قيس حتى انتهوا إلى الثرثار، فوجه زفر زيد بن حُمْرَان في خيل إلى بني فدو كس من تغلب فقتل رجالهم واستباح نساءهم، وبعث ابنه الهذيل إلى بني كعب بن زهير فقتلهم قتلاً ذريعاً، وبعث مسلم بن ربيعة إلى ناحية أخرى فأسرف في قتلهم،
وبلغ ذلك بني تغلب فارتحلوا يريدون عبور دجلة، فلحقهم زفر بالكحيل، وهو نهر على أسفل الموصل على عشرة فراسخ، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وترجل أصحاب زفر أجمعون، وبقي زفر على بغلة له، فقتلوهم من ليلتهم، وبقروا بطون النساء، وكان من غرق في دجلة أكثر ممن قتل بالسيف وقوله " ألا سألت غثاء دجلة " الْغُثاء - بالضم والمد -: ما يطفو على الماء من حطب وزبد ونحوه، يريد به من قتل من تغلب، والخامعات - بالخاء المعجمة -: الضباع، وتجوز: تقطع، والأوصال: جمع وصل - بالكسر - وهو مفصل العضو، يريد أنها تأكل قتلاهم، وقوله " ما زلت تحسب إلخ " خطاب للأخطل، وضمير " بعدها " للجزيرة وروي " بعدهم " فالضمير لقيس ومن معهم، وتكر عليكم: تحمل عليكم، وكذا " نشد " بمعناه، وقد أخذ المتنبي هذا المعنى فقال (من البسيط) وَضَاقَتِ الأَرْضُ حَتَّى كَانَ هَارِبُهُمْ * إذَا رأى غير شئ ظَنَّهُ رَجُلاَ وقد كرر جرير هذا المعنى فقال في قصيدة أخرى (من الطويل) وَلَوْ أنَّهَا عُصْفُورَةٌ لَحَسِبْتَهَا * مُسَوَّمَةً تَدْعُو عُبَيْداً وأزْنَمَا والمسومة: الخيل المعلمة في الحرب، وعبيد بالتصغير، وأزنم بالزاي والنون: قبيلتان من يربوع، قال صاحب مناقب الشبان - عند هذا البيت - نظيرُهُ قول جرير أيضاً: * ما زِلت تحسب كل شئ بعدهم * البيت ويروى أن الأخطل لما سمع هذا البيت قال: قد استعان عليه بالقرآن، يعني قوله تعالى: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) والمعنى في الآية بأجل لفظ وأحسن
стр. 1157
اختصار، وقريب من هذا البيت وليس مثله قول الآخر (من الطويل) إذَا خَفَقَ الْعُصْفُورُ طَارَ فُؤَادُهُ * وَلَيْثٌ حَدِيدُ النَّابِ عِنْدَ الثَّرَائِدِ
انتهى.
وقد أنشده صاحب الكشاف عند تفسير (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عليهم) قال: ومنه أخذ الأخطل: * مَا زِلْتَ تَحْسَبُ كل شئ بَعْدَهُمْ * انتهى، وصوابه ومنه أخذ جرير كما ذكرنا.
وترجمة جرير تقدمت في الشاهد الرابع من شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده أيضاً، وهو الشاهد الخامس والستون (من الرجز) ٦٥ - فَتَسْتَرِيْحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِهَا على أن إسكان الفاء من زَفْرَاتِهَا ضرورة، والقياس فتحها، قال ابن عصفور في كتاب الضرائر في فصل نقص الحركة للضرورة: ومنه قول ذي الرمة (من الطويل) .
أبَتْ ذِكَرٌ عَوَّدْنَ أحْشَاءَ قَلْبِهِ * خُفُوقاً وَرَفْضَاتُ الْهَوَى فِي الْمَفَاصِلِ حكم لرفضات وهي اسم بحكم الصفة، ألا ترى أن رفضات جمع رَفْضة، ورفضة اسم، والاسم إذا كان على وزن فَعْلَة، وكان صحيح العين فإنه إذا جمع بالألف والتاء لم يكن بد من تحريك عينه اتباعاً لحركة فائه نحو جَفْنَة وَجَفَنَات، وإذا كان صفة بقيت العين على سكونها، نحو ضخمة وضخمات، وإنما فعلوا ذلك فرقاً بين الاسم والصفة، وكان الاسم أولى بالتحريك لخفته، واحتمل لذلك ثقل الحركة، وأيضاً فإن الصفة تشبه الفعل لأنها ثانية عن الاسم غير الصفة، كما أن الفعل ثان عن الاسم، فكما أن الفعل إذا لحقته علامة جمع نحو ضربوا ويضربون
стр. 1158
لم يغير، فكذلك لم تغير الصفة إذا لحقتها علامتا الجمع وهما الألف والتاء، فكان ينبغي على هذا أن يقول: إلا أنه لما اضطر إلى التسكين حكم لها بحكم الصفة
فسكن العين، ومما يبين لك صحة ما ذكرته من أن تسكين العين إنما هو بالحمل على الصفة أن أكثر ما جاء ذلك في الشعر إنما هو مصدر لقوة شبه المصدر باسم الفاعل الذي هو صفة، ألا ترى أن كل واحد منهما قد يقع موقع صاحبه، يقال: رجل عَدْل: أي عادل، فوقه المصدر موقع اسم الفاعل، وقال تعالى (لَيْسَ لوقعتها كاذبة) أي كذب، فوقع كاذبة وهو اسم الفاعل موقع كذب وهو مصدر، انتهى.
وهذا البيت من رجز أوله: عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أوْ دَوَلاَتِهَا * يُدِلْنَنَا اللَّمَّةَ مِنْ لَمَّاتِهَا فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِهَا * وَتَنْقَعَ الْغُلَّةَ مِنْ غُلاَّتِهَا وفيه شواهد: الأول علّ بفتح اللام وكسرها، استدل به البصريون على أن عل أصله عل واللام في أولها زائدة، وردوا على الكوفيين في زعمهم أنها أصلية، وقد ذكرنا ما يتعلق به في الحروف المشبهة بالفعل من شرح شواهد شرح الكافية.
الثاني: روى بجر " صروف " واستدل به على أن عَلَّ حرف جر، وقد تقدم الكلام عليه هناك.
الثالث: نصب المضارع بأن بعد الفاء في جواب الترجي وهو نصب " تستريح " قال الفراء عند تفسير قوله تعالى (لعلى أبلغ الاسباب أسباب السموات فأطلع) بالرفع يرده على قوله " أبلغ " ومن جعله جواباً للعلي نصبه، وقد قرأ به بعض القراء، قال: وأنشدني بعض العرب * عَلَّ صُرُوفُ الدَّهْرِ * إلى آخر الابيات الثلاثة الاول، وقال: فنصب على الجواب بلعل، وأنشده أيضاً في سورة " عَبَسَ " قال: قد اجتمع القراء على (فتنفعه الذكرى) بالرفع، ولو كان نصباً على جواب الفاء للعلَّ كان صواباً، أنشدني بعضهم * عَلَّ صروف الدهر * إلى آخر الأبيات الأربعة.
ولم يذكر قائل الرجز في الموضعين.
стр. 1159
وتبع ابن مالك الفراء لوروده في النظم والكلام الفصيح، كما تقدم.
قال أبو حيان في الارتشاف: وذهب الكوفيون إلى أنه يجوز أن ينتصب الفعل بعد الفاء في جواب الرجاء، وزعموا أن لعل يكون استفهاماً، وذهب البصريون إلى منع ذلك، والترجي عندهم في حكم الواجب، قيل: والصحيح مذهب البصريين لوجوده نظماً ونثراً، ومنه قوله تعالى (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى) في قراءة عاصم، وهي (قراءة) من متواتر السبع، ويمكن تأويل النصب، انتهى.
وقد ذكر تأويله ابن هشام في الباب الرابع من المغنى، قال: وقيل في قراءة حفص (لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطَّلِعَ) بالنصب: إنه عطف على معنى لعلي أبلغ، وهو لعلي أن أبلغ، فإنَّ خبر لَعَلِّي يقترن بأن كثيراً، نحو قوله ﵇: " فلعل بعضكم أن يكون ألْحَنَ بحجته من بعض " ويحتمل أنه عطف على الأسباب على حد: * وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي * ومع هذين الاحتمالين يندفع قول الكوفي: إن في هذه القراءة حجة على جواز النصب في جواب الترجي حملاً له على التمني، انتهى.
وقوله " عَلَّ صروف الدهر " جمع صَرْفٍ كَفَلْسٍ وفُلُوس، وهو الحادثة والنائبة المغيِّرة من حال إلى حال بالتصرف، وضمير " دولاتها " لصروف الدهر، والدَّوْلة: بفتح الدال وضمها، قال الأزهري: هي الانتقال من حال الضر والبؤس إلى حال الغبطة والسرور، وقال أبو عبيد: الدولة بالضم: اسم الشئ الذي يُتَدَاوَلَ به بعينه، والدَّوْلَةُ بالفتح: الفعل، وقيل: الدولة في الحرب أن تدال إحدى الفئتين على الأخرى، يقال: كانت لنا عليهم الدَّوْلَة، والدُّولة بالضم في المال، يقال: صار الفئ دُولَةً بينهم يتداولونه مرة لهذا ومرة لهذا
стр. 1160
كذا في العباب، وقوله " يُدِلْننا " هو مضارع أداله مسند إلى النون ضمير الصروف، أو ضمير الدولات، ونا: مفعوله كما تقول من أقام: إن النِّساء يقمننا، قال صاحب العباب: الإدالة: الغلبة، يقال: اللهم أدِلْنِي على فلان وانصرني عليه، وتداولته الأيدي: أخذته هذه مرة وهذه مرة، وقوله تعالى (وَتِلْكَ الايام نداولها بين الناس) أي: نديرها، من دال: أي دار، انتهى: وقال ابن الأثير في النهاية: وفي حديث وفد ثفيف " نُدَال عليهم ويُدَالُون علينا " الإدالة: الغلبة، يقال: أديل لنا على أعدائنا: أي نصرنا عليهم، وكانت الدولة لنا، والدولة: الانتقال من حال الشدة إلى حال الرخاء، ومنه حديث أبي سفيان وهرقل " ندال عليه ويدال علينا " أي: نغلبه مرة ويغلبنا أخرى، ومنه حديث الحجاج " يوشك أن تُدَالَ الأرض منا " أي تجعل لها الكرة والدولة علينا فتأكل لحومنا كما نأكل ثمارها وتشرب دماءنا كما نشرب مياهها، انتهى كلامه.
فعرف من هذا كله أن الادالة متعدية إلى مفعول واحد صريحاً، وإلى الثاني بحرف جر، فضمير المتكلم مع الغير مفعوله وأما اللَّمَّة فمنصوبة على نزع الخافض: أي على اللمة، ولم يصب العيني في قوله: " واللمة مفعول ثان ليدلننا " انتهى.
