← История

История · id 21564

الاعتبار

أسامة بن منقذ

Полный текст (221 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

القاضي ابي بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد الأنصاري الفرضي المعروف بقاضي المارستان انه قال لما حججت بينا أطوف بالبيت إذ وجدت عقداً من اللؤلؤ فشددته في طرف إحرامي. فبعد ساعة سمعت إنساناً ينشده في الحرم وقد جعل لمن يرد عليه عشرين ديناراً، فسألته علاما ما ضاع له فاخبرني فسلمته إليه. فقال ليتجيء معي إلى منزلي لأدفع إليك ما جعلته لك. فقلت ما لي حاجت إلى ذلك، وما دفعته إليك ما جعلته لك. فقلت مالي حاجة إلى ذلك وما دفعته إلي بسب الجعالة، وأنا من الله بخير كثير. فقاللما تدفعه إلى الله ؟ فقلتنعم. فقالاستقبل بنا الكعبة وأمن على دعائي. فاستقبلنا الكعبة فقالالهم اغفر له وارزقني مكافأته، ثم ودعني ومضى. ثم اتفق انني سافرت من مكة إلى ديار مصر فركبت في البحر

стр. 177

متوجهاً إلى المغرب. فأخذت الروم المركب وأسرت فيمن أسر فوقعت في نصيب بعض القوم، فلم أزل أخدمه إلى أن دنت وفاته فأوصى بإطلاقي. فخرجت من بلد الروم فصرت إلى بعض بلاد المغرب فجلست أكتب على دكان خباز، وكان ذلك الخباز يعامل بعض تناة تلك المدينة. فلما كان في رأس الشهر جاء غلام ذلك الثاني إلى الخباز فقالسيدي يدعوك لتحاسبه فاستصحبني معه فمضينا إليه فحاسبه على رقاعه. فلما رأى معرفتي في الحساب وخطي طلبني من الخباز فغير ثيابي وسلم الي جباية ملكه وكانت له نعمة ضخمة، أخلى لي بيتاً في جانب داره. فلما مضت مديدة قال لييا أبا بكر ما رأيك في التزويج؟ قلتيا سيدي أنا لا اطيق نفقة نفسي فكيف اطيق النفقة على زوجة قالأنا أقوم عنك بالمهر والمسكن والكسوة وجميع ما يلزمك. فقلتالأمر لك فقاليا والدي إن هذه الزوجة فيها عيوب شتى - ولم يترك شيئاً من العيب في خلقة من رأسها إلى قدمها إلا ذكره لي وأنا أقولرضيت. وباطني في ذلك كظاهري. فقال ليالزوجة ابنتي. واحضر جماعة وعقد العقد. فلما كان بعد أيام قال لي تهيأ لدخول بيتك، ثم أمر لي بكسوة فاخرة ودخلت إلى دار فيها تجميل والآلات، ثم أجلست في المرتبه وأخرجت العروس تحت النمط فقمت لتلقيها. فلما كشفت النمط رأيت صورة ما رأيت في الدنيا أجمل منها، فهربت من الدار خارجاً، فلقيني الشيخ وسألني عن سبب هروبي..فقلتان الزوجة ما هي التي ذكرت لي فيها من العيوب ما ذكرت. فتبسم وقاليا ولدي

стр. 178

هي زوجتك، وليس لي ولد سواها وإنما ذكرت لك ما ذكرت لئلا تستقل ما تراه فعدت وجلبت علي. فلما كان من الغد جعلت أتأمل ما عليها من حلي وجواهر الفاخر، فرأيت من جمله ما عليها العقد الذي وجدته بمكة فعجبت من ذلك واستغرقني الفكر فيه. فلما خرجت من البناء استدعاني وسألني عن حالي وقال جدع الحلال أنف الغيرة، فشكرته على ما فعله معي، ثم استولى علي الفكر في العقد ووصله إليه. فقال لي فيم تفكر. فقلت في العقد الفلاني فاني حججت في السنة الفلانيه فوجدته في الحرم أو عقدا يشبهه. فصاح وقال أنت الذي رددت علي العقد قلت أنا ذاك. فقال ابشر فان الله قد غفر لي ولك، فاني دعوت الله سبحانه في تلك الساعة ان يغفر لي ولك وان يرزقني مكافأتك، وقد سلمت إليك مالي وولدي وما أظن اجلي إلا وقد قرب ثم أوصى الي ومات بعد مديدة قريبه ﵀. ﵀ الشفاء بطرق غريبة وحدثني الأمير سيف الدولة زنكي بن قراجا

стр. 179

قال دعانا شاهنشاه بحلب وهو زوج أخته. فلما اجتمعنا عنده نفذنا إلى صاحب لنا كنا نعاشره وننادمه خفيف الروح طيب العشرة فاستدعيناه فحضر، فعرضنا عليه الشراب فقال أنا محتم امرني الطبيب بالحميه أياماً حتى تشق هذه السعلة وكان في مؤخر رقبته سلعة كبيره، فقلنا وافقنا اليوم وتكون الحميه من غد. ففعل وشرب معنا إلى أخر النهار، فطلبنا شاهنشاه شيئا نأكله. فقال ما عندي شيء. فلاججناه حتى أجابنا إلى ان يحضر لنا بيضا نقليه على المنقل فاحضر البيض أحضرنا صحنا وكسرنا البيض وافرغنا ما فيه في الصحن ووضعنا المقلى على المنقل ليحمى، فأشرت إلى ذلك الرجل الذي في رقبته السلعة ان يشرب البيض، فرفع الصحن على فمه ليشرب بعضه فانساب جميع ما في الصحن في حلقه فشربه، وقلنا لصاحب الدار عوضنا عن البيض. فقال والله ما افعل فشربنا ثم افترقنا. فأنا في السحر في فراشي والباب يقرع، فخرجت جاريه تنظر من بالباب فإذا هو صديقنا ذلك. فقلت أحضريه. فجاءني وأنا في فراشي فقال يا مولاي تلك السلعة التي كانت في رقبتي ذهبت وما بقي لها اثر. فنظرت موضعها فإذا هو كغيره من جوانب رقبته. فقلت أي شيء اذهبها قال الله سبحانه ما عرفت انني استعملت سيئا ما كنت

стр. 180

استعمله غير شربي لذالك البيض النيء. فسبحان القادر المبلي المعافي. وكان عندنا في شيزر اخوان اسم الأكبر مظفر والآخر مالك بن عياض من أهل كفر طاب وهما تاجران يسافران إلى بغداد، وغيرها من البلاد، ومظفر أدركه قيلة عظيمة فهو منها في تعب، فسار في قافلة على المساوه إلى بغداد، فنزلت القافلة في حي من أحياء العرب فضيفوهم بطيور طبخوها لهم فتعشوا وناموا، فانتبه ابنه رفيقه الذي في جانبه وقال له أنا نائم أو مستيقظ قال مستيقظ لو كنت نائم ما تحدثت. قال تلك القيلة قد ذهبت وما بقي لها اثر. فنظر فإذا هو قد عاد كغيره إلى الصحه. فلما أصبحوا سألوا العرب الذين أضافوهم أي شيء أطعموهم. قالوانزلتم بنا ودوابنا عازبة، فخرجنا أخذنا فراخ غربان طبخناها لكم. فلما وصلوا بغداد دخلوا المارستان وحكوا للمتولي المارستان حكايته، فنفذ حصل فراخ غربان أطعمها لمن به هذا المرض، فلم تنفعه ولا أثرت فيه. فقال تلك الفراخ التي أكلها كان زقها أبوها أفاعي لذلك كان نفعها.

стр. 181

ومما يشاكل ذلك ان رجلا أتى يوحنا بن بطلان الطبيب المشهور بالمعرفة والعلم والتقدم بالصنعة الطب وهو دكانه بحلب، فشكى إليه مرضه فرآه قد استحكم به الاستسقاء وكبر بطنه ودقت وتغيرت سحنته. فقال لهيا ولدي ما لي والله فيك حيلة، ولا بقي الطب ينجح فيك فانصرف. ثم بعد مدة اجتاز به وهو في دكانه وقد زال ما به من مرض وضمر جوفه وحسنت حاله، فدعاه ابن بطلان فقالما أنت الذي حضرت عندي من مدة وبك الاستسقاء وقد كبر بطنك ودقت رقبتك وقلت لك مالي فيك حيلة؟ قال بلى قالبماذا داويت حتى زال ما بك؟ قالوالله ما تداويت بشيء، أنا رجل صعلوك ما لي شيء ولا لي من يدور بي سوى والدتي، عجوز ضعيفة كان لها في دنين خل، فكانت كل يوم تطعمني منه بخبز. فقال له بطلانبقي من الخل شيء؟ قال نعم قالامشي معي ارني الدن الذي فيه الخل. فمشى بين يديه إلى البيت أوقفه على دان الخل. فأفزع ابن بطلان ما كان فيه من الخل فوجد في أسفله افعيين قد تهرأتا. فقال لهيا بني ما كان يقدر يداويك بخل فيه افعيان حتى تبرأ إلا الله .

