واكتفى بحرف العطف وهو الفاء، ولولا الضرورة لم يجز ذلك، وكذلك أيضاً اكتفاؤه بالتاء من " تركبون "، وحذف سائر الجملة إنما ساغ للضرورة، ومثل ذلك قول الآخر: بِالْخَيْرِ خَيْرَاتٍ وَإنْ شَرّاً فأا * ولا أريد الشر دلا أنْ تَأا
أراد فأصابك الشر، فاكتفى بالفاء والهمزة وحذف ما بعدهما وأطلق الهمزة بالألف، وأراد بقوله " إلا أنْ تأا " إلا أن تأبى الخير، فاكتفى بالتاء والهمزة وحذف ما بعدهما وحرك الهمزة بالفتح وأطلقها بالالف، ونحو من ذلك قول الآخر: * قُلْتُ لَهَا قِفِي فَقَالَتْ قَافْ * يريد قد وقفتُ، فاكتفت بالقاف، ومثل ذلك أيضاً - إلا أن الدليل على المحذوف متأخر عنه - قوله: قَدْ وَعَدَتْنِي أُمُّ عمرو أن تا * تدهن رأسي وتلفيني وَا * وَتَمْسَحَ الْقَنْفَاءَ حَتَّى تَنْتَا * ألا ترى أنه حذف ما بعد التاء والواو من غير أن يتقدم له دليل على ذلك المحذوف، ثم أعادها مع ما كان قد حذفه ليبين المعنى الذي أراده قبل " انتهى.
والرجز الذي أنشده ابن عصفور مختصر، رواه بتمامه أبو علي بن المستنير المعروف بقطرب في كتاب الرد على أهل الإلحاد في آي القرآن، قال: " قال غيلان: نَادَوْهُمُ أنْ ألْجِمُوا ألاتَا * ثُمَّ تَنَادُوا بَعْدَ تِلْكَ الضَّوْضَا * مِنْهُمْ بِهَابٍ وَهَلٍ وَبَابَا * وأنشد قطرب قبله: (من الرجز) مَا للظليم عال (١) كيف لا يا * يَنْقَدُّ عَنْهُ جِلْدَه إذَا يَا
стр. 1297
* أهْبَى (١) الترابُ فَوْقَهُ إهْبَايَا * قال يا ثم ابتدأ كلامه " انتهى.
الأمر الثاني (٢) أن الرجز الذي أنشده الشارح وسيبويه إنما هو " فأا "
و" تأا " بهمزة بعدها ألف، كما أنشده أبو زيد في نوادره، قال فيها: " قال لُقَيْم ابن أوس من بني أبي ربيعة بن مالك: إنْ شِئْتِ أشْرَفْنَا كِلاَنَا فَدَعَا * الله جَهْداً (٣) رَبَّهُ فَأَسْمَعَا بِالْخَيْرِ خَيْرَاتٍ وَإنْ شرا فأا * ولا أريد الشرَّ إلاَّ أنْ تَأا أجاب بها امرأته إذ تقول له: قَطَّعَكَ الله الكَرِيمُ (٤) قِطَعاً * فَوْقَ الثُّمَامِ قِصَداً مُرَصَّعا (٥) تَاللهِ مَا عَدَّيْتَ إلاَّ رُبَعاً * جَمَّعْتُ فيهِ مَهْرَ بِنْتِي أجْمَعَا وقوله " إن شرا فأا " أراد فالشر، فأقام الألف مقام القافية، وقوله " إلا أن تأا " إلا أن تشائي ذلك، وقولها: " ما عديتَ إلا رُبعاً " ما سقت وصرفت إلينا إلا ربعاً من مهر ابنتي " انتهى كلام أبي زيد، وكذا أسنده ابن عصفور في
стр. 1298
كتاب الضرائر، وأبو حيان في الارتشاف، قال فيه: " وقد يوقف على حرف
واحد كحرف المضارعة يليه ألف نحو قوله: جَارِيَةٌ قَدْ وعَدَتْنِي أنْ تَا * تَدْهَنَ رَأْسِي وَتُفَلِّينِي وَا * وَتَمْسَحَ القَنْفَاءَ حَتَّى تَنْتَا * أو يؤتى بهمزة بعد لحرف بعدها ألف، نحو قوله: بِالْخَيْرِ خَيْرَاتٍ وَإنْ شرا فأا * ولا أريد الشر إلا أن تَأا يريد فشرّاً وإلا أن تشاء " انتهى.
فلا يستقيم على هذا إلا أن يهمز فأا وتأا لتكون الهمزة بإزاء العين في " دَعَا " و " أسْمَعَا " قال السيرافي: " وكذا أنشد هذا الشعر، وأراد فأفعل، فحذف وأطلق الهمزة بالألف لأنها مفتوحة، وقال أبو زيد أراد فالشرَّ إن أردْتَ إلخ، والذي ذكرته (١) آثر في نفسي، لأن فيه همزة مفتوحة، والذي ذكره أبو زيد ليس فيه همزة إلا أن تقطع ألف الوصل من الشر، وفيه قبح، وقول أبي زيد في " إلاَّ أنْ تأا " إنه أراد تشائي: يعني أنه حذف الشين والألف واكتفى بالتاء والهمزة وأطلقها للقافية، والهمزة مكسورة من تشَائِي لأن الخطاب لمؤنث، والهمزة من تأا مفتوحة، وأحب إليّ من قول (١) ما قاله إلا أن تأبَى الخير " انتهى.
وتقدير ابن عصفور فأصابك الشر مثل تقدير فأفعل، وعلى هذا التدقيق يضمحل قولهم: قد يوقف على حرف فيوصل بهمزة تليها ألف، وأصل الهمزة ألف قلبت همزة، لأنه يكون إنما وقعت على حرفين من الكلمة مع ألف الإطلاق، وفي جعل الهمزة كالعين في " دَعَا " و " أسْمَعَا " عيب من عيوب القافية، وهو الإكفاء، (٢) وسهله قرب مخرج العين والهمزة، وتقدير المبرد في الكامل وتبعه بعضهم
стр. 1299
خطأ، لأن الأصل في هذا الباب إذا لفظ بالحرف أن يترك على حركته ويزاد عليه في الوقف هاء السكت أو ألف الوصل، كما أجاز سيبويه أن يوقف بالألف في المفتوحة عوضاً من الهاء، والتاء من " تريد " مضمومة فكان يلزم إبقاء ضمتها، ولا يصح ذلك في الشعر، إلا أن تقول: إنه فتحها من أجل ألف الإطلاق بعدها، فيحتاج إلى تعليل آخر.
الأمر الثالث أن هذا الشعر خطاب لامرأة، فيجب أن يكون المقدَّر مؤنثاً كما قدره أبو زيد، وتقديره مذكراً غفلة عن سياق الشعر وأصله.
وقوله " إن شِئْتِ أشرفنا إلخ " بكسر التاء من شئت خطاب لامرأته، وأشرفنا: أي عَلَوْنا شَرَفاً - بفتحتين - وهو المكان العالي، وكلانا: تأكيد ل " نَا " وكلا: مفرد اللفظ مثنى المعنى، ويجوز مراعاة كل منهما، ولهذا أعاد الضمير من دَعَا إليها مفرداً: أي دعا كل منا، ولو أعاد الضمير باعتبار معناه لقال دَعَوَا وقطع همزة الوصل لضرورة الشعر، ورَبَّهُ: بدل منه، وجَهْداً: منصوب مفعول مطلق بتقدير مضاف: أي دعاء جهد، أو حال بتقدير جاهداً، والجهد - بالفتح -: الوُسْع والطاقة، و " أسْمَعَا " من أسْمَعت زيداً: أي أبلغته، فهو سميع، والدعاء يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه، وإلى ثان بحرف جر، يقال: دعوت الله أن يفعل كذا: أي يفعل كذا، ودعوت الله: أي ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده، والتقدير هنا أن يجْزِي أحدَنا بمقابلة الخير خيراتٍ، وإن كان فعله شرّاً فأصابه بشر، ولا أريد لكِ الشر إلا أن تأبى الخير ومن هنا تعرف أن تقدير ابن عصفور هو الجيد، لا تقدير السيرافي، وأن شرح الأعلم من قبيل الرجم بالظنون وقوله " قطَّعك الله الكريم قِطَعاً ".
هو دعاء عليه، والقِطَع: جمع قِطْعَة،
والثمام - بالثاء المثلثة -: نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص، والْقِصَد: جمع قصدة، وهى القطعة من الشئ إذا انكسر، كَكِسَر جمع كِسْرَة،
стр. 1300
وَالْمُرَصعُ - بفتح الصاد المهملة المشددة -: الْمُلْقَى وَالْمُطَّرح، والرُّبَع - بضم وفتح الموحدة - هو الفصيل يُنتج في الربيع في أول النتاج والأنثى رُبَعَة ولقيم بن أوس: شاعر إسلامي وأما الشعر الآخر * قُلْتُ لَهَا قِفِي: فقالت قَافْ * فهو أول رجز لِلْوَلِيد بن عقبة بن أبي معيط، أورد بقيته أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني في ترجمته، قال: " لما شُهد على الوليد بن عقبة عند عثمان ابن عفان ﵁ ربه الملك المنَّان - بِشُرْبِ الخمر وكتب إليه يأمره بالشخوص فخرج وخرج معه قوم فيهم عدي بن حاتم ﵁، فنزل الوليد يوماً يَسُوق بهم، فقال يرتجز: قُلْتُ لَهَا قِفِي فَقَالَتْ قَافْ * لاَ تَحْسَبِينَا قَدْ نَسِينَا الإيجَافْ وَالنَّشَوَاتِ مِنْ مُعْتَّقٍ صَافْ (١) * وَعَزْفَ قَيْنَاتٍ عَلَيْنَا عُزَافْ فقال له عدي: إلى أين تذهب بنا؟ أقم وقد تخيل في العصام كعادته في حاشيته القاضي شيئاً حتى أخرجه عن موضع الاستشهاد، قال: " ويمكن أن يكون أمْراً من قَافَاهُ بمعنى قَفَاه: أي تبعه فإن فَاعَلَ يجئ بمعنى فَعَلَ، نحو سافر، ويناسب كل المناسبة بما قبله وبما بعده، فيقول: قلت لها قِفِي حتى تستريحي من نَصَب السفر والسير، فقالت قاف: أي قافِني واتبعني ولا تصاحبني في السير، فإنكم قد فَتَرْتَ وحصل لك الكَلاَل، فقلت: لا تحسبينا ... الخ، بل كان المقصود استراحتك " هذا كلامه.
