القلب، والضرير - بالضاد المعجمة -: النفس وشدتها، يقال: ناقة ذات ضرير، إذا كانت شديدة النفس بطيئة اللغوب، والضرير من الدواب: الصبور على كل شئ، كذا في العباب: يريد أنه لان شئ من شدة نفسه وامتناعه، ولو كانت نفسه على ما كانت عليه من الصعوبة لشق عليها، وقوله " من المهاوى " أي: من الابل المهارى نسبة إلى مهرة.
قال صاحب العباب: ومهرة بن حيدان أبو قبيلة من اليمن تنسب إليه الابل المهرية، والجمع المهارى، وإن شئت خففت الياء فقلت المهارى كالصحارى والصحارى وقوله " رد في حجوره " أي: في كرم أمهاته، يريد أنه من نسل إبل كرام.
وقوله " يستوعب البوعين الخ " بفتح المواحدة، قال صاحب العباب: قال الليث البوع والباع لغتان.
فلا حاجة إلى ما تكلفه الاعلم، والجرير - بفتح الجيم -: الحبل، يريد أن طويل الحبل الذى هو مقوده من لحيبه إلى موضع نحره مقدار باعين، يريد طول عنقه وقوله " من لد لحييه " مثل لحى - بفتح اللام وسكون الحاء المهملة - وهو العظم الذى ينبت عليه الاسنان، والمنحور: بضم الميم وبعد النون حاء مهملة، كذا في العباب، وهو لغة في النحر لمنحر، ومعناه أعلى الصدر، وهو الموضع الذى تقع عليه القلادة والموضع الذى ينحر فيه الهدى وغيره، وصحفه الجوهرى فرواه بالخاء المعجمة، وقال: المنخور لغة في المنخر، وأنشده، وكذا رواه أيضا في مادة
لدن، ونبه ابن بري في أمالية عليه، قال: " وصواب إنشاده كما أنشده سيبويه " إلى منحوره " بالحاء، والمنحور النحر، وهو المنحر، وصف هذا الشاعر فرسا بطول العنق فجعله يستوعب من حبله مقدار باعين من لحييه إلى نحره " انتهى.
وكذا قال في مادة (ل د ن) ، وصوابه يصف كما ذكرنا، وتبعه الصفدى في حاشيته على
стр. 1192
الصحاح، وقال: هذا الذى عليه العلماء، ولا معنى فيه لما قاله الجوهرى، ورواه الصاغانى في العباب بالوجهين: بالحاء المهملة، والمعجمة، في المادتين، قال: ويروى منخوره بالخاء المعجمة أيضا، ويروى حنجوره، فزاد رواية ثالثة، وهى بضم الحاء المهملة وبعد النون جيم، لغة في الحنجرة كحيدرة، وهى الحلقوم ونسب ابن برى أيضا هذا الرجز إلى غيلان بن حريث الربعي، وتقدم في الشاهد الثالث والسبعين بعد السبعمائة من شرح شواهد شرح الكافية أنى لم أقف على ترجمة، والله أعلم به وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس والثمانون: (من الرجز) ٨٦ - * وحاتم الطائى وهاب المئى * على أنه حذف التنوين من حاتم لضرورة الشعر، وقبله * حيدة خالي ولقيط وعلى * والبيتان من رجز لامرأة تفتخر بأخوالها من اليمن، وأورده الشارح المحقق في شرح الكافية على أن المئى أصله عند الاخفش المئين، حذفت النون الجمع للضرورة.
وقد شرحناه مفصلا بما لا مزيد عليه مع بقية في الشاهد الرابع والأربعين بعد الخمسمائة هناك فارجع إليه وأنشد بعده: (من الطويل) عَجِبْتُ لِمَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ ابٌ * وَذِي وَلَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أَبَوَانِ
وتقدم الكلام عليه في الشاهد العاشر من هذا الكتاب وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع والثمانون، وهو من شواهد سيبويه: (من الوافر) ٨٧ - فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِنْ نُمَيرٍ * فَلاَ كَعْباً بَلَغْتَ وَلاَ كِلاَبَا
стр. 1193
على أن يونس سمعهم ينشدونه بفتح الضاد من قوله: فغض، قال سيبويه: " ومنهم من يدعه إذا جاء بالالف واللام على حاله مفتوحا، يجعله في جميع الاشياء كإن، وزعم يونس أنه سمعهم يقولون: * فغض الطرف ... البيت * " انتهى ونسب الزمخشري في المفصل الفتح الى بنى اسد، قال: " ومنهم من فتح وهم بنو أسد، قال: فغض الطرف، ونمير بالتصغير: أبو قبيلة، وهو نمير بن عامر ابن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة ابن قيس بن عيلان بن مضر، وكعب وكلاب أخوان، وهما ابنا ربيعة بن عامر ابن صعصعة، فنمير وربيعة أخوان وأمهما رقية بنت جُشَم بن معاوية بن بكر بن هوازن، قال ابن الكلبى في الجمهرة: ولد ربيعة بن عامر كلابا وإليه البيت، وكعبا وإليه العقد، كان إذا كان في ولد ربيعة جوار تولوا هم ذلك دون ولد أبيه، ومن أولاد ربيعة كليب بالتصغير وعامر والحرث، فهؤلاء الخمسة أولاد ربيعة لا غير و " غض " فعل أمر من غض طرفه وصوته، ومن طرفه وصوته، غضا، من باب قتل، إذا خفضهما، وغض الطرف: إرخاء الجفون، والطرف: نظر العين، يقول: لا تفتح عينيك بتحديق كنظر العزيز، بل انظر الذليل بغض وتغميض: فإن قبيلتك بنى نمير لم يشرفوا كشرف بنى أخى نمير، وأنت خامل،
ولبنى عمك النباهة والذكر، فلا نلت رتبة كعب في السيادة ولا بلغت منزلة كلاب في العز، والتفضيل بين الاقارب عند العرب ممض مؤلم تأثيره أشد من الهجاء المقذع.
والبيت من قصيدة لجرير هجا بها الراعى النميري مطلعها: أقلى اللوام عاذل والعتابا * وقوله إن أصبت لقد أصابا
стр. 1194
وسبب هجوه أن الراعي كان شاعر مضر وذا سنِّها، ولما قدم البصرة دخل بين جرير والفرزدق، فقال: (من الكامل) يَا صَاحِبَيَّ دَنَا الأَصِيلُ فَسِيرَا * غَلَبَ الْفَرَزْدَقُ فِي الْهِجَاءِ جَرِيرَا فلقيه جرير، فقال له: إني وابن عمي الفرزدق نستب صباحاً ومساءً، وما عليك من غلبة الغالب والمغلوب، فإما أن تكف عنا، وإما أن تُغَلِّبَنِي، فقال له الراعي: صدقت، لا أبعدك (الله) من خير، فبينما هما في القول إذ رآهما جندل بن الراعي فأقبل على فرس له فضرب بغلة أبيه وقال له: مالك يراك الناس واقفاً على كلب بني كليب، فصرفه عنه، فقال جرير: أما والله لأثقلن رواحلك، ثم أقبل إلى منزله وقال لروايته: زد في دهن سراجك الليلة وأعدد لَوْحاً ودواة، ثم أقبل على هجاء بني نمير، فلم يزل يمل حتى ورد عليه قوله: * فغض الطرف إنك من نمير ... البيت * فقال: حسبك أطفئ سراجك ونم، فرغت منه ثم إن جريراً أتم القصيدة بعد وسماها الدامغة حتى إذا أصبح ورأى الراعي في سوق الإبل أنشده إياها حتى وصل إلى قوله أجَنْدَلُ، مَا تَقُولُ بَنُو نُمَيْرٍ * إذَا مَا الأَيْرُ في اسْتِ أبِيكَ غَابَا؟ فقال الراعي: شراً والله تقول، إلى أن قال:
إذَا غَضِبَتْ عَلَيْكَ بَنُو تَمِيمٍ * رَأَيْتَ النَّاسَ كُلَّهُمُ غِضَابَا فغُضَّ الطَّرف إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ * ... البيت قال ابن رشيق في العمدة: " وممن وضعه ما قيل فيه من الشعر حتى أنكر نسبه وسقط على رتبته وعيب بفضيلته: بنو نمير، كانوا جمرة (١) من جمرات العرب إذا سئل أحدهم: ممن الرجل؟ فخَّمَ لفظه ومدَّ صوته وقال: من بني نمير، إلى أن صنع جرير قصيدته التي هجا بها الراعي فسهر لها فطالت ليلته إلى أن قال:
стр. 1195
* فغض الطرف إنك من نمير البيت * فأطفأ سراجه ونام، وقال: والله قد أخزيتهم آخر الدهر، فلم يرفعوا رأساً بعدها إلا نكس بهذا البيت، حتى إن مولى لبني باهلة كان يرد سوق البصرة ممتاراً، فيصيح به بنو نمير: يَا جُوَاذِبَ (١) باهلة، فَقصَّ الخبر على مَوَاليه، وقد ضجر من ذلك، فقالوا له: إذا نبزوك فقل لهم * فغض الطرف إنك من نمير * ومر بهم بعد ذلك فنبزوه، وأراد البيت فنسيه، فقال: غض وإلا جاءك ما تكره، فكفوا عنه ولم يعرضوا له بعدها، ومرت امراة ببعض مجالس بني نمير، فأداموا النظر إليها فقالت: قبحكم الله يا بني نمير، ما قبلتم قول الله (قل للمؤمنين يغضو من أبصاهم) ولا قول الشاعر: فَغُضَّ الطَّرْفِ إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ ... البيت وهذه القصيدة تسميها العرب الفاضحة، وقيل: سماها جرير الدامغة، تركت بني نمير بالبصرة ينتسبون إلى عامر بن صعصعة ويتجاوزون أباهم نميراً إلى أبيه هرباً من ذكر نمير وفراراً مما وسم به من الفضيحة وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا في الشاهد الرابع من أول شرح شواهد
شرح الكافية وقد خبط خبط عشواء في هذا البيت بعض فضلاء العجم في شرح أبيات المفصَّل، قال: " البيت لجرير يهجو به الفرزدق، لأن نميراً أبو قبيلة من قيس وهو نمير بن عامر بن صعصعة، بن مجاشع من أجداد الفرزدق، وكعب وكلاب في قريش " هذا كلامه، وفيه خلل من وجوه: الأول أن المهجو نميري والفرزدق تميمي، الثاني أن صعصعة والدَ عامر ليس جد الفرزدق، الثالث أن صعصعة جد الفرزدق ليس ابنَ مجاشع، وإنما هو صعصعة بن ناجية بن عقال ابن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارِم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد
стр. 1196
مناة بن تميم، أن صعصعة هذا ليس من أجداد الفرزدق، وإنما هو جده الأقرب، لأن الفرزدق ابنُ غالب بن صعصعة، الخامس أن كعباً وكلاباً في البيت ليسا من قريش، وإنما هما ابنا ربيعة أخي نمير، والله أعلم وأنشد الجار بردى هنا، وهو الشاهد الثامن والثمانون (من الكامل) : ٨٨ - ذُمَّ الْمَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى * وَالْعَيْشَ بَعْدَ أُوْلَئِكَ الأَيَّامِ على أنه روى ذُمَّ بفتح الميم وكسرها وهو من قصيدة لجرير، مطلعها: سَرَتِ الْهُمُومُ فَبِتْنَ غَيْرَ نِيَامِ * وَأَخُو الْهُمُومِ يَرَومُ كُلَّ مَرَامِ وأورده في المفصل في باب الإشارة أيضاً، على أن " أولئك " يستعمل في العقلاء وغير العقلاء، كقوله تعالى: (إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كان عنه مسئولا) وأورده البيضاوي - بَيَّض الله وجهه يوم تبيض
وجوه - أيضاً عند الآية، قال العيني: ويروى " الأقوام " بدل " الأيام " وحينئذٍ لا شاهد فيه، وزعم ابن عطية أن هذه الرواية هي الصواب، وأن الطبري غلط إذ أنشد " الأيام " وأن الزجاج اتبعه في هذا الغلط، انتهى و " ذُمَّ " فعل أمرٍ، و " العيش " معطوف على المنازل، والمعنى أنه تأسف على منزله باللِّوى وأيام مضت له فيه، وأنه لم يتهنَّ بعيش بعد تلك الأيام، ولا راق له منزل وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع والثمانون (من الرجز) : ٨٩ - يا عجبا لقد رأيت عجبا * حمار قبان يسوق أرنبا خاطمها زأمها أن تذهبا * فقلت: أرْدِفْنِي، فَقَالَ: مَرْحَبَا على أن أبا زيد حكى عن أيوب السختياني دأبَّة وشَأَبَّة وأنشد هذا الشعر
стр. 1197
أقول: لم ينشد أبو زيد هذا الرجز، لا في نوادره، ولا في كتاب الهمز، ولا نقل عن أيوب، وإنما قال في آخر كتاب الهمز: وسمعت رجلاً من بني كلاب يكنى أبا الأصنع يقول: هذه دأبَّة، وهذه شأبة، وهي امرأة مَأدَّة، وهذا شأبّ، ومأدّ، فيهمز الألف في كل هذه الحروف، وذلك أنه ثقل عليه إسكان حرفين مَعاً وإن كان الأصل الآخر منهما التحريك، كما استثقل بعض العرب في الوقف إسكان الحرفين في قولهم: اضْرِبُهْ، أكْرِمُهْ، أحْبِسُهْ، قال: (من الرجز) * قَدْ قُلْتُ لِلسَّائِلِ قَدْهُ أعْجِلُهُ * انتهى.
