Полный текст (221 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
واحد يغزو ثمانية
ومن ذلك ما حكاه لي العقاب الشاعر رجل من أجنادنا من الغرب قالخرج أبي من تدمر يريد سوق دمشق ومعه أربعة فوارس وأربعة رجالة وهم يسوقون ثمانية جمال ليبيعوها. قالبينا نحن نسير إذا فارس مقبل من صدر البرية، فجاء يسير حتى صار بالقرب منا فقالخلوا عن الجمال فصحنا عليه وشتمناه، فأطلق حصانه علينا فطعن منا فارساً رماه عن فرسه وجرحه، فطردناه فسبق، ثم عاد إلينا وقالخلوا عن الجمال! فصحنا عليه وشتمناه، فحمل علينا فطعن راجلاً منا أوثقه بالجرح، وتبعناه فسبقنا، ثم عاد وقد بطل منا رجلان فأطلق علينا فأستقبله رجل منا فطعنه صاحبنا فوقعت الطعنة في قربوس سرجه فأنكسر رمح صاحبنا، وطعنه الفارس فجرحه، ثم حمل علينا فطعن رجلاً منا فصرعه وقالخلوا على الجمال! وإلا أفنيتكم. قلناتعال خذ نصفها قاللا، أحبسوا منها أربعة أتركوها وقوفاً وخذوا أربعة وأمضوا، ففعلنا وما صدقنا نخلص بما سلم معنا، وساق هو تلك الأربعة ونحن نراه ما لنا فيه حيلة ولا طمع، وعاد بالغنيمة وهو وحده ونحن ثمانية رجال.
إفرنجي يستولي على مغار
ومن ذلك أن دنكري صاحب إنطاكية أغار على شيزر فاستاق دواب كثيرة وقتل وسبى، ونزل على قرية يقال لها زلين فيها مغار معلقه لا يوصل إليها في وسط الجبل، ما إليها من فوق منزل ولا إليها من أسفل مطلع، إنما ينزل إليها من يحتمي فيها بالحبال، وذلك يوم الخميس العشرين من ربيع الآخر سنة اثنين
стр. 72
وخمس مائة، فجاء شيطان من فرسانهم إلى دنكري فقالاعمل لي صندوقاً من الخشب وأنا أقعد فيه، ودلوني من الجبل إليهم بسلاسل أوثقوها في الصندوق حتى لا يقطعوها بالسيف فأسقط. فعملوا له صندوقاً ودلوه بالسلاسل المعلقات إلى المغار، وأنزل كل من كان فيها إلى دنكري. وذلك أن المغار بهو ما فيه مكان يستتر الناس فيه - وذلك يرميهم بالنشاب فلا تقع نشابة إلا في إنسان لضيق الموضع وكثرت الناس فيه.
عم أسامه يفك أسر مسلمة
وكان ممن أسر في جملة من أسر في ذلك اليوم امرأة كانت من أصل جيد من العرب وصفت لعمي عز الدين أبي العساكر سلطان ﵀ قبل ذلك وهي في بيت أبيها. فأرسل عمي عجوزاً من أصحابه تبصرها فعادت تصفها وجمالها وعقلها أما لرغبة بذولها لها أما أروها غيرها، فخطبها عمي وتزوجها. فلما دخلت عليه رأى غير ما وصف له منها، ثم هي خرساء، فوفاها مهرها وردها إلى قومها، فأسرت من بيوت قومها ذلك اليوم فقال عميما أدع امرأة تزوجتها وانكشفت علي في أسر الإفرنج. فاشتراها ﵀ بخمس مائة دينار وسلمها إلى أهلها.
فطنة فتاة تركية
ومن ذلك ما حدثني به الؤيد الشاعر البغدادي بالموصل سنة خمس وستين وخمس مائة قالاقطع الخليفة والدي ضيعة وهو يتردد إليها وبها جماعة من العيارين يقطعون الطريق ووالدي يصانعهم لخوفه منهم وانتفاعه بشيء مما يأخذونه. فنحن يوماً جلوس بها أقبل غلام تركي على حصانه ومعه بغل رحل عليه خرج وجارية راكبه فوق الخرج فنزل وأنزل الجارية فقاليا فتيان، اسعدوني على حط الخرج، فجئنا
стр. 73
حططناه معه وإذا به كله دنانير ذهب ومصاغ، فجلس هو والجارية، أكلا شيئا ثم قالاسعدوني على رفع الخرج، فرفعناه معه فقال لناكيف طريق الأنبار؟ فقال له والديالطريق ها هنا وأشار إلى الطريق ولكن في الطريق ستون عياراً أخاف عليك منهم. فضرط له وقالأنا أخاف من العيارين! فتركه والدي ومضى إلى العيارين أخبرهم خبره وما معه، فخرجوا حتى عارضه في الطريق، فلما رآهم أخرج قوسه وترك فيه سهمًا واستوفاه يريد يرميهم فانقطع الوتر، فهجم عليه العيارون فانهزم، وأخذ البغل والجارية والخرج فقالت لهم الجارية يا شباب بالله لاتهتكوني وبيعوني نفسي والبغل أيضاً بعقد جوهر مع التركي قيمته خمس مائة دينار، وخذوا الخرج وما فيه قالواقد فعلنا. ابعثوا لي بعضكم حتى أتحدث مع التركي وآخذ العقد، فبعثوا معها من يحفظها حتى دنت من التركي وقالت لهلقد اشتريت نفسي والبغل بالعقد التي في ساق موزك خفك اليسار فادفعه لي. قالنعم. وانفسح عنهم وأخرج الساق موزا وإذا فيه وتر قوس، فركبه على قوسه ورجع إليهم. فما زالوا يقاتله وهو يقتل منهم واحدًا واحداً حتى قتل منهم ثلاثة وأربعين رجلاً. ونظر فإذا والدي في جماعة الباقين من العيارين فقالوأنت فيهم! فتشتهي أعطيك نصيبك من النشاب! قاللا. قالخذ هؤلاء السبعة عشر الباقين أمض بهم إلى شحنة البلد يشنقهم واولائك قد زنهروا ورموا سلاحهم. وساق بغله بما
стр. 74
عليه ومضى، وقد أرسل الله تعالى على العيارين منه مصيبة وسخطة عظيمة.
مغامرات أخرى
ومن ذلك ما حضرته في سنة تسع وخمسمائة وقد خرج والدي ﵀ بالعسكر إلى اسباسلار برسق ﵀ وقد وصل بأمر السلطان إلى الغزاة وهو في خلق عظيم وجماعة من الأمراءمنهم أمير الجيوش اوزبه صاحب الموصل، وسنقرد راز صاحب الرحبة والأمير كندغندي، والحاجب الكبير بكتمر، وزنكي بن برسق وكان من الأبطال، وتميرك، وإسماعيل البكجي وغيرهم من الأمراء. فنزلوا على كفر طاب وفيها أخوا ثويفل والإفرنج فقاتلوها ودخلوا الخرسانية في الخندق ينقبون، والإفرنج قد أيقنوا بالهلاك فطرحوا النار بالحصن فأحرقوا السقوف فوقعت على الخيل والدواب والغنم والخنازير والأسارى فاحترق الجميع وبقي الأفرنج معلقين في أعلاه على الحيطان. فوقع لي أن أدخل في النقب أبصره فنزلت في الخندق، والنشاب والحجار مثل المطر علينا ودخلت النقب فرأيت حكمة عظيمة قد نقبوا من الخندق إلى الباشورة وأقاموا في جوانب النقب قائمتين وعليهما عرضية تمنع من تهدم ما فوقها ونظموا النقب بالأخشاب كذلك إلى أساس البشورة وعلقوه
стр. 75
وبلغوا أساس البرج وحملوه على الأخشاب ويخرجون نقارة الحجار اولاً فأولاً. وأرض النقب من النقش قد صارت طيناً، فرأيته وخرجت ولم يعرفني الخرسانية، ولو عرفوني ما تركوني أخرج إلا بغرامة كثيرة لهم. وشرعوا في تقطيع الخشب اليابس وحشوا النقب بذلك الخشب واصبحوا طرحوا فيه النار. وقد لبسنا وزحفنا إلى الخندق لنهجم الحصن إذا وقع البرج وعلينا من الحجارة والنشاب بلاء عظيم. فأول ما عملت النار صار يسقط ما بين الحجار من تكحيل الكلس ثم انشق واتسع الشق ووقع البرج، ونحن نظن إذا وقع تمكن من الدخول عليهم، فوقع الوجه البراني وبقي الحائط الجواني كما هو فوقفنا إلى ان خيمت علينا الشمس ورجعنا إلى خيامنا، وقد نالنا من الحجارة أذى كثير.