وفيه أن فَاعَلَ بمعنى فَعَلَ سماعي، كما نصوا عليه في علم الصرف،
стр. 1301
والإيجاف: متعدي وَجَف الفرسُ والبعير وَجيفاً، إذا عدا، وأوجفته، إذا أعْدَيته، وهو العنف في السير، وقولهم " ما حصل بإيجاف " أي: بإعمال الخيل والرِّكاب في تحصيله بالسير، ورجل نَشْوَان مثل سَكْرَان، و " من مُعَتَّق " أي: من خمر مُعَتَّق، والْعَزْف - بالعين المهملة والزاي المعجمة -: مصدر من عَزَف عَزْفاً من باب ضرب، وإذا لعب بالمَعَازف، وهي آلات يضرب بها، الواحد عَزْف كفَلْس على غير قياس، والمعزف - بكسر الميم -: نوع من الطنابير (١) يتخذه أهل اليمن، وقيل: إنه العود، وقال الجوهري: المعازف الملاهي، والْقَيْنَة - بفتح القاف -: الأمَة البيضاء، مغنيةً كانت أو غيرها وقيل: تختص بالمغنية، وعُزَّاف - بالضم -: جمع عازفة، وروي أيضاً: * وَعَزْفَ قَيْنَاتٍ لَنَا بِمِعْزَافْ * وأصله مِعْزَفٌ، فتولدت الألف من إشباع الفتحة.
والوليد بن عقبة: هو أخو عثمان بن عفان ﵁ لأمِّه، وكان فاسقاً، وولي لعثمان ﵁ الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، فشرب الخمر، وشُهد عليه بذلك، فَحَدَّه وعزله.
وأما الشعر الثالث، وهو: * قَد وعدتني أم عمرو وأن تَا * إلخ فقد رواه ابن الأعرابي في نوادره كذا: * جَارِيَةٌ قَد وَعَدَتْنِي أنْ تَا * إلخ
والْقَنْفَاء: بفتح القاف وسكون النون بعدها فاء، قال الليث: الأذن القنفاء أذن المعزى إذا كانت غليضة كأنها نعل مخصوفة، ومن الإنسان إذا كانت لا أُطرَ لها، والكمرة القنفاء: أي رأس الذكر.
стр. 1302
وكان لهمام بن مرة ثلاث بنات آلى أن لا يزوجهن أبداً، فلما طالت بهن العزوبة قالت إحداهن بيتاً وأسمعته كأنها لا تعلم أنه يسمع ذلك، فقالت: أهَمَّامُ بْنَ مُرَّةَ إنَّ هَمِّي * لَفِي اللاَّئِي يَكُونُ مَعَ الرِّجَالِ فأعطاها سَيْفاً، وقال: السيف يكون مع الرجال، فقالت لها التي تليها: ما صنعت شيئا! ولكني أقول: أهمام بن مُرَّةَ إنَّ هَمِّي * لَفِي قَنْفَاءَ مُشْرِفَةِ الْقَذَالِ فقال: وما قَنْفاء؟ تريدين مِعْزًى؟ فقالت الصغرى: ما صنعت شيئا! ولكني أقول: أهمام بْنَ مُرَّةَ إنَّ هَمِّي * لَفِي عود أسَد بِهِ مَبَالِي فقال: أخزاكن الله! ! وزوجهن.
وأنشد غير الليث: وَأُمَّ مَثوَايَ تُدَرِّي لِمَّتِي * وَتَغْمِزُ الَقْنفَاءَ ذَاتَ الْفَرْوَةِ و " تَنْتَا " مضارع نتا نُتُوًّا، وفي المثل " تُحًقِّرُهُ ويَنْتا " أي: يرتفع، وكل شئ يرتفع فهو ناتٍ، وهو مهموز، وقد سَهَّل الشاعر همزة هنا ألفا، يريد ثمن ذكره فينعط.
وهذا الشعر لحُكَيم بن مُعَيَّة التميمي، كما قال المرزُباني، وحكيم بالتصغير، ومُعَية: تصغير معاوية، وهو راجز إسلامي قد ترجمناه في الشاهد الرابع والأربعين
بعد الثلاثمائة، من شواهد شرح الكافية.
وأما الشعر الرابع، وهو * نَادَوْهُمُ ألاَ ألْجِمُوا ألاَتَا * إلخ فقد رواه أبو علي القالي في كتاب المقصور والممدود، كذا: " قال الراجز: ثُمَّ تَنَادَوْا بَعْدَ تِلْكَ الضَّوْضَا * منهم بهاب وبهل ويايا نَادَاهُمْ ألاَ ألْجِمُوا ألاَتَا * قَالُوا جَمِيعاً كُلُّهُم ألاَفَا
стр. 1303
والضوضا يمد ويقصر، قال الفراء: الضوضاء ممدود جمع ضوضاة " انتهى وفي الصحاح الضَّوْضَاة أصوات الناس.
وجلبتهم، يقال: ضَوْضَوَ بلا همز وضَوْضَيْت " انتهى، ولم يذكر لا ممدوداً ولا مقصوراً وهاب: زجر للإبل، وَهَل: بمعنى هَلاً، وهي كلمة استعجال وحث، ويايا هي يا حرف الندا كررت للتأكيد وهذا الرجز لم أقف على قائله، والله أعلم وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والثلاثون بعد المائة: (من الرجز) ١٣٣ - لمَّا رَأَى أن لا دعه ولا شبع * مال إلى أرطاة حقف فالطجع على أن تاء التأنيث في دعه هاء في الوصل، لأنه أجراه مجرى الوقف لضرورة الشعر، وظاهر كلام الفراء أنه غير ضرورة، قال في تفسير قوله تعالى (أرجه وأخاه) " جاء في التفسير احبسهما عندك ولا تقتلهما، والإرجاء: تأخير الامر، وقد جزم الهاء حمزة والأعمش، وهي لغة للعرب، يقفون على الهاء المكني عنها في الوصل إذا تحرك ما قبلها، أنشدني بعضهم: (من الرجز) أنْحَى عَلَيَّ الدَّهْرُ رِجْلاً وَيَدَا (١) * يُقْسِمُ لاَ يُصْلِحُ إلا أفْسَدَا فَيُصْلِحُ الْيَوْمَ وَيُفْسِدُهْ غدا
стр. 1304
وكذلكك يفعلون بهاء التأنيث، فيقولون: هذه طَلْحَهْ قد أقبلت بالجزم، أنشدني بعضهم: * لَمَّا رَأَى أنْ لاَدَعَهْ وَلاَ شَبِعْ * انتهى وقد أورده الزمخشري في المفصل على أن اللام أبدلت من الضاد في " فالطجع " وأصله فاضطجع، وكذلك أورده المراديّ وابن هشام في شرح الألفية، قال ابن جني في سر الصناعة: " وأما قول الراجز: فالطجع فأبدل الضاد لاماً وهو شاذ، وقد روي فاضْطَجَعَ، وروي أيضاً فاطجَّع، وَيروى أيضاً فاضَّجَع " انتهى.
وهذا البيت قبله يَا رُبَّ أبَّازٍ مِنَ الْعَفرِ صَدَعْ * تَقَّبَّضَ الذِّئْبُ إلَيْهِ وَاجْتَمَعْ وقد أنشدهما ابن السكيت في باب فَعَل وفعَّل من إصلاح المنطق، و " يا " حرف التنبيه، ورب لإنشاء التكثير، وأباز - بتشديد الموحدة وآخره زاي معجمة - قال صاحب الصحاح: أبز الظبى يأبز (من باب ضرب) : (١) أي قفز في عدوه فهو أباز، وأنشد هذا البيت، وصحفه بعض أفاضل العجم بالإبَّان، فقال في شرح أبيات المفصل: " يا رُبَّ المنادى محذوف يريد يا قوم، والإبَّان: الوقت،
والعُفر: جمع أعفر، وهو الأبيض الذي ليس بشديد البياض، وشاة عفراء يعلو بياضها حمرة، والصَّدَع: الوَعِل، تقبض إليه: تزوى إليه وانضم، " صَدَعٌ " مبتدأ ومن العفر بيان له، وبهذا صح وقوعه مبتدأ، وتقبض خبره، والجملة صفة إبان والعائد محذوف: أي تقبض فيه " هذا كلامه وهو خبط عشواء، فإن قوله من العُفْرِ صفة لمجرور رُب، وصَدَعٌ صفة ثانية، وتقبض جواب رُب، قال صاحب الصحاح تبعاً لابن السكيت: " ورجل
стр. 1305
صَدعٌ بالتسكين، وقد يحرك، وهو الخفيف اللحم، وأما الوعِلُ فلا يقال فيه إلا بالتحريك، وهو الوسط منها، ليس بالعظيم ولا بالصغير، ولكنه وعِل بين وَعِلين، وكذلك هو من الظباء والْحُمُرِ، قال الراجز * يَا رُبَّ أبَّازٍ مِنَ الْوَعْلِ صَدَعْ * " انتهى وتقبض: جمع قوائمه ليثب على الظبي، وقوله " لما رأى إلخ " رأى هنا عِلْمية: وفاعله ضمير الذئب وأن مخففة من الثقيلة: واسمها ضمير الشأن، ولا نافية للجنس، وخبرها محذوف: أي له، والجملة خبر أن المخففة، وَالدّعَة: الراحة والسكون، قال الجوهري: " والدعة: الخفض، والهاء عوض من الواو، تقول منه: وَدُع الرجل - بالضم - فهو وديع: أي ساكن، وَوَادِع أيضاً " وَالشَّبع - بكسر الشين وفتح الموحدة - نقى الجوع، وأما الشِّبع - مع تسكين الموحدة - فهو ما أشبعك من شئ ".
قال صاحب الصحاح: " الأرطي: شجر من شجر الرمل والواحدة أرطأة، قال الراجز:
مَالَ إلَى أرْطَأَةِ حِقْفٍ فَاضْطَجَعْ " انتهى والحقف - بكسر الحاء وسكون القاف -: التل المعوج من الرمل، واضطجع: وضع جنبه بالأرض، يقول: لما رأى الذئب أنه لا يشبع من الظبي ولا يدركه وقد تعب في طلبه إلى الأرطأة فاضطجع عندها، ونسب ياقوت هذه الأبيات الأربعة فيما كتبه على هامش الصحاح إلى منظور بن حبة الأسدي، وكذلك نسبها العيني، ولم يتعرض لها ابن بري ولا الصفدي في المواضع الثلاثة من الصحاح.