واللَّمة بفتح اللام، قال الجوهري: هي الشدة، وأنشد هذا البيت.
وفي النهاية لابن الأثير: وفي حديث ابن مسعود ﵁ " لابن آدم لَمَّتَان لَمَّة من الملك ولَمَّة من الشيطان " اللَّمة: الهمة والخطرة تقطع في القلب، أراد إلمام الملك أو الشيطان به والقرب منه، فما كان من خطرات الخير فهو من الملك، وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان، انتهى وهذا المعنى أنسب، وروي في بعض الكتب " يدْلينَنا " بمثناة تحتية بعد اللام، وهو مضارع أدْلَى دَلْوَهُ في البئر إدْلاَء: أي أرسلها، وهذا لا مناسبة له، وهو تحريف من النساخ، وقوله " من لماتها " متعلق بمحذوف حال من اللمة، ويجوز أن يكون وصفاً لها لكون اللمة معرفة بلام الجنس فتكون قريبة من النكرة،
стр. 1161
وقال العينى صفة للمة تقديره اللمة الكائنة من لماتها، هذا كلامه فتأمله (١) وقوله " فتستريح النفس " نصب تستريح بأن المقدرة بعد الفاء في جواب الرجاء، والنفس فاعل، واللام عوض عن الياء: أي نفسي، والزفرة، الاسم من زفر يزفر من باب ضرب زَفِيرا، والزفير: اغتراق النفس محركة بالشدة، وأنشد الجوهري هذا البيت هنا ونبه على أن تسكين الفاء ضرورة، وقوله " وتنقع الغلة " بالنصب معطوف على تستريح، والفاعل ضمير النفس، والغلة مفعولة، ونقع من باب نفع، في الصحاح: ونقع الماء العطش نقعاً ونُقُوعاً: أي سكنه، وفي المثل " الرشف أنقع " أي: أن الشراب يتشرف قليلا قليلا للعطش وأنجع وإن كان فيه بطء، والغلة بضم المعجمة وهي حرارة العطش.
وأنشد بعده أيضاً، وهو الشاهد السادس والستون (من الطويل) : ٦٦ - * أخُو بيضات رائح متاوب * بلى أن بَيَضَاتٍ بفتح العين جاء على لغة هذيل، فإنهم يفتحون العين في جمع فعلة صحيحاً كان أو معتلاً.
وهذا صدر، وعجزه: * رفيقٌ بِمَسْحِ الْمُنْكِبَيْنِ سَبُوحُ * قال بعض فضلاء العجم في شراح أبيات المفصل: الرائح: الذي يسير، والمتأوب الذي يسير (٢) ، يصف ظليماً، وهو ذكر النعامة، شبه به ناقته، فيقول: ناقتي في سرعة سيرها ظليم له بيضات يسير ليلاً ونهاراً ليصل إلى بيضاته رفيق يمسح المنكبين
стр. 1162
عالم بتحريكهما في السير سبوح حسن الجري، وإنما جعله أخا بيضات ليدل على زيادة سرعته في السير لأنه موصوف بالسرعة، وإذا قصد بيضاته يكون أسرع، انتهى.
وهذا البيت لم أقف على تتمته ولا قائله، والله أعلم، وقد ذكرنا في شرحه ما أمكننا في الشاهد الثالث والتسعين بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية.
وأنشد الشارح المحقق، وهو الشاهد السابع والستون، وهو من شواهد سيبويه (من البسيط) : ٦٧ - * في أقواس نَازَعَتْهَا أيْمُنٌ شُمُلاَ * على أن شُمُلا بضمتين جمع شمال بالكسر، قال سيبويه: وقالوا أذرع وذراع حيث كان مؤنثة ولا يجاوز بها هذا البناء، وإن عَنَوْا الأكثر كما فعل ذلك بالأكف والأرجل، وقالوا شِمال وأشمل وقد كسرت على الزيادة التي فيها فقالوا شَمَائِلَ كما قالوا في الرسالة رَسَائِلَ إذ كانت مؤنثة مثلها، وقالوا شمل فجاءوا بها على قياس جدد، وقال الأزرق العنبري: طِرْنَ انْقِطَاعَةَ أوْتَارِ مُحَظُرَبَةٍ * فِي أقْوُسٍ نَازَعَتْهَا أيْمُنٌ شُمُلاَ انتهى.
قال الأعلم: " الشاهد في جمعه شِمَالاً على شُمُلٍ تشبيهاً بِجِدَارٍ وجُدُر، لأن البناء واحد، والمستعمل أشْمَلُ في القليل، لأن الشمال مؤنثة، وشمائل في الكثير، وصف طيرا فشبه صوت طيرانها بسرعة بصوت أوتار انقطعت عند الجذب والنزع عن القوس، وأوقع التشبيه على الانقطاع لأنه سبب الصوت المشبه به، وأنث الانقطاع لتحديد المرة الواحدة منه، والمحظربة: المحكمة الفتل الشديدة، والأقوس: جمع قوس، وقوله نازعتها أيمن شملا أي جذبت هذه إلى ناحية وهذه إلى ناحية
أخرى لأن جاذب الوتر تخالف يمينه شماله في جذبها وتُنَازَعها " انتهى.
стр. 1163
والحظربة بالحاء المهملة والظاء المعجمة - كالحضربة بالضاد المعجمة بدلها: شدة الفتل ووتر محظرب ومحضرب، كذا في العباب.
وقوله " نازعتها " الضمير المؤنث ضمير الأوتار، ونازع يتعدى إلى مفعول واحد، يقال: نازعه في كذا، فأيمن فاعله، وشُمَلاَ مفعوله، فتعديته إلى ضمير الأوتار من قبيل الحذف والإيصال، والتقدير نازعت اليمين شمالَهَا في جذب الأوتار: أي غالبت الأيمن الأشمل في جذبها ومدها، يقال: نزع الرجل في القوس أو الوتر، إذا مد أحدهما.
والأزرق العنبري لم أقف على ترجمته ولا على أصل شعره هذا، والله أعلم وأنشد بعده، وهو الشاهد الثامن والستون (من الرجز) ٦٨ - * حَتَّى رَمَى مَجْهُولَهُ بالأَجْنُنِ * على أن جمع جنين على أجنن شاذ، والجنين: الولد ما دام في بطن أمه، لأنه جُنَّ: أي ستر قال السخاوي في سفر السعادة: أجنن جمع جنين، ويروى قول رؤبة: - * إذا رمى مجهوله بالأجْبُنِ * بالباء على أنه جمع جبين، وبالنون على أنه جمع جنين، فمن رواه بالباء فمعناه ينظرون ما قدامهم من بُعد الطريق، ومن رواه بالنون فمعناه أنه يُسْقط الأجنة، وذكر الروايتين العبدي وعيزر، انتهى وعلى الروايتين الجمع شاذ، لأن كلاً من المفردين مذكر، والقياس في أفْعُل أن يكون جمع فعيل إذا كان مؤنثاً وهذا البيت من أرجوزة طويلة مدح بها بلال بن أبي بُرْدَةَ وذكر فيها قطع المفاوز والقفار حتى وصل إليه، قال: تَفْتَنُ طُولَ الْبَلَدِ الْمُفَنَّنِ * إذَا رَمَتْ مَجْهُولَهُ بالأَجُبُنِ
وَخَلَّطَتْ كُلُّ دِلاَث علجن * غوج البرج الآجُرِ الْمُلَبَّنِ
стр. 1164
بَلَّغْنَ أقْوَالاً مَضَتْ لا تَنْثَنِي * أبْقَى وأمْضِي مِنْ حِدَادِ الأَذْأَنِ وصف إبله بشدة السير قال شارح ديوانه: قوله " تفتن " يقول: تشق هذا الطريق في عُرض البلد وقوله: " المفنن " وهو الذي على غير جهة واحدة، انتهى وقوله: " إذا رمت " هكذا رأيته في نسختين صحيحتين من ديوانه، وفاعل " رمت " ضمير الإبل، وضمير " مجهوله " للبلد، والطريق المجهول: الذي لا يسلكه أحد لعدم مائه ونباته، فلا يكون فيه علامة يستدل بها و " الأجبن " - بالجيم والموحدة - كذا رأيته، قال شارح ديوانه: هو جمع جبين، يقول: قد استقبلته ثم رمته بوجوهها، ومعناه على رواية " الأجنن " بالنون أن هذه النوق من شدة وخْدِهِنَّ وفرط جَهْدهنَّ يسقطن أجنتهن بمجهول هذا البلد، ففيه قلب، والأصل حتى رمت أجنتها بمجهوله، والدِّلاَثَ بالكسر -: هي اللَّيَّنة الأعطاف والْعَلْجَن: الناقة المكتنزة اللحم، والغوج - بفتح الغين المعجمة والجيم - اللَّيِّنة الصدر، قال شارحه: يقول: كأنها برج من آجر لبنٍ قد طبح، وقوله " بَلَّغْنَ " من التبليغ، وأبقى وأمضى أفعل تفضيل صفة لاقوال، وحِدَاد: جمع حديد بمعنى قاطع، قال شارحه: يقال: أزْأَنَ وَيَزْأَنَ وأزنِي وَيَزْنِي، منسوب إلى ذي يَزَن، و " بلغن " جواب إذا وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع والستون (من الطويل) ٦٩ - ... وَمَا لَوْمِي أخِي مِنْ شِمَالِيَا * على أن شمالاً بمعنى الطبع يكون واحداً وجمعاً، والمراد هنا الجمع: أي من شمائلي.
قال سيبويه: " وزعم أبو الخطاب أن بعضهم يجعل الشمال جمعاً " وقال السيرافي
стр. 1165
" هو في هذا البيت جمع " وتبعه ابن جني، قال في سر الصناعة: " وقالوا أيضاً في جمع شمال، وهي الخليقة والطبع: شمال، قال عبد يغوث: * وما لومي أخي من شماليا * أي من شمائلي " انتهى.
