← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 21567

شرح شافية ابن الحاجب - الرضي الأستراباذي

الرضي الأستراباذي

Полный текст (1 542 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الواو لمطلق الجمع لا تفيد ترتيبا، فقد يكون مدخلوها متقدماً على سابقه باللفظ، كقوله تعالى (وَمِنْكَ ومن نوح) وروي " وَتُعْمِلا " بضم التاء وكسر الميم، والمعنى وتجهد نفسك أو غيرك فالمفعول محذوف، وأصل أعمل تعديه إلى مفعولين، تقول: أعْمَلْتُهُ كذا أي جعلته عاملاً له، وروي البيت كذا أيضاً: فُوَيْقَ جُبَيْلٍ شَامِخٍ لَنْ تَنَالَهُ * بِقُنَّتِهِ حتى تكل وتعملا والنيل: الاصابة والوصول إلى الشئ، وقنة الجبل - بضم القاف وتشديد النون - أعلاه كقلته، باللام، وقوله " فأبصصر ألهاباً - إلخ " جمع لِهْب بكسر اللام وسكون الهاء، قال الجوهري: هو الفرجة والهواء يكون بين الجبلين، وأنشد هذا البيت، والطود: الجبل، ودونها أي دون المبضوعة، ودون هنا: بمعنى أمام، وفاعل أبضر ضمير الرجل من ميدعان، والنيق - بكسر النون - المشرف من الجبل، والْمَهْبِل - بفتح الميم وكسر الموحدة - المهوي والمهلك، قال أبو حنيفة: ثم ذكر تدليه عليها بالحبال ومخاطرته بنفسه فقال " فأشرط فيها نفسه - إلى آخر أبيات ثلاثة " وقال ابن السكيت: أشرط نفسه: جعلها علماً للموت، ومنه أشراط الساعة، ويقال: أشرط نفسه في ذلك ذلك الأمر: أي خاطر بها، والْمُعْصِم والْمُعْتَصِم واحد، وهو المتعلق: أي متعلقاً بالحبل، فذلك الذي ألقى من أسباب حباله، والسبب: الحبل، والجمع أسباب، ويصلح أن يكون الواحد سبّاًَ بالكسر، قال أبو ذؤيب * تَدَلَّى عَلَيْهَا بَيْنَ سِبّ وَخَيْطَةٍ فالسِّب: الحبل، والخيطة: الوتد، انتهى. وتَوَكَّل: أي اعتمد على الله، وقوله " وقد أكلت أظفاره " قال ابن السكيت يتوصل من مكان ثم ينزل بعده وروي " طول مَرْقىً تَوَصَّلا " أي توصل من مكان إلى مكان، كقولك: اجعل هذه وُصْلَةً، وقوله " فما زال حتى نالها " قال ابن السكيت: مُعْصِمٌ: مشفق،

стр. 1122

والموطن: الموضع الذي صار إليه، انتهى، وتفصل: تقطع: وقوله " فأقبل لا يرجو - إلخ " قال ابن السكيت يقول: عسى أن أفلت وأنجو، وقوله " فلما نجا من ذلك الكرب " هو الشدة، ويمظعها بالظاء المعجمة والعين المهملة، وَاللِّحاء بكسر اللام، قشر العود، وقال ابن السكيت يمظعها: يشربا، يقال: مظع الأديم الودك: أي شربه، يقول: لم يزل يسقيها ماء لحائها ليكون أجود لها، ولو قشر اللحاء عنها لأفسدها، وقوله " فلما قضى مما يريد - إلخ " صَلَّبها: يبسها، يقال: ثمرة مصلبة: أي يابسة، وأطول: أطال، وقوله " أمر عليها - إلخ " قال ابن السكيت: الرفيق: الحاذق، والمداوس: المصاقل، واحدها مدْوَسٌ، وهو الذي يصقل به، وقوله " فجردها صفراء - إلخ " قال ابن السكيت: يقول: لو كانت قصيرة لتعطلت وكانت أصغر من أن يرمي عنها ولم تعب من طول فتُعَطَّل: تترك لا تتخذ قوساً، وقوله " فذاك عَتَادي - إلخ " الإشارة راجعة إلى الرمح والسيف والقوس، وَالْعَتَاد: العُدة، والتظت: التهبت. ويعجبنى قوله بعد هذا بأربعة أبيات: وَإنِّي وَجَدْتُ النَّاسَ إلاَّ أقَلَّهُمْ * خِفَافَ الْعُهُودِ يُسْرِعُونَ التَّنَقُّلا بَنِي أُمِّ ذِي الْمَالِ الْكَثِيرِ يَرَوْنَهُ * وَإنْ كَانَ عَبْداً سَيِّد الامر حجفلا وَهُمْ لِمُقِلِّ الْمَالِ أوْلاَدُ عَلَّةٍ * وَإنْ كَانَ مَحْضاً فِي الْعَشِيرَةِ مَخْوَلاَ وَلَيْسَ أخْوكَ الدَّائِمُ الْعَهْدِ بِالَّذِي * يَذُمُّكَ إنْ وَلَّى وَيُرْضِيكَ مُقْبِلاَ وَلَكِنْ أخُوكَ الناءِ مَا كُنْتُ آمِنَاً * وَصَاحِبُكَ الأَدْنَى إذَا الأَمْرُ أعْضَلاَ وهذا آخر القصيدة: وأراد التنقل عن المودة، وجحفل: كثير الأتباع، وجيش جحفل: إذا كان كثير الأصوات، وقوله " وهم لمقل المال - إلخ " أي: يبغضون من لا مال له وإن كان شريفاً، والمحض: الخالص النسب، ومُخْوَل - بفتح الواو - كثير الأخوال، والناء: البعيد، حذفت الياء لضرورة الشعر،

стр. 1123

وروي النأي على المصدر، قال ابن السكيت: صَيَّر المصدر في موضع الصفة، وأعضل الأمر: اشتد وأوس بن حجر شاعر جاهلي بفتحتي الحاء المهملة والجيم، وتقدمت ترجمته في الشاهد الرابع عشر بعد الثلاثمائة من شواهد شرح الكافية. وأنشد بعده، وهو الشاهد الأربعون، وهو من شواهد سيبويه (من الرجز، أو السريع) : ٤٠ - وَمَهْمَهَيْنَ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنْ * ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنْ على أن الشاعر إذا قال قصيدة قبل رويها ياء أو واو ساكنة مفتوح ما قبلها فهي مردفة، ولزمه أن يأتي (بالردف) في جميع القصيدة، كما في هذين البيتين، وتقدم بعض منها في الشاهد الرابع والعشرين * لَمْ يَبْقَ مَنْ آيٍ بِهَا يُحَلَّيْنْ * وقوله " ومهمين - إلخ " الواو واو ربَّ، والْمَهْمَهُ: القَفْر المخوف، والْقَذَف - بفتح القاف والذال المعجمة بعدها فاء - البعيد من الأرض، والْمَرْت - بفتح الميم وسكون الراء المهملة - الأرض التي لا ماء فيها ولا نبات، وَالظَّهر: ما ارتفع من الأرض، شبهه بظهر ترس في ارتفاعه وَتَعَرِّيه من النبت، وجواب رب المقدرة هو قوله * جُبْتُهُمَا بالنَّعْتِ لا بِالنَّعْتَيْنْ * من جاب الوادي يجوبه جَوْباً، إذا قطعه بالسير فيه، وقد نُعِتَا لي مرةً واحدة فلم أحتج إلى أن ينعتا لى مرة ثانية، وصف نفسه بالحذق والمهارة، والعرب تفتخر بمعرفة الطرق وتقدم شرحه بأكثر من هذا في الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائة، وفي الشاهد الثالث والسبعين بعد الخمسائة، من شواهد الكافية

стр. 1124

وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادي والأربعون (من الهزج) : ٤١ - وَقَدْ أَغْدُو على أشقر * يَغْتَالُ الصَّحَارِيَّا على أنه جمع صحراء، فلما قلبت الألف بعد الراء في الجمع ياء قلبت الهمزة التي أصلها ألف التأنيث ياء أيضاً، وهذا أصل كل جمع لنحو صحراء، ثم يخفف بحذف الياء الأولى فيصير صَحَارِيَ بكسر الراء وتخفيف الياء مثل مَدَارِيَ، ويجوز أن تبدل الكسرة فتحة فتقلب الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها كما فعلوا في مَدَاري، وهذان الوجهان هما المستعملان، والأول أصل متروك يوجد في الشعر وقد تقدم الكلام عليه بأبسط من هذا في الشاهد الثاني والخمسين بعد الخمسمائة. وأغدو: مضارع غدا غُدُوّاً إذا ذهب غدوة، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، والأشقر من الخيل: الذي حمرته صافية، والشُّقْرَة في الإنسان: حمرة يعلوها بياض، ويغتال: يُهْلك، يقال: اغتاله أي أهلكه، واستعار يغتال لقطع المسافة بسرعة شديدة، فإن أصل اغتاله بمعنى قتله على غفلة، والصحراء من الأرض: الفضاء الواسع، والشعر للوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والأربعون ٤٢ - حِمّى لاَ يُحَلُّ الدَّهْرَ إلاَّ بِأَمْرِنَا * وَلاَ نَسْأَلُ الأَقْوَامَ عَهْدَ الْمَيْاثِقِ على أنه حُكِيَ أن المياثق لغة لبعض العرب، وهو جمع ميثاق، وأصله مِوثاق قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، فكان القياس في الجمع أن ترجع الواو، لزوال موجب قلبها ياء قال أبو الحسن (١) الأخفش فيما كتبه على أمالي أبي زيد: رواه الفراء

стр. 1125

" عَقْدَ المياثق " أخبرنا بذلك عنه ثعلب، وهذا شاذ، والرواية " عهد المواثق " وهو أجود وأشهر (١) ورواه الصاغاني في العباب بالياء عن ابن الأعرابي، قال: الميثاق العهد، وأخْذُ الميثاق بمعنى الاسْتحلاف، وصارت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والجمع المواثق والمياثيق على اللفظ، وقد جاء في الشعر المياثق، أنشد ابن الأعرابي لعياض ابن دُرَّة الطَّائي: * حمى لا يحل الدهر ... البيت * انتهى وراه أبو زيد الأنصاري في أماليه على القياس، قال: وقال عياض بن أم دُرَّة الطائي، وهو جاهلي: وَكُنَّا إذَا الدِّينُ الْغُلُبَّى بَرَى لَنَا * إذَا مَا حَلَلْنَاهُ مُصَابَ الْبَوَارِقِ حِمىً لا يحل الدَّهْر إلاَّ بإِذْنِنَا * وَلاَ نَسْأَلُ الأَقْوَامَ عَهْدَ الْمَوَاثِقِ الدين: الطاعة، والغلبي: المغالبة، ويرى لنا: عرض، يَبْرِي بَرْياً، وانبرى ينبري انبراء، انتهى. قال أبو الحسن الأخفش: قال أبو سعيد: حِفْظِي عياض بن درة، انتهى فعهد المواثق فيه شذوذ واحد، وهو حذف الياء من مواثيق، وفي عهد المياثق شذوذان: عدم رجوع الواو، وحذف الياء بعد المثلثة، ولا يخفى أن الْغُلُبَّى - بضم الغين واللام وتشديد الموحدة - ليس مصدراً للمفاعلة، إنما هو أحد مصادر غلبة يغلبه غَلْباً بسكون اللام وَغَلَبَاً بتحريكها وغَلَبَة بإلحاق الهاء وَغَلاَبية كَعَلانية وَغُلَبَّة كحُزَقَّة وَغُلُبَّى ومَغْلَبَة بفتح اللام، كذا في العباب، وَالْمَصَاب بفتح الميم: اسم مكان من صابه المطر إذا مطر، والصوب: نزول المطر، والبوارق: جمع بارقة، وهي سحابة ذات برق

