١١٧ - وَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَلْمَى سِنِينَ ثمانيا * على صِيرِ أمْرٍ مَا يُمِرُّ وَمَا يَحْلْ على أنه حذف الواو من " يَحْل " للوقف، وهي لام الكلمة، كما حذفت واو الإشباع من " الثقل " في البيت الذي هو بعده.
وهو مطلع قصيدة لزهير بن أبي سلمى مدح بها سنان بن أبي حارثة المري.
وصحا: أفاق: أي رجع عقله إليه، وأقفر: صار قفراً لا أنيس به، والتعانيق:
موضع، وكذا الثقل - بكسر المثلثة وسكون القاف - موضع، يقول أفاق قلبي من حُبِّ سلمى لبعدها منه، وقد كان لا يفيق من شدة التباس حبها به، وقوله: و " قد كنت من سلمى - إلخ " الصِّير - بكسر الصاد المهملة -: الإشراف على الشئ والقرب منه، يقال: أنا من حاجتي على صير: أي على طرف منها، وإشراف من قضائها، وفى الصحاح: " وأمر الشئ: صار مرا، وكذلك مر الشئ يمر بالفتح مرارة، وأمره غيره ومَرَّه " انتهى.
وأنشد العسكري هذا البيت في كتاب التصحيف، وقال: " على صِير أمْرٍ " على منتهاه ويقال: صِيره وصَيْرُورَتَهُ، قال أبو عمرو: أي على شَرَف أمرٍ، والياء من يُمرُّ مضمومة، لأن اللغة العليا أمر الشئ يُمر إمراراً، وهو مذهب البصريين وابن الأعرابي، وأهل بغداد يقولون: مر الشئ، قالوا: من العرب من يقول: مر الشئ يَمَرَ مَرَارَة، انتهى.
و" يحلو " مضارع حَلاَ الشئ: أي صار حلواً، وأما أحْلَى فمعناه أن يجعله حُلواً، يقال: فلان لا يحلو ولا يمر: أي لا يأتي بحلو ولا مر، وقوله " ما يمر وما يحلو " أي: لم يكن الأمر الذي بيني وبينهما مراً فأيأس منه، ولا حلواً فأرجوه، وهذا مثل، وإنما يريد أنها كانت لا تصرمه فيحمله ذلك على اليأس والسلو ولا
стр. 1262
تواصله كل المواصلة فيهون أمرها عليه، ويشفَي قلبه منها، يقول: كنت في هذه السنين بين يأس وطمع، ولم أيئس منها فيمِر عيشي ولم أطمع أن تصلني فيحلو، وأنشد بعده، وهذا الشاهد الثامن عشر بعد المائة (من الطويل) ١١٨ - صَحَا الْقَلْبُ عَنْ سَلْمَى وَقَدْ كَادَ لاَ يَسْلْ * وأَقْفَرَ مِنْ سَلْمَى التَّعَانِيقُ فَالثِّقْلْ على أنه حذفت واو الإطلاق من " الثقل " فسكن اللام للوقف، وهذه
الواو ناشئة من إشباع ضمة اللام، وقد تقدم شرحه وأنشد بعده وهو الشاهد التاسع عشر بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: من الرجز) ١١٩ - دَايَنْتُ أرْوَى وَالدُّيّونُ تقضى * فمطلت بعضا وأدت بعظا على أن الألف لا يجوز حذفها في الوقف قال سيبويه: " وأما يخشى ويرضى ونحوهما فإنه لا يحذف منهن الألف، لأن هذه الألف لما كانت تثبت في الكلام جعلت بمنزلة ألف النصب التي تكون في الوقف بدلاً من التنوين، فكما تبيِّن تلك الألف في القوافي فلا تحذف، كذلك لا تحذف هذه، فلو كانت تحذف في الكلام ولا تمد إلا في القوافي لحذفت ألف يخشى كما حذفت ياء يقضى، حيث شبهتها بالياء التي في " الأَيَّامِي " فإذا ثبتت التي بمنزلة التنوين في القوافي لم تكن التي هي لام أسوأ حالاً منها، ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول (من الطويل) : * ... لَمْ يَعْلَمْ لَنَا النَّاسُ مُصْرَعْ * فتحذف الألف؟ لأن هذا لا يكون في الكلام، فهو في القوافي لا يكون،
стр. 1263
فإنما فعلوا ذلك بيقضي ويغزو لأن بناءهما لا يخرج نظيره إلا في القوافى، وإن شئت حذفته فإنما ألحقتا بما لا يخرج في الكلام، وألحقت تلك بما يثبت على كل حال، ألا ترى أنك تقول: دَايَنْتُ أرْوَى وَالدُّيُونُ تُقْضَى * فَمَطَلَتْ بَعْضَاً وَأَدَّتْ بَعْضَا فكما لا تحذف ألف بعضاً كذلك لا تحذف ألف تُقْضَى " (١) انتهى.
وقوله " في الأيَّامِي " هو قطعة من بيت لجرير عليه رحمة ربه القدير، وهو:
(من الكامل) أيْهَاتَ مَنْزِلُنَا بِنَعْفِ سُوَيْقَةٍ * كانَتْ مُبَارَكَةً مِنَ الايامى وقول: " لم يعلم لنا الناس إلخ " فهو أيضاً قطعة من بيت ليزيد بن الطثريَّة (٢) ، وهو: (من الطويل) فَبِتْنَا تَحِيدُ الْوَحْشُ عَنَّا كَأَنَّنَا * قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا
стр. 1264
وَ " أرْوَى " بالقصر اسم امرأة.
يقول: أسلفتها محبة ووُدّاً توجب المكافأة عليها فلم تجازني على فعلي وهذا مطلع أرجوزة لرؤبة بن العجاج، إنما هي غَزَل وافتخار، قال الأصمعي: هي من رجز رؤبة القديم، وبعدهما:
وَهْي تَرَى ذَا حَاجَةٍ مُؤْتَضَّا * ذَا مُعْضٍ لَوْلاً تَرُدُّ الْمَعْضَا فَقُلْتُ قَوْلاً عَرَبِيًّا غَضَّا * لَوْ كَانَ خَرْزاً فِي الكُلاَ مَابَضَّا (١) قال الجوهري: يقال أضَّنِي إليك كذا وكذا يَؤُضُّنِي وَيَئْضُّني: أي الجأني واضطرني، وائتَضَّنِي إليه ائتضاضاً: أي اضطرني إليه، قال الراجز: * وَهْي تَرَى ذَا حَاجَةٍ مُؤْتَضَّا * انتهى.
وقوله " ذَا مَعَضٍ إلخ " هو بالعين المهملة، قال الجوهري: مَعِضْتُ من ذلك الأمر أمْعَضُ مَعَضاً.
وامتعضت منه، إذا غضبت وشق عليك، قال الراجز: * ذَا مَعَضٍ لَوْلاَ تَرُدُّ الْمَعْضَا * انتهى.
يريد أن فعله من باب فرِح، وجاء في مصدره تسكين العين أيضاً، كما في البيت، وترد بالبناء للفاعل، والغض - بالغين المعجمة -: الطريّ.
وقوله: " لو كان خَرْزاً في الكُلا " مرادهُ ما بضَّ منها بلل: أي لم يسل لإحكامه تتمة: لم يذكر الشارح المحقق حكم ألف الإطلاق التي لم يلحقها التنوين، وحكمُها جواز حذفها سواء كانت في اسم أم فعل، وقد ذكرها سيبويه، قال: " إذا أنشدوا ولم يترنموا فعلى ثلاثة أوجه: ثالثها أن يُجْرُوا القوافي مُجْراها لو كانت
стр. 1265
في الكلام ولم تكن قوافي شعر، جعلوه كالكلام حيث لم يترنموا وتركوا المدة (لعلمهم أنها في أصل البناء) (١) ، سمعناهم يقولون لجرير: (من الوافر) * أقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالْعِتَابْ *
وللأخطل: (من البسيط) * وَاسْأَلْ بِمَصْقَلَة الْبَكْرِيِّ مَا فَعَلْ * وكان هذا أخف عليهم، ويقولون: (من الرجز) * قَدْ رَابَنِي حَفْصٌ فَحَرِّكْ حَفْصَا * يثبتون الألف، لأنها كذلك في الكلام " انتهى.
قال الأعلم: " الشاهد فيه حذف الألف من " ما فعلا " حيث لم يرد الترنم، وهذا في المنصوب غير المنون جائز حسن، مثله في الكلام، ولا فرق بينه وبين المخفوض والمرفوع في الحذف والسكون، ما لم يريدوا التغني، وقوله " قد رابني حفص إلخ ": " الشاهد فيه إثبات الألف في قوله " حفصاً " لأنه منون ولا يحذف في الكلام إلا على ضعف كالمُعَلْ " انتهى.
وأنشد بعده، وهو الشاهد العشرون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من البسيط) ١٢٠ - لاَ يُبْعِدِ الله إخْوَاناً تَرَكْتُهُمُ * لَمْ أدْرِ بَعْدَ غَدَاةِ الْعَيْنِ مَا صَنَعْ على أن أصله " صنعوا " فحذفت واو الضمير للوقف، وإن كان ينكسر الشعر بحذفها، فإنهم لا يبالون للوقف.
قال سيبويه: " وزعم الخليل أن ياء يقضي وواو إذا كانت واحدة منهما
стр. 1266
حرف الروي (لم تحذف، لأنها ليست بوصل حينئذٍ، وهي حرف روي) كما أن القاف في: * وقَاتِم الأعماق خَاوِي الْمٌخْتَرَقْ *
(حرف الروي) ، وكما لا تحذف هذه القاف لا تحذف واحدة منهما، وقد دعاهم حذف ياء يقضي إلى أن حذف ناس كثير من قيس وأسد الواوَ والياء اللتين هما علامة المضمر، ولم تكثر واحدة منهما في الحذف ككثرة ياء يقضي، لأنهما تجيئان لمعنى الأسماء، وليستا حرفين بنيا على ما قبلهما، فهما بمنزلة الهاء في قوله: (من الطويل) * يَا عَجَبَا لِلدَّهْرِ شَتَّى طَرَائِقُهْ * سمعت ممن يروي هذا الشعر من العرب ينشده (من البسيط) : لاَ يُبْعِدِ الله أصْحَاباً تَرَكْتُهُمْ * لَمْ أدْرِ بَعْدَ غَدَاةِ الْبَيْنِ مَا صَنَعْ يريد ما صنعوا.