فمكثنا إلى الظهر وإذا قد خرج من العسكر راجل واحد معه سيفه وترسه فمضى إلى حائط البرج الذي قد وقع وقد صارت جوانبه كدرج السلم فتوقل فيه حتى صعدا أعلاه، فلما رآه رجال العسكر تبعه منهم قدر عشرة رجال تسرعوا بعدتهم فصعدوا واحداً وراء واحد حتى صاروا على البرج والإفرنج لا يشعرون بهم. ولبسنا نحن من الخيام وزحفنا، فكثروا على البرج قبل أن يتكامل الناس عندهم. ففرغ إليهم الإفرنج فرموهم بالنشاب فجرحوا الذي طلع في الأول فنزل. وتتابع الناس في الطلوع وصاروا مع الإفرنج على بدن من الحيطان البرج وبين يديهم برج في بابه فارس لابس ومعه ترسه وقنطاريته يحمي من دخول البرج، وعلى البرج جماعة من الإفرنج يقاتلون الناس
стр. 76
بالنشاب والحجارة، فصعد رجل من الأتراك ونحن نراه، ومشى والبلاء يأخذه إلى أن دنا من البرج وضرب الذي عليه بقارورة نفط فرأيته كالشهاب على تلك الحجارة إليهم، وقد رموا نفوسهم إلى الأرض خوفاً من الحريق، ثم عاد. وطلع أخر يمشي على البدن ومعه سيف وترس، فخرج عليه من البرج الذي في بابه الفارس رجل منهم عليه زرديتان وبيده قنطاريه وما معه ترس، فلقيه التركي وفي يده سيفه فطعنه الإفرنجي فدفع سنان قنطارية عنه بالترس ومشى إلى الإفرنجي وقد دخل على الرمح إليه، فولى عنه وأدار ظهره وأمال ظهره كالراكع خوفاً على رأسه، فضربه التركي ما عملت فيه شيئاً، ومشى حتى دخل البرج وقوي عليهم الناس وتكاثروا، فسلموا الحصن ونزل لأسارى إلى الخيام برسق بن برسق. فشاهدت ذلك الذي خرج بقنطاريته على التركي وقد جمعهم في سرادق برسق بن برسق ليقطعوا على نفوسهم ثمنناً يخلصون به، فوقف وكان سرجندياً وقالكم تأخذون مني؟ قالوانريد ستمائة دينار. فضرط لهم وقالأنا سرجندي ديواني كل شهر ديناران، من أين لي ستمائة دينار؟ وعاد جلس بين أصحابه، وكان خلقة عظيمة. فقال الأمير سيد الشريف وكان من كبار الأمراء لوالدي رحمهما اللهيا أخي ترى هؤلاء القوم؟ نعوذ بالله منهم. فقضى سبحانه ان العسكر رحل من كفر طاب إلى دانيث وصحبهم عسكر إنطاكية يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ربيع الآخر.
стр. 77
وكان تسليم كفر طاب يوم الجمعه ثالث عشر ربيع الأخر، فقتل الأمير سيد ﵀ وخلق كثير من المسلمين. وعاد الوالد ﵀ وكنت قد فارقته من كفر طاب وقد كسر العسكر، ونحن في كفر طاب نحرزها نريد نعمرها، وكان اسباسلار سلمها إلينا ونحن نخرج الأسرى كل أثنين في قيد من أهل شيزر وقد احترق نصف ذا وقد بقيت فخذه، وذا قد مات في النار، فرأيت منهم عبرة عظيمة فتركناها وعدنا إلى شيزر مع الوالد ﵀، وقد أخذ كل ما كان معه من الخيام والجمال والبغال والبرك والتحمل وتفرق العسكر.
مكيدة لؤلؤ
وكان ما جرى عليهم، بمكيدة من لؤلؤ لخادم صاحب حلب ذلك الوقت، قرر مع صاحب إنطاكية أن يحتال عليهم ويفرقهم ويخرج ذلك من إنطاكية بعسكره يكسرهم. فأرسل إلى اسباسيلار برسق ﵀ يقولتنفذ لي بعض الأمراء ومعه جماعة من العسكر أسلم إليهم حلب، فإني أخاف من أهل البلد ان لا يطاوعني على التسليم، فأريد أن بكون مع الأمير جماعة أتقوى بهم على الحلبيين. فنفذ إليه أمير الجيوش ارزبة ومعه ثلاثة آلاف فارس وصبحهم رو جار لعنه الله، كسرهم لنفاذ المشيئة. وعاد الإفرنج لعنهم الله إلى كفر طاب عمروها وسكنوها.
стр. 78
وقدر الله تعالى ان خلص الأسرى من الفرنج الذين أخذوا من كفر طاب. فإن الأمراء اقتسموهم وأبقوهم معهم ليشتروا أنفسهم إلى ما كان من أمير الجيوش فإنه تقدم الذين طلعوا في سهمه. ضرب رقاب جميعهم قبل أن يتوجه إلى حلب. وافترق العسكر - من سلم منهم من دانيث - وتوجهوا إلى بلادهم، فذلك الرجل الذي طلع وحده إلى برج كفر طاب كان سبب أخذها.
نمير يستولي على مغارة الإفرنج
ومن ذلككان في خدمتي رجل يقال له نمير العلار وزي، راجل شجاع نهض هو وقوم من رجال شيزر إلى الروج إلى الإفرنج، فعثروا في البلد على قافلة من الإفرنج في مغارة. فقال بعضهم لبعضمن يدخل عليهم قال نميرأنا، فدفع إليهم سيفه وترسه وجذب سكينه ودخل عليهم فاستقبله رجل منهم فضربه بالسكين رماه وبرك عليه يقتله وخلفه إفرنجي معه سيف فضربه وعلى ظهر نمير مزود فيه خبز فهو يرد عنه، فلما قتل الرجل الذي تحته ألتفت إلى صاحب السيف يريده فضربه بالسيف في جانب وجهه فقطع حاجبه وجفن عينه وخده وأنفه وشفته العليا، فتدلى جانب وجهه على صدره فخرج من المغارة إلى أصحابه فشدوا جرحه ورجعوا إليه في ليلة باردة ماطرة، فوصل شيزر وهو على تلك الحالة، فخيط وجهه وداوى جراحه فبرأ وعاد إلى مكان عليه، إلا أن عينه تلفت وهو أحد الثلاثة الذين رماهم الإسماعيلية من حصن شيزر وقد تقد ذكرهم.
стр. 79
واحد يهزم قوماً في رفنية
وحدثني الرئيس سهري وكان في خدمت الأمير شمس الخواص التونتاش صاحب رفنية وكان بينه وبين علم الدين علي كرد صاحب حماة عداوة وخلف، قالأمرني شمس الخواص أن أخرج أقدر بلد رفنية وابصر زرعه، فخرجت ومعي قوماً من الجند. قدرت البلد، ونزلت ليلة عند المساء بقرية من قرى الرفنية لها برج صعدنا إلى سطحه تعشينا وجلسنا وخيلنا على باب البرج، فما شعرنا إلى برجل قد أشرف علينا من بين شراشيف البرج فصاح علينا ورمى نفسه إلينا وفي يده سكينه فنهزمنا ونزلنا في السلم الأول وهو خلفنا، ونزلنا في السلم الثاني وهو خلفنا حتى وصلنا الباب فخرجنا وإذا قد رتب لنل رجلاً على الباب فقبضونا جميعنا وأوثقونا رباطًا ودخلوا بنا حماة علي كرد، فما سلمنا من ضرب الرقبة إلا بفسحة الأجل، فحبسنا وغرمنا، وكان الذي فعل بنا ذلك كله رجل واحد.
ابن المرجي يستولي على حصن
ومثل ذلك جرى في حصن الخربة، كانت لصلاح الدين محمد بن أيوب الغسياني ﵀ وفيها الحاجب عيسى واليها، وهو حصن منيع على صخرة مرتفعة من جميع جوانبه يطلع إليه بسلم خشب ثم يرفع السلم فلا يبقى إليها طريق، وليس مع الولي في الحصن سوى ابنه وغلامه وبواب الحصن وله صاحب يقال له ابن المرجي يطلع إليه في الوقت بعد الوقت في أشغاله، فتحدث مع الأسماعليية وقرر
стр. 80
معهم قراراً أرضاه، من مال واقطاع ويسلم إليهم الحصن الخربة، ثم جاء إلى الحصن فاستأذن وطلع فبدأ بالباب، قتله فلقيا الغلام فقتله ودخل على الوالي قتله وسلمه إلى الإسماعيلية، وقاموا له بما كانوا قرروه له. والرجال إذا قوا أنفسهم على شيء فعلوه.