стр. 182

وكان ابن بطلان إصابات عجيبة في الطب. فمن ذلك ان رجلاً أتاه وهو في دكانه بحلب، والرجل قد انقطع كلامه فلا يكاد بفهم منه إذا تكلم. فقال لهما صنعتك؟ قالأنا مغربل. فقالاحضر لي نصف رطل خل حاذق. فأحضره. فقالاشربه. فشربه لحظة فذرعه القيء، فتقيأ طيناً كثيراً في ذلك الخل، فانفتح حلقه واستوى كلامه. فقال ابن بطلان لابنه وتلامذته لا تداووا بهذا الدواء أحد فتقتلوه. هذا كان قد علق بالمريء من غبار الغربلة تراب ما كان يخرجه إلى الخل. وكان ابن بطلان ملازماً لخدمة جدي الأكبر ابي المتوج مقلد بن نصر بن منقذ. فظهر في جدي الأكبر ابي المتوج مقلد بن نصر بن منقذ. فظهر في جدي ابي الحسن علي بن المقلد بن نصر بن منقذ ﵀ وضح وهو صبي صغير، فاقلق ذلك اباه وأشفق عليه من البرص، فاحضر ابن بطلان وقال لهابصر ما قد ظهر في جسم علي. فنظره وقال أريد خمس مائة دينار حتى أداويه وأذهب هذا عنه. فقال له جديلو كنت داويت علياً ما كنت رضيت لك بخمس مائة دينار. فلما رأى الغضب من جدي قاليا مولاي أنا خادمك وعبدك وفي فضلك، ما قلت ما قلته إلا على سبيل المزاح، وهذا الذي بعلي بهق الشباب، وإذا أدرك ذهب عنه، فلا تحمل منه هماً ولا يقول لك سوايأنا أداويه ويتسوق عليك، فهذا يزول عند بلوغه. فكان كما قال. وكان في حلب امرأة من وجوه نساء حلب لها برة لحقها برد في رأسها فكانت تعمل عليه القطن العتيق والقلنسوة والمخملة والمناديل حتى تصير على رأسها عمامة كبيرة وهي تستغيث من البرد، فأحضرت ابن بطلان وشكت إليه مرضها فقالحصلي في غد خمسين مثقالاً من كافور رياحي عارية أو مكرى من بعض الطيبين، فهو يعود إليه بأسره. فحصلت له الكافور، ثم اصبح القى كل ما على رأسها وحشا شعرها بذلك الكافور ورد على رأسها ما كان عليه من الدثار وهب تستغيث من البرد، فنامت لحظة وانتبهت تشكو الحر والكرب في رأسها حتى بقي على رأسها قناع واحد، ثم نفض شعرها من ذلك الكافور وذهب عنها البرد وصارت تتقنع بقناع واحد. حقها برد في رأسها فكانت تعمل عليه القطن العتيق والقلنسوة والمخملة والمناديل

стр. 183

حتى تصير على رأسها عمامة كبيرة وهي تستغيث من البرد، فأحضرت ابن بطلان وشكت إليه مرضها فقالحصلي في غد خمسين مثقالاً من كافور رياحي عارية أو مكرى من بعض الطيبين، فهو يعود إليه بأسره. فحصلت له الكافور، ثم اصبح القى كل ما على رأسها وحشا شعرها بذلك الكافور ورد على رأسها ما كان عليه من الدثار وهب تستغيث من البرد، فنامت لحظة وانتبهت تشكو الحر والكرب في رأسها حتى بقي على رأسها قناع واحد، ثم نفض شعرها من ذلك الكافور وذهب عنها البرد وصارت تتقنع بقناع واحد. وقد جرى لي بشيزر ما يقارب ذلك، لحقني برد شديد وقشعريرة من غير حمى وعلي الثياب الكثيرة والفرو، ومتى تحركت في جلوسي ارتعدت وقام شعر بدني وتجمعت. فأحضر الشيخ ابي الوفاء تميماً الطبيب فشكوت إليه ما أجد. فقالأحضر لي بطيخة هندي. فأحضرت فكسرها فقاليكل منها استطعت. قلت يا حكيم أنا في الموت من البرد والرمان بارد، كيف آكل هذه مع بردها؟ قالكل كما أقول لك. فأكلت، فما انتهى أكلي منها حتى عرقت وزال ما كنت أجده من البرد. فقال ليالذي كان بك من غلبة الصفراء ما كان من برد حقيقي. وقد تقدم ذكر شيء من غريب الأحلام، وقد أردت في كتاب المترجم

стр. 184

بكتاب النوم والأحلام من ذكر النوم والأحلام وما قيل فيها وفي أوقات الرؤيا وفي أقوال العلماء فيها، واستشهدت على أقوالهم بما ورد فيها من أشعار العرب ووسعت الشرح واشبعت فيه المعنى، فما حاجة إلى ذكر شيء منه ها هنا لكنني ذكرت هذا الخبر واستظرفته فأوردته، كان لجدي سديد الملك ابي الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ ﵀ جارية يقال لها لؤلؤة ربت والدي مجد الدين أبا سلامة مرشد بن علي ﵀. فلما كبر وانتقل عن الدار والده انتقلت معه فرزقني، فربتني تلك العجوز إلى ان كبرت وتزوجت وانتقلت من دار والدي ﵀ فانتقلت معي، ورزقت الأولاد فربتهم وكانت رحمها الله من النساء الصالحات صوامة قوامة، وكان يلحقها القولنج وقتاً بعد وقت، فلحقها يوماً من الأيام واشتد بها حتى غاب ذهنها وآيسوها، فبقيت ذلك يومين وليلتين، ثم أفاقت وقالتلاإله إلا الله! ما أعجب ما كنت فيه! لقيت أمواتنا جميعهم وحدثوني بالعجب وقالوا لي في جملة ما قالواإن إن هذا القولنج ما يعود يلحقك. فعاشت بعد ذلك بمدة الطويلة ولم يلحقها قولنج. وعاشت حتى قاربت المائة سنة، وكانت محافظة لصلواتها رحمها الله فدخلت إليها في بيت أفردته لها من داري وبين يديها طست وهي تغسل منديلاً لصلوات. فقلتما هذا يا أمي؟ قالتيا بني قد مسكوا هذا المنديل وأيديهم زفرة من الجبن وكلما غسلته فاحت مته رائحة الجبن. قلتأريني الصابون التي تغسلين بها. فأخرجتها من المنديل فإذا هي قطعة جبن، وهي تظن أنها صابون، وكلما عركت ذلك المنديل بالجبن فاحت روائحه. قلتيا أمي هذه جبنة! ما هي صابونة. فنظرتها وقالت صدقت يا بني ما

стр. 185

ظننتها إلا صابوناً، فتبارك الله أصدق القائلين " ومن نعمره ننكسه في الخلق. " الإطالة تجلب الملالة والحوادث والطوارئ اكثر من ان تحصر والرغبة إلى الله في الستر والعافية فيما بقي من الحياة، والرحمة والرضوان عند موافاة الوفاة، فانه سبحانه اكرم مسؤول واقرب مأمول. الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وعلى آله وسلامه.