وقال (من الكامل) * يَا دَارَ عَبْلَةَ بِالْجِوَاءِ تَكَلَّمْ * يريد تكلمي ".
مع أبيات أخر قال الأعلم: " الشاهد فيه حذف واو الجماعة من صنعوا، كما تحذف الواو الزائدة، إذا لم يريدوا الترنم، وهذا قبيح لما تقدم من العلة " (١) انتهى.
والبيت من قصيدة لتميم بن أُبَيِّ بن مُقْبِل، وقبله: نَاطَ الْفُؤَادُ مَنَاطاً لاَ يُلاَئِمُهُ * حَيَّانِ دَاعٍ لإصْعَادٍ وَمُنْدَفِعُ حَيٌّ مَحَاضِرُهُمْ شَتَّى ويَجْمَعُهُمْ * دَوْمُ الأَيَادِي وَفَاثُورٌ إذَا انْتَجَعُوا لاَ يُبْعِدِ الله أصحابا تركتهم * ... البيت
стр. 1267
ناط الشئ ينوط نوطاً: أي علَّقه، فالفؤاد مفعوله، وحَيَّان: فاعله، والحي: القبيلة، وداع ومندفع: بدل من حيان، وأصعد من بلد بكذا إلى بلد كذا إصعاداً،
إذا سافر من بلد سفلى إلى بلد عليا، وأصعد إصعاداً، إذا ارتقى شَرَفاً، كذا في المصباح، ومندفع: منحدر إلى أسفل، وَالْمَحَاضِر: الذين يحضرن المياه، في الصِّحاح " يقال: على الماء حاضر، وقوم حُضَّار إذا حضروا المياه، ومحاضر " وشَتَّى: جمع شتيت بمعنى متفرق، ودوْم الأيادي: موضع، وهو فاعل يجمعهم، وفاثُورٌ - بالفاء والمثلثة - معطوف على دوم، قال ياقوت في معجم البلدان: فاثُور: موضع أو واد بنجد، وأنشد هذا البيت، وإذا: ظرف ليجمعهم، وانتجع القوم: إذا ذهبوا لطلب الكلأ في موضعه وقوله " لا يُبْعِد الله إلخ " لفظه إخبار ومعناه دعاء، ويجوز أن يقرأ بالجزم على أنه دعاء صورة النهي، و " يبعد " مضارع أبعده بمعنى أهلكه، ويجوز أن يكون بمعنى بعّده تبعيداً: أي جعله بعيدا، و " إخوانا " مفعلوله، وتركتهم: فارقتهم، والبين: الفراق، وما: استفهامية وتميم: شاعر إسلامى معاصر للفرزدق وجرير وقد ترجمناه في الشاهد الثاني والثلاثين من شرح شواهد شرك الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الواحد والعشرون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الكامل) ١٢١ - يَا دَارَ عَبْلَةَ بِالْجِوَاءِ تَكَلَّمْ * وَعِمِي صَبَاحاًَ دَارَ عَبْلَةَ وَاسْلَمْ على أن أصله تكلمي، واسلمي، حذف ضمير المخاطبة منهما - وهو الياء - للوقف والبيت من أوائل معلقة عنترة بن شداد العبسي، وعبلة - بالعين المهملة
стр. 1268
والموحدة -: اسم امرأة، والجواء - بكسر الجيم والمد -: اسم موضع، قال يونس: سئل أبو عمرو بن العلاء عن قول عنترة: وعِمِي صَبَاحاً، فقال: هو
من قولهم: يَعِم المطرُ ويَعِم البحرُ إذا كثر زبده، وكأن يدعو لدارها بكثرة الاستسقاء والخير، وقال الأصمعي: عِمْ وانْعَمْ واحد: أي كن ذا نعمة وأهل إلا أن عِمْ أكثر في كلام العرب، وأنشد بيت امرئ القيس (من الطويل) : الأعم صباحا أيها الطلل البالى * وهل يعمن من كان في العصر الخالى وقد استقصينا ما قيل في هذه الكلمة في الشاهد الثالث من أول شرح شواهد شرح الكافية.
و" دار عبلة " منادى، وحرف النداء محذوف، يقول: يا دار حبيبتي بهذا الموضع تكلمي، وأخبريني عن أهلك ما فعلوا، ثم أضرب عن استخبارها إلى تحيتها فقال: طاب عيشك في صباحك، وسلمت يادار حبيبتي.
وقد ترجمنا عنترة مع شرح شئ من هذه القصيدة، وبيان التسمية وعدد المعلقات في الشاهد الثاني عشر من أوائل شرح شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والعشرون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه (من الطويل) ١٢٢ - * خَلِيْلَيَّ طِيْرَا بِالتَّفَرُّقِ أوقعا * على أنه لا يجوز حذف الالف من " قعا " للوقف لانه ضمير مثنى، قال سيبويه: " وأنشدنا الخليل: * خَلِيْلَيَّ طِيْرَا بِالتَّفَرُّقِ أوْقَعَا * فلم يحذف الألف كما لم يحذفها من تُقْضَى "، قال الأعلم: " أراد أن الالف من قوله " قعا " لا تحذف كما لا تحذف ألف تُقْضى، يقال: وقع الطائر، إذا نزل بالأرض، والوقوع: ضد الطيران " انتهى.
стр. 1269
وخليليَّ: مثنى خليل مضاف إلى ياء المتكلم، و " طيرا " فعل أمر الطيران
مسند إلى ضمير الخليلين، و " قَعَا " فعل أمر من الوقوع مسند إلى ضميرهما، ومعموله محذوف، بدليل ما قبله: أي به ولم أقف على تتمته ولا على قائله والله تعالى أعلم وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والعشرون بعد المائة (من البسيط) : ١٢٣ - تَعَثَّرَتْ بِهِ فِي الأَفْوَاهِ ألسنها * والبرد في الطرق وَالأَقْلاَمُ فِي الْكُتُبِ على أنه إذا كان قبل هاء الضمير متحرك فلا بد من الصلة، إلا أن يضطر شاعر فيحذفها، كما حذفها المتنبي من قوله " به "، قال ابن جني في سر الصناعة: " ومن حذف الواو في نحو: (من الوافر) له رجل كَأَنَّهُ صَوْتُ حَادٍ * إذَا طَلَبَ الْوَسِيقَةَ أوْ زَئِيرُ وقول الآخر: (من البسيط) وَأَشْرَبُ الْمَاءَ مَا بِي نَحْوَهُ عَطَشٌ * إلاَّ لأَنَّ عُيُونَهُ سَيْلُ وَادِيهَا لم يَقُلْ في نحو " رأيتها " و " نظرتها " إلا بإثبات الألف، وذلك لخفة الألف وثقل الواو، إلا أنا قد روينا عن قطرب بيتاً حذفت فيه هذه الألف تشبيهاً بالواو والياء لما بينهما وبينها من الشبه، وهو قوله: (من البسيط) أعْلَقْتُ بِالذِّيْبِ حَبْلاً ثُمَ قُلْتُ لَهُ * الْحَقْ بِأَهْلِكَ وَاسْلَمْ أيُّهَا الذِّيبُ أما تَقُودُ بِهِ شَاةً فَتَأْكُلَهَا * أوْ أَنْ تَبيعَهُ فِي بَعْضِ الأَرَاكِيبِ يريد تبيعها، فحذفت الألف، وهذا شاذ " انتهى.
وقافية البيت الثاني مُقَواة.