مروءة مكار نصراني
ومن ذلك تفاضل الرجال في هممهم ونخوتهم، وكان الوالد ﵀ يقول لي " كل جيد من سائر الأجناس، من الرديء من جنسه ما يكون بقيمته، مثل حصان جيد يساوي مائة دينار، خمس حصن رديئة تساوي مائة دينار وكذلك الجمال وكذلك أنواع الملبوس، إلا ابن آدم فإن ألف رجل أرد ياء لا يساوون رجلاً واحداً جيداً ". وصدق ﵀.
كنت قد نفذت مملوكاً لي في شغل مهم إلى دمشق واتفق أن أتابك زنكي ﵀ أخذ حماة ونزل على حمص، فاشتدت الطريق على صاحبي فتوجه إلى بعلبك ومنها إلى طرابلس واكترى بغل رجل نصراني يقال له يونان فحمله إلى حيث اكتراه وودعه، ورجع وخرج صاحبي في قافلة يريد يتوصل إلى شيزر من حصون الجبل فلقيهم إنسان فقال لأرباب الدواب لا تمضوا فإن في طريقكم في الموضع الفلاني عقد حرامية في ستين سبعين رجلا يأخذونكم قالفوقفنا لا ندري ما نعمل، ما تطيب نفوسنا بالرجوع ولا نجسر على المسير من الخوف، فنحن كذالك إذا الريس يونان قد أقبل مسرعاً. فقلناما لك يا ريس؟ قالسمعت أن في طريقكم حرامية جئت لأسيركم، سيروا. فسرنا معه إلى ذلك الموضع، وإذا قد نزل من الجبل خلق عظيم من
стр. 81
الحرامية يريدون أخذنا فلقيهم يونان وقاليا فتيان موضعكم! أنا يونان وهؤلاء في خفارتي، والله جميعهم عنا وما أكلوا من عندنا رغيف خبز، ومشي معنا يونان حتى أمنا ثم ودعنا وأنصرف.
وفاء بدوي
وحكى لي صاحبي هذا عن أبن صاحب الطور وكان طلع معي من مصر في سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة، قال حدثني أبن والي الطوروهي ولاية لمصر بعيدة، كان الحافظ لدين الله ﵀، إذا أراد أبعاد بعض الأمراء ولاه الطور وهو قريب لبلاد الأفرنج. قالوليها والدي وخرجت أنا معه إلى الولاية وكنت مغرى بالصيد فخرجت أتصيد فوقع بي قوم من الإفرنج فأخذوني ومضوا بي إلى بيت جبريل فحبسوني فيه في جب وحدي وقطع علي صاحب بيت جبريل ألفي دينار، فبقيت في الجب سنة لا يسأل عني أحد، فأنا في بعض الأيام في الجب وإذا قد رفع عنه الغطاء ودلي إلي رجل بدوي. فقلتمن أين أخذوك؟ قالمن الطريق، فأقام عندي يويمات وقطعوا عليه خمسين ديناراً، فقال لي يوماً من الأيامتريد تعلم أن ما يخلصك من هذا الجب إلا أنا؟ فخلصني حتى أخلصك. فقلت في نفسي رجل قد وقع في شدة يريد لروحه الخلاص، فما جاوبته. ثم بعد أيام أعاد على ذلك القول. فقلت في نفسيوالله لأسعين في خلاصه لعل الله يخلصني بثوابه. فصحت بالسجن فقلت لهقل للصاحب أشتهي أتحدث معك. فعاد وأطلعني من الجب وأحضرني عند الصاحب. فقلت لهلي في حبسك سنة ما سأل أحد عني ولا يدري
стр. 82
أنا حي أو ميت، وقد حبست عندي هذا البدوي وقطعت عليه خمسين ديناراً أجعلها زيادة على قطيعتي ودعني أسيره إلى أبي حتى يفكني. قالافعل. فرجعت عرفت البدوي وخرج ودعني ومضى. فانتظرت ما يكون منه شهرين فما رأيت له أثراً ولا سمعت له خبراً فيئست منه فما راعني ليلة من الليالي إلا وهو قد خرج علي من نقب في جانب الجب، وقالقم والله لي خمسة أشهر أحفر هذا السرب من قرية خربة حتى وصلت إليك. فقمت معه وخرجنا من ذالك السرب وكسر قيدي وأوصلني إلى بيتي فما أدري مم أعجب من حسن وفائه أو من هدايته حتى طلع نقبه من جانب الجب. وإذا قضى الله سبحانه بالفرج فما أسهل أسبابه.
أسامة يفتدي الأسرى
كنت أتردد إلى ملك الأفرنج في الصلح بينه وبين جمال الدين محمد بن تاج الملوك ﵀ ليد كانت للوالد ﵀ على بغدوين الملك والد الملكة امرأة الملك فلك بن فلك، فكان الإفرنج يسوقون أسراهم إلي لأشتريهم، فكنت أشتري منهم من سهل الله تعالى خلاصه. فخرج شيطان منهم يدعى كليوم جيبا في موكب له يغزي فأخذ مركباً فيه حجاج من المغاربة نحو أربع مائة نفس رجال ونساء. فكان يجيء أقوام مع مالكهم فأشتري منهم من قدرت على شراه، وفيهم رجل شاب يسلم ويقعد لا يتكلم، فسألت عنه فقيل
стр. 83
لي هو رجل زاهد صاحب دباغ. فقلت له بكم تبيعني هذه، قالوحق ديني ما أبيعه إلا هو وهذا الشيخ جملة كما أشتريتهما بثلاثة وأربعين ديناراً، فأشتريتهما اشتريت لي منهم نفراً، اشتريت للأمير معين ﵀ منهم نفراً بمائة وعشرين ديناراً ووزنت ما كان معي وضمنت علي الباقي. وجئت إلى دمشق فقلت للأمير معين الدين رحمه اللهلقد اشتريت لك أسارى أختصك بهم، وما كان معي ثمنهم. والآن قد وصلت إلى بيتي إن أردتهم وزنت ثمنهم وإلا وزنته أنا. قاللا بل أنا أزن والله ثمنهم وأنا أرغب الناس في ثوابهم. وكان ﵀ أسرع الناس إلى فعل خير وكسب مثوبة ووزن ثمنهم. وعدت بعد أيام إلى عكا. وقد بقي من الأسرى عند كليوم جيبا ثمانية وثلاثون أسيراً وفيهم امرأة لبعض الذين خلصهم الله تعالى على يدي فاشتريتها منه، وما وزنت ثمنها، فركبت إلى داره لعنه الله، وقلتتبيعني منهم عشرة؟ قال وحق ديني ما أبيع إلا الجميع. قلتما معي ثمن الجميع، وأنا أشتري بعضهم، والنوبة الأخرى أشتري الباقي. قالما أبيعك إلا الجميع. فانصرفت وقدر الله سبحانه أنهم هربوا في تلك الليلة جميعهم وسكان ضياع عكا كلهم من المسلمين إذا وصل إليهم الأسير آخوه وأوصلوه إلى بلاد الإسلام. وتطلبهم ذلك الملعون فما ظفر منهم بأحد وأحسن الله سبحانه خلاصهم، وأصبح يطالبني بثمن المرأة التي كنت أشتريتها وما وزنت ثمنها وقد هربت في من هرب. فقلتسلمها إلي وخذ ثمنها. قالثمنها لي من أمس قبل أن تهرب. وألزمني بوزن ثمنها، فوزنته وهان ذالك علي لمسرتي بخلاص أولئك المساكين.
стр. 84
عجائب السلامة في آمد
ومن عجائب السلامة إذا جرى بها القدر وسبقت بها المشيئة أن الأمير فخر الدين قرا أرسلان بن سقمان بن أرتق ﵀، عمل على مدينة آمد عدة مرار وأنا بخدمته، ولا يبلغ منها مقصوده. وكان أخر ما عمل عليها ان أمير من الأكراد كان مديوناً بآمد رسالة ومعه جماعة من أصحابه وقرر الأمر ان يصله العساكر في ليلة تواعدوا إليها ويطلعهم بالحبال ويملك آمد. فعول فخر الدين في ذلك المهم على خادم له إفرنجي يقال له ياروق والعسكر كله يمقته ويكرهه لسوء أخلاقه، فركب في بعض العسكر وتقدم، وركب باقي الأمراء فتبعوه وتوان هو في السير فسبقه الأمراء إلى آمد، فأشرف عليهم ذلك الأمير الكردي وأصحابه من بروج ودلوا إليهم الحبال وقالوااطلعوا - ما طلع منهم أحد. فنزلوا كسروا أقفال باب المدينة وقالوا أدخلوا - ما دخلوا. كل ذلك لأعتماد فخر الدين على صبي جاهل في هذا المهم العظيم دون الأمراء الكبار. وعلم بذلك الأمير كمال الدين علي بن نيسان والبلدية والجند ففرغوا إليهم فقتلوا بعضهم ورمى بعضهم نفسه وقبضوا بعضهم. ومد بعض الذين رموا نفوسهم وهو نازل بالهواء، يده كأنه يريد شيء يتمسك به، فوقع في يده حبل من تلك الحبال التي دلوها أول الليل وما طلعوا فيها فتعلق بها ونجا دون أصحابه إلا أن كفيه انسلختا من الحبل، هذا وأنا حاضر.