المقصور أنشد فيه وهو الشاهد الرابع والثلاثون بعد المائة: (من البسيط)
стр. 1306
١٣٤ - في ليلة من جمادى ذات أندية * لا يبصر الكلب في ظَلْمَائِهَا الطُّنُبَا على أنه شذ (جمع) (١) ندًى على أندية كما في البيت، قال ابن جني في إعراب الحماسة: " اختلف في أندية هذه، فقال أبو الحسن: كسرندى على نِداء كجبل وجبال، ثم كسِر نِدَاء على أندية كرداء وأردية، وقال محمد بن يزيد هو جمع نَدِيّ كقول سَلاَمَة بن جندل: (من البسيط) يَوْمَانِ يَوْمُ مَقَامَاتٍ وَأَنْدِيَةٍ * وَيَوْمُ سَيرٍ إلى الاعداء تأويب وذهب غيرهما إلى أنه كسر فَعَلاً على أفْعُلَ كزمن وأزمن، وجَبَلٍ وأجْبُلٍ فصار أنْدٍ كأيْدٍ، ثم أنِّثَ أفْعُلَ هذه بالتاء، فصارت أندية كما أنث فِحَالَةٌ، وذكورةٌ، وبُعُولَةٌ، وأندية على هذا أفْعُلة - بالضم - لا أفعِلة - بالكسر - وذهب آخرون إلى أنه كسر فَعَلا على أفْعِلة: وركب به مذهب الشذوذ، وهذا وإن كان شاذاً فإن له عندي وجهاً من القياس صالحاً، ونظيراً من السماع مؤنساً: أما السماع
فقولهم في تكسير قفا ورحى: أقفية وأرحية، حكاهما الفراء وابن السكيت فيما علمت الآن، وأما وجه قياس الجمع فهو أن العرب قد تُجري الفتحة مجرى الألف، ألا تراهم لم يقولوا الإضافة إلى جَمَزَى وبَشَكَى (إلاَّ جَمَزِيّ، وَبَشَكِيّ) (٢) كما لا يقولون في حُبَارى، إلا حباريّ، ومشابهة الحركة للحرف أكثر ما يذهب إليه، فكأن فَعَلاً على هذا فَعَالٌ، وفَعَالٌ مما يكسر على أفعلة نحو غزال وأغزلة وشراب وأشربة، وكذلك كسَّر نَدًى ورحىً وقفاً على أندية وأرحية وأقفية، وكما شبهت الحركة بالحرف فكذلك شبه الحرف بالحركة، فقالوا حياء وأحياء، وعزاء وأعزاء، وعراء وأعراء ومن الصحيح جواد وأجواد، فكأن كل واحد من هذه الاحاد فعل (٣)
стр. 1307
عندهم، وأجود تكسير ندَىً أنداءٌ، كما قال الشماخ: (من الطويل) إذا سقط الانداء صيغت وَأُشْعِرَتْ * حَبِيراً وَلَمْ تُدْرَجْ عَلَيْهَا الْمَعَاوِزُ (١) وقد تقصَّيْتُ هذا الموضع في كتاب سر الصناعة " انتهى كلامه.
أقول: ذكره في فصل الواو من ذلك الكتاب.
وقال السهيلي في الروض الأنف: " أندية، جَمَعَ نَدىً على نِدَاء مثل جمَلَ وجِمَال، ثم جمع الجمع على أفْعِلَةٍ، وهذا بعيد في القياس، لأن الجمع الكثير لا يجمع وفِعَال من أبنية الجمع الكثير، وقد قيل: إنه جمع نديّ، وَالندِيّ: المجلس، وهذا لا يشبه معنى البيت، ولكنه جاء على مثال أفْعِلَة، لأنه في معنى الأهوية والأشتية ونحو ذلك، وأقرب من ذلك أنه في معنى الرذاذ والرشاش، وهما يجمعان على أفعله " انتهى.
وقريب منه قول الخُوَارِزمي: " ندًى وإن كان في نفسه فَعَلاً لكنه بالنظر إلى ما يقابله - وهو الجفاف - فَعَالٌ، فمن ثم كسروه على أفعلة " وقول السهيلي " لا يشبه معنى البيت " قد يمنع، ويكون معناه في ليلة من ليالي الشتاء ذات مجالس يجلس فيها الأشراف والأغنياء لإطعام الفقراء، فإنهم كانوا إذا اشتد الزمان وَفشا القحط، وذلك يكون عند العرب في الشتاء، يجلسون في مجالسهم ويلعبون بالميسر، وينحرون الجزر، ويُفرقونها على الفقراء.
والبيت من قصيدة لِمُرَّة بن مِحْكَان، أوردها أبو تمام في باب الأضياف والمديح من الحماسة، وقبله: أقُولُ وَالضَّيْفُ مَخْشِيٌّ ذَمَامَتُهُ * عَلَى الْكَرِيمِ وَحَقُّ الضَّيْفِ قَد وَجَبَا يَا رَبَّةَ الْبَيْتِ قُوْمِي غَيْرَ صَاغِرَةٍ * ضُمِّي إلَيْكِ رحَالَ الْقَوْمِ وَالقُرُبَا فِي لَيْلَةٍ مِنْ جُمَادَى ذات أندية * لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا
стр. 1308
لاَ يَنْبَحُ الْكَلْبُ فِيهَا غَيْرَ واحِدَةٍ * حَتَّى يَلُفَّ عَلَى خَيْشُومِهِ الذَّنَبَا وَخَيِّرِيهِمْ أنُدْنِيهِمْ إلَى سَعَةٍ * مِنْ سَاحَةِ الدَّارِ أمْ نَبْنِي لَهُمْ قُبَبَا؟ مخشي: اسم مفعول من الخشية، وهي الخوف، وذَمَامَة: نائب الفاعل، وهى بمعنى الذم، وقوله " ياربة البيت " هو مقول القول، وربة البيت: صاحبته، يريد امرأته، و " غير " منصوب على الحال، وصاغرة: من الصغار - بالفتح - وهو الذلة، وضمي: اجمعي، والرحال - بالحاء المهملة -: جمع رحل، وهو كل شئ يعد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير وحِلْس وَرَسَن، والقرُبُ - بضمتين -: جمع قِراب، وقِرَاب السيف - بالكسر -: جفنه وهو وعاء يكون فيه السيف بغمده وحمالته، وقوله " في ليلة " هو متعلق بقومي، وقيل ب " ضُمِّي " لقربه، وقوله
" من جمادى " متعلق بمحذوف صفة لليلة، ومن للتبعيض، وإن كانت للبيان كانت متعلقة بمحذوف حال من ليلة، كقوله تعالى (مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذهب) والشاهد في " مِنْ " الثانية فإن الأولى ابتدائية، واخطأ العينى في قوله: من جمادى صفة لليلة، ومن للبيان.
قال السهيلي: " أراد بجمادى الشهر، وكان هذا الاسم قد وقع على هذا الشهر في زمن جمود الماء، ثم انتقل بالأهلة، وبقي الاسم عليه وإن كان في الصيف والقيظ، وكذلك أكثر (١) هذه الشهور العربية سميت بأسماء مأخوذة من أحوال السنة الشمسية، ثم لزمتها وإن خرجت تلك الأوقات " انتهى.
وينبغي أن يعتبر أصل الوضع، وإلا فلا فائدة في ذكر اسم شهر لا يدل على شدة البر وجمود الماء، والشاعر إسلامى وليس ممن أدرك زمن وضع الشهور، ويجوز أن يلاحَظ في الأعلام أصل وضعها.
قال ابن الأنباري: " أسماء الشهور كلها مذكرة إلا جمادى، فهما مؤنثان
стр. 1309
تقول: مضت جمادى بما، فإن جاء تذكير جمادى في شع فهو ذهاب إلى معنى الشهر، وهي غير مصروفة للتأنيث والعلمية، والأولى والآخرة صفة لها، فإن الآخرة بمعنى المتأخرة، ولا يقال: جمادى الأخرى، لأن الأخرى بمعنى الواحدة فتتناول المتقدمة والمتأخرة فيخصل اللبس، ويحكى أن العرب حين وضعت الشهور وافق وضع الأزمنة فاشتق للشهر معان من تلك الأزمنة، ثم كثر حتى استعملوها في الأهلة وإن لم توافق ذلك الزمان، فقالوا: رمضان، لما أرمض الارض من شدة الحر، وشوال، لما شالت الإبل بأذنابها للطروق، وذو القَعدة لما ذللوا القِعدان للركوب، وذو الحِجة لما حجوا، والمحرم، لما حرموا القتال والتجارة،
وصفر لما غزوا فتركوا ديار القوم صِفراً، وشهر ربيع، لما أربعت الأرض وأمرعت، وجمادى، لما جمد الماء، ورجب لما رجبوا الشجر، وشعبان لما أشعبوا العود " وقوله " ذات أندية " بجر ذات بمعنى صاحب صفة لليلة، وأندية جمع نَدًى، وهو أصل المطر، والندى البلل، وبعضهم يقلو ما سقط آخر الليل فهو ندى، وأما الذي يسقط أوله فهو السَّدَى: - بفتح السين المهملة - على وزنه من باب تعب، فهي ندية مثل تقية، ويعدى بالهمزة والتضعيف، وجملة " لا يبصر الحيوانات الكلب إلخ " صفة أخرى لليلة، وخَصَّ الكلب المدجج الذي لا يبين إلاَّ عيناه، والطنب - بضمتين، وسكون النون - لغة، وهو الحبل الذي تشد به الخيمة ونحوها، والجمع أطناب كعُنُق وأعناق، وقول العوام طَنَب - بفتحتين - لا أصل له، و " في " متعلقة يبصر، وروي بدلها " من " وهي بمعْناها وقال العيني: للتعليل، والظلماء هنا بمعنى الظلمة، ويأتي وصفاً أيضاً يقال: ليلة ظلماء والليلة الظلماء، وقوله لا ينبح الكلب إلخ من باب ضرب، وفي لغة من باب نفع، والنُّباح - بالضم -: صوته، والخيشوم الأنف، وإنما يلف ذنبه
стр. 1310
على أنفه لشدة البرد فلا يقدر أن ينبح وقوله " وخَيِّرِيهِمْ أنُدْنِيهِمْ " الهمزة للاستفهام، والإدناء التقريب، وروي أيضاً: مَاذَا ترَيْنَ أنُدْنِيهِمْ لأرْحُلِنَا * مِنَ الْبَيْتِ جَانِب أمْ نَبْنِي لَهُمْ قُبَبَا يقال: بنى الخيمة إذا ضربها وأقامها، والقبب: جمع قبة، وهي الخيمة المدورة.
ومرة بن محكان شاعر إسلامي من معاصري الفرزدق وجرير، وهو بضم الميم وتشديد الراء، ومحكان - بفتح الميم وسكون الحاء المهملة - على وزن غضبان: مصدر مَحَكَ يَمْحَك محكاً من باب نفع إذا لج في الأمر فهو محك وماحك، ورجل محكان إذا كان لجوجاً عسر الخلق، ويقال أيضاً: أمحك وامتحك في الغضب:
أي لج، والمماحكة: الملاجة، وضبطه العسكري في كتاب التصحيف بكسر الميم لا غير وهو خلاف ما قالوا والله أعلم.
قال ابن قتيبة في كتاب " الشعراء " مُرَّة بن محكان السعدي هو من سعد بن زيد مناة بن تميم، من بطن يقال لهم: رُبَيْع بالتصغير، وكان مرة سيد بني ربيع، وكان يقال له: أبو الأضياف، وقتله صاحب شرطة مُصْعَب بن الزبير، ولا عقب له، وهو القائل في الأضياف من تلك القصيدة: (من البسيط) وَقُلْتُ لَمَّا غَدَوْا أُوصي قَعِيدَتَنَا * غَذِّي بَنِيكِ فَلَنْ تَلْقَيْهِمُ حِقَبَا أدعى أباهم ولم أقرب بِأٌمِّهِمِ * وَقَدْ عَمِرَتْ وَلَمْ أعْرِفْ لََهُمْ نَسَبَا أنَا ابْنُ مَحْكَان أخوا لى بنو مطر * أنمى إليهم وكانو مَعْشَراً نُجُبَا انتهى.