стр. 186

الباب الثالث أخبار الصيد

стр. 187

توكلت على الله تعالى والله مني جانب لا أضيعه ... واللهو مني والبطالة جانب قد ذكرت من أحوال الحرب وما شاهدته من الوقعات والمصافات والأخطار حضرني ذكره ولم ينسنيه الزمان ومره، فإن العمر طال ولزمت الانفراد والاعتزال، والنسيان من ارث ما تقدم من أبينا آدم ﷺ . وأنا ذاكر فصلاً فيما حضرته وشاهدته من الصيد والقنص والجوارح. فمن ذلك ما حضرته مع ملك الأمراء أتابك زنكي بن آق سنقر ﵀، ومن ذلك ما حضرته بدمشق مع شهاب الدين محمود بن تاج الملوك ﵀، ومن ذلك ما حضرته بمصر، ومن ذلك ما حضرته مع الملك العادل نور الدين ابي المظفر محمود بن أتابك زنكي ﵀، ومن ذلك ما حضرته بديار بكر مع الأمير فخر الدين قرا ارسلان بن داود بن ارتق ﵀.

стр. 188

الصيد بسورية والجزيرة ومصر الصيد في سورية فأما ما كان في شيزر فكان مع الوالد ﵀، وكان مشغوفاً بالصيد لهجاً به ويجمع الجوارح، وما يستكثر ما يغرمه عليه لفرجته، فإنه كان نزهته فليس له شغل سوى الحرب وجهاد الأفرنج ونسخ كتاب الله عند فراغه من أشغال أصحابه، وهو ﵀ صائم الدهر مواظب على تلاوة القرآن. فكان الصيد كما جاء في الخبرروح القلوب تعي الذكر. فما رأيت قط مثل صيده وتربيته. وقد شاهدت صيد ملك الأمراء أتابك زنكي ﵀، وكان له جوارح كثيرة، فرأيته ونحن نسير على الأنهار فيتقدم البازدارية بالبزاة ترميها على الطيور الماء وتدق الطبول كجاري العادة فتتصيد منها ما تصيد وتخطئ ما تخطئ وورائهم الشواهين الكوهية على أيدي البازدارية. فإذا اصطادت البزاة وأخطأت أرسلوا الشواهين الكوهية على الطيور وقد أبعدت دشب خبز فتلحق وتصيد، وترسل على الحجل في طلوعها في سفح الجبل فتصيد، فإنها من سرعة الطيران على صفة عجيبة. وشاهدت يوماً ونحن في المغرقة بظاهر الموصل نسير في باذنجان وبين يدي أتابك بازيار على يد باشق، فطار ذكر دراج فارسله عليه

стр. 189

فأخذه ونزل. فلما صار في الأرض فرط الدراج من كفه وطار. فلما ارتفع انتقل الباز من الأرض أخذه ونزل وقد ثبته. ورأيته وهو في صيد الوحش دفعات، إذا اجتمعت الحلقة واجتمع فيها الوحش شيء رموه، وكان من أيرمى الناس، فكان إذا دنا منه الغزال رماه، فنزاه كأنه قد عثر فيقع ويذبح، وكان أول غزال يضربه في كل صيد أحضره ينفذه لي مع غلام من غلمانه وأنا معه. وشاهدته وقد اجتمعت الحلقة ونحن في أرض نصيبين على الهرماس وقد ضربوا الخيام، فوصل الوحش إلى الخيام، فخرج الغلمان بالعصي والعمد، فضربوا منها شيئاً كثيراً، واجتمعوا في حلقة ذيب فوثب في وسطها على غزال أخذه وبرك عليه فقتل وهو عليه. وشاهدته يوماً ونحن بسنجار وقد جاءه فارس من أصحابه فقالها هنا ضبعة نائمة! فسار ونحن معه إلى واد هناك، والضبعة نائمة على صخرة في سفح الوادي، فترجل أتابك ومشى حتى وقف مقابلها وضربها بنشابة رماها إلى أسفل الوادي، ونزلوا جاءوا بها إلى بين يديه وهي ميتة. ورأيته أيضاً بظاهر سنجار وقد جلوا أرنباً. فأمر فاستدارت الخيل حولها وأمر غلاماً خلفه يحمل الوشق كما يحمل الفهد، فتقدم أرسله على الأرنب فدخلت بين قوائم الخيل وما تمكن منها. وما كنت رأيت الوشق قبل ذلك يصيد. ورأيت الصيد بدمشق أيام شهاب الدين محمود بن تاج الملوك للطير والغزلان وحمر الوحش واليحامير، فرأيته يوماً وقد دخلنا إلى شعراء بانياس وفي الأرض عشب عظيم، فتصدينا كثير من اليحامير، وضربت الخيام حلقة ونزلنا، فقام من وسط الحلقة يحمور كان نائماً في العشب فأخذ في وسط الخيام. ورأيت ونحن عائدون رجلاً قد رأى سنجاباً في شجرة فأعلم به شهاب الدين فجاء وقف تحته ورماه مرتين او ثلاثاً فما أصابه، فتركه وسار شبه المغتاظ الذي لم يصبه. فرأيت رجلاً من الأتراك جاء رماه فوسط النشابة فيه، فاستخرت يداه وبقي متعلقاً برجليه والنشابة فيه حتى هزوا الشجرة فوقع، ولو كانت تلك النشابة في ابن آدم كان مات لوقته، فسبحان خالق الخلق. الصيد في مصر ورأيت الصيد في مصر، كان للحافظ لدين الله عبد المجيد ابي ميمون ﵀ جوارح كثيرة من البزاة والصقور والشواهين البحرية، فكان لهم زمام يخرج بهم في الجمعة يومين وأكثرهم رجالة على أيديهم الجوارح، فكنت أركب يوم خروجهم إلى الصيد لأتفرج بنظر صيدهم، فمضى الزمام إلى الحافظ وقال لهان الضيف فلاناً يخرج معنا - كأنه يستطلع أمره في ذلك. فقالاخرج معه يتفرج على الجوارح.

стр. 190

فخرجنا يوماً ومع بعض البازيارية باز مقرنص بيت احمر العينين فرأينا كراكي. فقال له الزمامتقدم ارمي عليها الباز الأحمر العينين. فتقدم رماه وطارت الكراكي فلحق منها واحداً على بعد منا فحطه. فقلت لغلام لي على حصان جيدأدفع الحصان إليه وانزل أغرز منقار الكراكي في الأرض وأكتفه واترك رجليه تحت رجليك إلى ان نصلك. فمضى وعمل ما قلت له، ووصل البازيار ذبح الكركي واشبع الباز. فلما دخل الزما حدث الحافظ بما جرى وما قلته للغلام وقاليا مولانا حديثه حديث صياد. قالوأي شيء شغل هذا إلى القتال والصيد؟ وكان معهم صقور يرسلونها على البلاشيب وهي طائرة، فإذا رأى البلشوب الصقر دار وارتفع، والصقر يدور في جانب آخر حتى يرتفع على البلشوب، ثم ينقلب عليه يأخذه. وفي تلك البلاد طيور يسمونها البج مثل النحام يصيدونها أيضاً، وطيور الماء في مقطعات النيل سهلة الصيد، والغزال عندهم قليل. بل في تلك البلاد بقرب بني إسرائيل وهي بقر صفر قرونها مثل قرون البقر وهي أصغر من البقر تعدو عدواً عظيماً، وتخرج لهم من النيل دابة يسمونها فرس البحر مثل البقرة الصغيرة عيناها صغيرتان

стр. 191

وهي جرداء مثل الجاموس ولها أنياب طوال في فكها الأسفل وفي فكها الأعلى خروق لأنيابها تخرج رؤوسها من تحت عينيها وصياحها مثل صياح الخنزير، ولا تبرح في بركة لها ماء وتأكل الخبز والحشيش والشعير. الصيد في عكا وكنت قد مضيت مع الأمير معين الدين ﵀ إلى عكا إلى عند ملك الإفرنج فلك بن فلك فرأينا رجل من الجنوية وقد وصل من بلاد الإفرنج ومعه باز كبير مقرنص يصيد الكركي ومعه كلبة صغيرة إذا أرسل الباز على الكركي عدت تحته، فإذا أخذ الكركي وحطه عضته فلا يقدر على الخلاص منها. وقال لنا ذلك الجنويإن الباز عندنا إذا كان ذنبه ثلاث عشر ريشة اصطاد الكركي. فعددنا ذنب ذلك الباز فكان كذلك. فطلب الأمير معين الدين ﵀ فأخذه من ذلك الجنوي هو والكلبة وأعطاه للأمير معين الدين فجاء معنا، فرأيته في الطريق يثب على الغزلان كما يثب إلى اللحم، ووصلنا به إلى دمشق، فما طال عمره بها ولا صاد شيئاً ومات. في حصن كيفا وشاهدت الصيد في حصن كيفا مع الأمير فخر الدين قرا أرسلان

стр. 192

بن داود ﵀. وهناك الحجل والزرخ كثير والدراج، فأما طير الماء فهو في الشط وهو واسع ما يتمكن الباز منها، وأكثر صيدهم الاراوي ومعزى الجبل يعملونا لها شباكاً ويمدونها في الأودية ويطردون الأراوي فتقع في تلك الشباك وهي كثيرة عندهم وقريبة المتصيد وكذلك الأرانب. مع نور الدين وشهدت الصيد مع الملك العادل نور الدين ﵀ فحضرته ونحن بأرض حماة وقد جلوا له أرانباً فضربها بنشابة كشماء، وقامت وسبقت إلى محجر دخلته فركضنا خلفها، ووقف عليها نور الدين وناولني الشريف السيد بهاء الدين ﵀ رجلها قد قطعته النشابة من فوق العرقوب وشقت جوفها قرنة النصلة فوقع منها بيت الولد وسبقت بعد هذا وانجحرت، فأمر نور الدين بعض الوشاقية. نزل وقلع خفافه ودخل خلفها وما وصل إليها، وقلت للذي معه بيت الأولاد وفيه خرنقانشقه واطمرهم بالتراب ففعل، فتحركوا وعاشوا. وحضرته يوماًوقد أرسل كلبة على ثعلب ونحن على قرى حصار بأرض حلب فركض خلفه وأنا معه، فلحقت الكلبة وأخذت ذنب الثعلب فرجع إليه برأسه فعض خيشومها، فصارت الكلبة تعوي ونور الدين يضحك، ثم خلاها وانجحر، فما قدرنا عليه.

стр. 193

وجاءه يوماُ ونحن ركاب تحت قلعة حلب من شمالي البلد باز فقال لنجم الدين أبي طالب بن علي كرد رحمه اللهقل لفلان يعنيني يأخذ هذا الباز يلعب به. فقال ليفقلت ما أحسن له. فقال نور الدينانتم بالصيد ما كنتم تزالون، ما تحسن تصلح للباز؟ قلتما كنا نصلحها نحن كان لنا بازيارية وغلمان يصلحونها ويتصيدون بها قدامنا، وما أخذت الباز.

стр. 194

والد أسامة صياداً شاهدت من الصيد مع هؤلاء الأكبر شيئاً كثيراً ما اتسع لي الوقت لذكره مفصلاً وكانوا قادرين على ما يحاولونه من صيد وآلته وغيره، وما رأيت مثل صيد والدي ﵀، فما أدري كنت أراه بعين المحبة كما قال القائلوكل ما يفعل المحبوب محبوب. ما أدري أكان نظري فيه على تحقيق، وأنا أذكر من شيئاً من ذلك ليحكم فيه من يقف عليه. وذلك ان والدي ﵀ كان قد فرغ زمانه لتلاوة القرآن والصيام والصيد في نهاره، وفي الليل ينسخ كتاب الله تعالى، كان قد نسخ ستاً وأربعين ختمة بخطة ﵀ منها ختمتان بالذهب جميع القرآن، ويركب إلى الصيد يوماً ويستريح دوماً وهو صائم الدهر. ولنا بشيزر متصيدانمتصيد للحجل والأرانب في الجبل قبلي البلد ومتصيد لطير الماء والدراج والأرانب والغزلان على النهر في الأزوار من غربي البلد. وكان يتكلف في تسير قوم من أصحابه إلى البلاد لشرى البازة، حتى أنه انفذ إلى القسطنطينية احضر له منها بازة، وحملوا الغلمان معهم من الحمام ما ظنوا انه يكفي البزاة التي معهم فتغير عليهم البحر وتعوقوا حتى فرغ ما معهم من طعم البزاة، فاضطروا إلى أن صاروا يطعموا البزاة لحم السمك، فأثر ذلك في أجنحتها صار ريشها ينكسر ويتقصف. فلما وصلوا بها إلى شيزر كان فيها بزاة نادرة. وفي

стр. 195

خدمت الوالد بازيار طويل اليد في إصلاح البزاة وعلاجها يقال له غنائم، فوصل أجنحتها واصطاد بها وقرنص بعضها عنده. مصايد البزاة وكان أكثر ما يستدعي البزاة ويشتريها من وادي ابن الأحمر بالغلاء فأحضر قوماً من أهل الجبل القريب من شيزر من أهل بشيلا ويسمالخ وحلة عار وتحدث معهم في أن يعملوا في مواضعهم مصايد للبازة ووهبهم وكساهم، فمضوا وعملوا بيوت الصيد، فاصطادوا بزاة كثيرة فراخاً ومقرنصة وزرارق، فحملوها إلى الوالد وقالوايا مولانا نحن قد بطلنا معايشنا وزراعتنا في خدمتك، ونشتهي أن تأخذ منا كل ما نصيده وتقرر لنا ثمناً نعرفه لاتجاذب فيه. فقرر ثمن الباز الفرخ خمسة عشر ديناراً، وثمن زرق الفرخ نصفها وثمن الباز المقرنص عشرة دناني وثمن الزرق المقرنص نصفها، وانفتح للجبليين أخذ الدنانير بغير كلفة ولا تعب. وإنما يعمل له بيتاً بحجارة وعلى قدر خلقته، ويغطيه بعيدان ويسترها بقش وحشيش ويجعل نافذة، ويأخذ طير حمام يجمع رجليه على قضيب ويشدها إليه ويخرجه من تلك النافذة، يحرك العود فيتحرك الطير ويفتح اجنحته، فيراه الباز ينقلب عليه يأخذه، فإذا أحس به الصياد جذب القضيب إلى النافذة ومد يده قبض ورجلي الباز وهو قابض لطير الحمام، وأنزله إليه وخيط عينيه. ويصبح من الغد يصلنا به، يأخذ ثمنه ويعود إلى بيته بعد يومين.

стр. 196

فكثر الصيادون وكثرت البزاة حتى صارت عندنا مثل الدجاج. فيها ما يتصيد به وفيها ما يموت على الكنادر من كثرتها. وكان في خدمة الوالد بازيار وصقارون وكلابزية، وعلم قوماً من مماليكه إصلاح البزاة فمهروا فيها. وكان يخرج إلى الصيد ونحن أولاده معه في أربعة رجال ومعنا غلماننا وجنائبنا وسلاحنا. فأنا ما كنا نأمن من الفرنج لقربهم منا، ويخرج معنا بزاة كثيرة وما حولها ومعه صقاران وفهدان وكلابزيان، مع أحدهما كلاب سلوقية ومع الأخر كلاب زغارية، فيوم خروجه إلى الجبل لصيد الحجل وهو بعيد من الجبل يقول لنا إذا خرج إلى طريق الجبلتفرقوا، كل من عليه قراءة يقرأها. ونحن أولاده حفاظ القرآن. فنفترق نقرأ حتى يصير إلى مكان الصيد يأمر من يستدعينا فبسألنا كم قرأ كل واحد منا فإذا أخبرناه يقولأنا قرأت مائة آية أو نحوها، وكان ﵀ يقرأ القرآن كما أنزل. فإذا صرنا في المتصيد أمر الغلمان فيفرق بعضهم مع البازيارية، فكيف طارت الحجل كان في ذلك الجانب باز يرسل عليه ومعه من مماليكه وأصحابه أربعون فارساً أخبر الناس بالصيد، فلا يكاد يطير طير أو يثور أرنب ولا غزال لإ صدناه، وننتهي في الجبل نصيد إلى العصر ثم نعود إلى البلد بعد عتمة. فإذا ركبنا إلى طير الماء والدراج كان ذلك يوم فرجتنا نقع في

стр. 197

الصيد من باب المدينة ثم نصل إلى الأزوار فيقف الفهود والصقور براً من الزور وندخل إليه بالبزاة، فإن طارت دراجة أخذها الباز، ولإن قفزت أرنب أرسلنا عليها بعض البزاة، فإن أخذها وإلا خرجت عند الفهود أرسلوا عليها، وإن قفز غزال خرج إلى الفهود أرسلوا عليه، فإن أخذ وإلا أرسلوا عليه الصقور فما يكاد يفلت منا صيد إلا بفسحة الأجل. وفي الأزوار خنازير كثيرة تخرج فنركض عليها ونقتلها فيكون فرحنا بقتلها أكثر من فرحة الصيد. وكن له ترتيب في الصيد كأنه ترتيب الحرب والأمر المهم لا يشتغل أحد بحديث مع صاحبه ولا لهم إلا التبختر في الأرض لنظر الأرنب أو الطير في أوكارها. الأرمن يرسلون بزاة وكان قد صار بيننا وبين بني روبال - تروس ولاون لأرمن من أصحاب المصيصة وانطرطوس واذنة والدروب - مصادقة ومكاتبة أكبر أسبابها رغبته في البزاة او ما حولها على أيدي رجالة أرمن بازيارية وينفذون الكلاب الزغارية، وينفذ لهم هو الحصن والطيب ومن كسوة مصر، فكان يجيئنا من عندهم بزاة ملاح نادرة فأجتمع عندنا بعض السنين بزاة قد جاءت من الدروب فيها باز فرخ مثل العقاب وبزاة دونه.