стр. 85
وأصبح صاحب آمد يتبع الذين عملوا عليه فقتلهم، وسلم ذلك من دونهم فسبحانه من إذا قدر السلامة أنقذ الإنسان من لهاة الأسد فذلك حق لامثل.
الإنقاذ من لهاة الأسد
كان في حصن الجسر رجل من أصحابنا من بني كنانة يعرف بابن الأحمر ركب فرسه من حصن الجسر يريد كفرطاب لشغل له، فاجتاز بكفر نبوذا وقافلة عابرة على الطريق فرأوا الأسد ومع ابن الأحمر حربة تلمع، فصاح إليه أهل القافلة يا صاحب الخشب البراق دونك الأسد! فحمله الحياء من صياحهم أن حمل على الأسد فحاصت به الفرس فوقع فجاء فبرك عليه. وكان لما يريد الله من سلامته، الأسد شبعان فألتقم وجهه وجبهته فجرح وجهه وصار يلحس الدم وهو بارك عليه لا يؤذيه. فقالففتحت عيني فأبصرت لها الأسد، ثم جذبت نفسي من تحته ورفعت فخذه عني وخرجت، تعلقت بشجرة بالقرب منه وصعدت فيها، فراني وجاء خلفي، فسبقت وطلعت في الشجرة، فنام الأسد تحت الشجرة وعلاني من الذر شيء عظيم على تلك الجراح والذر يطلب جريح الأسد كما يطلب الفأر جريح النمر. قالفرأيت الأسد قد قعد وأنصب آذانه كأنه يتسمع، ثم قام يهرول، فإذا قافلة قد أقبلت على الطريق كأنه سمع حسها. فعرفوه وحملوه على بيته، وكان أثر أنياب السبع في جبهته وخديه كوسم النار فسبحان المسلم.
стр. 86
العقل والقتال
قلت تفاوضنا يوما في ذكر القتال ومؤدبي الشيخ العالم ابو عبد الله محمد بن يوسف المعروف بابن المنيرة ﵀ يسمع. فقلت لهيا أستاذ لو ركبت حصاناً ولبست كزاغندا وخوذة وتقلدت سيفاً وحملت رمحاً وترساً ووقفت عند مشهد العاصي موضع ضيق كان الإفرنج لعنهم الله يجتازون به مل كان يجوزك أحد منهم. قالبلى والله موكلكم قلتكانوا يهابونك ولا يعرفونك. قالسبحان الله! فأنا ما أعرف نفسي! ثم قال لي يا فلان ما يقاتل عاقل. قلت يا أستاذ تحكم على فلان وفلان وعددت له رجالاً من أصحابنا من شجعان الفرسان انهم مجانين! قالماذا قصدت إنما العقل لا يحضر وقت القتال. ولو حضرما كان لأنسان يلقي بوجهه السيوف وبصدره الرماح والسهام، ما هذا شيء يقضي به العقل. وكان ﵀ بالعلم أخبر مما هو بالحبر، فأن العقل هو الذي يحمل على الأقدام على السيوف والرماح والسهام انفه من موقف الجبان وسوء الاحوثة. ودليل ذلك ان الشجاع يلحقه الزمع والرعدة وتغير اللون قبل دخوله في الحرب لما يفكر قيه وتحدث به نفسه مما يريد يعمله ويباشره من الخطر، والنفس ترتاع لذلك وتكرهه، فإذا دخل في الحرب وخاض غمارها ذهب عنه ذلك الزمع والرعدة وتغير اللون. وكل أمر لا يحضره العقل يظهر فيه الخطأ والزلل.
الذهول وعواقبه
ومن ذلك أن الفرنج نزلوا مرة حماة في ازوارها،
стр. 87
وفيها زرع مخصب، فضربوا خيامهم في ذلك الزرع، وخرج من شيزر جماعة من الحرامية يدورون بعسكر الفرنج يسرقون منه، فرأوا الخيام بالزرع، فأصبح بعضهم أخبر صاحب حماة وقالالليلة أحرق عسكر الإفرنج كله. قالإن فعلت خلعت عليك. فلما أمسى خرج ومعه نفر على رأيه. قالطرحوا النار غربي الخيام في الزرع لتسوقها الرياح إلى خيامهم، فصار الليل بضوء النار كالنهار، فرآهم الإفرنج فقصدوهم فقتلوا أكثرهم، وما نجى منهم إلا من رمى نفسه بالماء وسبح إلى الجانب الأخر، فهذه أثار الجهل وعواقبه. ورأيت مثل ذلك، وإن لم يكن بالحرب، وقد عسكر الإفرنج على بانياس في جمع كثير ومعه البطرك، وقد ضرب خيمة كبيرة جعلها كنيسة يصلون فيها يتولى خدمتها شيخ شماس منهم وقد فرش أرضها بالحلفاء والحشيش لتحترق البراغيث، فطرح فيه النار وقد يبس، فارتفعت ألسنتها وعلقت بالخيمة فتركتها رماداً فهذا لم يحضره العقل.
حاضر الذهن تحت الأسد
وضده أننا ركبنا في بعض الأيام من شيزر إلى الصيد وعمي ﵀ معنا وجماعة من العسكر، فخرج علينا السبع من قصباء دخلناها لصيد الدراج. فحمل عليه رجل كردي يقال له زهر الدولة بختيار القبرصي سمي بذلك للطف خلقته وكان ﵀ من فرسان المسلمين فستقبله السبع فحاص به الحصان فرماه، وجاء السبع وهو ملقى، فرفع رجله فتلقمها السبع وبادرناه فقتلنا السبع
стр. 88
واستخلصناه وهو سالم. فقلنا له يا زهر الدولة لما رفعت رجلك إلى فم السبع؟ فقالجسمي كما ترونه ضعيف نحيف، وعلي ثوب وغلالة وما في أكسا من رجلي فيها الرنات والخف والساق موزا. فقلتاشغله بها عن أضلاعي أويدي أوراسي إلى أن يفرج الله تعالى. فهذا حضره العقل في موضع تزول فيه العقول وأولئك ما حضرهم العقل. فلإنسان أحوج إلى العقل من كل ما سواه، وهو محمود عند العاقل والجاهل.
عم أسامة وحسن إدارته
ومن ذلك أن روجار صاحب إنطاكية كتب إلى عمي يقولقد نفذت فارس من فرساني في شغل مهم إلى القدس، أسأل أن تنفذ خيلك تأخذه أفامية ويوصلنه إلى رفنية. فركب وأرسل إليه من أحضره فلا لقيه قالقد نفذني صاحبي في شغل وسر له، لكنني لقيتك رجلاً عقلاً فأنا أحدثك به فقال له عميمن أين عرفت أني عاقل وما رأيتني قبل الساعة؟ قاللأني رأيت البلاد التي مشيت فيها خربه وبلدك عامر فعرفت أنك ما عمرتها إلا بعقلك وسياستك، وحدثه ما جاء فيه.
تعقل صاحب ديار بكر
وحدثني الأمير فضل بن أبي الهيجاء صاحب أربل قالحدثني أبو الهيجاء قالبعثني السلطان ملك شاه لما وصل الشام إلى الأمير ابن مروان صاحب ديار بكر يقول أريد ثلاثين ألف دينار، فاجتمعت
стр. 89
به واعدت عليه الرسالة. فقالتستريح ونتحدث، واصبح أمر ان يدخلوني الحمام ونف آلة الحمام جميعها فضة ونفذ لي بدلة ثياب. وقالوا لفراشيكل آلة الحمام لكم. فلما خرجت لبست ثيابي ورددت جميع الحوائج، فتركني أيام ثم أمر لي بحمام وما أنكر رد الحوائج، وحملوا معي آلة الحمام افضل من الآلة الأولة وبدلة الثياب أفضل من البدلة الاولة وقال القراش لفراشي كما قال اولاً. فلما خرجت لبست ثيابي ورددت الحوائج والثياب، فتركني ثلاثة أربعة أيام ثم عاد ادخلني ثم عاد وادخلني إلى الحمام وحملوا معي الآت فضه أفضل من الآلة وبدلة ثياب افضل من الاولة. فلما خرجت لبست ثيابي ورددت الجميع. فلما حضرت عند الأمير قال لييا ولدي نفذت إليك ثياب ما لبستها، وآلة حمام ما قبلتها ورددتها، أي شيء سبب هذا؟ قلتيا مولاي جئت برسالة السلطان في شغل ما انقضى، اقبل ما تفضلت به وارجع وما انقضى شغل السلطان فكأني ما جئت إلا في حاجتي؟ قاليا ولدي ما رأيت عمارت بلادي وكثرة خيرها وبساتينها وكثرة فلاحيها وعمارة ضياعها؟ أتراني أتلف هذا كله من أجل ثلاثين ألف دينار؟ والله إن الذهب قد كيسته من وقت وصولك، وإنما انتظرت ان يتجاوز السلطان بلادي وتلحقه بالمال خوفاً من أن استقبله بالذي طلب فيطلب مني إذا دنا من بلادي أضعافه فلا تشغل قلبك، فشغلك قد انقضى، ثم نفذ لي ثلاث بدلات التي كان نفذها لي في الثلاث دخلات فقبلتها. ولما تجاوز السلطان ديار بكر أعطاني المال فحملته ولحقت به السلطان.
