّهاد على رجال أمّتي، والغيرة على نسائها، فمن صبرت منهنّ واحتسبت أعطاها الله أجر الشّهيد.
وعن علي ﵇ أنّه قال: من أطاع امرأته في أربع أكبّه الله في النّار على وجهه. أن يعطيها في أن تذهب إلى العرسات وإلى المعلّمات وإلى الحمّامات وإلى الجنائز.
وقال الأحوص يتشبّب بأم ّجعفر الحطميّة:
стр. 110
أدور، فلولا أن أمّ جعفر ... بأبياتكم، ما درت حيث أدور
وما كنت دوّاراً ولكن ذا الهوى، ... إذا لم يزر لا بدّ أن سيزور
لقد منعت معروفها أمّ جعفر، ... وإنّي إلى معروفها لفقير
فاستعدى أيمن، أخوها، عليه عامل المدينة وكان أيمن جسيماً ضخماً وكان الأحوص نحيفاً، فدفع إلى كلّ واحدٍ منهنّ سوطاً وقال لخالد: أضرب الأحوص. فقال بعض الشّعراء:
لقد منع المعروف من أمّ جعفرٍ ... أخو ثقةٍ عند الحفاظ صبور
علاك بمتن السّوط حتّى لقيته ... بأصغر من ماء الصّفاق يفور
قال الأحوص بعد ذلك:
إذا أنا لم أغفر لأيمن ذنبه ... فمن ذا الذي يعفو له ذنبه بعدي
يسيء فأعفو ذنبه، فتردّني ... أيادٍ يدانيها مباركةً عندي
تزوّج عبد الله بن يزيد الحنفي امرأةً حسناء، وكان رجلاً ثقيلاً جسيماً ظريفاً، فأحبّها حبّاً شديداً، وكان من أشدّ النّاس غيرةً. فدعاه حبّه لها، وشدّة غيرتها عليها، أن خرج بها إلى بعض البوادي فابتنى لها قصراً وسكن به وأقام معها مدّةً.
وخرج عمر بن سعيد العبدي يريد سفراً له، فأخذته السّماء في
стр. 111
بعض الطّريق فنظر، فإذا هو بقصرٍ عظيمٍ، فعدل إليه، وقرع بابه، فخرج إليه عبد الله بن يزيد فعرفه، فسلّم عليه وأنزله، وهيّأ له طعاماً ثمّ دعا بشرابٍ من خمرٍ عتيقٍ. فبينما هما يشربان إذ تطلّعت المرأة فرأت ابن سعيدٍ وكان غلاماً شابّاً، وسكر زوجها سكراً شديداً فخرجت المرأة إلى عمر بن سعيد فحدّثته وآنسته ودعته إلى نفسها فأبى، وقال: ما كنت بالذي أفعل برجلٍ أتاني منزله. ولم يزل يدافعها حتّى أفاق عبد الله بن يزيد من سكره، فأنشأ عمر يقول:
ربّ بيضاء خصرها يتثنّى ... قد دعتني لوصلها فأبيت
لم يكن شأني العفاف ولكن ... كنت ندمان زوجها فاستحيت
فعلم عبد الله بن يزيد ما أراد، فلمّا انصرف عمر بن سعيد عمد عبد الله إلى المرأة فجعل في عنقها حبلاً وعلّقها به إلى السّقف، فاضطربت حتّى ماتت. وعلم أنّ النّساء لا حفظ لهنّ، وآلى على نفسه أنّه لا يتزوّج امرأةً أبداً. وترك قصره وعاد إلى منزله.
وقال الفضيل بن الهاشمي: كنت مع ابنة عمّي نائماً على سريرٍ إذ ظهرت إليّ بعض جواري، فنزلت، فقضيت حاجتي، ثمّ انصرفت. فبينما أنا أراجع، إذ لدغتني عقربٌ فصبرت حتّى عدت إلى موضعي من السّرير، فغلبني الوجع، فصحت، فقالت لي ابنة عمّي: ما لك؟ قلت لها: لدغتني عقربٌ. قالت: وعلى السّرير عقربٌ؟ قلت: نزلت لأبوّل فأصابتني، ففطنت، فلمّا أصبحت جمعت خدمها واستحلفتهنّ أن لا يقتلن عقرباً في دارها إلى سنةٍ. ثمّ قالت:
إذا عصي الله في دارنا ... فإنّ عقاربنا تغضب
стр. 112
ودارٍ إذا نام حرّاسها ... أقام الحدود بها العقرب
قالوا وبينا ابن أبي ربيعة في الطّواف، إذ رأى جاريةً من أهل البصرة، فأعجبته، فدنا منها، فكلّمها، فلم تلتفت إليه. فلمّا كان في الليلة الثّانية عاودها، فقالت له: إليك عنّي أيّها الرّجل فإنّك في موضعٍ عظيم الحرمة! وألحّ عليها وشغلها عن الطّواف، فأتت زوجها، فقالت له: تعال معي فأرني المناسك. فأقبلت وهو معها وعمر جالسٌ على طريقها فلمّا رأى الرّجل معها عدل عنها فقالت:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتّقي مربض المستأسد الحامي
فحدّث المنصور هذا الحديث، فقال: وددت أنّه لم تبق فتاةٌ من قريش في خدرها إلاّ سمعت الحديث.
وكان عمارة بن الوليد بن المغيرة بن الوليد سيف الله من فتيان قريشٍ جمالاً وشعراً، وهو الذي جاءت به قريش إلى أبي طالب قالوا: هذا عمارة، قد عرفت حاله، فخذه بدل ابن أخيك محمّداً نقلته. فقال لهم أبو طالب: ما أنصفتموني تعطوني ابن أخيكم أحفظه وأعطيكم ابن أخي تقتلوه؟ وبعثت قريش عمارة بن
стр. 113
الوليد، وعمرو بن العاص إلى النّجاشي في أمر من قدم إليه من المهاجرين، فلمّا كانوا في السّفينة ومع عمرو امرأته أمّ عبد الله فقال لها عمارة: قبّليني. فقال لها عمرو: قبّلي ابن عمّك. وقال عمرو في ذلك:
ليعلم عمّارٌ أنّ من شرّ شيمةٍ ... لمثلك أن يدعى ابن عمٍّ له ابن ما
أإن كنت ذا بردين أحوى مرجلاً ... ولست تراعي لابن عمّك محرّماً
إذا المرء لم يترك طعاماً يحبّه ... ولم ينه قلباً عارياً حيث يمّما
قضى وطراً منه وغادر سبةً ... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما
وقعد عمرو على منجاف السّفينة لقضاء الحاجة، فدفعه عمارة، فألقاه في البحر، فما تخلّص حتّى كاد يموت. فلمّا صار إلى النّجاشي أظهر له عمرو أنّه لم يحفل بما أصابه منه، فجاده عمارة يوماً فحدّثه أنّ زوجة الملك النّجاشي علّقته وأدخلته إلى نفسها، فلمّا تبيّن لعمرو حال عمارة وشى به عند الملك واخبره خبره، فقال له النّجاشي: أئتني بعلامةٍ أستدلّ بها على ما قلت؟ فعاد عمارة، فأخبره عمرو بأمره وأمر زوجة النّجاشي فقال له عمرو: لا أقبل هذا منك إلاّ أن تعطيك من دهن الملك الذي لا يدّهّن به غيره. فكلّمها عمارة في الدّهن، فقالت
стр. 114
له: أخاف من الملك. فأبى أن يرضى منها إلاّ أن تعطيه من ذلك الدّهن، فأعطته منه، فأعطاه إلى عمرو، فجاء إلى الملك، فأمر السّواحر فنفخن في إحليله، فذهب مع الوحش، فلم يزل متوحّشاً حتّى خرج إليه عبد الله بن أبي ربيعة في جماعةٍ من أصحابه، فجعل له على الماء شركاً، فأخذه، فجعل يصيح به: أرسلني فإنّي أموت إن أمسكتني. فأمسكه، فمات في يده.