وهذا آخر كتاب الهمز، ويشهد لما قلنا كلام ابن جني في أكثر تآليفه، قال في شرح تصريف المازني ومنه أخذ الشارح هذا الفصل: إن
الألف إذا حركت صارت همزة، كقراءة أيوب السختياني (وَلاَ الضَّألِّين) لما حرَّك الألف لسكونها وسكون اللام الأولى بعدها انقلبت همزة، وحكى أبو العباس عن أبي عثمان عن أبي زيد أنه قال: سمعت عمرو بن عبيد يهمز (فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ وَلاَ جَأنٌّ) فظننته قد لحن إلى أن سمعت العرب يقولون (١) شأبَّة ودأبَّة، قال أبو العباس: فقلت لأبي عثمان: أتقيس هذا؟ قال: لا ولا أقبله، وقال الراجز: * خاطِمَها زَأمَّها أنْ تّذْهَبَا * وجاء في شعر كثيّر " احْمَأَرَّتِ (٢) " يريد احْمَارَّتِ، كما أراد الأول
стр. 1198
زَامَّها، فهذه الهمزات في هذا الموضع إنما وجبت عن تحريك الألف لسكونها وسكون ما بعدها، انتهى وقال في سر الصناعة: " فأما إبدال الهمزة من الألف فنحو ما حكى عن أيوب السختياني أنه قرأ (ولا الضَّألِّين) فهمز الألف، وذلك أنه كره اجتماع الساكنين الالف واللام الأولى، فحرك الألف لاجتماعهما، فانقلب همزة، لأن الألف حرف ضعيف واسع المخرج لا يحمل الحركة، فإذا اضطروا إلى تحريكه قلبوه إلى أقرب الحروف منه وهو الهمزة، وعلى ذلك ما حكاه أبو زيد فيما قرأته على أبي علي في كتاب الهمز عنه من قولهم: دأبَّة وشأبَّة ومأدة، وأنشدت الكافة: * يَا عَجَبَا لقد رأيت عجبا *
إلى آخر الأبيات يريد زامّها.
وحكى أبو العباس، عن أبي عثمان، عن أبي زيد، قال: سمعت عمرو بن عبيد يقرأ (إنْسٌ وَلا جأن) فظننته قد لحن، حتى سمعت العرب تقول: دأبّة، وشأبة، قال أبو العباس: فقلت لأبي عثمان: أتقيس ذلك؟ قال: لا ولا أقبلها.
وقال آخر (من الطويل) وَبَعْدَ انْتِهَاض الشَّيْبِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * عَلَى لِمَّتِي حَتَّى اشْعَألَ بَهِيمُهَا
стр. 1199
يريد اشعال، من قوله تعالى (واشتعل الرأس شيبا) فهذا لا همز فيه، وقال دُكَيْنٌ (من الرجز) رَاكِدةٌ مِخْلاتُهُ وَمَحْلَبُه * وَجُلُّهُ حَتَّى ابْيَأَضَّ مَلْبَبُهُ يريد ابْيَاضَّ، فهمز، وقرأت على أن أبي الفرج علي بن الحسين لكُثَيِّر من الطويل) ولِلأَرْضِ أمَّا سُودُهَا فَتَجَلَّلَتْ * بَيَاضاً وَأمَّا بِيضُها فَادْهَأمَّتِ يريد ادْهَامَّتْ، وقد كاد يتسع هذا عنهم، وحكى عنهم في الوقف هذه حُبلأ يريد حُبْلى، ورأيت رَجُلاً، يريد رجلاً، فالهمزة في رجلأ إنما هي بدل من الألف التي هي عوض من التنوين في الوقف، ولا ينبغي أن يحمل على أنها بدل
من النون، لقرب ما بين الهمزة والألف وبعد ما بينها وبين النون، ولأن حبلى لا تنوين لها، وحكى أيضاً هو يَضْرِبُهأ، وهذا كله في الوقف، فإذا وصلت قلت: هو يضربها يا هذا، ورأيت حبلى أمس " انتهى كلامه.
وقال في الخصائص في باب شواذ الهمز: وإذا تحركت الألف انقلبت همزة، من ذلك قراءة أيوب السختياني (ولا الضَّألِّين) وحكى أبو العباس عن أبي عثمان عن أبي زيد، قال: سمعت عمرو بن عبيد - إلى آخر الحكاية، وأنشدوا قوله: * يَا عَجَبَا لَقَد رَأَيْتُ عَجَبَا * إلى آخر الأبيات.
وقال أيضاً في المحتَسب: " ومن ذلك قراءة أيوب السختياني (وَلاَ الضِّألِّين) ذكر بعض أصحابنا أن أيوب سئل عن هذه الهمزة، فقال: هي بدل من المدة لالتقاء الساكنين.
واعلم أن أصل هذا ونحوه الضالين، وهو الفاعلون من ضَلَّ يضلُّ، فكره اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد على غير الصور المحتملة في ذلك، فأسكنت اللام الأولى، وأدغمت في الآخرة، فالتقى
стр. 1200
ساكنان: الألف، واللام الأولى المدغمة، فزيد في مدة الألف، واعتمدت وطأة المد، فكان ذلك نحواً من تحريك الألف، وذلك أن الحرف يزيد صوتاً بحركاته، كما يزيد صوت الألف بإشباع مدته، وحكى أبو العباس عن أبي عثمان عن أبي زيد قال: سمعت عمر بن عبيد - إلى آخر الحكاية، ثم أورد أمثلة كثيرة، ونظائر عديدة، وقال: وفيه أكثر من هذا، ولولا كراهية الإملال لأتينا به، على أنه مثبت في أماكن من تآليفنا، وقد ذكرنا من هذا الضرب في كتابنا الموسوم بالخصائص ما فيه كافٍ من غيره " وقال صاحب الصحاح: " وحمَار قَبَّان دويبة، وهو فَعْلاَن، من قبّ لأن
العرب لا تصرفه، وهو معرفة عندهم، ولو كان فَعَّالاً لصرفته، تقول: رأيت قطيعاً من حمر قبان، وقال: يَا عَجَباً وَقَد رَأَيْتُ عَجَباً * حِمَارَ قَبَّانَ يَسُوقُ أرْنَبَا " انتهى ولم يكتب عليه ابن بري شيئاً في أماليه، ولا الصفدي في حاشيته وقال السيوطي في ديوان الحيوان وهو مختصر حياة الحيوان: " حمار قَبَّان: دويبة مستديرة تتولد من الأماكن النَّدِيَّة، على ظهرها مثل المِجَنِّ مرتفعة الظهر، كأن ظهرها قبة، إذا مشت لا يرى منها سوى أطراف رجليها، وهي أقل سواداً من الخنفساء، وأصغر منها، على قدر الدينار، ولها ستة أرجل، تألف أماكن السباخ وذكر الحاحظ في التبيان أن رأسها لا يرى عند المشي، ولا ترى إلا أن تنقلب على وجهها، لأن أمام وجهها حاجزاً مستديراً، وأكثر ما تظهر بالليل، قال: ومن حمار قبان نوع ضامر البطن غير مستدير، والناس يسمونه أبا شحيمة، والظاهر أنه صغار حمار قبان، وأنه بعدُ يأخذ في الكبر، قال:
стр. 1201
وأهل اليمن يطلقون حمار قبان على دويبة فوق الجرادة من نوع الفراش وفي مفردات ابن البيطار: حمار قبان يسمى حمار البيت أيضاً، ومن أمثالهم " هو أذَلُّ من حمار قَبَّان " انتهى كلام السيوطي وقال الجوهري في مادة (زم) : تقول زَمَمْتُ النعل وزممت البعير، خطمته وأنشد هذا الرجز ثانياً والخطام: هو الزمام، وخاطِمَها بالنصب: حال من حمار قبان، والإضافة لفظية، والتقدير خاطماً إيَّاهَا، ويجوز رفعه أنه خبر مبتدأ محذوف: أي
هو خاطمها، وزامها مثل خاطمها، لان تأكيد له، وقوله " أن تذهبا " بتقدير اللام: أي لتذهب معه، أو بتقدير مضاف وهو صلة لخاطمها: أي خوف أن تذهب وتفر منه، وقوله " فقلت أردفني " أي: فقلت لحمار قبان: اجعلني رِدْفاً لك أركب على الأرنب خلفك، فقال: اركب مرحباً بك، وقوله " يا عجبا " يا للتنبيه، وعجباً منصوب على المصدرية: أي أعجب عجبا، فهو منون، ويجوز أن يكون يا للنداء، وعجباً منادى، والأصل يا عجبي، فقلبت ياء المتكلم ألفاً، وعلى هذا هو غير منون، وهذا يشبه أن يكون من خرافات العرب، ولم أقف على شرح له.
