← Адаб

Адаб · id 21563

أخبار النساء لابن الجوزي

ابن الجوزي

Полный текст (242 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال: فبلغ منّي كلّ مبلغ. فحسبت حسابها فإذا هي قد عجّلت بالتزوّج وبقي عليها من عدّتها أربعة أيّام. فدخلت على عمر فأخبرته فانقضى النّكاح. قال الزّبير بن بكار: كانت إمرأةٌ من العرب تزوّجت رجلاً، فكانت تجد به، ويجد بها وجداً شديداً، فتحالفا وتعاهدا أن لا يتزوّج الباقي منهما. فما لبث أن مات بعلها، فتزوّجت، فلامها أهلها على نقض عهدها، فقالت: لقد كان حبّي ذاك حبّاً مبرّحاً ... وحبّي إذا مات ذاك شديد. وكانت حياتي عند ذلك جنّةٌ ... وحبّي لذا طول الحياة يزيد فلمّا مضى، عادت لهذا مودّتي، ... كذاك الهوى بعد الممات يبيد ً حكى الهيثم بن عدي قال: عاهد رجلٌ امرأته وعاهدته أن لا يتزوّج الباقي منهما، فهلك الرّجل، فلم تلبث المرأة أن تزوّجت. فلمّا كان ليلة البناء بها رأت في أوّل الليل شخصاً فتأمّلته، فإذا هو زوجها، وهو يقول لها: نقضت العهد ولم ترعي له. وأصبحت فأتمّت نكاحها. وروى ابن شهاب: أنّ رجلاً من الأنصار غزا فأوصى ابن عمٍّ له بأهله، فأتى ابن عمّ الرّجل ليلة من الليالي فتطلّع على حال زوجة ابن عمّه فإذا بالبيت مصباحٌ يزهر ورائحةٌ طيّبةٌ، وإذا برجلٍ متّكئ على فراش ابن عمّه وهو يتغنّى ويقول:

стр. 142

وأشعث غرّة الإسلام منّي ... خلوت بعرسه بدر التّمام أبيت على ترائبها ويغدو ... على جرداء لاحقة الحزام كأنّ مجامع الرّبلات منها ... فئام ينتمين إلى فئام فلم يقدّر الرّجل أن يملك نفسه حتّى دخل عليه فضربه حتّى قتله. ورفع الخبر إلى عمر بن الخطّاب ﵁، فصعد المنبر وخطب وقال: عزمت عليكم أن كان الرّجل الذي قتل حاضراً ويسمع كلامي فليقم. فقال: أبعده الله، ما كان من خبره؟ فأخبره وأنشده الأبيات، فقال: أضربت عنقه؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. فقال: أبعده الله، فقد هدر دمه. قال أبو عمرو الشّيباني: كان أبو ذؤيب الهذلي يهوى امرأةً يقال لها أم عمرو، وكان يبعث إليها خالد ابن أخيه زهير، فراودت الغلام عن نفسها، فامتنع وقال: أكره أن يبلغ أبا ذؤيب. فقالت له: ما يراني وإيّاك إلاّّ الكواكب. فبات معها وقال:

стр. 143

ما ثمّ إلاّّ أنا والكواكب ... وأمّ عمرو فلنعم الصّاحب فلمّا رجع إلى أبي ذؤيب استراب به، وقال: والله إنّي لأجد ريح أمّ عمرو منك. ثمّ جعل لا يأتيه إلاّّ استراب به، فقال خالد: يا قوم ما لي وبي ذؤيب، ... كنت إذا ما جئته من غيب، يمسّ عطفي، ويشمّ ثوبي، ... كأنّني أربته بريب. فقال أبو ذؤيب، وهي من قصيدة من جيّد شعره: دعا خالداً أسرى ليالي نفسه ... يولي على قصد السّبيل أمورها فلمّا توفّاها الشّباب وغدره، ... وفي النّفس منه غدرها وفجورها لوى رأسه عنّي، ومال بودّه، ... أغانيج خودٍ كان حيناً يزورها تعلّقها منه دلال ومقلة ... يظلّ لأصحاب السّفاه يثيرها فأجابه خالد: فلا يبعدنّ الله عقلك إن غزا ... وسافر والأحلام جمٌّ غيورها وكنت إماماً للعشيرة تنتهي ... إليك إذا ضاقت بأمرٍ صدورها وقاسمها بالله جهداً لأنتم ... ألذّ من الشّكوى إذا ما يسورها فلم يغن عنه خدعه حين أزمعت ... صريمته والنّفس مرّ ضميرها

стр. 144

قال: وكان أبو ذؤيب أخذها من ملك بن عويمر وكان ملك يرسله إليها، فلمّا كبر أخذت أبا ذؤيب، فلمّا كبر أخذت خالداً. وقال: تريدين كيما تجمعيني وخالداً ... وهل يصلح السّيفان، ويحك، في غمد؟ أخالدٌ، ما راعيت منّي قرابةً ... فتحفظني بالغيب أو بعض ما تبدي. قال أبو عبيدة: كان صخر بن عبد الله الشّريد يتعشّق ابنة عمّه سلمى بنت كعب، وكان يخطبها فتأبى عليه، فأقام على ذلك حيناً ثمّ أغارت بنو أسدٍ على بني سليمٍ فغلبوهم وصخر غائب. وأخذت سلمى فيمن أخذ من النّساء، وقتل عددٌ منهم، وأسر آخرون. وأقبل صخر فنظر إلى ديارهم بلقعاً وأخبر الخبر، فشدّ عليه سلاحه، واستوى على فرسه، وأخذ أثرهم حتّى لحقهم، فلمّا نظروا إليه قالوا: هذا كان شرّد من بني سليم، وقد أحبّ الله أن لا يدع منهم أحداً. فجعل يبرز إليه الفارس بعد الفارس فيقتله، فلمّا أكثر فيهم القتل، حلّت أسارى بني سليم بعضها بعضاً، وثاروا على بني أسد. ونظر صخر إلى سلمى وهي مع عبد أسود، قد شدّها على ظهره، فطعنه صخرٌ فقتله واستنقذ سلمى ورجع بها. وقد أصابته طعنة أبي ثور الأسدي في جنبه، وتزوّج سلمى. وكان يحبّها ويكرمها، ويفضّلها على أهله. ثمّ بعد ذلك انتقض جرحه فمرض حولاً، وكان نساء الحيّ يدخلن إلى سلمى عوائد فيقلن: كيف أصبح صخر؟ فتقول: لا حيّ فيرجى ولا ميت فينسى. ومرّ بها رجلٌ وهي قائمةٌ وكانت ذات خلقٍ وأرداف، فقال: أيباع هذا الكفل؟ فقالت: عن قريبٍ فسمعها صخر، ولم تعلم، فقال لها: ناوليني السّيف

стр. 145

أنظر هل صدئ أم لا؟ وأراد قتلها، فناولته ولم تعلم، فإذا هو لا يقدر على حمله فقال: أرى أمّ صخرٍ ما تملّ عيادتي ... وملّت سليمى مضجعي ومكاني وما كنت أخشى أن أكون جنازةً ... عليك ومن يغترّ بالحدثان فأيّ امرئ ساوى بأمٍ حليلةٍ ... فلا عاش إلاّّ في شقا وهوان أهمّ بأمر الحرم لو أستطيعه، ... وقد حيل بين العير والنّزوان لعمري لقد أيقظت من كان نائماً ... وأسمعت من كانت له أذنان فللموت، خيرٌ من حياةٍ كأنّها ... محلة يعسوب برأس سنان. قال: ونتأت في موضع الجرح قطعةً فأشاروا عليه بقطعها، فقال لهم: شأنكم. فلمّا قطعت مات. قال كان السّاطرون والملك، ملك اليونانيين، قد بنى حصناً يسمّى الثّرثار ولم يكن له بابٌ ظاهرٌ فكلّ من غزاه من الملوك رجع عنه خائباً حتّى غزاه سابور ذو الأكتاف، ملك فارس، فحصره أشهراً لا يقدر على شيءٍ. فأشرفت يوماً من الحصن النّضيرة ابنة الملك، فنظرت إلى سابور فهويته، وكان من أجمل النّاس وأمدّهم قامةً، فأرسلت إليه: إن أنت ضمنت لي أن تتزوّجني وتفضّلني على نسائك دللتك على فتح

стр. 146

هذا الحصن. فضمن لها ذلك فأرسلت إليه: أن أنثر في الثّرثار تبناً واجعل الرّجال يتبعونه حتّى يروا حيث يدخل. فإنّ ذلك المكان يفضي إلى الحصن، وفيه بابه. ففعل ذلك سابور، وعمدت النّضيرة إلى أبيها فسقته الخمر حتّى أسكرته، فلم يشعر أهل الحصن إلاّّ وسابور معهم وهم آمنون. قال: فلمّا ظفر سابور بالحصن، وقتل الملك أبا نضيرة، وجمع جنده، تزوّج بالنّضيرة فباتت معه مسهرةً لا تنام تتقلّب من جنبٍ إلى جنب. فقال لها سابور: ما لك لا تنامين؟ فقالت: إنّ جنبي تجافى عن فراشك. قال: ولم، فوالله ما نامت الملوك على ألين منه ولا أوطأ، وإنّ فرشه لزغب اليمام. فلمّا أصبح سابور نظر إلى ورقة آس بين أعكانها، فتناولها، فدمى موضعها. فقال لها: ويحك بماذا كان أبوك يغذّيك؟ قالت: بالمخّ والزّبد والبلح والشّهد وصفو الخمر. فقال لها سابور: إنّي لجديرٌ أن لا أستبقيك بعد إهلاك أباك وقومك، وكانت حالك عندهم هذه الحالة التذ تصفين، وأمر بإحضار فرسين فربطت إلى أرجلهما بغدائرها ونفّرا فقطعاها نصفين، فذلك قول عدي حيث يقول: والحصن صبّت عليه داهيةٌ ... من قعره أيد مناكبها من يعد ما كان وهو يعمره ... أرباب ملك جزل مواهبها ويروى أنّ وضّاح اليمن نشأ هو وأمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان بالمدينة صغيرين فأحبّها وأحبّته، وكان لا يصبر عنها حتّى إذا