стр. 1270
والبيت من قصيدة للمتنبي نظمها في الكوفة بعد رجوعه إليها من مصر رَثَى
بها خَوْلَة أخت سيف الدولة بن حمدان البكري، وتوفيت بميَّا فَارِقِينَ، من ديار بكر، لثلاث بقين من جمادى الآخرة من سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة ورد خبر موتها العراق، فرثاها بهذه القصيدة في شعبان وأرسلها إليه، وقبله: طَوَى الجَزِيرَةَ حَتَّى جَاءَنِي خَبَرٌ * فَزِعْتُ فِيهِ بآمَالي إلَى الْكَذِبِ حَتَّى إذَا لَمْ يَدَعْ لِي صِدْقُهُ أمَلاً * شَرِقْتُ بِالدَّمْعِ حَتَّى كَادَ يَشْرَقُ بِي تَعَثَّرَتْ بِهِ فِي الأَفْوَاهِ ألْسُنَهَا ... البيت طَيُّ البلاد: قطعها بالسير، والجزيرة: بلد يتصل بأرض الموصل، والفزع إلى الشئ: الاعتصام به والالتجاء إليه، والشَّرَقُ: الغصص، وتعثر الألسن: توقفها عن الإبانة، مستعار من عثار الرِّجْل، والبُرْد - بالضم - رجال يحملون الرسائل على دواب تتخذ لهم، الواحد منها يريد، يقول: طوى أرض الجزيرة خبر هذه المتوفاة مسرعاً غير متوقف حتى طرقني بغتة، وورد عليَّ فجأة، ففزعت بآمالي فيه إلى تكذيب صدقه ومخادعة نفسي في أمره، ثم قال: حتى إذا لم يدع لي صدقُهُ أملاً أتعلل بانتظاره ورجاء أخدع نفسي بارتقابه أعلنت بالحزن، واستشفيت بالدمع فأذريت منه ما أشرقني تتابعه، وأدهشني ترادفه، حتى كدت أولمه كتألمي به وأُشرقه كشرَقِي به، ثم قال: تعثرت الألسن بذلك الخبر في الأفواه فلم تظهره لشنعته، ولم تفصح به لجلالته، وكذلك تعثرت به البُرد في الطرق استعظاماً لحمله، والأقلام في الكتب استكراهاً لذكره وقد أوردنا ما يتعلق به بأبسط من هذا في الشاهد السادس والثمانين بعد الأربعمائة من شرح شواهد شرح الكافية
стр. 1271
وأنشد بعده: (من الرمل)
* رَهْطُ مَرْجُومٍ وَرَهْطُ ابْنِ الْمُعَلْ * وتقدم شرحه في الشاهد الثالث بعد المائة وأنشد بعده، وهو الشاهد الرابع والعشرون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الطويل) ١٢٤ - * قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ * على أن حرف الإطلاق لا يلحق الكلمة في الوقف إلا في الشعر إذا أريد التغني والترنم، كما ألحقت الياء لام منزل، ولولا الشعر لكانت اللام ساكنة، قال سيبويه في باب وجوه القوافي في الإنشاد: " أما إذا ترنموا فإنهم يلحقون الألف والياء والواو ما ينون وما لا ينون، لأنهم أرادوا مدّ الصوت، وذلك قولهم لامرئ القيس: * قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ * وقال في النصب ليزيد بن الطثَرية: (من الطويل) فَبِتْنَا تَحِيدُ الْوَحْشُ عَنَّا كَأَنَّنَا * قتيلان لم يَعْلَمْ لَنَا النَّاسُ مَصْرَعا وقال في الرفع للأعشى: (من الطويل) * هُرَيْرَةَ وَدِّعْهَا وَإنْ لاَمَ لاَئِمُ * هذا ما ينون فيه، وما لا ينون فيه قولهم لجرير: (من الوافر) * أقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالْعِتَابَا * وقال في الرفع لجرير أيضاً: (من الوافر) * سُقِيتِ الْغَيْثَ أيَّتُهَا الْخِيَامُ * وقال في الجر لجرير أيضاً: (من الكامل) * كَانَتْ مُبَارَكَةً مِنَ الأَيَّامِ *
стр. 1272
وإنما ألحقوا هذه المدة في حروف الروي لأن الشعر وضع للغناء والترنم، فألحقوا كل حرف الذي حركته منه، فإذا أنشدوا ولم يترنموا فعلى ثلاثة أوجه: أمّا أهل الحجاز فَيَدَعُون هذه القوافي: ما نون منها، وما لم ينون، على حالها في الترنم، ليفرقوا بينه وبين الكلام الذي لم يوضع للغناء، وأما ناس كثير من بني تميم فإنهم يبدلون مكان المدة النونَ فيما ينوّن وفيما لم ينوّن لما لم يريدوا الترنم أبدلوا مكان المدة نوناً، ولفظوا بتمام البناء وما هو منه، كما فعل أهل الحجاز ذلك بحروف المد، سمعناهم يقولون للعجاج: (من الرجز) * يَا أبَتَا عَلَّكَ أوْ عَسَاكَنْ * و * يَا صَاحِ مَا هَاجَ الدُّمُوعَ الذُّرَّفَنْ * وقال العجاج: * مِنْ طَلَلٍ كالاتحمى أنهجن * وكذلك الجر والرفع، والمكسور والمفتوح والمضموم في جميع هذا كالمجرور والمنصوب والمرفوع، وأما الثالث فأن يُجْرُوا القوافي مُجْراها لو كانت في الكلام ولم تكن قوافي شعر، جعلوه كالكلام حيث لم يترنموا وتركوا المدة (لعلمهم أنها في أصل البناء) (١) ، سمعناهم يقولون لجرير: (من الوافر) * أقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالْعِتَابْ * وللأخطل: (من البسيط) * وَاسْأَلْ بِمَصْقَلَة الْبَكْرِيِّ مَا فَعَلْ * وكان هذا أخف عليهم.
ويقولون: (من الرجز) * قَدْ رَابَنِي حَفْصٌ فحرك حفصا *
стр. 1273
يثبتون الألف لأنها كذلك في الكلام " انتهى كلام سيبويه، ونقلناه برمته، لأن الشارح المحقق لم يورد مسائله بتمامها والمصراع صدره، وعجزه * بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فحومل * والبيت مطلع معلقة امرئ القيس، وقد شرحناه شرحاً وافياً في الشاهد السابع والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والعشرون بعد المائة: (من الخفيف) ١٢٥ - * آذنتنا بِبَيْنِهَا أسْمَاءُو * على أن واو الإطلاق لحقت الهمزة من " أسماء " في الوقف لإرادة الترنم، ولو كان في نثر لكنت الهمزة ولما جاز إلحاق الواو لها والمصراع صدر، وعجزه: * رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ * والبيت مطلع معلقة الحارث بن حلزة اليشكرى، وبعده: آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا ثُمَّ وَلَّتْ * لَيْتَ شِعْرِي مَتَى يَكُونُ اللِّقَاءُ و " آذنتنا " أعلمتنا، قال تعالى: (فَقُلْ آذنتكم على سواء) قال ابن السكيت: يقال: آذن يُؤْذن إيذَاناً، وأذَّن يُؤَذِّنُ تَأْذيناً، والاسم الأذَان، بمعنى الإعلام، والبين: الفراق، مَصْدَر بَانَ يَبِينُ بَيْنَاً وَبَيْنُونَة، وأسماء: اسم امرأة، لا ينصرف للعلمية والتأنيث، وأصله وَسْمَاء، أبدلت الواو همزة، ووزنه فَعْلاء، من الوَسْم والوَسَامَة: أي الحسن والجمال، ولم يصب النحاس في شرح المعلقة في زعمه أنه قبل العلمية جمع اسم (١) قال: ولو سميت به رجلا
стр. 1274
لكان الأكثر فيه الصرف، لأنه جمع اسم، وقد قال: إنه لا ينصرف إذا سميت به رجلاً لأن الأصل أن يكون اسماً لمؤنث فقد صار بمنزلة زينب " انتهى وقوله " رُب ثاو - إلخ " أرسله مثلاً، والتقدير رب شخص ثاوٍ، وجواب رُبَّ العامل في محل مجرورها هو يُمَل بالبناء للمفعول، بمعنى يُسْأَم، يقال: مَلِلْتُه أمَلُّه ورجل مَلُول ومَلُولة، والهاء للمبالغة، والثاوي: المقيم، يقال: ثَوَى يَثْوِي ثَوَاءً وَثَوَاية، إذا أقام، يقول: أعلمتنا أسماء بمفارقتها إيانا: أي بعزمها على فراقنا، ورب مقيم تُمَل إقامته، ولم تكن أسماء ممن يُمَلّ وإن طال إقامتها.
وتقدم ترجمته مع شرح أبيات من هذه المعلقة وذكر سببها في الشاهد الثامن والأربعين من شرح شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس والعشرون بعد المائة (من الطويل) ١٢٦ - وَمُسْتَلْئمٍ كَشَّفْتُ بِالرُّمْحِ ذَيْلَهُ * أقَمْتُ بِعَضْبٍ ذِي شَقَاشِقَ مَيْلَهُ لما تقدم قبله والواو واو رب، والمستلئم: اسم فاعل من استلأم الرجُل: أي لبس الَّلأمة، واللأمة بالهمز: الدرع، وكشفت - بالتشديد - للمبالغة، وذيله: مفعوله، يعني طعنته بالرمح فسقط عن فرسه وانكشف ذيله، وأقمت: بمعنى عَدّلْت تعديلاً، والْعَضْب - بفتح العين المهملة وسكون الضاد المعجمة -: السيف القاطع، وهنا مستعار للسان (١) ، شبه به للتأثير والإيلام، والشقاشق: جمع شِقْشِقة
стр. 1275
بكسر الشين، وهى شئ كالرئة يخرجها البعير من فيه إذا هاج، ويشبه الفصيح المنطبق بالفحل الهادر، ولسانه بشقشقته، وميله: اعوجاجه، وهو مفعول أقمت وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع والعشرون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه (من الرجز) : ١٢٧ - بِبَازِلٍ وَجْنَاءَ أوْ عَيْهَلِّ على أنهم جوزوا في الشعر تحريك اللام المضعف لأجل حرف الإطلاق مع أن حقه السكون في غير الشعر كما جوزوا فيه أن يحركوا لأجل المجئ بحرف الإطلاق ما حقه السكون في غيره قال سيبويه: " وأما التضعيف فقولك: هذا خالدّ، وهو يجعلّ، (وهذا فَرَجّ) (١) حدثنا بذلك الخليل عن العرب، ومن ثمَّ قالت العرب (في الشعر) (١) في القوافي سَبْسَبَّا تريد السَّبْسَبَ، وعيهلُّ تريد العيهلُ، لأن التضعيف لما كان في كلامهم في الوقف أتبعوه الياء في الوصل والواو على ذلك.
كما يلحقون الواو والياء في القوافي فيما لا تدخله واو ولا ياء في الكلام، وأجروا الألف مجراهما، لأنها شريكتهما في القوافي، ويمد بها في غير موضع التنوين، (ويلحقونها في غير التنوين) (١) ، فألحقوها بها فيما ينون في الكلام، وجعلت سَبْسَب كأنه مما لا تلحقه الألف في النصب، إذا وقفت، قال رجل من بني أسد (من الرجز) * بِبَازِلٍ وجْنَاء أوْ عَيْهَلِّ * وقال رؤبة: (من الرجز) لَقَدْ خَشِيْتُ أنْ أرَى جَدَبَّا * في عامنا ذا بعد ما أخصبا أراد جَدْباً، وقال رؤبة: (من الرجز)
стр. 1276
* بَدْءٌ يُحبُّ الْخُلُقَ الأضْخَمَّا * فعلوا هذا إذ كان من كلامهم أن يضعفوا " انتهى كلامه وقوله " ومن ثمة قالت العرب في الشعر سبسبَّا تريد السبب، وعيهلِّ تريد العيهل " صريحٌ في أنه ضرورة، وكذا صرح الأعلم بقوله: " الشاهد فيه تشديد عيهلِّ في الوصل ضرورة، وأراد جَدْباً فشدد الباء ضرورة، وحرك الدال بحركة الباء قبل التشديد لالتقاء الساكنين، وكذلك شدد أخْصبَّا للضرورة " انتهى.
فقول الشارح المحقق " وليس في كلام سيبويه ما يدل على كون مثله شاذا أو ضرورة " مخالفٌ لنصه وقد أورده ابن السراج في باب الضرائر الشعرية من كتابه الأصول، قال: " الثاني إجراؤهم الوصل كالوقف، من ذلك قولهم في الشعر للضرورة في نصب) (١) سَبْسَب وكلكل رأيت سبسباً وكلكلاً، ولا يجوز مثل هذا في الكلام، إلا أن تخفف، وإنما جاز هذا في الضرورة لأنك كنت تقول في الوقف في الرفع والجر: هذا سَبْسَبُّ، ومررت بِسَبْسَبِّ، فتثقل على أنه متحرك الآخرِ في الوصل، لأنك إذا ثقلت لم يجز أن يكون الحرف الآخر إلا متحركاً، لأنه لا يلتقي ساكنان، فلما اضطر إليه في النصب أجراه على حاله في الوقف، وكذلك فعل به في القوافي المرفوعة والمجرورة في الوصل، ثم أنشد أبيات سيبويه، وقال: فهذا أجراء في الوصل على حده في الوقف " انتهى.
