Полный текст (221 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الله، فيها نفذ قوم في مركب صغير كسروا البطسه بالفؤوس واصحابي يرونهم، وركب ووقف على الساحل نهب كل ما فيه. فخرج إليه الغلام لي سابحاً والأمان معه وقال لهيا مولاي الملك، ما هذا أمانك؟ قال بلى، ولكن هذا رسم المسلمينإذا انكسر لهم مركب على بلد نهبه أهل ذلك البلد. قال فتسبينا؟ قاللا، وانزلهم لعنه الله في دار وفتش النساء حتى أخذ كل ما معهم. وقد كان في المركب حلى اودعه النساء وكسوات وجوهر وسيوف وسلاح وذهب وفضه بنحو من ثلاثين ألف دينار، فأخذ الجميع ونفذ لهم خمس مائه دينار، وقالتوصلوا بهذه إلى بلادكم وكانوا رجالاً ونساء في خمسين نسمه. وكنت إذ ذلك مع الملك العادل في بلاد الملك مسعود رعبان وكيسون. فهون علي سلامة أولادي وأولاد أخي، وحرمنا ذهاب ما ذهب من المال إلا ما ذهب لي من الكتب، فإنها كانت أربعة آلاف مجلد من الكتب الفاخرة، فإن ذهابها حزازة في قلبي ما عاشت. فهذه نكبات تزعزع الجبال وتفني الأموال، والله سبحانه يعوض برحمته ويختم بلطفه ومغفرته. وتلك وقعات كبار شاهدتها مضافة إلى نكبات نكبتها سلمت فيها النفس لتوقيت الآجال واجحفت بهلاك المال.
стр. 37
معارك مع الإفرنج ومع المسلمين
وقد كان بين هذه الوقعات فترات شهدت فيها من الحروب مع الكفار والمسلمين ما لا احصيها، وسأورد من عجائب ما شاهدته ومارسته في الحروب ما يحضرني ذكره، وما النسيان بمستنكر لمن طال عليه ممر الأعوام وهو وراثة بني آدم من أبيهم ﵊.
شرف الفارسجمعة
فمن ذلك ما شهدته من أنفة الفرسان وحملهم نفوسهم على الأخطار، أننا كنا التقينا نحن وشهاب الدين محمود بن قراجا، صاحب حماه ذلك الوقت وكانت الحرب بيننا وبينه ما تغب، والمواكب واقفه والطراد بين المتسرعة، فجاءني رجل من أجنادنا وفرساننا المعدودين يقال له جمعه من بني نمير وهو يبكي، فقلت لهمالك يا أبا محمود؟ هذا وقت بكاء؟ قال طعنني سرهناك بن أبي منصور. قلتوإذا طعنك سرهنك أي شيء يكون؟ قالما يكون شيء إلا يطعنني سرهنك! والله إن الموت أسهل علي من أن يطعنني لكنه استغفلني واغتالني فجعلت أسكته واهون الأمر عليه، فرد رأس فرسه راجعاً. فقلتإلى أين يا أبا محمود؟ قالإلى سرهناك، والله لأطعنه أو لأموتن دونه. فغاب ساعة واشتغلت أنا بمن مقابلي، ثم عاد وهو يضحك فقلت ما
стр. 38
عملت؟ فقالطعنته والله، ولو لم اطعنه لفظت روحي، فحمل عليه في جمع أصحابه فطعنه وعاد، فكأن هذا الشعر عن سرهنك وجمعة بقوله
لله درك ما تظن بثائرً ... حران ليس عن التراث براقد
أيقظته ورقدت عنه ولم ينم ... حنقاً عليك وكيف نوم الجاهد
إن تمكن الأيام منك وعلها ... يوماً يكل لك بالصواع الزائد
وقد يكون سرهنك هذا من الفرسان المذكورين مقدماً في الأكراد، إلا أنه كان شاباً وجمعة رجل كهل له ميزة بالسن والتقدمية في الشجاعة.
في صدر الإسلام
وذكرت بفعلة سرهنك ما فعله مالك بن الحارث الاشتر ﵀ بأبي مسيكه الايادي. وذلك انه لما ارتدت العرب في أيام أبي بكر رضوان الله عليه، وعزم الله سبحانه له على قتالهم، جهز العساكر إلى قبائل العرب المرتدين. فكان أبو مسيكه الأيادي مع بني حنيفة وكانوا أشد العرب شوكه. وكان مالك الأشتر في جيش أبي بكر ﵀. فلما توقفوا برز مالك بين الصفين وصاحيا أبا مسيكة فبرز له فقال ويحك يا أبا مسيكة، بعد الإسلام وقراءة القرآن رجعت إلى الكفر؟ فقالإياك عني يا مالك! انهم يحرمون الخمر، ولا صبر عنها. قال هل لك في المبارزة؟ قال نعم. فالتقيا بالرماح والتقيا بالسيوف فضربه أبو مسيكة فشق رأسه وشتر عينه وبتلك الضربه سمي الأشتر. فرجع وهو معتنق رقبه فرسه إلى رحله، واجتمع له قوم من أهله وأصدقائه يبكون. فقال لأحدهمادحل يدك في فمي. فادخل إصبعه
стр. 39
في فمه فعضها مالك فالتوى الرجل من الوجع. فقال مالك لابأس على صاحبكم. يقال إذا سلمت الأضراس سلم الرأس، أحشوها يعني الضربه سياقاً وشدوها بعمامة فلما حشوها وشدوها قالهاتوا فرسي. قالواإلى أين قالإلى أبى مسيكة. فبرز بين الصفين وصاح يا أبا مسيكة! فخرج إليه مثل السهم فضربه مالك بالسيف على كتفه فشقها إلى سرجه فقتله. ورجع مالك إلى رحله فبقى أربعين يوماً لا يستطيع الحراك، ثم ابل وعوفي من جرحه ذلك.
سلامة المطعون
ومن ذلك ما شهدته من سلامة المطعون، وقد ظن أنه هلك، أننا التقينا بوادر خيل شهاب الدين محمود بن قراجا، قد جاء إلى أرضنا وكمن لنا كميناً. فلم توقفنا نحن وهو انتشرت خيلنا. فجاءني فارس من جندنا يقال له علي بن سلام نميري وقال أصحابنا قد انتشروا ان حملوا عليه أهلكوهم. قلت احبس عني اخوتي وبني عمي حتى أردهم. فقاليا أمراء، دعوا هذا يرد الناس ولا تتبعوه، وإلا حملوا عليهم قلعوهم. قالوا يمضي. فخرجت أناقل حصاني حتى رددتهم، وكانوا ممسكين عنهم ليستجر وهم ويتمكنوا منهم. فلما رأوني قد رددتهم حملوا علينا وخرج كمينهم وأنا على فسحة من أصحابي فرجعت مباريهم أريد احمي أعقاب أصحابي فوجدت ابن عمي ليث الدولة يحيى ﵀ قد حدب من وراء أصحابي من قبل الطريق وأنا في شمالية فجئناهم، فتسرع فارس من خيلهم يقال له فارس بن زمام رجل عربي فارس مشهور، وجازنا يريد الطعن
стр. 40
في أصحابنا فسبقني إليه ابن عمي فطعنه فوقع هو وحصانه وفقع الرمح سمعتها أنا وأولئك. وكان الوالد ﵀ أرسل رسولا إلى شهاب الدين فأخذه معه لما جاء لقتالنا فلما طعن فارس بن زمام ولم يبلغ منا ما أراد نفذ الرسول من مكانه بجواب ما سار فيه ورجع إلى حماه، فسألت الرسولهل مات فارس بن زمام، قاللا والله ولافيه جرح قالليث الدولة طعنه وأنا أراه فرماه ورمى حصانه وسمعت قعقعة كسر الرمح، لما غشيه ليث الدولة من يساره مال على جانبه الأيمن وفي يده قنطاريته فوقع حصانه على قنطاريته وهي على وهده فانكسرت، وتذنب ليث الدولة برمحه فوقع من يده، والذي سمعت قعقعة قنطاريه فارس بن زمام، ورمح ليث الدولة أحضره بين يدي شهاب الدين وأنا حاضر، وهو صحيح ما فيه كسر ولا في فارس جرح، فعجبت من سلامته وكانت تلك الطعنه طعنه فيصل كما قال عنترة
الخيل تعلم والفوارس أنني ... فرقت جمعهم بطعنة فيصل
ورجع جميعهم كمينهم ما نالوا منه ما أرادوه. والبيت المقدم من أبيات عنترة بن شداد يقول فيها
إني أمرؤ من خير عبس منصباً ... شطري وأحمي سائري بالمنصل
وإذا الكتيبة أحجمت فتلاحظت ... ألفيت خيرا من معم مخول
وإن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
والخيل تعلم والفوارس أنني ... فرقت جمعهم بطعنة فيصل
ودعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل
стр. 41
أول قتال حضره أسامة
ومثل ذلك ما جرى لي على افامية فإن نجم الدين بن إيلغازي بن ارتق ﵀ كسر الإفرنج على البلاط وذلك يوم الجمعة خامس جمادى الأولى سنة، ثلاث عشرة وخمسمائة وأفناهم وقتل صاحب إنطاكية روجار وجميع فرسانه، فسار إليه عمي عز الدين ابو العساكر سلطان ﵀، وتخلف والدي ﵀ في حصن شيزر، وقد وصاه ان يسيروني إلى افامية بمن معي بشيزر من الناس والعرب لنهب زرع افامية، وكان قد هدف من العرب إلينا خلق كثير. فلما سار عمي نادى المنادي بعد يوميات من مسيره وسرت في نفر قليل ما عشرين فارساً، ونحن على يقين أن افاميه مافيها خياله ومعي خلق عظيم من النهاية والبداية، فلما صرنا على وادي أبو الميمون، والنهابة والعرب متفرقون في الزرع، خرج علينا من الإفرنج جمع كثير، وكان قد وصلها تلك الليلة ستون فارساً وستون راجلاً فكشفونا عن الوادي، فاندفعنا بين أيديهم إلى أن وصلنا الناس الذين في الزرع ينتهبونه فضجوا ضجة عظيمة، فهان علي الموت لهلاك ذلك العالم معي، فرجعت على فارس في أولهم قد ألقى عنه درعه وتخفف ليجوزنا من بين أيدينا، فطعنته في صدره فطار عن سرجه ميتا.