стр. 147

شبّت حجبت عنه، فطال بهما البلاء. فحجّ الوليد بن عبد الملك فبلغه جمال أمّ البنين وأدبها فتزوّجها ونقلها معه إلى الشّام فذهب عقل وضّاح عليها وجعل يذوب وينحل فلمّا طال عليه البلاء وصار إلى الوسواس خرج إلى مكّة حاجاً وقال لعلّي أستعيذ بالله ممّا أنا فيه وأدعو الله فلعلّه يرحمني. فلمّا قضى حجّه شخص إلى الشّام فجعل يطوف بقصر الوليد بن عبد الملك في كلّ يومٍ لا يجد حيلةً حتّى أرى في يومٍ من الأيّام جاريةً صفراء خارجةً من القصر تمشي فمشى معها ولم يزل بها حتّى أنست به فقال لها: أتعرفين أمّ البنين بموضعي؟ فقالت: عن مولاتي تسأل؟ قال لها: هي ابنة عمّي، وإنّها لتسرّ بموضعي لو أخبرتها، قالت: فأنا أخبرها. فمضت الجّارية فأخبرت أمّ البنين فقالت لها: ويلك أحيٌّ هو؟ قالت لها: نعم يا مولاتي. قالت لها: إرجعي إليه، وقولي له كن مكانك حتّى يأتيك رسولي، فإنّي لا أدع الاحتيال لك: واحتالت له فأدخلته في صندوق، فمكث عندها حيناً فإذا أمنت أخرجته فقعد معها، وإذا خافت عين رقيب أدخلته في الصّندوق. وأهدي يوماً لوليد جوهر فقال لبعض خدمه خذ هذا العقد وأمض به إلى أمّ البنين وقل لها: أهدي هذا إلى أمير المؤمنين فوجّه به إليك. فدخل الخادم مفاجأةً ووضّاح معها قاعد فلمحه الخادم، ولم تشعر أمّ البنين، فبادر إلى الصّندوق فدخله. وأدّى الخادم الرّسالة وقال: هبي لي من هذا الجوهر حجراً واحداً. فقالت له: لا أمّ لك، فما تصنع بهذا. فخرج وهو عليها حنق، فجاء الوليد فأخبره الخبر ووصف له الصّندوق الذي رآه دخله، فقال له: كذبت، لا أمّ لك: ثمّ نهض الوليد مسرعاً فدخل إليها وهي في ذلك البيت وفيه صناديق كثيرة فجاء حتّى جلس على ذلك الصّندوق الذي وصف له الخادم فقال لها: يا أمّ البنين هبي لي صندوقاً من صناديقك هذه؟ قالت: أنا لك يا أمير المؤمنين، وهي لك، فخذ أيّها شئت. قال: ما أريد إلاّّ هذا الذي تحتي. قالت له

стр. 148

يا أمير المؤمنين إنّ فيه شيئاً من أمور النّساء. فقال: ما أريد غيره. قالت فهو لك. قال فأمر به فحمل، ودعا بغلامين وأمرهما أن يحفرا حتّى وصلا إلى الماء ثمّ وضع فمه في الصّندوق وقال يا صاحب الصّندوق قد بلغنا عنك شيء فإن كان حقّاً فقد دفنّا خبرك، وإن كان كذباً فما أهون علينا، إنّما دفنّا صندوقاً. وأمر بالصّندوق فألقي في الحفيرة، وأمر بالخدّام الذي عرفه فقذف معه، وردّ التّراب عليهما. قال فكانت أمّ البنين لا ترى إلاّّ في ذلك المكان تبكي إلى أن وجدت ذات يومٍ مكبوبةً على وجهها ميّتة. وروي عن أبي نواس قال حجبت مع الفضل بن الرّبيع فلمّا كنّا بأرض فزارة أيّام الرّبيع، نزلنا منزلاً بفنائهم ذا أرضٍ أريضٍ، ونبتٍ غريضٍ، وقد اكتست الأرض نبتها الزّاهر، وبرزت براخم غررها والتّحف أنوار زخرفها الباهر ما يقصر عن حسنه النّمارق المصفوفة، ولا يداني بهجته الزّرابي المبثوثة. فزادت الأبصار في نضرتها، وابتهجت النّفوس بثمارها. فلم نلبث أن أقبلت السّماء بالسّحاب، وأرخت عزاليها ثمّ اندهمت برذاذٍ ثمّ بطشٍ ثمّ بوابلٍ حتّى إذا تركت الدّيم،

стр. 149

كالوهاد انقشعت وأقلعت وقد غادرت الغدران مترعةً برفقٍ، والقيعان ناضرةً تتألّق، يتضاحك بأنوار الزّهرالغضّ حتّى إذا هممت بتشبيه منظرٍ حسنٍ رددته إليه، وإذا تقت إلى موضعٍ طيّبٍ لم يجد في البكاء معولاً إلاّّ عليه. فسرحت طرفي راتعاً في أحسن منظرٍ، واستنشقت من رياها أطيب من ريح المسك الأذفر. فقلت لزميلي: ويحك أمض بنا إلى هذه الخيمات، فلعلّنا نلقى من نأثر عنه خبراً، نرجع به إلى بغداد. فلمّا انتهينا إلى أوائلها إذا نحن بخباء على باب جارية مبرقعة بطرف مريض وسنان النّظر قد حشي فتوراً، ومليء سحراً، فقلت لصاحبي: والله إنّها لترنو عن مقلة لا رقية لسليمها ولا برء لسقيمها. فقال لي: وكيف السّبيل إلى ذلك؟ فقلت: استسقها ماءً. فدنونا منها فاستسقيناه فقالت نعم، ونعما عين وإن نزلتما ففي الرّحب والسّعة. ثمّ قامت تتهادى كالدّعص الملبد. فراعني والله ما رأيت منها، فأتت بالماء فشربت منه، وصببت باقية على يدي، ثمّ قلت: وصاحبي عطشانٌ أيضاً. فأخذت الإناء ودخلت الخباء ثمّ جاءت، فقلت لصاحبي: تعرض لكشف وجهها. فقال: إذا بارك الله في ملبسٍ ... فلا بارك الله في البرقع تريك عيون المها غرّةً ... وتكشف عن منظرٍ أشنع فمرّت مسرعةً وأتت وقد كشف البرقع وتقنّعت بخمارٍ أسود وأنشأت وهي تقول:

стр. 150

ألا حيّ ضيفي معشر قد أراهما ... أضلّا ولمّا يعرفا مبتغاهما هما استقيا ماءً على غير ظمأةٍ ... ليستمتعا باللحظ ممّن سقاهما يذمّان تلباس البراقع ضلّة ... كما ذمّ تجرا سلعةً مشتراهما قال: فشبّهت، والله كلامها بعقد درٍّ وهي من سلكه. فهو ينتثر بنغمةٍ عذبةٍ رخيمةٍ لو خوطبت به الصّمّ الصّلاب لانبجست ماءٌ لرطوبة منطقها، وعذوبة لفظها، بوجهٍ يظلم لنوره ضياء العقول، ويتلف من رؤيته مهج النّفوس. فهي كما قال: فرقّت وجلّت واستكرت فأكملت ... فلو جنّ إنسانٌ من الحسن جنّت فلم أتمالك أن خررت ساجداً، فقالت: ارفع رأسك غير مأجورٍ، ولا تذمّنّ بعدها برقعاً. فكشف البرقع عمّا يطرد الكرى، ويشغل الهوى، من غير بلوغ أربٍ، ولا إدراك طلبٍ. وليس إلاّّ الحين المملوب، والقدر المكتوب، والأمل المكذوب. فبقيت والله معقول اللسان عن الجواب، حيران لا أهتدي إلى طريق الصّواب. والتفت إليّ صاحبي لمّا رأى لهفي فقال: ما هذه الخفّة لوجهٍ، إنّما برقت لك بارقةً لعلّك ما تدري ما تحتها. أما سمعت قول الشّاعر؟ حيث يقول: على وجه مّيٍ مسحةٌ من ملاحةٍ ... وتحت الثّياب العار لو كان باديا فقالت: بئس ما ذهبت إليه، لا أبالك، لأنّا أشبه بقول الشّاعر حيث يقول:

стр. 151

منعمة حوراء يجري وشاحها ... على كشح مرتج الرّوادف أهضم خزاعيّة الأطراف كنديّة الحشا ... فزاريّة العينين طائيّة الفم ثمّ رفعت ثيابها حتّى جاوزت نحرها، فإذا هي كقضيب فضّةٍ قد شيّب بماء الذّهب، يهتزّ على مثل كثيب؛ ولها صدرٌ كالورد عليه رمّانتان أو حقان من عاجٍ يملآن يد اللامس؛ وخصرٍ مطويّ الاندماج، يهتزّ في كفلٍ رجراج، لو رمت عقده لانعقد؛ وسرّةٍ مستديرةٍ يقصر وهمي عن بلوغ وصفها؛ تحت ذلك أرنبٌ جاثمٌ أو جبهة أسدٍ غادرٍ، وفخذان لفّاوان، وساقان خدلجان يحسان الخلاخيل، وقدمان خمصاوان. فقالت: أعارٌ ترى؟ قلت: لا والله، قال: فخرجت عجوزٌ من الخباء وقالت: أيّها الرّجل امض لشأنك، فإنّ قتيلها مطلول لا يودى، وأسيرها مكبول لا يفدى. فقالت لها الجّارية: دعيه فمثله قول ذي الرّمّة: وإن لم يكن إلاّّ تمتّع ساعةً ... قليلاً فإنّي نافعٌ لي قليلها فولّت العجوز وهي تقول:

стр. 152

فما لك منها، غير أنّك ناكحٌ ... بعينيك عينيها، فهل ذاك نافع؟ قال: فبينما نحن كذلك إذ ضرب الطّبل للرّحيل فانصرفت بكمدٍ قاتلٍ، وكربٍ داخلٍ، ونفسٍ هائمةٍ، وحسرةٍ دائمةٍ، فقلت في ذلك: رسم الكرى بين الجفون مخيل ... عفا عليه بكا عليك طويل يا ناظراً ما أقلعت لحظاته ... حتّى تشخص بيتهنّ قتيل أحللت من قلبي هواه محلّةً ... ما حلّها المشروب والمأكول بكمال صورتك التي في مثلها ... يتحيّر التّشبيه والتّمثيل فوق القصيرة والطّويلة فوقها ... دون السّمين ودونها المهزول قال: فوالله ما انتفعت بحجٍّ ولا لقيت أحداً ممّا كنت تأهّبت للقائه. ثمّ رجعنا منصرفين، فلمّا كنّا بذلك المنزل وقد تضاعف نوّاره، واعتمّ نبته، وتزايد حسنه، قلت لصاحبي: امض بنا إلى صاحبتنا. فلمّا مضينا وأشرفنا على الخيام ونحن دونها، سترني روضةً أريضةً مونقةً، عليها جمان الطّلّ، يغازلها كالأعين النّجل، وقد أشرقت بدموعها على قضب الزّبرجد، وهبت ريح الصّبا فصبت له الأغصان، وتمايلت تمايل النّشوان. فصعدنا ربوةً، ونزلنا وهدةً، فإذا هي بين خمسٍ لا تصلح أن

стр. 153

تكون خادمةً لإحداهنّ، وهنّ يجنين من نوّار ذلك الزّهر، وينقلبن على ما أعتم من عشبةٍ وزهرة. فلمّا رأيننا تقربن، فسلّمنا عليهنّ. وقالت الجّارية من بينهن: وعليك السّلام، ألست صاحبي آنفاً؟ قلت: بلى، ولكنّ لحبّي كان ذلك. فقلن لها: أو تعرفينه؟ قالت: نعم. فقصّت عليهنّ القصّة كلّها ما كتمت منها حرفاً واحداً. قلن لها: ويحك، أفما زوّدته شيئاً؟ قالت زوّدته والله موتاً مريحاً، ولحداً ضريحاً. فانبرت لها أنضرهنّ وجهاً، وأرقّهنّ خدّاً، وأرشقهنّ قدّاً، وأبدعهنّ شكلاً، وأكملهنّ عقلاً، فقالت: والله ما أجملت بدءاً، ولا أحسنت عوداً، ولقد أسأت في الرّدّ، ولم تكافئيه بالودّ، وإنّي أحسبه إليك وامقاً، وإلى لقائك تائقاً، فما عليك من إسعافه في هذا المكان ومعك من لا ينمّ عليك. فقالت لها: يا تعساً إلى ما دعوتني، والله لا أفعل من ذلك شيئاً أو تفعلينه وتشركيني في حلوه ومرّه، وخيره وشرّه. فقالت لها: تعساً تلك إذا قسمة ضيزي تعشقين أنت فترهبين، وتوصلين فتقطعين، ويرغب فيك فتزهدين، ويبذل لك الودّ فتمنعين الرّفد، ثمّ تأمريني أن أشاركك فيما يكون منك شهوةً ولذّةً، ومنّي عناءً وسخرةً؟ ما أنصفت في القول، ولا أجملت في الفعل. قالت أخرى منهنّ: قد أطلتنّ الخطاب في غير قضاء أربٍ؟ فاسألن الرّجل عن قصّته وما في نفسه من بقيّته؟ فلعلّه لغير ما أنتنّ فيه. فقلن: حيّاك الله وأقرّ بك عيناً، من أنت، ومن تكون؟ فقلت: أمّا الاسم فالحسن بن هانئ الحكمي وأنا من شعراء السّلطان الأعظم ومن يتزيّن بمجلسه، ويفتخر بحمده وشكره، ويتّقي لسانه. قصدت لتبريد غلّةٍ، وإطفاء لوعةٍ قد أحرقت الكبد، وأذابت الجسد، ثمّ استبطنت الأحشاء فمنعت من القرار، ووصلت الليل

стр. 154

بالنّهار. فقالت: لقد أضفت إلى حسن المنطق والمنظر، كريم الخيم والمخبر، وأرجو أن تبلغ أمنيتك، وتنال بغيتك. فهل قلت شيئاً في صبوتك؟ قلت: نعم. قلن: أنشد فأنشدتهنّ: حجبت رجاء الفوز بالأجر قاصداً، ... لحطّ ذنوب من ركوب الكبائر، فأبت، كما آب الشّقيّ بخفّه ... حنين، فلم أوجر بتلك المشاعر دهتني بعينيها، وبهجة وجهها، ... فتاةٌ، كمثل الشّمس أسحر ساحر؛ منعمةٍ، لو كان للبدر نورها، ... لمّا طلعت بيض النّجوم الزّواهر. فإن بذلت، نلت الأماني كلّها، ... وإن لم تنلني، زرت أهل المقابر. فقلن: أحسنت، والله. ثمّ قالت: إنّها والله ساعتك الطّولى، إن خالفتني! قالت: لقد سمعت جوابي. فقالت أخرى: أجيبيها إلى ما دعت من الشّركة لتكن إحداكنّ في الأمر. فقلن: قد انتصفت، وقد أطلتنّ الخطاب على أمرٍ فأمضيه قبل انتشار الحي، فالوقت ممكن، والمكان خالٍ. فأجمعن على ذلك ولست أشكّ فيما أظهرن، ثمّ قلن: بمن تبدأ؟ قلت اقترعن. فوقعت القرعة على أملحهنّ. فصرت إلى باب المغارة هناك، فأدخلتني وأبطأت عنّي قليلاً، وجعلت أتوق وأنظر إلى دخول إحداهن. فبينا أنا كذلك، إذ دخل عليّ أسود كأنّه سارية، بيده أيره وهو منعظ كمثل ذراع البكر. فقلت: ما تريد؟ قال: أنيكك. فأهمّتني والله نفسي، فصحت بصاحبي، وكان أجلد منّي،

стр. 155

فخلّصني من الأسود. ولم أكد أخلص منه فخرجت من المغارة فإذا هنّ ينظرن من الخيمات كأنّهنّ لآلئ ينحدرن من سلكٍ، وهنّ يتضاحكن حتّى غبن عن بصري. فأسرعنا الرّجعة إلى رحالنا فقلت لصاحبي: من أين جاء الأسود؟ قال: كان يرعى غنماً عند ربوةٍ من المغارة، فأومأن إليه، فأسرع نحوهنّ، فأوحين إليه شيئاً فرابني ذلك. فأسرعت نحوك فسبقني ودخل عليك، ولولا ذلك لكان قد تمكّن منك الأسود. فقلت: أتراه كان يفعل؟ قال لي: فأنت في شكٍّ من هذا؟ فقلت له: اكتم عليّ. وانصرفت وأنا والله أخزى من ذات النّحيين. قال دعبل بن علي: بينا أنا سائرٌ بباب الكرج وقد استولى الفكر على قلبي فحضرني بيت شعرٍ خطر به لساني من غي النّطق به، فقلت: دموع عيني لها انبساط ... ونوم جفني له انقباض وإذا جاريةٌ معترضةٌ تسمع كلامي فقالت: وذا قليلٍ لمن دهته ... بلحظها الأعين المراض فلم أعلم أنّي خاطبت جاريةً أعذب منها لفظاً، ولا أسحر طرفاً، ولا أنضر خدّاً، ولا أحسن مشياً، ولا أرجح عقلاً. فوددت أنّ كلّ جارحةٍ منّي عينٌ تنظر، أو قلبٌ يفهم، أو أذنٌ تسمع. فقلت:

стр. 156

أترى الزّمان يسرّنا بتلاقٍ ... ويضمّ مشتاقاً إلى مشتاق ما للزّمان يقال فيه وإنّما ... أنت الزّمان فسرّنا بتلاقٍ قال: فلحظتها، وتبعتني. وذلك حين أملاقي، واختلال حالي. فقلت: مالي إلاّّ منزل صريع الغواني، فأتيته، واستوقفتها، ودخلت إليه. وقلت: ويلك يا مسلم، أجمل لك الحبروجة على الباب تقلّ له الدّنيا وما فيها من عسرٍ وضيقةٍ. قال لي: شكوت إلى ما كدت أبدؤك به الشّكوى، ولكن أئت بها على كلّ حال. فلمّا دخلت قال لي: والله ما أملك إلاّ هذا المنديل. فقلت له: هو البغية. قال، فأخذته فبعته بثلاثين درهماً، واشتريت خبزاً ولحماً ونبيذاً. وإذا هما يتنازعان حديثاً كأنّه قطع الرّوض ذكرت به قول بشّار فقلت: وحديثٍ كأنّه قطع الرّو ... ض وفيه الصّفراء والحمراء فقال لي مسلم: بيتٌ نظيفٌ، ووجهٌ ظريفٌ، ولا نفل ولا ريحان؟ أخرج فالتمس لنا ذلك. قال، فخرجت وجئت بما طلب، فإذا لا حسّ منهما ولا أثر لهما، فجعلت أطيل الذّكر، وأرجم الظّنّ، حتّى إذا جنّ الليل وفي قلبي لهيب النّيران، ثاب عليّ عقلي وقلت: لعلّ الطّلب يوقعني على موضعٍ خفيٍّ. فوقفت على باب سردابٍ وإذا هما قد نزلا

стр. 157

ومعهما جميع ما يحتاجان إليه فأكلا وشربا ونعما. فدلّيت رأسي وصحت مسام ثلاث مرّاتٍ، فلم يكلّمني بأكثر من أن قال لي: محلّنا، والنّفقة من عندنا، وأنت فضولي، ما هذا الذي تقترح؟ اصبر مكانك حتّى يؤذن لك، فبقيت طول ليلتي أتقلّى على جمر الغضا لا أعرف أين أنا. فلمّا انشقّ الصّبح إذا به طلع وطلعت الجّارية في أثره، فأسرعت إليه وخرجت تعدو ولم تخاطبني، فكانت أعظم حسرةٍ نزلت بي.

стр. 158

باب ما جاء في الزّنا والتّحذير من عواقبه روي عن الأعمش، عن سفيان، عن حذيفة، أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: " يا معشر المسلمين إيّاكم والزّنا، فإنّ فيه ستّ خصال: ثلاثاً في الدّنيا، وثلاثاً في الآخرة. فأمّا التي في الدّنيا: فزوال البها، ودوام الفقر، وقصر العمر؛ وأمّا اللواتي في الآخرة. فسخط الله جلّ ثناؤه، وسوء الحساب، والخلود في النّار ". وعن الحارث بن النعمان قال: سمعت أنس بن مالك يقول أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: " المقيم على الزّنا كعابد وثن ". وعن أبي سعيدٍ الخدري، قال: قال رسول الله، ﷺ : " ليلة أسرى بي انطلق بي إلى خلقٍ من خلق الله ونساءٍ معلّقاتٍ بثديهنّ ومنهنّ بأرجلهنّ، منكّساتٍ، ولهنّ صراخٌ وخوار. فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء اللواتي يزنين ويقتلن أولادهن، ويجعلن لأزواجهنّ ورثةً من غيرهم ".

стр. 159

وعن أبي الدّرداء. أنّ النّبيّ، ﷺ ، قال: " أنّ الله ليبغض ثلاثة. الشّيخ الزّاني، والمقلّ المختال، والبخيل المنّان ". وعن عمر بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود أنّه قال: قلت: يا رسول الله، أو قال غيري: أيّ الذّنوب أعظم عن الله؟ قال: " أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك. " قلت: ثمّ أي؟ قال: " أن تقتل النّفس بغير حقٍّ "، ثمّ أي؟ قال: " أن تزاني حليلة جارك ". قال: " ثمّ أنزل الله في كتابه تصديق ذلك ". ثمّ قال: " والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، ولا يقتلون النّفس التي حرّم الله إلاّ بالحق، ولا يزنون. ومن يفعل ذلك يلق آثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلّد فيها مهاناً ". وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ : " الزّاني بحليلة جاره لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكّيه، ويقول أدخل النّار مع الدّاخلين ". وعن أبي هريرة، أنّه سمع رسول الله، ﷺ ، يقول حين نزلت آية الملائكة: " أيما امرأة أدخلت على قومٍ من ليس منهم فليست من الله في شيءٍ، ولن يدخلها الله جنّته. وأيما رجلٍ جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه، وفضحه على رؤوس الأوّلين والآخرين ".

стр. 160

ذكر الزّنا عند يحيى بن خالد بن برمك فقال: الزّنا يجمع الخصال كلّها من الشّر. لا تجد زانياً معه ورع، ولا وفاءً بعهد، ولا محافظةً على صديق؛ الغدر شعبةٌ من شعبه، والخيانة فنٌّ من فنونه، وقلّة المروءة عيبٌ من عيوبه، وسفك الدّم الحرام جنايةٌ من جناياته. وحكى ابن الأعرابي قال: كان الحارث بن أبي شمر الغسّاني إذا أعجبته امرأة ووصفت له، بعث إليها واغتصبها نفسها، فأتاه أبوها فقال له: يا أيّها الملك المخوف أما ترى ... ليلاً وصبحاً كيف يختلفان هل تستطيع الشّمس أن تأتي بها ... ليلاً وهل لك بالمليك يدان فاعلم وأيقن أنّ ملكك زائلٌ ... واعلم بأنّك ما تدين تدان وعن عدي بن ثابت قال: سمعت عبد الله بن عبّاس يقول: كان في بني إسرائيل راهبٌ عبد الله زماناً من الدّهر، حتّى كان يؤتى بالمجانين يعوّذهم فيبرؤون على يديه. وأنه أتي بامرأةٍ من أشراف قومها قد جنّت وكان لها أخوة، فأتوه بها، فلم يزل الشّيطان يزيّن له حتّى وقع عليها، فحملت، فلمّا استبان حملها، لم يزل الشّيطان يخوّفه ويزيّن له قتلها ودفنها، فقتلها ودفنها. وذهب الشّيطان في صورة رجلٍ حتّى أتى بعض أخوتها فأخبره بالذي فعل الرّاهب، ثمّ أتى بقيّة أخوتها رجلاً رجلاً فجعل

стр. 161

الرّجل يلقى أخاه فيقول له: والله لقد أتاني آتٍ فذكر لي شيئاً كبيراً علينا. فأخبر بعضهم بعضاً بما قيل لهم، فأتوا إلى الرّاهب فقالوا: ما فعلت أختنا؟ قال: خرجت، ولست أدري أين ذهبت. فرفعوا ذلك إلى ملكهم، فسار إليه النّاس حتّى استنزلوه من صومعته، فأقرّ لهم بالذي فعل، فأمر به فصلب على خشبةٍ، وتمثّل له الشّيطان فقال له: أنا الذي زيّنت لك هذا وألقيتك فيه، فهل أنت مطيعي فيما أقول لك وأخلصك؟ قال: نعم. قال: تسجد لي سجدةً واحدةً فسجد له الرّجل، ثمّ قتل. فهذا داخلٌ تحت قول الله : " كمثل الشّيطان إذ قال للإنسان أكفر فلمّا كفر قال إنّي بريءٌ منك إنّي أخاف الله ربّ العالمين ". ولم تزل أشراف العرب في الجاهليّة يتجنّبون الزّنا ويذمّونه، وينهون عنه. وروى هشام بن عروة عن أسماء بنت أبي بكر الصّدّيق، ﵁، قالت: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل في الجاهليّة وهو مسندٌ ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريشٍ إيّاكم والزّنا، فإنّه يورث الفقر. وفي وصيّة دريد بن الصّمة: إيّاكم وفضيحة النّساء فإنّها عقوبة غدٍ، وعار أبدٍ، يكاد صاحبها يعاقب في حرمه بمثلها، ولا يزال لازماً ما عاش له عارها. وحكى بعضهم قال: وفد عبد المطّلب بن هاشم على بعض ملوك حمير فألطف منزلته وأكرمه. وكان تامّاً جميلاً، فقال له الملك: يا أبا الحارث، أحبّ أن ينادمني ابنك. فأذن له أبوه في ذلك. وكان

стр. 162

الحميري أجمل ملوك حمير، وكانت زوجته أجمل منه. فكان إذا شرب مع الحارث خرجت زوجته فجلست معهما تسقيهما، فعشقت الحارث زوجة الملك، فكلفت به، فراسلته، فأعلمها أنّه محصن عن الزّنا ولا يخون نديمه. فألحّت عليه فكتب إليها: لا تطعمي فيما رأيت فإنّني ... عف منادمتي عفيف المئزر أسعى لأدرك مجد قومٍ سادةٍ ... غمروا فطفن البيت عند المشعر فافني خيالاً واعلمي أنّي امرءٌ ... أربى بنفسي أن يعيّر معشري ثمّ إنّه أخبر أباه، فصوّب رأيه وقال له: يا بني إنّ لنساء الملوك طفاحاً. فلمّا رأته قد عزفت نفسه عنها قالت: والله لا أدعه تتمتّع به امرأة أبداً. فدسّت إليه شربةً فشربها وارتحل مع أبيه، فلمّا قدم مكّة مات فجزع عليه عبد المطّلب جزعاً شديداً وقال يرثيه: سقى الإله صدى واريته بيدي ... ببطن مكّة تعفوه الأعاصير يا حارث الخير قد أورثتني شجناً ... فما لقلبي عن ذكراك تغيير فلست أنساك ما هبت شآميّة ... وما بدا علمٌ في الآل معمور ولمّا قتلت بنو أسد بن خزيمة حجر بن الحارث أبا امرئ القيس دار في أحياء العرب فلم ير منهم ما يحب، فمضى حتّى قدم على هرقل ملك الرّوم، فأقام عنده شهراً فأكرمه ونادمه، وأعجبه كماله وعقله. ثمّبعث معه ستّمائةً من أبناء الملوك ومن تبعهم. ونظرت إليه ابنة الملك

стр. 163

فعشقته وأرسلت إليه أن يلقاها قبل خروجه، فجعل يعتذر لها ويعلّلها ولا يرضى أن يخون أباها فيها مع ما فعله معه. وخرج منصرفاً إلى بلده فقالت بنت هرقل لأبيها: ما صنعت بنفسك وجهت أبناء ملوك الرّوم مع ابن ملك العرب؟ لو قد استمكن ممّا أراد غزاك ونزع ملكك. فوجّه إليه الملك بحلّةٍ منسوجةٍ بالذّهب مسمومةٌ فلمّا لبسها تنفط جلده، وتساقط لحمه، فنظر إلى جبلٍ فسأل عنه، فقيل له: اسمه عسيب. فقال: أجارتنا إنّ المزار قريب ... وإنّي مقيمٌ ما أقام عسيب أجارتنا إنّا غريبان ههنا ... وكلّ غريبٍ للغريب نسيب وقيل إنّه قال هذا لأنّه رأى قبراً عند هذا الجبل فسأل عنه فأخبر أنّه قبر امرأةٍ من بنات ملوك الرّوم. فمات هناك. وممّا فضل به بسطام بن قيس على عامر بن طفيل وعتبة بن الحارث بن شهاب. أنّ بسطاماً كان فارساً عفيفاً جواداً؛ وكان عتبة فارساً عفيفاً بخيلاً؛ وكان عامر فارساً جواداً عاهراً. فاجتمعت في بسطام ثلاث خصالٍ شريفةٍ فبذلك فضلهما بسطام. قال الشّعبي تنافر عامر بن الطّفيل بن ملك بن جعفر وعلقمة بن علاثة بن الأحوص إلى هرم بن قطبة بن سنان الذّبياني حكيم العرب فقال لعلقمة: بأيّ شيءٍ أنت أسود من عامر؟ قال: أنا بصيرٌ، وهو أعورٌ، وأنا أبو عشرة وهو عقيمٌ، وأنا عفيفٌ وهو عاهرٌ.

стр. 164

وإنّما أطلقت العرب حديث الرّجال إلى النّساء لمّا كانوا يرون من النّقص في الرّيب، ويأخذون أنفسهم بحفظ الجيران، وما يعرف بعضهم من بعضٍ من استعمال الوفاء، والتّحرّز من العار. لأنّ الرّجل منهم كان يصون حرمة جاره وصاحبه كصيانة الابنة والأخت والزّوجة من حرمه. لا يرى أحدٌ منهم لنفسه رخصةً في إضاعة ذلك، وإنّما يتحمّل الغدر، ويرخص نفسه فيه، من باين البوادي، وخالط الحضر، لأنّه رأى أجناس العبيد، وأخلاط العوام، وقد نشأوا على عادةٍ فجروا عليها ولن يستوي من كرم طبعه وصحّت بنيته وترك الفواحش وجانبها تنزّهاً عنها ولأنّها محظورةٌ عليه وغير مباحة له. وأحبّ شيءٍ إلى الإنسان ما منع عنه. فترك الأوّل طبعٌ، وترك هذا تكلّفٌ. وأمّا العوام وأخلاط النّاس فلا يكادون يتورّعون عن محرّمٍ، ولا يستحيون من عارٍ، وهم أكثر العالم غدراً. قال المسيح ﵇: لا يزني طرفك بما غضضت بصرك. ونظر أشعث إلى ابنه يوماً وهو يديم النّظر إلى امرأته فقال له يا بني أظنّ نظرك إليها قد أحبلها. أخذ هذا بعض الشّعراء فقال: ولي نظرةٌ لو كان يحبل ناظرٍ ... بنظرته أنثى لقد حبلت منّي مرّت امرأةٌ بقومٍ من بني نمير فرشقوها بأبصارهم وأداموا النّظر إليها، فقالت: قبّحكم الله يا بني نمير، فوالله ما أخذتم بقول الله ﵎: " قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم " ولا بقول الشّاعر:

стр. 165

فغضّ الطّرف إنّك من نميرٍ ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا فخجل القوم ممّا قالت وأطرقوا. وكان يقال: أربعٌ لا يشبعن من أربع: عينٌ من نظر، وأذنٌ من خبر وأرضٌ من مطر، وأنثى من ذكر. قال إسحاق بن بهيل: رأيت رجلاً في طريق مكّة وعديله في المحمل وجاريةٍ قد شدّ عينيها وكشف سائر وجهها فقلت له في ذلك، فقال: إنّما أخاف عينيها لا عيون النّاس. وكان عند بعض القرشيين امرأةٌ عربيّةٌ فدخل عليها خصي لزوجها وهي واضعةٌ خمارها تمشّط شعرها، فحلقت شعرها، وقالت: لا يصحبني شعرٌ نظر إليه غير ذي محرّمٍ منّي. وقال رجلٌ لأعرابي: ما الزّنا عندكم؟ قال: النّظرة، والقبلة. قيل له: ليس هذا الزّنا عندنا! قال: وما هو؟ قال: أن يجلس بين شعبها الأربع ثمّ يجهد نفسه. قال: بأبي أنت، ليس هذا زانياً هذا طالب ولد!. قيل لأبي الطّمحان القبني: أخبرنا عن أقبح ذنوبك؟ قال: ليلة الدّير. قيل: وما ليلة الدّير؟ قال: نزلت على نصرانيّةٍ فأكلت طفشلاً بلحم خنزير، وشربت من خمرها، وزنيت بها، وسرقت كساءها، ومضيت. وقال الجاحظ: قرأ قارئ: قالت فذلكنّ الذي لمتني فيه

стр. 166

ولقد راودته عن نفسه فاستعصم. فقال إبراهيم بن عزوان: لا والله ما سمعت بأعدل من هذه الفاسقة، أمّا والله لو تمرّست بي ما استعصمت. بات أعرابيٌّ ضيفاً لبعض الحضر فرأى امرأته، فهمّ أن يأتي إليها في الليل فمنعه الكلب؛ ثمّ أراد ذلك مرّةً أخرى، فمنعه ضوء القمر؛ ثمّ أرادت ذلك في السّحر، فإذا عجوزٌ قائمةٌ تصلّي. فلمّا رأى ذلك قال: لم يخلق الله شيئاً كنت أبغضه ... غير العجوز وغير الكلب والقمر هذا يبوح، وهذا يستصاء به، ... وهذه سبحةٌ قوّامة السّحر وصف أعرابيٌّ رجلاً ماجناً فقال: والله لو أبصرته عيدان القيان لتحرّكت أوتارها، ولو رأته مومسةٌ لطار خمارها. وحكى خريدة بن أسماء، قال: حججنا، ونحن في رفقةٍ، إذ نزلنا منزلاً ومعنا امرأةٌ نامت ثمّ انتبهت وحيّةٌ على عنقها لا تضرّها بشيءٍ، فلم يجترئ أحدٌ منّا أن ينحيها عنها، فلم تزل كذلك حتّى أبصرت الحرم فانسابت ومضت عنها، فحمدنا الله ودخلنا مكّة فقضينا نسكنا، ورأى الغريض المغنّي المرأة وقد سمع الحديث وما تحاكاه النّاس عنها فقال لها: يا شقيّة ما فعلت حيّتك؟ قالت: في النّار. قال: ستعلمين في النّار. قال فضحكت المرأة ولم تفهم ما أراد وارتحلنا منصرفين حتّى إذا كنّا بالموضع الذي حين نزلناه جاءت الحيّة حيث انسابت وتطوّقت عليها، فلمّا تألّمت المرأة عرفتها، ثمّ صفّرت الحيّة،

стр. 167

فإذا الوادي يسل علينا من جنباته حيّاتٍ، فنهشتها حتّى بقيت عظاماً ونحن نرى ذلك. ثمّ انصرفنا جميعاً فقلنا للجارية التي معها: ويحك خبّرينا بخبر هذه المرأة، فقد والله رأينا منها عجباً؟ قالت: نعم بغت ثلاث مرّاتٍ، تلد في كلّ مرّةٍ غلاماً، فإذا وضعته حمت تنّوراً ورمته فيه وتكتم خبره. قال: فقلت سبحان الله ما أعجب هذا. وذكرت قول الغريض لها ستعلمين من في النّار، فزادنا ذلك تعجّباً منها. قال أحمد بن يحيى: كان مرثد، عمّ عمرو بن قميئة الشّاعر، عنده امرأةٌ جميلةٌ، وكان قد كبر، وكان يجمع بني أخيه وبني عمّه في منزله للغداء كلّ يومٍ. وكان عمرو بن قمية شابّاً جميلاً، وكانت أصبع رجله الوسطى والتي تليها مفترقتين. فخرج مرثد يرمي بالقداح، فأرسلت امرأته إلى عمرو بن قميئة: ابن عمّك يدعوك. فجاءت به من دير البيوت، فلمّا دخل عليها لم يجد عمّه فأنكر أمرها، فراودته عن نفسها، فقال لها: لقد جئت بأمرٍ عظيمٍ، وما كان مثلي يدعى لمثل هذا! قالت: لتفعلنّ ما أقول لك أو لأسوأتك. قال: إلى المساءة دعوتني! ثمّ أنّه قام فخرج. وأمرت بجفنةٍ فكبّت على إثر رجله فلمّا رجع مرثد وجدها متغضّبةً فقال لها: ما لك؟ قالت: إنّ رجلاً من قومك قريب القرابة جاء يستامني نفسي ويريد فراشك منذ خرجت. قال: ومن هو؟ قالت: أمّا أنا فلا أسمّيه، ولكن قم فاقتف أثره تحت الجفنة. فلمّا رأى الأثر عرفه فأعرض عنه وجفاه، ولم يزده على ذلك، وكان أعجب الخلق إليه. وعرف ابن قميئة ذلك وكره أن يخبره فقال: لعمرك ما نفسي بجدٍّ رشيدةٍ ... تؤامرني شرّاً لأصرم مرثدا عظيمٌ رماه القدر لا متعبّسٌ ... ولا مؤيس منها إذا هو أخمدا فقد ظهرت منه بوائق جمّةً ... وأفرغ في لومي مراراً وأصعدا