تتمة: قد وقع المصراع الأول من البيت الشاهد في شعر آخر، قال ابن هشام صاحب السيرة النبوية عند ذكر ما قيل من الشعر يوم أحد: قال بن اسحق
стр. 1311
" وكان " مما قيل من الشعر يوم أحد قول هُبَيْرَة بن أبي وهب (من البسيط) مَا بَالُ هَمٍ عَمِيدٍ بَاتَ يَطْرُقُنِي * بِالْوُدِّ هِنْدَ إذْ تَعْدُوا عَوَادِيهَا بَاتَتْ تُعَاتِبُنِي هِنْدٌ وتغذلنى * وَالْحَرْبُ قَدْ شَغَلَتْ عَنِّي مَوَالِيهَا إلى أن قال بعد خمسة عشر بيتاً: وَلَيْلةٍ يَصْطَلِي بِالْفَرْثِ جازِرُهَا * يَخْتَصُّ بالنَّقَرَى الْمُثْرِينَ دَاعِيهَا فِي لَيْلَةٍ مِنْ جُمَادَى ذَاتِ أنْدِيةٍ * جَرْبَاً جُمَادِيَّةٍ قدبت أَسْرِيهَا لاَ يَنْبَحُ الْكَلْبُ فِيهَا غَيْرَ وَاحِدَةٍ * مِنَ الْقَرِيسِ وَلاَ تَسْرِي أفَاعِيهَا ثم بعد أن أتمها وأنشد جوابها لحسان بن ثابت ﵁ قال: وبيت هبيرة الذي يقول فيه * وليلة يصلى بالفرث جازرها * الخ يروى الجنوب أخت
عمرو ذي الْكَلْب الهذلي في أبيات لها في غير يوم أحد " انتهى.
وقال السهيلي في الروض: " قد شرطنا الإضراب عن شرح شعر الكفرة والمفاخرين لقتال رسول الله ﷺ ، إلا من آمن منهم، لكنه ذكر في شعر هبيرة الذى بدأ به بيتين ليسا من شعره، فلذلك ذكرتهما، وهما: * وليلة يصطلي بالفرث * البيت و * في ليلة من جمادى ... * البيت قوله يصطلي بالفرث: أي يستدفئ به من شدة البرد، و " يختص بالنَّقَرَى المثرين ": يختص الأغنياء طلباً لمكافأتهم وليأكل عندهم، يصف شدة الزمان، قال يعقوب في الألفاظ: ونسبها لهذلي، وكذلك قال ابن هشام في هذين البيتين: إنهما ليسا لهبيرة، ونسبهما لجنوبَ أخت عمرو ذي الكلب الهذلي " انتهى.
وجنوب هذه أمرأة من هذيل، جاهلية، قد ترجمناه في الشاهد التاسع والستين بعد السبعمائة من شواهد شرح الكافية، فيكون مرة بن محكان قد أخذ المصراع الأول من شعرها، وكذلك يكون " لا ينبح الكلب فيها غير واحدة "
стр. 1312
هذا المصراع ليس له، وقولها " جرباً جُمَادية " أي: لا نجوم تظهر فيها، وجُمَادِيَّةٍ منسوبة إلى جُمَادى.
أي لشدة البرد، ويروى " حَيْرَى جماديّة " يحار السالك فيها من شدة الظلام، والفرث: السرجين الذي يخرج من الكرش، والنَّقَرى - بفتح النون والقاف وبالقصر -: الضيافة الخاصة لافراد، والجفى على وزنها - بالجيم والفاء -: الضيافة العامة، والمثرين: مفعول مقدم، وداعيها فاعل مؤخر، والقريس - بفتح القاف وآخره سين مهملة -: البرد الشديد.
ذو الزيادة أنشد فيه، وهو الشاهد الخامس والثلاثون بعد المائة: (من الرجز)
١٣٥ - * تُجاوِبُ القوس بترنموتها * على أن " ترْنَمُوتاً " بمعنى الترنم، فالواو والتاءان زوائد، وصوابه.
* تْجَاوِبُ الصَّوْتَ بتَرْنَمُوتِهَا * قال ابن جني في سر الصناعة: " وزيدت التاء أيضاً خامسةً في نحو مَلَكوت وجبروت ورغبوت ورهبوت ورحموت وطاغوت، وسادسة في نحو عَنْكَبُوت وتَرْنَمُوت، وهو صوت ترنم القوس عند الإنباض، قال الراجز: * تْجَاوِبُ الْقَوْسَ بِتَرْنَمُوتِهَا * أي: بترنمها " انتهى.
وقال أيضاً في شرح تصريف المازني: " وأمّا ترنموت فيدل على زيادة تائه أيضاً أنه بمعنى الترنم، قال الراجز: * تجاوب القوس بترنموتها * أي: بترنمها، ومثال عَنْكَبُوت فَعْلَلُوت، ومثال تَرْنَموت تَفْعَلُوت " انتهى.
وقال صاحب الصحاح: " والترنموت: الترنم، زاد فيه الواو والتاء، كما زادوا
стр. 1313
في مَلَكُوت، قال أبو تراب: أنشدني الغَنَوِي: في القوس تُجَاوِبُ الصَّوْتَ بِتَرْنَمُوتِهَا * تَسْتَخْرِجُ الْحَبَّةَ مِنْ تابوتها يعنى حبة القلب من الجوف " انتهى.
فعرف أن الشارح المحقق تبع ابن جني في ذكر القوس موضع الصوت، والصواب ما أنشده الجوهري.
قال ابن بري في أمالية عليه: " قبل البيتين: * شِرْيَانَةٌ تُرْزِمُ مِنْ عُنُوتِهَا * والشريانة - بكسر الشين المعجمة وفتحها -: شرج تتخذ منه القِسِيّ،
قال الدِّينَوَرِيُّ في كتاب النبات: " هو من جيد العيدان، وهو من نبات الجبال، قال أبو زياد: وتصنع القياس من الشريان، قال: وقوس الشريان جيدة إلا أنها سوداء مشربة حمرة، وهي أخف في اليدين من قوس النبع والشَّوْحَط، وزعموا أن عود الشِّرْيان لا يكاد يَعْوَجّ، وقال الفراء: هي الشريان بالفتح والكسر ".
اه وتُرْزم - بتقديم المهملة على المعجمة - بمعنى أنّت وصوَّتت (١) من أرزمت الناقة إرزاماً، والاسم الرَّزَمَة - بالتحريك - وهو صوت تخرجه من حلقها لا تفتح به فاها، وذلك على ولدها حين تَرْأَمه، والحنين أشد من الرَّزَمَة، والْعُنُوت (٢) : جمع عَنَتْ - بفتح العين المهملة والنون - وهو الوقوع في أمر شاق، وقوله " تجاوب الصوت " أي: صوت الصيد، يعني إذا أحَسَّت بصوت حَيَوَان أجابته بترنم وترها، والتابوت هنا: القلب، ووزنه فاعول
стр. 1314
وزعم الجوهري أنه فَعَلُوت من التوب، ورد عليه، قال الراغب: التابوت: وعاء يمر قَدْرُهْ، ويسمى القلب تابوت الحكمة، وسَفْط العلم، وبَيْتَه وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس والثلاثون بعد المائة: (من الرجز) ١٣٦ - * رَبَّيْتُهُ حَتَّى إذَا تَمَعْدَدَا * على أن وزنه عند عند سيبويه تَفَعْلَلَ، ومعناه غَلُظ واشْتَدَّ، قال ابن دريد في الجمهرة: " تمعدد الغلام، إذا صلب واشتد، وبعده: * كَانَ جَزَائِي بالعصا أنْ أجْلَدَا *
وتقدم الكلام عليه في الشاهد الثاني والأربعين بعد الستمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع والثلاثون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الرجز) ١٣٧ - * بِشِيَةٍ كَشِيَةِ الْمُمَرْجَلِ * على أن الْمُمَرْجَل وزنه عند سيبويه مُفَعْلَل قال سيبويه: " جعلت المراجل ميمها من نفس الحرف حيث قال العجاج * بشبة كَشِيَةِ الْمُمَرْجَلِ * الممرجل: ضرب من ثياب الوشي " قال الأعلم: " استشهد به على أن ميم الممرجل أصلية، وهي ضرب من ثياب الوشي تصنع بدرات كالمِرْجَل، وهو القدر، لثباتها في الممرجل، وهو عنده مُفَعْلَلْ، فالميم الثانية فاء الفعل، لأن مفعلالا لا يوجد في الكلام، وغيره يزعم أن ممرجلاً ممفعلٍ، وأن ميميه زائدتان، ويحتج لمجيئها زائدتين في مثل
стр. 1315
هذا بقولهم: تَمَدْرَعَت الجارية، إذا لبست المدرع، وهو ضرب من الثياب كالدرع، وبقولهم: تمسكن الرجل، إذا صار مسكيناً، والمسكين من السكون، وميمه زائدة، وهذا قريب، إلا أن سيبويه حمل الممرجل على الأكثر في الكلام، لقلة مُمَفْعل (وكثرة مُفَعْلَل) والشيه: هي اللون يخالطه لون آخر، ومنه سمي الْوَشْي لاختلاف ألوانه، كأنه شُبِّه في البيت اختلاف لون الثور الوحشي لما فيه من البياض والسواد بِوَشْي المراجل واختلافه " انتهى وفي العباب للصاغاني: " والمِرْجَل - بالكسر -: قدر من نحاس، وقال الليث: والْمَرَاجِل: ضرب من برود اليمن، واحدها مرجل - بفتحها -
وثوب مُرَجَّل: أي معلم " انتهى ولم يذكر مُمَرْجلاً وأنشد بعده، وهو الشاهد الثامن والثلاثون بعد المائة: (من الطويل) ١٣٨ - * عَلَى إثْرِنَا أذْيَالَ مِرْطٍ مُرَجَّلِ * وهو عجز، وصدره: * فَقُمْتُ بِهَا أمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَا * على أن المرجل معناه الذي فيه صورة الرجال أقول: لم يروه شراح المعلقات بالجيم، وإنما رووه بالحاء المهملة، قال أبو جعفر النحوي والخطيب التبريزي: " الْمُرَحَّل الذي فيه صورة الرِّحَال بالوشي، وقال الزوزني: " الْمُرَحَّل: الْمُنَقَّش بنقوش تشبه رحال (١) الإبل، يقال: ثوب مُرَحَّل، وفي هذا الثوب ترحيل " وما رواه بالجيم إلا الصاغاني
стр. 1316
في العباب، قال: " روي مُرَّجَّل بالجيم: أي معلم، بالحاء أي موشى شبيهاً بالرحال " هذا كلامه وعلى تقدير ثبوت المرجل - بالجيم - يعني الذي فيه صورة الرجال كيف يكون دليلاً لكون الممرجل يعني الذي فيه نقوش على صورة المراجل، فإن تشبيه كل منهما خلاف تشبيه الآخر، ولعل في نسختنا من الشرح كلاماً ساقطاً، فإن الذي فيها إنما هو " والممرجل: الثوب الذي يكون فيه نقوش على صورة المراجل، كما قال امرؤ القيس * على إثرنا - إلخ " ولعل الساقط بعد قوله على صورة المراجل " كما أن المرجل الثوب الذي فيه صورة الرجال كما قال امرؤ القيس - إلخ " (١)
والله أعلم والمرط - بكسر الميم -: كساء من خز، أومر عِزّي، أو من صوف، وقد تسمى المُلاَءة مِرْطاً، يقول: أخرجتها من خدرها وهي تمشي تجر مرطها على أثرنا لتعفَّى به آثار أقدامنا وقد تقدم شرحة بأبسط من هذا مع أبيات أخر من هذه المعلقة في الشاهد الواحد والتسعين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع والثلاثون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الطويل) ١٣٩ - فلست لا نسى ولكن لملأك * تنزل من جو السَّمَاءِ يَصُوبُ على أن مَلَكاً مَلأَك، كما في البيت قال سيبويه: " اجتمع أكثرهم على ترك الهمزة في مَلَك، وأصله الهمز - وأنشد البيت، قال: وقالوا مألكة وملاكة، وإنما يريدون رسالة " انتهى
стр. 1317
وقال ابن السراج في الأصول: " ومما ألزم حذف الهمزة لكثرة استعمالهم مَلَكٌ إنما هو مَلْأَك، (فلما) (٢) جمعوه ردوه إلى أصله قالوا ملائكة وملائك، وقد قال الشاعر - فرد الواحد إلى أصله حين احتاج - * فَلَسْت لإنسي ... البيت " انتهى.