стр. 42
ثم استقبلت خيلهم المتتابعة فولوا أنا غر من القتال ما حضرت قتالا قبل ذلك اليوم وتحتي فرس مثل الطير ألحق أعقابهم لأطعن فيهم ثم اجتن عنهم. وفي أخرهم فارس على حصان ادهم مثل الجمل بالدرع ولأمه الحرب وأنا خائف منه لا يكون جذاباً لي ليعود علي، حتى رأيته ضرب حصانه بمهمازه فلوح بذنبه فعلت انه قد اعيا، فحملت عليه طعنته فنفذ الرمح من قدامه نحواً من ذراع، وخرجت من السرج لخفة جسمي وقوة الطعنه وسرعة الفرس، ثم تراجعت وجذبت رمحي وأنا أظن أنى قتلته، فجمعت أصحابي وهم سالمون. وكان معي مملوك صغير يجر فرساً لي دهماء مجنوبة وتحته بغلة مليحة سروجية وعليها مركوب صقيل فضة، فنزل عن البغلة وسيبها وركب الحجرة فطارت به إلى شيزر، فلما عدت إلى أصحابي وقد مسكوا البغله سألت عن الغلام فقالوا راح. فعلمت انه يصل شيزر ويشغل قلب الوالد ﵀، فدعوت رجلاًمن الجند وقلتتسرع إلى شيزر تعرف والدي بما جرى. وكان الغلام لما وصل أحضره الوالد بين يديه وقالأي شيء لقيتم؟ قاليا مولاي خرج الإفرنج في ألف، وما أظن أحد يسلم إلا مولاي قالكيف يسلم مولاك دون الناس؟ رأيته قد لبس وركب الخضراء هو يحدثه، وذلك الفارس قد وصله وأخبره باليقين ووصلت بعده فاستخبرني ﵀. فقلت يا مولاي كان أول قتال حضرته، فلما رأيت الإفرنج قد وصلوا إلى الناس هان علي الموت فرجعت إلى الإفرنج لأقتل أو أحمي ذلك العالم فقال ﵀ متمثلاً
يفر جبان القوم عن أم رأسه ... ويحمي شجاع القوم من لا يلازمه
ووصل عمي ﵀ من عند نجم الدين ايلغازي ﵀ بعد أيام فأتاني رسوله يستدعيني في وقت ما جرت عادته فيه، فجئته
стр. 43
فإذا عنده رجل من الإفرنج فقالهذا الفارس قد جاء من افامية يريد يبصر الفارس الذي طعن فيليب الفارس، فإن الإفرنج تعجبوا من تلك الطعنة وإنها خرقت الزردية من طاقتين وسلم الفارس. قلتكيف سلم؟ قال ذلك الفارس الإفرنجي جاءت الطعنة في جلدة خاصرته. فقلت نعم الأجل حصن حصين. وما ظننته يسلم من تلك الطعنة. قلت يجب على من وصل إلى الطعنة أن يشد يده وذراعه على الرمح جانبه ويدع الفرس يعمل ما يعمله في الطعنة، فإنه متى حرك يده بالرمح مدها به لم يكن لطعنته تأثير ولا نكاية.
يسلم بعد أن قُطع شريان قلبه
وشاهدت فارساً من رجالنا يقال له ندى بن تليل القشيري وكان من شجعاننا، وقد التقينا نحن والإفرنج وهو معرى ما عليه غير ثوبين فطعنه فارس من الإفرنج في صدره فقطع هذه العصفورة التي في الصدر وخرج الرمح من جانبه، فرجع وما نظنه يصل منزله حياً، فقدر الله سبحانه ان سلم وبرأ جرحه، لكنه لبث سنة إذا نام على ظهره لا يقدر يجلس إن لم يجلسه إنسان بأكتافه، ثم زال عنه ما كان يشكوه وعاد إلى تصرفه وركوبه كما كان. قلت فسبحان من نفذت مشيئته في خلقه يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
واخر يموت من إبرة
كان عندنا رجل من المصطنعة يقال له عتاب، اجسم ما يكون من الرجل واطولهم دخل بيته فاعتمد على يده عند جلوسه على ثوب بين
стр. 44
يديه كانت فيه إبرة دخلت في راحته فمات منها. وبالله لقد كان يئن في المدينة فيسمع أنينه من الحصن لعظم خلقه وجهارة صوته يموت من إبرة وهذا القشيري يدخل في صدره قنطاريه تخرج من جنبه لا يصيبه شيء.
حوادث الزمر كل
نزل علينا صاحب إنطاكية لعنه الله بفارسه وراجله وخيامه في بعض السنيين فركبنا ولقيناهم نظن انهم يقاتلونا، فجاؤا نزلوا منزلاً كانوا ينزلونه وهجموا في خيامهم، فرجعنا نحن إلى آخر النهار ثم ركبنا، ونحن نظن انهم يقاتلونا فما ركبوا من خيامهم. وكان للابن عمي ليث الدولة يحيي غلة قد نجزت وهي بالقرب من الفرنج فجمع دواب يريد يمضي إلى الغلة يحملها، فسرنا معه في عشرين فارساً معدين وقفنا بينه وبين الفرنج إلى أن حمل الغلة ومضى، فعدلت أنا ورجل من مولدين يقال له حسام الدولة مسافر ﵀ إلى كرم رأينا فيه شخوصاً وهم على شط النهر، فلما وصلنا الشخوص التي رأيناها والشمس على مغيبها، فإذا شيخ عليه معرقة إمراة ومعه آخر. فقال له حسام الدولة وكان ﵀ رجلاً جيداً كثير المزاح يا شيخ أي شيء تعمل ها هنا؟ قالأنتظر الظلام واسترزق الله تعالى من خيل هؤلاء الكفار. قال يا شيخ بأسنانك تقطع عن خيلهم؟ قال لا بهذه السكين. وجذب سكين من وسطه مشدودة بخيط مثل شعلة النار، وهو بغير سراويل، فتركناه وانصرفنا. أصبحت من بكرة ركبت انتظر ما يكون من الإفرنج، وإذا الشيخ
стр. 45
جالس في طريقي على حجر والدم على ساقه وقدمه وقد جمد. قلت يهنئك السلامة، أي شيء عملت؟ قالأخذت منهم حصاناً وترساً ورمحاً ولحقني راجل وأنا خارج من عسكرهم طعنني نفذ القنطارية في فخذي وسبقت بالحصان والترس والرمح، وهو مستقل بالطعنة التي فيه كأنها في سواه. وهذا الرجل يقال له الزمركل من شياطين اللصوص. حدثني عنه الأمير معين الدين ﵀ قال أغرت زمان مقامي بحمص على شيزر وعدت آخر النهار نزلت على ضيعة من بلدة حماه، وأنا عدو لصاحب حماه، قال فجاءني قوم معهم شيخ قد أنكروه فقبضوه وجاؤوني به فقلت يا شيخ أيش أنت قاليا مولاي أنا رجل صعلوك شيخ زمن وأخرج يده من زمنه قد اخذ لي العسكر عنزتين جئت خلفهم لعل إن يتصدقوا علي بهما. فقلت لقوم من الجندارية احفظوه إلى غد فأجلسوه بينهم وجلسوا على اكمام فروة عليه فاستغفلهم في الليل وخرج من الفروة وتركها تحتهم وطار فعدوا في أثره، سبقهم ومضى، قال وكنت قد نفذت بعض أصحابي في شغل فلما عادوا وفيهم جندار يقال له سومان قد كان يسكن بشيزر فحدثته حديث الشيخ قال واحسرتي عليه لو كنت لحقته كنت شربت دمه هذا الزمر كل. قلتفأي شيء بينك وبينه قال نزل عسكر الفرنج على شيزر فخرجت أدور به لعل أسرق حصاناً منهم، فلما أظلم الظلام مشيت إلى طوالة خيل بين يدي، وإذا هذا جالس بين يدي. فقال لي
стр. 46
إلى أين فلتاخذ حصاناً من هذه الطوالة. قال وأنا من العشاء انظرها حتى تأخذ أنت الحصان! قلت لا تهذ. قال لا تغتر. والله ما أدعك تأخذ شيئاً. فما التفت إلى قوله ويممت إلى الطوالة. فقام وصاح بأعلى صوتهوافقري واخيبة تعبي وسهري. وصيح حتى خرج على الفرنج، فأما هو فطار، فطردوني حتى رميت نفسي في النهر، وما ظننت أني أسلم منهم، ولو لحقتهم كنت شربت دمه، وهو لص عظيم، وما تبع العسكر إلا يسرق منه. فكان هذا الرجل يقول من يراهما في هذا يسرق رغيف خبز من بيته.