حسن سياسة صاحب بدليس
وفي حسن السياسة ربح كثير من عمارة البلاد. فمن ذلك ان أتابك زنكي ﵀ خطب بنت صاحب خلاط وقد مات
стр. 90
أبوها وأمها مدبرت البلدي. ونفذ حسام الدولة بن دلماج خطبها لأبنه وهو صاحب بدليس. فسار أتابك بعسكر حسن إلى خلاط على غير الطريق المسلوك لأجل درب بدليس. فسلك فيها الجبال فكنا ننزل بغير خيام، وكل واحد في موضعه من طريق حتى وصلنا خلاط، فخيم أتابك عليها ودخلنا قلعتها وكتبنا المهر. فلما انقضى الشغل فأمر صلاح الدين معظم العسكر ويسري إلى بدليس يقاتلها. فركبنا أول الليل وسرنا وأصبحنا على بدليس، فخرج إلينا حسام الدولة صاحبها فلقينا على فسحة من البلد وأنزل صلاح الدين في الميدان وحمل إليه الضيافة الحسنة، وخدمه وشرب عنده في الميدان وقال يا مولايأي شيء ترسم؟ تعنيت وتعبت في مجيئك. قال أتابك احنقه خطبتك للبنت التي كان خطبها، وأنت بذلت لهم عشرة آلاف دينار نريدها منك. قال السمع والطاعة. فعجل له بعض المال واستمهله بباقيه أياماً عينها، ورجعنا وبلده بحسن سياسته عامر ما دخل عليه خلل.
وصاحب قلعة جعبر
وهذا قريب ممن جرى لنجم الدولة مالك بن سالم
стр. 91
رحمه الله. وذلك ان جوسلين أغار على الرقة والقلعة فأخذ كل ما عليها وسبى وساق غنائم كثيرة ونزل مقابل القلعة وبينهم الفرات، فركب نجم الدولة مالك في زورق ومعه ثلاثة أربعة من غلمانه وعبر الفرات إلى جوسلين وبينهما معرفة قديمة، ولما مالك عليه جميل. وظن جوسلين ان في الزرق رسولاً من مالك، فجائه واحد من الإفرنج وقالهذا مالك في الزورق قالما هو صحيح. فأته أخر قالقد نزل مالك من الزورق وهو جاءني يمشي. فقام جوسلين والتقاه وأكرمه ورد عليه جميع ما كان أخذه من الغنائم والسبي، ولولا سياسة نجم الدولة كان خرب بلده.
الشدة التي لا تنفع
إذا أنقضت المدة لم تنفع الشجاعة ولا الشدة.
شاهدت يوماًوقد زحف إلينا عسكر الإفرنج يقاتلنا، ومضى بعضهم مع طغدكين أتابك إلى الحصن الجسر يقاتله. وكان أتابك اجتمع هو وإيلغازي بن أرتق والإفرنج في افامية لمحاربة عساكر السلطان. وكان وصل بها إلى الشام اسباسلار برسق بن برسق وقد نزل حماة يوم الأحد تاسع عشر محرم سنة تسع وخمس
стр. 92
مائة. فأما نحن فما قتلونا بالقرب من سور المدينة، فاستظهرنا عليهم ودفعناهم وانبسطنا معهم، فشاهدت رجلاً من أصحابنا يقال له محمد بن سرايا شاب شديد ايد قد حمل عليه فارس من الإفرنج لعنه الله فطعنه في فخذه فنفذ القنطارية فيها، فمسكها محمد وهي في فخذه، وجعل الإفرنجي بجذبها ليأخذها ومحمد يجذبها ليأخذها فترجع في فخذه حتى قورت فخذه. واستلب القنطارية بعد أن تلف فخذه، ومات بعد يومين ﵀.
إنقاذ فارس
ورأيت في ذلك اليوم وأنا في جانب الناس في القتال، فارساً قد حمل على فارس منا طعن حصانه قتله، وصاحبنا راجل في الأرض ولا أدري من هو لعبد ما بيننا، فدفعت حصاني إليه خوفاً عليه من الإفرنجي الذي طعنه، وقد بقيت القنطارية في الحصان وهو ميت قد خرجت مصارينه، والإفرنجي الذي طعنه، وقد بقيت القنطارية في الحصان وهو ميت قد خرجت مصارينه، فلا وصلته وجدته ابن عمي ناصر الدولة كامل بن مقلد ﵀ فوقفت عليه واخليت له ركابي وقلت اركب فلما ركب رددت رأس الحصان إلى المغرب والمدينة من شرقنا. قال ليإلى أين تروح؟ قلت إلى هذا الذي طعن حصانك فهو فرصة. فمد يده وقبض على عنان الحصان وقالما تطاعن وعلى حصانك لابسان، إذا أوصلتني ارجع طاعنه. فمضيت أوصلته وعدت إلى ذلك الكلب وقد دخل في أصحابه.
مؤمن تنقذه العناية الإلهية
وشاهدت من لطف الله تعالى وحسن دفاعه أن الإفرنج لعنهم الله
стр. 93
نزلوا علينا بالفارس والراجل. وبيننا وبينهم العاصي وهو زائد زيادة عظيمة لا يمكنهم أن يجوزا إلينا ولا نقدر
نحن أن نجوز إليهم، فنزلوا على الجبل بخيامهم ونزل منهم قوم إلى البساتين وهي من جانبهم، هملوا خيلهم بالقصيل وناموا، فتجرد شباب من رجال شيزر وخلعوا ثيابهم وأخذوا سيوفهم وسبحوا إلى أولئك النيام فقتلوا بعضهم وتكاثروا على اصحبنا، فرموا نفوسهم إلى الماء وجازوا، وعسكر الفرنج قد ركب من الجبل مثل السيل، ومن جانبهم مسجد يعرف بمسجد أبي المجد بن سمية فيه رجل يقال له حسن الزاهد، وهو واقف على السطح يتوب في المسجد، يصلي وعليه ثياب سود صوف - ونحن نراه ومالنا إليه سبيل وقد جاء الأفرنج فنزلوا على باب المسجد وصعدوا إليه ونحن نقوللاحول ولا قوة إلى بلله! الساعة يقتلونه. فلا والله ما قطع صلاته ولازال من مكانه يصلي ولا نشك ان الله سبحانه أعماهم عنه وستره عن أبصارهم، فسبحان القادر الرحيم.
محسن يفك أسيراً
ومن ألطاف الله تعالى ان ملك الروم لما نزل على شيزر في سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة خرج من شيزر جماعة من الرجالة للقتال فاقتطعهم الروم فقتلوا بعضاً وأسروا بعضاً فكان في جملة من أسروا زاهد من بني كردوس من الصالحية من مولدي محمود بن
стр. 94
صالح صاحب حلب. فلما عاد الروم كان معهم مأسورا فوصل القسطنطينية، فهو في بعض الأيام إذ لقيه إنسان فقالأنت ابن كردوس؟ قالنعم قالسر معي أوقفني على صاحبك فسار معه حتى أراه صاحبه. فقاوله على ثمنه حتى تقرر بينه وبين الرومي مبلغ أرضاه فوزن له الثمن وأعطى ابن كردوس نفقة وقالتبلغ بها أهلك وأمض في دعة الله تعالى. فخرج من قسطنطينية وتوصل إلى ان عاد شيزر وذلك من فرج الله تعالى وخفي لطفه، ولا يدري من الذي شراه واطلقه.
