← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 21567

شرح شافية ابن الحاجب - الرضي الأستراباذي

الرضي الأستراباذي

Полный текст (1 542 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

لتركتهم بلا عطش، وجملة " لا يجدن غليلا " حال من الصوادي، ومن العجيب قول نظام الأعرج في شرحه: الصوادي في البيت النخيل الطوال على ما في الصحاح، وقوله " بالعذب " متعلق بشَرْبة، والباء بمعنى من، أي بشربة من الماء العذب، وهو وصف من عَذُب الماء - بالضم - عذوبة: أي ساغ مشربه، و " في رصف " حال منه، والرصف بفتح الراء وسكون الصاد المهملتين (١) الحجارة المرصوف بعضها إلى بعض، والْقِلاَت - بكسر القاف - جمع قلتٍ بفتحها وسكون اللام - وهي النقرة في الصخرة أو الجبل يستنقع فيها ماء السماء، ومقيلة بالقاف: أي موضع الماء العذب، وهو مبتدأ، وقوله " قِضُّ الأباطح " خبره، وَالْقَضُّ - بكسر القاف وتشديد الضاد المعجمة - الحصى الصغار والأرض ذات الحصى أيضاً، وهو مضاف إلى الأباطح جمع أبطح، وهو كل مكان متسع، والماء الموصوف بهذين الوصفين يكون أصفى المياه وأطيبها وترجمة جرير تقدمت في الشاهد الرابع من أول شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والعشرون (من الرجز) : ٢٢ - بنيتي سَيِّدَةَ الْبَنَاتِ * عِيشي وَلاَ نَأْمَنُ أنْ تَمَاتِي على أنه جاء تَمَاتُ مضارع مِتّ بكسر الميم كتخاف مضارع خِفت، وزاد ابن القطاع حرفين آخرين على ما ذكره الشارح المحقق من الحرفين، وهما كِدْتَ تَكُود وجِدْتَ تَجُودُ بكسر أول الماضي فيهما، وجاء فيهما تكاد وتجاد وبنيتي: منادى بحرف نداء مقدر، وهو مصغر بنت مضاف إلى ياء المتكلم وسيدة: بالنصب نعت له، ويجوز رفعه، وعيشي: دعاء لها بأن تعيش

стр. 1087

وهذا الرجز كذا أنشده الجوهري في الصحاح غير معْزُوٍّ إلى قائله، ولم يكتب عليه ابن بري شيئاً في أماليه عليه، ولا الصفدي في حاشيته، وقال الصاغاني في العباب: قد مات يموت ويمات أيضاً، وأكثر من يتكلم بها طئ وقد تكلم بها سائر العرب، قال: * بُنَيّ يَا سَيِّدَةَ الْبَنَاتِ * هكذا أنشده ابن دريد، وأنشد غيره بُنَيَّتِي يا خِيْرَةَ الْبَنَاتِ * عِيشِي، وَلاَ يُؤْمَنُ أنْ تَمَاتِي ويروى " ولا يؤمن بأن (١) " ويروى " نأمَن أنْ " وقال يونس في كتاب اللغات: إن يَميت لغة فيها، انتهى وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والعشرون: (من الرجز) ٢٣ - فإنه أهل لان يؤ كرما * على أنه شاذ، والقياس يُكْرَمَ بحذف الهمزة، وهذا المقدار أورده الجوهري في صحاحه في مادة كرم غير معزو إلى قائله، ولا كتب عليه ابن بري شيئاً في أماليه، ولا الصفدي في حاشيته عليه، وهو مشهور في كتب العربية قلما خلا عنه كتاب، وقد بالغت في مراجعة المواد والمظانّ فلم أجد قائله ولا تتمته، وقال العيني: تقدم الكلام عليه مستوفى في شواهد باب النعت وفي شواهد نوني التوكيد وأقول: لم يذكره فيهما أصلاً، فضلاً أن عن يستوفى الكلام عليه

стр. 1088

وقال الجاربردى (١) أوله: * شَيْخٌ عَلَى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّما * وأقول: هذا من قصيدة مرَجَّزة منها: يَحْسَبَهُ الْجَاهِلُ مَا لَمْ َيَعْلَمَا * شَيْخَاَ عَلَى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمَا لَوْ أَنَّهُ أَبَانَ أوْ تَكَلَّمَا * لَكَانَ إيَّاهُ وَلكِنْ أَعْجَمَا وقد شرحناها في الشاهد التاسع والأربعين بعد التسعمائة من آخر شواهد شرح الكافية، وليس في تلك القصيدة * فإنه أهل لان يؤ كرما * وأنشد الجاربردي (٢) ، وهو الشاهد الرابع والعشرون، وهو من شواهد سيبويه (٣) (من السريع) : لَمْ يَبْقَ مِنْ آيٍ بِهَا يُحَلَّيْنْ * غَيْرَ رَمَادٍ وَحُطَامٍ كِنْفَيْنْ وَغَيْرَ وَدٍّ جَاذِلٍ أوْ وَدَّيْنْ * وَصَالِيَاتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ على أن يؤثفين بالهمز شاذ، والقياس يُثْفَيْنَ جاء على الأصل المهجور لضرورة الشعر ووزنه يُؤَفْعَلْنَ بزيادة الياء والهمزة، وهذا أحد قولين، ومعناه جعلت أثافي جمع أُثْفِيَّة، وعليه فَأُثْفِيَّة أُفْعُولَة أصلها أُثْفُوية قلبت الواو ياء وأدغمت وكسرت الفاء لتبقى الياء على حالها، واستدلوا على زيادة الهمزة بقول العرب: ثَفَّيْتُ القدر، إذا جعلتها على الأثافي، والقول الثاني - وهو لجماعة - أن وزنه يُفَعْلَيْنَ، فالهمزة أصل ووزن أثفية على هذا فُعْلِيَّة، واستدلوا بقول النابغة (من البسيط) :

стр. 1089

لا تَقْذِفَنِّي بِرُكْنٍ لاَ كِفَاءَ لَهُ * وَإِنْ تَأَثَّفَكَ الأَعْداءُ بالرِّفَدِ (١) فقوله تَأَثَّفَكَ وزنه تَفَعَّلَكَ لا يصح فيه غيره، ولو كان من ثَفَّيْتُ القِدْرَ لقال تَثَفَّاك، ومعنى البيت صار أعدائي حولك كالاثافى تَظَافُراً، قال ابن جني في شرح تصريف المازني: وَيُفَعْلَيْنَ أولى من يؤفعلن، لانه لا ضرورة فيه، قال أبو الفتح بن جني: يقال أثْفَيْتُ القدر وَأَثَّفْتُها وثَفَّيْتُها، إذا أصلحت تحتها الأثافي، وقال صاحب الصحاح: ثَفَّيْتُ القدر تَثْفِيَةً، وضعتها على الأثافي، وَأَثْفَيْتُها جعلت لها أثافي، وأنشد البيت وهذا الشعر لخِطَام الْمُجَاشِعِي، ونسبه الصقلي شارح أبيات الإيضاح للفارسي، والجوهري في الصحاح، إلى هِمْيَان بن قُحَافَة، وأوله: حَيِّ دِيَارَ الْحَيِّ بَيْنَ السَّهْبَيْنْ * وَطَلْحَةِ الدَّوْمِ وَقَدْ تَعَفَّيْنْ و " حَيِّ " أمر من التحية، والحي: القبيلة، والسهبان: موضع، وكذا طلحة الدوم، والنون في تَعَفَّيْنَ ضمير ديار الحي، وَتَعَفَّى بمعنى عفا اللازم. يقال: عفا المنزل يَعْفُو عُفُوّاً، إذا درس، والآي: جمع آية بمعنى العلامة. والتَّحْلِية: الوصف يقال: حَلَّيْتُ الرجل مثلاً، إذا وصفته، يقول: لم يبق من علامات حلولهم في ديارهم تُحلّيها وتصفها غير ما ذكر، ومن: زائدة، وآي فاعل، وغير منصوب على الاستثناء، وجملة يُحَلَّيْنَ صفة لآي، وبها متعلق به. والخُطَامُ بضم المهملة: ما تكسر من الحطب، والمراد به دِقُّ الشجر الذي قطعوه فظلوا به الخيام، ورماد مضاف إلى كَنْفَيْن ويجوز تنوينه، وكنف بفتح الكاف وسكون النون الناحية والجانب. وأصله بفتح النون سكنها للضرورة أي رماد من جانبي الموضع. وقيل الكِنْفُ هنا بكسر الكاف وسكون النون، وهو خرج يضع فيه

стр. 1090

الراعي أشياءه: فيكون المعنى رماد ملء كنفين، والجاذل بالجيم والذال المعجمة المنتصب، جَذْلَ جُذُولاً: انتصب وثبت، والْوَدّ: الوتد، وأراد بالصاليات الأثافي الثلاثة التي توضع عليها القدر لأنها صليت بالنار أي أحرقت حتى اسودَّت وهي معطوفة على " حطام " أي وغير أثافي صاليات بالنار، وليست الواو واو رُبَّ كما توهمه ابن يَسْعَوْنَ. وروى بدلها " وغير سُفْع " جمع أسفع، أراد به الأثافي أيضاً لأنها قد سفعتها النار أي سودتها وغيرت لونها، وروى أيضا " وما ثلات " أي منتصبات، يقول: إن هذه الأثافي تدل على قرب عهد بالعمارة ببقائها على الحال التي وضعتها عليه أهل العمارة فكانت لذلك أجلب للشوق والتذكار، وقوله " ككما " قيل: الكاف الأولى حرف والثانية اسم بمعنى مثل، وقيل: مؤكدة للأولى، وقيل: زائدة، قال أبو علي: " ما " في ككما يجوز أن تكون مصدرية كأنه قال مثل الإثفاء، ويجوز أن تكون موصولة بمنزلة الذي، وقال ابن السيد: الكافان لا يتعلقان بشئ، فإن الأولى زائدة والثانية قد جرت مجرى الأسماء لدخول الجار عليها، ولو سقطت الأولى وجب أن تكون الثانية متعلقة بمحذوف صفة لمصدر مقدر محمول على معنى الصاليات لأنها نابت مناب مُثْفَيَات فكأنه قال: ومثفيات إثفاء مثل إثفائها حين نصبت للقدر، ولابد من هذا التقدير ليصح اللفظ والمعنى، وقد شرحنا أبياتاً أخر من هذه القصيدة وترجمنا قائلها في الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائة من شواهد شرح الكافية الصفة المشبهة وأنشد فيها، وهو الشاهد الخامس والعشرون، وهو من شواهد سيبويه (١) (من الرجز) ٢٥ - * مَا بَالُ عَيْنِي كالشعيب العين *