стр. 1126

وأنشد بعده وهو الشاهد الثالث والأربعون (من الوافر) : ٤٣ - وقاءٌ مَّا مُعَيَّةُ مِنْ أبِيهِ * لِمَنْ أوْفَى بِعَهْدٍ أوْ بِعَقْدِ على أن مُعَيَّة مصغر مُعاوِية، حذفت ألفه عند التصغير فصار مُعَيْوِية، فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها فصار مُعَيِّية بثلاث ياءات، فحذف الياء الثالثة التي هي لام الفعل وفتحت الثانية لأجل الهاء فصار مُعَيَّة، على وزن مُفَيْعة، كذا قال ابن يعيش وفي الجمهرة لابن دريد: وَفَى يفي وفاء وأوفى يوفي، لغتان فصيحتان، قال الشاعر * وقاء ما معيه من أبيه * البيت معية: هو ابن الصمة أخو دريد، وكان الصمة قتل في جوار بَيْبة (١) بن سفيان بن مجاشع، وكان مُعَيَّة أسيراً في أيديهم، فقال الصمة وهو يكيد بنفسه هذه القصيدة، يقول: أما إذا غدرتم فأطلقوا عن ابني مُعَية، فإن فيه وقاء مني، انتهى كلامه والوقاء - بكسر الواو وفتحها بعدها قاف - هو ما وقيت به شيئاً، وما زائدة، والعهد: الأمان والمواثق (٢) والذِّمَّة، وَالْعَقْد: إحكام العهد من عَقْدَتُ الحبلَ عَقْداً والصِّمَّة - بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم - فارس شاعر جاهلي من بني جُشَم بن معاوية بن بكر بن هوازن، وهو والد دُرَيْد بن الصمة الذي قتل في غزوة حُنَيْنٍ كافراً

стр. 1127

وأنشد الجاربردي (١) ، وهو الشاهد الرابع والأربعون ٤٤ - وَهْوَ إذَا الْحَرْبُ هَفَا عُقَابُهُ * مِرْجَمُ حَرْبٍ تَلْتَظِي حِرَابُهُ على أن الحرب قد يكون مذكراً كما في البيت، فإن الهاء من " عُقَابه " ضمير الحرب وهذا الرجز أورده الجوهري في الصحاح (٢) ، ونقل كلامه الجاربرديُّ برمته، وهو فيه غير منسوب لأحد، ولم يتكلم عليه ابن بري في أماليه بشئ، وقد وقع في بعض نسخ الصحاح " تلتقي " بدل " تلتظي " وقال الصفدي في حاشيته عليه: الذي رواه ابن الأعرابي " تلتظي حرابه " بدل " تلتقي " وكذا هو بخط الجوهري، والذي وجدته بخط ياقوت " تلتقي " والصواب " تلتظي " كما رواه ابن الأعرابي، انتهى. " وهو " ضمير الممدوح بالشجاعة، قال الجوهري: وهفا الطائر بجناحه: أي خَفَقَ وطار، وأنشد هذا الرجز، وَالْعُقَاب - بالضم - من أعظم جوارح الطير، شبه الحرب الشديدة به، وَالْمِرْجَم - بكسر الميم وفتح الجيم - قال الجوهري: ورجل مِرْجَم: أي شديد كأنه يُرْجَم به معاديه، والرجم الرمي بالحجارة، انتهى. وأضافه إلى الحر لانه لا يُرْجم على الأعداء فيها، وتلتظي: تلتهب، جملة حالية، والحراب - بالكسر - جمع حربة، يريد أن لها بريقاً كشُعْلة النار، وصحَّفه الجار برى بالجيم، فقال: وجراب البئر جوفها من أسفلها إلى أعلاها، انتهى. والهاء ضمير مرجم، وإذا: ظرف متعلق بمرجم وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والاربعون (من الرجز)

стр. 1128

٤٥ - إنَّا وَجَدْنَا عُرُسَ الْحَنَّاطِ * لَئِيمَةً مَذْمُومَةَ الْحُوَّاط على أن الْعُرُسُ مؤنثة، بدليل لئيمة ومذمومة، وَالعُرُس: بضمتين وبضمة فسكون، قال الجوهري: والعرس طعام الوليمة، يذكر ويؤنث، قال الراجز: إنَّا وَجَدْنَا عُرُسَ الْحَنَّاطِ * لَئِيمَةً مَذْمُومَةَ الْحُوَّاط * نَدْعَى مَعَ النَّسَّاجِ وَالْخَيَّاطِ * والجمع الأعراس وَالْعُرُسَات، وقد أعْرَس فلان: أي اتخذ عُرُساً، وأعرس بأهله إذا بنى بها، وكذلك إذا غشيها، ولا تقل عَرَّس (أي بالتشديد) والعامة تقوله، انتهى. وكذا قال صاحب العباب وزاد بعد البيت الثالث * وَكُلِّ عِلْجٍ شَخِمِ الآباطِ * ثم قال: وقال دُكَيْن وقد أتى عُرْساً فحجب، فرجز بهم، فقيل: من أنت؟ فقال: دكين، فقال (من مشطور الرجز) : تَجَمَّعَ النَّاسُ وَقَالُوا عُرْسُ * إذَا قِصَاعٌ كَالأَكُفِّ خَمْسُ وَدُعِيَتْ قَيْسٌ وَجَاءَتْ عَبْسُ فَفُقِئَتْ عَيْنٌ وَفَاظَتْ نَفْسُ (١) انتهى وأورد ابن السكيت في إصلاح المنطق الرجز الأول، وقال شارح أبياته ابن السيرافي: الْحَنّاط: بائع الحنطة، والْحَوَّاط: الذين أحاطوا بالعرس، وذمها لأن المدعوين فيها الحاكة والخياطون، انتهى. ولم يتكلم عليه ابن بري في أماليه على

стр. 1129

الصحاح بشئ، ولا الصفدي في حاشيته عليه وكتب ياقوت الموصلي الخطّاط على هامش الصحاح: الْحُوَّاط: القوم الذين يقومون على رءوس الناس في الدعوات، والرجز لدكين الراجز، انتهى: ونُدعَى: بضم النون وفتح العين، والْعِلج - بكسر العين - الرجل من كفار العجم، وَالشَّخِم - بفتح الشين وكسر الخاء المعجمتين - المنتن ودكين بالتصغير: راجز إسلامي من معاصري الفرزدق وجرير، وهو دكين ابن رجاء من بني فقيم، ومدح عمر ابن عبد العزيز وهو والي المدينة وله معه حكاية أوردها ابن قتيبة في كتاب (١) الشعراء وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس والأربعون (من المتقارب) ٤٦ - * عَلَيْهِ مِنَ اللُّؤْمِ سِرْوَالَةٌ * على أن السِّرْوَالَة واحد السراويل، وتمامه * فَلَيْسَ يَرِقُّ لِمُسْتَعْطِفِ * وقائله مجهول حتى قيل: إنه مصنوع واللؤم بالهمز الشح ودناءة الآباء، وتقدم الكلام عليه في الشاهد الثالث والثلاثين من شرح شواهد الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع والأربعون، وهو من شواهد سيبويه (٢) (من الرجز) قَدْ رَوِيَتْ إلاَّ الدُّهَيْدِهِينَا * قُلَيِّصَاتٍ وَأُبَيْكِرِينا ٤٧ - على أنه كان القياس دُهَيْدِهَات وَأبَيْكِرَات قال سيبويه (٢) الدَّهْدَاه

стр. 1130

حاشية الابل، فكأنه حقر دهاده فرده إلى الواحد، وهو دَهْداه، وأدخل الياء والنون كما تدخل في أرضين وسنين، وذلك حين اضطر في الكلام إلى أن يدخل ياء التصغير، وأما أبيكرينا فانه جمع الا بكر (كما يُجْمَعَ الْجُزْرَ وَالطُّرُق فتقول جُزُرات وَطُرُقَات) (١) ولكنه أدخل الياء والنون كما أدخلها في الدُّهَيْدِهِين. انتهى كلامه وقال ابن جني في سر الصناعة عند سَرْد ما جمع بالواو والنون من كل مؤنث معنوي كأرض أو مؤنث بالتاء محذوف اللام كُثَبة، ما نصُّه: " فإن قلت: فما بالهم قالوا: * قَدْ رَوِيْتَ إلاَّ الدُّهَيْدِهِينَا * إلخ فجمعوا تصغير دَهْدَاه، وهو الحاشية من الإبل، وَأَبْكُراً، وهو جمع بَكْر بالواو والنون، وليسا من جنس ما ذكر؟ فالجواب أن أبكراً جمع بكر، وكل جمع فتأنيثه سائغ مستمر لأنه جماعة في المعنى، وكأنه قد كان ينبغي أبْكِرَة، وإذا ثبت أن أفْعُلا من أمثلة الجموع يجوز في الاستعمال والقياس تأنيثه، فصار إذن جمعهم إياها بالواو والنون في قوله " أُبَيْكرونا " إنما هو عوض من الهاء المقدرة، فجرى مجرى أرض في قولهم، وأما " دهيدهينا " فإن واحده دَهْدَاه فهو نظير الصِّرْمة فكأن الهاء فيها لتأنيث الفرقة، كما أن الهاء في عصبة لتأنيث الجماعة، فكأنه كان في التقدير دهداهة، فجمع الواو والنون تعويضاً من الهاء المقدرة، قال أبو علي: وحسن أيضاً جمعه بالواو والنون أنه قد حذفت ألف دهداه في التحقير، ولو جاء على الأصل لقيل دُهَيْدِيه، فواحد " دهيدهينا " إنما هو دُهَيْدِه، وقد حذفت الألف من مكبره، فكان ذلك أيضا مستهلا للواو والنون وداعياً إلى التعويض بهما، انتهى.