وإنما قيدوا الشمال بمعنى الطبع للاحتراز عن الشمال بمعنى الريح المعروفة، فإنها لم يقل أحد إنها تكون جمعاً ومفرداً، وفي شينها الفتح والكسر، بخلاف معنى الطبع فإن شينها مكسورة لا غير، وإنما جعلوه هنا جمعاً لأجل من التبعيضية، كما يأتي في البيت الآتي وقد ذكر جمهور اللغويين أنه مفرد، وجمعه شمائل، قال (من الوافر) هم قَوْمِي وَقَدْ أنْكَرْتُ مِنْهُمْ * شَمَائِلَ بَدَّلُوهَا مِنْ شِمَالِي وأجاز أبو علي الفارسي في الإيضاح أن يكون ما في البيت مفرداً وجمعاً، وغلب الإفراد، قال أحد الشراح أبياته: ألا ترى أنه يسوغ أن يكون المعنى وما لومي أخي من طبعي، فلذلك لم يجعله نصافى الجمعية، والدليل على أنه قد يكون جمعاً قول لبيد ﵀: * هم قَوْمِي وَقَدْ أنْكَرْتُ مِنْهُمْ * - البيت ومثل شمال " عِصَام " حكى أبو زيد أنه يكون واحداً وجمعاً، والعصام: ما يُشَدُّ به الدلو والقربة، ومثلهما دلاص وهجان، تقول: ناقة هجان ونوق هجان، وردع دلاص وأدرع دلاص، إلا أن مجئ دلاص وهجان في حال الجمع على صيغة المفرد أحسن من مجئ شمال وعصام في حال الجمع على صيغة المفرد، على أنهما صفتان، وقيل: الصفة تكسر على فِعال،
نحو ظريف وظِرَاف، وفِعَال أحق بفعيل، ألا ترى أن كل واحد منهما ثلاثي
стр. 1166
ثالثه حرف لين زائد فحسن تكسيره (تكسيرَهُ) لذلك، فأما قولهم رجل جُنُب ورجال جُنُب فليس من هذا الباب، وإن كان فُعُل من أبنية الجمع، بل من قبيل الوصف بالمصدر، لأنك تقول: رجلان جُنُب، فتصف به الاثنين، ولا تقول ناقتان هجان، ولا درعان دلاص، وكذلك ما كان من الأسماء واقعاً على الواحد والجمع، ولم يكن على وزن من أوزان الجموع، ليس من باب دِلاَص نحو حَشَم، تقول: هم حَشَم لي، وهذا الغلام حشم لي، وهذا أسَدٌ عِنَاش، ومن كلام عمرو بن معدي كرب يوم القادسية " يا معشر المسلمين، كونوا أسُداً عِنّاشاً " بل نعتقد في حشم أن يكون مفرداً، واسم جمع، وأما عِنَاش فالوصف به من قبيل الوصف بالمصدر، يقال: عانشة: أي عانقة، فتقول على هذا: هما أسدان عِنَاش وهذا المصراع من قصيدة طويلة لعبد يغوث الحارثي، وهو جاهلي، وقد شرحناها كاملة في الشاهد الخامس عشر بعد المائة من شرح شواهد شرح الكافية، وقبله: ألا لا تُلُومَانِي كَفَى اللَّوْمَ مَا بِيَا * فمَالَكُمَا فِي اللَّوْمِ خَيْرٌ وَلا لِيَا ألَمْ تَعْلَمَا أنَّ الْمَلاَمَةَ نَفْعُهَا * قَلِيلٌ وَمَا لَوْمِي أخِي مِنْ شماليا وقليل: ضد كثير، ويستعمل بمعنى النفي، وهو المراد هنا، بدليل قوله " فما لكما في اللوم خير ولا ليا " يقول: اللوم على الفائت قليل نفعه لا يُجْدِي إسماعه ولا سمعه شيئاً فلذلك طهرت منه شمالي وصنت عنه مقالي، والخطاب لمن أسره، وهو أبو عِصْمَةَ من تَيْم الرباب، وقوله " وما لومي إلخ " جملة معطوفة على أنَّ وصلتها، وساغ ذلك
لأنها مصدرة بما النافية، والجملة إذا كانت كذلك جاز تعليق فعل القلب الداخل
стр. 1167
عليها ووقوعها موقع مفعوليه، كما أنَّ أنَّ وصلتها تقع موقعها، وقد يجوز أن تكون معطوفة على قوله في البيت قبله " فما لكما اللوم خير ولا ليا "، ويكون قوله " ألم تعلما أن الملامة نفعها قليل " جملة اعترض بها بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا ينبغي أن تجعل معطوفة على قوله " ألم تعلما " لأن الجملتين ليستا لمقام واحد وأنشد بعده، وهو الشاهد السبعون (من الرجز) : ٦٠ - دَعْهَا فَمَا النَّحْوِيُّ مِنْ صَدِيقِهَا * على أن صديقاً فيه جمع، لان من للتبعيض، ولا يصح أن يكون النحوي بعض صديق، بل يكون بعض الأصدقاء، كأنه قال: دعها فما النحوي من أصدقائها، كما تقول: دعني فما أنت من أشكالي، وفعيل من صيغ الجمع كالكليب والعبيد، ومثله قول قعنب ابن أم صاحب (من البسيطٍ) مَا بَالُ قَوْمٍ صَدِيقٍ ثُمَّ لَيْسَ لَهُمْ * دِيْنٌ وَلَيْسَ لَهُمْ عَهْدٌ إذَا اتُّمِنُوا وقول جرير: (من الطويل) دَعَوْنَ الْهَوَى ثُمَّ ارْتَمَيْنَ قُلُوبَنَا * بِأَعْيُنِ أَعْدَاءٍ وَهُنَّ صَدِيقُ وحكى أبو حاتم عن أهل الحجاز أنهم يقولون: حدثني بعض صديقي والنحوي: العالم بصنعه الإعراب، والنحوي أيضاً: المنسوب إلى نَحْو، بطن من العرب، وهو نَحْو بن شمس بن عمرو بن غالب بن الأزد قال الصاغاني في العباب: قال ابن دريد: أخبرنا أبو عثمان عن التَّوَّزِيّ، قال: كان رؤبة يقعدُ بعد صلاة الجمعة في رَحْبة بني تميم فينشد، ويجتمع الناس إليه، فازحموا يوماً، فضيَّقوا الطريق، فأقبلت عجوز معها شئ تحمله، فقال رؤبة:
تَنَحَّ لِلْعَجُوزِ عَنْ طَرِيقِها * قدْ أقْبَلَتْ رَائِحَةً مِنْ سُوقِهَا
стр. 1168
دَعْهَا فَمَا النَّحْوِيُّ مِنْ صَدِيقِهَا أي: من أصدقائها، انتهى وقال أحد شراح أبيات الإيضاح للفارسي: ولعل المخاطب على هذه الحكاية رجل من نحو بن شمس، وقيل: إن المخاطب بقوله " دعها " يونس بن حبيب النحوي، وذلك أن رؤبة كان يسير ومعه أمه إذ لقيهما يونس، فجعل يداعب والدة رؤبة ويمنعها الطريق، فخاطبه رؤبة بهذه الأبيات، وقيل: هذا الشعر لامرأة من العرب خاطبت به أبا زيد الأنصاري، قال ابن الأنباري: مرت امرأة من العرب بأبي زيد النحوي وأصحابه، وقد منعوا الطريق، فلم يمكنها أن تجوز، فخاطبته بالأبيات: أي أن هؤلاء إنما لازموك لصداقتهم، وأنا لست كذلك، فدعني أسير وينبغي أن يجعل الألف واللام في " النحوي " للجنس، كأنه قال: ما هذا الجنس من صيدقها، لأنك إن لم تجعل أل كذلك لزم أن يكون الظاهر واقعاً موقع ضمير المخاطب في غير نداء ولا اختصاص، ألا ترى أنه يخاطب النحوي، فكان ينبغي أن يقول: فما أنت من صديقها وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادي والسبعون (من البسيط) ٧١ - إنَّ مِنَ القوم موجودا خليفته * وما خليف أبي وهب بِمَوْجُودِ على أن خليفاً قد ورد بمعنى خليفة، فيكون جمعُ خليف على خلفاء وجمع خليفة على خلائف قال أبو حاتم: إنه يقال خليف، وجمعه خلفاء، واستشهد له بهذا البيت، ولم يحفظ سيبويه ولا أبو عمرو خليفاً، بل جعلا خُلَفَاء تكسير خليفة من أجل أنه
لا يقع إلا على مذكر، فحمل على المعنى
стр. 1169
قال أحد شراح أبيات الإيضاح للفارسي: إن كان لم يثبت خليف بمعنى خليفة إلا في هذا البيت، وهو الأظهر، فلا حجة فيه، لأنه يحتمل أن يكون مما رخم في غير النداء، ضرورة نحو قوله (من الرجز) * لِيَوْم رَوْعٍ أو فَعَالِ مكرُمِ * يريد مكرمة، انتهى والبيت آخر أبيات خمسة لأوس بن حَجَر التميمي الجاهلي، وهي: يَا عَيْنُ جُودِي عَلَى عَمْرِو بنِ مَسْعُودِ * أهْلِ الْعَفَافِ وَأهْلِ الْحَزْمِ وَالْجُودِ أوْدَى رَبِيعُ الصَّعَالِيكَ الأَلَى انْتَجَعُوا * وَكُلُّ مَا فَوْقَهَا مِنْ صَالِحٍ مُودِ الْمُطْعِمُ الْحَيِّ والأَمْوَات إنْ نَزَلُوا * شَحْمَ السَّنَامِ مِنَ الْكُومِ الْمَقَاحيدِ وَالْوَاهِبِ الْمَائَةِ الْمَعكاء يَشْفَعُهَا يَوْمَ النِّضَالِ بِأُخْرَى غَيْرَ مَجْهُودِ إنَّ مِنَ الْقَوْمِ مَوْجُوداً خَلِيفَتُهُ البيت وعمرو بن مسعود: ابْنُ عدي الأسدي، وهو المقول فيه وفي خالد بن نضلة الأسدي (من الطويل) : ألاَ بَكَرَ النَّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ * بِعَمْرِو بُنِ مسعود وبالسيد الصَّمَدْ قال ابن هشام في السيرة: هما اللذان قتلهما النعمان بن المنذر اللخمي وبنى عليهما الْغَرِيَيْنِ بظهر الكوفة.
وقال القالي في الذيل: إن الذي قتلهما المنذر، ومن أجلهما اتخذ يوم البؤس ويوم النعيم.
وقال ابن السيرافى في شرح إصلاح المنطق: إن الذي قتلهما كسرى.
وأودى: هلك، واسم الفاعل مُودٍ، والصُّعْلُوك: الفقير، والكوم: جمع
стр. 1170
كَوْمَاء، وهي الناقة السمينة، والمَقَاحيد: جمع مقحاد، وهى الناقة العظيمة السنام، والمعكاء - بكسر الميم والمد - الإبل الغِلاظ الشداد، والنِّضَال: المحاربة بالسهام.
قال ابن حبيب: العرب تقول: فلان خليفة فلان، إذا قام مقامه وفعل فعله، وإن لم يستخلفه، وأنشد هذه الأبيات، وأبو وهب: كنية عمرو بن مسعود، يقول الشاعر: إذا مات أحد خلفه من يقوم مقامه ويفعل مثل فعله، إلا أبا وهب، فإنه لم يخلفه أحد في وجوه وشجاعته.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والسبعون (من الرجز) : ٧٢ - * أخَذْتِ خَاتَامِي بِغَيْرِ حَقٍّ * على أن خاتا ما لغة في خاتم، وعليه جاء في الجمع خواتيم.