стр. 198

وجاءنا من الخيل عدة بزاة فيها باز كأنه صقر عريض فرخ ما يلحق بتلك البزاة، والبازيار غنائم يقولما في هذه البزاة كلها مثل هذا الباز اليحشور ما يترك شيئاً إلى يصيده ونحن لا نصدقه. ثم أصلح ذلك الباز فكان كما ظن فيه من أفره البزاة واطيرها واشطرها، وقرنص عندنا وخرج من القرناص أجود مما كان. وعمر ذلك الباز وفرض عندنا ثلاثة عشر سنة. فكان قد صار كأنه من أهل البيت يصطاد للخدمة لا لما جرت به عادة الجوارح أن يصيدوا لنفوسهم. وكان مقامه عند الوالد ﵀ لا يتركه عندا البازيار إنما يحمل الباز في الليل ويجوعه حتى يصطاد به، وذلك الباز كان يكفي من نفسه ويعمل ما يراد منه. فكنا نخرج إلى صيد الحجل ومعنا عدة بزاة فيدفعه الوالد إلى بعض البازيارية ويقولاعتزل به ولا ترسله بالحملة وتسير في الجبل فكلما خلوا أبصروا حجلة لابدة من شجرة قد أعلموه بها يقول هاتوا اليحشور. ساعة يقيم يده له قد طار من على يد البازيار وقع على يده بغير دعو، ثم يستشرف برأسه ورقبته فيقف على الحجلة النائمة ويرميها بقضيب في يده فتطير ويرسل عليها اليحشور فيأخذها في عشرة أذرع، ثم يقول للبازيارأشبعه فيقول لهاعتزل به. فإذا رأوا حجلة أخرى لابدة عمل بها ذلك، حتى يصيد خمس أو ست حجلات - كذا يأخذها في عشرة أذرع، ثم يقول للبازيارأشبعه فيقول لهيا مولاي ما تدعه نتصيد به؟ يا بني معنا عشرة بزاة نتصيد بها وهذا قد أصاد، هذه الاطلاق تقطع عمره. فيشبعه ويعتزل به البازيار

стр. 199

فإذا أنهينا في الصيد وأشبعنا الزاة وحططناها على الماء شربت واستحمت، واليحشور على يد البازيار، فإذا استقبلنا البلد راجعين ونحن في الجبل قالهات اليحشور حمله على يده وسار، إن طارة حجلة من بين يديه أرسله عليها صادها حتى يصيد عشرة اطلاق أو أكثر قدر ما يطير له من الحجل، وهو شبعان لا يحيط منسرة في مذبح حجلة ولا يذق دمها. فإذا دخلنا الدار قالهاتوا طاسة ماء، فجاءوا بطاسة فيها ماء فقدمها إليه وهو على يده ﵀ فيشرب منها، وإن كان يريد يستحم خضخض منسره في الماء فيدري انه يريد يستحم، فيأمر بإحضار جفنه كبيرة فيها ماء ويقدمها ليها، فيطير ينزل في وسطها ويدف في الماء حتى يكتفي من السباحة ثم يطلع فيحطه على قفاز خشب قد عمل له كبير، ويقرب منه منقل النار، فيتمشق ويتدهن حتى ينشف من الماء، ثم يضع له فرواً مطوياً فينزل إليه ينام عليه، فلا يزال بيننا على ذلك الفرو نائماً حتى يتهرول الليل ويريد الوالد يدخل إلى دار الحرم فيقول لأحدناأحمله فيحمل كما هو نائم على الفرو حتى يحط إلى جانب فراش الوالد ﵀. وكان من عجائب هذا الباز وعجائبه كثيرة وأنا أذكر منها ما يحضرني ذكره فإن الأمد قد طال وأنستني السنون كثيراً من أحواله، إن كان في دار الوالد حمام وطيور ماء خضر وأناثها وبيضانيات من التي تكون بين البقر تلقط الذبان في الدار، وكان يدخل الوالد وهذا الباز على يده يجلس على دكة في الدار والباز على قفاز إلى جانبه فلا يطلب شيئاً من تلك الطيور ولا يثب إليها، ولا كأنه مما جرت عادته بصيدها. وكانت المياه تكثر في ظاهر شيزر في الشتاء فيصير براً من سورها نقاع

стр. 200

كبئار ماء وفيها الطيور، فيأمر الوالد البازيار وغلاماً معه يخرجا إلى قريب من تلك الطيور، ويأخذ اليحشور على يده ويقف به على الحصن يريه الطيور وهو شرقي البلد والطيور غربيها، فإذا أبصرها أرسله فينزل يشف على البلد حتى يخرج منه إلى الطيور، فيدق له البزيار الطبل فتطير الطيور فيصيد منها وبينها وبين موضع أرسل منه مسافة بعيدة. وكنا نخرج إلى صيد طير الماء والدراج ونرجع بعد عتمة نسمع صوت الطيور في خلجانكبار بالقرب من البلد. فيقول الوالدهات اليحشور، فيأخذه وهو شبعان ويتقدم إلى الطيور يدق الطبل حتى تطير الطيور ثم يرميها عليها. فإن أصاد وقع بيننا نزل إليه البازيار ذبح في رجله ورفعه، وإن لم يصد وقع على أكناف النهر فما نراه وما ندري أين وقع، فنخليه وندخل إلى البلد. ويصبح البازيار من سحر يخرج إليه يأخذه ويطلعبه إلى الحصن إلى عند الوالد ﵀. ويقول له يا مولاي قد صقل هذا الصقيع قفاه طوال الليل، وقد أصبح يقط البلاذ فاركب ابصر أيش يعمل اليوم! وما كان يفوت هذا الباز شيء من الصيد من السمانة إلى الوز السمند والأرنب، وكان البازيار يشتهي أن يصيد به الكراكي والحرجل ما يتركه الوالد ويقولالحرجل والكراكي تصيدها بالصقور. وكان هذا الباز قد قصر عما نعهده من صيد سنة من السنين حتى أنه كان إذا أرسل وأخطأ لا يجيء إلى الدعو وهو عاجز ولا يستحم ولا ندري ما به، ثم صلح عما كان من تقصيره وصاد. كناف النهر فما نراه وما ندري أين وقع، فنخليه وندخل إلى البلد. ويصبح البازيار من سحر يخرج إليه يأخذه ويطلعبه إلى الحصن إلى عند الوالد ﵀. ويقول له يا مولاي قد صقل هذا الصقيع قفاه طوال الليل، وقد أصبح يقط البلاذ فاركب ابصر أيش يعمل اليوم! وما كان يفوت هذا الباز شيء من الصيد من السمانة إلى الوز السمند والأرنب، وكان البازيار يشتهي أن يصيد به الكراكي والحرجل ما يتركه الوالد ويقولالحرجل والكراكي