стр. 1131

والبيتان من رجز أورده أبو عبيد في الغريب المصنف، قال: الحاشية صغار الإبل، والدَّهْداه مثل ذلك، قال الراجز: يَا وَهْبُ فَابْدأ بِبَنِي أبينَا * ثُمَّتَ ثَنِّ بِبَنِي أخِينَا وَجِيرَةِ الْبَيْتِ الْمُجَاوِرِينَا * قَدْ رَوِيَتْ إلاَّ الدُّهَيْدِهِينَا إلاَّ ثَلاَثِينَ وَأرْبَعِينَا * قُلَيِّصَاتٍ وَأُبَيْكِرِينَا وقليصات: جمع مصغر قَلُوص، وهي الناقة الشابة، وأبَيْكِرِين: جمع أبيكر مصغر أبْكُر، وهو جمع بَكْر بالفتح، وهو في الإبل بمنزلة الشاب في الناس. وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا الشاهد الثالث والثمانين بعد الخمسمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده وهو الشاهد الثامن والأربعون (من السريع) : ٤٨ - * فِي كُلِّ يَوْمٍ ماو كل ليلاوه * على أن " ليلاه " في معنى ليلة، وعليه جاء التصغير في قولهم: لُيَيْلية، وجاء الجمع أيضاً في قولهم اللَّيَالي قال ابن جني في باب الاستغناء بالشئ عن الشئ من الخصائص (١) : " ومن ذلك استغناؤهم بليلة عَنْ لَيْلاه، وعليها جَاءتْ لَيالٍ، على أن ابن الأعرابي قد أنشد: في كُلِّ يَوْمٍ مّا وَكُلِّ لَيْلاَهْ * حَتَّى يَقُولُ كُلُّ رَاءٍ إذْ رَآهْ * يَا وَيْحَهُ منْ جَمَلٍ ما أَشْقَاهْ * وهذا شاذ لم يسمع إلا من هذه الجهة وقال في المحتسب أيضاً: " فأمَّا أهَالٍ فكقولهم ليال، كأن واحدهما أهلات

стр. 1132

ولَيْلاَه، وقد مر بنا تصديقاً لقول سيبويه فإن واحدهما في التقدير ليلاة ما أنشده ابن الأعرابي: في كُلِّ يَوْمٍ مّا وَكُلِّ ليلاه * حتى يقول من رآه إذْ رَآهْ وقال السيوطي في شرح أبيات المغني: ونقل ابن جني في ذي القد (١) عن أبي علي أنه أراد " وكل ليلة " ثم أشبع فتحة اللام، فصارت ليلاة، انتهى: وفي العباب للصاغاني " يقال: كان الأصل ليلاه فحذفت الألف لأن تصغيرها لُيَيْلِية " وقال الفراء: ليلة كانت في الاصل ليلية، ولذلك صغرت لييلية، ومثلها الكيكةً البيضةُ، كانت في الأصل كيكية، وجمعها الكياكي، انتهى. " في كل يوم ما - إلخ " متعلق الجار في بيت قبله لم أقف عليه، والمعنى أعمله في كل يوم وكل ليلة، وأنشد السيوطي بعده البيتين فقال ابن الملا في شرح المغنى: في متعلقة بقوله ما أشقاه، ولم يذكر البيت الآخر، وما زائدة، ورواه ابن الملا " في كل ما يوم " وقال: ما زائدة، وقوله " إذ رآه " بحذف الهمزة، وهي عين الكلمة، والْوَيْح: كلمة ترحم تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، ومن " جمل " بيان للضمير في ويحه، " ما أشقاه " تعجب وهذا الرجز لم أقف على قائله، والله أعلم به وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع والأربعون (من البسيط) : ٤٩ - أمَا أقاتل عن ديني على فرس * ولا كذا رَجُلاً إلاَّ بِأَصْحَابِ على أن رجلاً بمعنى راجل، قال ابن يعيش (٢) : ومن تصغير الشاذ قولهم رُوَيْجل في تصغير رجل، وقياسه رجيل، كأنهم صغروا راجلاً في معنى رجل وإن لم

стр. 1133

لم يظهر به استعمال، كما قالوا: رجل في معنى راجل، وأنشد البيت، ثم قال: فكأنهم صغروا لفظاً وهم يريدون آخر والمعنى فيهما واحد، انتهى. وفي نوادر أبي زيد (١) قال حُيي بن وائل وأدرك قطريّاً (ابن الفجاءة) (٢) الخارجي أحَدَ بني مازن: أما أقاتل عن ديني على فرس * ولا كذا رجلا إلا بأصحاب لقد لقيت إذن شراً وأدركني * ما كنت أزعم في خَصْمي مِنَ العاب قال أبو عمر الجرمي (٣) : رجل راجل، قال السكري: قوله رجلاً معناه راجل، كما يقول العرب جاءنا فلان حافياً رجلاً أي راجلاً كأنه قال: أما أقاتل فارساً ولا كما أنا راجلاً إلا ومعي أصحاب لقد لقيت إذن شرّاً لو أني أقاتل وحدي ويقال راجل ورجال، قال تعالى: (فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) وكذلك (يأتوك رجالا (وعلى كل ضامر) (٤)) ورَاجِلُ وَرَجْلَةٌ وَرَجُلٌ وَرِجَالٌ ورُجَالَى، والعاب العيب انتهى. والأول: ما بعد الآية على وزن فاعل، والثاني على وزن فَعْلَةٍ: - بفتح الفاء وسكون العين - والثالث: على وزن فَعْل بفتح الفاء وسكون العين، والرابع: على وزن فعَّال بضم الفاء وتشديد العين، والخامس: فُعَالَى بضم الفاء وتخفيف العين والقصر، قوله " لقيت إذاً شرّاً لو أني أقاتل وحدي " كذا رأيته في نسخة قديمة صحيحة، ورواه أبو الحسن الأخفش: أي إني أقاتل وحدي أي " إني " موضع " لو " والمعنى عليه كما يظهر بالتأمل، ويؤيده أن غير أبي زيد روى أن حُيي بن وائل خرج راجلاً يقاتل السلطان، فقيل له: أتخرج راجلاً (تقاتل) (٤) ؟ فقال: أما أقاتلهم إلا على فرس، كذا قال الأخفش، وقال: قال أبو حاتم: قوله " أما

стр. 1134

مخفف الميم مفتوح الألف، واحترز بهذا الضبط عن القراءة بكسر الهمزة وتشديد الميم فتكون أما بالتخفيف استفتاحية وحيى - بضم الحاء المهملة وفتح المثناة التحتانية الأولى وتشديد الثانية -: رجل من الخوارج وفي نسخ الشرح " أو هكذا رجلاَ إلا بأصحاب " وكذا في شرح الجاربردي في باب الجمع، وقال: معنى البيت الإنكار على من يرى أن مقاتلة هذا الشاعر لا تجوز إلا حال مصاحبته مع أصحابه، فقال: لم لا أقاتل منفرداً سواء أكون فارساً أو راجلاً، انتهى. وهذا المعنى مراده قطعاً، لكن في أخذه من البيت خفاء وفي تركيبه (١) تعقيد وقلاقة وينظر في هذا الاستثناء (٢) ثم رأيت في أمالي الصحاح لابن بري قال بعد أن نقل كلام أبي زيد ما نصه: وقال ابن الأعرابي: قوله " ولا كذا ": أي ما ترى رجلاً (٣) ، وقال المفضل: أمَا خفيفة بمعنى ألا، وألا تنبيه يكون بعدها أمر أو نهي أو إخبار (فالذي بعد أما هنا إخبار) (٤) كأنه قال: أما أقاتل فارساً وراجلاً، وقال أبو علي في الحجة بعد أن حكى عن أبي زيد ما تقدم: فرجُل على ما حكى أبو زيد صفة ومثله نَدُسٌ وفطن وحذر

стр. 1135

وأحرف نحوها، ومعنى البيت كأنه يقول: اعلموا أني أقاتل عن ديني وعن حسبي وليس تحتي فرس ولا معي أصحاب، انتهى كلام ابن بري المنسوب أنشد فيه، وهو الشاهد الخمسون (من الطويل) : ٥٠ - كَأَنَّ مَجَرَّ الرَّامِسَاتِ ذُيُولَهَا * عَلَيْهِ قَضِيمٌ نَمَّقَتْهُ الصَّوانِعُ عَلَى أن فيه حذف مضاف، والتقدير كان أثر مجر أو موضع مجر، ومَجَرٌّ مصدر ميمي مضاف لفاعله، وذيولها: مفعوله، ولا يجوز أن يكون اسم مكان، فإنه لا يرفع فضلاً عن أن ينصب، وكذا اسم الزمان والآلة، وإنما كان بتقدير مضاف لأنه إن كان مصدراً فلا يصلح الإخبار عنه بقضيم، وإن كان اسم مكان فلا يصح نصبه المفعولَ، وروي بجر " ذيولها " فيكون بدلاً من الرامسات بدلَ بعض، وعليه فالمجر اسم مكان ولا حذف وقال ابن بري في شرح أبيات الإيضاح لأبي علي. قال أبو الحجاج: بل لابد من اعتقاد محذوفات ثلاثة يصح بها المعنى، تقديرها كأنَّ أثر موضع مجر الرامسات ذيولَهَا نَقْشُ قضيم، والرامسات: الرياح الشديدة الهبوب، من الرَّمْس وهو الدفن، وذيولها: مآخيرها، وذلك أن أوائلها تجئ بشدة ثم تسكن، والقضيم - بفتح القاف وكسر الضاد المعجمة - حصير منسوج خيوطة سيور، وقال ابن بري: القضيم الجلد الأبيض عن الأصمعي وغيره، وقال يعقوب: الصحيفة البيضاء، وقال أيضاً: هو النِّطَع الأبيض، وقال صاحب العين: هو الحصير المنسوج تكون خيوطه سيوراً بلغة أهل الحجاز، شبه آثار الديار بنقش على ظهر مِبْنَاة، انتهى قال شارح ديوان النابغة: شبه آثار هذه الرامسات في هذا الرسم بحصير من

стр. 1136

جريد أو أدم برمله الصوانع: أي تعمله وتخرزه، ومن فسر القضيم بجلد أبيض يكتب فيه كالأندلسي وابن يعيش والجاربردي لم يصب، فإن الصوانع جمع صانعة، والمعهود في نساء العرب النسيج وما أشبهه لا الكاتبة، والمعنى يقتضيه أيضاً، فإن الرَّمْل الذي تمر عليه الريح يشبه الحصير المنسوج، والعرب لا تعرف الكتابة رجالها فضلا عن نسائها، وإنما حدث فيها الخَطُّ والكتابة في الإسلام وقال بعض فضلاء العجم في شرح أبيات المفصل: يقول: كأن أثر جرّ الرياح الرامسات ذيولها على ذلك الربع قضيم: أي خطوط قضيم زينته بالكتابة النساء الحاذقات للكتابة، أو كان موضع الرامسات قضيم، شبه أثار جر الرياح بالخطوط في القضيم، أو موضِعَهَا الذي (١) هبّت عليه بالقضيم الْمُنَمَّق، وفي البيت سؤال وجواب، أما السؤال فإن المجَر اسم مكان، وقد عمل في ذيولها، وبيان كونه اسم مكان أنه أخبر عنه بقضيم، ولا يستقيم المجر بمعنى الجر لأنه يؤدي إلى تشبيهه وهو معنى بالرَّقِّ وهو عين، ولا معنى لذلك، والجواب أن اسم المكان لا يعمل باستقراء لُغتهم، وإذا وجدنا ما يخالفه وجب تأويله، وله هنا تأويلان: أحدهما: تقدير مضاف قبل مجر، والمجر مصدر، والتقدير كأنَّ موضع جر الرامسات، وهو خير من تقدير أثر، لئلا يحصل ما هرب عنه من الإخبار بقضيم إذ الأثر يشبه بالكتابة لا بالرق، وغرضنا هنا التشبيه بالرق، ولقائل أن يقول: لعل من قال إن تقديره كان أثر جر الرامسات قدر قبل قضيم مضافاً محذوفاً، وهو خطوط قضيم، فيصح المعنى، والثاني: أن يكون مجر موضعاً على ظاهره، والمضاف محذوف من الرامسات، كأنه قال: مجرجر الرامسات، هذا كلامه وهو ملخص من شرح المفصل للاندلسي، وقد نقله ابن المستوفي في شرح أبيات المفصل، ورد قوله " تقدير موضع خير من تقدير أثر " بأنه لا فرق بينهما لان أثر الجر وموضع الجر واحد، إلا أن يتوهم متوهم أن أثره ما بقي من فعله، وموضعه مكان فعله، انتهى:

стр. 1137

وقوله " والثاني أن يكون مجر موضعاً - إلخ " قال الأندلسي: والوجه الثاني أن يكون مجر موضعاً على ظاهره، والمضاف محذوف من الرامسات، كأنه قال: كأن مجرجر الرامسات، ويتأكد هذا بأمرين: أحدهما: مطابقة المشبه بالمشبه به، لأن فيه ذكر الموضع أولاً والأثر ثانياً، كما أن المشبه به ذكر فيه الرق أولاً والتنميق ثانياً، والآخر أن المحذوف مدلول عليه بمجر لان مجرا معناه الجر، فلم يقدر إلا بما دلَّ عليه، بخلاف التقدير الأول، فإن المؤدي إليه امتناع استقامته في الظاهر، وهو موجود بعينه ها هنا مع الوجهين الآخرين، ويضعف من جهة أن " ذيولها " تكون منصوبة بمصدر مقدر، والنصب بالمصدر المقدر لا يكاد يوجد، ومن أجل ذلك قدم التقدير الأول، انتهى. والبيت من قصيدة للنابغة الذبياني، قال بعد بيتين من أولها: تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا * لِسِتَّةِ أعوام واذ الْعَامُ سَابِعُ رَمَادٌ ككُحْلِ الْعَيْنِ ما إنْ تُبينُهُ * وَنُؤْيٌ كجِذْمِ الْحَوْضِ أثْلَمُ خَاشِعُ كَأَنَّ مَجَرَّ الرَّامِسَاتِ ذيولها * عليه قضيم نمقته الصَّوانِعُ عَلَى ظَهْرِ مِبْنَاة جَديدٍ سُيُورُهَا * يَطُوفُ بِهَا وَسْطَ اللَّطِيمَةِ بَائِعُ توهمت: تفرست، وآيات الدار: علامات دار الحبيبة لا ندراسها، واللام بمعنى بعد، ورمادٌ ونؤيٌ استئناف لتفسير بعض الآيات: أي بعض الآيات رماد وبعضها نُؤْي، وإنْ: زائدة، وتبينه: تظهره، وفاعله إما ضمير ديار الحبيبة وإما ضمير المخاطب، والنؤى - بضم النون وسكون الهمزة - حفيرة تحفر حول الخباء، ويجعل تُرَابها حاجزاً لئلا يدخل المطر، والْجَذْمُ بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة: الأصل، والباقي. والخاشع: اللاطئ بالأرض قد اطمأن وذهب شخوصه، وقوله " كأن مجر الخ " ضمير عليه راجع إلى النؤى، وقال بعض شراح الشواهد: راجع إلى الربع، وليس الربع مذكوراً في الشعر، وإنما قاله على

стр. 1138

التخمين، ونمقته: حسنته، والصوانع: جمع صانعة، من الصنع بالضم وهو إجادة الْفِعْل، وليس كل فعل صنعا (١) ، ولا يجوز نسبته إلى الحيوان غير الآدمي ولا إلى الجمادات وإن كان الفعل ينسب إليها، وقوله " على ظهر مبناة - إلخ " الْمِبْنَاة - بكسر الميم وسكون الموحدة بعدها نون - النطع بكسر فسكون وبفتحتين وكعنب بساط من أديم، وقال ابن برى: الْمِبْنَاةَ هي كَالْخِدْرِ تتخذ للعروس يبني بها زوجها فيه (٢) ، ولذلك سميت مِبْنَاةً، وكانوا ينقشون النِّطْع بالقضيم وهي الصحف البيض تقطع وينقش بها الأدم تلزق عليه وتخرز، وقال الأصمعي: كانوا يجعلون الحصير المزين المنقوش على نطع ثم يطوفون به للبيع، قال قطرب: وسمي المسك لطيمة لأنه يجعل على الملاطم، وهي الخدود، انتهى. وقال غيره: واللطيمة بفتح اللام وكسر الطاء سوق فيها بز وطيب، يقول: القضيم الذي هو الحصير على هذا النطع يطوف بها بائع في الموسم، قال الأصمعي: كان من يبيع متاعاً يفرش نطعاً وَيَضَع عليه متاعه، والنطع يسمى مبناة، فيقول: نشر هذا التاجر حصيراً على نِطَعٍ، وإنما سميت مبناة لأنها كانت تتخذ قباباً، والقبة والبناء سواء، والانطاع يبني بها القباب والنابغة الذبياني شاعر جاهلي ترجمناه في الشاهد بعد المائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادي والخمسون (من الرجز) : ٥١ - * ذَكَّرْتَنِي الطعن وكنت ناسيا *

стр. 1139

على أنه مثل يضرب في الحديث يستذكر به حديث غيره وأول من قاله رُهَيْم ابن حَزْن الْهِلاَلِي، وكان انتقل بأهله وماله من بلده يريد بلداً آخر، فاعترضه قوم من بني تغلب، فعرفوه وهو لا يعرفهم، فقالوا له: خَلِّ ما معك وانج بنفسك، قال لهم: دونكم المالَ ولا تتعرضوا لِلْحُرَم، فقال له بعضهم: إن أردت أن نفعل ذلك فألقِ رمحك، فقال: وإن معي لَرُمْحاً؟ فشدَّ عليهم، فجعل يقتل واحداً بعد واحد، وهو يرتجز ويقول: رُدُّوا عَلَى أقْرَبِهَا الأقَاصِيَا * إنَّ لَهَا بالمَشْرِفِيِّ حَادِيَا * ذَكَّرْتَنِي الطَّعْنَ وَكُنْتُ نَاسِيَا * وقيل: إن أصله أن رجلاً حمل على رجل ليقتله، وكان في يد المحمول عليه رمح فأنساه الدهش ما في يده، فقال له الحامل: ألْقِ الرمح، فقال الآخر: إن معي رمحاً لا أشعر به؟ * ذَكَّرْتَنِي الطَّعْنَ وَكُنْتُ نَاسِيَا * فحمل على صاحبه فطعنه حتى قتله أو هزمه، يضرب في تذكر الشئ بغيره، ويقال: إن الحامل صخر بن معاوية السلمي، والمحمول عليه يزيد بن الصَّعِق، كذا في غاية الوسائل إلى معرفة الأوائل تأليف إسماعيل بن هبة الله الموصلي الشافعي، واقتصر الزمخشري في مستقصى الأمثال على القول الأول والثالث وقوله " ردوا على أقربها " الضمير للإبل، والأقاصي: جمع أقصى وهو البعيد، والْمَشْرِفي - بفتح الميم والراء - السيف نسبة إلى مشارف على خلاف القياس (١) ، ومَشَارِف - بفتح الميم - اسم قرية يعمل فيها السيوف الجيدة،

стр. 1140

والحادي: السائق، ورُهَيْم: مصغر رُهْم بضم الراء وسكون الهاء، وروي مكبراً أيضاً، وحَزْن - بفتح الهاء وسكون الزاي - وهو شاعر جاهلي وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والخمسون (من السريع) ٥٢ - وَكُنْتُ كَالسَّاعِي إلى مثعب * موائلا من سبل، الرَّاعِدِ ضربه هنا مثلاً، وهو كقوله: المُسْتَجِيرُ بِعُمْرِهِ عِنْدَ كُرْبَتِهِ * كَالْمُسْتَجِيرِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ والبيت لسعيد بن حسان، وقبله: فَرَرْتُ مِنْ مَعْنٍ وَإفْلاَسِهِ إلَى الْيَزِيديّ أبِي وَافِدِ ومعن: هو معن بن زائدة الجواد المشهور المضروب (مثلاً) في الجود والكرم، وكان من أمراء الدولة الأموية والدولة العباسية، وإنما قال " وإفلاسه " لأن الإفلاس لازم للكرام في أكثر الأيام، واليزيدي: هو أحد أولاد يزيد بن عبد الملك، والساعي: من سَعَى الرجل إلى صاحبه: أي ذهب إليها، وَالْمَثْعب - بفتح الميم وسكون المثلثة وفتح العين المهملة - قال الجوهري: هو أحد مثاعب الحياض، وانثعب الماء: جرى في المثعب، والْمُوائل: اسم فاعل من واءل منه على وزن فاعَل: أي طلب النجاة وهرب، والْمَوْئل: الملجأ، وقد وأل يَئل وَأْلاً، أي لجأ، والسبل بالسين المهملة والباء الموحدة المفتوحتين: هو المطر، والراعد: سحاب ذو رعد، ويقال: رَعَدَتْ السماء رَعْداً من باب قتل ورُعُوداً: لاح منها الرعد، يقول أنا في التجائي إليه كالهارب من السحاب ملتجئأً إلى الميزاب، فقد وقعت في أشد مما هربت منه، ولم أر هذين البيتين إلا في تاريخ يمين الدولة محمود بن سبكتكين للعتبي، أوردهما تمثيلاً، ونسبهما إلى سعيد المذكور.

стр. 1141

وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والخمسون (من الطويل) : ٥٣ - وَلَسْتُ بِنَحْوِيّ يَلُوكُ لِسَانَهُ * وَلكِنْ سَلِيقِيٌّ أقول فأعرب على أن السليقي في النسبة لسليقة شاذ قال صاحب العباب: السليقة: الطبيعة، يقال: فلان يتكلم بالسليقة: أي بطبعة لا عن تعلم، وفي حديث أبي الأسود الدؤلي أنه وضع النحو حين اضطرب كلام العرب فغلبت السليقية: أي اللغة التي يسترسل فيها المتكلم بها على سليقته من غير تعهد إعراب ولا تجنب لحن، قال: * وَلَسْتُ بِنَحْوِيّ يَلُوكُ لِسَانَه * البيت ولم يتكلم عليه ابن بري في أماليه على الصحاح، ولا الصفدي في حاشيته عليه، وكذا أورده ابن الأثير في النهاية غير منسوب إلى قائله والنحوي: الرجل المنسوب إلى علم النحو، ويلوك لسانه: من لاك الشئ في فمه، إذا عَلَكَهُ، يريد التكلف والتصنع في الكلام، وسليقي: خبر مبتدأ محذوف: أي أنا سليقي، والقياس سَلَقي كحنفي في النسبة إلى حنيفة، وأعرب: من الإعراب، وهو القول المفصح عما في الضمير، وجملة " أقول - إلخ " صفة كاشفة لسليقي. ولم أقف على قائله، والله سبحانه أعلم وأنشد بعده، وهو الشاهد الرابع والخمسون (من الوافر) ٥٤ - جَرَى الدَّمَيَانِ بالْخَبَرِ الْيَقِينِ على أنه شاذ، والقياس الدَّمَانِ، لما سيأتي في البيت الذي بعده وقد أوردنا ما قيل فيه مستوفى في الشاهد الخامس والستين بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية

стр. 1142

وهذا المصراع من أبيات ثلاثة لعلي بن بَدَّالٍ السّلمِيِّ، رواها ابن دريد في المجتبى، وهي: لَعَمْرِكَ إنَّنِي وَأَبا رَباحٍ * عَلَى حَالِ التكاشر منذ حين لا بغضه وَيُبْغِضُنِي وَأَيْضاً * يَرَانِي دُونَه وَأَرَاهُ دُونِي وَلَوْ أنَّا عَلَى جُحْرٍ ذُبِحْنَا * جَرَى الدَّمَيَانِ بِالْخَبَرِ الْيَقِينِ والتكاشر: المباسطة في الكشر وهو التبسم، ورواه ابن دريد في الجمهرة كذا * عَلَى طُولِ التَّجَاوُرِ مُنْذُ حِينِ * والْجُحْرُ - بضم الجيم وسكون الحاء -: الشق في الأرض، وقوله " جرى الدميان إلخ " أراد بالخبر اليقين ما اشتهر عند العرب من أنه لا يمتزج دم المتباغضين، وهذا تلميح، قال ابن الأعرابي: معناه لم يختلط دمي ودمه من بغضي له وبغضه لي، بل يجري دمي يَمْنَةً ودمه يسرة وقد استقصينا الكلام على معناه وإعلاله هناك، فليراجع ثمة وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والخمسون (من الكامل) : ٥٥ - يَدَيَانِ بَيْضَاوَانِ عِنْدَ مُحَلِّم على أنه شاذ، والقياس يَدان بدون رَدِّ اللام المحذوفة، لأن هذه اللام لم ترد عند الإضافة إذا قلت: يَدُه قال ابن يعيش: وإذا لم يرجع الحرف الساقط في الإضافة لم يرجع في التثنية، ومثاله يَدٌ وَدَمٌ، فإنك تقول دَمَانِ ويَدَانِ، فلا ترد الذاهب، لانه لايرد في الإضافة، فأما قوله: * يَدَيَانِ بَيْضَاوَانِ ... البيت *

стр. 1143

وقول الاخر: * جَرَى الدَّمَيَانِ ... البيت * وحمله (١) أصحابنا على القلة والشذوذ وجعلوه من قبيل الضرور، والذى أراه أن بعض العرب يقول في اليد يَداً في الأحوال كلها، يجعله مقصوراً كرحىً وفَتىً، وتثنيته على هذه اللغة يَدَيَانِ، مثل رَحَيَانِ، يقال منقوصاً ومقصوراً، وعليه قول الشاعر: فَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا * وَلَكنْ عَلَى أقْدَامِنَا يَقْطُرُ الدَّمَا انتهى: وقد أشبعنا الكلام عليه في الشاهد الرابع والستين بعد الخمسمائة، وتمامه: * قَدْ يَمْنَعَانِكَ أنْ تُضَامَ وَتُهْضَمَا * ومُحَلِّم - بكسر اللام -: اسم رجل، وضامه يضيمه بمعنى ظلمه، وكذا، هضمه وفيه روايات أخر ذكرناها هناك وأنشد هنا الجار بردى، وهو الشاهد السادس والخمسون (من الطويل) ٥٦ - فَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا * وَلَكنْ عَلَى أقْدَامِنَا يَقْطُرُ الدَّمَا على أن دما أصله دَمَيٌ تحرك الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً فصار دماً كما في البيت، وهذا إنما يتم إذا كان فتح الميم قبل حذف اللام، وعلى أنّ يقطر بالمثناة التحتية، وعلى أن الدما بمعنى الدم، وفي كل منها بحث ذكرناه مفصلاً في الشاهد السادس والستين بعد الخمسمائة من شواهد شرح الكافية، والاعقاب:

стр. 1144

جمع عَقِب - بفتح فكسر - وهو مؤخر القدم، والكلوم: جمع كَلْم - بفتح فسكون - وهو الجرح، يقول إذا جرحنا في الحرب كانت الجراحات في مقدمنا لا في مؤخرنا، وسالت الدماء على أقدامنا لا على أعقابنا، وتقدم بقية الكلام هناك وأنشد بعده وهو الشاهد السابع والخمسون (من الطويل) : ٥٧ - هُمَا نَفَثَا فِي فِي مِنْ فَمَوَيْهِمَا عَلَى أنه من قال في التثنية فموان قال في النسبة فموي، وفيه الجمع بين البدل والمبْدَل منه وهي الميم والواو، وتقدم بسط الكلام عليه في الشاهد السادس والعشرين بعد الثلاثمائة من شرح شواهد شرح الكافية، وتمامه * عَلَى النَّابِحِ الْعَاوِي أشَدَّ رِجَامِ * وضمير التثنية لا بليس وابن إبليس، ونفثا: ألْقَيَا على لساني، وأراد بالنابح هنا من تعرض لهجوه من الشعراء، وأصله في الكلب، ومثله العاوي، والرِّجام: مصدر راجَمة بالحجارة: أي راماه، وراجم فلان عن قومه إذا دفع عنهم، جعل الهجاء في مقابلة الهجاء كالمراجعة، لجعله الهاجي كالكلب النابح والبيت آخر قصيدة للفرزدق قالها في آخر عمره تائباً إلى الله تعالى مما فرط منه من مهاجاته الناس، وذمّ فيها إبليس لإغوائه إياه في شبابه، وقد أوردنا غالب أبيات القصيدة هناك وأنشد بعده وهو الشاهد الثامن والخمسون (من الطويل) ٥٨ - تَزَوَّجْتُهَا رَامِيَّةً هُرْمُزِيَّةً * بِفَضْلِ الَّذِي أَعْطى الأَمِيرُ مِنَ الرِّزْقِ على أن جاء النسبة إلى الجزأين في رامهرمز، قال أبو حيان في الارتشاف: وتركيب الْمَزْج تحذف الجزء الثاني منه، فتقول في بعلبك: بَعْلِيٌّ، وأجاز الجرمي

стр. 1145

النسب إلى الجزء الثاني مقتصراً عليه، فتقول: بَكّيٌّ، وغير الجرمي كأبي حاتم لا يجيز ذلك إلا منسوباً إليهما قياساً على " رامية هرمزية " أو يقتصر على الاول، انتهى قال ياقوت في معجم البلدان: معنى رام بالفارسية المراد والمقصود، وهرمز أحد الا كاسرة، فكأن هذه اللفظة مركبة معناها المقصود هرمز وقال حمزة: رامهرمز: اسم مختصر من رامهرمز أزدشير، وهي مدينة مشهورة بنواحي خورستان، والعامة يسمونها رامز كسلاً مهم من غير تتمة اللفظ، وفي رامهرمز يجتمع النخل والجوز والثلج والاترج، وليس ذلك يجتمع بغيرها من مدن خورستان، وقد ذكرها الشعراء، فقال وَرْدُ بن الوَرْدِ الجعدي: أمُغْتَرِباً أصْبَحْتُ في رَامَهُرْمُز * ألا كُلُّ كَعْبِيٍّ هُنَاكَ غَرِيبُ إذَا رَاحَ رَكْبٌ مُصْعِدُونَ فَقَلْبُهُ * مَعَ الْمُصْعِدِينَ الرَّائِحِينَ جَنِيبُ وَلاَ خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إذَا لَمْ تَزُرْ بِهَا * حَبِيباً وَلَمْ يَطْرَبْ إلَيْكَ حَبِيبُ انتهى وقوله " رام بمعنى المقصود " هذا غير معروف في تلك اللغة، وإنما معناها عندهم: المطيع، والمنقاد، واسم يوم من أيام كل شهر. والفضل: الزيادة، والرزق: ما يعطى الجندي في الشهر أو في السنة من بيت مال المسلمين والبيت أنشده صاحب العباب ولم يَعْزُهُ إلى أحد، وقال الشاطبي: أنشده السيرافي غُفلاً، ولم أقف على قائله ولا تتمته، والله أعلم وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع والخمسون (من الطويل) ٥٩ - * طَبيبٌ بِمَا أَعْيَا النِّطَاسِيَّ حِذْيَمَا * على أن الأصل " ابْن حذيم " فحذف ابن لظهور المراد وشهرته عند المخاطب، وهو بكسر الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة وفتح المثناة التحتية، قال ابن الأثير

стр. 1146

في المرصع: ابن حِذْيَم: شاعر في قديم الدهر، يقال: إنه كان طبيباً حاذقاً يضرب به المثل في الطب، فيقال: أطَبُّ بالكي من ابن حِذْيم، وسمّاه أوس حِذْيَماً فقال * عَلِيمٌ بِمَا أعْيَا النِّطَاسِيَّ حِذْيَماً * انتهى: وقال ابن السكيت في شرح ديوان أوس: حِذْيَمٌ: رجل من تيم الرباب، وكان متطببا عالماً، هذا كلامه فعنده أن الطبيب حذيم لا ابن حذيم، وتبعه صاحب القاموس، فلا حذف فيه ولا شاهد، وبقية الكلام عليه مذكورة في الشاهد الرابع عشر بعد الثلاثمائة وهذا عجز، وصدره: * فَهَلْ لَكُمُ فيهَا إلَيَّ فَإِنَّنِي * وهو من أبيات لأوس بن حجر قالها لبني الحارث بن سَدُوس بن شيبان، وهم أهل القرية باليمامة حيث افتسموا معزاه، وقد شُرِحَت هناك، وقوله " فهل لكم فيها " أي: في ردها، والضمير للمعزي وقوله " بما أعيا " فاعله ضمير ما الموصولة الواقعة على الداء: أي أنني حاذق بالداء الذي أعجز الأطباء في مداواته، والنِّطاسي بكسر النون - قال ابن السكيت: هو العالم الشديد النظر في الأمور وبعده (من الطويل) : فأُخْرِجَكُمُ مِنْ ثَوْبٍ شَمْطَاءَ عَارِكٍ * مُشَهَّرَةٍ بَلَّتْ أسَافِلَهُ دَماً والشمطاء: المرأة في رأسها شَمَط - بالتحريك - وهو بياض شعر الرأس يخالطه سواد، والعارك: الحائض، ومشهرة: من الشهرة، وهو وضوح الأمر، يقول: هل لكم ميل في ردِّ مِعْزَاي إليَّ فأخرجكم من سبة شنعاء تلطخ أعراضكم وتدنسها كما تدنس الحائض ثوبها بالدم فأغسله عنكم، وهذا مثل ضربه

стр. 1147

وأنشد بعده، وهو الشاهد الستون (من الطويل) ٦٠ - وما أنا كنتي وما أنا عاجن * وشر الرِّجَالِ الْكُنْتُنِيُّ وعَاجِنُ على أنه قيل في النسبة إلى كنتُ " كنتي " بلا نون، " وكنتني " بنون، في الصحاح: قال أبو عمرو: يقال للرجل إذا شاخ: كنتي، كأنه نسب إلى قوله كنت في شبابي كذا، وأنشد البيت كذا (من الطويل) فَأَصْبَحْتُ كُنْتَيًّا وَأَصْبَحْتُ عَاجِناً * وشَرُّ خِصَالِ الْمَرْءِ كُنْتُ وعَاجِنُ وقال في مادة عجن أيضاً: وعجن الرجل إذا نهض معتمداً على الأرض من الكبر، أنشد البيت أيضاً. ولم يتعرض له ابن برى بشئ ولا الصفدي فيما كتبا عليه، وكذلك أورده ابن يعيش ثم قال: ومنهم من قال كنتني فزاد نون الوقاية مع ضمير الفاعل، كأنه حافظ على لفظ كنت ليسلم كنت من الكسرة، قال الشاعر أنشده ثعلب (من الطويل) وما أنا كنتي وما أنا عاجن * وشَرُّ الرِّجَالِ الْكُنْتُنِيُّ وعَاجِنُ وقد أعاب أبو العباس كنتياً (١) ، وقال: هو خطأ وقال ابن جني في سر الصناعة: أنشد أبو زيد (من الوافر) إذَا مَا كُنْتَ مُلْتَمِساً لِقُوتٍ * فَلاَ تَصْرُخْ بِكُنْتِيّ كَبِيرُ وأنشد أحمد بن يحيى (من الطويل) فَأَصْبَحْتُ كُنْتيّاً وَأَصْبَحْتُ عَاجِناً * وَشَر خِصَالِ الْمَرْءِ كُنْتُ وَعَاجِنُ فقوله " كنتياً " معناه أن يقول: كنت أفعل في شبابي كذا، وكنت في حداثتي أصنع كذا، و " كنت " فعل وفاعله التاء، ومن الأصول المستمرة أنك لو سميت رجلاً بجملة مركبة من فعل وفاعل ثم أضفت إليه: أي نسبت لأوقعت الإضافة على الصدر وحذفت الفاعل، وعلى ذلك قالوا في النسبة إلى تأبط شراً: تأبطي، وفي قمت: قومي، حذفوا التاء وحركت الميم بالكسرة التي تجلبها ياء الإضافة، فلما تحركت

стр. 1148

رجعت الواو التي كانت سقطت لسكونها تلك الواو عين الفعل من قام فقلت قومِيّ، وكَذا كان القياس أن تقول في كنت: كُونِيٌّ، تحذف التاء لأنها الفاعل وتحرك النون فترد الواو التي هي عين الفعل، فقولهم " كنتي " وإقرارهم التاء مع الياء الإضافة يدل على أنهم قد أجروا ضميرا الفاعل مع الفعل مجرى دَال زيد من زائه ويائه، وكأنهم نَبَّهوا بهذا على اعتقادهم قوة اتصال الفعل بالفاعل، وأنهما قد حلا جميعاً محل الجزء الواحد، انتهى كلامه ولم أقف على قائله والله أعلم. وأنشد بعده (من الكامل) ١١ - يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ وتقدم شرحه في الشاهد الحادي عشر وأنشد بعده، وهو البيت الحادي والستون (من الطويل) ٦١ - وَمَا أنَا وَحْدِي قُلْتُ ذَا الشِّعْرَ كله * ولكن لشعري فيك مِنْ نَفْسِهِ شِعْرُ وهو من قصيدة للمتنبي يمدح بها على بن عامر الأنطاكي، قال الواحدي: يقول ما انفردت أنا بإنشاء هذا الشعر، ولكن أعانني شعري على مدحك لأنه أراد مدحك كما أردته، والمعنى من قول أبي تمام (من البسيط) تَغَايَرَ الشِّعْرُ فِيهِ إذْ سَهِرْتُ لَهُ * حَتَّى تَكَادُ قَوَافِيهِ سَتَقْتَتِلُ انتهى، ومثله للمتنبي أيضاً (من الطويل) لك الحمد في الدار الَّذِي لِيَ لَفْظُهُ * وَإنَّكَ مُعْطِيهِ وَإنِّيَ نَاظِمُ وقد أكثر الناس تداول هذا المعنى، قال ابن الرومي (من الوافر) وَدُونَك مِنْ أقَاوِيلِي مَديحاً * غَدَاً لَكَ دُرُّهُ وَلِيَ النِّظَامُ

стр. 1149

وقال أبو إسحق الغزي (من الطويل) مَعَانِيْكَ فِي الأَشْعَارِ تَنْظِمُ نَفْسَهَا * وَمَنْ لَمْ يَخُنْهُ السَّجْلُ والشَّطَنُ اسْتَقَى وله أيضاً: (من الطويل) وَمَا أنَا فِي مَدْحِيكَ إلاَّ كماسِحٍ * بِكَفَّيْهِ مَتْنَ السَّيْفِ وَهْوَ صَقِيلُ وقال تميم بن المعز (من الطويل) وَسَارَ بِمَدْحِي فِيكَ كُلُّ مُهَجِّرٍ * وَغَنَّى به فِي السَّهْلِ وَالْوَعْرِ مَنْ يَحْدُو وصَاغَتْ لَهُ عُلْيَاكَ حُسْناً وَزينَةً * وَحِيكَ بِهَا مِنْ حَلِيْ ألْفَاظِهَا بُرْدُ وَلَيْسَ لِكُلِّ النَّاسِ يُسْتَحْسَنُ الثَّنَا * كَمَا لَيْسَ فِي كُلِّ الطُّلاَ يَحْسُن الْعِقْدُ وقال الخفاجي (من الطويل) وَلِي فِيكَ مِنْ عز الْقَوَافِي قَصَائِدٌ * تُقَبِّلُ أفْوَاهَ الرُّوَاةِ لَهَا رَشْفاً وَمَا أدَّعِي دُرَّ الْكَلاَمِ لأَنَّهُ * صِفَاتُكَ إلا أنَّنِي لا أُحْسِنُ الرَّصْفا وقال ابن المعلم (من البسيط) أخّذْتُ مِنْكَ الَّذِي أُثْنِي عَلَيْكَ بِهِ * فَأَنْتَ لاَ أَنَا بالنُّعْمَى مُؤَلِّفُهُ فَمَا أتَيْتُ بِشِعْرٍ بِتُّ أنْظِمُهُ * لِلْمَدْحِ فِيكَ وَلاَ شِعْرٍ أُصَنِّفُهُ وقال الصفي الحلي: (من الخفيف) لَيْسَ لِي فِي صِفَاتِ مَجْدِكَ فَضْلٌ * هِي أبْدَتْ لَنَا بَدِيعَ الْمَعَانِي كُلَّمَا بَدَّعَتْ سَجَايَاكَ مَعْنًى * نَظَمَتْ فِكْرَتِي وَخَطَّ بَنَانِي وقال ابن قلاقس (من الوافر) وَمِنْكَ وَفِيكَ تَنْتَظِمُ الْقَوَافِي * وَمَنْ وَجَدَ الْمَقَالَ الرَّحْبَ قَالاَ وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والستون: (من البسيط) ٦٢ - دَعِ الْمَكَارِمَ لاَ تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا * وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أنْتَ الطاعم الكاسي

стр. 1150

على أن الطاعم والكاسي للنسبة: أي ذو كسوة وذو طعام والبيت من قصيدة للحطيئة هجا بها الزبرقان بن بدر، قال شارح ديوانه: أي أنك ترضى بأن تشبع وتلبس، يقال: كَسِيَ الرجل يَكْسَى إذا اكتسى، ولما بلغ الزبرقان قول الحطيئة " دع المكارم - البيت " استعدى عليه عمر ابن الخطاب ﵁، فقال يا أمير المؤمنين، هجاني، قال: أنشدني الذي هجاك فأنشده الزبرقان قول الحطيئة هذا، فقال عمر: ما أراه هجاك ولكنه مدحك، فقال الزبرقان: اجعل بيني وبينه حسان بن ثابت، فبعث عمر ﵁ إلى حسان، فلما أتاه أنشده قول الحطيئة، فقال حسان: يا أمير المؤمنين ما هجاه ولكن سلح عليه، انتهى. وقد ذكرنا في الشاهد الرابع عشر بعد المائتين من شواهد شرح الكافية سبب هجو الحطيئة للزبرقان، ومن هذه القصيدة أزْمَعْتُ يَأساً مُبِيناً مِنْ نَوَالِكُمُ * ولن ترى طاردا للحر كَالْيَاسِ وما أحسن هذا البيت: مَنْ يَفْعَلِ الْخَيْرَ لاَ يَعْدَمْ جَوَازِيَهُ * لاَ يَذْهَبُ الْعُرْفُ بَيْنَ الله وَالنَّاسِ وترجمة الحطيئة تقدمت في الشاهد التاسع والأربعين بعد المائة من شرح شواهد شرح الكافية. الجمع أنشد فيه، وهو الشاهد الثالث والستون، وهو من شواهد سيبويه: من الكامل) ٦٣ - عَنْ مُبْرِقَاتٍ بِالْبُرِينَ وَتَبْدُو * بالأَكُفِّ اللاَّمِعَاتِ سُوُرْ على أن ضم الواو لضرورة الشعر وهذا نص سيبويه " وأما فُعُل فإن الواو فيه تسكن لاجتماع الضمتين والواو

стр. 1151

فجعلوا الإسكان فيها نظيراً للهمزة في الواو في أدؤر وقؤول، وذلك قولهم: عوان وعون، ونَوَار ونُور، وقَوُول، وقوم قُولٌ، وألزموا هذا الاسكان، إذ كانوا يسكنون غير المعتل نحو رسل وعضد ونحو ذلك، ولذلك آثروا الإسكان فيها على الهمزة حيث كان مثالها يسكن للاستثقال، ولم يكن لادؤر وقؤول مثال من غير المعتل يسكن فيشبه به ويجوز تثقيله في الثعر كما يضعفون فيه مالا يضعف في الكلام، قال الشاعر وهو عدي بن زيد: * وَفِي الأَكْفِّ اللاَّمِعَاتِ سُوُرْ * انتهى كلامه. قال الأعلم: الشاهد فيه تحريك الواو من سُوُرْ بالضم على الأصل تشبيهاً للمعتل بالصحيح عند الضرورة، فالمستعمل في هذا تسكين الثاني تخفيفا، إذ كان التخفيف جائزاً في الصحيح في مثل الحُمْر والرُّسْل، فلما كان في الصحيح جائزاً مع خفته كان في المعتل لازماً لثقله، والسُّوُر: جمع سِور. وأراد بالأكف المعاصم فسماها باسمها لقربها منها، انتهى. وقال ابن جني في شرح تصريف المازني: تثقيل مثل هذا إنما يجئ لضرورة الشعر كقوله: (من المتقارب) أغَرُّ الثَّنَايَا أحَمُّ اللِّثَاثِ * تَمْنَحُهُ سُوُكَ الإِسْحِلِ وحكى أبو زيد رجل جواد وقوم جُوْدٌ وجُودُ، قال: وقالوا رجل قوول من قوم قُوُل، وقولهم سُوُر جمع سِوَار وسُوُك جمع سِواك، ولم أسمع شيئاً من هذا مهموزاً وهمزه جائز في القياس لأن الضمة في الواو لازمة، فإن كانوا قد أجمعوا على ترك همزهِ فإنما فعلوا ذلك لئلا يكثر تثقيل هذا الضرب في كلامهم فيحتاجوا إلى همزة هرباً من الضمة في الواو، فحسموا المادة أصلاً بأن ألزموه التخفيف في الأمر العام لا غير، انتهى.

стр. 1152

والبيت من قصية لعدي بن زيد بن أيوب العبادي أولها: قَدْ حَانَ إنْ صَحَوْتَ أنْ تُقْصِرْ وَقَدْ أتَى لما عهدتَ عُصُرْ عَنْ مُبْرِقَاتٍ بِالْبُرِيْنَ وَتَبْدُو البيت بِيضٌ عَلَيْهِنَّ الدِّمَقْسُ وَفِي ال * أَعْنَاقِ مِنْ تحت الاكفة ذر كَالْبِيضِ في الرَّوْضِ المُنَوِّرِ قد * أفْضَى بِهِنَّ إلى الكثيب نُهر بِأرج من أرْدَانِهِنَّ مَعَ المسك * الزّكِيِّ زنبق وقُطُر جَارَيْتُهُنَّ فِي الشَّبَابِ وَإذْ * قَلْبِي بِأَحْكَامِ الْحَوَادِثِ غِرْ قوله " قد حان " أي: قرب، وإن: شرطية، وجوابها محذوف يدل عليه ما قبلها، وصحوت: خطاب لنفسه، والصحو: الافاقة من السكر، وروي " لو صحوت " ولو للتمني، وقيل: شرطيةٌ ما قبلها دليل جوابها، وقوله " أن تقصر " بفتح أنْ وهي مع ما بعدها في تأويل مصدر مرفوع فاعل " حَانَ " وسكن الراء للوقف، وقيل: إنها مهملة هنا، وتُقْصر مرفوع، وهي لغة لبعض العرب يُجْرُونها مُجْرَى ما، وتقصر من أقصر عن الشئ إذا كف عنه وانزجر، قال الجوهري: أقصرت عنه كففت ونزعت مع القدرة عليه، فإن عجزت قلت قَصَرْت بلا ألف، وقوله " وقد أتى - إلخ " جملة حالية من فاعل تقصر، وقيل: جملة اعتراضيه، وعُصُر فاعل أتى، وهو بضمتين بمعنى الْعَصْر بفتح فسكون، واللام بمعنى على، والمعنى أتى زمن الشيوخة على ما عهدت من زمن الشباب، وقوله " عن مبرقات " متعلق بتقصر، قال صاحب العباب: أبرقت المرأة إذا تحسنت وتزينت: ثم قال: وبرقت المرأة إذا تحسنت وتعرضت مثل أبرقت، وَالْبُرِين: جمع بُرَة - بضم الباء - وهي الْخِلْخَالُ يكون في أرْجل النساء، وهذا الجمع على

стр. 1153

خلاف القياس (١) ، وتبدو: تظهر، وفاعله ضمير المبرقات، والفعل معطوف على مُبْرِقات لأنه في معنى يُبْرِقن، والباء في " بالأكف " بمعنى على متعلقة بمحذوف خبر مقدم، وسُوُر: جمع سوار، هو ما تلبسه النساء في سواعدهن، مبتدأ مؤخر، والجملة حال من فاعل تبدو المستتر، والرابط إما محذوف: أي وعلى الأكف منها، وإما " أل " في الأكف، لأنها عوض (٢) عن الضمير، والأصل " وبأكفها " والمعنى قد مضى دَهْرٌ بعد شبابك، فقد حان أن تكف عن النساء التي تتزين بزينتها وتظهر للرجال بها وقد روى الأندلسي - وتبعه بعضهم - هذين البيتين كذا: قَدْ آنَ لَوْ صَحَوْتَ أنْ تُقْصِرْ * وَقَدْ أتَى لِمَا عَهَدْتَ عُصُرْ عَنْ مُبْرِقَاتٍ بِالْبُرَى وَتَذَرْ * وَفِي الأَكُفِّ اللاَّمِعَاتِ سُوُرْ وقال: الْبُرَى بالقصر جمع بُرّة، وهي الحلقة، والمراد هنا الحلى، والباء للتعدية، وقوله " تذر " عطف على " تقصر " وقوله " وفي الأكف " يريد في أذرع الأكف لأن السوار إنما يكون في الذراع لا الأكف، هذا كلامه وقوله " بيض " جمع بَيْضاء: أي حسناء، وَالدِّمْقْسُ - بكسر الدال وفتح الميم -: الحرير الأبيض، والأكفَّة: جمع كفاف بالكسر، كأسْوُرَة جمع سِوار، والكفاف: الخياطة الثانية، والشل: الخياطة الأولى، وقوله " كالْبَيْضِ " بالفتح جمع بيضة النعام، والمنوِّر: بكسر الواو المشددة، و " نهر " بضمتين: جمع نَهَر بفتحتين، ويَأْدَج: يفوح، " وقُطُر " بضمتين: العود الذي يتبخر به، وقوله

стр. 1154

" جاريتُهُنَّ " التفات من الخطاب إلى التكلم، " وغر " بكسر العين المعجمة، يقال: رجل غر: أي غير مجرب للأمور وعدي بن زيد شاعر جاهلي تقدمت ترجمته في الشاهد الستين من شرح شواهد شرح الكافية وأنشد الجاربردي هنا (١) (من البسيط) ٤٩ - أمَا أُقَاتِلُ عَنْ دِينِي عَلَى فَرَسِي * أوْ هكَذَا رَجُلاً إلاَّ بِأَصْحَابِي وتقدم شرحه في الشاهد التاسع والأربعين وأنشد بعده أيضاً، وهو الشاهد الرابع والستون (من الكامل) ٦٤ - مَا زِلْتَ تَحْسِبُ كُلَّ شئ بَعْدَهُمْ * خَيْلاً تَكُرُّ عَلَيْكُمُ وَرِجَالاَ على أن " رِجَالاً " فيه بمعنى رَجَّالَة بفتح الراء وتشديد الجيم جمع راجل، هذا معناه، وأما لفظه فهو جمع رَجُل - بفتح فضم - صفة مشبهة بمعنى راجل، وكذا رجال في قول الأخطل. وَبَنُو غَدَانَةَ شَاخِصٌ أبْصَارُهُم * يَسْعَوْنَ تَحْتَ بُطُونِهِنَّ رِجَالاً قال السكري في شرحه الرِّجَال المشاة الرَّجَّالة والبيت من قصيدة لجرير هجا بها الأخطل التغلبي النصراني وكان الأخطل هجا جريراً قبل بقصيدة مطلعها: كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ * غَلَسَ الظَّلاَمِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالاَ فعارضه جرير بهذه القصيدة، وهى إحدى الملحمات ومطلعها:

стр. 1155

حَيِّ الْغّدَاةَ بِرَامَةَ الأَطْلاَلاَ * رَسْماً تَقَادَمَ عَهْدُهُ فَأَحَالاَ إلى أن قال: قَبَحَ الإلهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ إنها * هانت على معاطسا وسبالا عَبَدُوا الصَّلِيبَ وَكَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ * وَبِجِبْرِيلَ وَكَذَّبُوا مِيكَالاَ لا تطلبن خؤولة من تغلب * الزنح أكْرَمُ مِنْهُمُ أخْوَالاَ لَوْ أنَّ تَغْلِبَ جَمَّعَتْ أحسابها * يوم التفاضل لَمْ تَزِنْ مِثْقَالاَ وَالتَّغْلِبِيُّ إذَا تَنَحْنَحَ لِلْقِرَى * حَكَّ أسْتَهُ وَتَمَثَّلَ الأَمْثَالاَ إلى أن خاطبه وقال: أنِسِيتَ قَوْمَكَ بِالْجَزِيرَةِ بَعْدَمَا * كَانَتْ عُقُوبَتُهُ عَلَيْكَ نَكَالاَ ألاَّ سأَلْتَ غثاء دجلة عَنْكُمُ * وَالْخَامِعَاتِ تُجَزِّرُ الأَوْصَالاَ حَمَلَتْ عَلَيْكَ حُمَاةُ قَيْس خَيْلُهُمْ * شُعُثاً عوابس تحمل الابطالا ما زلت تحسب كل شئ بَعْدَهَا * خَيْلاً تَشُدُّ عَلَيْكُمُ ورِجَالاَ زُفَرُ الرَّئِيسُ أبُو الْهُذَيْلِ أتاكُمُ * فَسَبَا النِّسَاءَ وَأحْرَزَ الأَمْوَالاَ وأشار بهذه الأبيات إلى ما جرى على تغلب بجزيرة ابن عمر (١) من القتل والسبي والنهب وكان سبب هذه الوقيعة بهم أن بني تغلب لما قتلوا عمير بن الحباب في موضع قرب الثرثار من تكريت أتى أخوه تميمُ بن الحباب زفرَ بن الحارث وسأله الأخذ بثأره فكره ذلك، فشجعه ابنه الهذيل بن زفر، فرضي، فتوجه تميم بمن معه من

стр. 1156

قيس حتى انتهوا إلى الثرثار، فوجه زفر زيد بن حُمْرَان في خيل إلى بني فدو كس من تغلب فقتل رجالهم واستباح نساءهم، وبعث ابنه الهذيل إلى بني كعب بن زهير فقتلهم قتلاً ذريعاً، وبعث مسلم بن ربيعة إلى ناحية أخرى فأسرف في قتلهم، وبلغ ذلك بني تغلب فارتحلوا يريدون عبور دجلة، فلحقهم زفر بالكحيل، وهو نهر على أسفل الموصل على عشرة فراسخ، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وترجل أصحاب زفر أجمعون، وبقي زفر على بغلة له، فقتلوهم من ليلتهم، وبقروا بطون النساء، وكان من غرق في دجلة أكثر ممن قتل بالسيف وقوله " ألا سألت غثاء دجلة " الْغُثاء - بالضم والمد -: ما يطفو على الماء من حطب وزبد ونحوه، يريد به من قتل من تغلب، والخامعات - بالخاء المعجمة -: الضباع، وتجوز: تقطع، والأوصال: جمع وصل - بالكسر - وهو مفصل العضو، يريد أنها تأكل قتلاهم، وقوله " ما زلت تحسب إلخ " خطاب للأخطل، وضمير " بعدها " للجزيرة وروي " بعدهم " فالضمير لقيس ومن معهم، وتكر عليكم: تحمل عليكم، وكذا " نشد " بمعناه، وقد أخذ المتنبي هذا المعنى فقال (من البسيط) وَضَاقَتِ الأَرْضُ حَتَّى كَانَ هَارِبُهُمْ * إذَا رأى غير شئ ظَنَّهُ رَجُلاَ وقد كرر جرير هذا المعنى فقال في قصيدة أخرى (من الطويل) وَلَوْ أنَّهَا عُصْفُورَةٌ لَحَسِبْتَهَا * مُسَوَّمَةً تَدْعُو عُبَيْداً وأزْنَمَا والمسومة: الخيل المعلمة في الحرب، وعبيد بالتصغير، وأزنم بالزاي والنون: قبيلتان من يربوع، قال صاحب مناقب الشبان - عند هذا البيت - نظيرُهُ قول جرير أيضاً: * ما زِلت تحسب كل شئ بعدهم * البيت ويروى أن الأخطل لما سمع هذا البيت قال: قد استعان عليه بالقرآن، يعني قوله تعالى: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) والمعنى في الآية بأجل لفظ وأحسن

стр. 1157

اختصار، وقريب من هذا البيت وليس مثله قول الآخر (من الطويل) إذَا خَفَقَ الْعُصْفُورُ طَارَ فُؤَادُهُ * وَلَيْثٌ حَدِيدُ النَّابِ عِنْدَ الثَّرَائِدِ انتهى. وقد أنشده صاحب الكشاف عند تفسير (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عليهم) قال: ومنه أخذ الأخطل: * مَا زِلْتَ تَحْسَبُ كل شئ بَعْدَهُمْ * انتهى، وصوابه ومنه أخذ جرير كما ذكرنا. وترجمة جرير تقدمت في الشاهد الرابع من شواهد شرح الكافية. وأنشد بعده أيضاً، وهو الشاهد الخامس والستون (من الرجز) ٦٥ - فَتَسْتَرِيْحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِهَا على أن إسكان الفاء من زَفْرَاتِهَا ضرورة، والقياس فتحها، قال ابن عصفور في كتاب الضرائر في فصل نقص الحركة للضرورة: ومنه قول ذي الرمة (من الطويل) . أبَتْ ذِكَرٌ عَوَّدْنَ أحْشَاءَ قَلْبِهِ * خُفُوقاً وَرَفْضَاتُ الْهَوَى فِي الْمَفَاصِلِ حكم لرفضات وهي اسم بحكم الصفة، ألا ترى أن رفضات جمع رَفْضة، ورفضة اسم، والاسم إذا كان على وزن فَعْلَة، وكان صحيح العين فإنه إذا جمع بالألف والتاء لم يكن بد من تحريك عينه اتباعاً لحركة فائه نحو جَفْنَة وَجَفَنَات، وإذا كان صفة بقيت العين على سكونها، نحو ضخمة وضخمات، وإنما فعلوا ذلك فرقاً بين الاسم والصفة، وكان الاسم أولى بالتحريك لخفته، واحتمل لذلك ثقل الحركة، وأيضاً فإن الصفة تشبه الفعل لأنها ثانية عن الاسم غير الصفة، كما أن الفعل ثان عن الاسم، فكما أن الفعل إذا لحقته علامة جمع نحو ضربوا ويضربون

стр. 1158

لم يغير، فكذلك لم تغير الصفة إذا لحقتها علامتا الجمع وهما الألف والتاء، فكان ينبغي على هذا أن يقول: إلا أنه لما اضطر إلى التسكين حكم لها بحكم الصفة فسكن العين، ومما يبين لك صحة ما ذكرته من أن تسكين العين إنما هو بالحمل على الصفة أن أكثر ما جاء ذلك في الشعر إنما هو مصدر لقوة شبه المصدر باسم الفاعل الذي هو صفة، ألا ترى أن كل واحد منهما قد يقع موقع صاحبه، يقال: رجل عَدْل: أي عادل، فوقه المصدر موقع اسم الفاعل، وقال تعالى (لَيْسَ لوقعتها كاذبة) أي كذب، فوقع كاذبة وهو اسم الفاعل موقع كذب وهو مصدر، انتهى. وهذا البيت من رجز أوله: عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أوْ دَوَلاَتِهَا * يُدِلْنَنَا اللَّمَّةَ مِنْ لَمَّاتِهَا فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِهَا * وَتَنْقَعَ الْغُلَّةَ مِنْ غُلاَّتِهَا وفيه شواهد: الأول علّ بفتح اللام وكسرها، استدل به البصريون على أن عل أصله عل واللام في أولها زائدة، وردوا على الكوفيين في زعمهم أنها أصلية، وقد ذكرنا ما يتعلق به في الحروف المشبهة بالفعل من شرح شواهد شرح الكافية. الثاني: روى بجر " صروف " واستدل به على أن عَلَّ حرف جر، وقد تقدم الكلام عليه هناك. الثالث: نصب المضارع بأن بعد الفاء في جواب الترجي وهو نصب " تستريح " قال الفراء عند تفسير قوله تعالى (لعلى أبلغ الاسباب أسباب السموات فأطلع) بالرفع يرده على قوله " أبلغ " ومن جعله جواباً للعلي نصبه، وقد قرأ به بعض القراء، قال: وأنشدني بعض العرب * عَلَّ صُرُوفُ الدَّهْرِ * إلى آخر الابيات الثلاثة الاول، وقال: فنصب على الجواب بلعل، وأنشده أيضاً في سورة " عَبَسَ " قال: قد اجتمع القراء على (فتنفعه الذكرى) بالرفع، ولو كان نصباً على جواب الفاء للعلَّ كان صواباً، أنشدني بعضهم * عَلَّ صروف الدهر * إلى آخر الأبيات الأربعة. ولم يذكر قائل الرجز في الموضعين.

стр. 1159

وتبع ابن مالك الفراء لوروده في النظم والكلام الفصيح، كما تقدم. قال أبو حيان في الارتشاف: وذهب الكوفيون إلى أنه يجوز أن ينتصب الفعل بعد الفاء في جواب الرجاء، وزعموا أن لعل يكون استفهاماً، وذهب البصريون إلى منع ذلك، والترجي عندهم في حكم الواجب، قيل: والصحيح مذهب البصريين لوجوده نظماً ونثراً، ومنه قوله تعالى (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى) في قراءة عاصم، وهي (قراءة) من متواتر السبع، ويمكن تأويل النصب، انتهى. وقد ذكر تأويله ابن هشام في الباب الرابع من المغنى، قال: وقيل في قراءة حفص (لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطَّلِعَ) بالنصب: إنه عطف على معنى لعلي أبلغ، وهو لعلي أن أبلغ، فإنَّ خبر لَعَلِّي يقترن بأن كثيراً، نحو قوله ﵇: " فلعل بعضكم أن يكون ألْحَنَ بحجته من بعض " ويحتمل أنه عطف على الأسباب على حد: * وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي * ومع هذين الاحتمالين يندفع قول الكوفي: إن في هذه القراءة حجة على جواز النصب في جواب الترجي حملاً له على التمني، انتهى. وقوله " عَلَّ صروف الدهر " جمع صَرْفٍ كَفَلْسٍ وفُلُوس، وهو الحادثة والنائبة المغيِّرة من حال إلى حال بالتصرف، وضمير " دولاتها " لصروف الدهر، والدَّوْلة: بفتح الدال وضمها، قال الأزهري: هي الانتقال من حال الضر والبؤس إلى حال الغبطة والسرور، وقال أبو عبيد: الدولة بالضم: اسم الشئ الذي يُتَدَاوَلَ به بعينه، والدَّوْلَةُ بالفتح: الفعل، وقيل: الدولة في الحرب أن تدال إحدى الفئتين على الأخرى، يقال: كانت لنا عليهم الدَّوْلَة، والدُّولة بالضم في المال، يقال: صار الفئ دُولَةً بينهم يتداولونه مرة لهذا ومرة لهذا

стр. 1160

كذا في العباب، وقوله " يُدِلْننا " هو مضارع أداله مسند إلى النون ضمير الصروف، أو ضمير الدولات، ونا: مفعوله كما تقول من أقام: إن النِّساء يقمننا، قال صاحب العباب: الإدالة: الغلبة، يقال: اللهم أدِلْنِي على فلان وانصرني عليه، وتداولته الأيدي: أخذته هذه مرة وهذه مرة، وقوله تعالى (وَتِلْكَ الايام نداولها بين الناس) أي: نديرها، من دال: أي دار، انتهى: وقال ابن الأثير في النهاية: وفي حديث وفد ثفيف " نُدَال عليهم ويُدَالُون علينا " الإدالة: الغلبة، يقال: أديل لنا على أعدائنا: أي نصرنا عليهم، وكانت الدولة لنا، والدولة: الانتقال من حال الشدة إلى حال الرخاء، ومنه حديث أبي سفيان وهرقل " ندال عليه ويدال علينا " أي: نغلبه مرة ويغلبنا أخرى، ومنه حديث الحجاج " يوشك أن تُدَالَ الأرض منا " أي تجعل لها الكرة والدولة علينا فتأكل لحومنا كما نأكل ثمارها وتشرب دماءنا كما نشرب مياهها، انتهى كلامه. فعرف من هذا كله أن الادالة متعدية إلى مفعول واحد صريحاً، وإلى الثاني بحرف جر، فضمير المتكلم مع الغير مفعوله وأما اللَّمَّة فمنصوبة على نزع الخافض: أي على اللمة، ولم يصب العيني في قوله: " واللمة مفعول ثان ليدلننا " انتهى. واللَّمة بفتح اللام، قال الجوهري: هي الشدة، وأنشد هذا البيت. وفي النهاية لابن الأثير: وفي حديث ابن مسعود ﵁ " لابن آدم لَمَّتَان لَمَّة من الملك ولَمَّة من الشيطان " اللَّمة: الهمة والخطرة تقطع في القلب، أراد إلمام الملك أو الشيطان به والقرب منه، فما كان من خطرات الخير فهو من الملك، وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان، انتهى وهذا المعنى أنسب، وروي في بعض الكتب " يدْلينَنا " بمثناة تحتية بعد اللام، وهو مضارع أدْلَى دَلْوَهُ في البئر إدْلاَء: أي أرسلها، وهذا لا مناسبة له، وهو تحريف من النساخ، وقوله " من لماتها " متعلق بمحذوف حال من اللمة، ويجوز أن يكون وصفاً لها لكون اللمة معرفة بلام الجنس فتكون قريبة من النكرة،
следующие страницы →