سرقة الخيل
ومن عجيب ما اتفق في السرقة ان رجلا كان في خدمتي يقال له علي ابن الدودويه من اهل مثكير ونزل يوما الإفرنج لعنهم الله على كفر طاب، وهي ذا ذاك لصلاح الدين محمد بن أيوب الغسياني ﵀. فخرج هذا علي بن الدودوية، دار بهم وأخذ حصاناً ركبه وخرج من العسكر يركض، وهو يسمع الحس خلفه ويعتقد ان بعضهم ركب في طلبه، وهو مجد في الركض والحس خلفه حتى ركض قدر فرسخين والحس معه. فالتفت يبصر ما خلفه في الظلام، وإذ بغلة كانت تألف الحصان قد قطعت مقودها وتبعته، فوقف حتى شد فوطته في رأسها وأخذها وأصبح عندي في حماه بالحصان والبغله. وكان الحصان من أجود الخيل وأحسنها وأسبقها.
стр. 47
أتابك يستولي على حصان أسامة
كنت يوماً عند أتابك وهو يحاصر رفنية وقد استدعاني وقال لي يا فلان أي شيء في حصانك الذي خبيته؟ وكان قد بلغه خبر الحصان. قلت لا والله يا مولاي مالي حصان مخبى، حصني كلها في العسكر. قالفالحصان لإفرنجي؟ قلتحاضر قالانفذ أحضره أنفذت أحضرته وقلت للغلامامضي به إلى الإصطبل. فقال أتابكاتركه الساعة عندك. ثم أصبح سبق، فسبق، وردته إلىاصطبلي، وعاد استدعاه من البلد وسبق به فسبق فحملته إلى اسصطبله.
سهم في حلق
وشاهدت في الحرب عند انتهاء المدة كان عندنا رجل من الجند يقال له رافع الكلابي، وهو فارس مشهور. اقتتلنا نحن وبنو قراجا وقد جمعوا لنا من التركمان وغيرهم وحشدوا وباسطناهم على فسحة من البلد، ثم تكاثروا علينا فرجعنا وبعضنا يحمي بعضا. وهذا رافع فيمن يحمي الأعقاب، وهو لابس كزاغند وعلى رأسه خوذة بلا لئام. فالتفت لعله يرى فيهم فرصه فينحرف عليهم فضربه سهم كشما في حلقه ذبحه ووقع مكانه ميتاً.
طعنه في فرس
وكذلك شاهدت شهاب الدين بن قراجا، وقد انصلح ما بيننا وبينه، وقد نفذ إلى عمي يقول لهتأمر أسامه يلقاني هو وفارس واحد
стр. 48
إلى كرعة لنمضي نبصر موضعا نكمن فيه لأفامية ونقاتلها. فأمرني عمي بذلك فركبت ولقيته وأبصرنا الموضع. ثم اجتمع عسكرنا وعسكرة، وأنا على عسكر شيزر وهو في عسكرة، وسرنا إلى افاميه ولقينا فارسهم وراجلهم في الخراب الذي لها وهو مكان لا يتصرف فيه الخيل من الحجارة والأعمدة وأصول الحيطان الخراب، فعجزنا عن قلعهم من ذلك المكان. فقال لي رجل من جندنا تريد تكسرهم؟ قلتنعم قالاقصد بنا باب الحصن. قلتسيروا. وندم القائل وعلم أنهم يدسونا ويجوزون إلى حصنهم، فأراد أن يردني عن ذلك، فأبيت وقصدت الباب. فساعة ما رأنا الإفرنج قاصدين الباب عاد إلينا فارسهم وراجلهم فداسونا وجازوا. ترجل الفرسان داخل باب الحصن واطلعوا خيلهم إلى الحصن وصفوا عوالي قنطاريتهم في الباب، وأنا وصاحب لي من مولدي أبي ﵀، اسمه رافع بن سوتكين وقف تحت السور مقابل الباب وعلينا شيء كثير من الحجارة والنشاب، وشهاب الدين واقوف في موكب بعيد منهم على خوف الأكراد. فقد طعن صاحب لنا يقال له حارثة النمري نسيب جمعة في صدر فرسه طعنه معترضة. ونزلت القنطاريه في الفرس فتخبطت حتى وقعت القنطاريه منها ووقعت جلده صدرها جميعها فبقيت مسبلة على اعضادها.
في زند
وشهاب الدين بمعزل عن القتال، فجاء سهم من الحصن فضربه في الجانب عظم زنده فما دخل في جانب عظم زنده مقدار طول شعيرة، فجاءني
стр. 49
رسوله يقوللا تزل مكانك حتى تجمع الناس الذين تفرقوا في البلد، فأنا قد جرحت أحس الجرح في قلبي وأنا راجع فاحفظ أنت الناس. ومضى رجعت أنا بالناس نزلت على برج خريبه. وكان الإفرنج عليه ديبان يكشفان إذا أردنا الغارة على أفامية. ووصلت العصر إلى شيزر وشهاب الدين في دار والدي يريد يحل جرحه ويداويه، وعمي قد منعه وقال والله ما تحل جرحك إلا في دارك. قالأنا في دار والدي - يعني الوالد ﵀. قال إذا وصلت دارك وبرأ جرحك دار والدك بحكمك. فركب المغرب وسار حماه فأقام الغد وبعد غد ثم اسودت يده وغاب عنه رشده ومات، وما كان به الإفراغ الأجل.
طعنة تقطع عدة أضلاع
وشاهدت من الطعنات العظيمة طعنه طعنها فارس من الإفرنج، خذلهم الله فارس من أجنادنا يقال له سابه بن قنيب كلابي قطع له ثلاثة أضلاع من جانبه اليسار وثلاثة أضلاع من جانبه الأيمن وضرب شفار الحربة مرفقه ففصله كما يفصل الجزار المفصل ومات لساعته.
وأخرى تقطع الزرد
وطعن رجل من أجنادنا كردي يقال له مياح فارساً من الإفرنج ادخل قطعه من الزرد في جوفه وقتله. ثم ان الإفرنج غاروا علينا بعد أيام، ومياح قد تزوج وخرج وهو لابس وفوق درعه ثوب احمر من ثياب
стр. 50
العروس قد تشهر به فطعنه فارس من الإفرنج فقتله ﵀. يا قرب مأتمه من العرس فذكرت به الخبر عن النبي ﷺ وقد انشد قول قيس بن الخطيم
أجا لدهم يوم الحفيظة حاسراً ... كان يدي بالسيف مخراق لاعب
فقال النبي ﷺ للحاضرين من الأنصار ﵃ " هل حضر أحد منكم يوم الحديقة "؟ فقال رجل منهم أنا حضرته يا رسول الله عليك وسلم وحضره قيس بن الخطيم وهو قريب عهد بالعرس وعليه ملاءة حمراء فوالذي بعثك بالحق لقد عمل في قتاله كما قال عن نفسه
وثالثة تنفذ في صدر الإفرنجي
ومن عجائب الطعن ان رجلا من الأكراد يقال له حمدات كان قديم الصحبة قد سافر مع والدي ﵀ إلى اصبهان إلى دركاه السلطان ملكشاه فكبر وضعف بصره ونشأ له اولاد. فقال له عمي عز الدين ﵀ يا حمدات كبرت وضعفت، ولك علينا حق وخدمه، فلو لزمت مسجدك وكان له مسجد على باب داره واثبتنا أولادك في الديوان ويكون لك أنت كل شهر ديناران وحمل دقيق وأنت في مسجدك. قال افعل يا أمير. فأجري له ذلك مديدة. ثم جاء إلى عمي وقال يا أمير والله لا تطاوعني نفسي على القعود
стр. 51
في البيت وقتلي على فرسي أشهى إلي من الموت على فرشي. قال الأمر لك وأمر برد ديوانه عليه كما كان. فما مضى إلا الأيام القلائل حتى غار علينا السرداني صاحب طرابلس. ففزع الناس إليهم وحمدات في جملة الروع، فوقف على رفعة من الأرض مستقبل القبله فحمل عليه فارس من الإفرنج من غربيه فصاح إليه بعض اصحبنا يا حمدات فلتفت، فرأى الفارس قاصده فرد رأس فرسه شمالا ومسك رمحه بيده وسدده إلى صدر الإفرنجي فطعنه فنفذ الرمح منه، فرجع الإفرنجي متعلقاً برقبة حصانه في أخر رمقه. فلما انقضى القتال قال حمدات لعمي يا أمير لو أن حمدات كان في المسجد من طعن هذه الطعنه؟ فاذكرني قول الفند الزماني
أيا طعنه ما شيخ ... كبير يفنى بالي
تفتيت بها إذ ... كره الشكة أمثالي
وكان الفند قد كبر وحضر القتال فطعن فارسين مقتربين فرماهما جميعاً
طعنة تودي بفارسين وفرسين
وقد كان جرى لنا مثل ذلكوهو ان فلاحاً من العلاة جاء يركض إلى أبي وعمي رحمهما الله، قال شاهدت سربة إفرنج تائهين قد جاءوا من البرية لو خرجتم إليهم آخذتموهم فركب ابي وعماي خرجوا بالعسكر إلى السربة التائه وإذا به السرداني صاحب طرابلس في
стр. 52
ثلاثمائة فارس ومائتين تركبولي وهم رماة الإفرنج. فلما رأوا اصحبنا ركبوا خيلهم أطلقوا على أصحابنا هزموهم وتموا يطردونهم، فاحرف عليهم مملوك لوالدي يقال له ياقوت الطويل وأبي وعمي رحمهما الله يريانه، فطعن فارسا منهم إلى جانبه فارس آخر وهما يتبعان أصحابنا فرمى الفارسين والفرسين. وكان هذا الغلام كثير التخليط والزلات لا يزال قد فعل فعلة يجب تأديبه عليها. فكلما هم والدي به وبتأديبه يقول عمييا أخي بحياتك هب لي ذنبه ولاتنس له تلك الطعنه فيصفح عنه لكلام أخيه. وكان حمدات الذي تقدم ذكره ظريف الحديث، حدثني والدي ﵀ قالقلت لحمدات ونحن سائرون في طريق أصبهان سحراً، أمير حمدات أكلت اليوم شيئاً؟ قال نعم يا أمير أكلت ثريدة قال ركبنا في الليل وما نزلنا ولا أوقدنا ناراً، من أين لك الثريدة قال يا أمير عملتها في فمي اخلط في فمي الخبز واشرب عليه الماء يصير كالثريدة.
والد أسامة مقاتلاً
وكان الوالد ﵀ كثير المباشرة للحرب وفي بدنه جراح هائلة ومات على فراشه، وحضر يوما القتال وهو لابس وعليه خوذه إسلامية بآنف فزرقه رجل بحربه - وكان معظم قتاله مع العرب في ذلك الزمان فوقعت الحربة في أنف الخوذة فأنطوى وادمى انفه ولم يؤذيه. ولو كان قدر سبحانه ان يميل المزراق عن أنف الخوذه أهلكه،
стр. 53
وضرب مرة أخرى بنشابة في ساقه وفي خفه دشني فوقع السهم في الدشن فانكسر فيه ولم يجرحه، هذا الحسن دفاع الله الله تعالى.
وشهد ﵀ يوم الأحد تاسع وعشرين شوال سنة سبع وتسعين وأربعمائة مع سيف الدولة خلف بن ملاعب الأشهبي صاحب أفامية بأرض كفر طاب فلبس جوشنه، وعجل الغلام عن طرح كلاب الجوشن من الجانب فجائه خشت فضربه في ذلك الموضع الذي أخل الغلام بسترة فوق بزه الأيسر خرج الخشت من فوق بزه الأيمن، فكانت أسباب السلامة لما جرت بها المشيئة من العجب، والجرح لما قدره الله سبحانه من العجب. فطعن ﵀ في ذلك اليوم فارساً أحرف حصانه وثنى يده برمحه وجذبه من المطعون. فحدثني قال حسست شيئاً قد لذع زندي، فظننته من حرارة صفائح الجوشن، إلا أن رمحي سقط من يدي، فردتها فإذا قد طعنت في يدي وقد استرخت لقطع شيء من الأعصاب، فحضرته يرحمه الله وزيد الجرائحي يداوي جرحه وعلى رأسه غلام واقف، فقاليا زيد اخرج هذه الحصاة من الجرح، فما كلمه الجرائحي فعاد فقال يا زيد ما تبصر هذه الحصاة؟ ما تزيلها من الجراح! فلما أضجره قالأين الحصاة؟ هذا رأس عصب قد انقطع. وكان بالحقيقة ابيض كأنه حصاة من حصا الفرات. وأصابه ذلك اليوم طعنه أخرى وسلم الله حتى مات على فراشه رحمه
стр. 54
الله يوم الاثنين ثامن شهر رمضان سنه إحدى وثلاثين وخمس مائة.
والد أسامة ناسخاً
وكان يكتب خطاً مليحاً، فما غيرت تلك الطعنة من خطه، وكان لا ينسخ سوى القرآن، فسألته يوماً فقلتيا مولاي كم كتبت ختمه؟ قالالساعة تعلمون. فلما حضرته الوفاة قال في ذلك الصندوق مساطر كتبت على كل مسطرة ختمة ضعوها يعني المساطر تحت خدي في القبر فعددناها فكانت ثلاثاً وأربعين مسطرة. فكانت كتب بعدتها ختماتختمه كبيره ختمها بالذهب وكتب فيها علوم القرآن قراأته وغريبة وعربيته وناسخه ومنسوخة وتفسيره وسبب نزوله وفقهه بالحبر والحمرة والزرقة، وترجمه بالتفسير الكبير وكتب ختمه أخرى بالذهب مجردة من التفسير، وباقي الخاتمات بالحبر مذهبة الأعشار والأخماس والآيات ورؤوس السور ورؤوس الأجزاء. وما يقتضي الكتاب ذكر هذا وإنما ذكرته لا يستدعي له ممن وقف عليه.
غلام يفدي مولاه
أعود إلى ما تقدم. وفي ذلك اليوم أصاب غلام كان لعمي عز الدولة أبي المرهف نصر ﵀ يقال له موفق الدولة شمعون طعنه عظيمة التقاها دون عمي عز الدين أبي العساكر سلطان ﵀. واتفق ان عمي أرسله رسولاً إلى الملك رضوان بن تاج الدولة تتش إلى حلب، فلما حضر بين يديه قال لغلمانهمثل هذا يكون الغلمان وأولاد الحلال في حق مواليهم. وقال لشمعون حدثهم حديثك أيام والدي وما فعلته مع مولاك. فقاليا مولانا بالأمس حضرت القتال مع مولاي فحمل عليه
стр. 55
فارس يطعنه، فدخلت بينه وبين مولاي لأفديه بنفسي فطعنني، قطع من أضلاعي ضلعين وهما - ونعمتك - عندي قمطره. فقال له الملك رضوانوالله ما أعطيك الجواب حتى تنفذ تحضر القمطرة والأضلاع. فأقام عنده وأرسل من أحضر القمطرة وفيها عظمان من أضلاعه. فعجب رضوان من ذلك وقال لأصحابهكذا اعملوا في خدمتي. فأما الأمر الذي سأله عنه أيام والده تاج الدولة فإن جدي سديد الملك أبا الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ ﵀ سير ولده عز الدولة نصراً ﵀ إلى خدمته تاج الدولة وهو معسكر بظاهر حلب فقبض عليه واعتقله ووكل به من يحفظه، وكان لا يدخل إليه سوى مملوكه هذا شمعون والموكلون حول الخيمة فكتب عمي إلى أبيه رحمهما الله يقول تنفذ لي في الليلة الفلانيه وعينها قوم من أصحابه ذكرهم وخيل أركبها إلى الموضع الفلاني. فلما كانت تلك الليلة دخل شمعون خلع ثيابه فلبسها مولاه وخرج على الموكلين في الليل، فما أنكره، ومضى إلى أصحابه وركب وسار، ونام شمعون في فراشه. وجرت العادة أن يجيئه شمعون في السحر بوضوئه فكان ﵀ من الزهاد القائمين ليلهم يتلون كتاب الله تعالى، فلا أصبحوا لم يروا شمعون دخل كعادته دخلوا الخيمة فوجدوا شمعون وعز الدولة قد راح، فانهوا ذلك إلى تاج الدولة فأمر بإحضاره، فلما حضر بين يديه قال كيف عملت؟ قالأعطيت مولاي ثيابي لبسها وراح ونمت أنا في فراشه قالوما خشيت أن أضرب رقبتك؟ قال يا مولاي إذا ضربت رقبتي وسلم مولاي وعاد إلى بيته فأنا السعيد بذلك، ما اشتراني ورباني إلا لأفديه بنفسي. فقال تاج الدولة ﵀ لحاجبه سلم إلى هذا الغلام خيل مولاة
стр. 56
ودابته وخيامه وجميع ركبه وسير يتبع صاحبه وما أنكر عليه وما احنقه ما فعل في خدمت مولاه، فهذا الذي قال له رضوان حدث أصحابي ما عملته أيام والدي مع مولاك. أعود إلى حديث الحرب المقدم ذكرها مع ابن ملاعب.