ملاك يغيث أسامة
وقد جرى لي ما يشبه ذلك لما خرج علينا الإفرنج في طريق مصر وقتلوا عباس بن أبي الفتوح وابنه نصراً الكبير، انهزمن نحن إلى جبل قريب منا، فصعد الناس فيه رجالة يمشون يجرون خيلهم وأنا على أكديش ولا أستطيع المشي فصعدت وأنا راكب وسفوح ذلك الجبل كلها نقارة وحصى كلما وطئه الفرس انهر تحت قوائمه، فضربت الأكديش ليطلع فما استطاع، تنزل والحصاة والنقارة تنزل به، فترجل عنه وأقمته ووقفت لا أقدر على المشي، فنزل إلي رجل من الجبل ومسك يدي وبرزوني في يدي الأخرى حتى أطلعني، ولا ولله ما أدري من هو ولا عدت رأيته. وقد كان في ذلك الوقت الصعب يمتن فيه بيسير الإحسان ويطلب المكافأة عنه ولقد شربت من بعض الأتراك شربة ماء أعطيته عنها دينارين، ومازال بعد وصولنا دمشق يقتضي حوائجه ويتوصل بي إلى
стр. 95
أغراضه لأجل تلك الشربة التي ساقنيها، وما كان ذلك الذي أعانني إلا ملاكاً رحمني الله تعالى فأغاثني به.
من يقاتل في سبيل الله
ومن الناس من يقاتل كما كان الصحابة رضوان الله عليهم يقاتلون للجنة لا لرغبة ولا لسمعة ومن ذلك أن ملك الأمان الإفرنجي لعنه الله لما وصل الشام
стр. 96
اجتمع إليه كل من بالشام من الإفرنج وقصد دمشق، فخرج عسكر دمشق وأهلها لقتالهم وفي جملتهم الفقيه الفندلاوي والشيخ الزاهد عبد الرحمن الحلحولي رحمهما الله، وكان من خيار المسلمين. فلما قاربوهم قال الفقيه لعبد الرحمنما هؤلاء الروم، قال بلى قالفإلى متى نحن وقوف؟ قالسر على أسم الله تعالى. فتقدما قاتلا حتى قتلا رحمهما الله في مكان واحد.
يقاتل لرد الجميل
ومن الناس من يقاتل للوفاء فمن ذلك رجلاً من الأكراد يقال له فارس وكان كإسمه فارس وأي فارس، فحضر أبى وعمي رحمهما الله وقعة كانت بينهما وبين سيف الدولة خلف بن ملاعب. عمل عليهم فيها وغدر بهم، وقد حشد وجمع وهم غير متأهبين لما جرى، وسبب ذلك انه راسلهم وقالنمضي إلى أسفونا وفيها الفرنج نأخذها. فسبقه أصحابنا إليها وترجلوا وزحفوا
إلى الحصن نقبوهم وهم في القتال وابن ملاعب وصل، فأخذ خيل من كان ترجل من أصحابنا ووقع القتال بينهم بعدما كان للإفرنج واشتد بينهم القتال. فقاتل فارس الكردي قتالاً عظيماً وجرح عدة جراح، ومازال يقاتل ويجرح حتى اثخن بالجراح وانفصل القتال، فاجتاز أبى وعمي رحمهما الله وهو محمول بين الرجال فوقفا عليه وهنآه بالسلامة فقالوالله ما قتلت أريد السلامة لكن لكم علي جميل وفضل كثير،
стр. 97
وما رأيتكم في شدة مثل هذا اليوم فقلتأقاتل بين أيديكم وأجازيكم عن جميلكم وأقتل قدامك. وقضى أن عوفي من تلك الجراح ومضى إلى جبله وفيها فخر الملك بن عمار وفي الاذقية الإفرنج، فخرجت خيل من جبلة تريد الغارة على الاذقية، وخرجت خيل من الاذقية تريد الغارة على جبلة، فنزل الفريقان في الطريق وبينهما رابية. فطلع فارس من الإفرنج من جانبهم يكشف الرابية وطلع فارس كردي من الجانب الأخر يكشف لأصحابه. فألتقى الفارسان على متن الرابية وكل واحد منهما على صاحبه فاختلفا طعنتين فوقعا ميتين وبقيت الحصون تتواصل على الرابية والفارسان قتيلان. وكان لفارس هذا عندنا ولد علان من الجند له خيل الملاح والعدة الحسنة، ولكن ما كان كأبيه. فنزل علينا دنكري صاحب إنطاكية يوماً وقاتلنا قبل ضرب الخيام، وهذا علان بن فارس على حصان مليح باغز من لأحسن الخيل وهو واقف على رفعة من الأرض، فحمل عليه فارس من الإفرنج وهو كالغافل فطعن حصانه في رقبته ونفذ القنطارية، فشب الحصان ورمى علان وعاد الإفرنجي والحصان معارضه والقنطارية في رقبته كأنه تجنبه، يتمختر بغنيمة حسنة.
الخيول الصبورة والضعيفة
وعلى ذكر الخيل ففيها الصبور كالرجال وفيها الخوار، فمن ذلك انه كان في جندنا رجل كردي يقال له كامل المشطوب في الشجاعة
стр. 98
والدين والخير ﵀ ولحصانه أدهم أصم مثل الجمل، فألتقى هو وفارس من الإفرنج فطعن الإفرنجي حصانه في موضع القلادة فمالت رقبته من شدت الطعن وخرجت القنطارية من أصل رقبة الحصان فضربت فخذ كامل المشطوب وخرجت من الجانب الأخر، وما تزعزع الحصان من تلك الطعنة ولا فارسه. وكنت أرى ذلك الجرح الذي في فخذه بعدما اندمل وختم وهو كأكبر ما يكون من الجراح، وسلم الحصان وعاد حضر عليه القتال. فالتقى هو وفارس من الإفرنج فطعن الحصان في جبهته خسفها ولم يتزعزع، وسلم من تلك الطعنة الثانية فكانت بع ان ختمت إذا اطبق الإنسان كفه وأدخلها في جبهة الحصان في موضع الجرح وسعها. وكان من طريف ما جرى في ذلك الحصان أن أخي عز الدولة أبا الحسن علياً ﵀ اشتراه من كامل المشطوب، وكان ثقيل العدو فأخرجه في ضمان قرية كانت بيننا وبين فارس من إفرنج كفر طاب، فبقي عنده سنة ثم عاد مات فأرسل إلينا يطلب ثمنه قلنااشتريته وركبته ومات عندك، كيف تطلب ثمنه؟ قالانتم سقيتموه شيئاً يموت منه بعد سنة. فعجبنا من جهله وسخافة عقله. وجرح تحتي حصان عل حمص شقت الطعنة قلبه وأصابه عدة سهام، فأخرجني من المعركة ومنخراه يدميان بالدم كالغزلتين، وما أنكرت منه شيئاً وبعد وصولي إلا أصحابي مات. وجرح تحتي حصان في بلدة شيزر في حرب محمود بن قراجا ثلاثة جراح وأنا أقاتل عليه ولا أعلم، وله أنه قد جرح، لاني ما انكرت منه شيئاً. وأما خورها وضعفها على الجراح فإن عسكر دمشق نزل على
стр. 99
حماة وهي لصلاح الدين محمد بن أيوب الغسياني ودمشق لشهاب الدين محمود بن بوري بن طغدكين وأنا بها، زحفوا إلينا في جمع كثير، ووالي حماة شهاب الدين أحمد بن صلاح الدين وهو على تل مجاهد، فجاءه الحاجب غازي التلي فقالقد انتشرت الرجالة والخوذ تتلامع بين الخيام، والساعة يحملون على الناس يهلكونهم فقالامضي ردهم فقالوالله ما يردهم إلا أنت أو فلان يعنيني فقال ليتخرج تردهم فقلتزردية كانت على الغلام لي لبستها وخرجت ردت الناس بالدبوس وتحتي حصاناً أشقر من أجود الخيل واتلعها، فلما رددت الناس زحفوا إلينا، وما برى من سور حماة فارس غيريمنهم من دخل المدينة وايقنوا انهم مأخوذون، ومنهم من هو مترجل في ركابي، فإذا حملوا علينا أخرت الحصان بعنانه وأنا مستقبلهم، وإذا عادوا مشيت خلفهم سترة لضيق المجال وازدحام الناس، فضربت حصاني نشابة في ساقه خمشته فوقع بي وقام ووقع وأنا أضربه حتى قال لي الرجال الذين في ركابي ادخل إلى البشورة إركب غيره فقلتوالله ما أنزل نه فرأيت من ضعف ذلك الحصان ما لم أره من غيره.
ومن حسن صبر الخيل طراد بن وهيب النمري حضر القتال بين
стр. 100
بني نمير، وقد قتلوا علي بن شمس الدولة سالم بن مالك والي الرقة وملوكها والحرب بينهم وبين أخيه شهاب الدين مالك بن شمس الدولة وتحت طراد بن وهيب حصان له من أجود الخيل له قيمة كبيرة فطعن في خاصرته فخرجت مصارينه، فشدها طراد السموط لا يدوسها فيقطعها، وقاتل حتى انقضى القتال، فدخل به إلى الرقة فمات.