стр. 201

تصيدها بالصقور. وكان هذا الباز قد قصر عما نعهده من صيد سنة من السنين حتى أنه كان إذا أرسل وأخطأ لا يجيء إلى الدعو وهو عاجز ولا يستحم ولا ندري ما به، ثم صلح عما كان من تقصيره وصاد. وأستحم يوماًفرفعه البازيار من الماء وقد تفرق ريشه بالبب عن جانبه، وإذا في جانبه سلعة قد اللوزة، فأحضره البازيار بين يدي الوالد وقاليا مولاي هذه التي قصرت بالباز وكادت تهلكه ثم مسك الباز وعصرها خرجت مثل اللوزة يابسة وختم موضعها، وعاد الباز إلى الطيور بالسيف والنطعوكان شهاب الدين محمود بن قراجا صاحب حماة ينفذ كل سنة يطلب الباز اليحشور يمضي إليه مع البازيار يقيم عنده عشرين يوماً يتصيد به وبأخذه البازيار ويعود، فمات الباز بشيزر. واتفق أنني كنت قد زرت شهاب الدين إلى حماة، وأصبحت يوماً وأنا بحماة وقد حضر القراء والمكبرون وخلق عظيم من أهل البلد. فسألت من قد مات؟ قالوابنت لشهاب الدين. فأردت الخروج خلف الجنازة فما حكني شهاب الدين ومنعني، وخرجوا في قبروا الميت في تل صقرون، فلما عادوا قال لي شهاب الدينتدري من هو الميت؟ قلتقالواقالوا ولد لك. قال لا والله بل هو الباز اليحشور، سمعت انه قد مات، انفذت اخذته وعملت له تابوتاًوجنازة وقبرته، فإنه كان يستحق ذلك. وكان للوالد ﵀ فهدة في الفهود مثل اليحشور في البزاة

стр. 202

اصطادها وهي وحشية من أكبر ما يكون من الفهود، فأخذها الفهاد وقرمها واستجابها. وكانت تركب ولا تريد الصيد، وكانت تصرع كما يصرع المصاب بعقله وتزبد، ويقدم لها الخشف فلا تطلبه ولا تريده حتى إذا شمته وعضته. وبقيت كذلك مدة طويلة نحواً منسنة، فخرجنا يوماً إلى الأزوار، فدخلت الخيل إلى الزور وأنا واقف في فم الزور، والفهاد في هذه الفهدة يقرب مني، فقام من الزور غزال وخرج إلي، فدفعت حصاناً كان تحتي من اجود الخيل اريد ارده إلى الفهدة، وعاجله الحصان، ندسه بصدره رماه، فوثبت الفهدة صادته فكأنها كانت نائمة وانتبهت وقالتخذوا الصيد ما اردتم! فكانت مهما قام لها من الغزلاناخذته، ولا يستطيع الفهاد ضبطها فتجذبه ترميه، ولا تقف كما تقف الفهود في طردها بل وقت أن يقول قد وقفت تجدد عدواً أو تأخذ الغزال. وصيدنا بشيزر الغزال الادمي وهو غزال كبير، فكنا إذا خرجنا بها إلى العلاة والأرض الشرقية وفيها الغزال الأبيض، لاتترك الفهاد يركض بها حتى يمكننها ألا تجذبه ترميه، وتغير على الغزلان كأنها كانت ترى أنهم خشوف لصغر الغزال الأبيض. وكانت هذه الفهد دون باقي الفهود في دار الوالد ﵀ وله جارية تخدمها ولها في جانب الدار قطيفة مطوية تحتها حشيش يابس، وفي الحائط سكة مضروبة يجيء الفهاد بها من الصيد إلى الباب الدار يحطها وفيها المرتفه وتدخل إلى الدار إلى ذلك المكان المفروش لها فتنام فيه، وتجيء الجارية تربطها إلى السكة المضروبة بالحائط وفي الدار والله، نحوى من عشرين غزال ادمي وأبيض وفحول ومعزي وخشوف

стр. 203

قد توالدت في الدار فلا تطلبهم ولا تروعهم، ولاتزول عن موضعها وتدخل إلى الدار وهي مسيبة فلا تلفت إلى الغزلان. وشاهدت الجارية التي كانت تدور بها وهي تسرح جسمها بالمشط فلا تمنع ولاتنفر، ورأيتها يوماًوقد بالت على تلك القطيفة المفروشة لها وهي تتلتلها وتضربها حيث بالت على القطيفة ولا تهر عليها ولا تضربها. ورأيتها يوماً وقد أثارت من بين يدي الفهاد ارنبين، وقد لحقت الواحدة وأخذتها عضتها بفمها وتبعت الأخرى فلحقتها وجعلت تضربها بيدها وفمها مشغول في الأرنب الأولة، فوقفت عنها بعد ان ضربتها بيديها عدة ضربات ومضت الأرنب. وحضر معنا في الصيد الشيخ العلم ابو عبيد الله الطليطلي النحوي ﵀، وكان في النحو سيبويه زمانه، قرأت عليه النحو نحواً من عشر سنين وكان متولي دار العلم بطرابلس. فلما أخذ الإفرنج طرابلس نفذ الوالد والعم رحمهما الله استخلصا الشيخ ابو عبد الله هذا ويانس الناسخ، وكان قريب الطبقة في الخط من طريقة ابو البواب، اقام عندنا بشيزر مدة ونسخ للوالد ﵀ ختمتين. ثم انتقل إلى مصر ومات بها. وشاهدت من الشيخ عبد الله عجباً. دخلت عليه يوماً لأقراء له

стр. 204

فوجدته بين يديه كتب النحوكتاب سيبويه وكتاب الخصائص لإبن جني وكتاب الأيضاح لأبي علي الفارسي وكتاب اللمع وكتاب الجمل فقلتيا شيخ أبو عبد الله قرأت هذه الكتب كلها؟ قرأتها؟ لا والله إلا كتبتها في اللوح وحفظتها، تريد تدريخذ جزءاً وافتحه وأقرأ من أول الصفحة سطراً واحداً. فأخذت جزءاًوفتحته وقرأت منه سطراً، فقرأ الصفحة بأجمعها حفظاًحتى أتى على تلك الأخزاء جميعها، فرأيت منه أمراً عظيماًما هو في طاقة البشر. هذه جملة إعتراضية لا موضع لها من سياقة الحديث. وقد حضر معنا صيد هذه الفهدة وهو راكب في رجليه افدام، وفي الأرض شوك كثير وقد ضرب رجليه أدماها، وهو مشغول ينظر صيد الفهدة ولا يحس بتألم رجليه - مشغول بما يراه من تسللها إلى الغزلان وعدوها وحسن صيدها. باز أحمر العينين وكان الوالد ﵀ محظوظاً من الجوارح النادرة الفارهة، وذلك انها كانت عنده كثيرة فيندر منها الجراح الفاره، وكان عنده في بعض السنين باز مقرنص بيت أحمر العينين، فكان من أفره البازة، فوصل كتاب عمي تاج الأمراء أبي المتولد مقلد ﵀ من مصر وكان مقامه بها في خدمة الآمر بأحكام الله يقولسمعت في مجلس الأفضل

стр. 205

ذكر الباز الأحمر العينين، والأفضل يستخبر المحدث عنه وعن صيده. فنفذه الوالد ﵀ مع بازياره إلى الأفضل. فلما حضر بين يديه قال لههذا هو الباز الأحمر العينين؟ قال نعم يامولاي قالأي شيء يصيد؟ قاليصيد السمانة والحرجلة وما بينهما من صيد فبقي هذا الباز بمصر مدة ثم أفلت وراح وبقي سنة في البرية في شجر الجميز وقرنص في البرية، ثم عاد اصطادوه وتصيدوا به. وقد أرسل على طير منه مصيبة عظيمة. باز إفرنجي وكان يوماً عند الوالد ﵀، وقد جاء إنسان من من فلاحي معرة النعمان معه باز مقرنص مكسر ريش الأجنحه والذنب في قدر العقاب الكبير، ما رأيت قط باز مثله وقاليا مولاي كنت اصلي للدلم بالنادوف فضرب هذا الباز على دلمة في النادوف فأخذته وحملته إليك. فأخذه واحسن إلى الذي اهداه. ووصل البازيار ريشه وحمله واستجابه، وإذا الباز صائد مطابق مقرنص بيت قد افلت من الإفرنج وقرنص في جبل المعرة، فكان من أفره الجوارح واشطرها. فرخ شاهين وشاهدته يوماًوقد خرجنا معه ﵀ إلى الصيد واستقبلنا على بعد رجل معه شيء ما نتحققه. فلما دنا منا وإذا معه شاهين فرخ من أكبر الشواهين واحسنها وقد خمش يده وهو حامله، فدلاه ومسك ساقيه ورجليه - والشاهين مدلي منشور الأجنحة. فلما وصلنا قاليا مولاي أصدت هذا الطير وقد جئت به إليك فسلمه الوالد إلى البازيار فأصلحه ما انكسر من ريشه. ولم يخرج مخبره مثل

стр. 206

منظره، كان قد اتلفه الصياد بما عمل به. والشاهين هو الميزان ادنى شيء يعيبه ويفسده. وكان هذا البازيار صانعاًمجوداً في إصلاح الشواهين. كنا نخرج من باب المدينة إلى الصيد ومعنا جميع آلة الصيد حتى الشباك والفؤوس والمجارف والكلاليب لما ينجحر من الصيد، ومعنا الجوارح والبزاة والصقور والشواهين والفهود والكلاب، فإذا خرج إحداهما عن القصد تنحنح البازيار وأشار بيديه إلى النحو الذي يريده فيرجع والله الشاهين من وقته إلى ذلك النحو ورأيته وقد أدار الشاهيناً على قطعة من الصلاصل نازلة لي مرج فلما أخذ الشاهين طبقته دق له الطبل فطارت وانقلب عليها الشاهين ضرب رأس صلصلة قطعه، وأخذها ونزل. فدرنا والله على ذلك الرأس ما وجدناه، وأثره قد وقع على بعد في الماء لأننا كنا بالقرب من النهر. وقال له غلام يقال له أحمد بن مجير لم يكن ممن يركب معهيا مولاي اشتهيت أبصر الصيد. قالقدموا لأحمد فرساًيركبه ويخرج معنا. فخرجنا إلى صيد الدراج، فطار ذكر وتنر كما جرت العادة، وعلى يد الوالد ﵀ اليحشور فأرسله عليه، فطار على الأرض والحشيش يضرب صدره والدراج قد ارتفع ارتفاعاً كبيرا. فقال له أحمديا مولاي وحياتك كان يتلاه به حتى أخذه.

стр. 207

كلاب صيد وكان يجيئه من بلاد الروم الزغارية كلاب جياد ذكور وأناث. فكانت تتوالد عندنا وصيدها الطير طبع فيها. شاهدت منها جروة صغيرة قد خرجت خلف الكلاب التي مع الكلابزي، فأرسل بازاً على دراجة فبنجت في غلفاء في جرف النهر فأرسلوا الكلاب على الغلفاء لتطير الدراجة، وتلك الجروة واقفة على الجرف. فلما طارت الدراجة وثبت الجروة خلفها من على ذلك الجرف. فوقعت في وسط النهر، وما تعرف الصيد وما صادت قط. ورأيت كلباً من هذه الزغارية وقد بنجت حجلة في الجبل في بمج صعب وقد إليه الكلب وأبطأ. ثم سمعنا حشكة في داخل البنج. فقال الوالد رحمه اللهفي البنج وحش وقد قتل الكلب. ثم بعد ساعة خرج الكلب يجر رجل ابن آوى، وكان في البنج قد قتله وجره أخرجه إلينا. وكان الوالد ﵀ قد خرج إلى اصبهان إلى دركات السلطان ملك شاه ﵀ فحكى لي قاللما قضيت أشغالي

стр. 208

من عند السلطان وأردت السفر أردت أن استطحب معي جارحاً اتفرج به في طريقي، فجاءوني ببزاة ومعها ابن عرس معلم يخرج الطيور من البنج، فأخذت صقوراًتصيد الأرانب والحبارى، واستصعبت مداراة البزاة في تللك الطريق البعيدة الشاقة. وكان عنده ﵀ من الكلاب السلوقية كلاب جياد، ارسل يوماً الصقور على الغزلان والأرض غب مطر ثقيلة بالوحل، وأنا معه صغير على برذون لي، وخيلهم قد وقفت من الركض في الطين وبرذوني لخفتي عليه مستظهر، وقد صرعت الصقور والكلاب والغزال. فقال لييا أسامة الحق الغزال ونزل أمسك من رجليه إلى أن نجيء ففعلت، ووصل هو يرحمه الله فذبح الغزال ومعه كلبة صفراء جواد يسمونها الحموية وخرج يهرول بها حتى رأت الغزلان، وأرسلها عليها اصطادت غزالاً آخر. وكان ﵀ مع ثقل جسمه وكبر سنه وأنه لا يزال صائماًيركض نهاره كله. وكان لا يتصيد إلى على الحصان أو اكديش جواد ونحن معه أربعة أولاده نتعب ونكل وهو يضعف لا يكل ولا يتعب ولا يقدر وشاقي ولا صاحب جنيب ولا حامل سلاح يقصر في الركض على الصيد. وكان لي غلام اسمه يوسف معه رمحي ودقتي ويجنب حصاني فلا يركض على الصيد ولا يتعبه، فيحرد الوالد عليه، فعل ذلك مرة بعد مرة. فقال له الغلاميا مولاي ما ينفعك احد من الحاضرين، والعياذ بالله مثل ابنك هذا، فدعني اكون خلفه بحصانه وسلاحه، ان احتجته وجدته، واحسب اني ما أنا معكم فما عاد يلومه ولا ينكر عليه كونه ما يركض على الصيد.

стр. 209

والد أسامة يتوقف عن الصيد ليراقب الإفرنج ونزل علينا صاحب انطاكية وقاتلنا ورحل عن غير صلح، فركب الوالد ﵀ إلى الصيد واخرهد ماابعد عن البلد فتبعتهم خيلنا، فعادوا عليهم والوالد قد ابعد عن البلد. ووصل الإفرنج إلى البلد والوالد قد طلع على تل سكين يراهم وهم بينه وبين البلد، وما زال واقفاً على التل إلى ان انصرفوا عن البلد وعاد إلى الصيد. الفرق بين الخيول العربية والبراذين وكان ﵀ يطرد اليحامير في ارض حصن الجسر فصرع منها يوماً خمسة او ستة على فرس له دهماء تسمى فرس خرجي باسم صاحبها الذي باعها كان اشتراه الوالد منه بثلاثمانة وعشرين ديناراً، فطرد آخر اليحامير فوقعت يدها في حفرة مما يحفر للخنازير فانقلبت عليه كسرت تروقته، ثم قامت ركضت قدر عشرين ذراعاً وهو مطروح، ثم عادت وقفة عند رأسه تنحب وتصهل حتى قام وجاءه الغلمان اركبوه، فهذا فعل الخيل العربية. وخرجت معه ﵀ الى نحو الجبل لصيد الحجل، فنزل غلام له اسمه لؤلؤ ﵀ لبعض شغله، ونخن قريب من البلد من بكره وتحته برذون، فراى ظل تركشه اجفل منه فرماه وانفلت، فركضت والله عليه انا وبعض الغلمان من بكره الى بعد العصر الى ان

стр. 210

ألجأناه الى جشار في بعض الازوار، وقام الجشاريه مدوا له الحبل وقبضوه كما يقبض الوحش، وأخذته وعدت والوالد ﵀ واقف في ظاهر البلد ينتظرني ما يصيد ولا ينزل في داره، فالبراذين بالوحش اشبه مما هي بالخيل. شيخ يعترض على صيد الطيور حكى لي ﵀ قال كنت اخرج الى الصيد ويخرج معي الرئيس ابو تراب حيدره بن قطر متر ﵀ وكان شيخ الذي حفظ عليه القرأن وقرأ عليه العربيه. فكنا اذا وصلنا موضع الصيد ينزل عن الفرس ويجلس على صخره يقرا القران ونحن نتصيد حوله، فاذا فرغنا من الصيد ركب وسار معنا فقال يوما يا سيدنا انا جالس على صخره واذا حجله قد جاءت وهي تتهنكف وهي معيية إلى تلك الصخرة التي أنا عليها، دخلت وإذا الباز قد أتى خلفها وهي بعيدة منها، فنزل مقابلي ولؤلؤ يصيحعينك عينك يا سيدنا، وجاء وهو يركض وأنا أقولاللهم استر عليها. فقاليا سيدنا أين الحجلة؟ قلت ما رئية شيئاً، ما جائت إلى ها هنا، وترجل عن فرسه ودار حول الصخرة وطلع تحتها فرأها. فقالأقول الحجلة ها هنا تقول لا! وأخذها يا سيدنا كسر رجليها ورماها إاى الباز، وقلبي ينقطع عليها. صيد الأرانب وكان هذا لؤلؤ ﵀ أخبر الناس بالصيد، شاهدته يوماً