عم أسامه يطعن في جفن عينه
وجرح عمي عز الدولة ﵀ في ذلك اليوم عده جراح منها طعنه طعنها في جفن عينيه السفلاني من ناحية المأق، ونشب الرمح في المأزق عند مؤخر العين فسقط الجفن جميعه وبقي معلقا بجلده من مؤخر العين، والعين تلعب لا تستقر، وأنما الجفون التي تمسك العين، فخاطبها الجرائحي وداواها فعادت كحالها الأوله لا تعرف العين المطعونة من الأخرى.
شجاعة عم أسامه ووالده
وكانا رحمهما الله من أشجع قومهما، ولقد شهدتهما يوما وقد خرجا إلى الصيد بالبزاة نحو تل ملح وهناك طير ماء كثير، فما شعرنا إلا وعسكر طرابلس قد أغار على البلد ووقفوا عليه، فرجعنا وكان الوالد من أثر المرض، فأما عمي فخف بمن معه من العسكر وسار حتى عبر المخاض إلى الإفرنج وهم يرونه، وأما الوالد فسار والحصان يخب به وأنا معه صبي وفي يده سفرجله يمتص منها، فلما دنونا من الإفرنج قال لي أمض أنت أدخل من السكر وعبر هو من ناحية الإفرنج.
стр. 57
ومره أخرى شاهدته وقد أغارت علينا خيل محمود بن قراجا، ونحن على فسحه من البلد، وخيل محمود أقرب إليه منها، وأنا قد حضرت القتال ومارست الحرب، فلبست كزاغندي وركبت حصاني وأخذت رمحي، وهو ﵀ على بغله. فقلت يا مولاي ما تركب حصانك! قال بلى وسار كما هو غير منزعج ولا مستعجل، وأنا لخوفي عليه ألح عليه في ركوبه حصانه إلى أن وصلنا إلى البلدة وهو على بغلته، فلما عاد أولئك وأمنا قلت يا مولاي ترى العدو قد حال بيننا وبين البلد وأنت لا تركب بعض جنائبك وأنا أخاطبك فلا تسمع! قال يا ولدي، في طالعي أنني لا ارتاع. وكان ﵀ له اليد الطولى في النجوم مع ورعه ودينه وصومه الدهر وتلاوة القرآن، وكان يحرضني على معرفة علم النجوم فآبى وأمتنع، فيقول فاعرف أسماء النجوم ما يطلع منها ويغرب. وكان يريني النجوم ويعرفني أسماءها.
مكيدة أفرنجيه على شيرز
ورأيت من أقدام الرجال ونخواتهم في الحرب أنا أصبحنا وقت صلاه الصبح رأينا سربه من الإفرنج نحوا من عشرة فوارس جاءوا إلى باب المدينة قبل أن يفتح فقالوا للبواب أي شيء اسم هذا البلد؟ والباب خشب بينهما عوارض وهو داخل الباب. قال شيزر فرموه بنشاب من خلل الباب ورجعوا وخيلهم تخب بهم. فركبنا
стр. 58
فكان عمي ﵀ أول راكب وأنا معه والإفرنج رائحون غير منزعجين يلحقنا من الجند نفر، فقلت لعمي على أمرك آخذ أصحابنا واتبعهم اقلعهم وهم غير بعيدين. قال لا وكان أخبر مني بالحرب في الشام إفرنجي لا يعرف شيزر؟ هذه مكيدة. ودعا فارسين من الجند على فرسين سوابق وقال أمضيا اكشفا تل ملح وكان مكمنا للإفرنج. فلما شارفاه خرج عليها عسكر انطاكيه جمعيه فأستقبنا متسرعيهم نريد الفرصه فيهم قبل ركود الحرب ومعنا جمعه النميري وابنه محمود وجمعه فارسنا وشيخنا، فوقع ابنه محمود في وسطهم فصاح جمعه يا فرسان الخيل! ولدي! فرجعنا معه في سته عشر فارسا طعنا سته عشر فارسا من الفرنج وأخذنا صاحبنا من بينهم اختلطنا نحن وهم حتى أخذ واحد رأس ابن جمعه تحت إبطه فخلص ببعض تلك الطعنات.
أسامة وجمعة يهزمان ثمانية فرسان
ومع هذا فلا يثق إنسان بشجاعته ولا يعجب بأقدامه، فوالله لقد سرت مع عمي ﵀ أغرنا على أفامية، وأتفق أن رجالها خرجوا ليسيروا قافلة فسيروها وعادوا، ونحن لقيناهم فقتلنا منهم قدر عشرين رجلاً، ورأيت جمعة النميري ﵀ وفيه نصف قنطارية قد طعن بها في لبد السرج وخرج الرمح من البداد إلى فخذه ونفذ إلى خلفه فانكسرت القنطارية فيه فراعني ذالك. فقاللا بأس، أنا سالم. ومسك سنان القنطارية وجذبها منه وهو وفرسه سالمان. فقلتيا أبا محمود اشتهي أتقرب من الحصن أبصره. قالسر. فرحت أنا وهو نخب فرسينا، فلما أشرفنا على الحصن إذا من الإفرنج ثمانية من الفرسان وقوف على الطريق وهي مشرفة على الميدان
стр. 59
من ارتفاع لا ينزل منه إلا من تلك الطريق. فقال لي جمعة قف حتى أريك ما أصنع فيهم. قلت ما هذا أنصاف، بل نحمل عليهم أنا وأنت. قالسر، فحملنا عليهم فهزمناهم ورجعنا نحن نرى إنا قد فعلنا شيئاً ما يقدر يفعله غيرنا، نحن اثنان قد هزمنا ثمانية فرسان من الإفرنج.
ثم يهزمها رويجل
فوقفنا على ذلك الشرف ننظر الحصن، فما راعنا إلا رويجل قد طلع علينا من ذالك السند الصعب معه قوس ونشاب فرمانا، ولا سبيل لنا إليه فهزمنا، والله ما صدقنا نتخلص منه وخيلنا سالمة، ورجعنا، دخلنا مرج أفامية فسقنا منه غنيمة كبيرة من الجواميس والبقر والغنم، وانصرفنا وفي قلبي من ذلك الرجل الذي هزمنا حسرة الذي ما كنا لنا إليه سبيل، وكيف هزمنا راجل ولحد وقد هزمنا ثمانية فرسان من الإفرنج.
المداواة بالعلل
وشهدت يوماًوقد أغارت علينا خيل كفر طالب في قلة ففزعنا إليهم طامعين فيهم لقلتهم، وقد كمنوا لنا كميناً في جماعة منهم، وأنهزم الذين أغاروا فتبعناهم حتى أبعدنا عن البلد، فخرج إلينا الكمين ورجع إلينا الذين كنا نطردهم، فرأينا اننا ان انهزمنا قلعونا كلنا فالتقيناهم مستقلين فنصرنا الله عليهم، فقلعنا منهم ثمانية عشر فارساًمنهم من طعن فمات ومنهم من طعن فوقع وهو سالم ومنهم من طعن حصانه فهو راجل. فجذب الذين في الأرض منهم سالمون، ووقفوا، كل من اجتاز
стр. 60
بهم ضربوه. فأجتاز جمعه النميري ﵀ بواحد منهم فخطا إليه وضربه على رأسه، وعلى رأسه قلنسوة فقطعها وشق جبهته وجرى منها الدم حتى نزح وبقيت مثل فم السمكة مفتوحة، فلقيته ونحن في ما نحن فيه من الإفرنج فقلت له يا أبا محمود ما تعصب جراحك! فقال ما هذا وقت العصائب وشد الجراح. وكان لا يزال على وجهه خرقه سوداء وهو رمد وفي عينيه عروق حمر. فلما أصابه ذلك الجرح وخرج منه الدم الكثير زال ما كان يشكوه من عينيه ولم يعد يناله منهما رمد ولا ألم فربما صحت الأجسام باللعل.
استخلاص ابن عم أسامه من أيدي الإفرنج
وأما الإفرنج فإنهم اجتمعوا بعدما قتلنا منهم من قتلنا ووقفوا مقابلنا. فجاءني ابن عمي ذخيرة الدولة أبو القنا خطام ﵀ فقاليا ابن عمي معك جنيبتان وأن على هذا الفرس الحطم. قلت للغلامقدم له الحصان الأحمر فقدمه له، فساعة ما أستوىفي سرجه حمل على الإفرنج وحده فافرجوا له حتى توسطهم وطعنوه، رموه وطعنوا الحصان واقبلوا قنطارياتهم وصاروا يركشونه بها، وعليه زرديه حصينه ما تعمل رماحهم فيها، وعليه زرديه حصينه ما تعمل رماحهم فيها، فتصايحنا صاحبكم! صاحبكم! وحملنا عليهم فهزمناهم عنه واستخلصناه وهو سالم، وأما الحصان فمات في يومه، فسبحان المسلم القادر. وتلك الواقعة إنما كانت لسعادة جمعه وشفاء عينيه، فسبحان القائل وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم.