استعدد دائم للقتال
قلت اذكرني ذكر الخيل بأمر جرى لي مع صلاح الدين محمد بن أيوب الغسياني ﵀ نزل إلى دمشق في سنة ثلاثين وخمس مائة بأرض داريا. وقد راسله صاحب بعلبك جمال الدين محمد ابن بوري بن طغدكين ﵀ في الوصول إليه، وخرج من بعلبك متوجه إلى خدمت أتابك، فبلغه ان عسكر دمشق خرج يريد أخذه. فأمر صلاح الدين ان نركب للقائه ودفع الدمشقيين عنه. فجاءني رسوله يقولاركب وخيمتي إلى جانب خيمته، وهو قد ركب ووقف عند خيمته، فركبت في الوقت فقال كنت قد علمت بركوبي. قلتلا والله. قالالساعة نفذت إليك فركبت في الوقت. قلت يا مولاي حصاني شعيرة، ويلجمه الركابي ويقعد وهو في يده على باب الخيمة وأنا ألبس عدتي وأتقلد سيفي وأنام. فلا جاءني رسولك ما كان لي ما يعوقني فوقف إلى أن اجتمع عنده جماعة من العسكر وقالألبسوا سلاحكم وقد لبس أكثر الحاضرين وأنا إلى جانبه ثم قالكم أقول ألبسوا
стр. 101
سلاحكم، قلت يا مولاي لاتكون تعنني. قالنعم قلت والله ما أقدر ألبس، نحن في أول الليل، وكزاغندي فيه زرديتان مطبقة وإذا رأيت العدو لبسته. فسكت.
وسرنا فأصبحان عند الضمير. فقال لي ما ننزل نأكل شيئاً؟ فقد جعت من السهر. قلت الأمر لك. فنزلنا فما استقر على الأرض حتى قالأين كزاغندك؟ فأمرت الغلام فأحضره أسرجته من عيبته واسرجت السيكن فتقته عند صدره أظهرت جانب الزرديتين، وكان فيه زردية إفرنجية إلى ذيله وفوقها أخرى إلى وسطه على كل زردية البطائن واللبد واللاسين ووبر الأرنب. فالتفت إلى غلام له كلمه بالتركي ولا ادري ما يقول فاحضر بين يديه حصاناً كميتاً كان أطاعاه إياه أتابك في تلد الأيام كالصخرة الصماء قدت من قنة الجبل. فقال هذا الحصان يصلح لهذا الكزاغند، سلمه إلى الغلام فلان فسلمه إلى غلامي.
حضور الذهن
قلت كان عمي عزالدين ﵀ يتفقد مني حضور فكري في القتال ويمنحني بالمسألة، فنحن يوماًفي بعض الحرب التي كانت بيننا وبين صاحب حماة وقد حشد وجمع ووقف على ضيعة من ضياع شيزر يحرق وينهب. فجرد عمي من العسكر نحواً من ستين سبعين فارساً وقال لي خذهم وسر إليهم فمضينا نتراكض والتقينا بوادر خيلهم فكسرناهم وطعنا فيهم وقلعناهم من موضعهم الذي كانوا عليه. ونفذت
стр. 102
فارساً من أصحابي إلى عمي وأبي رحمهما الله وهما واقفان ومعهما باقي العسكر وراجل كثير أقول لهماسيرا بالرجالة فقد كسرتهم. فسارا إلى فلما قربا حملنا عليهم كسرناهم، ورموا خيلهم في الشاروف وعبروه سباحة وهو زائد، ومضوا وعدنا بالنصر. فقال لي عميأي شيء نفذت تقول لي؟ قلتمع رجب العبد. قالصدقت، ما أراك كنت إلا حاضر القلب، ما ادهشك القتال. ومرة أخرى اقتتلنا نحن وعسكر حماة، وكان محمود بن قراجا قد استعانا على قتلنا بعسكر أخيه خير خان بن قراجا صاحب حمص، وكان قد ظهر لهم في ذلك الزمان حمل الرماح المؤلفة بوصل الرمح إلى بعض رمح آخر بحيث يصير طوله عشرين ذراعاً أو ثمانية عشر ذراعاً. فوقف مقابلي موكب منهم وأنا في سربة نحو من خمس عشر فارساً فحمل علينا منهم علوان العراقي وهو من فرسانهم وشجعانهم. فلما دنا منا ما تزعزعنا رجع ورد رمحه إلى خلفه، فرأيته كالحبل مطروحاً على الأرض لا يقدر يرفعه، فأطلقت حصاني عليه فطعنته وقد وصل إلى أصحابه، وعدت وراياتهم على رأسي، فلقيهم أصحابي وفيهم أخي بهاء الدولة منقذ ﵀ فردهم وقد انقطع نصف يرقي في كزاغندة علوان ونحن بالقرب من عمي وهو يراني. فلما انفصل القتال قال لي عميأين طعنت علوان العراقي قلت
стр. 103
أردت ظهره، فمال الهواء بالبيرق فوقع الرمح في جانبه. قالصدقت. ما كنت إلا حاضر القلب ذلك الوقت.
стр. 104
مكافحة الأسود وسائر الضواري
حياة أسامة البينية
وما ريأت الوالد ﵀ نهاني عن قتال ولا راكبو خطر مما كان يرى في وأري من اشفاقه وايثاره لي، ولقد رأيته يوماً وكان عندنا بشيزر رهائن عن بغدوين ملك الإفرنج على قطيعه قطعها لحسام الدين تمرتاش بن إيغازي ﵀ فرسان إفرنج وأرمن. فلما وفوا ما عليهم وأردوا الرجوع إلى بلادهم نفذ خيرخان صاحب حمص خيلاً كمنوا لهم في ظاهر شيزر. فلما توجه الرهائن خرجوا عليهم أخذوهم ووقع الصائح، فركب عمي وأبي رحمهما الله ووقفا وكل من يصل إليهما قد سيراه من خلفهم. واستخلصوا رهائنكم. فتبعتهم وأدركتهم بعد ركض اكثر من النهار واستخلصت من كان معهم وأخذتهم بعض خيل حمص. وعجبت من قولهارموا نفوسكم عليهم. ومرة كنت معه ﵀ وهو واقف في قاعة داره وإذا حية عظيمة قد أخرجت رأسها على إفريز رواق القناطر التي في الدار فوقف يبصرها، فحملت سلماً كان في جانب الدار أسندته تحت الحية وصعدت إليها، وهو يراني فلا ينهاني، وأخرجت سكيناً صغيرة من وسطي وطرحتها على رقبة الحية وهي نائمة وبين وجهي وبينها دون
стр. 105
ذراع وجعلت أخرز رأسها - وخرجت التفت على يدي - إلى ان قطعت رأسها وألقيتها إلى الدار وهي ميتة. بل رأيته ﵀ وقد خرجنا يوماً لقتال أسد ظهر على الجسر. فلما وصلناه حمل علينا من أجمة كان فيها، فحمل على الخيل ثم وقف وأنا وأخي بهاء الدولة منقذ ﵀ بين الأسد وبين موكب فيه أبي وعمي رحمهما الله ومعهما جماعة من الجند، والأسد قد ربض على حرف النهر يتضرب بصدره على الأرض ويهدر فحملت عليه، فصاح علي أبي ﵀ لا تستقبله يا مجنون فيأخذك! فطعنته، فلا والله ما تحرك من مكانه، فمات موضعه. فما رأيته ينهاني عن قتال منذ ذلك اليوم.
جرح سطحي
خلق الله خلقه اطواراً مختلفين الخلق والطبائعالأبيض والأسود والجميل والقبيح، والطويل والقصير، والقوي والضعيف، والشجاع والجبان، بمقتضى حكمته وعموم قدرته. رأيت بعض أولاد الأمراء التركمان الذين كانوا في خدمت ملك الأمراء أتابك زنكي ﵀ أصابته نشابة ما دخلت في جلده مقدار شعيرة فاسترخا وانحلت أعضائه وانقطع كلامه وغاب ذهنه وهو رجل مثل الأسد، أجسم ما يكون من الرجال، فاحضروا له الطبيب والجرائحي. فقال الطبيبما به بأس. بل متى جرح ثانية مات، فهدأ وركب وتصرف كما كان، ثم أصابته نشابة أخرى بعد مدة أحقر من الأولة وأقل نكاية، فمات.