وقال المبرد في الكامل: فَاعَالٌ نظيره من الكلام سَابَاطٌ وَخَاتَامٌ، قال الراجز (من الرجز) : يَا مَيُّ ذَاتَ الْجَوْرَبِ الْمُنْشَقِّ * أخَذْتِ خَاتَامِي بِغَيْرِ حَقِّ انتهى وقال أبو الحسن الأخفش فيما كتبه عليه: " يقال خَاتَم بفتح التاء وكسرها، وخَيْتَام على وزن دَيَّار، وخاتام على وزن سَابَاط " انتهى.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والسبعون (من الوافر) : ٧٣ - * وَمِثْلِي في غَوَائِبِكُمْ قَلِيلُ * على أنه جمع غائب، وهو جمع شاذ قال الشاطبي في شرح الألفية: ذكر السيرافي أنه وجد غير ذلك، قال عتيبة بن الحارث لجزء بن سعد (من الوافر) :
أُحَامِي عَنْ ذِمَارِ بَنِي أبيكمْ * وَمِثْلِي في غَوَائِبِكُمْ قَليلُ
стр. 1171
فقال جَزْءْ: نعم، وفي شواهدنا، قال: وهذا جمع غائب وشاهد من الناس، انتهى.
وأحامي: من الحماية: وهى الحظ، والذمار: بكسر الذال المعجمة، قال صاحب الصحاح: وقولهم " فلان حامي الذمار " إي إذا ذُمِّر (١) وغَضِبَ حمى، و " فلان أمنع ذماراً من فلان " ويقال: الذمار: ما وراء الرجل مما يحقُّ عليه أن يحميه، لأنهم قالوا: حامي الذمار، كما قالوا: حامي الحقيقة، وسمي ذماراً لأنه يجب على أهله التذمر له، وسميت حقيقة لأنه يحق على أهلها الدفع عنها، " وظل يتذمر على فلان " إذا تنكر له وأوعده.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الرابع والسبعون (من الكامل) : ٧٤ - وَإذَا الرِّجَالُ رَأوْا يَزِيدَ رَأيْتَهُمْ * خُضُعَ الرِّقَابِ نَوَاكِسَ الأَبْصَارِ على أن جمع ناكس على نواكس مما هو وصف غالب أصل، وأنه في الشعر شائع حسن، قاله المبرد.
أقول: الذي قاله المبرد في الكامل بعد إنشاد هذا البيت إنما هو " وفي هذا البيت شئ يستطرفه النحويون، وهو أنهم لا يجمعون ما كان من فاعل نعتاً على فَوَاعِل، لئلا يلتبس بالمؤنث، لا يقولون: ضَارِب وضوارب، لأنهم قالوا: ضاربة وضوارب، ولم يأت هذا إلا في حرفين: أحدهما فوارس، لأن هذا مما لا يستعمل في النساء، فأمنوا الالتباس، ويقولون في المثل " هو هالك في الهوالك " فأجروه على أصله لكثرة الاستعمال، لأنه مثل، فلما احتاج الفرزدق لضرورة الشعر إجراه على أصله، فقال " نَوَاكس الأبصار " ولا يكون
стр. 1172
مثل هذا أبداً إلا ضرورة، انتهى كلامه، فتأمله مع ما نقلوه عنه، وقد ذكرنا في الشاهد الثلاثين من شواهد شرح الكافية أن ما جمع من هذا النمط إحدى عشرة كلمة (١) ، وقد ذكرنا هناك - مما يتعلق بشرح البيت مستوفى، وشرح القصيدة، وذكر سببها، مع ترجمة يزيد والفرزدق - ما فيه كفاية، ويزيد هو يزيد بن الْمُهَلَّب بن أبي صفرة أحد الشجعان والكرماء، كان والياً على خُراسان من قبل بني أمية.
وأنشد بعده (من الهزج) : لَقَدْ أغْدُو عَلَى أشْقَرَ يَغْتَالُ الصَّحَارِيا وتقدم شرحه في الشاهد الواحد والأربعين من هذا الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والسبعون (من الوافر) : ٧٥ - * فَمَا وَجَدَتْ بَنَاتُ بَنِي نِزَارٍ * حَلاَئِلَ أسْوَدِينَ وَأَحْمَريْنَا على أنه جمع أسود وأحمر جمع تصحيح لضرورة الشعر.
وحلائل: مفعول وجدت، وهو جمع حليل، وهو زوج المرأة.
والبيت من قصيدة لحكيم الأعور هجا بها قبائل مُضَر، وتقدم الكلام عليه في الشاهد الرابع والعشرين من أوائل شرح شواهد شرح الكافية
стр. 1173
وأنشد الجاربردي هنا، وهو الشاهد السادس والسبعون (من الطويل) :
٧٦ - أتَانِي وَعِيدُ الْحُوصِ مِنْ آلِ جَعْفَرٍ فَيَا عَبْدَ عَمْرٍو لَوْ نَهَيْتَ الأَحَاوِصا على أن الأحوص بالنظر إلى كونه في الأصل وصفاً جمع على الحوص، وبالنظر إلى الاسمية جمع على أحَاوص والبيت من قصيدة للأعشى ميمون هجا بها عَلْقَمَة بن عُلاَثَةَ الصحابي، وأراد بالحوص والأحاوص أولاد الأحوص بن جعفر، وهم: عوف بن الأحوص، وعمرو بن الأحوص، وشُرَيح بن الاحوص، وربيعة بن الأحوص والأحوص: اسمه ربيعة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وسمي الأحوص لضيق كان في عينه، قال صاحب الصحاح: والْحَوَص بمهملتين مفتوحتين: ضيق في مؤخر العين، والرجل أحوص وعلقمة هو عَلْقَمَة بن عُلاَثة بن عوف بن الأحوص المذكور، وعبد عمرو وهو ابن شريح بن الأحوص، فهو ابن عم علقمة وكان سبب هجو الأعشى أن علقمة كان تهدده بالقتل، وقد شرحناه بقدر الكافية في الشاهد السادس والعشرين من شواهد الكافية وأنشد بعده (من الرجز) * مَا بَالُ عيني كالشعيب العين * وتقدم شرحه في الشاهد الخامس والعشرين من هذا الكتاب وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع والسبعون (من الطويل) ٧٧ - * جَنَى النَّحْلِ فِي ألْبَانِ عُوذٍ مَطَافِلِ * على أن العرب جَوَّزُوا في جمع مُفْعِل المؤنث زيادة الياء وتركها، وعلى الترك
стр. 1174
جاء مطافل، فإنه جمع مُطْفِل: أي امرأة ذات طفل، وجاء المطافيل أيضاً في جمعه
بزيادة الياء في بيت بعده، فإن المصراع من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي، وهذان بيتان منا في التعزل: وَإن حَدِيثاً مِنْكِ لَوْ تَبْذُلِينَهُ * جَنَى النَّحْلِ فِي ألْبَانِ عُوذٍ مَطَافِلِ مَطَافِيلَ أبْكَارٌ حَدِيثٌ نَتَاجُهَا * تُشَابُ بِمَاءٍ مِثْلِ مَاءِ الْمَفَاصِلِ يقول: إن حلاوة حديثك لو تفضلت به حلاوةُ العسل مَشُوباً باللبن والجني: أصله الثمر المجتَنَى، فاستعاره، والعوذ: الحديثات النِّتاج، واحدها عائذ - بالعين المهملة والذال المعجمة - قال السكري في شرح أشعار الهذليين: " ألبان العوذ أطيب، لأنها إذا عتقَ لبنها تغير، يقول: حديثك كأنه العسل ممزوجاً بألبان الإبل، وقال الإمام المرزوقي في شرحه: مطافل جمع مُطْفِل وهي التي معها طفلها، وإنما انكر قوله حديثاً منك ليبين أن موقع كلامها منه على كل وجه ذلك الموقع، ودل بقوله لو تبذلينه على تمنعها وتعذر ذلك من جهتها " انتهى.
وقال ابن هشام في شرح بانت سعاد: " العوذ: جمع عائذ، وهي القريبة العهد بالنتاج من الظباء والإبل والخيل، فإذا تجاوزت عشرة أيام من يوم نتاجها أو خمسة عشر فهي مطفل، وسميت بذلك لأن معها طفلها، وجمعها مطافل، والمطافيل بالياء إشباع " انتهى.
وقال شارح ديوان الأعشى: " العوذ: الحديثات العهد بالنِّتاج قبل أن توفي خمس عشرة ليلة، ثم هي مطفل بعده " وقال ابن خلف: " هي الحديثة العهد بالنِّتاج كان معها ولدٌ أو لم يكن، وهو جمع عائذ، وهو جمع غريب، ونظيره حائل وحُوْل، وفارِه وفُرْه "، وقال الأعلم: " وسميت عائذاً لأن ولدها يعوذ بها لصغره، وبني على فاعل لأنه على نية النسب، لا على ما يوجب التصريف، كما قالوا عيشة راضية " انتهى.