ضربه سكين تشفي من الاستسقاء وقد جرى لي مثل ذلك كنت بالجزيرة في عسكر أتابك فدعاني
стр. 61
صديق إلى داره ومعي ركابي أسمه غنيم قد أستسقى ودقت رقبته وكبر جوفه وقد تغرب معي فأنا أرعى له ذلك، فدخل بالبغله إلي اصطبل ذلك الصديق هو غلمان الحاضرين، وعندنا شاب تركي سكر وغلب عليه السكر، فخرج إلي الاصطبل، جذب سكينه وهجم على الغلمان فانهزموا وخرجوا. وغنيم لضعفه ومرضه، قد طرح السرج تحت رأسه ونام، فما قام حتى خرج كل من في الاصطبل فضربه ذلك السكران بالسكين تحت سرته فشق من جوفه قدر أربع أصابع فوقع موضعه فحمله الذي دعانا وهو صاحب قلعه باشمرا إلي داري وحمل الذي جرحه وهو مكتوف معه إلى داري فأطلقته، وتردد إليه الجرائحي فصلح ومشى وتصرف، إلا أن الجرح ما ختم، وما يزال يخرج منه مثل القشور وماء أصفر مدة شهرين ثم ختم وضمر جوفه وعاد إلى الصحة، فكان ذلك الجرح سببا لعافيته.
شوكه تشفي عين باز
ورأيت يوما الباز دار قد وقف بين يدي والدي ﵀ وقال يا مولاي هذا الباز قد لحقه حص وهو يموت وعينيه الواحدة قد تلفت فتصيد به فهو باز شاطر وهو تالف. فخرجنا إلى الصيد وكان معه رحمة الله عدة بزاه، فرمى ذلك الباز على درجه وكان يهجم في النبج، فنبجت الدراجة في أجمة غلفاء، ودخل الباز معها وقد صار على عينه كالنقطه الكبيرة، فضربته شوكه
стр. 62
من الغلفاء في تلك النقطة ففقأتها. فجاء به البازدار وعينه قد سالت وهي مطبوقه فقال يا مولاي تلفت عين الباز. فقال كله تألف. ثم من الغد فتح عينه وهي سالمة، وسلم ذلك الباز عندنا حتى قرنص قرناصين فكان من أشطر البزاة ذكرته بما جرى لجمعه وغنيم وان لم يكن موضع ذكر البزاة ورأيت من استسقى وفصدوا جوفه فمات، وغنيم شق ذلك السكران جوفه سلم وعوفي فسبحان القادر.
الهزيمة أمام إفرنج إنطاكية
أغار علينا عسكر إنطاكية واصحبنا قد التقوا أوائلهم وجاءوا قدامهم وأنا واقف في طريقهم انتظر وصولهم إلي لعلي أنال منهم فرصة واصحابنا يعبرون علي منهزمين، فعبر علي ممن عبر محمود بن جمعة. فقلتقف يا محمود فوقف لحظة ثم دفع فرسه ومضى عني ووصلني أوائل خيلهم، فاندفعت بين أيديهم وأنا راد رمحي إليهم ملتفت انظرهم لا يتسرع إلى منهم فارس يطعني وبين يدي جماعة من أصحابنا ونحن بين بساتين لها حيطان طوال قعدة الرجل فندس فرسي بصدرها رجل من أصحابنا، فردت راس فرسي على يساري فضربتها بالمهاميز ففزت الحائط، فضبطت حتى صرت أنا والإفرنج مصطفين وبيننا الحائط، فتسرع منهم فارس عليه تشهير حرير اخضر واصفر، فظننت ان تحته درع فتركته حتى تجاوزني وضربت الفرس بمهمازي ففزت الحائط وطعنته، فمال إلى ان وصل رأسه ركابه ووقع ترسه والرمح من يديه والخوذة عن رأسه، ونحن قد وصلنا
стр. 63
إلى رجالتنا، ثم عاد انتصب في سرجه وكان عليه زرديه تحت التشهير فما جرحته الطعنه وادركه أصحابه ثم عادوا، وأخذ الرجالة الترس والرمح والخوذة.
جمعة نفسه يهرب
فلما انقضى القتال ورجع الإفرنج جاءني جمعة ﵀ يعتذر عن ابنه محمودوقال هذا الكلب انهزم عنك. قلتوأي شيء يكون؟ قال ينهزم عنك ولا يكون شيء؟ قلت وحياتك يا أبا محمود وأنت تنهزم عني أيضا. قال يا شين! والله إن موتي أسهل علي من أن انهزم عنك ولم يمضي إلا أيام قلائل حتى أغارت علينا خيل حماه فاخذوا لنا باقورة وحبسوها في الجزيرة تحت الطاحون الجلالي. وطلع الرماة على الطاحون يحمون الباقورة، فوصلتهم أنا وجمعة وشجاع الدولة ماضي مولد لنا وكان رجلاً شجاعا. فقلت لهمانعبر الماء ونأخذ الدواب. فعبرنا. أما ماضي فضربت فرسه نشابة فقتلتها وبالجهد وأوصلته إلى اصحاب، وأما أنا ضربت فرسي نشابة في أصل رقبتها فجاوزت فيها قدر شبر، فو الله ما رمحت وما قلقت ولا كأنها أحست بجرح، وأما جمعة رجع خوفاً على فرسه. فلما عدنا قلتيا أبا محمود ما قلت لك أنك تنهزم عني وأنت تلوم ابنك محموداً؟ قالوالله ما خفت إلى على الفرس، فإنها تعز علي واعتذر.
أسامة يطعن رفيقه خطأ
وقد كنا ذلك اليوم التقينا نحن وخيل حماة وقد سبقهم بعضهم بالباقورة إلى الجزيرة، فاقتتلنا نحن وهم وفيهم فرسان عسكر حماة سرهنك وغازي التلي ومحمود بن بلداجي وحضر الطوط واسباسيلار
стр. 64
خطلخ وهم أكثر عدداً منا فحملنا عليهم فهزمناهم وقصدت فارساً أريد اطعنه وإذا هو حضر الطوط. فقال الصنيعة يا فلان! فعدلت عنه إلى أخر فطعنته فوقع الرمح تحت إبطه، فلو تركته ما كان وقع فشد عضده عليه يريد أخذ الرمح والفرس منسدره بي فطار في السرج على رقبة الحصان فوقع، ثم قام وهو على شفير الوادي المنحدر إلى الجلالي فضرب حصانه وساقه بين يديه ونزل، وحمدت الله سبحانه الذي ما ناله ضرر من تلك الطعنه لأنه كان غازي التلي وكان ﵀ رجل جيداً.
جمعة يستخلص أسيرا
ونزل علينا عسكر إنطاكية في بعض الأيام منزلاً كان ينزله كلما نزل علينا. ونحن ركاب مقابلهم وبيننا النهر، فلم يقصدنا منهم أحد، وضربوا خيامهم ونزلوا فيها ورجعنا نحن نزلنا في دورنا ونحن نراهم من الحصن، فخرج من جندنا نحو من عشرين فارساً إلى بندرقنين، قريه بالقرب من البلد يرعون خيلهم، وقد تركوا رماحهم في دورهم، فخرج من الإفرنج فارساً سار إلى القريب من أولئك الجند الذين يرعون خيلهم فصادفا رجل على الطريق يسوق بهمة فأخذوه وبهيمته ونحن نراهم من الحصن، وركب أولئك
стр. 65
الجند ووقفوا ما معهم رماح. فقال عميابصروا الساعة ما يعمل، فلما دنا من الفارسين وهو يركض كفء رأس فرسه وسار خلفهم سترة فلما رأى عمي توقفه عنهما، وهو على روشن في الحصن يراه، دخل من الروشن مغضباً وقالهذا خذلان! وكان توقف جمعة من جورة كانت في يدي الفارسين لا يكون لهم فيها كمين، ولما وصل إلى تلك الجوره وما فيها أحد أغار على الفارسين، خلص الرجل وبهيمته وطردهما إلى الخيام. وكان ابن ميمون صاحب إنطاكية يرى ما جرى، فلما وصل الفارسان أنفذ أخذ ترسيهما جعلهما معالف لدواب ورما خيمتهما وطردهما وقالفارس واحد من المسلمين يطرد فارسين من الإفرنج! ما انتم رجال أنتم نساء. وأما جمعة فوبخه وحرد عليه لوقوفه عنهما أول ما وصلهما، فقال يا مولاي خفت لا يكون لهم في الجورة رابيه القرامطة كمين يخرج علي، فلما كشفتها وما رأيت فيها أحداً استخلصت الرجل والبهيمة وطردتهما حتى دخلا عسكرهما. فلا والله ما قبل عذره ولا رضي عنه.
منزلة الفارس عند الأفرنج
والإفرنج خذلهم الله ما فيهم فضيلة من فضائل الناس سوى الشجاعة ولا عندهم تقدمة ولا منزلة عالية إلا للفرسان، ولا عندهم ناس إلا للفرسان، فهم أصحاب الرأي وهم أصحاب القضاء والحكمة، وقد حاكمتهم
стр. 66
مرة على قطعان غنم أخذها صاحب بانياس من الشعراء وبيننا وبينهم صلح، وأنا إذ ذاك بدمشق. فقلت للملك فلك بن فلكهذا تعدى علينا وأخذ دوابنا، وهو وقت ولاد الغنم، فولدت وماتت أولادها وردها علينا بعد أن أتلفها. فقالالملك لستة سبعة من الفرسانقوموا أعملوا له حكماً، فخرجوا من مجلسه وأعتزلوا وتشاوروا حتى أتفق رأيهم كلهم على شيء واحد وعادوا إلى مجلس الملك فقالواقد حكمنا أن صاحب بانياس عليه غرامة ما أتلف من غنمهم، فأمره الملك بالغرامة فتوسل إلي وثقل علي وسألني حتى أخذت منه أربع مائة دينار. وهاذا الحكم بعد أن تعقده الفرسان ما يقدر الملك ولا أحد من مقدمي الأفرنج يغيره ولا ينقصه، فالفارس أمر عظيم عندهم. ولقد قال لي الملك يا فلان وحق ديني لقد فرحت البارحة فرحاً عظيم. وما كنت اعتقد أنك فارس. قلت يا مولاي أنا فارس من جنسي وقومي. وإذا كان الفارس دقيقاً عظيماً كان أعجب لهم.