عروة بن الزّبير، عن عائشة ﵂، قالت: ما غرت على امرأةٍ لرسول الله، ﷺ ، ما غرت على خديجة. ولقد هلكت قبل أن يتزوّجني بثلاث سنينٍ، لما أسمع من كثرة ذكره إيّاها. وكان يذبح الشّاة فيفرّقها على صدائق خديجة. قال ودخل رسول الله، ﷺ ، على خديجة وهي في مرضها الذي توفّيت فيه فقال لها: " بالكره منّي يا خديجة ما أرى منك، وقد يجعل الله في الكره خيراً كثيراً. أما علمت أنّ الله زوّجني معك في الجنّة مريم ابنة عمران، وكلثم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون؟ " قالت: وقد فعل الله ذلك برسوله؟ قال: " نعم ". قالت: فبالرّفاء والبنين.
стр. 115
باب ما جاء في وفاء النّساء
حكى الأصمعي، عن رجلٍ من بني ضبّة قال: ضلّت لي إبلٌ فخرجت في طلبها حتّى أتيت بلاد بني سليم، فلمّا كنت في بعض تخومها، إذا جاريةٌ غشى بصري إشراق وجهها، فقالت: ما بغيتك فإنّي أراك مهموماً؟ قلت: إبلٌ ضلّت لي، فأنا في طلبها. قالت: فتحب أن أرشدك إلى من هي عنده؟ قلت: نعم. قالت: الذي أعطاكهنّ هو الذي أخذهنّ فإن شاء ردّهنّ، فاسأله من طريق اليقين لا من طريق الإختيار. فأعجبني ما رأيت من جمالها وحسن منطقها، فقلت لها: هل لك من بعلٍ؟ قالت: كان والله فدعي فأجاب إلى ما منه خلق، ونعم البعل كان. قلت لها: فهل لك في بعلٍ لا تذمّ خلائقه، ولا تخشى بوائقه؟ فأطرقت ساعةً ثمّ رفعت رأسها وعيناها تذرفان دموعاً فأنشأت تقول:
كنّا كغصنين من بانٍ غذاؤهما ... ماء الجداول في روضات جنّات
стр. 116
فاجتثّ صاحبها من جنب صاحبه ... دهرٌ يكرّ بفرحاتٍ وترحات
وكان عاهدني إن خانني زمنٌ ... أن لا يضاجع أنثى بعد موتات
وكنت عاهدته أيضاً، فعاجله ... ريب المنون قريباً مذ سنينات
فاصرف عتابك عمّن ليس يصرفه ... عن الوفاء له خلب التّحيّات
قال: فانصرفت وتركتها.
ٌ
قال الأصمعي: قال لي الرّشيد: امض إلى بادية البصرة فخذ من تحف كلامهم وطرف حديثهم. فانحدرت، فنزلت على صديقٍ لي بالبصرة، ثمّ بكّرت أنا وهو على المقابر، فلمّا صرت إليها إذا بجاريةٍ نادى إلينا ريح عطرها قبل الدّنوّ منها، عليها ثيابٌ مصبغاتٌ وحلى، وهي تبكي أحرّ بكاء. فقلت: يا جارية ما شأنك؟ فأنشأت تقول:
فإن تسألاني فيم حزني؟ فإنّني ... رهينة هذا القبر يا فتيان.
أهابك إجلالاً، وإن كنت في الثّرى، ... مخافة يومٍ أن يسؤك مكاني
وإنّي لأستحييك، والتّرب بيننا، ... كما كنت أستحييك حين تراني.
فقلنا لها: ما رأينا أكثر من التّفاوت بين زيّك وحزنك فأخبري بشأنك؟ فأنشأت تقول:
стр. 117
يا صحب القبر، يا من كان يؤنسني ... حيّاً، ويكثر في الدّنيا مواساتي،
أزور قبرك في حليٍّ وفي حللٍ، ... كأنّني لست من أهل المصيبات؛
فمن رآني، رأى عبرىً مفجعةً ... مشهورة الزّيّ تبكي بين أمواتي.
فقلنا لها وما الرّجل منك: قالت: بعلي، وكان يجب أن يراني في مثل هذا الزّيّ، فآليت على نفسي أن لا أغشى قبره إلاّّ في مثل هذا الزّيّ لأنّه كان يحبّه أيّام حياته، وأنكرتماه أنتما عليّ.
قال الأصمعي: فسألتها عن خبرها ومنزلها. وأتيت الرّشيد فحدّثته بما سمعت ورأيت، حتّى حدّثته حديث الجّارية. فقال: لا بدّ أن ترجع حتّى تخطبها إليّ من وليّها، وتحملها إليّ، ولا يكون من ذلك بد. ووجّه معي خادماً ومالاً كثيراً. فرجعت إلى قومها فأخبرتهم الخبر، فأجابوا وزوّجوها من أمير المؤمنين وحملوها معنا وهي لا تعلم. فلمّا صرنا إلى المدائن نما إليها الخبر، فشهقت شهقةً فماتت، فدفنّاها هنالك. وسرت إلى الرّشيد فأخبرته الخبر، فما ذكرها وقتاً من الأوقات إلاّّ بكى أسفاً عليها.
توفّي رجلٌ وبقيت امرأته شابّةً جميلةً، فما زال بها النّساء حتّى تزوّجت. فلمّا كانت ليلة زفافها رأت في المنام زوجها الأوّل آخذاً بعارضتيّ الباب وقد فتح يديه وهو يقول:
حيّيت ساكن هذا البيت كلّهم ... إلاّّ الرّباب فإنّي لا أحييها
стр. 118
أمست عروساً وأمسى مسكني جدثٌ ... بين القبور وإنّي لا ألاقيها
واستبدلت بدلاً غيري، فقد علمت ... أنّ القبور تواري من ثوى فيها
قد كنت أحسبها للعهد راعيةً ... حتّى تموت وما جفّت مآقيها
ففزعت من نومها فزعاً شديداً، وأصبحت فاركاً وآلت أن لا يصل إليها رجلٌ بعده أبداً.
ولمّا قتل عثمان، ﵁، وقفت يوماً على قبره نائلة بنت الفرافصة الكلبي، فترحّمت عليه ثمّ انصرفت إلى منزلها، ثمّ قالت: إنّي رأيت الحزن يبلى كما يبلى الثّوب، وقد خفت أن يبلى حزن عثمان في قلبي. فدعت بفهرٍ فهتفت فاها، وقالت: والله لا يقعد رجلٌ منّي مقعد عثمان أبداً. وخطها معاوية فبعثت إليه أسنانها، وقالت: أذات عروسٍ ترى؟ وقالوا: لم يكن في النّساء أحسن منها مضحكاً.