стр. 168

على غير ذنبٍ أن أكون جنّيّته ... سوى قول باغٍ جاهد فتهجّدا وبلغت الأبيات مرثداً فكشف عن الأمر حتّى تبين له، فطلّق امرأته وعاد على ما كان عليه لابن أخيه. وذكر هشام بن محمّد الكلبي، عن الحصين بن لبيد قال: كان الحطيئة نازلاً في بني المسند من بني ضبّة فرأى لبنة بنت قرطة أخت العلاء، وكانت فاسدةً، فأعجبته فكلّمها فأجابته، فوقع عليها، فحملت منه. ثمّ ارتحل الحطيئة، فلمّا بان حملها، زوّجها العلاء بن غالب بن صعصعة فولدت الفرزدق على فراشه فنسب إليه. ففي ذلك يقول جرير بن الخطفي. كان الحطيئة جار أمّك مرّةً ... والله يعلم شأن ذاك الجار لا تفخرنّ بغالبٍ ومحمّدٍ ... وافخر بعبس يوم كلّ فخار قال: وقدم الفرزدق على عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، فأكرمه وأحسن ضيافته. فبلغه أنّه زانٍ أن يختبر ذلك، فقال لجاريةٍ له: انطلقي إلى الفرزدق، وعمر في حجرةٍ له ينظر ما يصنع الفرزدق، فأتته الجّارية بالغسل والدّهن، وذهبت لتغسل رأسه، فوثب عليها فركضته وقالت: لعنك الله من شيخ. ثمّ خرجت فأتت عمر فأخبرته فنفاه من المدينة. وقال جرير: نفاك الأعزّ بن عبد العزيز ... وحقّك تنفى من المسجد

стр. 169

فقال الفرزدق: فأوعني وأجلّني ثلاثاً ... كما وعدت بمهلكها ثمود ودخا الفرزدق يوماً على سليمان بن عبد الملك، وهو خليفةٌ، فقال: أنشدني يا أبا فراس! فأنشده قصيدته حتّى بلغ إلى قوله: خرجن إليّ لم يطمثن قبلي ... فملن أصحّ من بيض النعام فبتن بجانبي مصرعاتٍ ... وبت أفض أغلاق الختام فقال له سليمان: ما أظنّك يا أبا فراسٍ إلاّ قد أحللت نفسك، أقررت عندي بالزّنا، وأنا إمامٌ، ولا بدّ من إقامة الحدّ عليك. فقال: يا أمير المؤمنين، ما أحللت نفسي إن كنت تأخذ بقول الله وتعمل به. قال سليمان: فبقول الله نأخذ عليك الحد. قال الفرزدق: فإنّ الله يقول: " والشّعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنّهم في كلّ وادٍ يهيمون، وإنّهم يقولون ما لا يفعلون ". وأنا، يا أمير المؤمنين، قلت ما لم أفعل. فتبسّم سليمان، وقال: تلافيتها يا أبا فراس، ودرأت الحدّ عن نفسك. وخلع عليه، وأمر له بجائزة. قال أبو عبيدة: هوى أبو العبّاس الأعمى امرأةً ذات بعلٍ فراسلها فأعلمت زوجها، فقال لها: أطمعيه. فأطمعته، ثمّ قال: أرسلي إليه فليأتك. فأرسلت إليه، فأتاها، وجلس زوجها إلى جانبها، فقال لها أبو العبّاس: إنّك وصفت لنا فألمسينا. فأخذت يده فجعلتها على أير زوجها وقد أنعظ، فنثر يده وعلم أنّه قد كيد، فخرج من عندها وقال:

стр. 170

أتيتك زائراً فوضعت كفّي ... على أيرٍ أشدّ من الحديد عليّ أليّة ما دمت حيّاً ... أمسّك طائعاً ألا أعود فخيرٌ منك من لا خير فيه ... وخيرٌ من زيارتكم قعودي وكان بشّار الأعمى يرتع، فبلغ امرأته ذلك، فعاتبته مراراً فحلف لها. وإنّها سألت عن المكان الذي يمضي إليه فدلّت على امرأةٍ تجمع بين النّساء وبين الرّجال، فبذلت لها شيئاً وسألتها إذا جاءها بشّار أن تبعث إليها. ففعلت، وقالت: أبشّار قد وقعت اليوم امرأة من أجمل النّساء ووصفتها له فطرب إليها، فلمّا خلا بها وخالطها ضربت بيديها في لحيته وشتمته، وقالت: أين إيمانك الفاجرة؟ فقال لها: لعنك الله ألا تركتني حتّى أقضي حاجتي، فوالله ما رأيت أبرد منك حلالاً، ولا أطيب منك حراماً!! قال إسحاق بن إبراهيم: كان مخارق يهوى البهار جارية أمّ جعفر وشغف بها حتّى أفضى غايته في حبّها. فبينما هو منصرفٌ ذات ليلةٍ من دار المأمون في دجلة، وقد عمل الشّراب فيه، وأمّ جعفر جالسة في دارها على دجلة إذ رفع عقيرته يغنّي شعر عبّاس بن الأحنف: إن يمنعوني ممرّي قرب داركم، ... فسوف أنظر من بعدٍ إلى الدّار. ما ضرّ جيرانكم، والله يكلؤهم، ... لولا شقائي إقبالي وإدباري

стр. 171

لا يقدرون على منعي، وإن جهدوا ... إذا مررت، وتسليمي بإجهاري. فسمعت أمّ جعفر صوته فأمرت خدّامها فصاحوا بملاحة فقدم وصعد إليها، فدعت له بكرسيٍّ وصينيّةٍ فيها نبيذٌ فشرب، وخلعت عليه وقالت لجواريها: أضربن معه. فكان أوّل ما تغنّى به: أغيب عنك بودٍّ لا يغيره ... نأي المحلّ ولا صرفٌ من الزّمن فإن أعش فلعلّ الدّهر يجمعنا ... وإن أمت فبطول الشّوق والحزن قد حسّن في عينيّ ما صنعت ... حتّى أرى حسناً ما ليس بالحسن قال، فاندفعت البهار تباريه في الصّوت وتغنّي: تعتلّ بالشّغل عنّا لا تكلّمنا ... والشّغل للقلب ليس الشّغل للبدن فضحكت أمّ جعفر، وقالت، ما رأيت ولا سمعت قط بأحسن من هذا. ووهبت له الجّارية فأخذها وانصرف. قال إبراهيم بن الخطيب: حدّثني مخارق قال: كنت عند الرّشيد فلمّا أراد الانصراف قال لي: يا مخارق بكّر عليّ. فقلت: نعم يا أمير المؤمنين. فلمّا أصبحت بكّرت أريد ما ذكره، فإذا جارية راكبة وهي أحسن النّاس عينين في النّقاب، فنظرت إليها، ونظرت إليّ، فلم أملك نفسي وتعشّقتها وتبعتها حتّى دخلت منزل المعبدي الهاشمي، فقلت لغلماني:

стр. 172

إذا كان المغرب فصيروا إليّ، فإذا كنت في الدّنيا خرجت إليكم، وإذا كنت متّ فقد قضيت وطراً. قال: واقتحمت ودخلت الدّار، فإذا جماعةٌ مجتمعون وقد أحضروا طعاماً فأكلت معهم، وأحضر الشّراب، وغنّت الجّارية فإذا هي أحذق النّاس وأطيبهم، فغنّيت، فقال المعبدي: ما أحسنه وأبهاه، فمن هو؟ فقال له القوم: ما نعرفه. فقال: ما أظرف هذا يدخل منزلي بغير أمري أبغوا إليّ صاحب الشّرطة. وكلّ ذلك بمسمعي، قالت الجّارية: يا مولاي لا تفعل، لعلّ له عذراً. فبحياتي هب لي جرمه فقد رحمته، وأحسب أنّ هذه صناعته. قال: فطابت نفسي فلمّا خرجت قال لي: يا فتى تغنّي؟ فقلت: نعم. فغنّيت، فطرب القوم وقال المعبدي: إن كان في الدّنيا مخارق فأنت هو! قلت: نعم أنا مخارق وحدّثته حديثي والسّبب في دخول منزله، فسرّ وفرح ودعا بدواةٍ وقرطاسٍ وأقبل يكتب ويعود إليه الجواب، ثمّ وزن مالاً ووجّه به. فلمّا كان بالعشيّ قال: يا غلام هات تلك العتيدة. فأحضر عتيدةً مملوءةً طيباً، وقال: هات ذلك التّخت. فأحضره إيّاه، فقال: أتدري ما نحن فيه: قلت: لا. قال: قد اشتريت لك الجّارية بأربعين ألف دينار، وهذه عتيدةٌ فيها طيب، وتخت ثياب. فأخذت بيدها وانصرفت بها عروساً، فلمّا أصبحت بكّرت على الرّشيد فقال لي: يا ابن الفاعلة أين كنت؟ فحدّثته الحديث فسرّ به، وقال: ما توهّمت أنّ في أهلي مثل هذا. وأمر من ساعته أن يحمل إليه أربعون ألف دينار. وكان ليوسف بن القاسم، وهو أبو أحمد بن يوسف، وزير المأمون، غلامٌ أسودٌ متأدّبٌ نشأ في الأعراب فهوى جاريةً لرجلٍ قرشيٍّ، فشكاه القرشيّ لمولاه، فضربه وحبسه، وحلف أن لا يطلقه إلاّ بعد شفاعة من شكاه، فقيل له: ويحك أتحبّك كما تحبّها؟ فقال:

стр. 173

كلانا سواءٌ في الهوى غير أنّها ... تجلد أحياناً وما بي من تجلّد تخاف وعيد الكاشحين وإنّما ... جنوني عليها حين أنهي وأوعد فبلغ مولاه شعره فقال: وإنّ فيه لهذا الفضل! فركب من وقته إلى القرشيّ فقال له: أسألك أن تبيعني هذه الجّارية بأيّ ثمنٍ شئت. فقال: ما أفعل حتّى أعرف السّبب في ذلك. فعرّفه الخبر وأنشده البيتين، فقال: أشهدك إنّي قد وهبت له الجّارية، وأنا أعطي الله عهداً أن أخذت لها ثمناً أبداً، لشفاعتك وأدب الغلام. ووجّه الجّارية معه فدفعها إلى الغلام. قالوا كان المتوكّل جالساً يوماً في القصر الذي يقال له المختار إذ مرّ خادمٌ أسودٌ لفتيحة مبادراً يريد الدّخول إلى دار النّساء، فسقط منه كتابٌ مختومٌ، فأمر من جاءه بالكتاب وفتحه فإذا فيه مكتوبٌ: أكثري المحو في الكتاب ومحّه بريق اللسان لا بالبنان وأمرّي الختام فوق ثنايا ... ك العذاب المفلجات الحسان إنّني كلّما مررت بحرفٍ ... فيه محوٌ لطعته بلساني فأراها تقبيلة من بعيدٍ ... أهديت لي وما برحت مكاني فقال: يا فتح ما ترى؟ قلد اجترأ ليّ من كتب هذا الشّعر! عليّ بالخادم. فأتي به، وقد علم الخادم إنّ الكتاب سقط منه فطار عقله

стр. 174

خوفاً ورعباً، فقال له: من دفع هذا الكتاب إليك وأنت آمن؟ فإن صدقت نجوت، وإن لم تصدق ضربت عنقك. قال: يا مولاي إنّ لمولاتي فتيحة وكيلاً يتصرّف في أمرها من أبناء البرامكة وهو يحبّ جاريتها نسيم الكاتبة، وأنا أسعى بينهما بالكتب التي يتكاتبان بها. فقال له: امض بلا خوف عليك. ثمّ قام المتوكّل فدخل على فتيحة وقال لها خذي في أمر جاريتك نسيم الكاتبة فإنّي قد زوّجتها من فلان وكيلا وأنقدت عنه عشرة آلاف درهمٍ. وأمر بإحضار الوكيل فقال له: هل لك في نسيمٍ؟ فذهب عقله، وطار قلبه، وخاف خوفاً شديداً، فقال له: تكلّم وأنت آمن، فقد زوّجتك بها، ومهرتها عشرة آلاف درهمٍ وأمرت لا بعشرة آلاف تولم بها. وسأل فتيحة تعجيل زفافها إليه ففعلت. وحكى الهيثم بن عدي، عن ابن عبّاس، قال: كانت عاتكة بنت يزيد بن معاوية تحت عبد الملك بن مروان، وكان يجد بها ويحبّها حبّاً شديداً، فغضبت عليه، فطلب رضاها بكلّ أمرٍ، فأبت حتّى أضرّ به ذلك وشكا إلى خاصّته. فقال له عمر بن الأسدي: ما لي إن أرضيتها؟ قال له: حكمك. قال، فخرج فأتاها وجلس بين يديها يبكي. فقال له حاضنتها: ما لك يا أبا حفص؟ قال: لقد جئت إلى بنت عمّي في أمرٍ مهمٍّ عظيمٍ، فاستأذني لعلّها تقضي حاجتي. فقالت: ما بالك؟ فقال لها: قد عرفت حالي مع أمير المؤمنين عبد الملك، ولم يكن لي غير ابنين، فتعدّى أحدهما على الآخر فقتله. فقلت: أنا وليّ الدّم وقد عفوت. فقال أمير المؤمنين: ما أحبّ أن أعوّد رعيّتي هذا. وهو قتله بالغداة فنشدتك الله ألا كلّمته فيه، وسألته في إبقائه لي، فإنّك تجمعين في ذلك إحياءه وإحياء نفسي. فإنّه إن قتله قتلت نفسي. فقالت: ما أكلّمه. فقال لها: ما أظنّك تكسبين شيئاً أحبّ من إحياء نفسين. . . وبكى بكاءً شديداً: فلم يزل بها صواحبها وخدمها وحاشيتها حتّى قالت: عليّ بثيابي. فلبست، وكان بينها وبينه بابٌ قد ردمته.

стр. 175

فأمرت بفتحه ثمّ دخلت. فأقبل أحد الغلمان فقال: يا أمير المؤمنين هذه عاتكة. قال: ويلك رأيتها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. وإذا هي قد أقبلت وعبد الملك على سريره. فسلّمت، فسكت، فقالت: أمّا والله لولا مكان عمر ابن بلال ما فعلت، ولا أتيتك والله. إن عدا أحد بنيه على الآخر فقتله، وهو الوليّ وقد عفا عنه، لتقتله؟ قال: أي والله، وهو راغمٌ. قالت: أنشدك الله أن لا تفعل. فدنت فأخذت بيده، فأعرض عنها، فأخذت أرجله فقبّلتها، فأكبّ عليها وضمّها إلى نفسه ورفعها إلى سريره، وقال: قد عفوت عنه. فتراضيا. وراح عبد الملك فجلس مجلس الخاصّة، فدخل عمر بن بلال، فقال: يا أبا حفص ألطفت الحيلة في القيادة فلك حكمك! فقال: يا أمير المؤمنين، ألف دينارٍ ومزرعة بما فيها من الرّقيق والآلة. قال: هي لك. قال: ومرابض لولدي وأهل بيتي. قال: وذلك كلّه لك. . . وبلغ عاتكة الخبر فقالت: ويلي على القوّاد خدعني. ويروى أنّ معاوية بن أبي سفيان، ﵀، رأى، كاتباً له يكلّم جاريةً لامرأته فاختة بنت قريظة، في بعض طرق داره، فقال له: أتحبّها؟ قال: أي والله، يا أمير المؤمنين. قال: أخطبها من فاختة. فخطبها. وكلّم معاوية فاختة فأجابته، فزوّجها منه، فدخل معاوية وبين يديه عتيدة من العطر لعرس جاريتها، فقال: هوّني عليك يا بنت قريظة، إنّي أحسب الاتّفاق كان بعد حين. قال عمر بن شبّة: كان الأحنف بن قيس يوماً جالساً مع معاوية، إذ مرّت بهما وصيفة فدخلت بيتاً من البيوت، فقال معاوية: يا أبا بحر، أنا والله أحبّ هذه الجّارية وقد أمكنتني منها لولا الحياء من مكانك. فقال الأحنف: فأنا أقوم. بل تجلس لئلّا تستريب بنا فاطمة. فقال

стр. 176

الأحنف: شأنك. فقام معاوية إليها. فبينا هو يماجنها إذ خرجت بنت قريظة فقالت للأحنف: يا قوّاد، أين الفاسق. فأومأ الأحنف إلى البيت الذي هو فيه، فأخرجته ولحيته في يدها، فقال لها الأحنف: أرفقي بأسيرك، رحمك الله. فقالت: يا قوّاد، وتتكلّم أيضاً؟ فقال معاوية: يغلبن الكرام ويغلبهنّ اللئام. قال ابن شبّة: كانت بالمدينة امرأةٌ يقال لها صهباء، من أحسن النّاس: وكانت من هذيل. وكانت رتقاء. فتزوّجها ابن عمٍّ لها. فمكث حيناً لا يقدر عليها لشدّة ارتقاقها، فأبغضته بغضاً شديداً، فطلبت منه الطّلاق فطلّقها. ثمّ إنّه أصاب أهل المدينة مطرٌ شديدٌ، في الخريف، وسيلٌ عظيمٌ. فخرج أهل المدينة، وخرجت صهباء مع أهلها، وخرج ابن جحشٍ وأصحابٌ له للنزهة. فلمّا انتصف النّهار وخلا الوادي، خرجت صهباء واستنقعت في السّيل، وخرج ابن جحشٍ ولم تشعر به صهباء، فرآها وأحبّها وتهالك عليها. وكان بالمدينة دلّالةٌ على النّساء يقال لها قطبة. وكانت تداخل القرشيين بنسائهم: فلقيها ابن جحشٍ فسألها عن صهباء فقال: اخطبيها عليّ. قالت: قد خطبها عيسى بن طلحة بن عبيد الله، وأنعم له بها أهلها ولا أراهم يتخطّون عيسى إليك. . فشتمها ابن جحشٍ وقال: كلّ مملوكٍ لي حرٌّ لوجه الله إن تحتالي فيها حتّى أتزوّجها، لأضربنّك ضربةً بالسّيف - وكان مقداماً جسوراً - ففزعت منه فدخلت على صهباء وأهلها، فتحدّثت معهم، ثمّ ذكرت ابن عمّها، فقال لعمّة صهباء: ما باله فارقها؟ فأخبرتها خبره فأصغت إلى عمّتها فقالت لها، وأسمعت صهباء: أمّا والله لو كان ابن جحشٍ لنقبها نقب اللؤلؤة. ثمّ خرجت من عندهم.