وقد رأيت البيت الشاهد في رجز آخر، قال السيوطي ﵀ في ديوان الحيوان في الكلام على الضب: " قال أبو عمر الْجَرْمي: سألت أبا عبيد عن قول الراجز: أَهَدَمُوا بَيْتَكَ لاَ أبَالَكَا * وَأنا أمْشِي الدَّألَى حَوَالَكَا فقلت: لمن هذا الشعر؟ قال: تقول العرب: هذا يقوله الضب لولده الْحِسْل أيامَ كانت الأشياء تتكلم، والعرب تقول: لما كان كل شئ يتكلم خَاطَرَ الضب الضِّفْدَعَ أيهما أصبر على الظمأ، وكان للضفدع حينئذٍ الذنب، وكان الضب ممسوح
стр. 1202
الذنب، قالوا: فصبر الضفدع يوماً، ثم نادت: يا ضب ورداً ورداً.
فقال الضب: أصْبَحَ قلب صَرِدا * لا يشتهي أن يَرِدا إلاَّ عَرَاداً عَرِدَا * وَصِلِّيَاناً بَرِدَا وعَنْكَثَا مُلْتَبِدا.
فلما كان اليوم الثالث قالت الضفدع: يا ضب ورداً ورداً، فلم يجبها، فلما لم يجبها بادرت إلى الماء، وتبعها الضب، فأخذ ذنبها، وأنشد:
خَاطِمَهَا زَأمَّهَا أنْ تَذَهَبَا * وَجربَ الضَّبُّ فَقَالَ جَرِّبَا ألا أرى لِي ذَنَباً مُرَكَّبَا " انتهى كلامه.
والدِّأَلى بفتحات، قال صاحب العباب: " دأل يَدْألُ دَأْلاً وَدَأَلاَناً ودَأَلَى: أي ختل، قال: * وأنا أمشي الدألى حوالكا * وقال أبو زيد: هي مشية شبيهة بالختل ومشي المثقل، وذكر الأصمعي في صفة مشي الختل الدألاَنُ: مشي يقارب فيه الخطو ويُبْغى فيه، كأنه مثقل من حمل " انتهى وقوله " صَرِداً " بفتح الصاد المهملة وكسر الراء، قال الجوهري: صَرِد الرجل بالكسر يَصْرَد صَرَداً فهو صرِد ومِصْرَاد، يجد البر سريعاً، قال: أصْبَحَ قَلْبِي صَرِدا * لا يَشْتَهي أنْ يَرِدَا.
انتهى وقوله " إلا عَراداً عِرَدَا " العراد بفتح العين المهملة وآخره دال: اسم نبت كذا في الصحاح، وأنشد البيت، والْعِرَد: وصف له من لفظه للتوكيد، والمبالغة في كلامهم كقولهم: شعر شاعر: وَلَيْلَة ليلاء.
وقال خضر الموصلي في شرح أبيات التفسيرين: الْعَرِد: الصلب من كل شئ، وقيل: هو الجراد، وهذا
стр. 1203
كلامه، وقوله " وصليانا بردا " بكسر الصاد وللام المشددة بعدها مثناة تحتية، قال السخاوي في سفر السعادة: (و) صِلِّيَانٌ فعْلِيان، والواحدة صليانة، وهي بقلة، وهو مأخوذ من الضمة، والصلة: واحدة الصلال، وهى القطع من الأمطار المتفرقة التي يقع منها الشئ بعد الشئ، وقيل للعشب الصِّلِّيان من ذلك، سمي باسم المطر، وقال الجرمي: الصليان: نبات، ويقولون لمن يسرع في اليمين ولا
يتوقف " لقد جَذَّهَا جذَّ الصّلِّيَانة "، لأن العير إذا ارتعى جذ الصِّلِّيانة واقتلعها من أصلها، وجَذَّ: مصدر مضاف إلى المفعول، ويقولون: الصِّليان خبز الإبل، انتهى.
" وبرد " بمعنى بارد وهذا البيت أورده صاحب الكشاف عند قوله تعالى (وملح أجاج) على قراءة من قرأ (مَلِحٌ) بفتح الميم وكسر اللام، على أنه تخفيف مالح كبَرِد في البيت من بارد وقوله " عَنكثاً مُلْتَبِدا " العنكث: بفتح العين المهملة وسكون النون وبعد الكاف ثاء مثلثة، قال صاحب الصحاح: هو اسم نبت، وأنشد البيت، والملتبد: المجتمع بعضه فوق بعض، يقال: التبد الشجر.
إذا كثر ورقه، وفي كل بيت أنشده الجوهري من هذه الأبيات يقول: قال الساجع، بناء على أن الرجز عنده سجع وليس بشعر، وهو مذهب بعض العروضيين، وأورد ابن بري الأبيات الخمسة في مادة عنكث، وقال: هذا مما تحكيه العرب على ألسنة البهائم، زعموا أنه اختصم الضب والضفدع، فقالت الضفدع: أنا أصْبُر منك عن الماء، وقال الضب: أنا أصبر منك، فقال الضفدع: تعالى حتى نرعى فيعلم أينا أصبر، فَرَعَيَا يومهما، فاشتد عطش الضفدع، فجعلت تقول: وِرْداً يا ضب، فقال الضب: * أصْبَحَ قَلْبِي صَرِدا * إلى آخر الأبيات، فبادرت الضفدع إلى الماء، إلى آخر الحكاية
стр. 1204
وأنشد بعده، وهو الشاهد التسعون (من الرجز) ٩٠ - يَا دَارَ مَيَّ بد كاديك الْبُرَقْ * صَبْراً فَقَدْ هَيَّجْتِ شَوْقَ الْمُشْتَئِقْ على أن أصله المشتاق فقلب الألف همزة وحركها بالكسر لان الالف بد
من واو مكسورة، قال ابن جني في سر الصناعة: " أنشد الفراء: * يا دارمي بد كاديك * إلخ والقول فيه عندي أنه اضطر إلى حكرة الألف التي قبل القاف من المشتاق، لأنها تقابل لام مستفعلن، فَلمَّا حركها انقلبت همزة، إلا أنه حركها بالكسر لأنه أراد الكسرة التي كانت في الواو المنقلبة الألف عنها، وذلك أنه مُفْتَعِلٌ من الشوق، وأصله مُشْتَوِق ثم قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فلما احتاج إلى حركة الألف حركها بمثل الكسرة التي كانت في الواو التي هي أصل للألف، ونحو هذا ما حكاه الفراء أيضاً عنهم من قولهم: رجل مَئِل، إذا كان كثير المال، وأصلها مَوِلٌ كحَذِرٌ، يقال: مال الرجل يمَال، إذا كثر ماله، وأصلها مَوِلَ يَمْوَل مثل خاف يخاف، من الواو، وقالوا: رجل خاف كقولهم رجل مالٌ وأصلهما خَوِفٌ ومَوِلٌ، انقلبت الواو ألفاً، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار خافٌ ومالٌ، ثم إنهم أتوا بالكسرة التي كانت في واو مَوِلٍ فحركوا بها الألف في مال فانقلبت همزة فقالوا مثل " انتهى كلامه و " مي " اسم امرأة، ودكاديك: جمع دكداك، وهو الرمل المتلبد في الأرض ولم يرتفع، والبُرَق: جمع برقة بالضم وهى غلظ حجارة ورمل، ورواه الجوهري " بالدَّكاديك البُرَق " بالوصف لا بالإضافة، وقوله " صبرا " مفعول مطلق: أي اصبري صبرا، أو مفعول به لفعل محذوف: أي أعطيني صبرا، وروى بدله
стр. 1205
" سَقْيا ": أي سقاكِ الله سقياً، دعاء لها بالسقي، على عادة العرب في طلب السقي لمنازل أحبابهم.
قال ابن المستوفي هذان البيتان أنشدهما الفراء لرؤبة، ومثله (من الرجز) : سُقِيتِ مِنْ وَدْقِ (١) السَّحَابِ الْمُنْبَعِقْ (٢) *
يَكَادُ قَلْبِي مِنْ هَوَاكِ يَحْتَرِقْ كَذَا دُعَاءُ كُلِّ صِبٍّ مُشْتَئِقْ الابتداء أنشد فيه، وهو الشاهد الحادي والتسعون (من الرجز) : ٩١ - بِاسْمِ الَّذِي فِي كُلِّ سُورَةٍ سِمُهْ * على أنه يقال: سِمٌ بدون همزة وصل قال ابن جني في شرح تصريف المازني: " روى بكسر السين وضمها، والباء من " باسم " متعلق بأرسل في بيت قبله، وهو: أرْسَلَ فِيهَا بَازِلاً يُقَرِّمُهْ * فَهْوَ بِهَا يَنْحُو طَرِيقاً يَعْلَمُهْ باسْمِ الَّذِي في كُلِّ سُورَةٍ سِمُهْ وهذه الأبيات الثلاثة أوردها أبو زيد في نوادره (٣) .
وقال: " هي لرجل زعموا أنه من كلب " والضمير المستتر " في أرسل " للراعي، والبارز من " فيها " للإبل، و " البازل ": البعير الذي انشق نابه، وهو في السنة التاسعة، و " يقرمه " يتركه عن الاستعمال
стр. 1206
ليتقوى لِلفِحْلة، والمعنى أرسل هذا الراعي باسم الذي في كل سورة يذكر اسمه هذا الفحلَ في هذه الإبل فهو أي البازل ينحو بها أي يقصد بالإبل المذكورة، طريقاً يلعمه لاعتياده بتلك الفعلة وقال خضر الموصلي شارح شواهد التفسيرين: البيت من رجز لرؤبة بن
العجاج، أوله * قُلْتُ لِزيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ * انتهى.