كان هدبة بن خشرم العذري قتل ابن عمرٍ يقال له زياد بن زيد فطلبه سعيد بن العاص، وهو يلي المدينة لمعاوية فحبسه، فقال في السّجن قصيدته التي يقول فيها:
стр. 119
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرجٌ قريب
وفي سجنه يقول أيضاً:
ولمّا دخلت السّجن يا أمّ مالك ... ذكرتك والأطراف في حلق سمر
وعند سعيد غير أنّي لم أبح ... بذكرك إلاّّ من يذكّر بالأمر
وسئل عن هذا، فقال: لمّا رأيت ثغر سعيدٍ شبّهت به ثغرها، وكان سعيد حسن الثّغر. فحبس هدبة سبع سنينٍ ينتظر به احتلام المستورد بن زيادة، فلمّا احتلم، أخرج صبح تلك الليلة إلى عامل المدينة فرغّبه في العفو، وعرض عليه عشر ديّاتٍ، فأبى إلاّّ القود. وكان ممّن عرض الدّيّات عليه الحسن بن علي، ﵉، وعبد الله بن جعفر وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم. فلمّا أبى، بعث هؤلاء وغيرهم من إخوانه بالحنوط والأكفان فدخل عليه رسولهم السّجن فوجدوه يلعب بالنّرد. فجلسوا ولم يقولوا له شيئاً، فلمّا لحظهم إذا بطرف بردٍ خرج من بعض الأكفان فأمسك، ثمّ قال: كأنّه قد فرغ من أمرنا؟ فقالوا: أجل. فقام فاغتسل ثمّ رجع إليهم فأخذ من كلّ واحدٍ ثوباً وردّ ما بقي. وأخرج ليقاد منه، فجعل ينشد الأشعار. فقالت له حيا المدينة: ما رأيت أقسى قلباً منك، تنشد الأشعار، وقد دعي بك لتقتل، وهذه
стр. 120
خلفك كأنّها غزالٌ عطشانٌ تولول؟ يعني امرأته. فوقف، ووقف النّاس معه، فأقبل على حيا فقال:
وجدت بها ما لم تجد أمّ واجدٍ ... ولا وجد حبّي بابنٍ أم كلاب
وإنّي طويل السّاعدين شمرطلٌ ... على ما اشتهيت من قوّةٍ وشباب.
فأغلقت الباب في وجهه. وعرض له عبد الرّحمن بن حسّان فقال: أنشدني! فقال له: على هذه الحال؟ قال: نعم. فابتدأ ينشده:
ولست بمفراحٍ إذا الدّهر سرّني ... ولا جازعٍ من صرفه المتقلّب
ولا أتمنّى الشّرّ، والشّرّ تاركي، ... ولكن متى ما أحمل الشّرّ أركب
قال: ونظر رجلٌ إلى امرأته فدخلته غيرةٌ، وقد كان زيادة جدع أنفع بسيفه:
فإن يك أنفي بأن عنّي جماله ... فما حسبي في الصّالحين بأجدعا
فلا تنكحي إنّ فرّق الدّهر بيننا ... أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
وعن أبي حمزة الكناني قال: كنت في حرس خالد بن عبد الله
стр. 121
القسري، فقال خالد: من يحدّثني بحديثٍ عسى يستريح إليه قلبي؟ فقلت: أنا. فقال: هات. فقلت: إنّه بلغني أنّه كان فتىً من بني عذرة، وكانت له امرأةٌ منهم، وكان شديد الحبّ لها، وكانت له مثل ذلك، فبينا هو ذات يومٍ ينظر وجهها إذ بكى، فنظرت إلى وجهه وبكت، فقالت له: ما الذي أبكاك؟ قال: والله، أتصدقيني إن صدقتك؟ قالت: نعم. قال لها: ذكرت حسنك وجمالك وشدّة حبّي، فقلت أموت فتتزوّج غيري. فقالت: والله والله، أنّ ذاك الذي أبكاك؟ قال: نعم. قالت: وأنا ذكرت حسنك وجمالك وشدّة حبّي لك فقلت أموت فيتزوّج امرأةً غيري. قال الرّجل: فإنّ النّساء حرامٌ عليّ بعدك. فلبثا ما شاء الله.
ثمّ إنّ الرّجل توفّي فجزعت عليه جزعاً شديداً فخاف أهلها على عقلها أن يذهل، فأجمع رأيهم على أن يزوّجوها، وهي كارهةٌ، لعلّها تتسلّى عنه. فلمّا كان في الليلة التي تهدى فيها إلى بيت زوجها، وقد نام أهل البيت، والماشطة تهيّء من شعرها، إذ ناكت نومةً يسيرةً فرأت زوجها الأوّل داخلاً عليها من الباب وهو يقول: خنت يا فلانة عهدي، والله لا هنيت العيش بعدي فانتبهت مرعوبةً، وخرجت هاربةً على وجهها، وطلبها أخلها فلم يقعوا لها على خبر.
ً
قال إسحق خرجت امرأةٌ من قريش من بني زهرة إلى المدينة
стр. 122
تقضي حقّاً لبعض القرشيّين. وكانت ظريفةً جميلةً، فرآها من بني أميّة رجلٌ فأعجبته، وتأمّلها فأخذت بقلبه، وسأل عنها فقيل له: هذه حميدة بنت عمر بن عبد الله بن حمزة. ووصفت له بما زاد فيها كلفه، فخطبها إلى أهلها فزوّجوه إيّاها على كرهٍ منها، وأهديت إليه فرأت من كرمه وأدبه وحسن عشرته ما وجدت به، فلم تقم عنده إلاّّ قليلاً حتّى أخرج أهل المدينة بني أميّة إلى الشّام، فنزل بها أمرٌ ما ابتليت بمثله، فاشتدّ بكاؤها على زوجها وبكاؤه عليها، وخيّرت بين أن تجمع معه مفارقة الأهل والولد والأقارب والوطن أو تتخلّف عنه مع ما تجد به، فلم تجد أخفّ عندها من الخروج معه مختارةً له على الدّنيا وما فيها. فلمّا صارت بالشّام صارت تبكي ليلها ونهارها ولا تتهنّأ طعاماً ولا شراباً شوقاً إلى أهلها ووطنها، فخرجت يوماً بدمشق مع نسوةٍ تقضي حقّاً لبعض القرشيّين فمرّت بفتىً جالسٍ على باب منزله، وهو يتمثّل بهذه الأبيات:
ألا ليت شعري، هل تغيّر بعدنا ... صحون المصلّى، أم كعهدي القرائن؟
وهل أدور حول البلاط عوامرٌ ... من الحيّ، أم هل بالمدينة ساكن؟
стр. 123
إذا لمعت نحو الحجاز سحابةٌ، ... دعا الشّوق منّي برقها المتيامن
وما أشخصتنا رغبة عن بلادنا، ... ولكنّه ما قدّر الله كائن.
فلمّا سمعت المرأة ذكر بلدها وعرفت المواضع، تنفّست نفساً صدّع فؤادها فوقعت ميتةً. فحملت إلى أهلها وجاء زوجها، وقد عرف الخبر، فانكبّ عليها فوقع عنها ميّتاً. فغسّلا جميعاً وكفًنا ودفنا في قبرٍ واحدٍ.