وكذلك عدة ابن عصفور ضرورة في كتاب الضرائر، وقد نقلنا مثله من المسائل العسكرية لأبي علي في الشاهد الثاني والأربعين بعد الأربعمائة من شواهد شرح الكافية
стр. 1277
وقال ابن جني في شرح تصريف المازني: " التثقيل إنما يكون في الوقف، ليعلم باجتماع الساكنين في الوقف أنه متحرك في الوصل، حرصاً على البيان، لأنه معلوم أنه لا يجتمع في الوصل ساكنان، وعلى هذا قالوا: خالد وهو يجعل، فإذا وصلوه قالوا: خالد أنى، وهو يجعلُ لك، فكان سبيله إذا أطلق في الأضخم بالنصب أن يزيل الثقيل، إلا أنه أجراه في الوصل مجراه في الوقف للضرورة، ومثله: (من الرجز) * بِبَازِلٍ وَجْنَاءَ أوْ عَيْهَلِّ * يريد الْعَيْهَل، وهذا أكثر من أن أضبطه لك لسعته وكثرته " وقال في المحتسب أيضاً: " وقد كان ينبغي - إذ كان إنما شدد عوضاً من الإطلاق - أنه إذا أطلق عاد إلى التخفيف إلا أن العرب قد تجري الوصل مجرى الوقف تارة، وتارة الوقف مجرى الوصل " انتهى.
والبيت من أرجوزة طويلة لمنظور بن مَرْثَد الأسدي، وقيل: لمنظور بن حَبَّة (١) الأسدي، أولها: لَيْتَ شَبَابِي (كان) (٢) لِلأَوَّلِّ * وَغَضَّ عَيْشٍ قَدْ خَلاَ أرْغَلِّ شدد لام أوَّل، وأرغلُ كذلك، وهو بالغين المعجمة، قال صاحب العباب " وعيش أرغَل وأغرل: أي واسع " * مَنْ لِي مِنْ هِجْرَانِ لَيْلََى مَنْ لِي * * وَالْحَبْلِ مِنْ حبالها المنحل *
стр. 1278
قال أبو علي في المسائل العسكرية: " المنحل لا يخلو من أن يكون محمولاً على الحبل أو الحبال، وكلا الأمرين قبيح " تَعَرَّضَتْ لِي بِمَكَانٍ حِلِّ * تَعَرُّضَ الْمُهْرَةِ في الطِّوَلِّ * تَعَرُّضاً لَمْ تَعْدُ عَنْ قَتْلاً لِي (١) * قال أبو علي: قال " أبو الحسن (١) : يكون " عَنْ قَتْلاً لي " على الحكاية، ويكون يريد أنْ، فأبدل منها العين في لغة من يقولون في أنَّ: عَنَّ، وتسمى عنعنة تميم " انتهى.
والطول بكسر الطاء وتخفيف اللام، وشددت لما ذكرنا، وهو الحبل الذي يطول للدابة فترعى فيه، ورواه صاحب العباب: * تَعَرُّضاً لَمْ تَأْلُ عَنْ قَتِلٍ لِي * أي: لم تقصر عن قتل، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى تأويل: تَرَى مَرَادَ نِسْعِهِ الْمُدْخَلِّ * بَيْنَ رَجَى الْحَيْزُومِ وَالْمَرْحَلِّ * مِثْلَ الزَّحَالِيفِ بِنَعْفِ التَّلِّ * وقال ابن جني في سر الصناعة: " يريد الْمُدْخَلَ والْمَرْحَلَ فشدد "، إلى أن قال: إنْ تَبْخَلِي يَا جُمْلُ أوْ تَعْتَلِّي * أوْ تصبحي في الظاعن المولى
стр. 1279
نُسَلِّ وَجْدَ الْهَائِمِ الْمُغْتَلِّ * بِبَازِلٍ وجْنَاءَ أوْ عَيْهَلِّ كَأَنَّ مَهْوَاهَا عَلَى الْكَلْكَلِّ * وَمَوْقِعاً مِنْ ثَفِنَاتٍ زل موقع كفى راهب يضلى * في غَبَشِ الصُّبْحِ وَفِي التَّجَلِّي جُمل: اسم امرأة - بضم الجيم - وتعتلى: من الاعتلاال وهو التمارض والتمسك بحجة، ونُسَلّ: من التسلية، وهي تطييب النفس، وهو جواب الشرط، والمغتل - بالغين المعجمة -: الذي قد اغتل جوفه من الشوق والحب والحزن، كغُلة العطش، و " ببازل " متعلق بنُسل، والبازل: الداخل في السنة التاسعة من الإبل ذكراً كان أم أنثى، والوجناء: الناقة الشديدة، والعيهلِّ: الناقة الطويلة، ومَهْواها: مصدر ميمي بمعنى السقوط، والكلكل: الصدر، قال أبو علي: " استعمال العيهل والكلكل بتخفيف اللام، قدر الوقف عليه فضاعف إرادة للبيان، وهذا ينبغي أن يكون في الوقف دون الوصل، لأن ما يتصل به في الوصل يبين الحرف وحركته، ويضطر الشاعر فيجري الوصل بهذه الإطلاقات في القوافي مجرى الوقف، وقد جاء ذلك في النصب أيضاً، قال: (من الرجز) * مثل الحريق وَافَقَ الْقَصَبَّا * وَهَذَا لاَ يَنْبَغي أن يكون في السعة " انتهى والثفنة - بفتح المثلثة وكسر الفاء بعدها نون - وهو ما يقع على الأرض من أعضاء الإبل إذا استناخ وغلظ كالركبتين، وزُلُّ - بضم الزاي -: جمع
أزَلّ، وهو الخفيف، شبّه الأعضاء الخشنة من الناقة بكثرة الاستناخة بكفي راهب قد خشنتا من كثرة اعتماده عليهما في السجود، والغَبَش - بفتحتين -: بقية الليل، وأراد بالتجلي النهار، قال السخاوي في سفر السعادة: " وهذا الشعر لمنظور بن مرثد الأسَدِي، وقد روي لغيره، ويزاد فيه:
стр. 1280
إن صَحَّ عَنْ دَاعِي الْهَوَى الْمُضِلِّ * ضَحْوة نَاسِي الشَّوْقِ مُسْتَبلِّ أوْ تَعْدُنِي عَنْ حَاجِهَا حاجٌ لِي * نُسَلِّ وَجْدَ الْهَائِمِ الْمُغْتَلِّ " انتهى.
ومستَبِل: من أبلّ من مرضه، إذا صح وتوجه إلى العافية، وتَعْدُنِي: تتجاوزني، وحاج: جمع حاجة وقد تكلمنا على هذه الأبيات في شواهد شرح الكافية بأبسط من هذا.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثامن والعشرون بعد المائة: (من الوافر) ١٢٨ - * وَلاَ تُبْقِي خُمُورَ الأَنْدَرِينَا * على أن (حق) (١) نون الأندرين في الكلام السكون عند الوقف وهذا عجز وصدره: * ألاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِينَا * وهو مطلع معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي و " ألا " حرف يفتتح به الكلام ومعناه التنبيه، وهِبِّي: فعل أمر مسند إلى ضمير المخاطبة، ومعناه قومي من نومك يقال: هب من نومه يُهب - بالضم - هبا، إذا انتبه وقام من موضعه، والصَّحْن: الكبير الواسع، واصْبِحِينَا: اسقينا الصَّبُوح، وهو الشرب بالغداة، وهو خلاف الغَبُوق، يقال: صَبَحَه صَبْحاً - من باب نفع - واصطبح: أي شرب الصبوح، والعرب
تسمي شرب الغداة صَبُوحاً - بفتح الصاد - وشُرب نصف النهار قَيْلاً - بفتح القاف - وشرب العشاء غَبُوقاً - بفتح الغين - وشرب الليل فحمة -
стр. 1281
بفتح الفاء وسكون المهملة - وشرب السحر جَاشِرِيَّةً - بالجيم والشين المعجمة - وقد نظمها محمد التَّوجيّ (١) فقال: (من الطويل) صَبُوحٌ وَقَيْل وَالْغَبُوقُ وَفَحْمَةٌ * لَدَى الْعَرَبِ الْعَرْبَاءِ يَا صَاحِ تُعْتَبَرْ لِشُرْبِ غَدَاةٍ والظَّهِيْرَةِ وَالْعَشَا * وَلَيْلٍ، وَشُرْبُ الْجَاشِرِيَّةِ بِالسَّحَرْ وقوله " ولا تبقى إلخ " أبقيت الشئ وبقَّيته بمعنى: أي لا تبقيها لغيرنا وتسقيها سوانا، والمعنى ولا تدخري خمر هذه القرية.