стр. 177

فأرسلت إليها صهباء أن مري ابن جحشٍ فليخطبني. فلقيت قطبة ابن جحشٍ فأخبرته الخبر. فخطبها، فأنعمت له، وأبى أهلها إلاّ عيسى بن طلحة. وأتت صهباء إلى ابن جحشٍ فتزوّجها وأفتضها من ساعته. وفيها يقول: دار الصّهباء الذي لا ينتهي ... عن ذكرها أبداً ولا ينهاها صفراء يطويها الضّجيع لطافةً ... طيّ الجمانة ليّناً مثناها نعم الضّجيع إذا النّجوم تغوّرت ... بالقرب أخراها على أولاها. قالوا: كان رجلٌ من تجّار أهل المدينة من ذوي النّعمة، في ليلةٍ من شهر رمضان، في المسجد يصلّي إذ عرض له في منزله بعض الأمر. فانصرف من التّراويح فأصاب بابه مفتوحاً، وإذا رجلٌ مع ابنته في محلّها يحدّثها. فأخذ بيده وذهب به إلى منزل ابن أبي عتيق. فدقّ عليه، فأشرف عليه، فقال: أردت أن أكلّمك، جعلت فداك. قال، فانحدر إليه فقال له: إنّ هذا الفتى وجدته في منزلي على حال كذا. فسألته فزعم أنّه ابنك. فأقبل ابن عتيقٍ فأخذ بيد التّاجر فشكره وجزاه خيراً، وقال: لن يعود إلى شيءٍ تكرهه أبداً إن شاء الله. فأخذ الفتى ولكزه وشتمه. فلمّا ولّى الرّجل قال للفتى: من أنت ويلك؟ قال: أنا ابن فلانٍ التّاجر وابتليت بابنة هذا التّاجر فدخلت عليها هذه الليلة أتحدّث عندها. فما راعني إلاّ أنّه واقفٌ على رأسي. فلم أجد ملجأً إلاّ

стр. 178

أن اعتزيت إليك، لمّا علمت من قدرك وشرفك وكرمك. قال: أخبرني عن الجّارية، أتحبّك؟ قال: نعم. قال: فهل يمكنك أن تأتي بها إلى منزلي هذا؟ قال: نعم. قال: فعدها وأت بها. وأمر غلاماً له، وقال: إذا جاءت المرأة التي يأتيك بها هذا الفتى فأدخلها، واجلس أنت مع الفتى، وأرسل إليّ من يعلمني. ففعل الفتى، وأتى بالجّارية إلى المكان. وأرسل إلى ابن أبي عتيقٍ فعرّفه. فأرسل إلى أبي الجّارية: إنّك اصطنعت إلى فتانا يداً، وقد أحببنا أن نصنع إليك مثل ذلك في فتاتكم. فأدخله عليها، فلمّا رآها استرجع، فقال له ابن أبي عتيقٍ: ما هذا؟ أهون عليك هذا الأمر وأقبل وصيّة رسول الله، ﷺ ، حين قال: " ألحقوا النّساء بأكفائهنّ ". إنّ هذا الفتى ليس والله بولدي، ولكن هو قد انتسب إليّ لما أدرك من النّجاة منك، وهو فلان ابن فلان التّاجر، وهو من نظرائها وأكفائها. فهل لك أن تزوّجه إيّاها وأصدقها عنه من مالي مائة دينارٍ. قال: نعم. ولم يبرحوا حتّى زوّجها منه وأصدقها وأخرج المهر من عنده، وسأله التّعجيل بزفافها إليه. وحكي عن ابن أبي ورقاء الجبلي قال: خرجت من الكوفة أريد بغداد. فلمّا صرت بأوّل مرحلةٍ نزل غلماننا ففرشوا بسطهم، وهيّأوا عداءهم، ونزلت. ولم يجء أحدٌ بعد. فرمانا الطّريق برجلٍ حسن الهيئة، فاره البرذون فصمت بالغلمان. فأخذوا دابّته. ودعوت بالغداء فبسط يده غير محتشمٍ.

стр. 179

وجعلت لا أكرمه بشيءٍ إلاّ قبله. وكنّا كذلك ساعةً، إذ جاء غلمانه. ثمّ تناسبنا فقال الرّجل: أتا طريح بن إسماعيل الثّقفي. فلمّا ارتحلنا كنّا كذلك في قافلةٍ لا تدرك طرقها. فقال لي طريح: ما حاجتنا إلى زحمة النّاس، وليست بنا إليهم وحشة ولا مخافة. فتأخّر بنا بعد القوم. فنزلنا إلى جانب نهرٍ مظللٍ بالشّجر فتغدّينا ثمّ قمنا إلى النّهر نستنقع فيه. فلمّا نزع ثيابه إذ آثار داهيةٍ في جنبيه يلج فيها الكف، فوقع في نفسي منه شيءٌ، فنظر إليّ وفطن وتبسّم، وقال لي: قد رأيت عجباً منك لما رأيت ما بي وأنا أحدّثك حديثه إذا سرنا العشيّة. فلمّا ركبنا قلت له: الحديث؟ قال: نعم، قدمت من عند الوليد بن يزيد بالدّنيا وما فيها، وركبت إلى يوسف بن عمر، مع قرابتي منه، فملأ يدي. فخرجت من عنده إلى الطّائف. فلمّا اشتدّ بي الطّريق، وليس يصحبني فيه خلق، عنّ لي أعرابيٌّ على قعودٍ له، وهو حسن الحديث قد روى الشّعر، وأنشدني لنفسه. فقلت له: من أين أقبلت؟ قال: لا أدري والله. قلت: فإلى أين يمّمت؟ قال: لا أدري والله. قال، فقلت: ما قصّتك؟ فقال: أنا عاشقٌ بجارية من قومي، قد أفسدت عيشتي وتلفت، فأنا أستريح بأن أنحدر في الطّريق مع منحدريه، وأصعّد مع مصعّديه. قال، فقلت له: وأين هي؟ قال: غداً تنزل بإزائها. وأخذ يحدّثني بحديثه معها. فلمّا جئنا إلى الموضع قال لي: انزل ذلك المكان فإنّها عنده منقطعةً. فأدركتني أريحيّة الحداثة، وأخذت منه علامة ما بينهما، وقصدت حيث أشار إلي. فإذا ببيتٍ جديدٍ على الطّريق، وإذا امرأةٌ جميلةٌ حديثةٌ ظريفةٌ. فذكرته لها ووريت رسالته وأمارته. فزفرت زفرةً كادت تتفتت أضلاعها، وقالت: أو حيٌّ هو؟ قلت:

стр. 180

نعم تركته في رحلي وراء هذا الجبل ونحن بايتون ومصطحبون قالت: فإنّي أرى لك وجهاً يدلّ على الخير، فهل لك في الأجر؟ فقلت: فقيرٌ إليه. قالت: فالبس ثيابي وادخل في أريكتي ودعني حتّى آتيه. فإنّك تحيي نفسين، وتغنم أجراً عظيماً. قلت: أفعل ما تريدين. قالت: إنّك إذا أصبحت أتاك زوجي في هجعته فقال يا فاجرة، فأوسعك شتماً، فأوسعته صمتاً ولا تجعل إنّك سمعته فإنّ يقول في آخر كلامه: اقمعي سقاك يا عدوّة. فضع المقمع في ذلك السّقاء الأخر فإنّه منخرق. قال: ومضت. فجاء زوجها ففعل ما قالت. وقال إقمعي سقاك فحببني الله أن تركت الصّحيح وقمعت الواهي، فما شعر إلاّ واللبن يتسيّب بين رجليه. فعدا إلى زاوية البيت فتناول حبلاً ثمّ ثناه على اثنين فصار على ثمانٍ، فجعل لا يتّقي بع رأساً ولا وجهاً ولا جنباً فخشيت أن يبدو له وجهي فألزمته الأرض، فعمل بجنبي وظهري ما ترى، ومضى عنّي. فلمّ كان الصّباح جاءت فرأت ما حلّ بي من الشّرّ فأكبّت عليّ وقالت: بأبي أحييت نفسي بقتل نفسك. ودخلت تعتذر وتتلهّف لما بي، وتدعو لي وتتضرّع. فأخذت ثيابي وانصرفت ولا يعدل ظفرهما عندي شيء. قد قدمنا في أخبار قيس بن ذريح كيف كان سبب تطليقه لبنى وندمه عليها ثمّ ساءت حاله، ولف عقله، واشتدّ مرضه، وأشرف على حتفه. فقال أهله: لو زوّجتموها إيّاه ليئس منها، وسلا عنها. فخطبها رجلٌ من قريش وحكم أباها في المهر. فزوّجه إيّاها، فحملها معه إلى المدينة. فقال قيس:
следующие страницы →