أقول: قد فتشت (١) هذه الأرجوزة مراراً فلم أجد فيها البيت الشاهد، وقد تبعه شيخنا الشهاب الخفاجي في حاشيته على البيضاوي، ونقل ما سطره من غير مراجعة، وأورد أبو زيد بعد تلك الأبيات ما نصه، وأنشدني أعرابي (من البسيط) أنَا الْحُبَابُ الَّذِي يَكْفِي سِمُي نَسَبي * إذَا الْقَمِيصُ تعَدَّى وَسْمَهُ النَّسَبُ الأصمعي: الوسم: تغير النجار، وقال: فَدَعْ عَنْكَ ذِكْرَ اللَّهْوِ وَاعْمِدْ لِمِدْحَةٍ * لِخَيْر يَمَانٍ كُلِّها حَيْثُ إنْتَمَى لأوْضَحِهَا وَجْهاًَ وَأَكْرَمِهَا أباً وَأَسْمَحِهَا كَفّاً وَأَعْلَنِهَا سُمَا انتهى.
وسُمِي - بضم السين وكسرها، والياء ضمير المتكلم - والنجار بكسر لنون بعدها جيم: الأصل، وسُمَا في اليبت الثاني - بضم السين والقصر - لغة في الاسم، وهو أعدل شاهد في هذه اللغة، وأنشده ابن جني في شرح تصريف المازني، وقال: ويروى " سِماً " فمن كسر السين فالألف عنده للوصل بمنزلة الألف في قول الاخر (من البسيط)
стр. 1207
* يَا دَارَ عَمْرَةَ مِنْ مُحْتَلِّهَا الْجَرَعَا * (١) ولا يجوز أن تكون لام الفعل، لأنا لا نعلمهم قالوا: هذا سِمىً بوزن رِضاً، وأما من ضم السين فعندي يحتمل أمرين: أحدهما ما عليه الناس، وهو
أن تكون ألف الوصل، بمنزلتها في قول من يكسر السين، والوجه الآخر: أن تكون لام الفعل، بمنزلة الألف في القافية التي قبلها وهي " انتمى "، ويكون هذا التأويل على قول من قال: هذا سُمىً، بوزن هدى، إلا أنه حذف اللام لالتقاء الساكنين، يريد أنه منصوب منون حذفت ألفه لالتقاء الساكنين، انتهى.
وأقول: يرد على الوجه الأول أنه يبقي الشعر بلا رَوي، وهو فاسد، وأما قوله في الوجه الثاني " إلا أنه حذف لالتقاء الساكنين وهذه الألف هي المبدلة من التنوين للوقف " فهذا فاسد أيضاً، للزومه (٢) عدم الروي، وقد حقق الشارح المحقق فيما يأتي في الشاهد الثالث بعد المائة عن السيرافي أنه استدل على أن الألف لام الكلمة لمجيئها رَويا في النصب وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والتسعون (من الطويل) ٩٢ - * وَقَالَ اضرِبِ السَّاقَيْنِ إمُّكَ هَابِلُ * على أنه روي بكسر همزة " إمك " إتباعاً لكسرة نون الساقين والذي رواه ابن جني في أول المحتسب على غير (٣) هذا، قال عند قراءة
стр. 1208
من قرأ (الحمْدِ لله) بكسر الدال إتباعاً لكسرة اللام: ومثل هذا في إتباع الإعراب البناءَ ما حكاه صاحب الكتاب في قولهم بعضهم
* وَقَالَ اضْرِبِ السَّاقَيْنِ إمِّكَ هَابِلُ * كسر الميم لكسرة الهمزة، انتهى كلامه و " هابل " من هَبِلَتْهُ أمه: أي ثكلته وعدمته، وفعله كفرح يفرح، وهابل هنا على النسبة: أي ذات هَبَل، كحائض وطالق، و " اضرب " فعل أمر، و " الساقين " مفعوله، وجملة " إمك هابل " دعائية وهذا المصراع لم أقف على تتمته، ولا على قائله وأنشد الجاربردى، وهو الشاهد الثالث والتسعون (من الكامل) : ٩٣ - وَلَقَدْ لَحَنْتُ لَكُمْ لِكَيْمَا تَفْقَهُوا * وَاللَّحْنُ يَفْهَمُهُ ذَوُو الأَلْبَابِ على أن صاحب الكشاف قال: اللحن أن تَلْحَنَ بكلامك: أي تميله إلى نحو من الأنحاء، ليفطن له صاحبك، وَأنشد البيت، وأورده عند تفسير قوله تعالى (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول) وكذا أورده الجوهري، قال: " واللَّحَن بالتحريك: الفطنة، وقد لَحِن بالكسر، وفي الحديث " وَلَعَلَّ أحدكم أَلْحَنُ بحجته " أي أفطن لها من الآخر، أبو زيد: لَحَنْتُ بالفتح لَحْناً، إذا قلت له قولاً يفهمه عنك، ويخفى على غيره، ولَحِنه هو عني بالكسر يَلْحَنه لَحْناً: أي فهمه، وألحنته أنا إياه، ولاحنت الناس: فاطنتهم، قال الفزاري (من الخفيف) وَحَدِيثٍ ألَذهُ وَهْوَ مِمَّا * يَنْعَتُ النَّاعِتُونَ يُوزَنُ وَزْنَا مَنْطِقٌ رَائِعٌ وَتَلْحَنُ أحْيَا * نَاً وخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنَا يريد أنها تتكلم وهي تريد غيره، وَتُعَرِّض في حديثها فتزيله عن جهته من فطنتها وذكائها، كما قال تعالى (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لحن القول) أي: في فَحْوَاه
стр. 1209
ومعناه، وقال القَتَّال الكلابي (من الكامل) :
وَلَقَدْ وَحَيْتُ لَكُمْ لِكَيْمَا تَفْهَمُوا * وَلَحَنْتُ لَحْناً لَيسَ بِالْمُرْتَابِ وكأن اللحن في العربية راجع إلى هذا، لأنه من العدول عن الصواب " انتهى كلامه والوحي: الإشارة والكتابة والرسالة والكلام الخفي، ولم يعرف خضر الموصلي شارح أبيات التفسيرين تتمة البيت ومنشأه، ولم يزد على نفس كلام الجوهرى سوى ترجمة قائله وهو من قصيدة أوردها السكري في كتاب اللصوص قال: " كان عمرو ابن سلمة بن سكن بن قريط بن عبد بن أبي بكر بن كلاب قد أسلم ﵁، ووفد إلى النبي ﷺ ، فاستقطعه حمىً بين الشقراء والسعدية، وهما ماءان تسعة أميال في ستة أميال، فأقطعها إياه فأحماها إياه زماناً، ثم هلك عمرو بن سلمة وقام بعده حُجْر بن عمرو (١) فأحماها، ثم إن نفراً من بنى جعفر ابن كلاب فيهم أجدُر بن بشر بن عامر بن مالك بن جعفر استرعوه خيلهم، فأرعاهم، فأرسلوا نعمهم مع خيلهم بغير إذنه، فغضب حُجْر وأراد إخراجهم فقاتلوه بالعصي والحجارة، وظهر عليهم حُجْر، ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح على أن يدع كل قوم ما فيهم من الجراحات، فتواعدوا الصلح بالغداة وكان أخ لحُجْر يدعى سعيد بن عمرو متنحيا عن الحمى عند امرأة من بني بكر تداويه من سِلْعة (٢) كانت بحلقه، فبلغه الخبر وأقبل يريد أخاه حتى إذا كان في المنتصف
стр. 1210
ما بين رحلهم والحي غَدَر الجعفريون فاحتملوا عند المساء فمضوا وخلفوا ثلاثة فوارس: أحدهم قراد بن الأجدر بن بشر، فلقوا سعيد بن عمرو، فحمل قراد بن الأجدر عليه بالرمح فقتله، فبلغ الخبر حُجْراً وأوقد نار الحرب واجتمع إليه جمع من بني بكر، فخرج يطلب جعفراً حتى لحقهم، فقال بنو جعفر: ثأركم قراد ابن الأجدر، وقد هرب، وهذا أخوه جُنادة بن الأجدر، قال: إنا لحاملون عليكم أو تعطونا وفاء حتى نرى رأينا، فلما عرفوا منهم الجد اتقوهم بجُنادة وأمه ميسون بنت سهيل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب، فدفعوه إلى حجر، فسار بجُنادة قليلاً فضرب عنقه بأخيه، وكان القتَّال أرسل إلى بني جعفر أن لا تعطوهم رهينة فإنهم يقتلونه، فلم يطيعوه، فقال القتال في ذلك قصيدة، وهذه أبيات منها بعد ثمانية عشر بيتاً: وَلَقَد لَحَنْتُ لَكُمْ لِكَيْمَا تَفْهَمُوا * وَوَحَيْتُ وَحْياً لَيْسَ بِالْمُرْتَابِ وَلَقَدْ بَعَثْتُ إلَيْكُمُ بصَحِيْفَةٍ * عَرَبِيَّةٍ مِنِّي مَعَ ابْنِ عُقَابِ وَمَعَ ابْنِ قَارِبَةَ السَّفِيرِ كَأَنَّمَا * وَثِقُوا بِرَأْي عُتَيْبَةَ بْنِ شِهَابِ أمَّا ابْنُ مَيْسُونَ الْمُقَادُ فِإنَّهُ * رَدَّ الرِّجَالَ بِهِ عَلَى الأَعْقَابِ هَلَكَ الَّذِينَ تمالئوا في قَتْلِهِ * وَنَجَوْتُ مِنْهُ طَاهِرَ الأَثْوَابِ يُسْقَوْنَ مَاءَ الْمُهْلِ كُلَّ عَشِيَّةٍ * يُجْزَوْنَ مَا كَسَبُوا مَعَ الكُتَّابِ هَلاَّ قَتَلْتُمْ قَاتِلاً بِقَتِيْلِهِ * فَيَكُونَ عِنْدَ الله أوْفَقَ بَابِ بَعْدَ الَّذِي مَا حَلْتُمُ عَنْ نَفْسِهِ * وَقَتَلْتُمُوهُ غَيْرَ ذِي أسْبَابِ وَيَكُونُ أبْرَأَ لِلصُّدُورِ مِنَ الْجَوَى * وَأَقَلَّ تَخْزَاءً غداة عِتَابِ لَنْ تُفْلِحُوا أبَداً وَلَوْ أسْمَنْتُمْ * وَرَعَيْتُمُ القفرات في الاعشاب وهذا آخر القصيدة قال السكري: ابن عُقاب - بالضم -: رجل من بني جعفر بن كلاب، وعُقَابُ
стр. 1211
أمه سوداء نوبية، وابن قاربة: مولى لقريش كان وجَّه به، وعتيبة بن الحرث ابن شهاب اليربوعي كان فارس تميم كلها، وكان ذا رأي في الحرب وشجاعة ويُمْن نقيبة (١) ، وابن ميسون هو جُنادة بن أجدر، وتمالئوا: اتفقوا، والتخزاء - بالفتح - مصدر كالخزي بمعنى الفضيحة والقتال هو أحد بني بكر بن كلاب شاعر إسلامي في الدولة المروانية، وقد ترجمناه في الشاهد الخامس بعد السبعمائة من شرح شواهد شرح الكافية والبيتان اللذان أوردهما الجوهري هما لمالك ابن أسماء بن خارجة بن حصين ابن حذيفة بن بدر الفزاري، كان الحجاج تزوج أخته هنداً وولاه أصفهان، ولهما خبر أورده الأصبهاني في الأغاني قال " أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى المنجم قال: حدثني أبي قال: قلت للجاحظ: إني قرأت في فصل من كتابك البيان والتبيين أن مما يستحسن من النساء اللحن في الكلام فاستشهدت ببيتي مالك بن أسماء، قال: هو كذلك، فقلت: أما سمعت بخبر هند بنت أسماء بن خارجة مع الحجاج حين لحنت كلامها، فعاب ذلك عليها، فاحتجت ببيتي أخيها، فقال لها: إن أخاك أراد أن المرأة فطنة، فهي تلحن بالكلام غير الظاهر المعنى تستر معناه وتُوَرِّي عنه وتفهمه من أراد تعريفه بالتعريض، كما قال تعالى (ولتعرفنهم في لحن القول) ولم يرد الخطأ من الكلام، والخطأ لا يستحسن من أحد، فوجم الجاحظ ساعة ثم قال: لو وقع لي هذا الخبر لما قلت ما تقدم، فقلت له: فاصلحه، فقال: الآن وقد صار الكتاب في الآفاق؟ " انتهى.
وقال العسكري في كتاب التصحيف: " أخبرني محمد بن يحيى قال: حدثنى يحيى بن المنجم قال: حدثني أبي قال: قلت للجاحظ: مثلك في علمك
стр. 1212
ومقدارك من الأدب تقول: يستظرف من الجارية أن تكون غير فصيحة وأن يعتري منطقها اللحن، وتقول: قال مالك بن أسماء في بعض نسائه وكانت لا تصيب وربما لحنت * وخير الكلام ما كان لحنا *؟ وتفسره على أنه أراد اللحن في الإعراب، وإنما وصفها بالظرف والفطنة وأنها تورى في لفظها عن أشياء قال: قد فطنت لذلك بعد، قلت: فغيره، قال: كيف لي بما سارت به الركبان " انتهى.
ونقل هذا الخبر عن العسكري السيد المرتضى في أول أماليه المسماة بغرر الفرائد ودرر القلائد وقال: " وقد تبع الجاحظ على هذا الغلط ابنُ قتيبة في كتابه المعروف بعيون الأخبار، وأورد أبيات الفزاري، واعتذر بها من لحن إن أصيب في كتابه " وكذا نقل السهيلي تَغليطَ الجاحظ وابن قتيبة في غزوة الخندق من كتابه الروض الأنف وأنشد بعده، وهو الشاهد الرابع والتسعون: (من الطويل) ٩٤ - إذَا جَاوَزَ الإِثْنَيْنِ سِرٌّ فَإِنَّهُ * بِنَثٍّ وَتَكْثِيرِ الْوُشَاةِ قَمينُ على أن قطع همزة الإثنين شاذ في ضرورة الشعر، قال ابن عصفور في كتاب الضرائر: ومنها قطع همزة الوصل في الدرج إجراء لها مجراها حال الابتداء بها، وأكثر ما يكون ذلك في أول النصف الثاني من البيت، لتعذر الوقف على الأنصاف التي هي الصدور، نحو قول حسان ﵁ (من البسيط) : لَتَسْمَعُنَّ وَشِيكاً فِي دِيَارِكُمُ * الله أكْبَرُ يَا ثَارَاتِ عُثْمَانَا وقال الآخر (من السريع) لاَ نَسَبَ الْيَوْمَ وَلاَ خلة * إتسع الحرق عَلَى الرَّاقِعِ
وقد يقطع في حشو البيت، وذلك قليل، ومنه قول قيس بن الخطيم: إذَا جَاوَزَ الإثْنَيْنِ سِرٌّ فَإنَّهُ ... البيت
стр. 1213
وقول جميل: (من الطويل) ألاَ لاَ أرَى إثْنَيْنِ أحْسَنَ شِيْمَةً * عَلَى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مِنِّي وَمِنْ جُمْلِ وأنشد قدامه: (من الرجز) يَا نَفْسُ صَبْراً كُلُّ حَيٍ لاَقٍ * وَكُلُّ إثْنَيْنِ إلى افْتِرَاقِ انتهى.
وقد أنشد أبو زيد (١) بيت جميل في نوادره، وكتب عليه أبو الحسن الأخفش: " أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد أنه لا اختلاف بين أصحابه أن الرواية * ألا لا أرى خِلَّين * وهذه هي الرواية والأولى (٢) ليست بثَبَتٍ، وإنما رواها أبو زيد والاخفش (٣) على الشذوذ فليسا يعتدان بها، وكذلك أخبرنا في البيت الذي يعزى إلى قيس بن الحطيم وهو: إذَا ضيَّعَ الإثْنَانِ سِرّاً فَإنَّهُ * بِنَثٍ وَتَكْثَيرِ الْوُشَاةِ قَمِينُ قال: الرواية * إذا جاوز الخلين سر * قال: وهذه أشياء ربما يخطر ببال النحوي أنها تجوز على بعد في القياس، فربما غير الرواية " انتهى.
وهذا غير جيد، فإنه يقتضي عدم الوثوق برواية الثقات، وهم مأمونون فيما ينقلونه وقال ابن المستوفي: " وقال سيبويه في بيت قيس بن الحطيم: إنما هو * إذا جاوز الخلين سر * ولكنه صنع، والذي في شعره الإثنين، وهو أعم من الخلين وأتم في الدعوى " انتهى.
ولا يخفى أن سيبويه لم يورد هذا البيت في كتابه البتة، وليس من دأبه
стр. 1214
الطعن في الرواية كالمبرد، وقدسها قلمه، فنسب إلى سيبويه كلام المبرد ومثله (١) قول الصّلتان العبدي: (من المتقارب) وسرك مَا كَانَ عِنْدَ امْرِئٍ * وَسِرُّ الثَّلاَثَةِ غَيْرُ الْخَفِيّ ومثله قول الآخر: (من الطويل) فَلاَ تَجْعَلَنْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ثَالِثاً * وَكُلُّ حَدِيثٍ جَاوَزَ اثنين شائع أقول: قد بالغ في كتم السر، فقال: المراد من الاثنين الشفتان لا شخصان، وقوله " فإنه بنث " - بفتح النون وتشديد المثلثة - مصدر مؤنث الحديث ينثه نثا إذا أفشاه وروى " ببث " - بموحدتين - وعليها اقتصر الجاربردي فقال: يقال بث الخبر: أي نشره، وروي أيضاً " فإنه بنشر " وضمير فإنه للسر، والباء متعلقة بقمين بمعنى جدير وخليق وحَرِيّ ولائق، وكلها ألفاظ مترادفة وقوله " وتكثير " بالجر معطوف على نث، وهو مصدر مضاف إلى المفعول: أي السر المجاوز اثنين يكثر الأعداء والوشاة، وهو جمع واش، وهو النمام الذي يزوق الكلام ويحسنه عند نقله على جهة الإفساد، وقال بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل: هو مصدر مضاف إلى الفاعل، ومفعوله محذوف: أي وتكثيرِ الوشاة ذلك السر والبيت من أبيات لقيس بن الخطيم رواها له القالي في أماليه، وهي: أجود بمضمون التِّلاَدِ وَإنَّنِي * بِسِرِّكِ عَمَّنْ سَالَنِي لَضَنِينُ (٢) إذَا جَاوَزَ الإثْنَيْنِ سِرٌ فإنه * بنث وتكثير الوشاة قمين
стр. 1215
وَإنْ ضَيَّعَ الإخْوَانُ سِرّاً فَإنَّنِي * كَتُومٌ لأَسْرَارِ الْعَشِيرِ أمِينُ يَكُونُ لَهُ عِنْدِي إذَا مَا ضَمِنْتُهُ * مَكَانٌ بِسَوْدَاء الْفُؤَادِ كَنِينُ ويروى: ... إذَا مَا ائْتُمِنْتُهُ * مَقَرٌّ بِسَوْدَاء الْفُؤَادِ كَنِينُ سَلِي مَنْ جَلِيسِي في النَّدِيِّ وَمَأْلَفِي * وَمن هو لِي عِنْدَ الصَّفَاءِ خَدِينُ وَأيَّ أخِي حَرْبٍ إذَا هِيَ شَمَّرَتْ * وَمِدْرَهِ خَصْمٍ يَا نَوَارُ أكُونُ وَهَلْ يَحْذَرُ الْجَارُ الْغَرِيبُ فجِيْعَتِي * وَخَوْني، وبعض المقرفين خئون وَمَا لَمَعَتْ عَيْنِي لِغِرَّةِ جَارَتِي * وَلاَ وَدَّعَتْ بِالذَّمِّ حِينَ تَبِينِ (أبَا الذَّمَّ آبَاءٌ نَمَتْنِي جُدُودُهُمْ * وَفِعْلِي بِفِعْلِ الصَّالِحِينَ مُعينُ فَهَذَا كما قد تَعْلَمِينَ وإنَّنِي * لَجَلْدٌ عَلَى رَيْبِ الخُطُوبِ مَتِينُ) (١) وإنِّي لأَعْتَامُ الرِّجَالِ بخُلَّتِي * إلَى (٢) الرَّأْيِ فِي الأَحْدَاثِ حِينَ تَحِينُ فَأُبْرِي لَهُمْ صَبْرِي وأُصْفِي مَوَدَّتِي * وَسِرُّكِ عِنْدِي بَعْدَ ذَاكِ مَصُونُ أُمِرُّ عَلَى الْبَاغِي وَيَغْلُظُ جَانِبي * وَذُو الْوُدِّ أحلو لى لَهُ وَأَلِينُ هذا ما أورده القالي، وهذا المقدار هو الموجود في ديوانه، والتلاد: كل مال قديم، والمضنون: اسم مفعول من ضن بالشئ يضن من باب تعِب ضنا وضِنّة - بالكسر - إذا بخل به فهو ضنين، وأراد بالتلاد المضنون به، وقوله " سالني "
بالألف وأصلها الهمزة، والعشير: المعاشر، وكنين: مكنون، أي مستور محفوظ،
стр. 1216
والندي: المجلس، والخدين: الصديق، والمدره - بكسر الميم وآخره هاء - من دَرَه عن القوم يدرَه - بالفتح - إذا تكلم عنهم ودفع فهو مدره، ونَوَار: اسم امرأة، والفجيعة: المكروه، والخون: الخيانة، والمقرفُ - بضم الميم وكسر الراء -: من أبوه غير أصيل، ولمعت: نظرت، والغرة - بالكسر -: الغفلة، ونمتني: رفعتني، و " جدودهم " فاعله، وأعتام: أقصد، وهو من العيمة، وأصله شدة شهوة اللبن، والخُلَّة: - بالضم - الصداقة، و " إلى " بمعنى مع، وأبْري: مضارع أبرأ إبراء بمعنى شفاه، وقلب الهمزة ياء لانكسار ما قبلها، و " أصْفِي مَوَدَّتِي " أجعلها صافية، وأمِرُّ من أمَرَّ الشئ: أي صار مرا، وأحلو لى: أصير حلواً وقيس بن الخطيم: شاعر جاهلي تقدمت ترجمته في الشاهد الخامس بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية وأنشد بعده وهو الشاهد الخامس والتسعون، وهو من شواهد سيبويه (من الكامل) : وَلاَ تُبَادِرُ فِي الشِّتَاءِ وَلِيدَنَا * ألقِدْرَ تُنْزِلُهَا بِغَيْرِ جِعَالِ على أن قطع ألف " ألقدر " لضرورة الشعر قال سيبويه: وتذهب ألف الوصل إذا كان قبلها كلام، إلا أن تقطع كلامك، وتستأنف به، كما قالت الشعراء في الأنصاف، لأنها مواضع فصول،
فإنما ابتدأوا بعد قطع، قال الشاعر: * وَلاَ تُبَادِر فِي الشِّتَاءِ * البيت * وقبل البيت: يَا كَنَّةً مَا، كُنْتِ غَيْرَ لَئِيمَةٍ * للضَّيْفِ مِثْلَ الرَّوْضَةِ الْمِحْلاَلِ مَا إنْ تُبَيِّتُنَا بِصَوْت صلب * فيبيت منه القوم في بلبال وَلا تُبَادِرِ فِي الشِّتَاءِ وَلِيدَنَا البيت
стр. 1217
والكنة - بفتح الكاف وتشديد النون - امرأة الابن، وما: زائدة أو إبهامية، قال الزمخشري في تفسير (مَثَلاً مَا بَعُوضَةً) : ما إبهامية، وهي التي إذا اقترنت بنكرة زاد إبهامها وشياعها، كقولك: أعْطِني كتاباً مَا، تريد أي كتاب كان، أو صلة للتأكيد، كالتي في قوله تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِم) انتهى.
والإبهامية تؤكد ما أفاده تنكير الاسم قبلها: إما فخامة: أيْ كنة أيَّ كنة، أو حقارة نحو أعطه شيئاً ما، أو نوعية نحو اضربه مَّا، ويجوز أن تكون استفهامية خبراً لكُنْت: أي أي شئ كُنْتِ، ويكون " غَيْرَ لئيمة " صفة لكنَّة، والروضة المحلال: التي تحمل المارَّ بها على الحلول حولها للنظر إلى حسنها وبهجتها، والصوت الصُّلَّب: الشديد، بضم الصاد وتشديد اللام، والْبَلْبَال: الغم والحزن، وتبادر: من " بَادَرَه " أي سبقه، وفاعله ضمير الكنة، و " وليدنا " مفعوله، والمراد بالشتاء زمن القحط، فإن الشتاء زمن الشدة عند العرب لعدم نبات الأرض، والوليد: الصبي الصغير، والخادم أيضاً، والجِعَال - بكسر الجيم - الخرقة ينزل بها القدر، يريد أنها لا شَرَهَ لها للطعام، وهذا أمر ممدوح، ويجوز في القدر رفعها ونصبها ونسب ابن عصفور البيت إلى لبيد العامري الصحابي رضي الله تعالى عنه
وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس والتسعون (من الوافر) : ٩٦ - أَأَلْخَيْرُ الَّذِي أنَا أبْتَغِيهِ * أمِ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ يَبْتَغِينِي على أن همزة الوصل في الخير بين، وقبله: وَمَا أدْرِي إذَا يَمَّمْتُ وَجْهاً * أريدُ الْخَيْرَ أيُّهُمَا يَلِينِي قال الفراء عند تفسير قوله تعالى (أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ من ربه) قال: أيُّهما (١) وأما ذكر الخير وحده فلأنَّ المعنى يُعَرَّف أن المبتغي للخير مُتَّقٍ للشر، انتهى
стр. 1218
وشوائع (١) والملهاة وأصلها الْمَاهَةُ (٢) ، وَأَمْهَيْتُ الحديد (٣) في أَمَهْتُهُ، ونحو جَاءٍ عند الخليل، وقد يُقدَّمُ متلوُّ الآخر على العين نحو طَأمَنَ وأصله طَمْأنَ (٤) لأنه من الطُّمَأْنِينَة، ومنه اطْمَأَنَّ يطمئنُّ اطمئناناً، وقد تُقَدَّمُ العين على الفاء كما في أَيِسَ وَجَاهٍ وأيْنُقٍ والآراء والآبار والآدُرِ (٥) ، وتقدم اللا على الفاء كما في أشياء على الأصح، وقد تؤخر الفاء عن اللام كما في الحادي وأصله الواحد
стр. 1219
قال ابن رشيق في العمدة: ومن مليح ما رويته في الموازنة والتعديل قول ذي الرمة: أستحدث الركب من أشياعهم خبرا * أم راجع القلب من أطرابه طرب (لأن قوله " أستحدث الركب ") (١) موازن لقوله " أم راجع القلب " وقوله " عن أشياعهم خبرا " موازن لقوله، " من أطرابه طرب " وذو الرمة: شاعر في الدولة الأموية، عصريُّ الفرزدق وجرير وتقدمت ترجمته في الشاهد الثامن من أول شرح شواهد الكافية وأنشد بعده (من الرجز) * فَبَاتَ مُنْتَصْباً وما تكردسا * وتقدم شرحه في الشاهد التاسع من هذا الكتاب وأنشد هنا الجاربردي، وهو الشاهد الثامن والتسعون (من البسيط) ٩٨ - وَقُمْتُ لِلزَّورِ مُرْتَاعاً وَأَرَّقَنِي * فَقُلْتُ أهْيَ سَرَتْ أمْ عَادَنِي حُلُمُ على أن سكون الهاء من " أهْيَ " عارض، ولهذا لم يؤت بألف الوصل،
والإسكان مع همزة الاستفهام قليل، وقيل: ضعيف.
والبيت من قصيدة لِلْمَرَّار العدوي، وقبله: زَارَتْ رُوَيْقَةُ شُعْثاً بَعْدَ مَا هَجَعُوا * لَدَى نَوَاحِلَ فِي أرْسَاغِها الْخَدَمُ يقول: زار خيالُ رويقة قوماً شُعْثاً غُبْراً بعد ما ناموا عند إبل ضوامر شدت في أرساغها سيور القد لشدة سيرها وتأثير الكَلال فيها.
والزَّوْر: مصدر من الزائر المراد به طيفها، يريد أني قمت لاجل الطيف
стр. 1220
منتبهاً مذعوراً للقائه، وأرقني لما لم يَحْصَل اجتماع محقق، ثم ارتبت لعدم الاجتماع: هل كان على التحقيق أو كان ذلك في المنام؟ ويجوز أن يريد فقمت للطيف وأنا في النوم إجلالاً في حال كوني مذعوراً لاستعظامها، وأرقني ذلك لما انتبهت فلم أجد شيئاً محققاً، ثم من فرط صبابته شك أهي في التحقيق سرت أم كان ذلك حلماً، على عادتهم في مبالغاتهم.
وقد تكلمنا عليه وعلى غالب القصيدة وترجمة قائلها في شرح الشاهد التاسع والسبعين بعد الثلثمائة من شرح شواهد شرح الكافية.
الوقف أنشد فيه، وهو الشاهد التاسع والتسعون (من المتقارب) ٩٩ - * وَآخُذُ مِنْ كُل حَيّ عُصُمْ * على أن أصله عُصُماً، ووقف عليه في لغة ربيعة بالسكون، فإنهم يجيزون تسكين المنصوب المنون في الوقف.
وهذا المصراع من قصيدة للأعشى ميمون مدح بها قيس بن معدي كرب،
وقبله: - وَيَهْمَاءَ تَعْزِفُ جِنَّانُها * مَنَاهِلُهَا آجِنَاتٌ سُدُمْ قَطَعْتُ بِرَسَّامَةٍ جَسْرَةٍ * عذافرة كالفنيق القطم إلَى الْمَرْءِ قَيْسٍ أُطِيلُ السُّرَى * وَآخُذُ مِنْ كُلِّ حَيٍ عُصُمْ قوله " ويهماء " الواو واو رب -، واليهماء - بفتح المثناة التحتية -: الفلاة التي لا يُهْتَدى فيها، وتعزف - بالعين المهملة والزاي المعجمة - أي: تصوتُ، والجنان - بكسر الجيم - جمع جانّ، والمنهل: المورد، والآجن: الماء التغير المطعم واللون، والسدُم - بضم السين والدال المهملتين - وهي البئر المدفونة، وقوله " قطعت " جواب رب المقدرة، وهو العامل في محل يهماء النصب، والرسَّامة:
стр. 1221
الناقة التي تؤثر في الأرض من شدة الوطء، والجَسْرَة - بفتح الجيم - الناقة القوية، ومثلها الْعُذافرة، والفنيق - بفتح الفاء وكسر النون - الفحل العظيم الخلق، والقطم - بفتح القاف وكسر الطاء - وصف من قطم الفحل بالكسر: أي هاج للضِّراب، وهو في هذه الحالة أقوى ما يكون، وقوله " إلى المرء " أراد المرء المستغرق لخصائص أفراد الرجال، وقيس: بدل منه أو عطف بيان، والسري: السير، وهذه طريقة المتقدمين في التخلص إلى المديح، وهو أنهم يصفون الْفَيَافِي وقطعها بسير الإبل وذكر ما يقاسون من الشدائد في الوصول إلى الممدوح ليوجبوا عليه ذمَّة ويُجْزِل لهم الصلة والإكرام، و " آخذ " معطوف على أطيل، والحي: القبيلة، والْعُصُم: مفعول آخذ، قال ابن جني: هو بضمتين جمع عِصَام، وعصام القربة، وكاؤها وعروتها أيضاً، يعني عَهْداً يبلغ به وقال ابن هشام صاحب السيرة النبوية: هو بكسر ففتح جمع عِصْمة، وهي الحبل والسبب، وإنما كان يأخذ من كل قبيلة إلى أخرى عهداً لأن له في كل قبيلة
أعداء ممن هجاهم أو ممن يكره ممدوحه فيخشى القتل أو غيره فيأخذ عهداً ليصل بالسلامة إلى ممدوحه.
وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا في شرح الشاهد الرابع والعشرين بعد الثلاثمائة من شرح شواهد شرح الكافية.
وأنشد هنا قول الشاطبي ﵀، وبه تُوفَّى المائة.
١٠٠ - وَفِي هَاءِ تَأْنِيثٍ وَميم الجميع قل * وَعَارِض شكل لم يكونا ليدخلا وفي الهاء للإضمار قوم أبوهما * ومن قبله ضم أو الكسر مثلا أو اماهما واو وياء، وبعضهم * يُرَى لَهُمَا فِي كُلِّ حَالٍ مُحَلِّلاَ على أن ابن الحاجب ظن أن الشاطبي أراد بقوله " وبعضهم يرى لهما في كل حال
стр. 1222
محللاً " كلَّ حال من أحوال هاء التأنيث وميم الجمع وعارض الشكل وهاء المذكر، كما وهم بعض شراح كلامه أيضاً، فأجاز ابن الحاجب بناءً على هذا الوهم الرَّوْمَ والإشمام في الاربعة، وإنما معنى قول " الشَاطبي في كل حال " من أحوال هاء الضمير فقط.
أقول: شرح الجعبرى كما ذكره الشارح، ثم نقل أن بعضهم جعله عاما في هذه الثلاثة وغيرها، قال: وتوهم بعضهم في كل حال من أحوال الحرف الموقوف عليه، ومنها النصب، وهذا صرف للكلام إلى غير ما فرض، وغلط في النقل، انتهى وكذا شرح أبو شامة، على ما ذكره الشارح المحقق، وكذا شرح السمين، لكنه عمم في آخر كلامه، وهذه عبارته: قوله " وبعضهم يرى لهما في كل حال محللا " إشارة إلى أن بعض أهل الاراء حلل الروم والاشمام: أي جوزهما: في هاء الاضمار في كل حال، حتى في الحال التى منع فيها، وهى ما إذا كانت الهاء مضمومة بعد ضمة أو واو مكسورة بعد كسرة أو ياء، فيروم ويشم ونحو (يعلمه) و (بمزحزحه) و (عقلوه)
و (لابيه) ، وممن ذهب إلى جواز الروم والاشمام مطلقا أبو جعفر النحاس، وليس هو مذهب القراء.
وقد تحصل مما تقدم أن الامر دائر في الروم والاشمام بين ثلاثة أشياء: استثناء هَاء التَّأْنِيثِ ومِيمِ الْجَمْعِ وَالْحَرَكَةِ العارضة، وهذا أشهر المذاهب، الثاني استثناء هذه الثلاثة مع هاء الكناية بالشرط المتقدم عند بعض أهل الاراء، الثالث عدم استثناء شئ من ذلك، وهو الذى عبر عنه بقوله " وبعضهم يرى لهما في كل حال محللا " انتهى كلامه.
فقوله " وهذا أشهر المذاهب " يؤكد (١) ما حكاه ابن الحاجب من جوازهما في الثلاثة أيضا، وقول الشارح المحقق " لم أر أحداً من القراء ولا من النحاة ذكر أنهما يجوزان في أحد الثلاثة " وهم، فإن بعض القراء صرح بجوازهما في ميم
стр. 1223
الجمع، قال أبو شامة والسمين: وما ذكره الناظم من منع الروم والاشمام في ميم الجمع هو المشهور، وهو اختيار أبى عمرو الدانى وغيره، وخالف في ذلك مكى فجوزهما فيها، قال (مكى) : ميم الجمع أغفل القراء الكلام عليها، والذى يجب فيها على قياس شرطهم أن يجوز فيها الروم والاشمام، لانهم يقولون: لا فرق بين حركة الاعراب وحركة البناء في جواز الروم والاشمام، فالذي يشم ويروم حركة النص غير مفارق له، والذى لا يروم حركة الميم خارج عن النص بغير رواية، اللهم إلا أن يوجد الاستثناء فيها منصوصا، فيجب الرجوع إليه إذا صح، وليس ذلك بموجود، ومما يقوى جواز ذلك فيها نصهم على هاء الكناية بالروم والاشمام، فهى مثل الهاء لانها توصل بحرف بعدها حركة، كما توصل الهاء، وتحذف ذلك الحرف في الوقف كما تحذف مع الهاء، فهى مثلها في هذا، غير أن
الهاء أخفى منها، فلذلك امتنعت الهاء من الروم والاشمام إذا كانت حركتها مثل حركة ما قبلها أو كان قبلها ساكن من جنس حركتها، وهذا لا يكون في الميم، لانها ليست بالخفية، ولو كانت في هذا مثل الهاء لم يجز الإشمام في يقوم ويحكم، وليس في جوازه اختلاف، وليس قول من يمنع ذلك لأن الميم من الشفتين بشئ، لاجماع الجميع على الروم والإشمام في الميم التي في أواخر الأفعال والأسماء التي ليست للجمع، ولو تم له منع الإشمام فيها لم يتم له منع الروم، إلى آخر ما فصله.
قال السمين: فمكي جوز ذلك فيها لثلاثة أوجه: أحدها الدخول في عموم نص القراء على جوازهما في المتحرك، ولم يستثنوا من ذلك ميم الجمع، فالمتمسك بذلك فيها غير خارج عن النص ولا مفارق له، الثاني القياس على هاء الإضمار، بل جعل الميم أولى بذلك لعدم خفائها، الثالث إفساد علة من عَلَّلَ منعهما فيها بأنها من حروف الشفتين، وقد أغلظ الداني في الرد على مكي، وفرق بين ميم
стр. 1224
الجمع وهاء الكناية، ورُدَّ على الداني في ذلك كما فصله السمين وقول الشاطبي: " وفي هاء تأنيث " قال أبو شامة: هذا مشروع فيما يمتنع فيه الروم والإشمام على رأي القراء، والألف في " يكونا " و " ليدخلا " يرجع إلى الروم والإشمام، أي: لم يقعا في هذه المواضع الثلاثة حيث كانت، انتهى، ومفهومه أنهما يجوزان في الثلاثة عند غير القراء وقوله " وعارض شكل " قال السمين: أي عارض الحركة، وذلك على قسمين: الأول ما عرض تحريكه لالتقاء الساكنين، نحو: (ومن يُشَاقّ الله) (وإن امرؤ) و (قالت اخرج) و (قل الله) والثاني ما عرض تحريكه بالنقل، نحو: (من استبرق) و (من أجل ذلك) و (قد أفلح) وكلا القسمين ممتنع
فيه الروم والإشمام، ثم قال: واعلم أنهما يمتنعان في حركة التقاء الساكنين، إذا كان الساكنان من كلمتين، نحو (ومن يشاق الله) و (عَصَوُا الرسول) أو من كلمة واحدة وأحدهما التنوين، نحو يومئذٍ وحينئذٍ، أما إذا كان الساكنان في كلمة واحدة وليس أحدهما تنويناً فإن الرَّوْم والإشمام جائزان في تلك الحركة وإن كانت حركة التقاء الساكنين، لوجود علة الحركة وصلاً ووقفاً، وذلك نحو (وَمَنْ يُشَاقّ الله) فالروم فيه غير ممتنع، لأن الساكن الذي وجدت الحركة من أجله موجود في الوصل والوقف، بخلاف ما مر، فإن الساكن الذي وجدت الحركة من أجله معدوم في الوقف حيث كان بعضه من كلمة أخرى، وفي بعضه تنويناً، وبهذا يعلم أن إطلاق من أطلق منع دخول الروم والإشمام في حركة التقاء الساكنين ليس بجيد، انتهى وهذا أيضاً يرد على الشارح في قوله " لم أرد أحداً من القراء أجازهما في أحد الثلاثة المذكورة " وقول الشاطبي " وفي الهاء للإضمار " إلى آخر البيتين، قال السمين: أخبر
стр. 1225
عن قوم من أهل القرآن أنهم أبو أي امتنعوا من الرَّوْمِ والإشمام في هاء الضمير بشرط أن يكون قبلها ضمة أو كسرة أو واو أو ياء ساكنة، وذلك نحو (يعلمه) و (بمزحزه) و (عقلوه) و (لأبيه) فكل هذه الأمثلة الأربعة وما أشبهها لايدخل فيها روم ولا إشمام.
وقوله " وفي الهاء " الظاهر أنه متعلق بمقدر: أي أعني في الهاء، ولا يجوز تعلقه بقوله " أبوهما " لأن القاعدة تمنع من تقديم المعمول حيث لا يتقدم العامل عندهم، و " أبوهما " لا يجوز تقديمه على " قوم " لأنه صفة له أو خبر، وعلى كلا التقديرين تقديمه ممتنع، لأن الصفة لا تتقدم على موصوفها والخبر الفعلي لا يتقدم على مبتدئه (١)
وقوله " للإضمار " حال من الهاء أي كائنة للإضمار، وقوله " قوم " مبتدأ، وفي خبره قولان: أحدهما أنه محذوف تقديره ومن القراء قوم، " وأبوهما " على هذا في موضع النعت للمبتدأ، والثاني أنه قوله " أبوهما " وحينئذٍ يقال: ما المسوغ للابتداء بقوم، وهو نكرة؟ والجواب أن المسوغ له العطف، وهو معدود من المسوغات، والإباء: الامتناع، وقوله " ومن قبله ضم " مبتدأ مؤخر قدم خبره عليه، والهاء في " قبله " فيها وجهان ذكرهما أبو شامة: أحدهما أنه تعود على الإضمار، وهذا وإن كان مساعداً له من حيث اللفظ إلا أنه غير ظاهر من حيث المعنى إذ الإضمار معنى من المعاني، فلا يتحقق أن يكون قبله ضم، والثاني أنها تعود على الهاء، وهذا واضح: أي ومن قبل الهاء ضم، قال أبو شامة: ولو قال قبلها لجاز على هذا، وكان أحسن
стр. 1226
لأنه أوضح، والوزن مُواتٍ له، والجملة من قوله " ومن قبله " ضم في موضع الحال من الهاء: أي أبوهما في الهاء للإضمار والحال أن قبلها ضماً أو كسراً، وقوله " أو الكسر " عطف على " ضم " عطف معرفة على نكرة، وأو للتنويع، وقوله " مُثِّلاَ " جملة فعلية في موضع الحال أو في موضع رفع، فإن كانت حالاً ففي صاحبها ثلاثة أوجه: أحدها أنه الكسر، والثاني أنه الضم، فإن قيل: كيف ساغ مجيئها من نكرة؟ فجوابه أن سيبويه، يرى ذلك، أو تقول: العطف يسوغه كما سوغ الابتداء، وقد ذكروا أن كل ما سوغ الابتداء بنكرة سوغ مجئ الحال منها، والثالث أنه الضمير
المستتر في الخبر، وهو قوله " ومن قبله "، وهو في الحقيقة راجع لأحد القولين المتقدمين، فإن الضمير المستتر عائد على الضم أو الكسر، وحيث جعلناه حالاً من أحدهما فالحال في الآخر مرادة، وإنما استغنى عنها لدلالة المعنى، ولأن العطف بأو، وهو يقتضي الإفراد، وإن كانت في موضع رفع فهى صفة لقولهم ضم، وحينئذٍ يكون الحال من قوله " أو الكسر " لدلالة صفة الأول عليها، فإنه لا فرق بين الصفة والحال معنى، والألف في " مثلا " الظاهر أنها للإطلاق، لأن العطف بأو، وجوز أبو شامة أن تكون للتثنية، فتعود على قوله ضم أو الكسر، ومعنى مُثِّلَ شُخِّص من مَثُل بين يديه: أي شخَص، ومنه قول العلماء: مثل له المسألة: أي شخصها له، وقوله " أو أماهما " أو عاطفة على ضم أو كسر، فالضمير في " أماها " للضم والكسر، ويعني بأمَّيْهما الواو والياء، ولذلك بينهما بقوله " واو وياء " أي: أم الضم الواو وأم الكسر الياء، فهو من باب اللف والنشر، لأن كل واحد يليق بصاحبه للتجانس المعروف، ونقل حركة همزة " أما هما " إلى واو " أو " فضمها، وأسقط همزة " أما هما " على قاعدة النقل، وأم الشئ: أصله، وقوله " واو وياء " بدل من أما هما، وقوله " أو أماهما " بناء منه على المذهب الصحيح، وهو أن الحرف أصل الحركة، وَالحركة مُتَوَلِّدَة منه، وقيل بالعكس
стр. 1227
وقد سبق الناظم إلى هذه العبارة الحصري في قصيدته المشهورة حيث يقول (من الطويل) : وَأشْمِمْ وَرُمْ مَا لَمْ تَقِفْ بَعْدَ ضَمَّةٍ * وَلاَ كَسْرَةٍ أوْ بَعْدَ أُمِّيْهِما فَادْرِ وقوله " وبعضهم " مبتدأ، والضمير للقراء، للعلم بهم، و " يُرَى " مبني للمفعول، ومرفوعة ضمير بعضهم، و " لهما "، و " في كال حال " متعلقاً منه بمحللاً، ومحللاً: مفعول ثان للرؤية، والمحلل: اسم فاعل من حلل الشئ تحليلاً: أي
جعله حلالاً، ضد حرَّمه، إذا منعه: أي أن بعضهم أباح ذلك في كل حال والشاطبي: هو القاسم (١) بن فيرة بن خلف بن أحمد الرُّعَيْني الشاطبي نسبة إلى شاطبة قرية بجزيرة الأندلس كان إماماً في القرآن والحديث والنحو واللغة في شدة ذكاء، وكراماته تلوح منه، ولد آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، فيكون عمره أقل من اثنين وخمسين سنة (٢) ، وهذه القصيدة في القراءات السبع سماها حرز الأماني ووجه التهاني، ولها شروح تفوت الحصر، وأجلها هذه الشروح الثلاثة، وشرح، الإمام علم الدين السخاوي تلميذ المصنف، وهو أول من شرحها، وشرح أبي عبد الله الفاسي، رحمهم الله تعالى ونفعنا بعلومهم وأنشد بعده، وهو الشاهد الواحد بعد المائة (من الرجز) ١٠١ - * بل جوز تيهاء كظهر الحجفت *
стр. 1228
على أنه يجوز الرَّوم والإشمام عند من يقف بالتاء، فيجوز في " الحجفت " الروم دون الإشمام قال السمين في شرح الشاطبية: وفي قول الناظم رحمه الله تعالى " وفي هاء تأنيث " شبهة على أنه لو لم تبدل التاء هاء في الوقف، وذلك كما رسمت بعض التاءات بالتاء دون الهاء، نحو (جَنَّتُ نَعيم) و (رحمْتُ رَبِّك) و (بقِيَّتُ الله فإن الروم والإشمام بعد خلاف تلك التاء لانتفاء العلتين المانعتين من روم الهاء
وإشمامها، أعني كون الحركة فيها نفسها وكونها غير مشبهة ألف التأنيث، وقد نص مكي على ذلك، فقال: لم يختلف القراء في هاء التأنيث أنهم يقفون عليها بالاسكان، ولا يجوز الروم والإشمام فيها، لأن الوقف على حرف لم يكن عليه إعراب إنما هو بدل من الحرف الذي كان عليه الإعراب، إلا أن تقف على شئ منها بالتاء إتباعاً لخط المصحف، فإنك تروم وتشم إذا شئت، لأنك تقف على الحرف الذي كانت الحركة لازمة له فيحسن الروم والإشمام، انتهى وقال ابن جني في سر الصناعة: من العرب من يُجْري الوقف مجرى الوصل فيقول في الوقف: هذا طلحت، وعليه السلام والرحمت، وأنشدنا أبو علي: * بَلْ جَوْزِتَيْهَاءَ كَظَهْرِ الْحَجَفَتْ * انتهى وقال الصاغاني في العباب: ومن العرب من إذا سكت على الهاء جعلها تاء، وهو طيئ، فقال: هذا طلحت، وخبز الذُّرَتْ وقال ابن المستوفي أيضاً: وجدت في كتاب أنها لغة طيئ وقوله " بل جوزتَيْهاء " قال الصاغاني في " بل ": ربما وضعوا بل موضع رب، قال سؤر الذئب * بَلْ جَوْزَتَيْهَاءَ كَظَهْرِ الْحَجَفَتْ *
стр. 1229
أي: رب جوزتَيْهَاء، كما يوضع الحرف موضع غيره، والجوز - بفتح الجيم وآخره زاي معجمة - الوسط، وجوز كل شئ: وسطه، والجمع أجواز، والتيهاء - بفتح المثناة الفوقية - المفازة التي يتيه فيها سالكها: أي يتحير، والحجفة - بفتح الحاء المهملة والجيم والفاء - الترس، قال عبد القاهر: يقولون تيهاء كظهر المجنّ، يريدون الملاسة، وقال ابن المستوفي: شبه التيهاء بظهر
المجن في الملاسة، والشئ قد يشبه بالشئ ويراد منهما معنى فيهما، " كظهر الحجفت " إنما أراد أن التيهاء ملساء لا أعلام فيها كظهر الحجفة ملاسةً، ولم يرد أنها مثله في المقدار، انتهى وذكر الوسط ليدل على أنه تَوَسَّط المفازة ليصف نفسه بالقوة والجلادة، قال صاحب العباب: يقال للترس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عَقَب: حَجَفَة، ودَرَقَة، وأنشد البيت لسُؤر الذئب، وكذا قال الجوهري، وقال: قال الراجز: مَا بَالُ عَيْنِي عَنْ كَرَاهَا قَدْ جَفَتْ * مُسبِلَةً تَسْتَنُّ لَمَّا عَرَفَتْ دَاراً لِلَيْلَى بَعْدَ حَوْلٍ قَدْ عَفَتْ * بَلْ جَوْزِتَيْهَاءَ كَظَهْرِ الْحَجَفَتْ انتهى.
قال ابن بري في أمالية على الصحاح: هذا الرجز لسؤر الذئب، وصواب إنشاده: مَا بَالُ عَيْنِي عَنْ كَرَاهَا قَدْ جَفَتْ * وَشفَّهَا مِنْ حُزْنِهَا مَا كُلِفَتْ كَأَنَّ عُوَّاراً بِهَا أوْ طُرِفَتْ * مُسْبَلَةً تَسْتَنُّ لم عَرَفَتْ دَاراً لِلَيْلَى بَعْدَ حَوْلٍ قَدْ عَفَتْ * كَأَنَّهَا مَهَارِقٌ قَدْ زخرفت تسمع للحلى إذا ما انصرمت * كَزَجَلِ الرِّيحِ إذَا مَا زَفْزَفَتْ
стр. 1230
مَا ضَرَّهَا أمْ مَا عَلَيْهَا لَوْ شَفَتْ * منيما بِنَظْرَةٍ وَأَسْعَفَتْ (١) بَل جَوْزِتَيْهَاءَ كَظَهْرِ الْحَجَفَتْ * قَطعْتُها إذَا الْمَهَا تَجَوَّفَتْ مَآزِقاً إلَى ذَرَاهَا أهْدَفَتْ (٢) انتهى ما أورده وقوله " ما بال عيني " ما استفهامية مبتدأ، وبال: خبره، والبال: الشأن والحال،
وعن: متعلقة بجفت، والكرى: النوم، قال الخوارزمي: جفت أي انقطعت عن كراها، انتهى.
وهو بالجيم، وهو من جفا الشئ عن كذا وتجافى عنه: أي نبا عنه وتباعد، وجملة " قد جفت " حال من العين، و " شفها " من شفَّه الهم يشفه: أي هزله وأنحله، و " كُلِفت " بالبناء للمفعول، والعُوَار - بضم العين وتشديد الواو، وهو ما يسقط في العين فتدمع، يقال: بعينه عُوَّار: أي قذى، ومثله العائر، " وطُرِفَت " بالبناء للمفعول، من طَرَفْتُ عينه طَرْفاً - من باب ضرب - إذا أصبتها بشئ، فدمعت.
فهى مطروفة، ومسلبة: أي تصب دمعها، من أسبلت الماء: أي صببته، وتَسْتَنَّ: تجري بدمعها، من سَنَنْتُ الماء، إذا أرسلته إرسالاً من غير تفريق، وقوله " دارا لليلى " مفعول عرفت، وعفت: ذهبت آثارها وانمحت معالمها، وقوله " كأنها " أي كأن ليلى،