وكانت خولة بنت منظور بن زياد الفزاري عند الحسن بن علي بن أبي طالب، ﵃، وكانت أختها عند عبد الله بن الزّبير، وهي أحسن النّاس ثغراً، وأتمّهم جمالاً. فلمّا رأى ذلك عبد الملك بن مروان قتل عبد الله بن الزّبير زوجها، ثمّ خطبها، فكرهت أن تتزوّجه وهو قاتل زوجها، فأخذت فهراً وكسّرت به أسنانها. وجاء رسول عبد الملك فخطبها، فأذنت له ليراها، فأدّى إليها رسالته ورأى ما بها، فقالت: ما لي عن أمير المؤمنين رغبة، ولكنّي كما ترى، فإن أحبّني فأنا بين يديه، فأتاه الرّسول فأعلمه بذلك، فقال: أنا، والله، إنّما أردتها على حسن ثغرها الذي بلغني، وأمّا الآن فلا حاجة لي فيها.
وممّن يضرب به المثل في الوفاء جماعة بنت عوف بن محلم الشّيباني وذلك أنّ عمرو بن عبد الملك طلب مروان القرط وهو مروان بن زنباع العبسيّ فخرج هارباً حتّى هجم على أبيات بني شيبان، فنظر إلى أعظمها بيتاً ببصره فإذا هو بيت جماعة بنت عوف فألقى نفسه بين يديها فاستجارها فأجارته. ولحقته خيل عمرو فبعثت إلى أبيها
стр. 124
فعرّفته أنّها أجارته فمنعهم عوف عنه وأنصرف أصحاب عمرو. فأرسل عمرو إلى عوف قد آليت ألا أقطع طلبي إلاّّ أن يضع يده في يدي. فقال عوف: والله ما يكون ذلك أبداً لكنّ يدي بين يديك ويده. قال، فرضي عمرو بذلك. فوضع مروان يده في يد عوف ووضع عوف يده في يد عمرو. فقال عمرو: لا حرّ بوادي عوف. فذهبت مثلاً.
وحكى عصام المرّي، عن أبيه، قال: بعثنا رسول الله، ﷺ ، في سريّةٍ قبل نجد، وقال: إن سمعتم مؤذّناً، أو رأيتم مسجداً فلا تقتلنّ أحداً. فبينا نحن نسير إذ لحقنا رجلٌ معه ظعائن يسوقها أمامه، فأخذناه، فقلنا له: أسلم. قال: وما الإسلام؟ فعزمنا عليه، قال: أرأيتم إن لم أسلم ما أنتم صانعون بي؟ قلنا: نقتلك. قال: فهل أنتم تاركي حتّى أوصي من في هذا الهودج بكلماتٍ. قلنا: نعم. فدنا من الهودج وفيه ظعينة فقال: أسلمي جبيش قبل انقطاع العيش. فقالت: أسلم عشراً أو تسعاً وتراً، أو ثانياً تترا. قال، ثمّ جاء فمدّ عنقه. قال: شأنكم اصنعوا ما أنتم صانعون. فضربنا عنقه ولقد رأيت تلك الظّعينة نزلت من هودجها وألقت نفسها عليه فما زالت تقبّله وتبكي حتّى هدأت فحرّكناها فإذا هي ميّتة.
العتبيّ قال: كان خالد بن عبد الله القسريّ ذات ليلةٍ مع فقهاء من أهل الكوفة فقال بعضهم: حدّثونا حديثاّ لبعض العشّاق. قال أحدهم: أصلح الله الأمير، ذكر هشام بن عبد الملك غدر النّساء وسرعة
стр. 125
رجوعهنّ. فقال له بعض جلسائه: أنا أحدّثك، يا أمير المؤمنين: بلغني عن امرأةٍ من يشكر يقال لها أمّ عقبة بنت عمرو بن الأعران، وإنّها كانت عند ابن عمٍّ لها يقال له غسّان، وكان شديد المحبّة لها، والوجد بها، وكانت له كذلك. فأقام بها على هذا الحال ما شاء الله، لا يزيد كلّ واحدٍ منهما بصاحبه إلاّّ اعتباطاً.
فلمّا حضرت غسّان الوفاة قال لها: يا أمّ عقبة اسمعي ما أقول، وأجيبي عن نفسك بحقٍّ. فقالت له: والله لا أجبتك بكذبٍ، ولا أجعله آخر حظّك معي. فقال: إنّي رجوت أن تحفظي العهد، وأن تكوني لي إن متّ عند الرّجاء. أنا والله واثقٌ بك، غير إنّي بسوء الظّنّ أخاف غدر النّساء. ثمّ اعتقل لسانه فلم ينطق حتّى مات. فلم تمكث معه إلاّّ قليلاً حتّى خطبت من كلّ مكانٍ، ورغب فيها الأزواج لاجتماع الخصال الفاضلة فيها من العقل والجمال والمال والعفاف والحسب. فقالت مجيبةً له:
سأحفط غسّاناً، على بعد داره، ... وأرعاه حتّى نلتقي يوم نحشر.
وإنّي لفي شغلٍ عن النّاس كلّهم، ... فكفّوا، فما مثلي من النّاس يغدر.
سأبكي عليه، ما حييت، بدمعةٍ ... تحول على الخدّين منّي فتكثر
فيئس النّاس منها حيناً. فلمّا طالت بها الأيّام نسيت عهده، وقالت: من قد مات فقد فات. وأجابت بعض خطّابها فتزوّجها المقدام بن حابس، وقد كان بها معجباً. فلمّا كانت الليلة التي أراد بها الدّخول، أتاها في منامها زوجها الأوّل فقال لها:
غدرت، ولم ترعي لبعلك حرمةً، ... ولم تعرفي حقّاً، ولم ترعي لي عهدا
стр. 126
غدرت به لمّا ثوى في ضريحه، ... كذلك ينسى كلّ من سكن اللحدا
فانتبهت مرتاعةً مستحييةً منه كأنّه يراها أو تراه كأنّه في جانب البيت. فأنكر حالها من حضرها، وقلن لها: ما لك؟ وما بالك؟ قالت: ما ترك لي غسّانٌ في الحياة إرباً، أتاني السّاعة فأنشدني هذه الأبيات. ثمّ أنشدتها بدمعٍ غزيرٍ، وانتحابٍ شديدٍ من قلبٍ جريحٍ موجعٍ. فلمّا سمعن ذلك منها أخذن بها في حديثٍ آخر لتنسى ما هي فيه، فتغفّلتهنّ ثمّ قامت كأنّها تقضي حاجةً فأبطأت عليهنّ. فقمن في طلبها، فوجدنها قد جعلت السّوط في حلقها وربطته إلى عمود البيت وجبذت نفسها حتّى ماتت. فلمّا بلغ ذلك زوجها المقدام، حسن عزاؤه عنها، وقال: هكذا فليكن النّساء في الوفاء، قلّ من يحفظ ميتاً، إنّما هي قلائلٌ حتّى ينسى وعنه يتسلّى
ّ
استعدى آل بثينة مروان بن الحكم على جميل بن معمر، فهرب حتّى أتى رجلاً شريفاً من بني عذرة في أقصى بلادهم وله بناتٌ سبعٌ كأنّهنّ البدور جمالاً. فقال الشّيخ لبناته: تحلّين بأجود حليّكنّ، والبسن فاخر ثيابكنّ، ثمّ تعرضن لجميلٍ. فمن اختار منكنّ زوّجته إيّاها. ففعلن ذلك مراراً وجعلن يعارضنه: فلم يلتفت إليهنّ. وأنشأ يقول:
حلفت لكي تعلمن أنّي صادقٌ، وللصّدق في خير الأمور وأنجح
لتكليم يومٍ من بثينة واحد ... ورؤيتها عندي، ألذّ وأملح،
من الدّهر أن أخلو بكنّ فإنّما، ... أعالج قلباً طامحاً حيث يطمح
стр. 127
قال أبوهنّ: دعن هذا، فوالله لا أفلح أبداً.