стр. 211

وكانت جاءتنا من البرية أرانب جالية، فكنا نخرج نصطاد منها شيئاً كثيراً، وكانت أرانب صغار حمر! فشاهدته يوماً وقد جلى عشرة أرانب طعن التسعة بالبالة اخذها، ثم جلى أرنب عاشرة. فقال له الوالد رحمه اللهدعها، تقيمها الكلاب تنفرج عليها. فأقاموها وأرسلوا عليها الكلاب، فسبقت الأرنب وسلمت. فقال لؤلؤ يا مولاي لو كنت تركتني طعنتها وأخذتها. وشاهدت يوماً أرنباً تورناها وأرسلنا عليها الكلاب فانجرحت في الأرض الحبيبت، فدخلت كلبة سوداء خلفها بالمحجر، ثم خرجت في الحال وهي تتعوص، ثم وقعت فماتت. فما إنصرفنا عنها حتى تفسخت وماتت وتهرأت، وذالك أنها لسعتها حية في المحجر. باز يصطاد زرزوراً ومن عجيب ما رئيت من صيد البزاة انني خرجت مع والوالد ﵀ عقيب مطرقد تتابع ومنعنا من الركوب أياما. فأمسك المطر فخرجنا بالبزاة نريد طير الماء، فرأينا طيور ممرجة في المرج تحت شرف، فتقدم الوالد فأرسل عليها بازاً مقرنصاً بيت فطلع مع الطيور فصاد منه ونزل فما رأينا معه شيء من الصيد فنزلنا عنده فإذا هو اصطاد زرزوراً وطبق كفه عليه فما جرحه ولا أذاه فنزل البازيار خلصه وهو سال.

стр. 212

صيد الوز والحباري ورأيت من الوز السمند حمية وشجاعة كحمية الرجال وشجاعتهم، وذلك أننا أرسلنا الصقور على رف وز سمند ودققنا الطبول فطار، ولحقت الصقور وزة حطتها من بين الوز، ونحن بعيداً منها فصاحت، فترحل من الوز إليها خمسة ستة طيور يضربون الصقور بأجنحتها، فلولا نبادرهم كانوا خلصوا الوزة وقصوا أجنحة الصقور بمناقيرهم. وهذا ضد حمية البارى، فإنها إذا قرب منها الصقر نزلت إلى الأرض وكيف دار استقبلته بذنبها، فإذا دنا منها سلحت عليه، بلت ريشه وملأت عينيه وطارت، وإن أخطأته بما تفعله أخذها. صيد اليمة ومن أغرب ما صاده الباز مع الوالد ﵀ انه كان على يديه باز غطراففرخ وعلى خليج ماء عيمة وهي طير كبير مثل لون البلشون إلا أنها اكبر من الكركي - من طرف جناحها إلى الطرف الآخر اربعة عشر شبراً فجعل الباز يطلبه، فأرسله عليه ودق الطبل فطار ودخل فيه الباز، أخذه ووقع في الماء. فكان ذلك سبب سلامة الباز، وإلا كان قتله بمنقاره، فرمى غلام من الغلمان نفسه بالماء بثيابه وعدته مسك العيمة وأطلعها. فلما صارت على الأرض صار الباز يبصرها

стр. 213

ويصيح وطار عنها وما عاد يعرض لها، ولا رأيت باز سوى ذلك اصطادها، فإنها كما قال أبو العلاء بن سليمان في العنقاء " أرى العنقاء تكبر إن تصطاد ". سبع يخاف أجراس الباز وكان الوالد ﵀ يمضي إلى حصن الجسر وهو كثير الصيد فيقيم به أياماً ونحن معه نصيد الحجل والدراج وطير الماء واليحامير والغزلان والأرانب. فمضى يوماً إليه فركبنا إلى صيد الدراج فأرسل باز يحمله ويصلحه مملوك أسمه قولا على دراجة ومضى نقولا يركض وراءه وقد بنج الدرج في غلفاء، وإذا صياح نقولا قد ملأ الأسماع وعاد يركض. قلنا مالك؟ قالالسبع خرج من الغلفاء التي وقع فيها الدراج فخليت الباز وانهزمت. وإذا السبع أيضاً ذليل مثل نقولا لما سمع أجراس الباز خرج من الغلفاء منهزماً إلى الغاب. صيد السمك وكنا نصيد ونعود ننزل على بوشمير نهر صغير بالقرب من الحصن وننفذ نحضر صيادي السمك فنرى منهم العجب، فيهم من معه قصبة في رأسها حربة لها جبة مثل الخشوت، ولها في الجبت ثلاثة شعب حديد طول كل جعبة ذراع. وفي رأس القصبة خيط طويل مشدود إلى يده يقف على جرف النهر وهو ضيق المدى ويبصر السمكة فيزرقها في تلك التي فيها الحديد فما يخطئها، ثم يجذبها بذلك الخيط فتطلع والسمكة فيها، وآخر من الصيادين معه عود قدر قبضه فيه شوكة

стр. 214

وفي طرفه الأخر خيط مشدود إلى يده، ينزل يسبح في الماء يبصر السمكة يخطفها بتلك الشوكة ويخليها فيها ويطلع ويجذبه بذلك الخيط يطلع الشوكة والسمكة وآخر ينزل ويسبح ويمر يده تحت الشجر في الشطوط من الصفصاف على السمكة حتى يدخل أصابعه في خواشيم السمكة وهي لاتتحرك ولا تنفر ويأخذها ويطلع، فكانت تكون فرجتنا عليهم كفرجتنا على صيد البزاة. غنائم البازيار وتوالى المطر والهواء علينا أياماً ونحن في حصن الجسر، ثم أمسك المطر لحظة فجاءنا غنائم البازيلر وقال للوالدالبزاة جياع جيدة للصيد. وقد طابت وكف المطر، ما تركب؟ قالبلى فركبنا فما كان بأكثر من أن خرجنا إلى الصحراء وتفتحت أبواب السماء بالمطر. فقلنا للغنائمأنت زعمت إنها طابت وصحت حتى اخرجتنا في هذا المطر! قالما كان لكم عيون تبصر الغيم ودلائل المطر؟ كنتم قلتم لي تكذب في لحيتك ما هي طيبة ولا صاحية! وكان هذا غنائم صانعاً جيداًفي إصلاح الشواهين والبزاة خبير بالجوارح، ظريف الحديث طيب العشرة، قد رأى من الجوارح ما يعرف وما لا يعرف. خرجنا يوماً إلى الصيد من حصن شيزر فرأينا عند الرحا الجلالي شيئاً وإذا كركي مطروح على الأرض، فنزل غلام قلبه وإذا هو ميت وهو حار ما برد بعد فآه غنائم فقالهذا قد اصطاده اللزيق.

стр. 215

فتش تحت جناحه وإذا جانب الكركي مثقوب وقد أكل قلبه. فقالغنائمهذا جارح مثل العوسق يلحق الكركي يلصق تحت جناحه يثقب أضلاعه ويأكل قلبه. وقضى الله أنتقل إلى خدمت أتابك زنكي ﵀. فجاءه جارح مثل العوسق أحمر المنسر والرجلين جفونه عينيه حمر وهو من أحسن الجوارح فقالواهذا البزيق. مابقي عنده إلا أياماً قلائل وقرض السيور بمنسره وطار. صيد حمير الوحش وخرج الوالد ﵀ إلى صيد الغزلان وأنا معه صغير فوصل وادي القناطر وإذا فيه عبيد حرامية يقطعون الطريق فأخذهم وكتفهم وسلمهم إلى قوم من غلمانه يوصلوهم إلى حبس في شيزر. فأخذت أنا خشت من بعضهم وسرنا في الصيد، وإذا عانة حمير وحش. فقلت للوالديا مولاي ما أبصرت حمير الوحش قبل اليوم، عن أمرك أركض أبصرهم. فقالإفعل. وتحتي فرس شقراء من أجود الخيل، فركضت وفي يدي ذلك الخشت الذي أخذته من الحرامية، فصرت وسط العانة فأخذت منها حماراً وصرت أطعنه بذلك الخشت فلا يعمل فيه شيئاًلضعف يدي وقلة مضاء الحربة. فرددت الحمار حتى ردته إلى أصحابي فأخذوه. فعجب والدي ومن معه من عدوا تلك الفرس. فقضى الله سبحانه أنني خرجت يوماً أتفرج على نهر شيزر وهي تحتي ومعي مقرىء ينشد مرة ويقرأ مرة ويغني مرة، فنزلت تحت
следующие страницы →