وقد أخذ هذه من تصريف المازني، قال ابن جني في شرحه: " اعلم أنه يريد بالحذف هنا التخفيف، ألا ترى أنهم يحركون اللام من مَلَك لفتحة الهمزة من ملاك كما تقول في تخفيف مَسْأَلة: مَسَلَة، وهذا هو التخفيف، إلا أنهم ألزموه التخفيف في الأمر الشائع في الواحد، وصارت ميم مَفْعَل كأنها بدل من إلزامهم إياه
التخفيف، كما أن حرف المضارعة في نَرَى وتَرَى ويرى وأرى كأنه بدل من إلزامهم إياه التخفيف في الأمر الشائع، حتى إن التحقيق وإن كان هو الأصل قد صار مستَقْبَحاً لقلة استعماله، وينبغي أن تعلم أن أصل تركيب مَلَك على أن الفاء لام والعين همزة واللام كاف، لأن هذا هو الأكثر وعليه يُصرَف الفعل، قال الشاعر: (من الطويل) ألِكْنِي إلى قَوْمي السَّلاَمَ رِسَالَةً * بِآيَةِ مَا كانُوا ضِعَافاً وَلاَ عُزْلاَ فأصل ألكني ألئكنى فخفف الهمزة بأن طرح كسرتها على اللام، وقال الآخر: (من المتقارب) ألِكْنِي إلَيْهَا وَخَيْرُ الرسول * أعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الْخَبَرْ وعلى هذه اللغة جاء ملك، وأصله مَلْأَك، وعلى هذا جمعوه، فقالوا: ملائك وملائكة، لأن جمع مَفْعَل مَفَاعِل، ودخلت الهاء في ملائكة لتأنيث الجمع، وقد قدموا الهمزة على اللام فقالوا: مَأْلُك ومَأَلُكة للرسالة، قال عدي بن زيد: (من الرمل) أبْلِغْ النُّعْمَانَ عَنِّي مَأْلُكاً * أنَّهُ قَدْ طَالَ حَبْسِي وانتظار
стр. 1318
وقال لبيد ﵁: (من الرمل) وغلاَمٍ أرْسَلَتْهُ أُمُّهُ * بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ ولم نرهم استعملوا الفعل بتقديم الهمزة، فهذا يدل على أن الفاء لام والعين همزة " انتهى.
قال ابن هشام اللخمي في شرح أبيات الجمل: " البيت لعلقمة بن عَبَدَة أحد بنى ربيعة مالك بن زيد مناة بن تميم، وهو علقمة الْفَحْل (١) ، من قصيدته التي يقول فيها: (من الطويل)
وَفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خبطت بِنِعْمَةٍ * فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذنوب وهو آخر القصيدة " اه.
وقد بحثت (عنه) فلم أجده فيها من رواية المفضل في المفضليات، وكذلك لم أره في ديوانه قال السهيلي: " هذا البيت مجهول، وقد نسبه ابن سيده إلى علقمة، وأُنْكِرَ ذلك عليه، ثم قال اللخمي: وحكى أبو عبيد أنه لرجل من عبد القيس من كلمة يمدح بها النعمان، وحكى السيرافى: أنه لابي وجرة (٢) السُّلَمِي المعروف بالسعدي من قصيدة يمدح بها عبد الله بن الزبير ﵁ وقوله " تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السماء " (يحتمل وجهين: الأول (٣)) أنه ليس بقديم في الأرض فتلحقه طباع الآدميين، والثاني أن كل ملك قرب عهده بالنزول من السماء فليس بمنزلة من لم يكن قريب العهد، ويصوب: ينحدر إلى أسفل، وقوله " لملاك " في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ مضمر، والتقدير أنت لملاك.
" ولانسى " في موضع خبر ليس والتقدير فلست منسوباً بالانسى، والجواب
стр. 1319
بين السماء والأرض، و " يصوب " في موضع نصب على الحال من ضمير تنزل، ويجوز أن يكون في موضع الصفة لملاك " انتهى.
وفى الصحاح، صاب الماء يصوب نزل، وأنشد البيت لرجل من عبد القيس جاهلي يمدح بعض الملوك وقال الطيبي: يصوب: بمعنى يميل وهو استئناف على سبيل البيان والتعليل، وفي معناه قول صواحب يوسف (مَا هَذَا بَشَراً إنْ هَذَا إلاَّ مَلَك) وأنشده الزمخشري عند قوله تعالى: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بأمر ربك) على أن التنزل بمعنى
النزول مطلقاً، لأنه مطاوع نزل، ولا أثر للتدريج في غرض الشاعر وقبله: تَعَالَيْتَ أنْ تُعْزَى إلَى الإنْسِ خَلَّةً * وَلِلأِنْسِ مَنْ يَعزُوكَ فَهْوَ كَذُوبُ وتَعَالَيْتَ تعاظمت، وتعزى: تنسب، وخلة: تمييز وهو بفتح الخاء المعجمة، وهو بمعنى الخصلة.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الأربعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الرجز) ١٤٠ - * دار لسعدى إذه من هو اكا * على أن هوى من " هواكا " مصدر بمعنى اسم المفعول: أي من مهوياتك وأنشده سيبويه في باب ضرائر الشعر من أول كتابه على أن الياء حذفت للضرورة، والأصل إذ هي من هواكا، وقبله: * هَلْ تَعْرِفِ الدَّارَ عَلَى تِبْرَاكَا * بكسر المثناة الفوقية الموحدة: موضع في ديار بني فقعس، وصف داراً خلت من سعدى هذه المرأة، وبَعُدَ عهدها بها فتغيرت بعدها، وذكرَ أنها كانت لها داراً ومستقراً، إذ كانت مقيمة بها، فكان يهواها بإقامتها فيها، وقد تكلمنا
стр. 1320
عليه بأكثر من هذا في الشاهد الثالث والثمانين من أوائل شرح شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الحادي والأربعون بعد المائة -: (من الطويل) ١٤١ - فَإِنْ تَكُنْ الْمُوسَى جَرَتْ فوق بظرها * فما ختنت إلا ومصان قاعد على أن الموسى مؤنثة بدليل جرت، فإن المؤنث إذا أسند إلى فعله وجب إلحاق علامة التأنيث لفعله، وأما إذا أسند الفعل إلى ظاهر فيجوز إلحاق العلامة
ويجوز تركها، كما في تكن، وأما تذكيره فلم أر له شاهداً إلا في كلام المولدين، وما أحسن ما كتب بعضهم بمصر إلى الأمير موسى بن يغمور وقد أهدَى إليه موسى: وأهديت موسى نحو مُوسَى وَإنْ يَكُنْ * قَدْ اشْتَرَكا في الإسْمِ مَا أخْطَأَ الْعَبْدُ فَهَذَا لَهُ حَدٌّ وَلاَ فَضْلَ عِنْدَهُ * وَهَذَا لَهُ فَضْلٌ وَلَيْسَ لَهُ حَدُّ وهذا البيت قبله: لَعَمرِكَ مَا أدْرِي وإني لسائل * أبْظْرَاءُ أمْ مَخْتُونَةٌ أُمُّ خَالِدِ وروي أيضاً: * لَعَمْرِكَ مَا أدْرِي وإن كُنْتَ دَارِيا * والبظراء: المرأة التي لها بظر، والبَظْر: لحمة بين شفري المرأة، وهي القلفة التي تقطع في الختان، وبَظِرَت المرأة - بالكسر - فهي بظراء، إذا لم تختن، وأم خالد: مبتدأ، وبظراء: خبر مقدم، وروي مخفوضة بدل مختونة، وخُفِضَتْ بدل ختنت، والختان مشترك بين الذكر والأنثى، يقال: ختن الخاتن الصبي ختناً من باب ضرب، والاسم الختان والختانة، بكسرهما، ويطلق الختان على موضع القطع من الفرج، وفي الحديث (إذا التقى الختانان) وهو كناية لطيفة عن تغييب
стр. 1321
الحشفة، فالمراد من التقائهما تقابل موضع قطعهما، فالغلام مختون والجارية مختونة وغلام وجارية ختين أيضاً، والخفض خاص بالانثى، يقال: خَفَضت الخافضة الجارية خِفاضاً: ختنتها، فالجارية مخفوضة، ولا يقال: الخفض إلا على الجارية دون الغلام، وهو بالخاء والضاد المعجمتين بينهما فاء، قال الجواليقي: وروي أيضاً وضعت وبضعت، والكل بمعنى واحد، قال ابن السيرافي في شرح أبيات إصلاح المنطق وتبعه الجواليقي: " يقول أنا في شك أمختونة هي أم لا، ثم قال: وإن كنت
أعلم أنها كذلك، فإن كانت مختونة فما ختنت إلا بعد ما كبر ابنها فختنت بحضرته وعنى بحصان ابنها " انتهى.
وقال ابن السَّيِّد في شرح أبيات أدب الكاتب: " وفي معنى البيت قولان: قيل: إنه أراد بالمصَّان الحجَّام لأنه يمص المحاجم، يقول: إن كانت ختنت فإنما ختنها لتبذلها وقلة حيائها، لأن العادة جرت أن يختن النساء النساء، وقيل: أراد بالمصان ابنها خالداً، لأن العرب تقول لمن تسبه: يا مصان: أي يا من مص بظر أمه، يقول إن كانت ختنت فإنما خُتِنَتْ بعد أن بلغ ابنها المصان القعود، فقد مص بظرها على كل حال، وأجرى مصان مجرى الأسماء الأعلام، فلذلك لم يصرفه " انتهى.