стр. 1091

على أنه لم يأت على فَيْعَل بفتح العين شئ من الصفة المشبهة غير حرف واحد في المعتل وهو عَيَّنٌ، قال الأعلم: الشاهد فيه بناء الْعَيَّن على فَيْعَل بالفتح، وهذا شاذ في المعتل لم يسمع إلا في هذه الكلمة وكان قياسها أن تكسر العين فيقال عَيِّن كما قيل سيِّد وهيَّن وليِّن، ونحو هذا، وهذا بناء يختص به المعتل ولا يكون في الصحيح كما يختص الصحيح بفَيْعَل مفتوحة العين نحو صَيْرَفٍ وحَيْدَرٍ، وهو كثير، انتهى وقال ابن السيد في شرح أدب الكاتب: وجدت في نسخة من شعر رؤبة بخط أبي يعقوب إسحق بن إبراهيم بن الجنيد قرأها على أبى بكر بن دريد (وعليها خط ابن دريد وإجازته) (١) العَيِّن بكسر الياء، وقال: العين الذي قد رَقَّ (٢) وتهيأ للخرق، انتهى وكذا قال ياقوت في هامش الصحاح، قال: أنشده سيبويه على فَيْعَل بفتح العين، وقال: ولم يجئ غير عَيَّن في المعتل، وهو نادر، والقياس فَيْعِل بكسر العين، والذي وجدته في شرح رجز رؤبة العين بكسر الياء ولا يجوز فتحها، انتهى. والبيت أول أرجوزة بن العجاج، وبعده (٣) : وَبَعْضُ أَعْرَاضِ الشَّجُونِ الشُّجَّنِ * دَارٌ كَرَقْمِ الكَاتِبِ الُمُرَقِّنِ * بَيْنَ نَقَا المُلْقَى وَبَيْنَ الأَجْؤُن * قوله " ما بال عيني " ما استفهامية مبتدأ أو خبر مقدم، وبال خبر أو مبتدأ مؤخر، وهو بمعنى الشأن والحال، وقوله " كالشعيب " في موضع الحال، والشعيب - بفتح الشين المعجمة -

стр. 1092

قال ابن دريد في الجمهرة: المزادة الصغيرة. قال الجواليقي في شرح أدب الكاتب: " هي في الأصل صفة غالبة، فعيل بمعنى مفعول، والعين: التي فيها عيون، فهي تسيل، وهو يشبهون خروج الدمع من العين بخروج الماء من خرز (١) المزادة، قال: كأنهما مزادتا مستعجل " انتهى وقال الجوهري " يقال: بالجلد عَيَنٌ، وهي دوائر رقيقة، وذلك عيب. تقول منه: تعين الجلد، وسقاء عين ومتعين " وأنشد البيت. وكتب ابن بري في أمالية على صحاحه: العين الجديد في لغة طئ قال الطرماح (من الطويل) قَدِ اخْضَلَّ مِنْهَا كُلُّ بَالٍ وَعَيِّنٍ * وَجَفَّ الرَّوَايا (٢) بِالْمَلاَ الْمُتَبَاطِنِ انتهى. وقال الأعلم: " الشَّعيبُ: القربة، والعين: الخَلَقُ البالية، شبه عينه لسيلان دمعها بالقربة الخلق في سيلان مائها من بين خرزها لبلاها وقدمها " اه وقوله " وبعض أعراض إلخ " قال ابن السيد: دار خبر بعض، والمُرَقِّن: الذي ينقط الكتاب، والْمُلْقَى والاجؤن مكانان، كذا وجدته الملقي مضموم الميم مفتوح القاف، والأجؤن مضموم الواو مهموزاً كأنه جمع جُؤن، ووجدته في غيره الاجون مفتوح الواو غير مهموز، انتهى وترجمة رؤبة تقدمت في الشاهد الخامس من أوائل شرح الكافية: المصدر أنشد فيه، وهو الشاهد السادس والعشرون: (من البسيط)

стр. 1093

٢٦ - إن الخليط أجد والبين فَانْجَرَدُوا * وَأخْلَفُوكَ عِدَا الأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا على أن الفراء قال في قوله تعالى (مِّن بَعْدِ غلبهم سيغلبون) يجوز أن يكون في الأصل غلبتهم بالتاء، فحذفت التاء كما حذفت من " عدا الأمر " في البيت والأصل عدة الأمر، وهذا كلام الجوهري في الصحاح وأقول: لم يورد الفراء هذا البيت عند هذه الآية، وهذا نصه في تفسيرها " وقوله من بعد غلبهم كلام العرب غلبته غلبة، فإذا أضافا أسقطوا الهاء كما أسقطوها في قوله تعالى (وإقام الصلاة) والكلام إقامة الصلاة " انتهى. وإنما أورده عند تفسير الآية الأخرى من سورة النور قال: " وأما قوله تعالى (وإقام الصلاة) فإن المصدر من ذوات الثلاثة إذا قلت: أفعلت كقولك أقمت وأجبت، يقال فيه: إقامة وإجابة، ولا تسقط منه الهاء، وإنما أدخلت لأن الحرف قد سقطت منه العين، كان ينبغي أن يقال: إقْوَاماً فلما سكنت الواو (١) وبعدها ألف الإفعال فسكنتا فسقطت الأولى منهما فجعلوا الهاء كأنها تكثير للحرف، ومثله مما أسقط منه بعضه فجعلت فيه الهاء، قوله وعدته عدة ووجدت المال جدةً ولما أسقطت الواو من أوله كثر من آخره بالهاء وإنما استجيز سقوط الهاء من (وإقام الصلاة) لإضافتهم إياه، وقالوا: الخافض وما خفض بمنزلة الحرف الواحد، فلذلك أسقطوها في الإضافة، وقول الشاعر: * إن الخليط أجدوا البين - إلخ * يريد عدة الأمر، فاستجاز إسقاط الهاء حين أضافها " انتهى كلامه والبيت للفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، قال الجوهري: الخليط: المخالط، كالنديم المنادمُ والجليس المجالسُ، وهو واحد وجمع، قال: إنَّ

стр. 1094

* إنَّ الخليط أجدوا البين فانصرموا * وقوله " أجدوا " في العباب: وأجدَّه: صيّره جديداً، فالبين مفعوله، وهو بمعنى البعد والفراق هنا، وقوله " فانجردوا " بالجيم: أي بعدوا، في العباب: وانجرد بنا السير: أي امتد وطال، وروى بدله " فانصرموا ": أي انقطعوا عنا ببعدهم والفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، واسمه عبد العزى، ابن عبد المطلب بن هاشم، كان من شعراء الهاشميين وفصحائهم، توفي في زمن الوليد بن عبد الملك حكي أنه كان بالمدينة تاجر يسمى العقرب، وكان أمطل الناس، فعامله الفضل، وكان أشد الناس تقاضياً، فلما حل المال قعد الفضل بباب العقرب يقرع، وعقربٌ على سجيّته في المطل، فلما أعياه قال يهجوه (من السريع) : قَدْ تَجَرَتْ فِي سُوقِنَا عَقْرَبٌ * لاَ مَرْحَباً بِالْعَقْرَبِ التَّاجِرَهْ كُلُّ عَدُوٍّ كَيدُهُ فِي اسْتِهِ * فَغَيْرُ مَخْشِيّ وَلاَ ضَائِرَهْ إن عَادَتِ الْعَقْرَبُ عُدْنا لَهَا * وَكَانَت النَّعْلُ لَهَا حَاضِرَهْ وكان الفضل شديد الأُدمة ولذلك قال (من الرمل) : وَأَنَا الأَخْضَرُ مَنْ يَعْرِفُنِي * أَخْضَرُ الْجِلْدَةِ فِي بَيْتِ الْعَرَبْ مَنْ يُسَاجِلْنِي يُسَاجِلْ مَاجِداً * يَمْلأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الْكَرَبْ وسمعه الفرزدق ينشد هذا الشعر فنزع ثيابه وقال: أنا أساجله، فقال له: من أنت؟ فلما انتسب له لبس ثيابه وقال (له) : والله لا يساجلك إلا من عض بأير أبيه، وهو هاشمي الأبوين، أمه بنت العباس بن عبد المطلب وإنما أتته الأدمة من قبل جدته وكانت حبشية وأنشد الجاربردي (١) وهو الشاهد السابع والعشرين (من الوافر) :

стр. 1095

٢٧ - بكت عين وَحُقَّ لَهَا بُكَاهَا * وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلاَ الْعَوِيلُ (١) وهو مطلع قصيدة في رثاء حمزة ﵁ عم النبي ﷺ لما استشهد في غزوة أحد. واختلف في قائلها، فقيل: هي لحسان بن ثابت ﵁، وليست في ديوانه، وقال عبد الملك بن هشام في السيرة: " قال ابن إسحاق: هي لعبد الله ابن رَوَاحَة، وقد أنشدنيها أبو زيد الأنصاري (لكعب بن مالك) (٢) وهؤلاء الثلاثة هم شعراء النبي ﷺ " وقد أورد ابن هشام القصيدة في غزوة أحد وهذه أبيات منها بعده: عَلَى أسَدِ الإِلَهِ غَدَاةَ قَالُوا * أحمزة ذاكم الرجل القتيل أصبب المُسْلِمُونَ بِهِ جَمِيعاً * هُنَاكَ وَقَدْ أُصِيبَ بِهِ الرَّسُولُ أيَا يَعْلَى لَكَ الأَرْكَانُ هُدَّتْ * وَأَنْتَ الْمَاجِدُ البَرُّ الْوَصُولُ عَلَيْكَ سَلاَمُ رَبِّكَ في جِنَانٍ * مُخَالِطُهَا نَعِيمٌ لاَ يَزُولُ ألاَ يَا هَاشِمُ الأَخْيَارُ صَبْراً * فَكُلُّ فَعَالِكُمْ حَسَنٌ جَمِيلُ رَسُولُ الله مُصْطَبِرٌ كَرِيمٌ * بِأَمْرِ الله يَنْطِقُ إذْ يَقُولُ قوله " وحق لها بكاها " أي صار البكاء لها حقاً لازماً، وحكى الأزهري: ما أغنى فلان شيئاً، بالغين والعين، أي: لم ينفع في مهم ولم يكف مؤنة. فيكون المفعول هنا محذوفا " والعويل " اسم من أعول عليه إعوالاً وهو البكاء والصراخ، وقوله " على أسد الإله " متعلق بالبكاء أو العويل على سبيل التنازع،