стр. 106
طحان يموت من لسعة زنبور
ورأيت ما يقرب ذلك أيضاً كان عندنا بشيزر أخوان يقال لها بنو ماجوج لواحد اسمه أبو المجد ولآخر محاسن وهمت ضمان رحاة الجسر بثمان مائة دينار. وعند الرحا مذبح فيه جزاروا البلد ويجتنع الزنابير على أثار الدم. فاجتاز محاسن بن مجادو يوماً إلى الرحا فلسعه زنبور فانفلج وانقطع كلامه وأشرف على الموت، وبقي كذلك مدة، ثم أفاق وانقطع عن الرجا مدة فعاتبه أخوه أبو المجد وقال لهيا أخي معنا هذه الرحى بثمان مائة دينار ولا تشرف عليها ولاتبصرها؟ وغداً ينكسر علينا ضمانها ونموت في الحبس. فقال له محاسنأنت مقصودك ان يلسعني زنبور آخر فيقتلني. واصبح جاء إلى الرحا فلسعه زنبور فمات. فأيسر الأشياء يقتل إذا فرغ الأجل، والفأل موكل بالمنطق.
حوادث الأسود
فمن ذلك انه ظهر عندنا بأرض شيزر سبع، فركبنا إليه فوجدنا غلاماً للأمير سابق بن وثاب بن محمود بن صالح في ذلك المكان يرعى فرسه اسمه شماس فقال له عميأين الأسد؟ قالفي تلك الغلفاء. قالسر قدماي إليها. قالأنت مقصودك ان يخرج الأسد يأخذني. ومشى قدامه. فخرج الأسد كأنه مرسل إلى شماس فأخذه فقتله دون الناس وقتل الأسد.
стр. 107
وشاهدت من الأسد مالم أكن لأظنه، ولا اعتقد ان الأسد كالناس فيها الشجاع وفيها الجبان. وذلك ان جوبان الخيل جاءنا يوماً كان يركض وقالفي أجمة تل التلول ثلاثة سباع. فركبنا فخرجنا إليها، وإذا لبوءة خلفها أسدان، فدرنا في تلك الأجمة، فخرجت علينا اللبوءة خلفها أسدان، فدرنا في تلك الأجمة، فخرجت علينا اللبوءة فحملت على الناس ووقفت فحمل عليها أخي بهاء الدولة أبو المغيث منقذ ﵀ طعنها قتلها وتكسر رمحه فيها. ورجعنا إلى الأجمة فخرج علينا أحد السبعين فطرد الخيل، ووقفت أنا وأخي بهاء الدولة في طريقه عند عودته من طرد الخيل. فإن الأسد إذا خرج من موضع لابد له من الرجوع إليه شبهة، وجعلنا إعجاز خيلنا إليه، ورددنا رماحنا نحوه ونحن نعتقد انه يقصدنا فننشب الرماح فيه فنقتله، فما راعنا إلى وهو عابر علينا كالريح إلى رجل من أصحابنا يقال له سعد الله الشيباني فضرب فرسه فرماها فطعنته وسطت القنطارية فيه فمات مكانه. ورجعنا إلى الأسد الآخر ومعنا نحو من عشرين راجلاً من الأرمن الأجياد رماة. فخرج السبع الأخر وهو أعظمها خلقة يمشي وعارضه الأرمن بالنشاب، وأنا معارض الأرمن انتظره يحمل عليهم يأخذ واحداً منهم فطعنه وهو يمشي. وكلما وقعت به نشابة قد هدر ولوح بذنبه فأقول الساعة يحمل ثم يعود يمشي. فما زال كذلك حتى وقع ميتاً، فرأيت من ذلك الأسد شيئاً ما ظننته. ثم شاهدت من الأسد أعجب من ذلك. كان بمدينة دمشق جرو أسد قد رباه سباع معه حتى كبر وصار يطلب
стр. 108
الخيل وتأذى الناس به فقيل للأمير معين الدين ﵀ وأنا عندههذا السبع قد آذا الناس والخيل تنفر منه وهو في الطريق. وكان على مصطبة بالقرب من دار معين الدين ﵀ في النهار والليل. فقالقولوا للسباع يجيء به. فقال للخوان سلاراخرج من ذبائح المطبخ خاروفاً إلى قاعة الدار حتى نبصر كيف يكسره السبع. فاخرج خاروفاً إلى قاعة الدار، ودخل السباع ومعه السبع. فساعة رآه الخروف، وقد أرسله السباع من السله التي في رقبته حمل عليه فنطحه فانهزم السبع وأخذ يدور حول البركة والخاروف خلفه يطرده وينطحه، ونحن قد غلبنا الضحك عليه. فقال الأمير معين الدين ﵀ ذا السبع منحوس! أخرجوه اذبحوه واسلخوه وهاتوا جلده. فذبحوه وسلخوه وأعتق ذلك الخروف من الذبح.
ومن عجيب أمور السباع ان أسداً ظهر عندنا في أرض شيزر، فخرجنا إليه ومعنا رجالة من أهل شيزر فيهم غلاماً للمعبد الذي كان يطيعه أهل الجبل ويكاد يعبد. ومع ذلك الغلام كلب له. فخرج الأسد على الخيل فجلت قدماه جافلة ودخل في الرجالة، فأخذ ذلك الغلام وبرك عليه، فوثب الكلب على ظهر الأسد فنفر عن الرجل وعاد إلى الأجمة. وخرج الرجل بين يدي والدي ﵀ يضحك وقاليا مولاي ما جرحني ولا أذاني وقتلوا الأسد ودخل الرجل فمات تلك الليلة من غير جرح أصابه إلا انقطع قلبه.
стр. 109
فكنت أعجب من إقدام ذلك الكلب على الأسد وكل حيوان ينفر من الأسد ويتجنبه. ولقد رأيت رأس الأسد يحمل إلى بعض دورنا فترى السنانير تهرب من تلك الدار وترمي نفوسها من السطوحات، وما رأت الأسد قط، وكنا نسلخ الأسد ونرميه من الحصن إلى سفح الباشورة فلا يقربه الكلاب ولاشيء من الطير. وإذا رأت القيقان اللحم نزلت إليه ثم دنت منه صاحت وطارت. وما أشبه هيبت الأسد على الحيوان بهيبة العقاب قط فيصبح وينهزم، هيبة ألقها الله تعالى في قلوب الحيوان لهذين الحيوانين. وعلى ذكر السباع كان عندنا أخوان من أصحابنا يقال لهما بنو الرعام رجال يترادون من شيزر إلى الاذقية والاذقية لعمي عز الدولة أبى المرهف نصر، وفيها أخوه عز الدين أبو العساكر سلطان رحمهما الله. بالكتب بينهما قالاخرجنا مت الاذقية فأشرفنا من عقبة المنة وهي عقبه عالية تشرف على ما تحتها من الوطا، فرأينا السبع وهو رابط على النهر تحت العقبة، فوقفنا مكاننا ما نجسر على النزول من خوف الأسد، فرأينا رجلاً قد أقبل فصحنا إليه ولوحنا
стр. 110
بثيابنا إليه نحذره من الأسد فما سمعنا، وأوتر قوسه وطرح فيه نشابة ومشى، فرآه الأسد فوثب إليه فضربهما أخطاء قلبه فقتله، ومشى إليه فتمم قتله، وأخذ نشابته وجاء إلى ذلك النهر ونزع زربوله وقلع ثيابه ونزل اغتسل في الماء، ثم طلع لبس ثيابه ونحن نراه، وجعل ينفض شعره لينشفه من الماء، ثم لبس فردة زربوله واتكى على جنبه وطول في الاتكاء، فقلنا والله ما قصر، ولكن على من يتيه؟ ونزلنا إليه وهو على حاله فوجدناه ميتاً ما ندري ما أصابه، فنزعنا فردة الزربول من رجله وإذا فيه عقرب صغير قد لسعته في إبهامه فمات لوقته، فعجبنا من ذلك الجبار الذي قتل الأسد وقتلته عقرب مثل الإصبع، فسبحان الله القادر النافذ المشيئة في الخلق.
قلتقاتلت السباع في عدة مواقف لا احصيها، وقتلت عدة منها ما شاركني في قتلها أحد سوى ما شاركني فيه غيري. فمن ذلك أن الأسد مثل سواه من البهائم يخاف ابن أدم ويهرب منه وفيه غفلة وبله ما لم يجرح فحينئذ هو الأسد، وذلك الوقت يخاف منه وإذا خرج من غاب أو جمة وحمل على الخيل فلا بدله من الرجوع إلى الأجمة التي خرج منها، ولو أن النيران في طريقه. وكنت أنا قد عرفت هذا بالتجربة، فمتى حمل على الخيل وقفت في طريق رجوعه قبل أن يجرح، فإذا رجع تركته إلى أن يتجاوزني وطعنته قتلته.
следующие страницы →