ولا يحتاج إلى هذا، فإن مَصَّان وصف له كَسلْمَان فمنع صرفه للوصفية والزيادة (١) وقد اختلف في قائلها والمهجو بهما، قال يعقوب بن السكيت في إصلاح المنطق
стр. 1322
وتبعه الجواليقي في شرح أبيات أدب الكاتب، وابنُ بري في حاشيته الصحاح وغيرُهما: " وأنشد الفراء في تأنيث الموسى لزياد الأعجم يهجو خالد بن العتاب بن ورقاء لما أعطى إليه خالد بَدْرةً من الدراهم وقال له مازحاً: أدخلها في حرأمك، وكذا قال أبو عمرو الشيباني، وقيل: قائلها أعشى همدان، واسمه عبد الرحمن بن عبد الله ويكنى أبا الْمُصَبِّح، قالهما في خالد بن عبد الله القسري، وهذا قول
أبي الفرج الأصبهاني في الاغانى: قال: حدثنا الخراز عن المدائني عن عيسى بن زيد ابن جعدبة قالا: كانت أم خالد القسري رومية نصرانية: فبنى لها كنيسة في قبلة مسجد الجامع في الكوفة فكان إذا أراد المؤذن بالمسجد أن يؤذن ضرب لها بالناقوس، وإذا قام الخطيب على المنبر رفع النصارى أصواتهم بقراءتهم فقال أعشى همدان يهجوه وَيعيره بأمه، وكان الناس إذا ذكروه قالوا: ابن البظراء فأنف من ذلك، فيقال: إنه ختن أمه كارهة فعيره الأعشى بذلك حين يقول: (من الطويل) لَعَمْرِكَ مَا أدْرِي وَإنِّي لَسَائِلٌ * أبْظْرَاءُ أمْ مَخْتُونَةٌ أُمُّ خَالِدِ فَإِنْ كَانَتْ الْمُوسَى جَرَتْ فَوْقَ بَظْرِهَا * فَمَا خُتِنَتْ إلاَّ وَمَصَّانُ قاعِدِ يَرَى سَوْأةً مِنْ حَيْثُ أطْلَعَ رَأْسَهُ * تَمُرُّ عَلَيْهَا مُرْهَفَاتُ الْحَدَائِدِ وقال أيضاً يرميه باللواط: ألْمَ تَرَ خَالِداً يَخْتَارُ مِيماً * وَيَتْرُكُ فِي النِّكَاحِ مَشَقَّ صَادِ وَيُبْغِضُ كُلَّ آنِسَةٍ لَعُوبٍ * وَيَنْكِحُ كُلَّ عَبْدٍ مُسْتَقَادِ وقال أبو عبيدة: حدثني أبو الهذيل العلاف، قال: صَعِدَ خالد القسري المنبر فقال: إلى كم يغلب باطِلُنَا حقَّكم، أما آن لربكم أن يغضب لكم، وكان زنديقاً وأمه نصرانية، فكان يولي النصارى والمجوس على المسلمين ويأمرهم بضربهم وامتهانهم، وكان أهل الذمة يشترون الجواري المسلمات ويطئونهن، فيطلق ذلك
стр. 1323
لهم ولا يغيره عليهم، وله يقول الفرزدق من أبيات: (من الطويل) وَأَنْتَ ابْنُ نَصْرَانِيَّةٍ طَالَ بظرها * غدتك بِأَوْلاَدِ الْخَنَازِيرِ وَالْخَمرْ وقال فيه أيضاً: (من الطويل) ألاَ لَعَنَ الرَّحْمَنُ ظَهْرَ مِطِيَّةٍ * أتَتْنَا تَخَطَّى مِنْ بَعِيدٍ بِخَالِدِ
وَكَيْفَ يَؤُمُّ الْمُسْلِمِينَ وَأُمُّهُ * تَدِينُ بِأَنَّ الله ليس بواحد وأورد له صاحب الأغاني حكايات كفريات كثيرةً صريحةً في كفره وزندقته، وروى بسنده عن خالد بن صفوان بن الأهتم أنه قال: " ولم تزل أفعال خالد به حتى عزله هشام وعذبه وقتل ابنه يزيد بن خالد، فرأيت في رجله شريطاً قد شد به وَالصبيان يجرونه، فدخلت إلى هشام فحدثته فأطلت، فتنفس ثم قال: يا خالد، رُبَّ خالدٍ كان أحبَّ إلَيَّ قُرْباً وألَذَّ عندي حديثاً منك، قال: يعني خالداً القسري، فانتهزتها ورجوت أن أشفع فيكون لي عند أمير المؤمنين يد، قلت: يا أمير المؤمنين فما يمنعك من استئناف الصَّنيعة عنده فقد أدبته بما فرط منه، فقال: هيهات، إن خالداً أوجف فأعجف، وأدَلَّ فَأَذَلَّ، وأفرط في الإساءة فأفرطنا في المكافأة، فحَلِم الأدِيم (١) ونَغِل (٢) الجرحُ، وبلغ السيل الزُّبَى و (جاوز) الحِزَامُ الطُّبْيَيَن (٣) ، فلم يبق فيه مستصلَح، ولا للصنيعة عنده موضع "
стр. 1324
وأعشى همدان شاعر فصيح كوفي من شعراء الدولة الأموية، وكان زوج أخت الشعبي الفقيه، والشعبي زوج أخته، وكان أحد القراء الفقهاء، ثم ترك
ذلك وقال الشعر، وخرج مع ابن الأشعث فأُتِيَ به الحجاج فقتله صبراً، وكان الأعشى ممن أغزاه الحجاج الديلم فأُسرَ، فلم يزل أسيراً في أيدي الديلم مدة، ثم إن بنتاً لِلعِلْج الذي كان أسره هويته، وسارت إليه ليلاً ومكنته من نفسها، فواقعها ثماني مرات، فقالت له: أهكذا تفعلون بنسائكم، فقال لها: نعم، فقالت: بهذا الفعل نُصِرتم، أفرأيت إن خلصتك أتصطفيني لنفسك؟ فقال: نعم، وعاهدها، فحلت قيوده وأَخَذَتْ به طريقاً تعرفها حتى خلصته، فقال شاعر من أُسراء المسلمين: (من الطويل) وَمَنْ كَانَ يَفْدِيهِ مِنَ الأَسْرِ مَالَُهُ * فَهَمْدَانُ تَفْدِيهَا الْغَدَاةَ أيُورُهَا وكان الأعشى مع خالد بن عتاب بن ورقاء الرياحي بالرِّيّ، وأملق الأعشى يوماً فأتاه فقال: (من الطويل) رَأَيْتُ ثَنَاءَ النَّاسِ بِالْغَيْبِ (١) طَيِّباً * عَلَيْكَ وَقَالُوا: مَاجِدٌ وَابْنُ مَاجِدِ بَنِي الْحَارِثِ السَّامِينَ لِلْمَجْدِ إنَّكُمْ * بَنَيْتُمْ بِنَاءً ذِكْرُهُ غَيْرُ بَائِدِ فَإِنْ يَكُ عَتَّابٌ مَضَى لِسَبْيلِهِ * فَمَا مَاتَ مَنْ يَبْقَى لَهُ مثل خالد وأنشد الجار بردى هنا - وهو الشاهد الثاني والأربعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الوافر) ١٤٢ - أتَوْا نَارِي فَقُلْتُ: مَنُونَ أنْتُمْ؟ * فَقَالُوا: الجِنَّ، قُلْتُ: عِمُوا ظَلاَماَ فَقُلْتُ: إلَى الطَّعَامِ، فَقَالَ مِنْهُمْ فَرِيقٌ: نَحْسُدُ الانس الطعاما
стр. 1325
على أن قوله " الإنْسَ " يدل على أن همزة إنسان أصل، وأنه مأخوذ من الأُنْس لامن النسيان، وأنشد سيبويه البيت الأول على أن يونس يجوِّز فيه الحكاية
بمن وصلا، كما في البيت، و " عِمُوا " معناه: أنْعِمُوا، وهي كلمة تحية عند العرب، يقال: عِمُوا صباحاً، وإنما قال لهم: عِمُوا ظلاماً، لأنهم جِنٌّ وانتشارهم بالليل، كما يقال لبني آدم إذا أصبحوا: عِمُوا صباحاً وقد شرحناه شرحاً وافياً في الشاهد الواحد والخمسين بعد الأربعمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده أيضاً، وهو الشاهد الثالث والأربعون بعد الماية: (من الخفيف) ١٤٣ - إنَّما أنْفَسُ الأَنْيس سِبَاعٌ * يَتَفَارَسْنَ جَهْرَةً وَاغْتِيَالاً على أن قوله " الإنِيس " وهو بمعنى الأنس يدل أيضاً على أن إنسان أصله كما تقدم قبله والبيت من قصيدة للمتنبي مدح بها سيف الدولة، مطلعها: (من الخفيف) ذِي الْمَعَالِي فَلْيَعْلُوَنْ مَنْ تَعَالَى * هَكَذَا هكذا وإلا فلالا وبعده وهو آخر القصيدة: مَنْ أطَاقَ الْتِمَاسَ شئ غِلاَباً * واغْتِصَاباً لَمْ يَلْتَمِسْهُ سُؤَالاَ كُلُّ غَادٍ لِحَاجَةٍ يَتَمَنَّى * أنْ يَكُونَ الْغَضنْفَرَ الرِّئْبَالاَ وأنشد أيضاً بعده - وهو الشاهد الرابع والأربعون بعد المائة -: (من الكامل) ١٤٤ - إن الْمَنَايَا يَطَّلِعْنَ عَلَى الأُنَاسِ الآمنينا
стр. 1326
وقد شرحناه مفصلاً في الشاهد السابع والعشرين بعد المائة من شواهد شرح الكافية وأنشد أيضاً - وهو الشاهد الخامس والأربعون بعد المائة -: (من الكامل) ١٤٥ - لا تنسين تِلْكَ الْعُهُودَ فَإِنَّمَا * سُمِّيْتَ إنْسَاناً لأَنَّكَ نَاسِي