أمان تنكرد لا قيمة له
وهو أول وكان نزل علينا كندري أصحاب إنطاكية بعد ميمون، فقاتلنا ثم أصلحنا، فنفذ يطلب حصاناً لغلام لعمي
стр. 67
عز الدين ﵀ وكان فرساً جواداً، فنفذه له عمي تحت رجل من أصحابنا كردي يقال له حسنون، وكان من الفرسان الشجعان وهو شاب مقبول الصورة دقيق ليسابق بالحصان بين يدي كندري. فسابق به فسبق الخيل المجراة كلها وحضر بين يدي دنكري فصار الفرسان يكشفون سواعده ويتعجبون من دقته وشبابه، وقد عرفوا أنه فارس شجاع فخلع عليه دنكري. فقال له حسنونيا مولاي أريدك تعطيني أمانك أنك أن ظفرت بي في القتال تصطنعني وتطلقني. فأعطاه أمانة على ما توهم حسنون فأهم لا يتكلمون إلا بالإفرنجية، ما ندري ما يقولونومضى على هذا سنة أو أكثر وأنقضت مدة الصلح، وجاءنا دنكري في عسكر إنطاكية فقاتلنا عند سور المدينة، وكانت خيلنا لقيت أوائلهم، فطعن فيهم رجل يقال له كامل المشطوب من أصحابنا كردي وهو وحسنون نظراء في الشجاعة، وحسنون واقف مع والدي ﵀ على حجرة له ينتظر حصانه يأتيه به غلامه من عند البيطار ويأتيه كزاغندة، فأبطأ عليه وأقلقه طعن كامل المشطوب فقال والدييا مولاي أمرلي بلباس خفيف. فقال هذه البغال عليها السلاح واقفة مهما صلح لك ألبسه. وأنا إذ ذاك واقف خلف والدي وأنا صبي وهو أول يوم رأيت فيه القتال. فنظر الكزاغندات في عيبها على البغال فما وافقته وهو يغلي يريد يتقدم يعمل كما عمل كامل المشطوب، فتقدم على حجرته وهو معرى فأعترضه فارس منهم فطعن الفرس في قطأتها فعضت على فاس اللجام وحملت به حتى رمته في وسط موكب الأفرنج فأخذوه أسيراً وعذبوه أنواع العذاب وأرادوا قلع عينه اليسرى فقال لهم دنكري لعنه اللهأقلعوا عينه اليمين، حتى إذا حمل الترس أسترت عينه اليسار فلا يبقى يبصر شيئاً. فقلعوا
стр. 68
عينه اليمين كما أمرهم وطلبوا منه ألف دينار وحصاناً أدهم كان لوالدي من خيل خفاجة جواداً من أحسن الخيل فاشتراه بالحصان ﵀. وكان خرج من شيزر في ذلك اليوم راجل كثير، فحمل عليهم الفرنج فما زعزعوهم من مكانهم، فحرد دنكري وقال أنتم فرساني، وكل واحد منكم له ديوان مثل ديوان مائة مسلم. وهؤلاء سرجند (يغني رجالة) ما تقدرون تقلعون من موضعهم! قالواإنما خوفنا على الخيل وإلا دسناهم وطعناهم قالالخيل لي، من قتل حصانه أخلفته عليه. فحملوا على الناس عدة حملات، فقلت منهم سبعون حصاناً ما قدروا يزحزحونهم من مواقفهم.
فارس إفرنجي يهزم أربعة مسلمين
وكان بأفامية فارس من كبار فرسانهم يقال له بدرهوا، فكان أبداً يقولترى ما ألتقي جمعة في القتال؟ وجمعة يقولترى ما ألتقي بدرهوا في القتال؟ فنزل علينا عسكر إنطاكية وضرب خيامه في الموضع الذي كان ينزله وبيننا وبينهم الماء، ولنا موكب واقف على شرف مقابلهم، فركب فارس من الخيام وسار حتى وقف تحت موكبنا والماء بينه وبينهم، وصاح بهمفيكم جمعة؟ قالوالا. والله ما كان حاضر فيهم. وكان ذلك الفارس بدرهوا فالتفت فرأى أربعة فوارس منا من ناحيتهيحيى بن صافي وسهل بن أبي غانم الكردي وحارثة النميري وفارس آخر
стр. 69
فحمل عليهم فهزمهم ولحق واحد منهم طعنه طعنة فشلة ما ألحقه حصانه ليمكن الطعن وعاد إلى الخيام. ودخل أولئك النفر إلى البلد فافتضحوا وأستخفهم الناس ولاموهم وأزروا بهم وقالواأربعة فوارس يهزمهم فارس واحد! كنتم افترقتم له فكان طعن واحداً منكم وكان الثلاثة قتلوه، ولا قد افتضحتم. وكان أشد الناس عليهم جمعة النميري. فكأن تلك الهزيمة منحتهم قلوباً غير قلوبهم وشجاعة ما كانوا يطمعون فيها فأنتخوا وقاتلوا اشتهروا في الحرب وصاروا من الفرسان المعدودين بعد تلك الهزيمة. وأما بدرهوا فإنه سار بعد ذالك من أفامية في بعض شغله يريد إنطاكية. فخرج عليه الأسد من غاب في الروج في طريقه فخطفه عن بغلته ودخل به إلى الغاب أكله، لا ﵀.
واخر يحمل على عسكر
ومن إقدام الرجل الواحد على الجمع الكثيرفمن ذالك أن اسباسلار مودود ﵀ نزل بظاهر شيزر يوم الخميس تاسع ربيع الأول سنة خمس وخمس مائة وقد قصده دنكري صاحب إنطاكية في جمع كثير، فخرج إليه عمي ووالدي رحمهما الله وقالاالصواب أن ترحل وتنزل في البلد، ويضرب العسكر خيامهم على السطوحات في المدينة، ونلقى
стр. 70
الأفرنج بعد أن تحرز خيامنا وأثقالنا. فرحل ونزل كما قالا له، وأصبحا خرجا إليه وخرج من شيزر خمسة آلاف راجل معدين، ففرح بهم اسباسلار وقويت نفسه. وكان معه ﵀ رجال جياد فصفوا من قبلي الماء والإفرنج نزول شمالية، فمنعوهم من الشرب والورود نهارهم. فلما كان الليل رحلوا راجعين إلى بلادهم والناس حولهم، فنزلوا على تل الترمسي فمنعوهم الورود كما عملوا بالأمس فرحلوا في الليل ونزلوا على تل التلول والعسكر قد ضايقهم ومنعهم من المسير فاحتاطوا بالماء ومنعوهم من الورود، ورحلوا في الليل متوجهين إلى افامية، ففرغ إليهم العسكر واحتاطوا بهم وهم سائرون، فخرج منهم فارس واحد فحمل على الناس حتى توسطهم فقتلوا حصانه واثخنوه بالجراح، فقاتل وهو راجل حتى وصل أصحابه. ودخل الأفرنج أرضهم، وعاد المسلمون عنهم. ومضى اسباسلار مودود رحمة الله إلى دمشق، فجاءنا بعد اشهر كتاب دنكري صاحب إنطاكية مع فارس معه غلمان وأصحاب يقولهذا فارس محتشم من الأفرنج وصل حج ويريد الرجوع إلى بلاده، وسألني أن أسيره إليكم يبصر فرسانكم وقد نفذته فاستووا به. وكان شاب حسن الصورة حسن اللباس، إلا أن فيه أثار جراح كثيرة وفي وجهه ضربة سيف قد قدت من مفرقه إلى حكمته. فسألت عنه فقالواهذا الذي حمل على عسكر اسباسلار مودود وقتلوا حصانه، وقاتل حتى رجع إلى أصحابه. فتعالى الله القادر على ما يشاء كيف شاء لا يؤخر الأجل إلا حجام ولا يقدمه إلا قدام.