والأندرينُ: قرية بالشام، وهي معدن الخمر، وقيل: إنما هي أندر، وجمعها بما حولها، وقيل: إنها أندرون، وفيها لغتان: منهم من يرفعه بالواو ويجره وينصبه بالياء، وَيفتح النون في كل ذلك، ولهذا قال " خمور الأندرينا " ومنهم من يجعل الإعراب على النون ويجعل ما قبلها ياء في كل حال، وإنما فتح (٢) هنا في موضع الجر لأنه لا ينصرف للعلمية والتأنيث، أو للعلمية والعجمة وقال أبو إسحق: " ويجوز أن تأتي بالواو، ويحتمل الإعراب على النون، ويكون مثل زيتون، وخبرنا بهذا أبو العباس المبرد، ولا أعلم أحداً سبقه إليه " وقال أبو عبيد في معجم ما استعجم: " الأنْدَرِينُ: قرية بالشام، وقال الطوسي: قرية من قرى الجزيرة، وأنشد هذا البيت " وقال ياقوت في معجم البلدان: " الأندرين: اسم قرية في جنوبي حلب، بينهما مسيرة يوم للراكب، في طرف البرية ليس بعدها عمارة، وهي الآن خراب ليس إلا بقية جُدُر، وإياها عنى عمرو بن كلثوم بقوله:
* وَلاَ تُبْقِي خُمُورَ الأَنْدَرِينَا * وهذا ما لا شك فيه، سألت عنه ذوى المعرفة من أهل حلب فكل وافق
стр. 1282
عليه، وقد تكلف جماعة اللغويين لَمَّا لم يعرفوا حقيقة اسم هذه القرية، وألجأتهم الحيرة إلى أن شرحوا هذه اللفظة من هذا بضروب الشروح، فقال صاحب الصحاح: الأندر: اسم قرية بالشام، إذا نسبت إليها تقول: هؤلاء الأندريون، وذكر البيت، ثم قال: لما نسب الخمر إلى هذه القرية اجتمعت ثلاث ياءات فخففها للضرورة كما قال الآخر: (من الوافر) * وَمَا عِلْمِي بِسِحْرِ الْبَابِلِينَا * وقال صاحب كتاب العين: الأندريّ، ويجمع الأندرين (يقال: هم الفتيان يجتمعون من مواضع شتى، وأنشد البيت وقال الأزهري: الأنْدَر قرية بالشأم فيها كروم، وجمعها الأندرين) (١) فكأنه على هذا المعنى أراد الأندريين فخفف ياء النسبة، كما قال الأشعرين في الأشعريين، وهذا حسن منهم، صحيحُ القياس، ما لم يعرف حقيقة اسم هذا الموضع، فأما إذا عرفت فلا افتقار بنا إلى هذا التكلف " انتهى باختصار وتقدم ذكر هذه المعلقة مع ترجمة ناظمها في الشاهد الثامن والثمانين بعد المائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده وهو الشاهد التاسع والعشرون بعد المائة: (من الكامل) ١٢٩ - لَعِبَ الرِّيَاحُ بِهَا وغَيَّرَهَا * بَعْدِي سَوَافِي الْمُورِ وَالْقَطْرِ
على أن تحريك الراء بالكَسْر لأجل حرف الإطلاق وهو الياء (٢) ، وليس بشاذ اتفاقاً، مع أن حقه السكون في غير الشعر
стр. 1283
والبيت من قصيدة لزهير بن أبي سلمى، وقبله وهو مطلع القصيدة لِمَنِ الدِّيَارُ بِقُنَّةِ الْحَجْرِ * أقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ وَمِنْ شَهْرِ وهذا الاستفهام تعجب من شدة خرابها حتى كأنها لا تعرف ولا يعرف سكانها، وقنة الشئ - بضم القاف وتشديد النون -: أعلاه، وحَجْر - بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم -: قصبة اليمامة، وأل فيه زائدة لضرورة الشعر، وقيل: العَلَم إنما هو الْحَجْرِ بأل، وأقوين: أقفرن، يقال: أقوت الدار إذا خلت من سكانها، والحِجَجُ - بكسر الحاء المهملة وَفتح الجيم الأولى -: جمع حِجَّة - بالكسر أيضاً - وهي السنة، وأراد بالشهر الشهور فوضع الواحد موضع الجمع اكتفاء به، والسوافي: جمع سافية اسم فاعل من سفت الريح التراب سفياً، إذا ذرته والمورُ - بضم الميم -: الغبار بالريح، والقطر: المطر قال أبو عبيد: " ليس للقطر سواف، ولكنه أشركه في الجر " أقول: ليس هذا من الجر على الجوار، لأنه لا يكون في النسق، ووجهه أن الرياح السوافي تذري التراب من الأرض وتنزل المطر من السحاب وقد شرحنا هذين البيتين شرحاً وافياً في الشاهد الرابع والسبعين بعد السبعمائة من شواهد شرح الكافية
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثلاثون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الرجز) ١٣٠ - لَقَدْ خشيت أن أرى جدبا * في عامنا ذا بَعْدَ مَا أخْصَبَّا إنَّ الدَّبَا فَوْقَ الْمُتُونِ دبا * وهبت الريح بمور هبا تترك ما أبْقَى الدَّبَا سَبْسَبَّا * كَأَنَّهُ السَّيْلُ إذَا اسْلَحَبَّا أو الْحَرِيقُ وَافَقَ الْقَصَبَّا * وَالتِّبْنَ وَالْحَلْفَاءَ فَالْتَهَبَّا
стр. 1284
على أن تحريك المضعف للوقف كثير، وليس ضرورة عند سيبويه تقدم قبله أن هذا النقل خلاف نصه، وهو في هذا تابع لقول المفصل: " وقد يُجْرَى الوصل مجرى الوقف، منه قوله: * مثل الحريف وَافَقَ الْقَصَبَّا * ولا يختص بحال الضرورة، يقولون: ثَلَثَهَرْبعة، وفي التنزيل (لَكِنَّا هُوَ الله رَبِّي) " انتهى وقد رد عليه الأندلسي في شرحه قال: " جمع في هذا الفصل بين ما لا يجوز إلا في الضرورة وبين ما يجوز في غيرها، فقوله " ولا يختص هذا بحال الضرورة " ينبغي أن يكون في آخر الفصل حتى يرجع إلى ثلثهر بعة، و (لَكِنَا هُوَ الله رَبِّي) أو يعني به أن التشديد في الوقف لا يختص بالضرورة، فأما أن يعني به أن تحريك المشدد لأجل الوقف يجوز في غير الضرورة فمما لا يعرف، فإنه من المشهور أن من جملة المعدود في الضرورات تشديد المخفف، وأصله الوقف، ثم للشاعر أن يجري الوصل محرى الوقف، بل غير سيبويه لا يجيز التشديد في المنصوب إلا في الشعر، فكيف لا يختص هذا بالضرورة " انتهى.
ونقله ابن المستوفي وسلمه، قال: " إنما أراد الزمخشري بقوله " ولا يختص
بالضرورة " ما ذكره من قوله " وقد يجري الوصل مجرى الوقف " ولم يرد أن تحريك المشدد لأجل الوقف جائز، ولهذا علله بثَلَثهَرْبَعَة، و (لَكِنَّا هُوَ الله رَبِّي) ، فلا شبهة في أن هذين الموضعين أُجري فيهما الوصل مُجْرَى الوقف، وهما من كلام فصحاء العرب والوارد في الكتاب العزيز، وأما إسناده البيت لِيُرِيكَ صورة إجراء الوصل مجرى الوقف لا أنه ممن يخفى عليك ذلك " انتهى.
وبالغ ابن يعيش في شرحه فعمم، قال: " قد يُجْرى الوصل مجرى الوقف، وبابه الشعر، ولا يكون في حال الاختيار، من ذلك قولهم: السَبْسَبَّا والْكَلْكَلَّ،
стр. 1285
وربما جاء ذلك في غير الشعر تشبيهاً بالشعر، ومن ذلك ما حكاه سيبويه من قولهم في العدد: ثلثهر بعة، ومنه (لَكِنَّا هُوَ الله رَبِّي) في قراءة ابن عامر بإثبات الألف " هذا كلامه وهو غير جيد، والأولى التفصيل، وحرره ابن عصفور بقوله في كتاب الضرائر: " ومنها تضعيف الآخر في الوصل إجراء له مجرى الوقف، نحو قول ربيعة بن صُبيح (من الرجز) : * تَتْرُكُ ما أبْقَى الدَّبَا سَبْسَبَّا * الأبيات فشدد آخر سَبْسَبَّا والْقَصَبَّا وَالْتَهَبَّا في الوصل ضرورة، وكأنه شدّد وهو ينوي الوقف على الباء نفسها، ثم وصل القافية بالألف فاجتمع له ساكنان فحرك الباء وأبقى التضعيف، لأنه لم يَعْتَدّ بالحركة لكونها عارضة، بل أجرى الوصل مجرى الوقف، ومثل ذلك قول الآخر: بَبَازِلٍ وَجْنَاءَ أوْ عَيْهِلِّ * كَأَنَّ مَهْوَاهَا عَلَى الْكَلْكَلْ يريد أو عيهلِ وعلى الكلكلِ، فشدد " انتهى.
وقال شارح شواهد أبي علي الفارسي: " جلبه شاهداً على أن الشاعر لم
يحدث فيه أكثر من القطع لألف الوصل " (١) وهذه الأبيات الثمانية نسبها الشارح المحقق تبعاً لابن السيرافي وغيره إلى رؤبة، وقد فتشت ديوانه فلم أجدها فيه (٢) وقال أبو محمد الأعرابي في فرحة الأديب: " توهم ابن السيرافى أن الاراجيز
стр. 1286
كلها لرؤبة، لأجل أن رؤبة كان راجزاً، وهذه عامية، وليست الأبيات لرؤبة، بل هي من شوارد الرجز لا يعرف قائلها، والأبيات التي جاء بها مختل أكثرها، والصواب: إنِّي لَأَرْجُو (١) أنْ أَرَى جَدَبَّا * فِي عَامِكُمْ ذَا بَعْدَ مَا أخْصَبَّا إذَا الدَّبَا فَوْقَ الْمُتُونِ دبا * وهبت الريح بمور هبا تترك ما أَبْقَى الدَّبَا سَبْسَبَّا * أوْ كَالْحَرِيقِ وَافَقَ الْقَصَبَّا والتَّبْنَ وَالْحَلْفَاءَ فَالْتَهَبَّا * كَأَنَّهُ السَّيْلُ إذَا اسْلَحَبَّا وتمام الأبيات ولا يتم معنى البيت إلا بها: حَتى تَرَى الْبُوَيْزِلَ الأَزَبَّا * والسَّدَسَ الضُّواضِيَ الْمُحِبَّا مِنْ عَدَمِ الْمَرْعَى قَدِ اجْلَعَبَّا " انتهى.
قلت: بقي بيت آخر لم يورده، وهو:
* تبًّا لأَصْحَابِ الشَّوِيِّ تَبَّا * ونسبها ابن عصفور وابن يَسْعَونَ نقلاً عن الْجَرْمي والسخاوي إلى ربيعة بن صُبيح، وكذا قال شارح أبي علي الفارسي والله أعلم.