على أن قوله " سميت إنساناً لأنك ناسي " يدل على أن همزة إنسان زائدة من النسيان، فلامه محذوفة، ورد بأنه لم يذهب به مذهب الاشتقاق، وإنما هو تخيل شعر، على أن شعر أبي تمام لا يحتج به، لأنه من المولدين والبيت من قصيدة مدح بها أحمد بن المأمون بن هرون الرشيد وقبله - وهو في الغزل -: قَالَتْ وَقَدْ حُمَّ الْفِرَاقُ وَكَأْسُهُ * قَدْ خُوْلِطَ السَّاقِي بِهَا وَالْحَاسِي لا تَنْسَيَنْ تِلْكَ الْعُهُودَ * ... البيت ومنها: هَدَأَتْ عَلَى تَأْمِيلِ أحْمَدَ هِمَّتِي * وَأَطَافَ تَقْلِيدِي بِهِ وَقِيَاسِي ومنها في المديح - وهو المشهور -: إقْدَامُ عَمْرٍو في سَمَاحَةِ حَاتِمٍ * في حِلْمِ أحْنَفَ فِي ذَكَاءِ إيَاسِ لاَ تُنْكِرُوا ضَرْبِي لَهُ من دونه * مثلا شردوا فِي النَّدَى وَالْبَاسِ فَالله قَدْ ضَرَبَ الأَقَلَّ لِنُورِهِ * مَثَلاً مِنَ المشكاة والنبراس وزعم بعضهم أن هذه القصيدة في مدح الخليفة، وقال: " لما أنشد * إقْدَامُ عَمْروٍ في سَمَاحَةِ حَاتِمٍ *
стр. 1327
قال الفيلسوف الكندي: ما قدر هؤلاء حتى تشبه بهم مولانا ومولاهم (١) ، فنظر إليه أبو تمام وزاد ارتجالا في القصيدة - وإن لم يقطع إنشاده -: * لا تُنْكِرُوا ضَرْبِي لَهُ مَنْ دُونَهُ مَثَلاً * إلى آخر البيتين وكان من الحاضرين في مجلس الخليفة جبريل بن بَخْتَيْشُوع الطبيب، فقال: والله لقد شَمِمْتُ رائحة كبده لفرط اتقاده، فمات أبو تمام بعد أيام " انتهى، والله أعلم وأنشد بعده أيضاً - وهو الشاهد السادس والأربعون بعد المائة -: (من البسيط)
١٤٦ - أُدْعَى بِأَسْمَاءَ نَبْزاً فِي قَبَائِلِهَا * كَأنَّ أَسْمَاءَ أضْحَتْ بَعْضَ أسْمَائِي على أن الشاعر لقب بأسماء، لمنا بينه وبين أسماء من الملابسة والشهرة في محبتها و " أُدْعَى " بالبناء للمفعول، بمعنى أسمَّى، يتعدى إلى المفعول الثاني تارة بنفسه وتارة بالباء، يقال: دعوت الولد زيداً، وبزيد إذا سميته بهذا الاسم، و " أسماء " من أعلام النساء، وأصله وَسْمَاء، من الوسامة بمعنى الجمال، " ونبزا " تمييز، والنبز: اللقب تسمية بالمصدر، يقال: نبزه بكذا نبزاً - من باب ضرب - إذا لقبه به والبيت من قصيدة لأبي محمد خازن كتب الصاحب بن عَبَّاد مدحه بها، مطلعها: هَذَا فُؤَادُكَ نُهْبَى بَيْنَ أهْوَاءِ * وَذَاكَ رَأْيُكَ شُوْرَى بَيْنَ آرَاءِ لاَ تَسْتَقِرُّ بِأَرْضٍ أوْ تَسِيرَ إلَى * أُخْرَى بِشَخْصٍ قَرِيبٍ عَزْمُهُ نَاءِ يَوْماً بحذوى ويوما بالعقيق وبالعذيب * يَوْماً وَيَوْماً بالْخُلَيْصَاءِ كَذَا تَهِيمُ بِسُعُدْى بُرْهَةً وَإذَا * هَوَيْتَ عزَّةَ تبغى وصل عفراء
стр. 1328
ومن المديح: هُوَ الْوَزِيرُ أدَامَ الله نِعْمَتَهُ * وَعُمْرَهُ وَوَقَاهُ كُلَّ أسْوَاءِ لَوْ أنَّ سَحْبَانَ بَارَاهُ لأَسْحَبَهُ * عَلَى فَصَاحَتِهِ أذْيَالَ فَأْفَاءِ وَلَوْ رَآهُ زُهَيْرٌ لَمْ يَزُرْ هَرِماً * وَلَمْ يَعْرُجْ عَلَى التَّنْوُّمِ والْآءِ أرَى الأَقَالِيمَ أعْطَتْهُ مَقَالِدَهَا * إِلَيْهِ مُسْتَلْقِيَاتٍ أيَّ إلْقَاءِ تُسَاسُ سَبْعَتُهَا مِنْهُ بِأَرْبَعَةٍ * أمْرٍ وَنَهْيٍ وَتَثْبِيتٍ وَإمْضَاءِ
كَذَاكَ تَوْحِيْدُهُ أوْدَى بِأَرْبَعَةٍ * كُفْرٍ وَجَبْرٍ وَتَشْبِيهٍ وَإرْجَاءِ وقَدْ تَجَنَّبَ " لاَ " يَوْمَ الْعَطَاءِ كَمَا * تَجَنَّبَ ابْنُ عَطَاءٍ لَثْغَةَ الراء ياليت أعْضَاء جِسْمِي كُنَّ ألْسِنَةً * فَصَارَ يثنى على كُلُّ أعْضَائي روي أنه لما أنشدها بين يدي الصاحب (كان) مقبلاً عليه حسن الإصغاء إليه حتى عجب الحاضرون، فلما بلغ البيت الشاهد مال الصاحب عن دَسْته طرباً، فلما ختمها قال له: " أحسنت، ولله أنت " وتناول النسخة منه تم أمر له بخلعة من ملابسه، وفرس من مراكبه، وصلة وافرة.
وأبو محمد هذا هو عبد الله بن أحمد الخازن، كان خازناً لكتب الصاحب إسماعيل بن عباد، وزير مؤيد الدولة بن بُوَيْه، وكان أو محمد حسنة من حسنات أصبهان وأفرادها في الشعر، ومن خَوَاصِّ الصاحب، وترجمة الثعالبي في اليتيمة، وأوْرَدَ له أشعاراً جيدة وحكايات مفردة.
وأنشد أيضاً بعده - وهو الشاهد السابع والأربعون بعد المائة -: (من الطويل) ١٤٧ - لقد تركتني منجنيق بن بجدل * أحيد من العصفور حتى يطير على أن المنجنيق مؤنث، ولهذا قال " تركتني " كذا في الصحاح والعباب وغيرهما.
стр. 1329
وأحيد: مضارع حَادَ عن كذا حيد وحُيُوداً، إذا تنحى وبعد عنه، ويتعدى بالحرف والهمزة، فيقال: حدت به، وأحدته، وابن بَحْدَل - بالموحدة والحاء المهملة -: هو حُمَيْد بن حُرَيْث بن بَحْدَل، من بني كلب بن وَبْرَة، وينتهي نسبه إلى قُضَاعَة، وكانت عمته مَيسُون بنت بَحْدَل أم يزيد بن معاوية، ولما مات يزيد وثب زُفَر بن الحارث على قِنَّسْرين فتملكها، وبايع لابن الزبير ﵁،
وخرج عُمَيْر بن الْحُباب السُّلَمي مُغِيراً على بني كلب بالقتل والنهب، فلما رأت كلب ما وقع لهم واجتمعت إلى حميد بن حَرَيث بن بحدل، فقتل حميد بن فزارة قتلاً ذريعاً وحاصر زفر بن الحارث، وفى ذلك زفر: * لَقَدْ تَرَكَتْنِي مَنْجَنِيقُ بْن بَحْدَل * البيت وزفر بن الحارث الكلابي كان سيد قيس في زمانه، في الطبقة الأولى من التابعين من أهل الجزيرة، من أمراء العرب، سمع عائشة وميمونة وشهد وقعة صِفَّين مع معاوية أميراً على أهل قِنَّسْرِين، وهرب من قنسرين فلحق بِقَرقِيسِياء (١) ، ولم يزل متحصِّناً بها حتى مات في مدة عبد الملك بن مروان، في بضع وسبعين من الهجرة وأنشد أيضاً - وهو الشاهد الثامن والأربعون بعد المائة -: (من الرجز) ١٤٨ - * وَالْقَوْسُ فِيهَا وَتَرٌ عُرُدٌ * على أن عُرُداً - بضمتين فتشديد - يدل على زيادة النون في عُرُنْد - بضمتين فسكون، لأنه بمعناه قال الصاغاني في العباب: " ووتر عُرُدْ كَعُتُلْ وعُرُنْد كتُرُنْج: شديد غليظ
стр. 1330
وكذلك رشاء عرد وعرند، وكذلك من كل شئ، قال حنظلة بن ثعلبة بن يسار يومَ ذي قارٍ: مَا علتى وأنا شئ إدُّ * وَالْقَوْسُ فِيهَا وَتَرٌ عُرُدُّ مِثْلُ ذِرَاعِ الْبَكْرِ أوْ أشَدُّ ويروى " مثل ذراع الفيل " (١) وفي نوادر ابن الأعرابيّ
قَد جَدَّ أشيَاعُكُمُ فَجِدُّوا * وَالْقَوْسُ فِيهَا وَتَرٌ عُرُدُّ والإد - بكسر الهمزة -: الداهية، والأشياع: جمع مشايع (٢) ، وهو الصاحب وَالْبَكُر - بفتح الموحدة -: الفتى من الإبل، ويوم ذي قار: يوم للعرب غلبوا فيه جنود كسرى، وكان على عهد رسول الله ﷺ وأنشد بعده - وهو الشاهد التساع والأربعون بعد المائة - (من الرجز) ١٤٩ - * أمَّهَتِي خِنْدِفُ وَالْيَاسُ أبِي * على أن الهاء في " أمَّهتي " زائدة قال ابن جني في سر الصناعة: " كان أبو العباس يخرج الهاء من حروف الزيادة، ويذهب إلى أنها إنما تلحق في الوقف في نحو " أخْشَه " " وارْمُهْ " و " هُنَهْ " (ولكنَّهْ، وتأتي بعد تمام الكلمة) (٣) وهذه مخالفة منه للجماعة، وغير مرضى (منه) عندنا، وذلك أن الدلالة قد قامت على زيادة الهاء في غير
стр. 1331
ما ذكره، فمما زيدت فيه الهاء قولهم " أمَّهَات " ووزنه فُعْلَهَات، والها زائدة، لأنه بمعنى الأم، والواحدة أمهة، قال: * أمَّهَتِي خِنْدِفُ وَالْيَاسُ أبِي * (أي أمي) .
قولهم: أم بَيِّنة الأمومة، قد صح لنا منه أن الهمزة فيه فاء
الفعل، والميم الأولى عين الفعل، والميم الآخرة لام الفعل، فأم بمنزلة دُرّ وحرّ وحُبّ وجُلّ مما جرى على وزن فُعْلٍ وعينه ولامه من موضع واحد وأجاز أبو بكر في قول من قال أمَّهة في الواحد أن تكون الهاء أصلية وتكون فعَّلة، وهى في قول أبي بكر بمنزلة تُرَّهة وأُبَّهة وَقُبَّرة، ويُقوِّي هذا الأصل قول صاحب العين: تأمهت أمَّا، (فتأمهت) بين أن تَفَعَّلَت بمنزلة تَفَوَّهَتْ وَتَنَبَّهَتْ، إلا أن قولهم في المصدر الذي هو الأصل أمُومة يُقَوِّي زيادة الهاء في أمَّهة وأن وزنها فُعْلَهة، ويزيد في قوة ذلك قولهم: إذا الأَمَّهَاتُ قَبْحْنَ الْوُجُوهَ * ... البيت وقرأتها على أبي سهل أحمد بن القطان * قَوَّالِ مَعْرُوفٍ وفَعَّالِهِ * البيت وهذا فيمن أثبت الهاء في غير الآدميين، وقال الآخر: لَقَدْ وَلَدَ الأَخَيْطِلَ أمُّ سُوءٍ (عَلَى بَابِ اسْتِهَا صُلْبٌ وَشَامُ) فجاء بلا هاء فيمن يعقل، وقال الراعي: (كَانَتْ نَجَائِبُ مُنْذِرٍ وَمُحْرِّقٍ) * أمَّاتِهِنَّ وَطِرْقُهُنَّ فَحِيلاَ فجاء بغير هاء، إلا أنه في غالب الأمر فيمن يعقل بالهاء، وفيمن لا يعقل بغير هاء زادوا الهاء فرقاً بين من يعقل وبين ما لا يعقل، فإن قال قائل: ما الفرق بينك وبين من عكس الامر عليك فقال: ما تنكر أن تكون الهاء إنما حذفت في غالب الامر مما لا يعقل وأثبتت فيمن يعقل، وهي أصل فيه للفرق؟ فالجواب
стр. 1332
أن الهاء أحد (الحروف العشرة التي تسمى) حروف الزيادة لا حروف النقص، وإنما سميت حروف الزيادة لأن زيادتها في الكلام هو الباب المعروف وأما الحذف فإنما جاء في بعضها، وقليل ذلك، ألا ترى إلى كثرة زيادة الواو والياء
في الكلام وأن ذلك أضعاف أضعاف حذفهما إذا كانتا أصليَّتَيْن نحو يَدٍ وَدَمٍ (وغَدٍ) وأب وأخ وهَنٍ، فهذه ونحوها أسماء يسيرة محدودة محتقرة في جنب الأسماء المزيد فيها الياء والواو (١) ، وكذلك الهاء أيضاً إنما حذفت في نحو شفة: واست وعِضَةٍ فيمن قال: عَاضِه، وسَنة فيمن قال: سَانَهْتُ، وما يقلُّ جداً، وقد تراها تزاد للتأنيث فيما لا يحاط به، نحو جَوْزَة ولَوْزَة، ولبيان الحركة في نحو (مَالِيْهِ) و (كِتَابِيهِ) ولبيان حرف المد نحو " وَازَيْدَاه "، ألا ترى أن من حروف الزيادة ما يزاد ولا يحذف في شئ من الكلام البتة؟ وذلك اللام والسين والميم، فقد علمت أن الزيادة في هذه الحروف أفشى من الحذف، فعلى هذا القياس ينبغي أن تكون الهاء في أمَّهَة زيادة على أم، فأما قول من قال: تَأَمَّهَتْ أُمّاً وإثباته، الهاء فنظيره مما يعارضه قولهم: أم بينة الأمومة، بحذف الهاء، فرواية برواية، وبقي الذي قدمناه حاكماً بين القولين، وقاضياً بأن زيادة الهاء أولى من اعتقاد حذفها، على أن الأمومة قد حكاها ثعلب، وحسبك به ثقة، وأما " تأمَّهَتْ أما " فإنما حكاها صاحب العين، وفي كتاب العين من الخطل والاضطراب مالا يدفعه نَظَّار جَلْد " إلى آخر ما ذكر من الْقَدْح في هذا الكتاب.
وكذا حكم الزمخشري في المفصل بزيادة الهاء في لفظ المفرد والجمع، وقال: تأمهت مسترذل، وأنشد البيت في الكشاف عند قوله تعالى (فِي بُطُونِ أمهاتكم) على أن زيادة الهاء في المفرد شاذة.
والبيت لقُصَيِّ بن كلاب جَدَّ النبي ﷺ ، وقبله:
стр. 1333
إن لَدَى الْحَرْبِ رَخيُّ اللَّبَبِ * عِنْدَ تَنَادِيهِمْ بِهَالٍ وَهَبِ مَعْتَزِمُ الصَّوْلَةِ عَالِي النَّسَبِ * أمَّهَتِي خِنْدِفُ وَالْيَاسُ أبِي
كذا في شرح أمالي القالي لأبي عبيد البكري، والروض الأنف للسهيلي، وزعم العيني أن بعده: * وحاتم الطائي * وهو خطأ قافيةً ونسباً، وإنما هذا البيت من أبيات لامرأة من اليمن تقدم شرحه في هذا الكتاب وقوله " إني لدى الحرب - إلخ " الرخي: المرتخي، واللبب: ما يشد على ظهر الدابة ليمنع السرج والرحل عن الاستئخار، والارتخاء إنما يكون عن كثرة جرْي الدابة، وهو كناية عن كثرة مبارزته للأقران، ويقال أيضاً: فلان في لَبَب رخيٍ، إذا كان في حالة واسعة، وليس هذا بمراد هنا، والعجب من شارح شواهد التفسيرين في شرحه بهذا، وقوله " عند تناديهم " ظرف متعلق برخي، وهالٍ: اسم فعل زجر للخيل، كذا في العباب، وتنوينه للتنكير، وهب وكذا هبى: اسم فعل دعاء للخيل: أي أقدمي وأقبلي، كذا في القاموس، وقوله " معتزم الصَّوْلة " من الْعَزْم، وهو عَقْد القلب على فعل، والصَّوْلَة: من صَال الْفَحْل صولة، إذا وثبت على الإبل يقاتلها، وقوله " أمهتي خندف " يريد أم جده مدركة بن إلياس بن مضر، وكذا يريد بقوله " وإلياس أبي " جَدَّه إلياس بن مضر، وخندف: بكسر الخاء المعجمة وكسر الدال، والنونُ بينهما ساكنةٌ.
وفي سيرة ابن هشام: " ولد إلياس بن مُضر ثلاثةَ نفرٍ: مدركه بن إلياس، وطابخة ابن إلياس، وقَمَعَة بن إلياس، وأمهم خندف امرأة من اليمن، وهي خندف بنت عمران بن الحارث بن قضاعة، وكان اسم مدركة عامراً واسم طابخة عمرا، وزعموا أنهما كان في إبل لهما يرعيانها، فاقتنصا صيداً، فقعدا عليه يطبخانه، وعدت عادية على إبلهما، فقال عامر لعمرو: أتدرك الإبل أو تطبخ هذا الصيد؟ فقال عمرو: بل أطبخ، فلحق عامر بالإبل فجاء بها، فلما ردَّاها على أبيهما حدثاه
стр. 1334
شأنهما، فقال لعامر: أنت مدركة، وقال لعمرو: أنت طابخة " انتهى
قال السهيلي: " وفي هذا الخبر زيادة، وهو إن إلياس قال لأمهم - واسمها ليلى، وأمها ضَرِيَّة بنت ربيعة بن نزار التي ينسب إليها حِمَى ضَرِيَّة وقد أقبلت تخندف في مشيها -: مالك تخندفين، فسميت خندف، والْخَنْدَفَة في اللغة: سرعة في مشي، وقال لمدركة: وأنت قد أدركت ما طلبت، وقال لطابخة: وأنت قد أنضجت ما طبخت، وقال لِقَمَعَة وهو عمير: وأنت قد قعدت وانقمعت، وخندف التي عرف بها بنو إلياس هي التي ضربت الأمثال بحزنها على إلياس، وذلك أنها تركت بنيها وساحت في الأرض تبكيه حتى ماتت كمداً، وكان مات يوم خميس، فكانت إذا جاء الخميس بكت من أول النهار إلى آخره، فمما قيل من الشعر في ذلك: إذَا مُؤْنِسٌ لاَحَتْ خَرَاطِيمُ شَمْسِهِ بَكَتْهُ بِهِ حَتَّى تَرَى الشَّمْسَ تَغْرُبُ فمَا ردَّ بَأْساً حُزْنُهَا وَعَوِيلُهَا * وَلَمْ يُغْنِهَا حُزْنٌُ وَنَفْسٌ تعذب وكان يسمون يوم الخميس مؤنساً، قال الزبير: وإنما نُسِبَ بنو إلياس إلى أمهم لأنها حين تركتهم شغلا بحزنها على أبيهم رحمهم الناس، فقالوا: هؤلاء أولاد خندف الذين تركتهم وهم صغار أيتام حتى عرفوا ببنى خندف " انتهى ونقل ابن المستوفي في تسميتها خندف وجهاً آخر، قال: " فقد هم إلياس يوماً، فقال لها: اخرجي في طلب أولادك، فخرجت وعادت بهم، فقالت: ما زلت أُخَنْدِف في طلبهم حتى ظفرت بهم، فقال لها إلياس: أنت خِنْدِف " انتهى وأما إلياس - بنقطتين من تحت - فهو أخو الناس - بالنون - الملقب بعيلان على قول وقول الشارح " يريد بن إلياس - بقطع الهمزة - فوصلها للضرورة " هذا قول ابن الأنباري، وجعَله غريباً مأخوذاً مما يأتي.
ويردُّ على قوله أن فيه ضرورة أخرى وهو حذف التنوين، ولو جعله أعجمياً لم يرد هذا، قال السهيلي في الروض: " قال ابن الأنباري: إلياس بكسر الهمزة، وجعله موافقاً
стр. 1335
لاسم إلياس النبي ﵇، وقال في اشتقاقه أقوالاً: منها أن يكون فِعْيَالاً من الألْسِ، وهي الخديعة والخيانة ومنها، أن الألْس اختلاط العقل، وأنشدوا: (من البسيط) : * إنِّي إذاً لَضَعِيفُ الْعَقْلِ مَأْلُوسُ * ومنها أنه إفْعَال من قولهم: رجل أَلْيَس، وهو الشجاع الذي لا يفر، والذى قاله غير ابن الأنباري أصح، وهو أنه اليأس، سمي بضد الرجاء، واللام فيه للتعريف، والهمزة همزة وصل، وقاله قاسم بن ثابت في الدلائل، وأنشد أبياتاً شواهد، منها قول قصي هذا.
ويقال: إنما سمي السُّلُّ " داء ياس " و " داء اليأس " لأن إلياس مات منه، قال ابن هرمة: (من الوافر) يَقُولُ الْعَاذِلُونَ إذَا رَأَوْنِي * أُصِيبَ بِدَاءِ يَأْسٍ فَهْوَ مُودِي وقال ابن أبي عاصية: (من الطويل) فَلَوْ كَانَ دَاءُ اليْأسِ بِيَ وَأَغَاثَنِي * طَبِيبٌ بِأْرْوَاحِ الْعَقِيقِ شَفَانِيا وقول عُرْوة بن حزام: (من الطويل) بِيَ الْيَأَسُ أوْ دَاءُ الْهُيَامِ أصَابَنِي * فَإِيَّاكِ عَنِّي لا يكن بك ما بيا ويذكر عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تَسُبُّوا إلْيَاسَ فَإِنَّهُ كَانَ مُؤْمِناً ".
وذكر أنه كان يسمع في صلبة تلبية النبي ﷺ بالحج، وإلياس أوَّل من أَهْدَى الْبُدْن إلى البيت، قال الزبير: وأم إلياس الرباب (١) بنت حَيْدَة بن مُعَدَّ بن عدنان، قاله الطبري، وهو خلاف ما قاله ابن هشام في هذا الكتاب " انتهى والذي قاله ابن هشام أن أم إلياس وعَيْلاَن جُرْهُمِية وقال أبو عبيد البكري في شرح أمالي القالي: " هذا الرجز حجة من قال إن