والبكر
стр. 1175
- بالكسر - التي ولدت بطناً واحداً، وخصها لأن لبنها أطيب الألبان، والحديث: نقيض القديم، والنِّتاج: اسم يجمع وضع جميع البهائم، وقد خصَّ بعضهم الغنم بالولادة، ويُشَاب: يخلط، والمفاصل: الحجارة الصلبة المتراصفة، وقيل ما بين الجبلين، وقيل: منفصل الجبل من الرمة يكون بينهما رضراض وحصى صغار يصفو ماؤه، وروي عن الأصمعي، وقيل: ماء المفاصل هنا شئ يسيل من المفصلين إذا قطع أحدهما من الآخر، شبيه بالماء الصافي، قال أحد شراح أبيات الإيضاح للفارسي: " شبه ما بخلت به من حديثها بعسل مجعول في ألبان هذه النوق ممزوجاً بماء شبيه في الرقة والصفاء بماء المفاصل، واختار ابن يَسْعَوْنَ أن يراد بالمفاصل في البيت الحجارة المتراصفة في بطن المسيل لصفاء مائه وبرده، قال: ويؤيده قول ذي الرمة (من الطويل) : وَنِلْتُ سِقاطاً مِنْ حَدِيثٍ كأنَّهُ * جنى النخل مَمْزُوجاً بِمَاءِ الْوَقَائِعِ لأن الوقائع جمع وقية، وهى منقع ماء في الجبل، وأن يرا بماء المفاصل في البيت ما يسيل من بين المفصلين إذا قطع أحدهما من الآخر أحق وأخلق، ويكون قد شبّه الماء في صفائه ورقته بماء المفاصل، إذ لو أراد المعنى الأول لكان الوجه أن يجعله مشوباً بماء المفاصل لا بمثله، لأن ما يشبَّه من المياه بماء المفاصل دونه في الصفاء والرقة، فلما قال " بماء مثل ماء المفاصل " دل على أن المراد ما ذكرته، وقد قيل في قول الشاعر (من الطويل) : * عُقَارٌ كماء النئ ليست بخمطة * إنه شبه الخمر نماء النئ في الصفاء، وقيل: في الْحُمْرَة، فيكون على أحد القولين مثل قول أبي ذؤيب الهذلي " إلى هنا كلام شارح أبيات الإيضاح، وقوله " مطافيل أبكار ... إلخ " قال الإمام المرزوقي: " مطافيل بدل من قوله عوذ مطافل، وأشبع الكسرة في الفاء للزومها، فحدثت الياء، والأبكار: التي
стр. 1176
وضعت بطناً واحداً، لأن ذلك أول نتاجها: فهى أبكار، وأولادها أبكار، وعلى هذا قالوا: باكورة الربيع، ولبنها أطيب وأشهى، فلذلك خصه وجعله مزاجاً وقوله تُشَاب في موضع الصفة لالبان عوذ: أي مشوبة بماء متناهٍ في الصفاء، وقيل في المفاصل: إنها المواضع التي ينفصل فيها السيل من الجبل حيث يكون الرضراض، فينقطع الماء به ويصفو إذا جرى فيه، وهذا قول الأصمعي وأبي عمرو، واعترض عليه فقيل: هلا قال " بماء من مياه المفاصل " وما له يشبه به ولا يجعله منه؟ فقيل: هذا كما يقال: مثل فلان لا يفعل كذا، والمراد أنه في نفسه لا يفعل، لا أنه أثبت له مثل ينتفي ذلك عنه، ألا ترى أنه لو جعل ذلك لنظيره لكان المدح لا يعلق به، وقد عُلم أن القصد إلى مدحه، وعلى هذا قد حمل قوله تعالى: (ليس كمثله شئ) وقال أبو نصر: أراد بالمفاصل مفاصل الجبل حيث يقطر الوَشْلُ، وذلك أصفى من مياه المناقع والعيون، وقال بعضهم: أراد تشاب بماء كالدمع صفاء، فالمفاصل شئون الرأس، وهي تسمى مفاصل ومواصل، والدمع منها يخرج، وهذا كما يقال: جئتك بخمرة كماء العين وأصفى من الدمع، فالتشبيه حاصل في هذا الوجه، وهو عندي حسن والمراد بماء العين الدمع لا غير، وقال أبو سعيد: ماء المفاصل الدم، وأراد بالماء الخمر، وشبَّهها به، وقال ابن الأعرابي: ماء المفاصل ماء اللحم النئ، شبَّه حمرته بحمرته، وعِهْدَة هذين القولين عليهما دوني " هذا كلام المروزقى، وحديث: بمعنى حادث، والنتاج: الولادة، وتُشَاب: من الشَّوْب وهو الخَلْط والُمَزْجُ، والمفاصل: جمع مَفْصِل - بفتح الأول وكسر الثالث.
وأبو ذؤيب الهذلي شاعر مخضرم إسلامي تقدمت ترجمته في الشاهد السابع والستين من شرح شواهد شرح الكافية
стр. 1177
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثامن والسبعون (من الطويل) : ٧٨ - * مَعَ الصُّبْحِ رَكْبٌ مِنْ أُحَاظَةَ مُجْفِلُ * على أن ركباً لفظه مفرد، بدليل عود الضمير إليه من صفته مفرداً، وهو مُجْفِلٌ.
وهذا المصراع عجز، وصدره: * فَعَبَّتْ غِشَاشاً ثُمَّ مرت كأنها * وهو بيت منن أبيات لامية العرب للشَّنْفَرَى، في وصف قطا وَرَدَتْ ماء وأنه سبقها إليه فشربت فضْلَتَهُ.
وقوله " فعبت غشاشاً - إلخ " العب: شرب الماء بلا مَصّ، قال ثعلب: عَبَّ يعب، إذا شَرِب الماء فصبه في الحلق صبا، وفاعل " عَبَّتْ " ضمير القطا، و " غِشَاشاً " بكسر الغين المعجمة بعدها شينان معجمتان - قال بعض أهل اللغة: معناه على عجلة، وقال بعض آخر: أي قليلاً أو غير مرئ، يقول: وردت القطا على عجل ثم صدرت في بقايا من ظلمة الفجر، وهذا يلد على قوة سرعتها، وقوله " من أحاظة " متعلق بمحذوف على أنه صفة لركب، وأحاظة - بضم الهمزة بعدها حاء مهملة وظاء مشالة معجمة - قبيلة من الأزد في اليمن، ومجفل: صفة ثانية لركب، وهو بالجيم اسم فاعل من أجفل بمعنى أسرع، و " الركب " قال ابن قتيبة في أدب الكاتب: أصحاب الإبل، وهم العشرة ونحو ذلك، قال شارحه ابن ابن السَّيِّد: هذا الذي قاله ابن قتيبة قاله غير واحد، وحكى يعقوب عن عمارة ابن عقيل قال: لا أقول راكب إلا لراكب البعير خاصة، وأقول: فارس وبَغَّال وحَمَّار، ويقوي هذا الذي قاله قول قُرَيْطٍ العنبري (من البسيط) : فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْماً إذَا رَكِبُوا * شَنُّوا الإغَارَةَ فُرْسَاناً ورُكْبَانَا
والقياس يوجب أن هذا غلط، والسماع يعضد ذلك، ولو قالوا إن هذا هو
стр. 1178
الأكثر في الاستعمال لكان له وجه، وأما القطع على أنه لا يقال راكب ولا ركب إلا لاصحاب الابل خاصة فغير صحيح، لأنه لا خلاف بين اللغويين في أنه يقال: ركبت الفرس، وركبت البغل، وركبت الحمار، واسم الفاعل من ذلك راكب، وإذا كثرت الفعل قلت: رَكَّاب ورَكُوب، وقد قال تعالى: (والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وزينة) فأوقع الركوب على الجميع، وقال امرؤ القيس (من المتقارب) : * إذَا ركبوا الخيل واستلاموا * وقال زيد الخيل (من الطويل) : * وَيَرْكَبُ يَوْمَ الرَّوْعِ فِينَا فَوَارِسُ * وهذا كثير في الشعر وغيره، وقد قال تعالى: (فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) وهذا اللفظ لا يدل على تخصيص شئ بشئ، بل اقترانه بقوله (فَرِجَالاً) يدل على أنه يقع على كل ما يقع على الأرض، ونحوه قول الراجز (من الرجز) : بَنيْتَه بِعْصْبَةٍ من ماليا * أخشى ركيبا أو رُجَيْلاً عَادِياً فجعل الرَّكْب ضد الرَّجْل، وضد الرَّجْل يدخل فيه راكب الفرس وراكب الحمار وغيرهما، وقول ابن قتيبة أيضاً " إن الركب العشرة ونحو ذلك " غَلَطٌ آخر، لأن الله تعالى قال: (والركب أسفل منكم) يعنى مشركي قريش يوم بدر، وكانوا تسعمائة وبضعا وخمسين، والذى قال يعقوب في الركب هم العشرة فما فوقها، وهذا صحيح، وأظن أن ابن قتيبة أراد ذلك فغلط في النقل، انتهى كلام ابن السيد وقد تكلمنا على هذا البيت بأبسط من هذا في الشاهد السابع والخمسين بعد
الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية
стр. 1179
وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع والسبعون (من الرجز) ٧٩ - * أخْشَى رُكَيْباً أوْ رُجَيْلاً عَادِياً * على أن رَكْباً اسم جمع، ولفظه مفرد، بدليل تصغيره على لفظه كما تصغر المفردات، قال ابن جني في شرح تصريف المازني: " جميع ما كان اسماً للجمع تحقِّره على لفظه، أخبرنا أبو علي أن أبا عثمان أنشده (من الرجز) بَنيْتَه بِعْصْبَةٍ مِنْ مَالِيا * أخْشَى رُكَيْباً أوْ رُجَيْلاً عَادِيَا فهذان تحقير رَكْب ورَجْل، وهما اسمان للجمع بمنزلة ركَّاب ورَجَّالة، وكان أبو الحسن يقول في تحقير ركب: رُوَيْكِبُون: لأنه جمع كسر عليه راكب، وقولهم " رُكيْب " يدل على خلاف مذهبه، وهو قول سيبويه، وهو الصواب انتهى.
والشعر لا حيحة بنُ الْجُلاَح، وهو هكذا: بَنَيْتُ بَعْدَ مُسْتَظَلّ ضاحيا * بَنَيْتُهُ بِعْصْبَةٍ مِنْ مَالِيَا وَالشَّرُّ مِمَّا يَتْبَعُ الْقَوَاضِيَا * أخْشَى رُكَيْباً أو رُجَيْلاً عَادِيا وأنشد صاحب الكشاف البيت الأخير عند تفسير قوله تعالى: (حرسا شديدا) من سورة الجن، على أن الحرس) اسم مفرد بمعنى الْحُرَّاس كالْخَدَم بمعنى الْخُدَّام وكالرَّجْل والرَّكْب في البيت فإنهما بمعنى الرجالة والرُّكَّاب وقال شارح أبيات التفسيرين خضر الموصلي: هذا البيت كأنه في وصف حِصْنٍ بناه ليمنعه من الحوادث لم أطلع له على خبر، انتهى أقول: أورد خبره الأصفهاني في الأغاني، قال: كان لأحيحة بن الْجُلاَح أُطُمان أُطُمٌ في قومه يقال له المستظل، وهو الذي تحصَّن فيه حين قاتل تُبَّعاً أبا كرب
الحميري، وأطمه الضَّحْيَان بالعُصْبة في أرضه التي يقال لها الغيابة، بناه بحجارة سود بني عليه مَنَارَة بيضاء مثل الْقَصَّة، ثم جعل عليها مثلها، يراها الراكب من مسيرة،
стр. 1180
وكانت الآطام عِزَّهُمْ وحصونهم يتحرَّزونَ فيها من عدوهم، ويزعمون أنه لما بناه هو وغلام له أشرف ثم قال: لقد بنيت حصناً حصيناً ما بنى مثله رجل من العرب أمنع منه، ولقد عرفت موضع حجر منه لو نزع لوقع جميعاً، فقال غلامه: أنا أعرفه، قال: فأرنيه يا بني، قال: هو هذا، وصرف إليه رأسه، فلما رأى أحيحة أنه قد عرفه دفعه من رأس الأطم فوقع على رأسه فمات، حتى لا يعرف ذلك الحجر أحد، ولما بناه قال: * بَنَيْتُ بَعْدَ مُسْتَظَلّ ضَاحِيَا * الأبيات الأربعة قال: وكان أحيحة سَيِّد قومه الأوس، وكان رجلاً صَنَعاً للمال شحيحاً عليه يبيع بيع الربا بالمدينة، حتى كاد يحيط بأموالهم، وكانت له تسع وتسعون بئراً كلها يُنْضح عليها، انتهى.