стр. 1096

وأسد الله: لقب سيدنا حمزة، والألف في قوله " أحمزة " للاستفهام، و " أبو يعلى " كنيته ﵁، وأنشد الشارح وهو الشاهد الثامن والعشرون (من الرجز) : ٢٨ - فَهْيَ تُنَزِّي دَلْوهَا تَنْزِيَّا كَمَا تُنَزِّي شَهْلَةٌ صَبِيَّا على أن مجئ المصدر المعتل اللام لفعَّل على تَفْعِيل ضرورة، والقياس أن على تَفْعِلَة كتكرمة، وأورده أبو عبيد القاسم بن سلام في الغريب المصنف في باب نعوت الخرقاء والعجوز كذا * بات ينزي دلوه تنزيا * وقال: هي الشهيرة (١) والشهلة يعني العجوز، وخص الشهلة لأنها أضعف من الشابة فهي تنزي الصبي: أي ترقصه بثقل وضعف، والمعنى هذه المرأة تحرك دلوها في الاستقاء وترفعها وتخفضها عند الاستقاء لتمتلئ تحريكاً مثل تحريك عجوز صبيها في ترقيصها إياه وقال ابن يعيش: يقال: امرأة شهلة، إذا كانت نَصَفاً وصار كالاسم لها بالغلبة، ولا يقال ذلك للرجال، وفي المصباح: نزا يَنْزُو من باب قتل، ونَزَواناً، بمعنى وثب، ويتعدى بالهمزة والتضعيف، فيقال: أنزاه إنزاء ونزاه تنزيةً، وهذا الشعر مشهور في كتب اللغة وغيرها، ولم يذكر أحد تتمته ولا قائله والله أعلم وأنشد بعده وهو الشاهد التاسع والعشرون (من الطويل) : ٢٩ - بُثَيْنُ الْزَمِي " لاَ " إنَّ لاَ إن لزمته * على كثرة الواشين أي معون

стр. 1097

على أن السيرافي قال: أصله معونة، فحذفت التاء لضرورة الشعر، وأجاز ابن جني في شرح تعريف المازني أن يكون كذا وأن يكون جمع معونة، وكذا أجاز الوجهين في مَكْرُم ومأْلُكٍ، وأورده ابن عصفور في كتاب الضرائر في ترخيم الاسم في غير النداء للضرورة والبيت من قصيدة لجميل بن عبد الله بن مَعْمَرٍ العذري. يقول: إن سألك سائل يابثين هل كان بينك وبين جميل وصل فقولي: لا، فإن فها عوناً على الواشين (و) دفعاً لشرهم، و " بثين " مرخم بثينة منادى وهو اسم محبوبته. يقول: ردي على الواشين قولهم، وإذا سألوك شيئاً فقولي: " لا " فإنهم إذا عرفوا منك ذلك انصرفوا عنك وتركوك، فيكون لزوم كلمة " لا " عوناً عليهم، و " أيُّ " دالة على الكمال مرفوعةً خبرُ إن: أي إن " لا " معونة أيُّ معونة، وبعده: وَنُبِّئْتُ قَوْماً فِيكِ قَدْ نَذَرُوا دَمِي * فَلَيْتَ الرِّجَالَ الْمُوعِدِيَّ لَقُونِي إذا ما رَأَوْنِي طَالِعاً مِنْ ثَنِيَّةٍ * يَقُولُونَ مَنْ هذَا وَقَدْ عَرَفُونِي وترجمة جميل تقدمت في الشاهد الثاني والستين من أوائل شواهد شرح الكافية. وأنشد بعده وهو الشاهد الثلاثون (من الرجز) : ٣٠ - * لِيَوْمِ رَوْعٍ أوْ فَعَالِ مَكْرُمِ * لما تقدم قبله وقال الفراء عند تفسير قوله تعالى (وَجَعَلْنَا لمهلكهم) من سورة الكهف: فأما قول الشاعر: * ليوم روع أو فعال مكرم * فإنه جمع مكرمة، ومثله قول الآخر:

стр. 1098

* على كثرة الواشين أي معون * أراد جمع معونة، وكان الكسائي يقول: هما مَفْعُل نادران لا يقياس عليهما، وقد ذهب مذهباً، إلا أني أجد الوجه الأول أجمل للعربية مما قال، انتهى قال ابن السيرافي في شرح أبيات إصلاح المنطق، والجواليقي (١) في شرح أبيات أدب الكاتب: قبله * وَهْوَ إذَا مَا هُزَّ لِلتَّقَدُّمِ * وقالا: يقول: إذا هُزَّ في يوم روع تقدم وقاتل، وكذا إن هَزَّ في عطاء وَجُودٍ أعطى وجاد، يصفه بالشجاعة والجود، انتهى وهُزَّ بالبناء للمفعول: من هَزَزْتهُ هزاً من باب قتل حركته فاهتز، والرَّوْع بالفتح: الفزع، الْفَعَال بفتح الفاء: الوصف الحسن والقبيح أيضاً، فيقال: هو قبيح الْفَعَال، كما يقال: هو حسن الْفَعَال، ولهذا خصصه بما بعده بالإضافة، ويكون مصدراً أيضاً، يقال: فعل فَعَالاً، كذهب ذَهَاباً، والْمَكْرُمة - بضم الراء - اسم من الكرم، وفعل الخير مكرمة: أي سبب للكرم أو التكريم، من كرم الشئ إذا نفس وعز وقال ابن السيد في شرح أبيات أدب الكاتب: البيت لأبي الأخزر الحماني، وقبله: * مَرْوَانُ مَرْوَانُ أخُو الْيَوْمِ الْيَمِي * كذا رواه سيبويه، وروى غيره: * مَرْوَانُ يَا مَرْوانُ لِليَوْمِ الْيَمِي * وقوله " الْيَمي " صفة لليوم من لفظه، كما قالوا: يوم أَيْوَمُ، وليل أَلْيل، ووزنه فَعِل على مثال حَذِر، وأصله اليَوِمُ فنقلت (٢) اللام إلى موضع العين فصار الْيَمِوُ، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها

стр. 1099

وقال السيرافي: أصله أخُو اليومِ اليَوْمُ، كما قال الاخر (من الرجز) : * إنَّ مَعَ الْيَوْمِ أخَاهُ غدوا * فقدم الميم بضمتها إلى موضع الواو، فصار الْيَمُو، فوقعت الواو طرفاً وقبلها ضمة، فقلبت ياء، وكسر ما قبلها، كما قيل في جمع دلو أدْلٍ، فموضع اليمي على قول السيرافي رفع، وموضعه على القول الأول خفض، وهذا التأويل الذي تأوله السيرافي هو الظاهر من مذهب سيبويه، وهو تأويل لا يصح إلا على رواية من روى " أخو اليوم اليمي " وأما من رواه * مروان يا مروان لليوم اليمي * فلا يكون موضع اليمي إلا خفضاً على الصفة، وكذلك لا يمتنع أن يكون موضعهُ خفضاً على من روى " أخو اليوم اليمي " ويكون معناه أن مروان أخو اليوم الشديد الذي يُفرِّج غمه ويجلي همه، وهو أشبه بمعنى الشعر، لأن البيتين لا يلتئمان على تفسير السيرافي ومذهب سيبويه، وأنشد المبرد في كتاب الأزمنة: * نِعْمَ أخُو الْهَيْجَاءِ فِي الْيَوْمِ الْيَمِي * وهذا يدل أيضا على أن اليمى في موضع خفض، وكذلك قال المبرد، وإليه ذهب ابن السكيت، انتهى. ومروان هو ابن محمد بن مروان بن الحكم بن العاص، وأبو الأخزر راجز إسلامي اسمه قتيبة، والأخزر بالخاء والزاي المعجمتين وآخره راء مهملة، والْحِمَّاني منسوب إلى حِمّان بكسر المهملة وتشديد الميم وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادي والثلاثون (من الوافر) ٣١ - * كَفَى بِالنَّأْيِ مِنْ أَسْمَاءَ كَافِي * على أن " كافي " اسم فاعل منصوب على الحالية من النأي، وهو فاعل كفى، والباء زائدة، وهذه الحال مؤكدة لعاملها وهو كفى، وحذف النصب منه كما حذف من قوله " فلو أن واشٍ " وذلك إما على لغة ربيعة فإنهم يسكنون المنصوب، وإما لضرورة الشعر، وقد حذفت الياء منهما لالتقائها ساكنة مع سكون نون التنوين،

стр. 1100

والنأي: البعد، ومن: متعلقة به، وأسماء: اسم امرأة أصله وَسْمَاء من الْوَسَامَة، وهي الحسن وهذا صدر بيت، وعجزه: * وَلَيْس لِنَأْيِهَا إذْ طَالَ شَافِ * وشاف: اسم ليس، ولنأيها: متعلق به، وإذ تعليلية، وفاعل طال ضمير النأي، والخبر محذوف أي عندي أو موجود والبيت مطلع قصيدة لبشر بن أبي خَازِم، وهو جاهلي، وتقدم شرحه وترجمة بشر في الشاهد الثالث والعشرين بعد الثلاثمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والثلاثون (من الطويل) ٣٢ - * فَلَوْ أَنَّ وَاشٍ بِالْيَمَامَةِ داره * تمامه: * ودارى بأعلى حضر موت اهْتَدَى لِيَا * وتقدم توجيهه والواشي: الذي يُزَوِّق الكلام ليُفُسد بين متحابين، واليمامة: اسم بلد بين نجد والحجاز، وَحَضْرَمَوْت - بفتح الميم وضمها -: مدينة باليمن، غير متصرف، واللام في " ليا " بمعنى إلى والبيت من قصيدة لمجنون بني عامر تقدم الكلام عليه في الشاهد الخامس والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والثلاثون، وهو من شواهد سيبويه (١) (من الطويل)

стр. 1101

٣٣ - ألم ترني عاهدت ربي وإنني * لَبَيْنَ رِتَاجِ قَائماً وَمَقَامِ عَلَى حَلْفَةٍ لا أشْتُمُ الدَّهْر مسلما * ولا خارجا من في زور كَلاَمِ على أن قوله " خارجاً " عند سيبويه مصدرٌ حذف عامله: أي ولا يخرج خروجاً، وعند عيسى بن عمر حال معطوف على الجملة الحالية وهي " لا أشتم " وهذا نص سيبويه: وأما قول الفرزدق: عَلَى حَلْفَةٍ لا أشتم الدهر مسلما * ولا خارجا من فِيَّ زُورُ كَلاَمِ فإنما أراد ولا يخرج فيما استقبل، كأنه قال: ولا يخرج خروجاً، ألا تراه ذكر عاهدت في البيت الذي قبله، فقال " ألَمْ ترني عاهدت ربي إلخ " على حَلْفَةٍ، ولو حمله على أنه نفى شيئاً هو فيه ولم يرد أن يحمله على " عاهدت " جاز (١) وإلى هذا الوجه كان يذهب عيسى (بن عمر) فيما نُرَى، لأنه لم يكن يحمله عَلَى " عاهدت " انتهى، فجملة " لا أشتم " على قول سيبويه جواب القسم لقوله عاهدت، وقوله " ولا خارجاً " بتقدير ولا يخرج خروجاً، معطوف على جواب القسم وجعل خارجاً في موضع خروجاً، كأنه قال حلفت بعهد الله لا أشتم الدهر مسلماً ولا يخرج من فيَّ زور كلام، فلا أشتم ولا يخرج هما جواب القسم فيما يستقبل من الاوقات قال المبرد في الكامل: (٢) وقوله " ولا خارجاً " إنما وضع اسم الفاعل في موضع المصدر، أراد لا أشتم الدهر مسلما، ولا يخرج خروجاً من فيّ زور كلام، لأنه على ذا أقسم، والمصدر يقع في موضع اسم الفاعل، يقال: ماءٌ غَوْرٌ: أي غائر (كما قال الله : (إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً) ويقال: رجُلٌ عَدْلٌ: أي عادل، وَيَوْم غَمٌّ: أي غامٌّ) (٣) وهذا كثير جداً، فعلى هذا جاء المصدر على فاعل كما جاء اسم الفاعل على المصدر، قُمْ قائماً، فيوضع في موضع (قولك) (٣) قم قياما،

стр. 1102

وجاء من المصدر على لفظ فاعل حروف منها فُلِجَ فَالِجاً (وعوفي عافية) ، انتهى. وقد قيل: إن الجواب يجوز أن يكون جواباً لقوله " عَلَى حَلْفة " ويكون تقدير الكلام ألم ترني عاهدت ربي على أني أحلف لا أشتم ولا يخرج من فيّ كلام قبيح ومعنى قول سيبويه " نفى شيئاً هو فيه ": أي نفى ما في الحال، ولم ينف المستقبل. وفسّر المبرد في الكامل قول عيسى بن عمر " إنَّ خارجاً حال " قال: وكان عيسى بن عمر يقول: إنما قوله " لا أشتم " حال، فأراد عاهدت ربي في هذه الحال وأنا غير شاتم ولا خارج من فيّ زور كلام، ولم يذكر الذي عاهد عليه، انتهى. والفعل المستقبل يكون في معنى الحال، كقوله: جاز زيد يضحك، وجعل العامل في الحال على مذهب عيسى بن عمر " عاهدت " كأنه قال: عاهدت ربي لا شاتماً الدَّهْرَ، والمعنى موجباً على نفسي ذلك ومقدار ذلك، كذا شرح المبرد والزجاج قول عيسى بن عمر قال السيرافي: وكلام سيبويه الذي حكاه عن عيسى يخالفه، وهو قوله: لأنه لم يكن يحمله على " عاهدت " وإذا لم يكن العامل في الحال " عاهدت " كان عاملها " ألم ترني " كأنه قال: ألم ترني لا شاتماً مسلماً ولا خارجا من فِيَّ زور كلام، وهذا الوجه ذكره أبو بكر مَبْرَمَان (١) ، وهذا يعجبني، لأن " عاهدت " في موضع المفعول الثاني، فقد تم المفعولان بعاهدت، وإما حَلفة (٢) وهذا أجود منه

стр. 1103

كأنه قال: على أن حلفت لا شاتماً ولا خارجاً، انتهى وذهب الفراء في تفسير سورة القيامة إلى أنهما حالان، والعامل " عاهدت " قال: إنما نصب خارجاً لأنه أراد عاهدت ربي لا شاتماً أحداً ولا خارجاً من فِيَّ زور كلام، وقوله " لا أشتم " في موضع نصب، انتهى وأيد ابن هشام في المغنى (١) قول سيبويه، فقال: والذي عليه المحققون أن خارجاً مفعول مطلق، والاصل ولا يخرج خروجاً، (ثم حذف الفعل، وأناب الوصف عن المصدر، كما عكس في قوله تعالى: (إِنْ أصبح ماؤكم غورا)) (٢) لأن المراد أنه حلف بين باب الكعبة وبين مقام إبراهيماً أنه لا يشتم (مسلماً) (٢) في المستقبل ولا يتكلم بزور، لا أنه حلف في حال اتصافه بهذين الوصفين على شئ آخر، انتهى وبهذا أيضاً يرد على ما ذهب إليه بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل فإنه بعد أن قرر مذهب سيبويه قال: قلت: لا يبعد أن يكون قوله " لا أشتم " بياناً لما عاهد عليه ربه على وجه الاستئناف، كأن قائلاً قال: ما الذي عاهدت عليه ربك؟ فقال: لا أشتم، والمعنى ألم ترني يعني رأيتني عاهدت ربي على أمر هو أني لا أشتم طول الدهر مسلما ولا يخرج من في زور كلام: أي كونه على حلفة: أي حالفاً بالله على ذلك، فوقع القسم مؤكِّداً لما عاهد عليه ربه، ويجوز أن يكون المعاهد عليه محذوفا، والتقدير عاهدت ربي على حسن السيرة أو ترك ما لا يعني، ثم خص عدم الشتم للمسلم وعدم خروج الكلام الزور عن فيه تأكيداً لنفيهما عن نفسه، وقوله " على حلفة " في هذا الوجه يجوز أن يتعلق بمحذوف قدرناه، وأن يتعلق بقوله " لا أشتم " كأنه قال: عاهدت ربي على حسن السيرة حالفاً بالله على

стр. 1104

ذلك، أو عاهدت ربي على ذلك حالفاً بالله لا أشتم طول الدهر مسلماً خصوصاً ولا أهجوه ولا يخرج من فيّ كلام زور، هذا كلامه وقوله " وإنني لبين رتاج " بكسر همزة فإن جملتها حالية، وقول " لبين رتاج ومقام " خبر إنّ، وقائماً - وروى بدله " واقفاً " - حال من الضمير المستقر في الطرف، وروي بالرفع فهو خبر ثان، أو هو خبر إنَّ والظرف متعلِّقة كقولك إن زيداً لفي الدار قائم، والرتاج - بكسر الراء وآخره جيم - قال (١) المبرد: الرتاج: غَلَق الباب، ويقال: باب مُرْتج: أي مغلق، ويقال: أُرْتج على فلان: أي غلق عليه الكلام، انتهى. وقال ابن السّيد فيما كتبه على الكامل: الرِّتاج الْغَلَق، وذكره صاحب العين، وأنشد هذا البيت، وقال: يعني باب البيت ومقام إبراهيم ﷺ ، ويدل على هذا قول أبى شجرة السلمي: * مثل الرتاج إذَا مَا لَزَّهُ الْغَلَقُ * فهذا يدل على أن الرتاج غير الغلق، ومما يقوي قول المبرد في الرتاج قولً الحطيئة * إلى عَجُزٍ كَالْبَابِ شُدَّ رِتَاجُهُ * انتهى وفي العباب الرَّتجُ بالتحريك - الباب العظيم، وكذلك الرِّتاج، ومنه رتاج الكعبة، ويقال: الرتاج الْمُغَلَق (٢) وعليه باب صغير، انتهى و " أشتم " جاء من باب ضرب ونصر قال المبرد (١) : التقى الحسن والفرزدق في جنازة، فقال الفرزدق للحسن: أتدري ما يقول الناس يا أبا سعيد؟ (قال: وما يقولون؟ قال) (٣) : يقولون

стр. 1105

اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس، فقال الحسن: كلا، لستُ بخير الناس ولستَ بشرهم، ولكن ما أعددت لهذا اليوم؟ فقال: شَهَادَة أن لا إله إلا الله منذ ستون سنةً، وخمسَ نجائب لاَ يُدْرَكْنَ، يعني الصلوات الخمس، فتزعم التميمية (١) أن الفرزدق رؤي في النوم فقيل له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي (فقيل له: بأى شئ؟ فقال) (٣) بالكلمة التي نَازَعَنِيهَا الحسن، وحدّثني العباس بن الفرج (الرياشي) في إسنادٍ له ذكره، قال: كان الفرزدق يخرج من منزله فيرى بني تميم والمصاحف في حجورهم فيسر بذلك وَيَجْذَل به، ويقول: إيه فِدَاءً (٢) لكم أبي وأمي، كذا والله كان آباؤكم، ونظر إليه أبو هريرة الدَّوْسيُّ ﵁ فقال (له) : مهما فعلت فَقَنَّطَكَ الناس فلا تقنط من رحمة الله، ثم نظر إلى قدميه فقال: إني أرى لك قدمين لطيفتين فابتغ لهما موقفاً صالحاً يوم القيامة والفرزدق يقول في آخر عمره حين تعلق بأستار الكعبة وعاهد الله أن لا يكذب ولا يشتم مسلماً: ألَمْ تَرَنِي عَاهَدْتُ رَبِّي وَإنَّنِي * لَبَيْنَ رِتَاجٍ قَائِماً وَمَقَامِ إلى آخر البيتين. وقال ابن السّيد فيما كتبه على كامله: قوله " والتقى الحسن والفرزدق في جنازة ذكر الهيثم بن عدى بن أبي بكر بن عياش أن الفرزدق لقي الحسن ﵀ في جنازة عِمْرَان بن مِلْحَان أبي رجاء العطاردي، سنة خمس ومائة،

стр. 1106

في أول خلافة هشام بن عبد الملك فكلّمه بما ذكره المبرد، ثم انصرف الفرزدق فقال: من (الطويل) : ألَمْ تَرَ أنَّ النَّاسَ مَاتَ كَبِيرُهُم * وَقَدْ كَانَ قَبْلَ الْبَعْثِ بَعْثِ مُحَمَّدِ وَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ عَيْشُ سَبْعِينَ حِجَّةً * وَسِتِّينَ لَمَّا بَانَ غَيْرَ مُوَسَّدِ إلى حُفْرَةٍ غَبْرَاءَ يُكْرَهُ وِرْدُها * سِوَى أنَّهَا مَثْوَى وَضِيع وَسَيِّدِ نَرُوحُ وَنَغْدُو وَالحُتُوفُ أمَامنا * يَضَعْنَ لَنَا حَتْفَ الرَّدَى كلَّ مَرْصَدِ وَقَدْ قَالَ لِي مَاذَا تُعِدُّ لِمَا تَرَى * فَقِيهٌ إذَا مَا قَال غَيْرُ مَفَنَّدِ فَقُلْتُ لَهُ أعْدَدْتُ لِلْبَعْثِ وَالَّذِي * أُرَادُ بِهِ أنِّي شِهيدٌ بِأَحْمَدِ وَأَنْ لاَ إله غَيْرُ رَبِّي هُوَ الَّذِي * يُمِيتُ وَيُحْيِي يَوْمَ بَعْثٍ وَمَوْعِدِ فهذا الذى أعددت لا شئ غَيْرُهُ * وَإنْ قُلْتَ لِي أكْثِرْ مِنَ الْخَيْرِ وَازْدَدِ فَقَالَ قدِ اعْتَصَمْتَ بِالْخَيْرِ كُلِّهِ * تَمَسَّكْ بهذا يَا فَرَزْدَقُ تَرْشُدِ وذكر الأصبهاني عن محمد بن سلام أنها كانت جنازة النَّوار زوج الفرزدق. وبعده قوله: أطَعْتُكَ يَا إبْلِيسُ سَبْعِينَ حِجَّةً (١) * فَلَمَّا انْتَهَى شَيْبِي وَتَمَّ تَمَامِي رَجَعْتُ إلَى رَبِّي وَأَيْقَنْتُ أنَّنِي * مُلاَقٍ لأَيَّامِ الْمَنُونِ حِمَامي وهي قصيدة مطولة أنشدها يعقوب بن السكيت، انتهى ما كتبه ابن السيد. وفي أمالي السيد الشريف (٢) المرتضى رحمه الله تعالى روى أن الفرزدق

стр. 1107

تعلق بأستار الكعبة، وعاهد الله على ترك الهجاء والقذف اللذين (كان) ارتكبهما وقال: ألم ترني عاهدت ربي، إلى آخر الأبيات الأربعة. ثم حدث عن أبي عبيد الله الْمَرْزُباني بسند له أن الحسن البصري شهد جنازة النَّوَار امرأة الفرزدق، وكان الفرزدق حاضراً، فقال له الحسن وهو عند القبر: يا أبا فراس، ما أعددت لهذا المضجع؟ فقال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانون سنة فقال له الحسن: هذا العمود فأين الطُّنُبُ؟ وفي رواية أخرى أنه قال: نِعْمَ ما أعدت، ثم قال الفرزدق في الحال: أخَافُ وَرَاءَ الْقَبْرِ إنْ لَمْ يُعَافِنِي * اشَدَّ مِنَ الْمَوْتِ التِهَاباً وأضيقا إذا جاءني يوم القيامة قائد * عنيف وسواق يسوق الفرزدقا لَقَدْ خَابَ مِنْ أوْلاَدِ آدَمَ مَنْ مَشَى * إلى النَّارِ مَغْلُولَ الْقِلاََدَةِ أزْرَقَا يُقَادُ إلَى نَارِ الْجَحيمِ مُسَرْبَلاً * سَرَابيلَ قَطْرَانٍ لِبَاساً مُحَرِّقا قال: فرأيت الحسن يدخل بعضه في بعض، ثم قال: حَسْبُك، ويقال: إن رجلاً رأى الفرزدق في منامه (١) بعد موته، فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: عفى عني بتلك الأبيات، انتهى. وقال محمد بن حبيب في شرح المناقضات: إن الفرزدق حَجَّ فعاهد الله بين الباب والمقام أن لا يهجو أحداً وأن يُقيِّد نفسه حتى يجمع القرآن حفظاً، فلما قدم البصرة قَيَّدَ نفسَهُ وحلف أن لا يُطْلق قيده عنه حتى يجمع القرآن، وقال * ألم ترني عاهدت ربي ... * الأبيات، وبلغ نساء بني مجاشع فحش الْبَعِيث وجرير بهنَّ فأتين الفرزدق مقيداً فقلن: قبح الله قَيْدَكَ وقدهتك جرير عورات نسائك، فأغضبنه ففض قيده وقال قصيدة يجيبهما، منها:

стр. 1108

فَإِنْ يَكُ قَيْدِي كَانَ نَذْراً نَذرْتُهُ * فَمَا بِيَ عَنْ أحْسَابِ قَوْمِي مِنْ شُغْلِ أنَا الضَّامِنُ الرَّاعِي عَلَيْهِمْ، وَإنَّمَا * يُدَافِعُ عَنْ أحْسَابِهِمْ أنَا أَوْ مِثْلِي (١) والقصيدة التي البيت الشاهد منها أوردها الخضر الموصلي في شواهد التفسيرين، عند قوله تعالى (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رسولا) وقد مرت ترجمة الفرزدق في الشاهد الثلاثين من شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الرابع والثلاثون (من الطويل) ٣٤ - لَقِيْتُ بِدَرْبِ الْقُلَّةِ الْفَجرَ لَقْيَةً * شَفَتْ كَمَدِي وَاللَّيْلُ فِيهِ قَتِيلُ على أنه يجوز أن يأتي مصدر لقيته على لَقْيَةٍ قياساً كما في البيت وهو من قصيدة للمتنبي مدح فيها سيف الدولة أولها: لَيَالِيَّ بَعْدَ الظَّاعِنِينَ شُكُولُ * طِوَالٌ، وَلَيْلُ الْعَاشِقِينَ طَوِيلُ إلى أن قال " لقيت بدرب القلة - إلخ " يريد أن الليل انقضى وبدت تباشير الصبح وقد وافى المكان فشفى لقاء الصبح كمده والليل قتيل في الفجر، لأنه ينقضي بطلوعه، وقد أخذ بعضهم هذا المعنى وكشف عنه فقال: وَلَمَّا رَأَيْتُ الصّبْحَ قَدْ سَلَّ سَيْفَهُ * وَوَلَّى انْهِزَاماً لَيْلُهُ وَكَوَاكِبُهْ وَلاَحَ احْمِرَارٌ قُلْتُ قَدْ ذُبِحَ الدجى * وهذا دَمٌ قَدْ ضَمَّخَ الأَرْضَ سَاكِبُهُ كذا في شرح الواحدي، والكمد: الحزن المكتوم، وهو مصدر من باب تَعِب، وكأنه لقي من الليل سَهَراً وكآبةً وطولاً فأكمده ذلك، ثم فرح بلقاء

стр. 1109

الصباح فجعل الفجر قاتلا لليل شافياً له منه، ودَرْبُ القلة بضم القاف - موضع فرب ملطية (١) كان سيف الدولة غزا تلك النواحي في سنة اثنين وأربعين وثلثمائة، وذكر المتنبي المواضع التي غزاها في تلك السنة في هذه القصيدة وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والثلاثون (من البسيط) : ٣٥ - هَا إنْ تا عِذْرةٌ إنْ لَمْ تَكُنْ قُبِلَتْ * فَإنَّ صَاحِبَها قَدْ تَاهَ فِي الْبَلَدِ على أن عِذره - بكسر العين - مصدر للنوع بتقدير صفة معلومة بقرينة الحال: أي عذر بليغ، والوجه أن هذا الوصف مفعوم من التنوين وهذا البيت من قصيدة للنابغة الذبياني اعتذر بها إلى النعمان بن المنذر ملك الحيرة بعد أن هرب منه إلى ملوك غَسَّان في الشام لما اتُّهِمَ بامرأته المتجردة وأراد قتله وأرسل إلى النعمان قصائد يتنَصَّل (بها) عما اتهم به ويعتذر إليه عن هروبه وإقامته عند ملوك غسان، وقد شرحنا حاله في الشاهد الرابع بعد المائة من شواهد شرح الكافية وقبل هذا البيت: نُبِّئْتُ أنَّ أبَا قاَبُوسَ أوْعَدَنِي * وَلاَ قَرَارَ عَلَى زَأْرٍ من الاسد (٢)

стр. 1110

وهما آخر القصيدة. ونبئت - بالبناء للمفعول - بمعنى أخبرت، وأبو قابوس: كنية النعمان، وقابوس معرب كاووس اسم ملك من ملوك العجم، وأوعد - بالألف - لا يكون إلا في الشر، بمعنى هددني، والزأر: مصدر زَأرَ الأسدُ إذا صَوَّت بحنق، وهو تمثيل لغضبه، وقوله " ها إن تا عذرة " استشهد به الشارح في باب اسم الإشارة وفي هاء التنبيه من شرح الكافية، على أن الفصْل بين " ها " وبين اسم الإشارة بغير " أنا " وأخواته قليل، والفاصل هنا " إنَّ "، وتا: اسم إشارة للمؤنث، بمعنى هذه، وروي أيضاً " ها إن ذي عِذْرَة "، والإشارة لما ذكر في قصيدته من يمينه على أنه لم يأت بشئ يكرهه، وقيل: الإشارة للقصيدة: أي إن هذه القصيدة ذات عذرة، وقال بعضهم: التقدير أن عذرتي هذه عِذْرَة، والعِذْرة - بالكسر - اسم للعذر بالضم، قال صاحب الصحاح: يقال: عَذَرْته فيما صنع أعْذِره عذرا، والاسم الْمَعْذِرة والْعُذْرى، وكذلك العِذْرَة وهي مثل الرِّكبة والجلْسة وأنشد هذا البيت، وفي المصباح عَذَرته فيما صنع عُذْراً، من باب ضرب، رفعت عند اللوم فهو معذور: أي غير ملوم وقوله " إن لم تكن نفعت فإن صاحبها " المحدث عنه في الجميع العِذْرَة، وأراد بصاحب العذرة نفسه وتاه الإنسان يتيه تَيْهاً: ضل عن الطريق، وأراد لازمه وهو الهلاك، والمعنى إن لم تقبل عذري فترضى عني فإني أضل في البلدة التي أنا فيها لما أنا فيه من عظيم الدهشة الحاصلة من وعيدك والنابغة الذبيانى شاعر جاهلي، وقد ترجمناه هناك:

стр. 1111

أسماء الزمان والمكان أنشد الجار بردى فيهما: كَأَنَّ مَجِرَّ الرَّامِسَاتِ ذُيُولَهَا * عَلَيْهِ قَضِيمٌ نَمَّقَتْهُ الصَّوَانِعُ وسيأتي شرحه إن شاء الله تعالى في أول باب المنسوب الآلة أنشد فيها، وهو الشاهد السادس والثلاثون (من الرجز) ٣٦ - يَمَّمْنَ أعدادا بلبني أوأجا * مُضْفْدِعَاتٍ كُلُّها مُطَحْلِبَهْ على أنه يقال: مُضَفْدِع ومُطَحْلِب، بوزن اسم الفاعل، بمعنى كثير الضفادع وكثير الطحالب والبيت أورده الجوهري في مادة الضفدع، وقال: يريد مياهاً كثيرة الضفادع وقال الصاغاني في العباب: وضَفْدَعَ الماء، إذا صارت فيه الضفادع، وأنشد البيت أيضاً ويمَّمْن بمعنى قَصَدْنَ، بنون الإناث، والأعداد: جمع عِدّ بكسر العين المهملة، وهو الماء الذي له مادَّة لا تنقطع كماء العين وماء البئر، ولُبْنَى - بضم اللام وسكون الموحدة بعدها نون وألف مقصورة - اسم جبل، وروي بدله " سَلْمى " وهو اسم جبل أيضا لطئ، وكذلك أجأجبل لطي بفتح الهمزة بعدها جيم، والأكثر همز آخره، قال امرؤ القيس: أبَتْ أَجَأٌ أنْ تُسْلِمَ الْعَامَ جَارَهَا * فَمَنْ شَاءَ فَلْيَنْهَضْ لَهَا مِنْ مُقَاتِلِ (١) وقد لا يهمز، كما في البيت، وكما قال العجاج: * فإنْ تَصِرْ لَيْلَى بسلمى أو أجا *

стр. 1112

وقوله " بلبنى " الجار متعلق بمحذوف صفة لأعداد، وقوله " مضفدعات " صفة ثانية لأعداد، وكلها مبتدأ، والضمير للأعداد، ومطحلبة خبر المبتدأ، والجملة صفة ثالثة، والطُّحْلُب - بضم الطاء واللام ويجوز فتح اللام - شئ أخضر لزج يخلق في الماء ويعلوه، يقال: ماء طَحِل - بفتح فكسر - أي كثير طحلبه، وعين طحلة كذلك، ومطحلب قليل ولبيد ﵁ هو شاعر صحابي من بني عامر، وقد تقدم ترجمته في الشاهد الثاني والعشرين بعد المائة من شواهد شرح الكافية المصغر أنشد فيه، وهو الشاهد السابع والثلاثون (من البسيط) ٣٧ - يَا مَا أُمَيْلِحَ غِزْلأَناً شَدَنَّ لَنَا * مِنْ هو ليائكن الضَّالِ وَالسَّمُرِ على أن تصغير أميلح من قبيل تصغير لُطَيّف ونحوه، يريد أن التصغير في فعل التعجب راجع إلى المفعول المتعجب منه، أي هذه الغزلان مُلَيِّحات، قال سيبويه (١) : أرادوا تصغير الموصوف بالملاحة، كأنهم قالوا مُلَيِّح، لكنهم عدلوا عن ذلك وهم يعنون الأول، ومن عادتهم أن يلفظوا بالشئ وهم يريدون شيئاً آخر، وقد أوردنا ما يتعلق به مفصلاً في الشاهد السادس من أوائل شرح الكافية

стр. 1113

ويا: حرف نداء، والمنادى محذوف، والتقدير يا صاحبي، وما: استفهامية تعجبية (١) ، وأملح: فعل تعجب من الملاحة وهي البهجة وحسن المنظر، وفعله ملح الشئ بالضم مَلاَحَة، وغزلاناً: مفعول فعل التعجب، جمع غزال، وهو ولد الظبية، قال أبو حاتم: الظبي أوَّلَ ما يولد طَلىً، ثم هو غزال، والأنثى غزالة، فإذا قوي وتحرك فهو شَادِن، فإذا بلغ ستة أشهر أو سبعة أشهر فهو خِشْفٌ، والرَّشَأَ: الفتي من الظباء، فإذا أثنى فهو ظبي، ولا يزال ثَنِيّاً حتى يموت والأنثى ثنية وظبية، والثَّنِيُّ على فَعِيل: الذي يُلقي ثنيّتَهُ أي سنة من ذوات الظلف والحافر في السنة الثالثة، وشَدَنَّ: من شَدَنَ الغزال بالفتح يَشْدُن بالضم شدونا، إذا قوي وطلع قرْنَاه واستغنى عن أمه، والنون الثانية ضمير الغزلان، وجملة " شدن " صفة غزلان، ولنا ومن: متعلقان بشدن، وقوله " من هو ليائكن " هو مصغر هؤلاء شذوذاً، وأصله أولاء - بالمد والقصر - وها: للتنبيه، وأولى: اسم إشارة يشار به إلى جمع، سواء كان مذكراً أو مؤنثاً، عاقلاً أو غير عاقل، والكاف حرف خطاب، والنون حرف أيضاً لجمع الإناث، وقد استشهد به النحاة على دخول التنبيه عليه وعلى تصغيره شذوذا، ورواه الجوهرى " من هؤ لياء بَيْنَ بين الضال والسمر " وقال: لم يصغروا من العل غير هذا، وغير قولهم " ما أحَيْسِنه " والضال: عطف بيان لاسم الإشارة، وهو السدر البري، جمع ضالة، ولهذا صح إتباعه لاسم الإشارة إلى الجمع، وألفه منقلبة من الياء، والسِّدر: شجر النبق، والسَّمُر بفتح السين وضم الميم: جمع سَمُرة، وهو شجر الطَّلح، وهو شجر عظيم شائك والبيت من جملة أبيات اختلف في قائلها، وعدتها، وقد ذكرنا الكلام عليه مستوفى هناك في الشاهد السادس

стр. 1114

وأنشد بعده، وهو الشاهد الثامن والثلاثون: ٣٨ - وَكُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بينهم * دويهية تصفر منها الأنامل على أن تصغير دُوَيْهية قريب من التصغير للتعظيم، وحقق الشارح المحقق أن تصغيرها للتحقير، قال: إذ المراد بها الموت: أي يجيئهم ما يحتقرونه مع أنه عظيم في نفسه تصفر منه الأنامل، والقول بأن تصغيرها للتعظيم هو قول الكوفيين، وسوف هنا للتحقيق والتأكيد، والداهية: مصيبة الدهر، مشتقة من الدَّهْي بفتح الدال وسكون الهاء، وهو النكر، فإن كل واحد ينكرها ولا يقبلها، ودَهَاه الأمر يَدْهَاه إذا أصابه بمكروه، ورواه ابن دريد في الجمهرة " خُوَيْخِيَةٌ تصفر - إلخ " وقال: الْخُويْخِيَة الداهية، وهو بخاءين معجمتين مصغر الْخَوْخَة بالفتح، وهي الباب الصغير، وكذا روى الطوسي أيضاً عن أبي عمرو، وقال: يقول: ينفتح عليهم باب يدخل عليهم منه الشر، وإذا مات الرجل أو قتل اصفرت أنامله واسودَّت أظافره. وقيل: المراد من الأنامل الأظفار، فإن صفرتها لا تكون إلا بالموت والبيت من قصيدة للبيد، رضى الله عنه، ابن عامر الصحابي، وتقدم شرح أبيات منها مع ترجمته في الشاهد الثالث والعشرين بعد المائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع والثلاثون (من الطويل) ٣٩ - فُوَيْقَ جُبَيْلٍ شَاهِقِ الرأس لم تكن * لتبلغه حتى تكِلَّ وتَعْمَلاَ على أنه استُدل لمجئ التصغير بتصغير جبيل في البيت قال ابن (١) : يعيش: للتصغير معان ثلاثة: تحقير ما يتوهم (٢) أنه عظيم كرجيل

стр. 1115

وتقليل ما يتوهَّم أنه كثير كدُرَيْهِمَات، وتقريب ما يجوز أن يتوهم أنه بعيد كبُعَيْدِ العصر وقُبَيْلَ الفجر، وأضاف الكوفيون قسماً رابعاً يسمونه تصغير التعظيم، كقول الشاعر: * دُوَيْهِيَة تصفرُّ منْها الأنامل * والمراد التعظيم، إذ لا داهية أعظم من الموت، وقال آخر: * فويق جبيل شاق الرأس - البيت * قال " جبيل " ثم قال " شاهق الرأس " وهو العالي، فدل على أنه أراد تفخيم شأنه، وهذا ليس من أصول البصريين، وجميع ما ذكروه راجع إلى معنى التحقير، فأما قولهم " دويهية " فالمراد أن أصغر الأشياء قد يفسد الأمور العظام، فحتف النفوس قد يكون بصغير الأمر الذي لا يؤبه له، وأما " فويق جبيل " فالمراد أنه صغير العرض دقيق الرأس شاق المصعد لطوله وعلوه، انتهى ومن الكوفيين أبو حنيفة الدِّيَنَوريُّ، قال في كتاب النبات: وإنما صغر الجبل على وجه التعظيم، كما قالوا للداهية: دويهية، ولم يرد التحقير، وكيف قد قال " شاهق الرأس " وكذا قال ابن السكيت في شرحه للبيت، قال: يقول: هو صغير العرض ذاهب في السماء، وفويق جبيل أراد أن يكبره بتصغيره كما قال * وكل أناس سوف ... البيت * ويروى " سامق الرأس " و " شاهق الرأس " و " شامخ الرأس " والجميع واحد، انتهى وتبعهم ابن هشام في (١) المغني، فقال: ونظير رب في إفادة التكثير تارة والتقليل أخرى صيغ التصغير، تقول حجير ورجيل فتكون للتقليل، وقال:

стр. 1116

* فُوَيْقَ جُبَيْلٍ شَامِخٍ لَنْ تَنَالَهُ - البيت (١) * وقال لبيد ﵁: * وكل أناس سوف - البيت * ولم يتعرض له شراحه بشئ قال الشمني: تمثيله بجبيل ودُويهية للتكثير، وبحجير ورجيل للتقليل، مبنى على عدم الفرق بين التعظيم والتكثير وبين التحقير والتقليل، انتهى. وقال ابن الملا: والتصغير في كل من فويق وجبيل ليس للتقليل الذي يراد به التحقير، لأن وصفه بما ذكر مناف لحقارته، بل هو للتعظيم، وأريد بالدويهية الموت، ومن ثم قلنا إن تصغيرها للتعظيم إذ لا داهية أعظم من الموت، ومن زعم أن الداهية إذا كانت عظيمة كانت سريعة الوصول فالتصغير لتقليل المدة فقد تَكَلَّفَ، أو أن التصغير على حسب احتقار الناس لها وتهاونهم فيها: أي يجيئهم ما يحتقرونه مع أنه عظيم في نفس الامر فقد تعسَّف، هذا كلامه وهذا مجرد دعوى من غير بيان للتكلف والتعسف والبيت من قصيدة لأوس بن حَجَر في وصف قوس، ولابد من نقل أبيات قبله حتى يتضح معناه، قال بعد ستة أبيات من القصيدة: وَإنِّي امْرُؤٌ أعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ بَعْدَما * رَأَيْتُ لَهَا نَاباً مِنَ الشَّرِّ أعْصَلاَ أصَمَّ رُدَيَنِيّاً كَأَنَّ كُعُوبَهُ * نَوَى الْقَسْبِ عَرَّاصاً مُزَجًّى مُنَصَّلا عَلَيْهِ كَمِصْبَاحٍ الْعَزِيزِ يَشْبُّهُ * لِفِصْحٍ ويَحْشُوهُ الذُّبَالَ الْمُفَتَّلا وَأَبْيَضَ هِنْدِيًّا كَأنَّ غِرَارَهُ * تَلأْلُؤُ بَرْقٍ في حَبِيّ تَكَلَّلاَ إِذَا سُلَّ مِنْ غِمْدٍ تأكَّلَ أَثْرُهُ * عَلَى مِثْلِ مِسْحَاةِ اللُّجَيْنِ تأكلا

стр. 1117

كَأَنَّ مَدَبَّ النَّمْلِ يَتَّبِعُ الرُّبَا * وَمَدْرَجَ ذَرٍّ خَافَ بَرْداً فَأَسْهَلاَ عَلَى صَفْحَتَيْهِ بَعْدَ حينِ جِلاَئِهِ * كَفَى بِالَّذِي أُبْلي وَأَنْعَتُ مُنْصُلاَ وَمَبْضُوعَةً مِنْ رَأْسِ فَرْعٍ شَظِيَّةً * بِطَوْدٍ تَرَاهٌ بالسَّحَابِ مُجَلَّلاَ عَلَى ظَهْرِ صَفْوَانٍ كَأَنَّ مُتُونَهُ * عُلِلْنَ بدُهْنٍ يُزْلِقُ الْمُتَنَزِّلاَ يُطِيفُ بِهَا رَاعٍ يُجَشِّم نَفْسَهُ * ليكلأَ فِيهَا طَرْفَهُ مُتَأَمِّلاَ فَلاَقَى امْرأً مِنْ بَيْدَعَان وَأَسْمَحَتْ * قَرُونَتُهُ بِالْيَأْسِ. مِنْهَا وَعَجَّلاَ فَقَالَ لَهُ هَلْ تَذْكُرَنَّ مخيرا * يَدُلُّ عَلَى غُنْمٍ وَيْقْصُرُ مُعْمِلاَ عَلَى خَيْرِ مَا أَبْصَرْتَهَا مِنْ بِضَاعَةٍ * لِمُلْتَمِسٍ بَيْعاً بِهَا أَوْ تَبَكُّلاَ فُوَيْقَ جُبَيْلٍ شَامِخِ الرَّأْسِ لَمْ تَكُنْ * لِتَبْلُغَهُ حَتَّى تَكِل وَتَعْمَلاَ فَأَبْصَرَ ألْهَاباً مِنَ الطَّوْدِ دُونَهَا * يَرَى بَيْنَ رَأْسِي كُلِّ نِيقَيْنِ مَهْبِلاَ فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَه وَهُوَ مُعْصِمٌ * وَأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وَتَوَكَّلاَ وقَدْ أكَلَتْ أظْفَارَهُ الْصَّخْرُ كلما * تعيا عليه طول مرقى تَسَهَّلاَ فَمَا زَالَ حَتَّى نَالَهَا وَهْوَ مُعْصِمٌ * عَلَى مَوْطِنٍ لَوْ زَلَّ عَنْهُ تَفَصَّلاَ فَلَمَّا نَجَا مِنْ ذَلِكَ الْكَرْبِ لَمْ يَزَلْ * يُمظِّعُهَا مَاءَ اللِّحَاءِ لِتَذْبُلاَ فَلَمَّا قَضى مِما يُرِيدُ قَضَاءَهُ * وَصَلَّبَهَا حِرْصاً عَلَيْهَا فَأَطْوَلاَ أَمَرَّ عَلَيْهَا ذات حد دعالها * رَفِيقاً بِأَخْذٍ بِالْمَداوِسِ صَيْقَلاَ فَجَرَّدَهَا صَفْرَاءَ لاَ الطُّولُ عَابَهَا * وَلاَ قِصَرٌ أزْرَى بِهَا فَتَعَطَّلاَ ثم وصفها بعشرة أبيات وقال: فَذَاكَ عَتَادِي في الْحُرُوبِ إِذَا الْتَظَتْ * وَأرْدَفَ بَأْسٌ مِنْ حُروبٍ وَأَعْجَلاَ قوله " وإني امرؤ أعددت ": أي هيأت عدة، و " أعصل " بمهملتين أعوج قال ابن السكيت في شرحه: يقول: هي حرب قَدُمَتْ وَأَسَنَّت فهو أشد لها وقوله " أصم ردينيا إلخ " هو مفعول أعددت: والأصم: المصمت الذي لا جوف له

стр. 1118

وموصوفه محذوف أي رمحاً أصم، والرمح الرُّدَيْنِيُّ منسوب إلى ردينة بالتصغير وهي امرأة كانت تقوم الرماح وكان زوجها سَمْهَرٌ أيضاً يقوم الرماح، يقال لرماحه السمهرية، قال ابن السكيت: الكعب الأنبوب، ويسمون العقدة كعباً، وهو المراد هنا، والقَسْبُ: تمر يابس نواه مر صلب، والعرص - بمهملات - الشديد الاضطراب، والمُزَجَّى: الذي جعل له زُجٌّ بضم الزاي وتشديد الجيم، وهي الحديدة التي في أسفل الرمح تغرز في الأرض، والْمُنَصَّلُ: الذي جعل له نصل، وهو السنان وقوله " عليه كمصباح العزيز إلخ " المصباح: السراج، والعزيز: الملك، وسراجه أشد ضوءاً، وَيَشُبُّهُ: يوقده، والفِصْح بالكسر - يوم فطر النصارى، والذبال بالضم الفتائل، وكل فتيلة ذبالة، ويحشوه: أي يحشو موضع الفتائل، يقول: على ذلك الرمح الأصم سراج كسراج الملك من توقده لارتفاع ناره، ثم وصف الرمح بثلاثة أبياتٍ أُخَر. وقال " وأبيض هنديّاً إلخ " هو معطوف على أصم: أي وأعددت أيضاً أبيض هنديّاً وهو السيف، والغرار بكسر المعجمة حد السيف، والحبي: ما حبا من السحاب أي ارتفع وأشرف، وتكلَّل السحاب: صار بعضه فوق بعض، وهو أشد لإضاءة البرق، وقوله " إذا سل من غمد إلخ " سَلَلْت السيف من غمده: أي أخرجته من قرابه، وتأكل: توهج واشتد، وأثر السيف بالفتح: جوهره، والمِسْحَاة بالكسر إناء من فضة، وهو القدح، واللجين الفضة، يقول على متن سيف كأنه فضة، وقوله " كأن مَدَبَّ النمل إلخ " الْمَدَبُّ الموضع الذي يدب فيه، والرّبا جمع رَبْوَة وهو ما ارتفع من الأرض، والْمَدْرج كالمدب وزناً ومعنى، وإنما يتبع النمل الربا لأنه يفر من الندى، يقول: اشتد على النمل البرد في أعلى الوادي فأسهل أي أتى السهل فاستبان أثره، قوله " على صفحتيه " متعلق بمدب النمل، والجِلاء: الصقل قال ابن السكيت: أُبلِي - بضم الهمزة - أشفيك من نعته وأحدثك عنه ويقال أبْلِنِي يميناً أي طيِّب نفسي، وَالْمُنْصُل - بضم الميم والصاد - السيف. وقوله ومبضوعة

стр. 1119

هو معطوف على أصم أيضاً: أي وأعددت قوساً مبضوعة أي مقطوعة، والفرع أعلى الشجرة، والشظية - بفتح الشين وكسر الظاء المعجمتين - الشقة والفلقة، وهي صفة لمبضوعة، والباء في بطود متعلقة بمحذوف حال من رأس فرعٍ، وجملة " تراه إلخ " صفة لطود، والرؤية بصرية، ومفعولها الهاء الراجعة إلى طود، ومجللاً حال من الهاء، وهو اسم مفعول من جلله بمعنى غطاه وألبسه، وبالسحاب متعلق به، وقوله " على ظهر صفوان إلخ " قال ابن السكيت: يقول: نبتت على حجر يزلق الرجل المتنزل لملاسته، وَعُلِلْنَ سقين مرة بعد مرة، وقوله " يطيف بها راع إلخ " قال ابن السكيت: يطيف بهذه القوس المبضوعة راعٍ أي حافظٌ ليجعل طرفه كالئاً يحفظ منها منظراً، والكالئ الحافظ، وقوله " فلاقى امرء امن بيدعان إلخ " قال ابن السكيت: " فعجل به اليأس: أي لم يتحبَّس به اليأس، هذا الذي رآها لاقى امرءا من بيدعان وهو حي من اليمن من أزد السراة. وقد استشعر اليأس منها، فاستشار الآخر فقال: هل تذكر رجلاً يصيب الغنم ويقصر العمل: أي يجئ بعمل قصير، أراد أنهما تشاورا فدله على الذي رأى فعجلا، يقول: كان نسي أنه يئس منها فلما دله عليها عجَّل إلى ما قال، وأسمحت قرونته وقرينته جميعاً وهي النفس باليأس: أي تابعته نفسه علي اليأس ولم تنازعه، وهذا مثل قولك: لقي فلان فلاناً ونسي ما أتى إليه: أي وقد نسي، انتهى كلامه، وقوله " فقال له هل إلخ " أي: هل تذكرن رجلاً يدل على غنيمة، ويقصر معملاً: أي ويقل العمل والعناء: وقوله " على خير ما أبصرتها " قال ابن السكيت: " أي فقال هل تدل على خير ما أبصرتها؟ أي: خير ما أبصرت من بضائع الناس، والتبكل: التغنم، يقال: تبكل أي تغنم إن أراد بيعاً أو غنماً، وقال: المتبكل الذي يتأكل بها الناس يقول لهذا سوف أبيعك ولهذا سوف أعيرك " انتهى وقال أبو حنيفة في كتاب النبات: ميدعان حي من أزد السراة، وهم أهل

стр. 1120

جبال، شجيرة، يقول: إما لأن يبريها وإما لأن يتخذها معاشاً لصيد أو غزو، والتبكل التكسب من ها هنا وها هنا وأصل البكل الخلط، والقواسون يطلبون هذه العيدان العتق من مظانها من منابتها، حيث كانت من السهول والوعور، ويستدلون عليها الرِّعاء وقناص الوعول ويجعلون فيها الجعائل وربما أبصروا الشجرة منها بحيث لا يستطيعه راق ولا نازل فيتدلون عليها بالحبال في المهاوي والمهالك كما يتدلى من يشتار العسل على الوقاب (١) وأخبرني بعض الأعراب: قال يطلب القواسون هذه العيدان الْعُتْق فإن وجدوها مستحكمة اقتطوها، وإن لم تكن مستحكمة حوضوا حولها وحملوا إليها الماء، فربما ربوها كذلك سنين حتى تستحكم، قال: وإذا وجد الرعاء منها شجرة دلوا عليها القواس وأخذوا على ذلك ثواباً، فقلت له: وكم تبلغ القوس عندكم؟ فقال: (تبلغ) إذا كانت جيدة خمسمائة درهم، وقد ذكر أوس ابن احجر كل ذلك في وصفه القوس فقال في منَعَة منبت عودها: ومبضوعة من رأس فرع إلى آخر أبيات ثلاثة، ثم قال ثم ذكر استرشاده مَنْ عسى أن يدله فقال: فلاقى امرأ من ميدعان إلى آخر أبيات ثلاثة. ثم قال ثمّ وصف امتناع منبتها وتدلِّيه عليه بالحبال فُوَيق جبيل شاهق الرأس إلى آخر الابيات، وقوله " فويق " مصغر فوق، وهو ظرف متعلق بأبصرتها من قوله " على خير ما أبصرتها " في البيت المتقدم، والبلوغ: الوصول، وَكَلّ يَكِلّ من باب ضرب كلالة تعب وأعيا، ويتعدى بالالف، وتعمل: أي تجتهد في العمل، فهو مضمن معنى الاجتهاد ولهذا لم يتعد، وأصله التعدي، يقال: عملته أعمله عملاً من باب فرح: أي صنعته، والاجتهاد مقدم في المعنى على الكلال، ولا مانع من تأخره لفظاً لأن

стр. 1121

الواو لمطلق الجمع لا تفيد ترتيبا، فقد يكون مدخلوها متقدماً على سابقه باللفظ، كقوله تعالى (وَمِنْكَ ومن نوح) وروي " وَتُعْمِلا " بضم التاء وكسر الميم، والمعنى وتجهد نفسك أو غيرك فالمفعول محذوف، وأصل أعمل تعديه إلى مفعولين، تقول: أعْمَلْتُهُ كذا أي جعلته عاملاً له، وروي البيت كذا أيضاً: فُوَيْقَ جُبَيْلٍ شَامِخٍ لَنْ تَنَالَهُ * بِقُنَّتِهِ حتى تكل وتعملا والنيل: الاصابة والوصول إلى الشئ، وقنة الجبل - بضم القاف وتشديد النون - أعلاه كقلته، باللام، وقوله " فأبصصر ألهاباً - إلخ " جمع لِهْب بكسر اللام وسكون الهاء، قال الجوهري: هو الفرجة والهواء يكون بين الجبلين، وأنشد هذا البيت، والطود: الجبل، ودونها أي دون المبضوعة، ودون هنا: بمعنى أمام، وفاعل أبضر ضمير الرجل من ميدعان، والنيق - بكسر النون - المشرف من الجبل، والْمَهْبِل - بفتح الميم وكسر الموحدة - المهوي والمهلك، قال أبو حنيفة: ثم ذكر تدليه عليها بالحبال ومخاطرته بنفسه فقال " فأشرط فيها نفسه - إلى آخر أبيات ثلاثة " وقال ابن السكيت: أشرط نفسه: جعلها علماً للموت، ومنه أشراط الساعة، ويقال: أشرط نفسه في ذلك ذلك الأمر: أي خاطر بها، والْمُعْصِم والْمُعْتَصِم واحد، وهو المتعلق: أي متعلقاً بالحبل، فذلك الذي ألقى من أسباب حباله، والسبب: الحبل، والجمع أسباب، ويصلح أن يكون الواحد سبّاًَ بالكسر، قال أبو ذؤيب * تَدَلَّى عَلَيْهَا بَيْنَ سِبّ وَخَيْطَةٍ فالسِّب: الحبل، والخيطة: الوتد، انتهى. وتَوَكَّل: أي اعتمد على الله، وقوله " وقد أكلت أظفاره " قال ابن السكيت يتوصل من مكان ثم ينزل بعده وروي " طول مَرْقىً تَوَصَّلا " أي توصل من مكان إلى مكان، كقولك: اجعل هذه وُصْلَةً، وقوله " فما زال حتى نالها " قال ابن السكيت: مُعْصِمٌ: مشفق،

стр. 1122

والموطن: الموضع الذي صار إليه، انتهى، وتفصل: تقطع: وقوله " فأقبل لا يرجو - إلخ " قال ابن السكيت يقول: عسى أن أفلت وأنجو، وقوله " فلما نجا من ذلك الكرب " هو الشدة، ويمظعها بالظاء المعجمة والعين المهملة، وَاللِّحاء بكسر اللام، قشر العود، وقال ابن السكيت يمظعها: يشربا، يقال: مظع الأديم الودك: أي شربه، يقول: لم يزل يسقيها ماء لحائها ليكون أجود لها، ولو قشر اللحاء عنها لأفسدها، وقوله " فلما قضى مما يريد - إلخ " صَلَّبها: يبسها، يقال: ثمرة مصلبة: أي يابسة، وأطول: أطال، وقوله " أمر عليها - إلخ " قال ابن السكيت: الرفيق: الحاذق، والمداوس: المصاقل، واحدها مدْوَسٌ، وهو الذي يصقل به، وقوله " فجردها صفراء - إلخ " قال ابن السكيت: يقول: لو كانت قصيرة لتعطلت وكانت أصغر من أن يرمي عنها ولم تعب من طول فتُعَطَّل: تترك لا تتخذ قوساً، وقوله " فذاك عَتَادي - إلخ " الإشارة راجعة إلى الرمح والسيف والقوس، وَالْعَتَاد: العُدة، والتظت: التهبت. ويعجبنى قوله بعد هذا بأربعة أبيات: وَإنِّي وَجَدْتُ النَّاسَ إلاَّ أقَلَّهُمْ * خِفَافَ الْعُهُودِ يُسْرِعُونَ التَّنَقُّلا بَنِي أُمِّ ذِي الْمَالِ الْكَثِيرِ يَرَوْنَهُ * وَإنْ كَانَ عَبْداً سَيِّد الامر حجفلا وَهُمْ لِمُقِلِّ الْمَالِ أوْلاَدُ عَلَّةٍ * وَإنْ كَانَ مَحْضاً فِي الْعَشِيرَةِ مَخْوَلاَ وَلَيْسَ أخْوكَ الدَّائِمُ الْعَهْدِ بِالَّذِي * يَذُمُّكَ إنْ وَلَّى وَيُرْضِيكَ مُقْبِلاَ وَلَكِنْ أخُوكَ الناءِ مَا كُنْتُ آمِنَاً * وَصَاحِبُكَ الأَدْنَى إذَا الأَمْرُ أعْضَلاَ وهذا آخر القصيدة: وأراد التنقل عن المودة، وجحفل: كثير الأتباع، وجيش جحفل: إذا كان كثير الأصوات، وقوله " وهم لمقل المال - إلخ " أي: يبغضون من لا مال له وإن كان شريفاً، والمحض: الخالص النسب، ومُخْوَل - بفتح الواو - كثير الأخوال، والناء: البعيد، حذفت الياء لضرورة الشعر،

стр. 1123

وروي النأي على المصدر، قال ابن السكيت: صَيَّر المصدر في موضع الصفة، وأعضل الأمر: اشتد وأوس بن حجر شاعر جاهلي بفتحتي الحاء المهملة والجيم، وتقدمت ترجمته في الشاهد الرابع عشر بعد الثلاثمائة من شواهد شرح الكافية. وأنشد بعده، وهو الشاهد الأربعون، وهو من شواهد سيبويه (من الرجز، أو السريع) : ٤٠ - وَمَهْمَهَيْنَ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنْ * ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنْ على أن الشاعر إذا قال قصيدة قبل رويها ياء أو واو ساكنة مفتوح ما قبلها فهي مردفة، ولزمه أن يأتي (بالردف) في جميع القصيدة، كما في هذين البيتين، وتقدم بعض منها في الشاهد الرابع والعشرين * لَمْ يَبْقَ مَنْ آيٍ بِهَا يُحَلَّيْنْ * وقوله " ومهمين - إلخ " الواو واو ربَّ، والْمَهْمَهُ: القَفْر المخوف، والْقَذَف - بفتح القاف والذال المعجمة بعدها فاء - البعيد من الأرض، والْمَرْت - بفتح الميم وسكون الراء المهملة - الأرض التي لا ماء فيها ولا نبات، وَالظَّهر: ما ارتفع من الأرض، شبهه بظهر ترس في ارتفاعه وَتَعَرِّيه من النبت، وجواب رب المقدرة هو قوله * جُبْتُهُمَا بالنَّعْتِ لا بِالنَّعْتَيْنْ * من جاب الوادي يجوبه جَوْباً، إذا قطعه بالسير فيه، وقد نُعِتَا لي مرةً واحدة فلم أحتج إلى أن ينعتا لى مرة ثانية، وصف نفسه بالحذق والمهارة، والعرب تفتخر بمعرفة الطرق وتقدم شرحه بأكثر من هذا في الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائة، وفي الشاهد الثالث والسبعين بعد الخمسائة، من شواهد الكافية

стр. 1124

وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادي والأربعون (من الهزج) : ٤١ - وَقَدْ أَغْدُو على أشقر * يَغْتَالُ الصَّحَارِيَّا على أنه جمع صحراء، فلما قلبت الألف بعد الراء في الجمع ياء قلبت الهمزة التي أصلها ألف التأنيث ياء أيضاً، وهذا أصل كل جمع لنحو صحراء، ثم يخفف بحذف الياء الأولى فيصير صَحَارِيَ بكسر الراء وتخفيف الياء مثل مَدَارِيَ، ويجوز أن تبدل الكسرة فتحة فتقلب الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها كما فعلوا في مَدَاري، وهذان الوجهان هما المستعملان، والأول أصل متروك يوجد في الشعر وقد تقدم الكلام عليه بأبسط من هذا في الشاهد الثاني والخمسين بعد الخمسمائة. وأغدو: مضارع غدا غُدُوّاً إذا ذهب غدوة، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، والأشقر من الخيل: الذي حمرته صافية، والشُّقْرَة في الإنسان: حمرة يعلوها بياض، ويغتال: يُهْلك، يقال: اغتاله أي أهلكه، واستعار يغتال لقطع المسافة بسرعة شديدة، فإن أصل اغتاله بمعنى قتله على غفلة، والصحراء من الأرض: الفضاء الواسع، والشعر للوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والأربعون ٤٢ - حِمّى لاَ يُحَلُّ الدَّهْرَ إلاَّ بِأَمْرِنَا * وَلاَ نَسْأَلُ الأَقْوَامَ عَهْدَ الْمَيْاثِقِ على أنه حُكِيَ أن المياثق لغة لبعض العرب، وهو جمع ميثاق، وأصله مِوثاق قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، فكان القياس في الجمع أن ترجع الواو، لزوال موجب قلبها ياء قال أبو الحسن (١) الأخفش فيما كتبه على أمالي أبي زيد: رواه الفراء

стр. 1125

" عَقْدَ المياثق " أخبرنا بذلك عنه ثعلب، وهذا شاذ، والرواية " عهد المواثق " وهو أجود وأشهر (١) ورواه الصاغاني في العباب بالياء عن ابن الأعرابي، قال: الميثاق العهد، وأخْذُ الميثاق بمعنى الاسْتحلاف، وصارت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والجمع المواثق والمياثيق على اللفظ، وقد جاء في الشعر المياثق، أنشد ابن الأعرابي لعياض ابن دُرَّة الطَّائي: * حمى لا يحل الدهر ... البيت * انتهى وراه أبو زيد الأنصاري في أماليه على القياس، قال: وقال عياض بن أم دُرَّة الطائي، وهو جاهلي: وَكُنَّا إذَا الدِّينُ الْغُلُبَّى بَرَى لَنَا * إذَا مَا حَلَلْنَاهُ مُصَابَ الْبَوَارِقِ حِمىً لا يحل الدَّهْر إلاَّ بإِذْنِنَا * وَلاَ نَسْأَلُ الأَقْوَامَ عَهْدَ الْمَوَاثِقِ الدين: الطاعة، والغلبي: المغالبة، ويرى لنا: عرض، يَبْرِي بَرْياً، وانبرى ينبري انبراء، انتهى. قال أبو الحسن الأخفش: قال أبو سعيد: حِفْظِي عياض بن درة، انتهى فعهد المواثق فيه شذوذ واحد، وهو حذف الياء من مواثيق، وفي عهد المياثق شذوذان: عدم رجوع الواو، وحذف الياء بعد المثلثة، ولا يخفى أن الْغُلُبَّى - بضم الغين واللام وتشديد الموحدة - ليس مصدراً للمفاعلة، إنما هو أحد مصادر غلبة يغلبه غَلْباً بسكون اللام وَغَلَبَاً بتحريكها وغَلَبَة بإلحاق الهاء وَغَلاَبية كَعَلانية وَغُلَبَّة كحُزَقَّة وَغُلُبَّى ومَغْلَبَة بفتح اللام، كذا في العباب، وَالْمَصَاب بفتح الميم: اسم مكان من صابه المطر إذا مطر، والصوب: نزول المطر، والبوارق: جمع بارقة، وهي سحابة ذات برق
следующие страницы →