كانت أمّ هاني بنت أبي طالب تحت زوجها هبيرة بن أبي ليث المخزومي، فهرب يوم فتح مكّة إلى اليمن فمات كافراً. فخطب رسول الله، ﷺ ، أمّ هاني فقالت: والله لقد كنت أحبّك في الجاهليّة فكيف في الإسلام؟ ولكنّني امرأةٌ مصيبةٌ وأكره أن يؤذك. فقال النّبيّ، ﷺ : " نساء قريشٍ خير نساءٍ ركبن المطايا، أحناهنّ على ولدٍ صغيرٍ، وأرغاهنّ، على زوجٍ ذي يدٍ. "
أبو بكر الأنباري، عن أبي اليسر قال: دخلت منزل نخّاسٍ لشراء جاريةٍ، فسمعت في بيت بازاء البيت جاريةً تقول:
وكنّا كزوجٍ من قطا في مفازةٍ ... لدى خفض عيشٍ معجبٍ مونقٍ رغد
أصابهما ريب الزّمان فأفردا ... ولم أر شيئاً قطّ أوحش من فرد
فقلت للنّخّاس: أعرض عليّ هذه المنشدة. فقال إنّها حزينةٌ. قلت: ولم ذلك؟ قال: اشتريتها من ميراثٍ، فهي باكيةٌ على مولاها. ثمّ لم ألبث أن أنشدت:
وكنّا كغصني بانةٍ وسط دوحةٍ ... نشم جنا الجنّات في عيشةٍ رغد
فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطعٌ ... فيا فردةٌ باتت تحنّ إلى فرد
стр. 128
قال أبو السّمراء: فكتبت إلى عبد الله بن طاهر بخبرها. فكتب إليّ: أن ألق عليها هذا البيت، فإن أجازته فاشتراها ولو كانت بخراج خراسان. والبيت:
قريبٌ صدّ، بعيدٌ وصل، ... جعلت منه لي ملاذا
فقالت:
فعاتبوه، فزاد شوقاً ... فمات عشقاً، فكان ماذا؟
قال أبو السّمراء: فاشتريتها بألف دينارٍ وحملتها إليه. فماتت في الطّريق، فكانت إحدى الحسرات.
قال الأصمعي: خرج سليمان بن عبد الملك ومعه سليمان بن المهلّب بن أبي صفرة من دمشق متنزّهين، فمرّا بالجبانة، وإذا امرأةٌ جالسةٌ على قبرٍ تبكي، فهبّت الرّيح، فرفعت البرقع عن وجهها، فكأنّها غمامةٌ جلت شمساً، فوقفنا متعجّبين ننظر إليها، فقال لها ابن المهلّب: يا أمة الله، هل لك في أمير المؤمنين بعلاً؟ فنظرت إليهما، ثمّ نظرت إلى القبر، وقالت:
فإن تسألاني عن هواي، فإنّه ... بملحود هذا القبر، يا فتيان
وإنّي لأتسحييه والتّرب بيننا، ... كما كنت أستحييه وهو يراني
стр. 129
فانصرفنا ونحن متعجّبون.
قال الأصمعي: رأيت بالبادية أعرابيّةً لا تتكلّم، فقلت: أخرساء هي؟ فقيل لي: لا، ولكنّها كان زوجها معجباً بنغمتها فتوفّي، فآلت أن لا تتكلّم بعده أبداً.
قال الفرزدق أبقي لرجلٍ من بني نهشل، يقال له حصن، غلام. فخرجت في طلبه أريد اليمامة. فلمّا صرت في ماءٍ لبني حنيفة ارتفعت لي سحابةٌ، فرعدت وبرقت وأرخت عزاليها، فعدلت إلى بعض ديارهم وسألت القرا. فأجابوا، ودخلت الدّار، وأنخت ناقتي، وجلست. فإذا جاريةٌ كأنّها طلعة قمر، فقالت: ممّن الرّجل؟ قلت من بني حنظلة. قالت: من أيّ حنظلة؟ قلت: من بني نهشل. قالت: فأنت من الذين يقول فيهم الفرزدق:
إنّ الذي سمك السّماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعزّ وأطول
بيتا زرارةٍ محتبٍ بفنائه ... ومجاشعٌ وأبو الفوارس نهشل
فقلت: نعم. فتبسّمت، ثمّ قالت: فإنّ جريراً هدم قوله، حيث يقول:
стр. 130
أخزي الذي سمك السّماء مجاشعاً ... وأحلّ بيتك بالحضيض الأسفل
قال: فأعجبني ما رأيت من جمالها وفصاحتها، ثمّ قالت لي: أين تؤم؟ قلت: اليمامة. فتنفّست نفساً وصل إليّ حرّة، فقلت: أذات خدرٍ، أم ذات بعلٍ؟ فبكت. فقلت: ما أجبتني عمّا سألتك. قال فلمّا فهمت قولي ولم تكن أوّلاً فهمته من شدّة استغراقها، فلمّا كان بعد ساعةٍ أنشأت تقول:
يخيّل لي، أبا عمرو بن كعب، ... بأنّك قد حملت على سرير
فإن يك هكذا، يا عمرو، إنّي ... مبكّرةً عليك إلى القبور
ثمّ شهقت شهقةً فماتت. فقلت لهم: من هذه؟ قالوا: عقيلة بنت الضّحّاك بن النّعمان بن المنذر. قلت: فمن عمرو؟ قالوا: ابن عمّها، خطبها ولم يدخل بها. فارتحلت من عندهم فدخلت اليمامة، فسألت عن عمرو فإذا به قد دفن في ذلك الوقت من اليوم.
يروى عن سماك بن حرب: أن زيد بن حارثة قال: يا رسول الله، انطلق بنا إلى فلانة نخطبها عليك أو عليّ إن لم تعجبك: فأتيناها فذكر لها زيد رسول الله، ﷺ ، فقالت له: يا رسول الله، إنّي عاهدت زوجي ألاّ أتزوّج بعده أبداً، وأعطاني مثل ذلك. فقال لها رسول الله، ﷺ : " إن كان ذلك في الإسلام ففي له، وإن كان ذلك في الجاهلية فليس بشيءٍ ".