قال الزمخشري في كتاب الأمكنة: عَصْبة: موضع بقباء، وأنشد الشعر المذكور، انتهى.
وقال السمهودي في تاريخ المدينة المنورة: أطم يقال له مستظل عند بئر غرس كان لأحيحة ثم صار لبني عبد المنذر، انتهى.
وقال صاحب الصحاح: والاطم (مثل الأجم (١)) يخفف ويثقل، والجمع آطام، وهي حصون لأهل المدينة، والواحدة أطَمَةٌ بفتحات، انتهى.
و" المستظل " معناه موضع الاستظلال، و " الضَّحْيان " بمعنى الضاحي، وهو البارز غير المستتر، وكأنه سَمَّاه بهما، ولما لم يستقم له في الشعر الضَّحْيَان جاء بالآخر موضعه، وعَصْبَة بفتح العين وسكون الصاد المهملتين فباء موحدة،
وليس لهذه الكلمات ذكر في معجم ما استعجم لأبي عبيد البكري، ولا في
стр. 1181
في الصحاح، ولما لم يقف ابن بري على هذا النقل ظن أن العصبة الرجال، فقال في شرح أبيات الإيضاح للفارسي: العصبة من الرجال نحو العشرة، واستعارها للجزء من المال، وعلى هذا تكون من صفةً للعصبة متعلقة بمحذوف، ويجوز أن يريد بالعصبة الرجال ومِنْ متعلقة ببنيته: أي بنيته من مالي بعصبة، والباء متعلقة بمحذوف: أي مستعيناً بعصبة، ويروى " غاديا " بالغين المعجمة من الاغتداء، هذا كلامه.
وقوله " والشر " هو ضد الخير، أراد أن الشر يتبع الأمور المقضية المحتمة وقوله " أخشى ركيباً - إلخ " صغر الرَّكْب والرَّجْل للتقليل، وإذا كان يخشاهما مع قلتهما فخشيته مع كثرتهما من باب أولى، والركب: اسم جمع راكب، وقال صاحب المصباح: وراكب الدابة جمعه ركب كصاحب وصحب، وكذا قال في الرَّجْل، قال: الراجل: خلاف الفارس، وجمعه رَجْل، مثل صاحب وصحب، وكان ينبغي أن يقول: والراجل خلاف الراكب، و " عاديا " صفة رجيْلاً، وصفة " ركيباً " محذوفة لدلالة الثاني عليه، وهو من عدا عليه يعدو عَدْوا وعُدْوَاناً وعَدَاء، بالفتح والمد، إذا ظلم وتجاوز الحد.
وأحيحة بن الْجُلاَح جاهلي، وأُحَيْحَة بضم الهمزة وفتح الحاءين المهملتين بينهما ياء تصغير، والجُلاَح - بضم الجيم وتخفيف اللام وآخره حَاء مهملة - وقد ذكرنا نسبة وترجمته في شرح الشاهد السابع والعشرين بعد المائتين من شرح شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثمانون (من الرجز) :
٨٠ - * وَفَاضِحٍ مُفْتَضِحٍ في أرهطه * على أن الا رهط مفرد الأراهط، والأرْهط جمع رهط - بفتح فسكون - قال
стр. 1182
الصاغاني في العُباب: رَهْط الرجل: قومه وقبيلته، يقال: هم رهطه دِنْيَةً، والرهط: ما دون العشرة من الرجال لا تكون فيهم امرأة، وليس له واحد من لفظه، مثل ذَوْدٍ، وقال بعضهم: الرَّهْط عند العرب: عدد يجمع من سبعة إلى عشرة، قال ابن دريد: وربما جاوز ذلك قليلاً، وما دون السبعة إلى الثلاثة النفر، وقد يحرك فيقال: الرَّهْط، والجمع أرهط، وأنشد الأصمعي: * وَفَاضِحٍ مُفْتَضِحٍ فِي أرْهُطِهْ * انتهى.
وقد ورد رجز رؤبة بن العجاج أيضاً، قال (من الرجز) : * وَهْوَ الذَّلِيْلُ نَفَراً فِي أَرْهُطِهْ * وبهذا يرد على أبى على الفارسي في زعمه أن اسم الجمع كرَكْب ورَجْل ورَهْط وطَيْر لا يجمع جمع قلة، وقد قالوا أيضاً: قوم وأقوام، قال في المسائل البغدادية: حكى سيبويه أطيار، وحمله على أنه جمع طائر، مثل صاحب وأصحاب، وشَاهِدٍ وأشهاد، وفَلُو وأفلاء، لأن فَلوًّا مثل فاعل في الزيادة والزنة (١) ، فإن قال قائل: هلا حمله على أنه جمع طَيْر؟ قيل له: لا يكون عنده إلا جمع طائر، لأن طائراً زعم أنه جمع على طير مثل تَاجر وَتَجْر، وإذا كان مثل تَجْر ورَكْب لم يجز جمعه، ألا ترى أنه لم نجز ذلك (٢) في جمع الجمع؟ ويمتنع جمع هذا أيضاً من جهة القياس، لأن تَجْراً وبابه يراد به الكثرة، فحكمه إذا جمع أن يراد به التكثير، وأفْعَال لا يراد به الكثرة، بل خلافها، فإن قيل: فهلا جاز جمعه على أفْعَال كما جاز إبِلاَنِ؟ قيل له: هذا قليل لا يقاس عليه، فإن
قيل: فهلا جاز تكسيره كما جاز تحقيره؟ حكى سيبويه رَجْلٌ ورُجَيْلٌ، وكما
стр. 1183
قرأت على أبي بكر عن أبي العباس عن أبي عثمان قال: أنشدني الأصمعي لأحَيْحة بن الْجُلاَح: * أخْشَى رُكَيْباً أوْ رُجَيْلاً عَادِيُا * قيل: لا ينبغي أن يجوز التكسير من حيث جاز التصغير، وذاك أن هذا الاسم على بناء الآحاد، والمراد به الكثرة، فلو كسر كما صغر لكان في ذلك إجراؤه مجرى الآحاد وإزالته عما وضع له من الدلالة على الكثرة، إذ كان يكون في ذلك مساواته له من جهة البناء والتكسير والتحقير والحديث عنه كالحديث عن الآحاد، نحو ما أنشده أبو الحسن (من الطويل) : * لَهُمْ جَامِلٌ لا يهدأ اللَّيْلَ سَامِرُهْ * وهذا كل جهاته أو عامته، فيجب إذا صغر أن لا يكسر فيكون بتولد تكسيره منفصلاً مما يراد به الآحاد دون الكثرة، ومتميزا بها منها، على أن ركيباً في البيت يجوز أن يكون محقراً على حذف الزيادة كباب أزْهَر وزُهَير، فإن قال قائل: أليس أشياء من باب رَكْب وتَجْرٍ وجَامِلٍ، وقد حدثكم أبو بكر عن أبى عباس قال علماؤنا عن الأصمعي قال: وقف أعرابي على خلف الأحمر، فقال: إن عندك لأشَاوَى، فكسر أشياء على أشَاوى، فما أنكرت أن يجوز جمع طير وبابه؟ قيل له: هذا أشبه، لأنه مكسر على بناء يكون للكثير، وأطيار للقليل، وهذا ردئ لخروجه إلى حيز الآحاد، وهذه حكاية نادرة، لا يجب
القياس عليها فإن قيل: أليس ضأن من هذا الباب لأنه جمع ضائِن، كما أن طيْراً جمع طائر، فقد قيل: ضأن وضئين، كما قالوا: عبد وعبيد، وكلب وكليب، فما أنكرت
стр. 1184
أن يجوز تكسير طير وركب وبابه كما جاز تكسير ضأن إذ هو مثله؟ قيل له: ليس ضئين عندنا جمع ضأن، إنما هو جمع ضائن، وليس ضائن بجمع، إنما هو واحد، ألا تراهم قالوا: ضائنة، فأنثوا، وقالوا: ضوائن، فكسروا، ولو كان جمعاً لم يكسر كما لا يكسر ركب وجامل ونحوه، هذا كلام أبي علي وقول الشاعر " وفاضح مفتضح - إلخ " الفضيحة: العيب، وفَضَحه فَضْحاً من باب نفع، كشف عيبه، فتقديره: وكاشف عيب رهطه ومُنْكَشِفٍ عيبُه في رَهْطِهِ وهذا البيت لم أقف على قائله، ولا عَلَى تتمته، والله أعلم وأنشد بعده (من السريع) : * فِي كُلِّ يَوْمٍ مَا وَكُلِّ لَيلاَهْ * وتقدم شرحه في الشاهد الثامن والأربعين وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادي والثمانون (من الرجز) : ٨١ * بِأَعْيُنَاتٍ لَمْ يُخَالِطْهَا الْقَذَى * على أنه يجوز في الشعر أن يجمع الجمع كما هنا، فإنَّ أعْيُناً جمع عَيْن، وقد جمع بالألف والتاء والقذى: ما يسقط في العين أو في الشراب، وَقَذِيَتْ عينه تَقْذَى قَذًى، إذا سقطت في عينه قَذَاه، وقَذَتْ عينه تَقذِي قَذْياً: أخرجت القذى، وَأَقْذَيْت عينه: رميت فيها القذى، وقذيتها تقذية: إذا أخرجت منها القذى
стр. 1185
التقاء الساكنين أنشد فيه، وهو الشاهد الثاني والثمانون (من الرجز) : ٨٢ - أقْبَلْتُ مِنْ عِنْدِ زِيَادٍ كَالْخَرِفْ * تَخُطُّ رِجْلاَيَ بخط مختلف * تكثبان في الطريق لام الف * على أن الشاعر نقل فتحة همزة ألف إلى ميم لام وأورده الشارح المحقق في شرح الكافية على أن مقصوده اللام والهمزة، لا صورة " لا "، فيكون معناه أنه تارة يمشى مستقيما فتخط رجلاه خطا شبيها بالالف، وتارة يمشى معوجا فتخط رجلاه خطا شبيها باللام وقد تقدم الكلام عليه هناك في شرح الشاهد السابع من أوله بمالا مزيد عليه وهذه الابيات الثلاثة لابي النجم، وهو راجز إسلامى، قال الصولى: كان لابي النجم العجلى صديق يسقيه الشراب فينصرف من عنده ثملا، وأنشد له هذه الابيات.