وأورد الابيات ابن هشام اللخمس في شرح أبيات الجمل كرواية الشارح، وقال: أخبر أنه إنما خاف الْجَدْب لأجل الجراد الذي هبَّ في متون الأرض، فأكل ما مر عليه، ثم هبت الريح فاقتلعت ما أبقى الدبّا ولم تترك شيئاً من المرعى
стр. 1287
ولا غيره، فشبهها بالسيل في حمله ما يمر عليه، أو بالنار إذا وافقت القصب والتبن وَالحلفاء، فإنها تحطم جميعها وقوله بعد " ما أخصبا " ما: مُهَيِّئة عند المبرد، ومَصْدَرِيَّة عند سيبويه " انتهى.
ورواية أبي محمد الأعرابي دعاء على المخاطبين بخلاف الرواية الأولى فإنها إخبار عما وقع، وأرى بصرية، والجَدْب - بفتح الجيم وسكون الدال -: نقيض الخِصْب والرخاء، ومكان جذب أيضاً وجَدِيب: بين الجدوبة، وأرض جَدبة، وأجدب القوم: أصابهم الجدب، وَأجْدَبْتُ أرض كذا: وجَدْتُهَا جدبة، قال السخاوي في سفر السعادة: " وَجَدَبَّا أصله جدْبَا بإسكان الدال، وإنما حركها لالتقاء الساكنين حين شدد الباء، وإنما حركها بالفتح لأنها أقرب الحركات إليه " وقال في موضع آخر: " وشدد الباء في الشعر في الوصل تشبيهاً
بحال الوقف " وقال أبو الفتح: " لا يقال في هذا إنه وقف ولا وصل " وقوله " أخصبا " هو من الخِصب - بالكسر - نقيض الجدب، وأخصبت، ومكان مُخْصب وخَصِيب وأخْصَبَ القوم إذا صاروا إلى الخصب.
قال السخاوي و " أما قوله: أخبا (فإنه) يروى بفتح الهمزة وكسرها، فالفتح على أنه أخْصَبَ يُخْصب إخصاباً، وشدَّد الباء، كما قال: القصَبَّا، ومن رواه بالكسر كان مثل احْمَرّ، إلا أنه قطع همزة الوصل " انتهى.
وكل منهما ضرورة إلا أن تشديد الباء أخف من قطع همزة الوصل، فإنه لحن في غير الشعر، وقول العيني: " جدبا بتشد الباء هو نقيض الْخِصْب، وقوله: أخصبا بتشديد الباء ماض من الخصب " لا يعرف منه هل الدال مفتوحة أم لا ولا يعرف هل حركة الهمزة من أخصبا مفتوحة أم مكسورة.
وقوله " إن الدبا إلخ " يروى بكسر همزة إن وبفتحها، وعلى رواية " إذ الدبا " إذا شرطية وجوابها
стр. 1288
تترك، والدّبا - بفتح الدال بعدها موحدة - قال صاحب الصحاح: " هو الجراد قبل أن يطير، الواحدة دَبَاة " والمُتُون: جمع مَتْن، وهو المكان الذي فيه صلابة وارتفاع، ودبّ: تَحَرَّك، من دب على الأرض يدب دبيباً، وكل ماش على الأرض دابة ودبيب، والألف للإطلاق، وتشديد الباء أصلي لا للوقف، وفاعل دب ضمير الدبا، وفيه جناسُ شِبه الاشتقاق، وقوله " بمور " الباء متعلقة بهبَّت، والمور - بضم الميم -: الغبار، والسَّبْسَبُ - كجعفر -: القفر، والمفازة، وتشديد الباء للضرورة، وهو المفعول الثاني لتترك، و " ما " هو المفعول الأول إن كان ترك بمعنى جعل وصير، وإن كان بمعنى خلَّى المتعدي إلى مفعول واحد وهو " ما " الواقعة على النبات، فسبسبٌ حال من " ما " وفاعل تترك ضمير الريح، والمرادُ كَسَبْسَبٍ، على التشبيه، وأراد تترك الريح المكان
الذي أبقى فيه الدبا شيئاً من النبات أجرد لا شئ فيه، لأنها جَفَّفَتْ النبت وحملته من مكان إلى مكان، ورواه بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل: * تَتْرُكُ مَا انْتَحَى الدِّبَا سَبْسَبَّا * وقال: المراد انتحاه: أي قصده، فحذف الراجع إلى الموصول، وقوله " كأنه " أي كأن الدبا، واسْلَحَبَّ اسلحباباً بالسين والحاء المهملتين: أي امتد امتداداً، هذا على الرواية المشهورة، وأما على رواية أبي محمد الأعرابي فهو متأخر عن البيتين بعده، ويكون ضمير " كأنه " للحريق: أي كأن صوت التهاب النار في القصب والحلفاء والتبن صوت السيل وجريه، ويكون على روايته قوله " أو كالحريق " معطوفاً على قوله " سَبْسَبَّا "، فيكون الجار والمجرور في محل نصب، وروى السخاوي الأبيات بالرواية المشهورة، وقال: " وأنشده أبو علي " مِثْل الحريق " بدل قوله " أو كالحريق " فيكون منصوباً على الحال من الضمير في اسلحبا: أي اسلحب مثل الحريق، أو على أنه نعت لمصدر محذوف:
стр. 1289
أي اسلحبابا مثل اسلحباب الحريق: أي امتد الدبا وانتشر امتداد النار في القصب والتبن والحلفاء " وقال العيني: قوله " مثل الحريق " هكذا هو في رواية سيبويه، وفي رواية أبي على " أو كالحريق ".
أقول: ليس هذا البيت من شواهد سيبويه البتة، وإنما أورد سيبويه البيتين الأولين فقط، والنقل عن أبي علي معكوس، وتشديد الباء من القصبّا والتهبّا ضرورة، والتبن بكسر المثناة وتسكين الموحدة، والحلفاء: نبت في الماء، قال أبو زيد: واحدتها حَلَفة، مثل قصبة وطرفة، وقال الأصمعي حَلِفَة بكسر اللام، وقوله " حتى ترى البويزل إلخ " هو مصغر البازل من بزل البعير بزولاً من باب قعد، إذا فطرَ نابه بدخوله في السنة التاسعة، فهو بازل، يستوي
فيه المذكر والمؤنث، والأزَبّ - بالزاي المعجمة -: وصف من الزبب، وهو طول الشعر وكثرته، وبعير أزَبّ، ولا يكاد يكون الأزب إلاَّ نفوراً، لأنه ينبت على حاجبيه شعيرات، فإذا ضربته الريح نفر، وقال السخاوي: الإرْزَبُّ - بكسر الهمزة وسكون الراء المهملة بعدها زاى - قال الارزب الضخم الشديد، وقوله " والسَّدَسَ الضُّوَاضِيّ إلخ " السَّدسَ - بفتحتين -: السن التي قبل البازل يستوي فيه المذكر والمؤنث، لأن الإناث في الأسنان كلها بالهاء إلا السَّدَس والسديس والبازل، قال صاحب الصحاح، والضُوَاضِي: بضادين معجمتين الأولى مضمومة، وهو الجمل الضخم، كذا في القاموس، والمحب - بفتح الحاء -: المحبوب، واجلعب: بالجيم، في الصحاح: " واجلعب الرجل اجْلِعْبَاباً، إذا اضطجع وامتد وانتصب، واجلعبَّ في السير إذا مضى وجدَّ " انتهى، ورواه السخاوي قد اقْرَعَبَّا: بالقاف والراء والعين المهملتين، وقال: " اقرعب: اجتمع وتقبَّض من الضر، أي الهزل " انتهى: وليست هذه المادة في الصحاح، والجملة حال من البُوَيْزِل والسدُس، والألف للتثنية، وَترى بصرية، الشّوِيّ بفتح الشين
стр. 1290
المعجمة وكسر الواو، قال السخاوي: هو الشاء (١) وقال العيني: " تَبًّا: أيْ خسراناً وهلاكاً لأصحاب الشاء، لانها أقل احتمالا للشدة " انتهى.
وفي الصحاح: والشاة من الغنم: تذكر وتؤنث، وأصلها شاهة، وجمعها في القلة شِيَاه بالهاء، وفي الكثرة شاء، وجمع الشاء شَويّ.
وأنشد بعده وهو الشاهد الحادي والثلاثون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه (من الرجز) ١٣١ - عَجِبْتُ وَالدَّهْرُ كَثِيرٌ عَجَبُهْ * من عنزي سبني لم أضربه
على أن ضمة الباء منقولة من الهاء إليها للوقف قال سيبويه: " هذا باب الساكن الذي تحركه في الوقف إذا كان بعده هاء المذكر الذي هو علامة الإضمار ليكون أبين لها كما أردت ذلك في الهمزة، وذلك قولك ضَرَبْتُهْ واضْرِبْهْ، وقَدُهْ وَمِنُهْ وَعَنُهْ، سمعنا ذلك من العرب، ألقوا عليه حركة الهاء حيث حركوا لتبيانها، قال زياد الأعجم: عَجِبْتُ وَالدَّهْرُ كَثِيرٌ عَجَبُهْ * من عنزي سبني لَمْ أضْرِبُهْ وقال أبو النجم: (من الرجز) * فقربن هذا وهذا أزحله " اه * قال الأعلم: " الشاهد فيه نقل حركة الهاء إلى الباء في الأول، وإلى اللام في الثاني ليكون أبين في الوقف، لأن مجيئها ساكنة بعد ساكن أخفى لها، وعَنَزَةُ: قبيلة من ربيعة بن نزار، وهم عَنَزَة بن أسد بن ربيعة، وزياد الأعجم من عبد القيس، وسمي الأعجم للكنة كانت فيه، ومعنى أزْحِلُه أبعده " انتهى
стр. 1291
وهو بالزاي المعجمة والحاء المهملة، يقال: زَحَلَ عن مكانه زحولاً: أي تنحى وتباعد وزحَّلْتُهُ تَزْحيلاً: بَعَّدْتُهُ، و " من عَنَزِيّ " متعلق بعجبت، وما بينهما اعتراض.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والثلاثون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الرجز) ١٣٢ - بالْخَيْرِ خَيْرَاتٍ وَإنْ شَرًّافَا * وَلاَ أُرِيدُ الشر إلا أن تا على أنه يوقف على حرف واحد فيوصل بألف كما هنا، والتقدير وإن شرا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء.
ولم يورد سيبويه هذا البيت في باب من أبواب الوقف، وإنما أورده في باب إرادة اللفظ بالحرف الواحد من أبواب التسمية، وهذا نصه: (١) " قال الخليل يوماً وسأل أصحابه: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفضوا بالكاف التي في لكَ، والكاف التي في مَالِكَ، والباء التي في ضَرَبَ؟ فقيل له: تقول: باء، كاف، فقال: إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف، وقال: أقول: كَهْ، وبَه، فقلنا: لِمَ ألحقت الهاء؟ فقال: رأيتهم قالوا عِهْ فألحقوا هاء (حتى صيروها يستطاع الكلام بها) ، لأنه لا يلفظ بحرف، فإن وصلت قلت " ك وب فاعلم يا فتى "، كما تقول " ع يا فتى " فهذه طريقة كل حرف كان متحركاً، وقد يجوز أن تكون الألف هنا بمنزلة الهاء، لقربها منها وشَبَهِها بها، فتقول: " با " و " كا " كما تقول: " أنا " وسمعت من العرب من يقول: " ألا تاء، بلى فا " فإنما أرادوا ألاَ تفعل وبَلَى فافعل، ولكنه قطع كما كان قاطعاً بالألف في " أنا "،
стр. 1292
وشركت الألف الهاء كشركتها في قوله " أنا "، بينوها بالألف كبيانهم بالهاء في هِية وهُنَّة وبَغْلَتيَة، قال الراجز: بِالْخَيْرِ خَيْرَاتٍ وَإنْ شَرّاً فا * وَلاَ أُرِيدُ الشَّرَّ إلاَّ أنْ تَأ يريد إن شرا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء " انتهى كلامه.
قال الأعلم: " الشاهد في لفظه بالفاء " من قوله " فشرٌّ " والتاء من قوله " تشاء " ولما لفظ بهما وفصلهما مما بعدهما ألحقهما الألف للسكت عوضا من الهاء التى يوقف عليها، كما قالوا " أنا " و " حيِّهلا " في الوقف، والمعنى أجزيك بالخير خيراتٍ، وإن كان منك شر كان مني مثله، ولا أريد الشر إلا أن تشاء، فحذف لعلم السامع " انتهى.
وكذا أورده المبرد في الكامل قال: " حدثني أصحابنا عن الأصمعي، وذكره سيبويه في كتابه، ولم يذكر قائله، ولكن الأصمعي قال: كان أخوان متجاوران لا يكلم واحد منهما صاحبه سائر سنته حتى يأتي وقت الرَّعي فيقول أحدهما للاخر " ألا تا " فيقول الاخر " بلى فا " يريد ألا تنهض فيقول الآخر: بلى فانهض، وحكس سيبويه في كتابه * بِالْخَيْرِ خَيْرَاتٍ وَإنْ شَرّاً فَا * إلخ يريد إن شرا فشر ولا أريد الشر إلا أن تريد " انتهى.
وهذا على رواية الألف الواحدة، وأما الرواية بألف بعد همزة في البيت فقد قال ابن جني في سر الصناعة: " أنشدنا أبو علي: بِالْخَيْرِ خَيْرَاتٍ وَإنْ شرا فأا * ولا أريد الشر إلاَّ أنْ تأا والقول في ذلك أنه يريد " فا " و " تا " ثم زاد على الألف ألفاً أخرى توكيداً كما تشبع الفتحة، فتصير ألفاً كما تقدم، فلما التقت ألفان حَرَّكَ الأولى فانقلبت همزة، وقد أنشدنا أيضاً " فا " و " تا " بألف واحدة " انتهى.
стр. 1293
وفيه أمور: أحدها: ظاهر كلام هؤلاء جوازه، وبه صرح الشارح المحقق تبعاً لجماعة منهم الفراء، قال في تفسير سورة (ق) : " ويقال: إن (ق) جبل محيط بالأرض، فإن يكن كذلك فكأنه في موضع رفع: أي هو قاف، والله أعلم، وكان لرفعه أن يظهر لأنه اسم وليس بهجاء، فلعل القاف وحدها ذكرت من اسمه كما قال الشاعر: (من السريع) * قُلْنَا لَهَا قِفِي فقالت فاف * ذكرت القاف وأرادت القاف من الوقف: أي إني واقفة " انتهى.
ومنهم أبو إسحق الزجاج ﵀، قال في أول سورة البقرة: " وأختار من
هذه الأقوال التي حكينا في (ألم) بعضَ ما روي عن ابن عباس ﵄، وهو أن العرب تنطق بالحرف الواحد تدل على الكلمة التي هو منها، قال الشاعر: قُلْتُ لَهَا قِفِي فَقَالَتْ قَافْ * لاَ تَحْسَبِي أنَا نَسِيناً الإيْجَافْ فنطق بقاف فقط يريد قالت: أقف، وقال الشاعر أيضا: (من السريع) نا دوهم أنْ ألْجِمُوا ألاَ تَا * قَالُوا جَمِيعاً كُلُّهُمْ ألافا تفسيره نادوهم أن ألجموا، ألا تركبون؟ قالوا جميعاً ألا فاركبوا، فإنما نطق بتا وفا كما نطق الاول بقاف، وأنشد بعض أهل اللغة للُقَيْمِ بن أوس: بِالْخَيْرِ خَيْرَاتٍ وَإنْ شَرًّافَا * وَلاَ أُرِيدُ الشَّرَّ إلاَّ أنْ تَا أنشده جميع البصريين هكذا " انتهى.
وتبعه الإمام البيضاوي فقال: " ويجوز أن تكون إشارة إلى كلمات هي منها، اقتَصَرَتْ عليها اقتصار الشاعر في قوله: * قُلْتُ لَهَا قِفِي، فَقَالَتْ: قَافْ * كما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الألف آلاء الله، واللام لطفه، والميم ملكه، وعنه أنه " ألر " و " حم " و " ن " مجموعها
стр. 1294
الرحمن، وعنه أن " ألم " معناه أنا الله أعلم، ونحو ذلك في سائر الفواتح، وعنه أن الألف من الله، واللام من جبريل والميم من محمد: أي القرآن منزل من الله بلسان جبريل على محمد صلى الله تعالى عليهما وسلم " انتهى.
ومنهم ابن جني قاله في باب (شجاعة العربية) (١) من الخصائص، وقال أيضاً في المحتَسب عند توجيه قراءة (يَا حَسْرَهْ عَلَى الْعِبَاد) من سورة يس: " قرأ جماعة (يَا حَسْرَهْ) بالهاء ساكنة، وفيه نظر، لأن قوله (عَلَى الْعِبَاد) متعلقة بها أو صفة لها، وكلاهما لا يحسن الوقوف عليها دونه، ووجهه عندي أن العرب إذا
أخبرت عن الشئ غير معتمد ولا معتزمةٍ عليه أسرعت فيه، ولم تتأن على اللفظ المعبر به عنه، وذلك كقوله: * قُلْنَا لها قفى، فقالت: قاف * معناه وقفت، فاقتصر من جملة الكلمة على حرف منها تهاونا بالحال وتثاقلا عن الاجابة واعتماد المقال ... إلى آخر ما ذكره ".
وذهب جماعة إلى أن هذا ضرورة لا يجوز في فصيح الكلام، قال المبرد بعد ما نقلناه عنه: " وهذا ما تستعمله الحكماء، فانه يقال: إن اللسان إذا كثرت حركته رقت عذبته (٢) ... إلى آخر ما ذكره " ومنهم أبو الحسن الاخفش، قال فيما كتبه على نوادر أبي زيد: " وهذا الحذف كالايماء والاشارة، يقع من بعض العرب لفهم بعض عن بعض ما يريد، وليس هذا هو البيان، لان البيان ما لم يكن محذوفا وكان مستوفى شائعا، حدثنا أبو العباس المبرد قال: حدثنا أصحابنا عن الاصمعي قال: كان أخوان من العرب يجتمعان في موضع لا يكلم أحدهما الاخر إلا في وقت النجعة (٣) ، فإنه يقول
стр. 1295
لاخيه " ألا تا " فيقول الاخر " بلى فا " يريد ألا ترحل وألا تنتجع؟ فيقول الاخر: بلى فارحل، بلى فانتجع، وأما ما رواه أبو زيد * إلا أن تأا * فإن هذا من أقبح الضرورات، وذلك أنه لما اضطر حرك ألف الاطلاق، فخرجت عن حروف المد واللين فصارت همزة " انتهى.
ومنهم المرزبانى، قال في كتاب الموشح: " زعم أبو عبيدة أن حكيم بن
معية التميمي قال: (من الرجز) قد وعدتني أم عمرو أن تا * تدهن رأسي (١) وتفليني وا * وَتَمْسَحَ الْقَنْفَاءَ حتى تَنْتا (٢) * وقال آخر: * بالخير خيرات وإن شرافا * إلخ يريد فشر، أو يريد إلا أن تريد، قال: فسألت عن ذلك الأصمعي، فقال: هذا لى بصحيح في كلامهم، وإنما يتكلمون به أحياناً، قال: وكان رجلان من العرب أخوان ربما مكثا عامة يومهما لا يتكلمان، قال: ثم يقول أحدهما " ألاتا " يريد ألا تفعل، فيقول صاحبه " بلى فا " يريد فافعل، وليس هذا بكلام مستعمل في كلامهم " انتهى.