стр. 131
قال الأصمعي خرجت إلى مقابر البصرة، فإذا أنا بامرأةً على قبرٍ، من أجمل النّساء، وهي تندب صاحبه وتقول:
هل أخبر القبر سائليه ... أم قرّ عيناً بزائريه
أم هل تراه أحاط علماً ... بالجسد المستكين فيه
يا جبلاً كان ذا امتناعٍ ... وطوداً عد لآمليه
يا نخلةً طلعها نضيد ... يقرب من كفّ مجتنيه
يا موت ماذا أردت منّي ... حقّقت ما كنت أتّقيه
دهرٌ رماني بفقد إلفي ... أذمّ دهري وأشتكيه
أمّنك الله كلّ خوفٍ ... وكلّ ما كنت تتّقيه
أسكنك الله في جنانٍ ... تكون أمناً لساكنيه
قال، فقلت لها: يا أمة الله، ما هذا منك؟ قالت: لو أعلمك مكانك ما أنشدت حرفاً، هذا زوجي وسروري وأنسي، والله لا زلت هكذا أبداً أو ألحق به. قلت لها: أعيدي عليّ الشّعر. فقالت: هذا من ذاك. فقلت خذي إليك. وأنشدتها الأبيات، فقالت فإن يكن في الدّنيا الأصمعي فأنت هو.
قال: كان لأشجع بن عمرو السّلمي جاريةً، يقال لها ريم، وكان يجدها وجداً شديداً، وكانت تحلف له أنّها إن بقيت بعده لم يحكم عليها رجلٌ أبداً. فقال يخاطبها:
إذا غمضت فوقي جفون حفيرةٍ ... من الأرض فابكيني بما كنت أصنع
стр. 132
تعزيك عنّي بعد ذلك سلوةٌ ... وإن ليس فيمن وارت الأرض مطمع
فأجابته ريم تقول:
ذكرت فراقاً والفراق يصدّع، ... وأيّ حياةٍ بعد موتك تنفع.
إذا الزّمن الغدّار فرّق بيننا، ... فمالي في طيّبٍ من العيش مطمع.
فلو أبصرت عيناك عينيّ أبصرت، ... شآبيب جدرٍ غيثها ليس تقشع
وقالت فيها أيضاً:
وليس لإخوان النّساء تطاول، ... ولكنّ إخوان الرّجال يطول.
فلا تبخلي بالدّمع عنّي فإنّ من، ... يضنّ بدمعٍ، عن هوىً، لبخيل.
فما لي إلى ردّ الشّبيبة حيلةً، ... ولا لي إلى دفع المنون سبيل.
وإنّ لداتي قد مضوا لسبيلهم، ... وإنّ بقائي بعدهم لقليل.
فأجابته ريم:
بكى من صروفٍ خطبهنّ جليل ... ومن ذا به عمر الحياة يطول؟
стр. 133
ومن ذا الذي ينعى على حدث الرّدى، ... وللموت في أثر النّفوس رسول.
وكلّ جليلٍ سوف يلقى حمامه، ... وكلّ نعيمٍ دائمٍ سيزول.
لي الويل، إن عمّرت بعدك ساعةً، ... وإنّ كثير الويل لي لقليل.
وتزعم أنّي لا أجود بعبرةٍ، ... إذا نجمه قد حان منه أفول.
ومن ذا الذي أبكي له، إن فقدته، ... سواك، ومن دمعي عليه يسيل.
فلا وقيت ريمٌ، إذاً، ما تخافه ... إذا ناب للزّمان جليل.
ولا لقيت يوم القيامة ربّها ... وميزانها بالصّالحات ثقيل
إذا ماسخا قلب امرئ بمودّةٍ، فقلبي بودٍّ عن سواك بخيل.
ولمّا مات أشجع، آلت على نفسها أن لا تأكل طعاماً، ولا تذوق شراباً. فعاشت بعده أيّاماً، ثمّ توفّيت، فدفنت إلى جانبه.
стр. 134
باب ما جاء في غدر النّساء
قال عمر بن الخطّاب، ﵁: أستعيذوا بالله من شرار النّساء وكونوا من خيارهنّ على حذرٍ.
قال عمرو الملك:
إنّ من غرّه النّساء بودٍّ ... بعد هندٍ لجاهلٌ مغرور
حلوة العين واللسان وفيها ... كلّ شيءٍ يجن فيه الضّمير
وقال طفيل الغنوي:
إنّ النّساء لأشجارٌ تبين لنا ... منهنّ مرٌّ، وبعض المرّ مأكول
إنّ النساء متى ينهين عن خلقٍ ... فإنّه واقعٌ لا بدّ مفعول
وفي حديث المرفوع أنّ المرأة خلقت من ضلعٍ عوجاء، فإن ذهبت تقوّمها كسرتها، فاستمع بها على عوجٍ فيها.
стр. 135
وكان أبو ذرّ الغفّاري يقعد على منبر رسول الله، ﷺ فينشده:
هي الضّلع العوجاء لست تقيمها ... ألا إنّ تقويم الضّلوع انكسارها.
أيجمعن ضعفاً واقتداراً على الفتى ... أليس عجيباً ضعفها واقتدارها؟
وفي الحديث شاوروهنّ وخالفوهنّ، فإنّ في خلافهنّ البركة.
قال علقمة بن عبدة:
فإن تسألوني بالنّساء فإنّني ... بصيرٌ بأدواء النّساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له في ودّهنّ نصيب
وقال آخر:
تمتّع بها، ما ساعفتك، ولا تكن ... جزوعاً إذا بانت، فسوف تبين.
وإن هي أعطتك الليان فإنّها، ... لغيرك من طلّابها ستلين؛
وخنها وإن كانت تفي لك، إنّها ... على قدم الأيّام سوف تخون
وإن حلفت أن ليس تنقض عهدها، ... فليس لمخضوب البنان يمين
стр. 136
وقال أبو عبيدة: حجّت امرأة عجير السّلولي معه، فأقبلت لا تطرق على شابٍّ في الرّفقة إلاّّ وتكشف وجهها، فقال في ذلك:
أيا ربّ لا تغفر لعتمة ذنبها، ... وإن لم يعاقبها العجير، فعاقب
حرامٌ عليك الحجّ لا تطعمينه ... إذا كان حجّ المسلمات الثّوائب
وقال أعرابيٌّ:
لا تكثري قولاً منحتك ودّنا، ... فقولك هذا للفؤاد مريب،
تعدين ما أوليتني منك قابلاً، ... وللفارس العجلان منك نصيب؟
أراد رجلٌ أن يشتري قينةً وقد كان أحبّها، فبات عند مولاها ليلةً فأمكنته من نفسها وكان الامتناع منه، فأنشأ يقول:
ما رأينا بواسط كسليمى ... منظراً لو تزينه بعفاف
بت في جنبها وبات ضجيعي ... جنب القلب طاهر الأطراف
فأقيمي مقامنا ثمّ بيني، ... لست عندي من فتية الأشراف
стр. 137
وقال آخر:
لا أشتهي رنق الحياة ولا التي ... تخاف وتغشاها المعبدة الحرب
ولكنّني أهوى مشارب أحرزت ... عن النّاس حتّى ليس في صفوها عيب
وقال أعرابيٌّ أيضاً
تبعتك لما كان قلبك واحداً، ... وأمسكت لمّا صرت نهباً مقسما.
ولن يلبث الحوض الوثيق بناؤه ... على كثرة الورّاد أن يتهدّما
وقال أبو نواس:
ومظهرةٍ لخلق الله حبّاً، ... وتلقي يالتّحيّة والسّلام
أتيت فؤادها أشكو إليه، ... فلم أخلص إليه من الزّحام
فيا من ليس يكفيها خليل، ... ولا ألفا خليلٍ كلّ عام،
أراك بقيّةً من قوم موسى، ... فهم لا يصبرون على طعام.
وكان رجلٌ يحبّ امرأةً فخطب في اليوم الذي ماتت فيه، فقيل له في ذلك فقال:
خطبت كما لو كنت قدّمت قبلها ... لكانت بلا شكٍ لأوّل خاطب
стр. 138
إذا غاب بعلٌ كان بعلٌ مكانه ... فلا بدّ من آتٍ وآخر ذاهب
وعن المطّلب بن الوداعة السّهميّ قال: كانت ضباعة بنت عامر، من بني عامر بن صعصعة، تحت عبد الله بن جدعان. فمكثت عنده زماناً لا تلد، فأرسل إليها هشام بن المغيرة: ما تصنعين بهذا الشّيخ الكبير الذي لا يولد له: فقولي له فليطلّقك. فقالت ذلك لعبد الله بن جدعان، فقال لها: إنّي أخاف إن طلّقتك تتزوّجي هشام بن المغيرة؟؟! قالت له: فإنّ لك عليّ أن لا أفعل هذا. قال لها: فإن فعلت، فإنّ عليك مائةً من الإبل تنحرينها وتنسجين ثوباً يقطع ما بين الأخشبين وتطوفين بالبيت عريانةً. قالت: لا أطيق ذلك.
وأرسلت إلى هشام فأخبرته، فأرسل إليها ما أهون ذلك، وما يكن بك من ذلك، أنا أيسر من قريش في المال، ونسائي أكثر النّساء بالبطحاء، وأنت أجمل النّساء ولا تعابين في عريك، فلا تأبي ذلك عليه. فقالت لابن جدعان: طلّقني، فإن تزوّجت هشاماً فعليّ ما قلت. فطلّقها بعد استيثاقه منها. فتزوّجها هشام، فنحر عنها مائة جزور، وأمر نساؤه فنسجن ثوباً يملأ ما بين الأخشبين، ثمّ طافت بالبيت عريانةً. قال المطّلب: فأتبعها بصري إذا أدبرت وأستقبلها إذا أقبلت، فما رأيت شيئاً ممّا خلق الله منها وهي واضعة يدها على فرجها وقريش قد أحدقت بها، وهي تقول:
اليوم يبدو بعضه أو كلّه ... وما بدا منه فلا أحلّه
стр. 139
قال الزّبير بن بكار: خطب الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب من عمّه الحسين بن علي ﵄ فقال له: يا ابن أخي، قد انتظرت هذا منك انطلق معي، فخرج معه حتّى أدخله منزله ثمّ أخرج إليه ابنته فاطمة وسكينة، وقال له: اختر أيّهما شئت! فاختار فاطمة، فزوّجه إيّاها. فلمّا حضرت الحسن الوفاة قال لها: إنّك امرأة مرغوب فيك، متشوّف إليك لا تتركين، وإنّي ما أدع في قلبي حسرةً سواك. فتزوّجي من شئت سوى عبد الله بن عمر بن عثمان. ثمّ قال لها: كأنّي قد خرجت وقدمت جاءك لابساً حلّته، مرجلاً جمته، يسير في جانب النّاس معترضاً لك، ولست أدع من الدّنيا همّاً غيرك. فلم يدعها حتّى استوثق منها بالإيمان.
ومات الحسن، فأخرجت جنازته، فوافاه عبد الله بن عمر وكان يجد بفاطمة وجداً شديداً، وكان رجلاً جميلاً كان يقال له المطرف من حسنه، فنظر إلى فاطمة وهي تلطم وجهها على الحسن، فأرسل إليها مع وليدة له: أنّ لابن عمّك أرباً في وجهك فارفقي به. فاسترخت يدها واحمرّ وجهها حتّى عرف ذلك جميع من حضرها. فلمّا انقضت عدّتها خطبها فقالت: كيف أفعل بإيماني؟ قال لها: لك بكلّ مالٍ مالان؛ وبكلّ مملوكٍ مملوكان. فوفّى لها وتزوجها فولدت له محمّداً. وكان يسمّى من حسنه الدّيباج والقاسم ورقيّة.
وقال الزّبير: لمّا حضرت الوفاة حمزة بن عبد الله بن الزّبير خرجت عليه فاطمة بنت القاسم بن علي بن جعفر بن أبي طالب فقال لها: كأنّي؟؟؟؟؟؟؟؟؟ بك تزوّجت طلحة بن عمر بن عبد الله بن معمر، فحلفت له بعتق رقيقها، وإنّ كلّ شيءٍ لها في سبيل الله أن تزوّجته أبداً. فلمّا توفّي حمزة بن عبد الله وحلّت، أرسل إليها طلحة بن عمر فخطبها فقالت له: قد حلفت. وذكرت يمينها، فقال لها: أعطيك بكلّ شيءٍ شيئين. وكانت قيمة رقيقها وما حلفت عليه عشرين ألف دينار، فأصدقها ضعفها
стр. 140
فتزوّجته، فولدت له إبراهيم ورملة. فزوّج طلحة ابنته رملة من إسماعيل بن علي بن العبّاس بمائة ألف دينار وكانت فائقة الجمال والخلق، فقال إسماعيل لطلحة بن عمر: أنت أتجر النّاس. قال له والله ما عالجت تجارةً قط. قال: بلى حين تزوّجت فاطمة بنت القاسم بأربعين ألفاً فولدت لك إبراهيم ورملة، فزوّجت رملة بمائة ألف دينار فربحت ستّين ألفاً وإبراهيم.
وعن هشام بن الكلبي قال: قال عبد الله بن عكرمة: دخلت على عبد الرّحمن بن هشام أعوده فقلت: كيف تجد؟ فقال: أجد بي والله الموت، وما موتي بأشد عليّ من أمّ هشام، أخاف أن تتزوّج بعدي. فحلفت له أنّها لا تتزوّج بعده فغشي وجهه نوراً، وقال: الآن فلينزل الموت متى شاء. فلمّا انقضت عدّتها تزوّجت عمر بن عبد العزيز. فقلت في ذلك؟.
فإن لقيت خيراً فلا يهنيها ... وإن تعست بؤساً فللعين والفم
فلمّا بلغها ذلك كتبت إليّ: قد بلغني ما تمثّلت به، وما مثلي في أخيك إلاّّ كما قال الشّاعر:
وهل كنت إلاّّ والهاً ذات ترحةٍ ... قضت نحبها بعد الحنين المرجّع
فدع ذكر من قد وارت الأرض شخصه ... ففي غير من قد وارت الأرض مقنع
стр. 141
قال: فبلغ منّي كلّ مبلغ. فحسبت حسابها فإذا هي قد عجّلت بالتزوّج وبقي عليها من عدّتها أربعة أيّام. فدخلت على عمر فأخبرته فانقضى النّكاح.
قال الزّبير بن بكار: كانت إمرأةٌ من العرب تزوّجت رجلاً، فكانت تجد به، ويجد بها وجداً شديداً، فتحالفا وتعاهدا أن لا يتزوّج الباقي منهما. فما لبث أن مات بعلها، فتزوّجت، فلامها أهلها على نقض عهدها، فقالت:
لقد كان حبّي ذاك حبّاً مبرّحاً ... وحبّي إذا مات ذاك شديد.
وكانت حياتي عند ذلك جنّةٌ ... وحبّي لذا طول الحياة يزيد
فلمّا مضى، عادت لهذا مودّتي، ... كذاك الهوى بعد الممات يبيد
ً
حكى الهيثم بن عدي قال: عاهد رجلٌ امرأته وعاهدته أن لا يتزوّج الباقي منهما، فهلك الرّجل، فلم تلبث المرأة أن تزوّجت. فلمّا كان ليلة البناء بها رأت في أوّل الليل شخصاً فتأمّلته، فإذا هو زوجها، وهو يقول لها: نقضت العهد ولم ترعي له. وأصبحت فأتمّت نكاحها.
وروى ابن شهاب: أنّ رجلاً من الأنصار غزا فأوصى ابن عمٍّ له بأهله، فأتى ابن عمّ الرّجل ليلة من الليالي فتطلّع على حال زوجة ابن عمّه فإذا بالبيت مصباحٌ يزهر ورائحةٌ طيّبةٌ، وإذا برجلٍ متّكئ على فراش ابن عمّه وهو يتغنّى ويقول:
стр. 142
وأشعث غرّة الإسلام منّي ... خلوت بعرسه بدر التّمام
أبيت على ترائبها ويغدو ... على جرداء لاحقة الحزام
كأنّ مجامع الرّبلات منها ... فئام ينتمين إلى فئام
فلم يقدّر الرّجل أن يملك نفسه حتّى دخل عليه فضربه حتّى قتله. ورفع الخبر إلى عمر بن الخطّاب ﵁، فصعد المنبر وخطب وقال: عزمت عليكم أن كان الرّجل الذي قتل حاضراً ويسمع كلامي فليقم. فقال: أبعده الله، ما كان من خبره؟ فأخبره وأنشده الأبيات، فقال: أضربت عنقه؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. فقال: أبعده الله، فقد هدر دمه.
قال أبو عمرو الشّيباني: كان أبو ذؤيب الهذلي يهوى امرأةً يقال لها أم عمرو، وكان يبعث إليها خالد ابن أخيه زهير، فراودت الغلام عن نفسها، فامتنع وقال: أكره أن يبلغ أبا ذؤيب. فقالت له: ما يراني وإيّاك إلاّّ الكواكب. فبات معها وقال:
стр. 143
ما ثمّ إلاّّ أنا والكواكب ... وأمّ عمرو فلنعم الصّاحب
فلمّا رجع إلى أبي ذؤيب استراب به، وقال: والله إنّي لأجد ريح أمّ عمرو منك. ثمّ جعل لا يأتيه إلاّّ استراب به، فقال خالد:
يا قوم ما لي وبي ذؤيب، ... كنت إذا ما جئته من غيب،
يمسّ عطفي، ويشمّ ثوبي، ... كأنّني أربته بريب.
فقال أبو ذؤيب، وهي من قصيدة من جيّد شعره:
دعا خالداً أسرى ليالي نفسه ... يولي على قصد السّبيل أمورها
فلمّا توفّاها الشّباب وغدره، ... وفي النّفس منه غدرها وفجورها
لوى رأسه عنّي، ومال بودّه، ... أغانيج خودٍ كان حيناً يزورها
تعلّقها منه دلال ومقلة ... يظلّ لأصحاب السّفاه يثيرها
فأجابه خالد:
فلا يبعدنّ الله عقلك إن غزا ... وسافر والأحلام جمٌّ غيورها
وكنت إماماً للعشيرة تنتهي ... إليك إذا ضاقت بأمرٍ صدورها
وقاسمها بالله جهداً لأنتم ... ألذّ من الشّكوى إذا ما يسورها
فلم يغن عنه خدعه حين أزمعت ... صريمته والنّفس مرّ ضميرها
стр. 144
قال: وكان أبو ذؤيب أخذها من ملك بن عويمر وكان ملك يرسله إليها، فلمّا كبر أخذت أبا ذؤيب، فلمّا كبر أخذت خالداً. وقال:
تريدين كيما تجمعيني وخالداً ... وهل يصلح السّيفان، ويحك، في غمد؟
أخالدٌ، ما راعيت منّي قرابةً ... فتحفظني بالغيب أو بعض ما تبدي.
قال أبو عبيدة: كان صخر بن عبد الله الشّريد يتعشّق ابنة عمّه سلمى بنت كعب، وكان يخطبها فتأبى عليه، فأقام على ذلك حيناً ثمّ أغارت بنو أسدٍ على بني سليمٍ فغلبوهم وصخر غائب. وأخذت سلمى فيمن أخذ من النّساء، وقتل عددٌ منهم، وأسر آخرون. وأقبل صخر فنظر إلى ديارهم بلقعاً وأخبر الخبر، فشدّ عليه سلاحه، واستوى على فرسه، وأخذ أثرهم حتّى لحقهم، فلمّا نظروا إليه قالوا: هذا كان شرّد من بني سليم، وقد أحبّ الله أن لا يدع منهم أحداً. فجعل يبرز إليه الفارس بعد الفارس فيقتله، فلمّا أكثر فيهم القتل، حلّت أسارى بني سليم بعضها بعضاً، وثاروا على بني أسد.
ونظر صخر إلى سلمى وهي مع عبد أسود، قد شدّها على ظهره، فطعنه صخرٌ فقتله واستنقذ سلمى ورجع بها. وقد أصابته طعنة أبي ثور الأسدي في جنبه، وتزوّج سلمى. وكان يحبّها ويكرمها، ويفضّلها على أهله. ثمّ بعد ذلك انتقض جرحه فمرض حولاً، وكان نساء الحيّ يدخلن إلى سلمى عوائد فيقلن: كيف أصبح صخر؟ فتقول: لا حيّ فيرجى ولا ميت فينسى. ومرّ بها رجلٌ وهي قائمةٌ وكانت ذات خلقٍ وأرداف، فقال: أيباع هذا الكفل؟ فقالت: عن قريبٍ فسمعها صخر، ولم تعلم، فقال لها: ناوليني السّيف
стр. 145
أنظر هل صدئ أم لا؟ وأراد قتلها، فناولته ولم تعلم، فإذا هو لا يقدر على حمله فقال:
أرى أمّ صخرٍ ما تملّ عيادتي ... وملّت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازةً ... عليك ومن يغترّ بالحدثان
فأيّ امرئ ساوى بأمٍ حليلةٍ ... فلا عاش إلاّّ في شقا وهوان
أهمّ بأمر الحرم لو أستطيعه، ... وقد حيل بين العير والنّزوان
لعمري لقد أيقظت من كان نائماً ... وأسمعت من كانت له أذنان
فللموت، خيرٌ من حياةٍ كأنّها ... محلة يعسوب برأس سنان.
قال: ونتأت في موضع الجرح قطعةً فأشاروا عليه بقطعها، فقال لهم: شأنكم. فلمّا قطعت مات.
قال كان السّاطرون والملك، ملك اليونانيين، قد بنى حصناً يسمّى الثّرثار ولم يكن له بابٌ ظاهرٌ فكلّ من غزاه من الملوك رجع عنه خائباً حتّى غزاه سابور ذو الأكتاف، ملك فارس، فحصره أشهراً لا يقدر على شيءٍ. فأشرفت يوماً من الحصن النّضيرة ابنة الملك، فنظرت إلى سابور فهويته، وكان من أجمل النّاس وأمدّهم قامةً، فأرسلت إليه: إن أنت ضمنت لي أن تتزوّجني وتفضّلني على نسائك دللتك على فتح
следующие страницы →