والخرف - بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء - صفة مشبهة من خرف الرجل خرفا من باب تعب، إذ افسد عقله لكبره، وخط على الارض خطا: أعلم علامة، و " كتب " بالتخفيف والتثقيل، وتثقيله هنا لتكثير الفعل.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والثمانون (من المتقارب) : ٨٣ - لها متنتان خطاتا كَمَا * أكَبَّ عَلَى سَاعِدَيْهِ النَّمِرْ على أن بعضهم جوز رَدَّ الالف مستشهدا بخظاتا، فإنه يقال: خظا يخظو، إذا تحرك، وكان من حقه أن يقول: خضتا، كما يقال: غزتا، تثنية غزت، إلا أنه رد الالف التى كانت سقطت لاجتماع الساكنين في الواحد، ولما تحركت
стр. 1186
تاء التأنيث لاجل ألف التثنية رجعت الالف المحذوفة للساكنين، وهذا قول الكسائي.
وقال الفراء: أراد " خضاتان "، فهو مثنى حذفت نونه للضرورة، كما قال أبو داود (من الهزج) : ومتناه خطاتان * كز حلوف من الهضب قال ابن قتيبة في أبيات المعاني: يقال: لحمه خظا بظا، إذا كان كثير اللحم صلبه، والزحلوف: الحجر الاملس، وقال امرؤ القيس: * لها متنتان خظاتا * - إلخ ويقال: هو خاظى البضيع، إذا كان كثير اللحم مكتنزه، وقوله " خظاتا " فيه قولان: أحدهما أنه أراد خظاتان كما قال أبو دواد، فحذفت نون الاثنين، يقال: متن خظاة ومتنه خظاة، والاخر أنه أراد خظتا: أي ارتفعتا، فاضطر فزاد ألفا، والقول الاول أجود، وقوله " كَمَا أكَبَّ عَلَى سَاعِدَيْهِ النَّمِرْ " أراد كان فوق متنها نمرا باركا لكثرة لحم المتن " انتهى كلام ابن قتيبة.
وأيد ابن جنى قول الكسائي، قال في سر الصناعة: وأما قول امرئ القيس: * لها متنتان خظاتا ... البيت * فإن الكسائي قال: أراد خظتا، فلما حرك التاء رد الالف التى هي بدل من لام الفعل، لانها إنما كانت حذفت لسكونها وسكون التاء، فلما حركت التاء ردها، فقال: خظاتا، ويلزمه على هذا أن يقول في قضتا وغزتا: قضاتا وغزاتا، إلا أن له أن يقول: إن الشاعر لما اضطر أجرى الحركة العارضة مجرى الحركة اللازمة في نحو قولا وبيعا وخافا، وذهب الفراء إلى أنه أراد خظاتان، فحذف النون، كما قال أبو داود الايادي
* ومتنان خظاتان * كزحلوف من الهضب *
стр. 1187
وأنشد الفراء أيضا: (من الرجز) * يا حبذا عينا سليمى والفما * قال: أراد والفمان، يعنى الفم والانف، فثناهما بلفظ الفم للتجاور الذى بينهما، وأجاز الفراء أيضا أن تنصبه على أنه مفعول معه، كأنه قال: مع الفم، ومذهب الكسائي في " خظاتا " أقيس عندي من قول الفراء، لان حذف نون التثنية شئ غير معروف، فأما " والفما " فقد يجوز أن ينصب بفعل مضمر، كأنه قال: وأحب الفم، ويجوز أن يكون الفم في موضع رفع إلا أنه اسم مقصور بمنزلة عصا، وعليه جاء بيت الفرزدق: * هُمَا نَفَثَا فِي مِنْ فَمَوَيْهِمَا * فاعرفه، ومما يؤيد عندي مذهب الكسائي أنه أراد خظتا فلما حرك التاء وإن كانت الحركة عارضة غير لازمة رد الالف التى هي بدل من الواو التى هي لام الفعل، كقولهم " الحمر " في الاحمر، و " لبيض " في الابيض، ألا ترى أنهم اعتدوا بحركة الهمزة المحذوفة لما ألقوها على اللام المعرفة، فأجروا ما ليس بلازم مجرى اللازم؟ ونحو من ذلك قراءتهم (لكنا هو الله ربى) وأصلها لكن أنا، فلما حذفت الهمزة للتخفيف وألقيت فتحتها على نون لكن صار التقدير لكننا فلما اجتمع حرفان مثلان متحركان كره ذلك كما كره شدد وجلل، فأسكنوا النون الاولى، وأدغموها في الثانية فصار لكنا، كما أسكنوا الحرف الاول من شدد وجلل، وأدغموه في الثاني فقالوا: شد وجل، أفلا ترى أنهم أجروا المنفصل وهو لكن أنا مجرى المتصل في شد وجل، ولم يقرأ أحد لكننا مظهرا، فهل ذلك إلا لاعتدادهم بالحركة وإن كانت غير لازمة؟ وعلى هذا قالوا (سل بنى إسرائيل)
وأصله اسال، فلما خففت الهمزة فحذفت وألقيت حركتها على السين قبلها اعتد بها فحذفت همزة الوصل لتحرك الحرف بعدها، ونظائر هذا كثير، ومنها قولهم في تخفيف
стр. 1188
رؤيا: ريا، وأصلها رويا، إلا أنهم أجروا الواو في رويا وإن كانت بدلا من الهمزة مجرى الواو اللازمة فأبدلوها ياء وأدغموها في الياء بعدها، فقالوا: ريا، كما قالوا: طويت طيا وشويت شيا، وأصلهما طويا وشويا، ثم أبدلوا الواو ياء وأدغموها في الياء فعلى هذا قالوا: ريا، ومن اعتد بالهمزة المنوية وراعى حكمها - وهو الاكثر والاقيس - لم يدغم فقال: رويا، فهذا كله وغيره مما يطول ذكره، يشهد باجرائهم غير اللازم مجرى اللازم ويقوى مذهب الكسائي، إلا أن للفراء أن يحتج لقوله ببيت أبى داود * ومتنان خظاتان * فهذا يقوى أن خظاتا تقديره خظاتان وأنشدوا بيتا آخر، وهو قوله: (من الطويل) لنا أعنز لبن ثلاث فبعضها * لاولادها ثنتا وما بيننا عنز تقديره ثنتان، فحذف النون " وهذا آخر كلام ابن جنى (١) وبقى في البيت قول ثالث، وهو أن خظاتا مثنى حذفت نونه للاضافة إلى قوله " كما أكب " وهو قول أبى العباس المبرد، نقل عنه ياقوت الحموى في معجم الادباء في ترجمة أبى العباس أحمد الشهير بثعلب رحمه الرب، ونقله عنه أيضا علم الدين السخاوى في سفر السعادة، وعبارتهما واحدة، قالا: قال أحمد بن يحيى ثعلب: دخلت على محمد بن عبد الله فإذا عنده أبو العباس المبرد وجماعة من أصحابه وكتابه، فلما قعدت قال لى محمد بن عبد الله: ما تقول في بيت امرئ القيس * لها متنتان خظاتا ... البيت * قال: فقلت: أما الغريب فانه يقال: لحم خظا بظا، إذا كان صلبا مكتنزا، ووصفه بقوله " كما أكب على ساعديه " أي في صلابة النمر إذا اعتمد على يديه،
والمتن: الطريقة من عن يمين الصلب وشماله، وأما الاعراب فإنه خظتا، فلما
стр. 1189
تحركت التاء أعاد الالف من أجل الحركة والفتحة، فأقبل بوجهه على المبرد، فقال: أعز الله الامير، إنما أراد في " خظاتا " الاضافة، أضاف خظاتا إلى كما، قال ثعلب فقلت له: ما قال هذا أحد! ! فقال: بلى سيبويه يقوله، فقلت لمحمد بن عبد الله: ما قال هذا سيبويه قط، وهذا كتابه فليحضر، ثم قلت: وما حاجتنا إلى الكتاب؟ أيقال: مررت بالزيدين ظريفي عمرو، فيضاف نعت الشئ إلى غيره؟ فقال محمد لصحة طبعه -: والله ما يقال هذا، ونظر إلى محمد بن يزيد، فأمسك ولم يقل شيئا، ونهض المجلس، وزاد ياقوت في آخر هذه الحكاية " لا أدرى لم لا يجوز هذا، وما أظن أحد ينكرا قول القائل: رأيت الفرسين مركوبي زيد، ولا الغلامين عبدى عمرو، ولا الثوبين دراعتي (١) زيد، ومثله مررت بالزيدين ظريفي عمرو، فيكون مضافا إلى عمرو وهو صفة زيد، وهذا ظاهر لكل متأمل " هذا كلامه وأقول: هذه الامثلة كلها أبدال لا نعوت، لعدم الربط وهذا البيت من جملة أبيات في وصف فرس من قصيدة لامرئ القيس قد شرحناها في الشاهد العشرين بعد السبعمائة من شرح شواهد شرح الكافية وأنشد بعده وهو الشاهد الرابع والثمانون: (من المنسرح) ٨٤ - لا تُهِينَ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ * تَرْكَعَ يَوْماً وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ على أن أصله " لا تهينن الفقير " فحذفت نون التوكيد الخفيفة لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة دليلا عليها وهذا آخر أبيات للاضبط بين قريع السعدى، وقبله:
قد يجمع المال غير آكله * ويأكل المال غير من جمعه
стр. 1190
فاقبل من الدهر ما أتاك به * من قر عينا بعيشه نفعه وصل حبال البعيد إن وصل الحبل * وأقص القريب إن قطعه وهى أكثر من هذا، وقد شرحناها في الشاهد الرابع والخمسين بعد التسعمائة من آخر شرح شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والثمانون، وهو من شواهد سيبويه (من الرجز) : ٨٥ - يستوعب البوعين من جريره * مِنْ لَدُ لَحْيَيْهِ إِلَى مَنْحُورِهِ على أن أصله " من لدن " فحذفت النون قال سيبويه: " فأما لدن فالموضع الذى هو أول الغاية، وهو اسم يكون ظرفا، يدلك على أنه اسم قولهم: من لدن، وقد يحذف بعض العرب النون حتى يصير على حرفين، قال الراجز غيلان * يستوعب البوعين ... إلى آخر البيتين " * قال الاعلم: " أراد أن لد محذوفة من لدن منوية النون فلذلك بقيت على حركتها، ولو كانت مما بنى على حرفين للزمها السكون كعن ونحوها، وصف بعيرا أو فرسا بطول العنق، فجعله يستوعب من حبله الذى يوثق به، مقدار باعين، فيما بين لحييه ونحره، والمنحور والنحر: الصدر، واللحى: العظم الاسفل من الشدق، وسمى بذلك لقلة لحمه، كأن اللحم لحى عنه: أي قشر، والبوع: مصدر بعت الشئ بوعا إذا ذرعته بباعك، والجرير: الحبل " انتهى كلامه
وقبلهما: يتبعن شهما لان من ضريره * من المهارى رد في حجوره قوله يتبعن إلخ " أي: يتبع الابل جملا " شهما ": أي حديد النفس ذكى
стр. 1191
القلب، والضرير - بالضاد المعجمة -: النفس وشدتها، يقال: ناقة ذات ضرير، إذا كانت شديدة النفس بطيئة اللغوب، والضرير من الدواب: الصبور على كل شئ، كذا في العباب: يريد أنه لان شئ من شدة نفسه وامتناعه، ولو كانت نفسه على ما كانت عليه من الصعوبة لشق عليها، وقوله " من المهاوى " أي: من الابل المهارى نسبة إلى مهرة.