ومنهم ابن عصفور، قال في كتاب الضرائر: " ومنه قول الآخر: نَادُوهُمْ أنْ ألْجِمُوا ألاَتَا * قَالُوا جَمِيعاً كُلُّهُمْ ألاَفا يريد قالوا: ألا تركبون، ألاَ فاركبوا، فحذف الجملة التى هي اركبوا،
стр. 1296
واكتفى بحرف العطف وهو الفاء، ولولا الضرورة لم يجز ذلك، وكذلك أيضاً اكتفاؤه بالتاء من " تركبون "، وحذف سائر الجملة إنما ساغ للضرورة، ومثل ذلك قول الآخر: بِالْخَيْرِ خَيْرَاتٍ وَإنْ شَرّاً فأا * ولا أريد الشر دلا أنْ تَأا
أراد فأصابك الشر، فاكتفى بالفاء والهمزة وحذف ما بعدهما وأطلق الهمزة بالألف، وأراد بقوله " إلا أنْ تأا " إلا أن تأبى الخير، فاكتفى بالتاء والهمزة وحذف ما بعدهما وحرك الهمزة بالفتح وأطلقها بالالف، ونحو من ذلك قول الآخر: * قُلْتُ لَهَا قِفِي فَقَالَتْ قَافْ * يريد قد وقفتُ، فاكتفت بالقاف، ومثل ذلك أيضاً - إلا أن الدليل على المحذوف متأخر عنه - قوله: قَدْ وَعَدَتْنِي أُمُّ عمرو أن تا * تدهن رأسي وتلفيني وَا * وَتَمْسَحَ الْقَنْفَاءَ حَتَّى تَنْتَا * ألا ترى أنه حذف ما بعد التاء والواو من غير أن يتقدم له دليل على ذلك المحذوف، ثم أعادها مع ما كان قد حذفه ليبين المعنى الذي أراده قبل " انتهى.
والرجز الذي أنشده ابن عصفور مختصر، رواه بتمامه أبو علي بن المستنير المعروف بقطرب في كتاب الرد على أهل الإلحاد في آي القرآن، قال: " قال غيلان: نَادَوْهُمُ أنْ ألْجِمُوا ألاتَا * ثُمَّ تَنَادُوا بَعْدَ تِلْكَ الضَّوْضَا * مِنْهُمْ بِهَابٍ وَهَلٍ وَبَابَا * وأنشد قطرب قبله: (من الرجز) مَا للظليم عال (١) كيف لا يا * يَنْقَدُّ عَنْهُ جِلْدَه إذَا يَا
стр. 1297
* أهْبَى (١) الترابُ فَوْقَهُ إهْبَايَا * قال يا ثم ابتدأ كلامه " انتهى.
الأمر الثاني (٢) أن الرجز الذي أنشده الشارح وسيبويه إنما هو " فأا "
و" تأا " بهمزة بعدها ألف، كما أنشده أبو زيد في نوادره، قال فيها: " قال لُقَيْم ابن أوس من بني أبي ربيعة بن مالك: إنْ شِئْتِ أشْرَفْنَا كِلاَنَا فَدَعَا * الله جَهْداً (٣) رَبَّهُ فَأَسْمَعَا بِالْخَيْرِ خَيْرَاتٍ وَإنْ شرا فأا * ولا أريد الشرَّ إلاَّ أنْ تَأا أجاب بها امرأته إذ تقول له: قَطَّعَكَ الله الكَرِيمُ (٤) قِطَعاً * فَوْقَ الثُّمَامِ قِصَداً مُرَصَّعا (٥) تَاللهِ مَا عَدَّيْتَ إلاَّ رُبَعاً * جَمَّعْتُ فيهِ مَهْرَ بِنْتِي أجْمَعَا وقوله " إن شرا فأا " أراد فالشر، فأقام الألف مقام القافية، وقوله " إلا أن تأا " إلا أن تشائي ذلك، وقولها: " ما عديتَ إلا رُبعاً " ما سقت وصرفت إلينا إلا ربعاً من مهر ابنتي " انتهى كلام أبي زيد، وكذا أسنده ابن عصفور في
стр. 1298
كتاب الضرائر، وأبو حيان في الارتشاف، قال فيه: " وقد يوقف على حرف
واحد كحرف المضارعة يليه ألف نحو قوله: جَارِيَةٌ قَدْ وعَدَتْنِي أنْ تَا * تَدْهَنَ رَأْسِي وَتُفَلِّينِي وَا * وَتَمْسَحَ القَنْفَاءَ حَتَّى تَنْتَا * أو يؤتى بهمزة بعد لحرف بعدها ألف، نحو قوله: بِالْخَيْرِ خَيْرَاتٍ وَإنْ شرا فأا * ولا أريد الشر إلا أن تَأا يريد فشرّاً وإلا أن تشاء " انتهى.
فلا يستقيم على هذا إلا أن يهمز فأا وتأا لتكون الهمزة بإزاء العين في " دَعَا " و " أسْمَعَا " قال السيرافي: " وكذا أنشد هذا الشعر، وأراد فأفعل، فحذف وأطلق الهمزة بالألف لأنها مفتوحة، وقال أبو زيد أراد فالشرَّ إن أردْتَ إلخ، والذي ذكرته (١) آثر في نفسي، لأن فيه همزة مفتوحة، والذي ذكره أبو زيد ليس فيه همزة إلا أن تقطع ألف الوصل من الشر، وفيه قبح، وقول أبي زيد في " إلاَّ أنْ تأا " إنه أراد تشائي: يعني أنه حذف الشين والألف واكتفى بالتاء والهمزة وأطلقها للقافية، والهمزة مكسورة من تشَائِي لأن الخطاب لمؤنث، والهمزة من تأا مفتوحة، وأحب إليّ من قول (١) ما قاله إلا أن تأبَى الخير " انتهى.
وتقدير ابن عصفور فأصابك الشر مثل تقدير فأفعل، وعلى هذا التدقيق يضمحل قولهم: قد يوقف على حرف فيوصل بهمزة تليها ألف، وأصل الهمزة ألف قلبت همزة، لأنه يكون إنما وقعت على حرفين من الكلمة مع ألف الإطلاق، وفي جعل الهمزة كالعين في " دَعَا " و " أسْمَعَا " عيب من عيوب القافية، وهو الإكفاء، (٢) وسهله قرب مخرج العين والهمزة، وتقدير المبرد في الكامل وتبعه بعضهم
стр. 1299
خطأ، لأن الأصل في هذا الباب إذا لفظ بالحرف أن يترك على حركته ويزاد عليه في الوقف هاء السكت أو ألف الوصل، كما أجاز سيبويه أن يوقف بالألف في المفتوحة عوضاً من الهاء، والتاء من " تريد " مضمومة فكان يلزم إبقاء ضمتها، ولا يصح ذلك في الشعر، إلا أن تقول: إنه فتحها من أجل ألف الإطلاق بعدها، فيحتاج إلى تعليل آخر.
الأمر الثالث أن هذا الشعر خطاب لامرأة، فيجب أن يكون المقدَّر مؤنثاً كما قدره أبو زيد، وتقديره مذكراً غفلة عن سياق الشعر وأصله.
وقوله " إن شِئْتِ أشرفنا إلخ " بكسر التاء من شئت خطاب لامرأته، وأشرفنا: أي عَلَوْنا شَرَفاً - بفتحتين - وهو المكان العالي، وكلانا: تأكيد ل " نَا " وكلا: مفرد اللفظ مثنى المعنى، ويجوز مراعاة كل منهما، ولهذا أعاد الضمير من دَعَا إليها مفرداً: أي دعا كل منا، ولو أعاد الضمير باعتبار معناه لقال دَعَوَا وقطع همزة الوصل لضرورة الشعر، ورَبَّهُ: بدل منه، وجَهْداً: منصوب مفعول مطلق بتقدير مضاف: أي دعاء جهد، أو حال بتقدير جاهداً، والجهد - بالفتح -: الوُسْع والطاقة، و " أسْمَعَا " من أسْمَعت زيداً: أي أبلغته، فهو سميع، والدعاء يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه، وإلى ثان بحرف جر، يقال: دعوت الله أن يفعل كذا: أي يفعل كذا، ودعوت الله: أي ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده، والتقدير هنا أن يجْزِي أحدَنا بمقابلة الخير خيراتٍ، وإن كان فعله شرّاً فأصابه بشر، ولا أريد لكِ الشر إلا أن تأبى الخير ومن هنا تعرف أن تقدير ابن عصفور هو الجيد، لا تقدير السيرافي، وأن شرح الأعلم من قبيل الرجم بالظنون وقوله " قطَّعك الله الكريم قِطَعاً ".
هو دعاء عليه، والقِطَع: جمع قِطْعَة،
والثمام - بالثاء المثلثة -: نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص، والْقِصَد: جمع قصدة، وهى القطعة من الشئ إذا انكسر، كَكِسَر جمع كِسْرَة،
стр. 1300
وَالْمُرَصعُ - بفتح الصاد المهملة المشددة -: الْمُلْقَى وَالْمُطَّرح، والرُّبَع - بضم وفتح الموحدة - هو الفصيل يُنتج في الربيع في أول النتاج والأنثى رُبَعَة ولقيم بن أوس: شاعر إسلامي وأما الشعر الآخر * قُلْتُ لَهَا قِفِي: فقالت قَافْ * فهو أول رجز لِلْوَلِيد بن عقبة بن أبي معيط، أورد بقيته أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني في ترجمته، قال: " لما شُهد على الوليد بن عقبة عند عثمان ابن عفان ﵁ ربه الملك المنَّان - بِشُرْبِ الخمر وكتب إليه يأمره بالشخوص فخرج وخرج معه قوم فيهم عدي بن حاتم ﵁، فنزل الوليد يوماً يَسُوق بهم، فقال يرتجز: قُلْتُ لَهَا قِفِي فَقَالَتْ قَافْ * لاَ تَحْسَبِينَا قَدْ نَسِينَا الإيجَافْ وَالنَّشَوَاتِ مِنْ مُعْتَّقٍ صَافْ (١) * وَعَزْفَ قَيْنَاتٍ عَلَيْنَا عُزَافْ فقال له عدي: إلى أين تذهب بنا؟ أقم وقد تخيل في العصام كعادته في حاشيته القاضي شيئاً حتى أخرجه عن موضع الاستشهاد، قال: " ويمكن أن يكون أمْراً من قَافَاهُ بمعنى قَفَاه: أي تبعه فإن فَاعَلَ يجئ بمعنى فَعَلَ، نحو سافر، ويناسب كل المناسبة بما قبله وبما بعده، فيقول: قلت لها قِفِي حتى تستريحي من نَصَب السفر والسير، فقالت قاف: أي قافِني واتبعني ولا تصاحبني في السير، فإنكم قد فَتَرْتَ وحصل لك الكَلاَل، فقلت: لا تحسبينا ... الخ، بل كان المقصود استراحتك " هذا كلامه.
وفيه أن فَاعَلَ بمعنى فَعَلَ سماعي، كما نصوا عليه في علم الصرف،