стр. 71
واحد يغزو ثمانية
ومن ذلك ما حكاه لي العقاب الشاعر رجل من أجنادنا من الغرب قالخرج أبي من تدمر يريد سوق دمشق ومعه أربعة فوارس وأربعة رجالة وهم يسوقون ثمانية جمال ليبيعوها. قالبينا نحن نسير إذا فارس مقبل من صدر البرية، فجاء يسير حتى صار بالقرب منا فقالخلوا عن الجمال فصحنا عليه وشتمناه، فأطلق حصانه علينا فطعن منا فارساً رماه عن فرسه وجرحه، فطردناه فسبق، ثم عاد إلينا وقالخلوا عن الجمال! فصحنا عليه وشتمناه، فحمل علينا فطعن راجلاً منا أوثقه بالجرح، وتبعناه فسبقنا، ثم عاد وقد بطل منا رجلان فأطلق علينا فأستقبله رجل منا فطعنه صاحبنا فوقعت الطعنة في قربوس سرجه فأنكسر رمح صاحبنا، وطعنه الفارس فجرحه، ثم حمل علينا فطعن رجلاً منا فصرعه وقالخلوا على الجمال! وإلا أفنيتكم. قلناتعال خذ نصفها قاللا، أحبسوا منها أربعة أتركوها وقوفاً وخذوا أربعة وأمضوا، ففعلنا وما صدقنا نخلص بما سلم معنا، وساق هو تلك الأربعة ونحن نراه ما لنا فيه حيلة ولا طمع، وعاد بالغنيمة وهو وحده ونحن ثمانية رجال.
إفرنجي يستولي على مغار
ومن ذلك أن دنكري صاحب إنطاكية أغار على شيزر فاستاق دواب كثيرة وقتل وسبى، ونزل على قرية يقال لها زلين فيها مغار معلقه لا يوصل إليها في وسط الجبل، ما إليها من فوق منزل ولا إليها من أسفل مطلع، إنما ينزل إليها من يحتمي فيها بالحبال، وذلك يوم الخميس العشرين من ربيع الآخر سنة اثنين
стр. 72
وخمس مائة، فجاء شيطان من فرسانهم إلى دنكري فقالاعمل لي صندوقاً من الخشب وأنا أقعد فيه، ودلوني من الجبل إليهم بسلاسل أوثقوها في الصندوق حتى لا يقطعوها بالسيف فأسقط. فعملوا له صندوقاً ودلوه بالسلاسل المعلقات إلى المغار، وأنزل كل من كان فيها إلى دنكري. وذلك أن المغار بهو ما فيه مكان يستتر الناس فيه - وذلك يرميهم بالنشاب فلا تقع نشابة إلا في إنسان لضيق الموضع وكثرت الناس فيه.
عم أسامه يفك أسر مسلمة
وكان ممن أسر في جملة من أسر في ذلك اليوم امرأة كانت من أصل جيد من العرب وصفت لعمي عز الدين أبي العساكر سلطان ﵀ قبل ذلك وهي في بيت أبيها. فأرسل عمي عجوزاً من أصحابه تبصرها فعادت تصفها وجمالها وعقلها أما لرغبة بذولها لها أما أروها غيرها، فخطبها عمي وتزوجها. فلما دخلت عليه رأى غير ما وصف له منها، ثم هي خرساء، فوفاها مهرها وردها إلى قومها، فأسرت من بيوت قومها ذلك اليوم فقال عميما أدع امرأة تزوجتها وانكشفت علي في أسر الإفرنج. فاشتراها ﵀ بخمس مائة دينار وسلمها إلى أهلها.
فطنة فتاة تركية
ومن ذلك ما حدثني به الؤيد الشاعر البغدادي بالموصل سنة خمس وستين وخمس مائة قالاقطع الخليفة والدي ضيعة وهو يتردد إليها وبها جماعة من العيارين يقطعون الطريق ووالدي يصانعهم لخوفه منهم وانتفاعه بشيء مما يأخذونه. فنحن يوماً جلوس بها أقبل غلام تركي على حصانه ومعه بغل رحل عليه خرج وجارية راكبه فوق الخرج فنزل وأنزل الجارية فقاليا فتيان، اسعدوني على حط الخرج، فجئنا
стр. 73
حططناه معه وإذا به كله دنانير ذهب ومصاغ، فجلس هو والجارية، أكلا شيئا ثم قالاسعدوني على رفع الخرج، فرفعناه معه فقال لناكيف طريق الأنبار؟ فقال له والديالطريق ها هنا وأشار إلى الطريق ولكن في الطريق ستون عياراً أخاف عليك منهم. فضرط له وقالأنا أخاف من العيارين! فتركه والدي ومضى إلى العيارين أخبرهم خبره وما معه، فخرجوا حتى عارضه في الطريق، فلما رآهم أخرج قوسه وترك فيه سهمًا واستوفاه يريد يرميهم فانقطع الوتر، فهجم عليه العيارون فانهزم، وأخذ البغل والجارية والخرج فقالت لهم الجارية يا شباب بالله لاتهتكوني وبيعوني نفسي والبغل أيضاً بعقد جوهر مع التركي قيمته خمس مائة دينار، وخذوا الخرج وما فيه قالواقد فعلنا. ابعثوا لي بعضكم حتى أتحدث مع التركي وآخذ العقد، فبعثوا معها من يحفظها حتى دنت من التركي وقالت لهلقد اشتريت نفسي والبغل بالعقد التي في ساق موزك خفك اليسار فادفعه لي. قالنعم. وانفسح عنهم وأخرج الساق موزا وإذا فيه وتر قوس، فركبه على قوسه ورجع إليهم. فما زالوا يقاتله وهو يقتل منهم واحدًا واحداً حتى قتل منهم ثلاثة وأربعين رجلاً. ونظر فإذا والدي في جماعة الباقين من العيارين فقالوأنت فيهم! فتشتهي أعطيك نصيبك من النشاب! قاللا. قالخذ هؤلاء السبعة عشر الباقين أمض بهم إلى شحنة البلد يشنقهم واولائك قد زنهروا ورموا سلاحهم. وساق بغله بما
стр. 74
عليه ومضى، وقد أرسل الله تعالى على العيارين منه مصيبة وسخطة عظيمة.
مغامرات أخرى
ومن ذلك ما حضرته في سنة تسع وخمسمائة وقد خرج والدي ﵀ بالعسكر إلى اسباسلار برسق ﵀ وقد وصل بأمر السلطان إلى الغزاة وهو في خلق عظيم وجماعة من الأمراءمنهم أمير الجيوش اوزبه صاحب الموصل، وسنقرد راز صاحب الرحبة والأمير كندغندي، والحاجب الكبير بكتمر، وزنكي بن برسق وكان من الأبطال، وتميرك، وإسماعيل البكجي وغيرهم من الأمراء. فنزلوا على كفر طاب وفيها أخوا ثويفل والإفرنج فقاتلوها ودخلوا الخرسانية في الخندق ينقبون، والإفرنج قد أيقنوا بالهلاك فطرحوا النار بالحصن فأحرقوا السقوف فوقعت على الخيل والدواب والغنم والخنازير والأسارى فاحترق الجميع وبقي الأفرنج معلقين في أعلاه على الحيطان. فوقع لي أن أدخل في النقب أبصره فنزلت في الخندق، والنشاب والحجار مثل المطر علينا ودخلت النقب فرأيت حكمة عظيمة قد نقبوا من الخندق إلى الباشورة وأقاموا في جوانب النقب قائمتين وعليهما عرضية تمنع من تهدم ما فوقها ونظموا النقب بالأخشاب كذلك إلى أساس البشورة وعلقوه
стр. 75
وبلغوا أساس البرج وحملوه على الأخشاب ويخرجون نقارة الحجار اولاً فأولاً. وأرض النقب من النقش قد صارت طيناً، فرأيته وخرجت ولم يعرفني الخرسانية، ولو عرفوني ما تركوني أخرج إلا بغرامة كثيرة لهم. وشرعوا في تقطيع الخشب اليابس وحشوا النقب بذلك الخشب واصبحوا طرحوا فيه النار. وقد لبسنا وزحفنا إلى الخندق لنهجم الحصن إذا وقع البرج وعلينا من الحجارة والنشاب بلاء عظيم. فأول ما عملت النار صار يسقط ما بين الحجار من تكحيل الكلس ثم انشق واتسع الشق ووقع البرج، ونحن نظن إذا وقع تمكن من الدخول عليهم، فوقع الوجه البراني وبقي الحائط الجواني كما هو فوقفنا إلى ان خيمت علينا الشمس ورجعنا إلى خيامنا، وقد نالنا من الحجارة أذى كثير.
فمكثنا إلى الظهر وإذا قد خرج من العسكر راجل واحد معه سيفه وترسه فمضى إلى حائط البرج الذي قد وقع وقد صارت جوانبه كدرج السلم فتوقل فيه حتى صعدا أعلاه، فلما رآه رجال العسكر تبعه منهم قدر عشرة رجال تسرعوا بعدتهم فصعدوا واحداً وراء واحد حتى صاروا على البرج والإفرنج لا يشعرون بهم. ولبسنا نحن من الخيام وزحفنا، فكثروا على البرج قبل أن يتكامل الناس عندهم. ففرغ إليهم الإفرنج فرموهم بالنشاب فجرحوا الذي طلع في الأول فنزل. وتتابع الناس في الطلوع وصاروا مع الإفرنج على بدن من الحيطان البرج وبين يديهم برج في بابه فارس لابس ومعه ترسه وقنطاريته يحمي من دخول البرج، وعلى البرج جماعة من الإفرنج يقاتلون الناس
следующие страницы →