قال صاحب العباب: ومهرة بن حيدان أبو قبيلة من اليمن تنسب إليه الابل المهرية، والجمع المهارى، وإن شئت خففت الياء فقلت المهارى كالصحارى والصحارى وقوله " رد في حجوره " أي: في كرم أمهاته، يريد أنه من نسل إبل كرام.
وقوله " يستوعب البوعين الخ " بفتح المواحدة، قال صاحب العباب: قال الليث البوع والباع لغتان.
فلا حاجة إلى ما تكلفه الاعلم، والجرير - بفتح الجيم -: الحبل، يريد أن طويل الحبل الذى هو مقوده من لحيبه إلى موضع نحره مقدار باعين، يريد طول عنقه وقوله " من لد لحييه " مثل لحى - بفتح اللام وسكون الحاء المهملة - وهو العظم الذى ينبت عليه الاسنان، والمنحور: بضم الميم وبعد النون حاء مهملة، كذا في العباب، وهو لغة في النحر لمنحر، ومعناه أعلى الصدر، وهو الموضع الذى تقع عليه القلادة والموضع الذى ينحر فيه الهدى وغيره، وصحفه الجوهرى فرواه بالخاء المعجمة، وقال: المنخور لغة في المنخر، وأنشده، وكذا رواه أيضا في مادة
لدن، ونبه ابن بري في أمالية عليه، قال: " وصواب إنشاده كما أنشده سيبويه " إلى منحوره " بالحاء، والمنحور النحر، وهو المنحر، وصف هذا الشاعر فرسا بطول العنق فجعله يستوعب من حبله مقدار باعين من لحييه إلى نحره " انتهى.
وكذا قال في مادة (ل د ن) ، وصوابه يصف كما ذكرنا، وتبعه الصفدى في حاشيته على
стр. 1192
الصحاح، وقال: هذا الذى عليه العلماء، ولا معنى فيه لما قاله الجوهرى، ورواه الصاغانى في العباب بالوجهين: بالحاء المهملة، والمعجمة، في المادتين، قال: ويروى منخوره بالخاء المعجمة أيضا، ويروى حنجوره، فزاد رواية ثالثة، وهى بضم الحاء المهملة وبعد النون جيم، لغة في الحنجرة كحيدرة، وهى الحلقوم ونسب ابن برى أيضا هذا الرجز إلى غيلان بن حريث الربعي، وتقدم في الشاهد الثالث والسبعين بعد السبعمائة من شرح شواهد شرح الكافية أنى لم أقف على ترجمة، والله أعلم به وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس والثمانون: (من الرجز) ٨٦ - * وحاتم الطائى وهاب المئى * على أنه حذف التنوين من حاتم لضرورة الشعر، وقبله * حيدة خالي ولقيط وعلى * والبيتان من رجز لامرأة تفتخر بأخوالها من اليمن، وأورده الشارح المحقق في شرح الكافية على أن المئى أصله عند الاخفش المئين، حذفت النون الجمع للضرورة.
وقد شرحناه مفصلا بما لا مزيد عليه مع بقية في الشاهد الرابع والأربعين بعد الخمسمائة هناك فارجع إليه وأنشد بعده: (من الطويل) عَجِبْتُ لِمَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ ابٌ * وَذِي وَلَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أَبَوَانِ
وتقدم الكلام عليه في الشاهد العاشر من هذا الكتاب وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع والثمانون، وهو من شواهد سيبويه: (من الوافر) ٨٧ - فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِنْ نُمَيرٍ * فَلاَ كَعْباً بَلَغْتَ وَلاَ كِلاَبَا
стр. 1193
على أن يونس سمعهم ينشدونه بفتح الضاد من قوله: فغض، قال سيبويه: " ومنهم من يدعه إذا جاء بالالف واللام على حاله مفتوحا، يجعله في جميع الاشياء كإن، وزعم يونس أنه سمعهم يقولون: * فغض الطرف ... البيت * " انتهى ونسب الزمخشري في المفصل الفتح الى بنى اسد، قال: " ومنهم من فتح وهم بنو أسد، قال: فغض الطرف، ونمير بالتصغير: أبو قبيلة، وهو نمير بن عامر ابن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة ابن قيس بن عيلان بن مضر، وكعب وكلاب أخوان، وهما ابنا ربيعة بن عامر ابن صعصعة، فنمير وربيعة أخوان وأمهما رقية بنت جُشَم بن معاوية بن بكر بن هوازن، قال ابن الكلبى في الجمهرة: ولد ربيعة بن عامر كلابا وإليه البيت، وكعبا وإليه العقد، كان إذا كان في ولد ربيعة جوار تولوا هم ذلك دون ولد أبيه، ومن أولاد ربيعة كليب بالتصغير وعامر والحرث، فهؤلاء الخمسة أولاد ربيعة لا غير و " غض " فعل أمر من غض طرفه وصوته، ومن طرفه وصوته، غضا، من باب قتل، إذا خفضهما، وغض الطرف: إرخاء الجفون، والطرف: نظر العين، يقول: لا تفتح عينيك بتحديق كنظر العزيز، بل انظر الذليل بغض وتغميض: فإن قبيلتك بنى نمير لم يشرفوا كشرف بنى أخى نمير، وأنت خامل،
ولبنى عمك النباهة والذكر، فلا نلت رتبة كعب في السيادة ولا بلغت منزلة كلاب في العز، والتفضيل بين الاقارب عند العرب ممض مؤلم تأثيره أشد من الهجاء المقذع.
والبيت من قصيدة لجرير هجا بها الراعى النميري مطلعها: أقلى اللوام عاذل والعتابا * وقوله إن أصبت لقد أصابا
стр. 1194
وسبب هجوه أن الراعي كان شاعر مضر وذا سنِّها، ولما قدم البصرة دخل بين جرير والفرزدق، فقال: (من الكامل) يَا صَاحِبَيَّ دَنَا الأَصِيلُ فَسِيرَا * غَلَبَ الْفَرَزْدَقُ فِي الْهِجَاءِ جَرِيرَا فلقيه جرير، فقال له: إني وابن عمي الفرزدق نستب صباحاً ومساءً، وما عليك من غلبة الغالب والمغلوب، فإما أن تكف عنا، وإما أن تُغَلِّبَنِي، فقال له الراعي: صدقت، لا أبعدك (الله) من خير، فبينما هما في القول إذ رآهما جندل بن الراعي فأقبل على فرس له فضرب بغلة أبيه وقال له: مالك يراك الناس واقفاً على كلب بني كليب، فصرفه عنه، فقال جرير: أما والله لأثقلن رواحلك، ثم أقبل إلى منزله وقال لروايته: زد في دهن سراجك الليلة وأعدد لَوْحاً ودواة، ثم أقبل على هجاء بني نمير، فلم يزل يمل حتى ورد عليه قوله: * فغض الطرف إنك من نمير ... البيت * فقال: حسبك أطفئ سراجك ونم، فرغت منه ثم إن جريراً أتم القصيدة بعد وسماها الدامغة حتى إذا أصبح ورأى الراعي في سوق الإبل أنشده إياها حتى وصل إلى قوله أجَنْدَلُ، مَا تَقُولُ بَنُو نُمَيْرٍ * إذَا مَا الأَيْرُ في اسْتِ أبِيكَ غَابَا؟ فقال الراعي: شراً والله تقول، إلى أن قال:
إذَا غَضِبَتْ عَلَيْكَ بَنُو تَمِيمٍ * رَأَيْتَ النَّاسَ كُلَّهُمُ غِضَابَا فغُضَّ الطَّرف إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ * ... البيت قال ابن رشيق في العمدة: " وممن وضعه ما قيل فيه من الشعر حتى أنكر نسبه وسقط على رتبته وعيب بفضيلته: بنو نمير، كانوا جمرة (١) من جمرات العرب إذا سئل أحدهم: ممن الرجل؟ فخَّمَ لفظه ومدَّ صوته وقال: من بني نمير، إلى أن صنع جرير قصيدته التي هجا بها الراعي فسهر لها فطالت ليلته إلى أن قال:
стр. 1195
* فغض الطرف إنك من نمير البيت * فأطفأ سراجه ونام، وقال: والله قد أخزيتهم آخر الدهر، فلم يرفعوا رأساً بعدها إلا نكس بهذا البيت، حتى إن مولى لبني باهلة كان يرد سوق البصرة ممتاراً، فيصيح به بنو نمير: يَا جُوَاذِبَ (١) باهلة، فَقصَّ الخبر على مَوَاليه، وقد ضجر من ذلك، فقالوا له: إذا نبزوك فقل لهم * فغض الطرف إنك من نمير * ومر بهم بعد ذلك فنبزوه، وأراد البيت فنسيه، فقال: غض وإلا جاءك ما تكره، فكفوا عنه ولم يعرضوا له بعدها، ومرت امراة ببعض مجالس بني نمير، فأداموا النظر إليها فقالت: قبحكم الله يا بني نمير، ما قبلتم قول الله (قل للمؤمنين يغضو من أبصاهم) ولا قول الشاعر: فَغُضَّ الطَّرْفِ إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ ... البيت وهذه القصيدة تسميها العرب الفاضحة، وقيل: سماها جرير الدامغة، تركت بني نمير بالبصرة ينتسبون إلى عامر بن صعصعة ويتجاوزون أباهم نميراً إلى أبيه هرباً من ذكر نمير وفراراً مما وسم به من الفضيحة وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا في الشاهد الرابع من أول شرح شواهد
شرح الكافية وقد خبط خبط عشواء في هذا البيت بعض فضلاء العجم في شرح أبيات المفصَّل، قال: " البيت لجرير يهجو به الفرزدق، لأن نميراً أبو قبيلة من قيس وهو نمير بن عامر بن صعصعة، بن مجاشع من أجداد الفرزدق، وكعب وكلاب في قريش " هذا كلامه، وفيه خلل من وجوه: الأول أن المهجو نميري والفرزدق تميمي، الثاني أن صعصعة والدَ عامر ليس جد الفرزدق، الثالث أن صعصعة جد الفرزدق ليس ابنَ مجاشع، وإنما هو صعصعة بن ناجية بن عقال ابن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارِم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد