ما ذكره، فمما زيدت فيه الهاء قولهم " أمَّهَات " ووزنه فُعْلَهَات، والها زائدة، لأنه بمعنى الأم، والواحدة أمهة، قال: * أمَّهَتِي خِنْدِفُ وَالْيَاسُ أبِي * (أي أمي) .
قولهم: أم بَيِّنة الأمومة، قد صح لنا منه أن الهمزة فيه فاء
الفعل، والميم الأولى عين الفعل، والميم الآخرة لام الفعل، فأم بمنزلة دُرّ وحرّ وحُبّ وجُلّ مما جرى على وزن فُعْلٍ وعينه ولامه من موضع واحد وأجاز أبو بكر في قول من قال أمَّهة في الواحد أن تكون الهاء أصلية وتكون فعَّلة، وهى في قول أبي بكر بمنزلة تُرَّهة وأُبَّهة وَقُبَّرة، ويُقوِّي هذا الأصل قول صاحب العين: تأمهت أمَّا، (فتأمهت) بين أن تَفَعَّلَت بمنزلة تَفَوَّهَتْ وَتَنَبَّهَتْ، إلا أن قولهم في المصدر الذي هو الأصل أمُومة يُقَوِّي زيادة الهاء في أمَّهة وأن وزنها فُعْلَهة، ويزيد في قوة ذلك قولهم: إذا الأَمَّهَاتُ قَبْحْنَ الْوُجُوهَ * ... البيت وقرأتها على أبي سهل أحمد بن القطان * قَوَّالِ مَعْرُوفٍ وفَعَّالِهِ * البيت وهذا فيمن أثبت الهاء في غير الآدميين، وقال الآخر: لَقَدْ وَلَدَ الأَخَيْطِلَ أمُّ سُوءٍ (عَلَى بَابِ اسْتِهَا صُلْبٌ وَشَامُ) فجاء بلا هاء فيمن يعقل، وقال الراعي: (كَانَتْ نَجَائِبُ مُنْذِرٍ وَمُحْرِّقٍ) * أمَّاتِهِنَّ وَطِرْقُهُنَّ فَحِيلاَ فجاء بغير هاء، إلا أنه في غالب الأمر فيمن يعقل بالهاء، وفيمن لا يعقل بغير هاء زادوا الهاء فرقاً بين من يعقل وبين ما لا يعقل، فإن قال قائل: ما الفرق بينك وبين من عكس الامر عليك فقال: ما تنكر أن تكون الهاء إنما حذفت في غالب الامر مما لا يعقل وأثبتت فيمن يعقل، وهي أصل فيه للفرق؟ فالجواب
стр. 1332
أن الهاء أحد (الحروف العشرة التي تسمى) حروف الزيادة لا حروف النقص، وإنما سميت حروف الزيادة لأن زيادتها في الكلام هو الباب المعروف وأما الحذف فإنما جاء في بعضها، وقليل ذلك، ألا ترى إلى كثرة زيادة الواو والياء
في الكلام وأن ذلك أضعاف أضعاف حذفهما إذا كانتا أصليَّتَيْن نحو يَدٍ وَدَمٍ (وغَدٍ) وأب وأخ وهَنٍ، فهذه ونحوها أسماء يسيرة محدودة محتقرة في جنب الأسماء المزيد فيها الياء والواو (١) ، وكذلك الهاء أيضاً إنما حذفت في نحو شفة: واست وعِضَةٍ فيمن قال: عَاضِه، وسَنة فيمن قال: سَانَهْتُ، وما يقلُّ جداً، وقد تراها تزاد للتأنيث فيما لا يحاط به، نحو جَوْزَة ولَوْزَة، ولبيان الحركة في نحو (مَالِيْهِ) و (كِتَابِيهِ) ولبيان حرف المد نحو " وَازَيْدَاه "، ألا ترى أن من حروف الزيادة ما يزاد ولا يحذف في شئ من الكلام البتة؟ وذلك اللام والسين والميم، فقد علمت أن الزيادة في هذه الحروف أفشى من الحذف، فعلى هذا القياس ينبغي أن تكون الهاء في أمَّهَة زيادة على أم، فأما قول من قال: تَأَمَّهَتْ أُمّاً وإثباته، الهاء فنظيره مما يعارضه قولهم: أم بينة الأمومة، بحذف الهاء، فرواية برواية، وبقي الذي قدمناه حاكماً بين القولين، وقاضياً بأن زيادة الهاء أولى من اعتقاد حذفها، على أن الأمومة قد حكاها ثعلب، وحسبك به ثقة، وأما " تأمَّهَتْ أما " فإنما حكاها صاحب العين، وفي كتاب العين من الخطل والاضطراب مالا يدفعه نَظَّار جَلْد " إلى آخر ما ذكر من الْقَدْح في هذا الكتاب.
وكذا حكم الزمخشري في المفصل بزيادة الهاء في لفظ المفرد والجمع، وقال: تأمهت مسترذل، وأنشد البيت في الكشاف عند قوله تعالى (فِي بُطُونِ أمهاتكم) على أن زيادة الهاء في المفرد شاذة.
والبيت لقُصَيِّ بن كلاب جَدَّ النبي ﷺ ، وقبله:
стр. 1333
إن لَدَى الْحَرْبِ رَخيُّ اللَّبَبِ * عِنْدَ تَنَادِيهِمْ بِهَالٍ وَهَبِ مَعْتَزِمُ الصَّوْلَةِ عَالِي النَّسَبِ * أمَّهَتِي خِنْدِفُ وَالْيَاسُ أبِي
كذا في شرح أمالي القالي لأبي عبيد البكري، والروض الأنف للسهيلي، وزعم العيني أن بعده: * وحاتم الطائي * وهو خطأ قافيةً ونسباً، وإنما هذا البيت من أبيات لامرأة من اليمن تقدم شرحه في هذا الكتاب وقوله " إني لدى الحرب - إلخ " الرخي: المرتخي، واللبب: ما يشد على ظهر الدابة ليمنع السرج والرحل عن الاستئخار، والارتخاء إنما يكون عن كثرة جرْي الدابة، وهو كناية عن كثرة مبارزته للأقران، ويقال أيضاً: فلان في لَبَب رخيٍ، إذا كان في حالة واسعة، وليس هذا بمراد هنا، والعجب من شارح شواهد التفسيرين في شرحه بهذا، وقوله " عند تناديهم " ظرف متعلق برخي، وهالٍ: اسم فعل زجر للخيل، كذا في العباب، وتنوينه للتنكير، وهب وكذا هبى: اسم فعل دعاء للخيل: أي أقدمي وأقبلي، كذا في القاموس، وقوله " معتزم الصَّوْلة " من الْعَزْم، وهو عَقْد القلب على فعل، والصَّوْلَة: من صَال الْفَحْل صولة، إذا وثبت على الإبل يقاتلها، وقوله " أمهتي خندف " يريد أم جده مدركة بن إلياس بن مضر، وكذا يريد بقوله " وإلياس أبي " جَدَّه إلياس بن مضر، وخندف: بكسر الخاء المعجمة وكسر الدال، والنونُ بينهما ساكنةٌ.
وفي سيرة ابن هشام: " ولد إلياس بن مُضر ثلاثةَ نفرٍ: مدركه بن إلياس، وطابخة ابن إلياس، وقَمَعَة بن إلياس، وأمهم خندف امرأة من اليمن، وهي خندف بنت عمران بن الحارث بن قضاعة، وكان اسم مدركة عامراً واسم طابخة عمرا، وزعموا أنهما كان في إبل لهما يرعيانها، فاقتنصا صيداً، فقعدا عليه يطبخانه، وعدت عادية على إبلهما، فقال عامر لعمرو: أتدرك الإبل أو تطبخ هذا الصيد؟ فقال عمرو: بل أطبخ، فلحق عامر بالإبل فجاء بها، فلما ردَّاها على أبيهما حدثاه
стр. 1334
شأنهما، فقال لعامر: أنت مدركة، وقال لعمرو: أنت طابخة " انتهى
قال السهيلي: " وفي هذا الخبر زيادة، وهو إن إلياس قال لأمهم - واسمها ليلى، وأمها ضَرِيَّة بنت ربيعة بن نزار التي ينسب إليها حِمَى ضَرِيَّة وقد أقبلت تخندف في مشيها -: مالك تخندفين، فسميت خندف، والْخَنْدَفَة في اللغة: سرعة في مشي، وقال لمدركة: وأنت قد أدركت ما طلبت، وقال لطابخة: وأنت قد أنضجت ما طبخت، وقال لِقَمَعَة وهو عمير: وأنت قد قعدت وانقمعت، وخندف التي عرف بها بنو إلياس هي التي ضربت الأمثال بحزنها على إلياس، وذلك أنها تركت بنيها وساحت في الأرض تبكيه حتى ماتت كمداً، وكان مات يوم خميس، فكانت إذا جاء الخميس بكت من أول النهار إلى آخره، فمما قيل من الشعر في ذلك: إذَا مُؤْنِسٌ لاَحَتْ خَرَاطِيمُ شَمْسِهِ بَكَتْهُ بِهِ حَتَّى تَرَى الشَّمْسَ تَغْرُبُ فمَا ردَّ بَأْساً حُزْنُهَا وَعَوِيلُهَا * وَلَمْ يُغْنِهَا حُزْنٌُ وَنَفْسٌ تعذب وكان يسمون يوم الخميس مؤنساً، قال الزبير: وإنما نُسِبَ بنو إلياس إلى أمهم لأنها حين تركتهم شغلا بحزنها على أبيهم رحمهم الناس، فقالوا: هؤلاء أولاد خندف الذين تركتهم وهم صغار أيتام حتى عرفوا ببنى خندف " انتهى ونقل ابن المستوفي في تسميتها خندف وجهاً آخر، قال: " فقد هم إلياس يوماً، فقال لها: اخرجي في طلب أولادك، فخرجت وعادت بهم، فقالت: ما زلت أُخَنْدِف في طلبهم حتى ظفرت بهم، فقال لها إلياس: أنت خِنْدِف " انتهى وأما إلياس - بنقطتين من تحت - فهو أخو الناس - بالنون - الملقب بعيلان على قول وقول الشارح " يريد بن إلياس - بقطع الهمزة - فوصلها للضرورة " هذا قول ابن الأنباري، وجعَله غريباً مأخوذاً مما يأتي.
ويردُّ على قوله أن فيه ضرورة أخرى وهو حذف التنوين، ولو جعله أعجمياً لم يرد هذا، قال السهيلي في الروض: " قال ابن الأنباري: إلياس بكسر الهمزة، وجعله موافقاً
стр. 1335
لاسم إلياس النبي ﵇، وقال في اشتقاقه أقوالاً: منها أن يكون فِعْيَالاً من الألْسِ، وهي الخديعة والخيانة ومنها، أن الألْس اختلاط العقل، وأنشدوا: (من البسيط) : * إنِّي إذاً لَضَعِيفُ الْعَقْلِ مَأْلُوسُ * ومنها أنه إفْعَال من قولهم: رجل أَلْيَس، وهو الشجاع الذي لا يفر، والذى قاله غير ابن الأنباري أصح، وهو أنه اليأس، سمي بضد الرجاء، واللام فيه للتعريف، والهمزة همزة وصل، وقاله قاسم بن ثابت في الدلائل، وأنشد أبياتاً شواهد، منها قول قصي هذا.
ويقال: إنما سمي السُّلُّ " داء ياس " و " داء اليأس " لأن إلياس مات منه، قال ابن هرمة: (من الوافر) يَقُولُ الْعَاذِلُونَ إذَا رَأَوْنِي * أُصِيبَ بِدَاءِ يَأْسٍ فَهْوَ مُودِي وقال ابن أبي عاصية: (من الطويل) فَلَوْ كَانَ دَاءُ اليْأسِ بِيَ وَأَغَاثَنِي * طَبِيبٌ بِأْرْوَاحِ الْعَقِيقِ شَفَانِيا وقول عُرْوة بن حزام: (من الطويل) بِيَ الْيَأَسُ أوْ دَاءُ الْهُيَامِ أصَابَنِي * فَإِيَّاكِ عَنِّي لا يكن بك ما بيا ويذكر عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تَسُبُّوا إلْيَاسَ فَإِنَّهُ كَانَ مُؤْمِناً ".
وذكر أنه كان يسمع في صلبة تلبية النبي ﷺ بالحج، وإلياس أوَّل من أَهْدَى الْبُدْن إلى البيت، قال الزبير: وأم إلياس الرباب (١) بنت حَيْدَة بن مُعَدَّ بن عدنان، قاله الطبري، وهو خلاف ما قاله ابن هشام في هذا الكتاب " انتهى والذي قاله ابن هشام أن أم إلياس وعَيْلاَن جُرْهُمِية وقال أبو عبيد البكري في شرح أمالي القالي: " هذا الرجز حجة من قال إن
стр. 1336
إلياس بن مضر اللام فيه للتعريف، وألفه ألف وصل، قال المفضل بن سلمة وقد ذكره إلياس النبي ﵇: وأما إلياس بن مضر فألفه ألف وصل، واشتقاقه من اليأس، وهو السّل، وقال الزبير بن بكار: إلياس بن مضر أول من مات من السل، فسمي السل يأساً، ومن قال إن إلياس بن مضر بقطع الألف على لفظ اسم النبي ﵇ ينشد: * أمهتى خنف إلياس أبى * يعنى لا واو، ثم قال: واشتقاقه من قولهم: رجل ألْيَس: أي شجاع، والألْيَس: الذي لا يفرُّ ولا يبرح من مكانه، وقد تليس أشد التليس، وأسُود لِيسٌ وَلَبُؤَةٌ لَيْسَاء " انتهى كلامه.
وهذا يقتضي أنه عربي، فيكون حذف التنوين منه للضرورة، وأما حذف التنوين من خِنْدِف فللعلمية والتأنيث وقال بعض فضلاء العجم في شرح أبيات المفصل: " إلياس اسم أعجمى، وقد سمت العرب به، وهو إلياس بن مضر، وكان يجب قطع همزته، ألا ترى إلى قوله تعالى (وإن إلياس لمن المرسلين) ؟ لكنه وصلها للضرورة " هذا كلامه وقصيّ ناظم هذا الرجز هو أحد اجداد النبي ﷺ ، قال السهيلي (١) : " اسمه زيد، وهو تصغير قَصِي: أي بعيد، لأنه بعد عن عشيرته في بلاد قُضَاعَة حين احتملته أمه فاطمة مع بعلها ربيعة بن حَرَام، فنشأ ولا يعلم لنفسه (أبا) إلا ربيعة، ولا يدعى إلا له، فلما كان غلاماً سابّه رجل من قضاعة فعيره بالدِّعوة، وقال: لست منا، وإنما أنت فينا مُلْصَق، فدخل على أمه وقد وَجَمَ لذلك، فقالت له: يا بني، صدق، إنك لست منهم، ولكن رهطك
خير من رهطه، وآباؤك أشرف من آبائه، وإنما أنت قرشي، وأخوك وبنو عمك بمكة، وهم جيران بيت الله الحرام، فدخل في سيارة حتى أتى مكة، ثم
стр. 1337
تزوج فيها، وأخرج منها خزاعة، وقام بأمرها وأنشد بعده - وهو الشاهد الخمسون بعد المائة -: (من المتقارب) ١٥٠ - إذَا الأُمَّهَاتً قَبَحْنَ الوُجُوهَ * فَرَجْتَ الظَّلاَمَ بِأُمَّاتِكَا على أن الأغلب استعمال الأمات في البهائم، والأمهات في الإنسان، وقد جاء العكس كما في البيت، وقَبَحَهُ يقبَحُه - بفتح العين فيهما - بمعنى أخزاه وَشوهه.
والخزي: انكسار يعتري وجه الإنسان بذُل.
والوجوه: مفعول قبح، وأما قبحُ يقبُح - بضم العين فيهما - فهو خلاف حسنُ، وفَرَجَه فَرْجاً من باب ضرب لغة في فرجه تفريجا بمعنى كشفه.
وصف أمهات المخاطب بنقاء الأعراض، وقال: إذا قبَحت الأمهات بفجورهن وجوهَ أولادهن عند الناس كشفتَ الظلام بضياء أفعالهن، والمراد طهارتهن عما يتندس به العرض والبيت لمروان بن الحكم، كذا قاله ابن المستوفي وغيره.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الواحد والخمسون بعد المائة -: (من السريع) ١٥١ - قَوَّالِ مَعْرُوفٍ وَفَعَّالِهِ * عَقَّارِ مَثْنَى أُمَّهَاتِ الرِّبَاعْ لما تقدم قبله، والبيت من قصيدة للسفاح بن بُكَيْرِ اليربوعي رثى بها يحيى بن مَيْسَرَة صاحب مصعب بن الزبير مذكورةٍ في المفضليات، وقبله: يَا سيِّداً مَا أَنْتَ مِنْ سَيِّدٍ * موطأ البنت رَحِيبِ الذِّرَاعْ وقد شرحناهما مع أبيات أخر منها في الشاهد الخامس والثلاثين بعد الأربعمائة من شواهد شرح الكافية
وقوله " قَوَّالِ مَعْرُوف وفعالة * عقارا " الثلاثة بالجر صفات لسيبد مبالغة قائل، وفاعل، وعاقر من العقر، وهو ضرب قوائم الإبل بالسيف، لا يطلق العقر
стр. 1338
في غير القوائم، وربما قيل: عقره، إذا نحره فهو عقير، وفِعْله من باب ضرب، وفي رواية * وهّاب مثنى إلخ * والرباع - بالكسر -: جمع رُبَع - بضم ففتح - قال ابن الأنباري: " المعنى أنه لا يقول إلا فَعَل، ولا يعد إلا وفى، ولا يخلف وعداً، والربع واحد الرِّباع، وهو ما نتج في أول النِّتاج، وهو أحمد النتاج، وخص أم الرباع لأنها أطيب الإبل، وقوله " مثنى " أي: واحدة بعد أخرى " انتهى وأنشد بعده: * مَا بَالُ عَيْنِي كالشعيب العين * وتقدم الكلام عليه في الشاهد الخامس والعشرين من هذا الكتاب وأنشد الجاربردي - وهو الشاهد الثاني والخمسون بعد المائة -: (من الرجز) ١٥٢ - أطْعَمْتُ رَاعِيَّ مِنْ الْيَهْيَرِّ على أن صاحب الصحاح قال: " يَهْيَرُّ يَفْعَلُّ، بمعنى صَمْغِ الطلح، وأنشد متصلاً به فَظَلَّ يَعْوِي (١) حَبِطاً بِشَرِّ * خَلْفَ اسْتِهِ مِثْلَ نَقِيقِ الْهِرِّ ثم قال بعده: وقال الأحمر: الحجر اليَهْيَرُّ: الصُّلْب، ومنه سمى صبغ الطلع يهيرا، وقال أبو بكر بن سراح: ربما زادوا فيه الألف فقالوا يهيرى (٢)
стр. 1339
قال: وهو من أسماء الباطل، وقولهم: أكذب من اليهيرهو السراب " انتهى.
وقال الصاغاني في العباب بعد ما ذُكِر: " وقال الليث: اليهير حجارة أمثالُ الكف، ويقال: دويبة تكون في الصحاري أعظم من الجرز، الواحدة يهيرة، قال: واختلفوا في تقديرها، فقالوا: يفعلة، وقالوا فعللة، وقالوا فَعْيَلَّة " انتهى.
فحكى ثلاثة أقوال: أصاله الياءين، أصالة الأولى، أصالة الثانية: والطَّلْح الموز، وشجر من شجر العَضَاة، و " يعوي " من عوى الكلب والذئب وابن آوى يعوي عُوَاءً: أي صاح، وحبط - بفتح المهملة وكسر الموحدة - وصف من الْحَبَطِ - بفتحتين -: وهو أن تأكل الماشية فتُكْثِر حتى ينتفخ لذلك بطنها ولا يخرج عنها ما فيها.
والنقيق: صوت الضفدع والدجاجة، وفي العُباب " يقال: نقت الضفدع تنِق - بالكسر - نقيقاً: أي صاحت، ويقال أيضاً: نقت الدجاجة، وربما قيل للهر أيضاً " وأنشد هذا الرجز ومراده الصراط، ولم يكتب ابن بري في أماليه على الصحاح هنا شيئاً، ولم أقف على قائله، والله تعالى أعلم الامالة أنشد فيها - وهو الشاهد الثالث والخمسون بعد المائة -: (من المنسرح) ١٥٣ - * أنَّى وَمِنْ أيْنَ آبَكَ الطَّرَبُ * وهو صدر، وعجزه: * مِنْ حَيْثُ لا صَبْوَةٌ وَلاَ رِيَبُ * على أن " أنَّى " فيه للاستفهام، بمعنى كيف، أو بمعنى مِن أيْنَ، والجملة
المستفهم عنها محذوفة، لدلالة ما بعده عليها، والتقدير أنى آبك، ومن أين آبك فحذف للعلم به، واكتفى بالثاني.
وأنشده الزمخشري في المفصل في غير باب الإمالة على أن فيه " أنَّى " بمعنى
стр. 1340
كيف، كقوله تعالى (فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ) قال ابن يعيش: " الشاهد فيه أنى بمعنى كيف، ألا ترى أنه لا يحسن أن تكون بمعنى من أين؟ لأن بعدها من أين، فيكون تكريراً، ويجوز أن تكون بمعنى من أين، وكررت على سبيل التوكيد، وحَسُنَ التكرار لاختلاف اللفظين، فاعرفه " انتهى.
وأورده الزجاج في تفسيره عند قوله تعالى: (أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ) على أن أنَّى فيهما بمعنى كيف.
وآبك: جاءك وغشيك، وهو فعل ماضى من الأوْب، والطرب: خفة من فرح أو حزن، والمراد الأول.
والصبوة: الصِّبى، والشوق.
والرِّيَب: جمع ريبة وهي الشبهة.
يقول: كيف طربت مع كبر سِنِّك من حيث لا يوجد الطرب ومواضعه؟ الصبوة للفرح، والرِّيَب للحزن، وعدَّد ما يقع معه الطرب، فقال: لاَ مِنْ طِلاَبِ الْمُحَجَّبَاتِ إذَا * أُلْقِيَ دُونَ الْمَعَاصِرِ الْحُجُبُ إلى أن انتهى إلى قوله: * فَاعْتَتَبَ الشوق * والعامل في " أنى " آبك المحذوفة والبيت مطلع قصيدة للكميت بن زيد الأسدي، ﵁، مدح بها رسول الله ﷺ ، وعَدَّد بعده ما يقع منه الطرب وأطال، وذكر غيره، فقال: فَاعْتَتَبَ الشَّوْقُ من فؤادي * والشعر إلَى مَنْ إِلَيْهِ مُعْتَتَبُ إلى السَّرَاجِ الْمُنِيرِ أحْمَدَ لاَ * تَعْدِلُنِي رَغْبَةٌ وَلاَ رَهَبُ
عَنْهُ إلَى غيره ولو رفع * الناس إلَيَّ الْعُيُون وَارْتَقَبُوا وَقِيلَ: أَفْرَطْتَ، بَلْ قَصَدْتَ وَلَوْ * عَنَّفَنِي الْقَائِلُونَ أوْ ثَلَبُوا إلَيْكَ يَا خَيْرَ من تضمنت * الارض وَلَوْ عَابَ قَوْلِي الْعُيَبُ لَجَّ بِتَفْضِيلِكَ اللِّسَانُ واو * أُكْثِرَ فِيكَ الضِّجَاجُ وَالصَّخَبُ
стр. 1341
في الصحاح: " الاعتتاب: الانصراف عن الشئ " وأنشد هذا البيت وثلبه ثلباً، إذا صَرَّح بالعيب وتنقّصه، وفيه أيضا: " الصخب: الصياخ والجلبة، تقول منه: صَخِب - بالكسر - فهو صاخب ".
قال السيد المرتضى في أماليه وابن رشيق في العمدة: " وقد عيب عليه هذا المدح، قالوا: من هذا الذى يقول في مدح رسول الله ﷺ : أفرطت، أو يعنفه ويثلبه ويعيبه، حتى يكثر الضِّجَاج والصخب، هذا كله خطأ منه وجهل بمواقع المدح " وقال من احتج له: " لم يرد النبي ﷺ ، وإنما أراد عليّاً كرَّم الله وجهه، فَوَرَّى عنه بذكر النبي ﷺ خوفاً من بني أمية " وقال السيد: " فوجّه القول إليه ﷺ والمراد غيره، إذ مراده وإن أكثر في مدح أهل بيته وذريته ﵇ الضِّجاج والتقريع والتعنيف " والقصيدة طويلة تزيد على مائة وثلاثين بيتاً وأنشد الجار بردى هنا - وهو الشاهد الرابع والخمسون بعد المائة - (من الرجز) ١٥٤ - * بَيْنَ رِمَاحَيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلِ * على أن يجوز تثنية الجمع، لتأويله بالجماعتين واستشهد به صاحب الكشاف عند قوله تعالى: (اثنتى عشرة أسباطا) على جمع الأسباط، مع أن مميز ما عدا العشرة لا يكون مفرداً، لأن المراد بالأسباط القبيلة، ولو قيل سِبْطاً لأوهم أن المجموع قبيلة واحدة، فوضع
(أسباطاً) موضع قبيلة، كما وضع الرماح وهو جمع رمح موضع جماعتين من الرماح، وثنى على تأويل رماح هذه القبيلة ورماح هذه القبيلة، فالمراد لكل فرد من أفراد هذه التثنية جماعة، كما أن لكل فرد من أفراد هذا الجمع - وهو أسباط - قبيلة
стр. 1342
والبيت من أرجوزة طويلة لأبي النجم العِجْلي أولها: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الأَجْلَلِ * الْوَاسِعِ الْفَضْلِ الْوَهُوبِ الْمُجْزِلِ أعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ يُبَخَّلِ * كرم الذُّرَى مِنْ خَوَلِ الْمُخْوِّلِ تَبَقَّلَتْ مِنْ أوَّلِ التَّبَقُّلِ * بَيْنَ رِمَاحَيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلِ والْبُخْل: منع السائل مما يفضل، والمبخَّل: مِنْ بَخّله - بالتشديد - إذا نسبه إلى البخل، وأما أبْخَلَه بالهمزة فمعناه وجده بخيلاً، و " كوم الذرى " مفعول أعطى، وهو جمع كَوْمَاء - بالفتح والمد - وهي الناقة العظيمة السنام، والذّرى بالضم: جمع ذُرْوَة - بالكسر والضم -: أعلى السِّنَام، والْخَوَلُ - بفتح المعجمة والواو -: العطية، والمخوِّل: اسم فاعل من خَوَّله تخويلاً، إذا أعطاه وملكه، وتبقلت: رعت الْبَقْل، وهو كل نبات يأكله الإنسان والحيوان، وفاعل " تبقلت " ضمير كوم الذرى، ومالك: قبيلة من هوازن، ونهشل: قبيلة من ربيعة، قال الأصبهاني في الأغاني: " إنما ذكر هاتين القبيلتين لأنه كانت دماء وحروب بينهما، فتحامى جميعهم الرعى فيما بين فَلْج والصَّمَّان - وهما موضعان في طريق الحج من البصرة - مخافة الشر، حتى كثر النبت وطال، فجاءت بنو عجل لعزها وقوتها إلى ذَيْنكَ الموضعين فرعته ولم تخف رماح هذين الحيَّيْن، ففخر به أبو النجم ".
وبين: ظرف متعلق بقوله " تبقلت " وقد تكلمنا على هذه الأبيات وأبيات أخر من هذه الأرجوزة بأبسط
مما هنا مع ترجمة أبي النجم في الشاهد الثامن والأربعين بعد المائة من شواهد شرح الكافية تخفيف الهمزة أنشد فيه - وهو الشاهد الخامس والخمسون بعد المائة -: (من الكامل)
стр. 1343
١٥٥ - ما شد أنفسهم وأعلمهم بما * يحمي الذمار بِهِ الْكَرِيمُ الْمُسْلِم على أن أصله " ما أشد أنفسهم " فحذفت الألف لضرورة الشعر، وأنشده ابن عصفور في كتاب الضرائر لذلك، وقال المرادي في شرح التسهيل: حذف الألف في هذا البيت نادر، وهو تعجب من شدة أنفسهم، من شَدَّ الشئ يَشدُّ - من باب ضربَ - شِدَّةً، إذا قوي، وكذا تعجب من كثرة علمهم بما ذكر، وحَمَيْتُ الشئ من كذا - من باب رمى - إذا منعته عنه وصنته، والذمار مفعوله، والكريم فاعله، والذمار - بكسر الذال المعجمة - قال صاحب الصحاح: وقولهم فلان حامي الذمار: إي إذا ذُمِّرَ غضبَ وَحَمَى، وفلان أمنع ذماراً من فلان، ويقال: الذمار ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه، وسمي ذماراً لأنه يجب على أهله التذمر له وهو من قولهم: ظَلَّ يتذمر على فلان، إذا تنكر له وأوعده.
وأنشد بعده - وهو الشاهد السادس والخمسون بعد المائة -: (من المتقارب) ١٥٦ - أرَيْتَ امْرَأً كُنْتُ لَمْ أَبْلُهُ * أتَانِي فَقَالَ اتَّخِذْنِي خَلِيلاَ على أن أصله " أرأيت " فحذفت الهمزة، وهي عين الفعل، والهمزة الاولى للاستفهام، ورأيت: بمعنى أخبرني، وفيه تجوز إطلاق الرؤية وإرادة الإخبار،
لأن الرؤية سبب الإخبار، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر بجامع الطلب، والرؤية هنا منقولة من رؤية البصر، ولهذا تعدت إلى مفعول واحد، ولم أبْلُهُ - بضم اللام والهاء - من بَلاَه يَبْلُوه بَلْواً، إذا جربه واختبره، والخليل: الصديق الخالص المودة، وأراد به هنا امرأته
стр. 1344
البيت من أبيات لأبي الأسود الدؤلي، روى الأصبهاني في الأغاني، قال: كان أبو الأسود يجلس إلى فناء امرأة بالبصرة، فيتحدث إليها، وكانت جميلة، فقالت: يا أبا الأسود، هل لك أن أتزوجك فإني صناع الكف حسنة التدبير قانعة بالميسور؟ قال: نعم، فجمع أهلها وتزوجته، فوجدها بخلاف ما قالت، وأسرعت في ماله، ومدت يدها إلى جبايته، وأفشت سره، فغدا على من كان حضر تزويجها، فسألهم أن يجتمعوا عنده، ففعلوا، فقال لهم: أرَيْتَ امرأ كنت لم أبله * أتَانِي فَقَالَ: اتَّخِذْنِي خَلِيلاَ فَخَالَلْتُهُ ثُمَّ أَكْرَمْتُهُ * فَلَمْ أسْتَفِدْ مِنْ لديه فتيلا وألفيته حبن جَرَّبْتُهُ * كَذُوبَ الْحَدِيثِ سَرُوقاً بَخِيلاَ فَذَكَّرْتُهُ ثُمَّ عَاتَبْتُهُ * عِتَاباً رَفِيقاً وَقَوْلاً جَمِيلاَ فَأَلْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ * وَلاَ ذَاكِرِ الله إلاَّ قَلِيلاَ ألَسْتُ حَقِيقاً بِتَوْدِيعِهِ * وَإتْبَاعِ ذَلِكَ صُرْماً طَوِيلاَ فقالوا: بلى والله يا أبا الأسود، فقال: تلك صاحبتكم، وقد طلقتها، وأنا أحب أن أستر ما أنكرته من أمرها، فانصرفت معهم " انتهى وخاللته: اتخذته خليلا، والفتيل: الشئ الحقير، والرفيق: من الرِّفق، وهو ضد العُنْف، وألفيته: وجدته، يتعدى إلى مفعولين، ومستعتب: اسم فاعل، وهو الراجع بالعتاب، وحذف التنوين للضرورة من " ذاكِرِ الله "، ولفظ الجلالة
منصوب، وروي بالإضافة، والتوديع: هنا الترك والفراق، والصوم - بالضم -: الهجر.
وقد تكلمنا على هذه الأبيات بأبسط مما هنا في الشاهد الثاني والأربعين بعد التسعمائة من شواهد شرح الكافية
стр. 1345
وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع والخمسون بعد المائة -: (من الخفيف) ١٥٧ - صَاحِ هَل رَيْتَ أوْ سَمِعْتَ براع رد في الضرع ما قَرَى فِي الْعِلاَبِ على أن أصله " هل رأيت " فحذفت الهمزة واستشهد به صاحب الكشاف على قراءة الكسائي (أرَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّين) وروي: * صَاحِ أبْصَرْتَ أوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ * وعلى هذا لا شاهد فيه، ومعناه كقول المتنبي: (من الوافر) وَمَا مَاضِي الشَّبَابِ بِمُسْتَرَدٍ * وَمَا يَوْمٌ يَمُرُّ بِمُسْتَعَادِ وصاح: منادى مرخم صاحب، وهل ريت: استفهام إنكاري، ويجوز أن يكون تقريريا، وقوله " براع " متعلق بمسعت، وسمع له استعمالات أربعة ذكرناها في شواهد شرح الكافية: منها أن يتعدى بالباء، ومعناه الإخبار، ويدخل على غير المسموع، ولا يحتاج إلى مصحح من صفة ونحوه، تقول: ما سمعت بأفضل منه، وفي المثل: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، قابله بالرؤية لأنه بمعنى الإخبار عنه المتضمن للغيبة، وقال الشاعر (من البسيط) وَقَد سَمِعْتُ بِقَوْمٍ يُحْمَدُونَ فَلَمْ * أسْمَعْ بِمِثْلِكَ لاَ حِلْماً وَلاَ جُودَا والراعي: الذي يرعى الماشية، ومن شأنه أن يحلبها، ورده: رجعه، والضَّرع
لذوات الظلف كالثدي للمرأة، والظِّلْف - بالكسر - من الشاء والبقر ونحوهما كالظفر من الإنسان، وما: مفعول رد، وهو اسم موصول: أي اللبن الذي قراه: أي جمعه، والعلاب - بكسر العين المهملة - جمع عُلْبة - بضمها وهي محلب من جلد، وقال ابن دريد في الجمهرة: " الْعُلْبَة: إناء من جلد جِنْبِ بعير، وربما كان من أديم، والجمع علاب، يتخذ كالعُسِّ، يحتلب فيه " وأنشد هذا البيت (١) ،
стр. 1346
وروى " في الحِلاَب " بكسر الحاء المهملة، قال صاحب العباب: الإناء الذي يحلب فيه، وأنشد هذا البيت لاسماعيل بن يسار النِّسائي، ونقل خَضِر الموصلي من الصحاح أنه لا سماعيل المذكور، وهذا لا أصل له، فإنه لم ينشده إلا في مادة الرؤية، ولم ينشده إلا غفلاً غير معزو، ولهذا قال ابن بري في أمالية عليه: هذا البيت مجهول لا يعرف قائله، وقد أورده صاحب الأغاني في قصيدة لإسماعيل أولها: مَا عَلَى رَسْمِ مَنْزِلٍ بِالْجَنَابِ * لَوْ أبَانَ الْغَدَاةَ رَجْعَ الْجَوَابِ غَيَّرْتْهُ الصَّبا وَكُلُّ مُلِثٍّ * دَائمِ الْوَدْقِ مُكْفَهِرِّ السَّحَابِ دَارَ هِنْدٍ وَهُلْ زَمَانِي بِهِنْدٍ * عَائِدٌ بِالْهَوَى وَصَفْوِ الْجنَابِ كَالَّذِي كَانَ وَالصِّفَاءُ مَصُونٌ * لَمْ تَشِنْهُ (١) بِهِجْرَةٍ واجْتِنَابِ ذَاكَ مِنْهَا إذْ أنْتَ كَالْغُصْنِ غَضًّا (٢) وَهْيَ رُودٌ كَدُمْيَةِ الْمِحْرَابِ غَادَةٌ تَسْتَبِي الْعُقُولَ بِثَغْرٍ (٣) * طَيِّبِ الطَّعْمِ بَارِدِ الأَنْيَابِ وَأثيثٍ مِنْ فَوْقِ لَوْنٍ نَقِيٍّ * كَبَياضِ اللُّجَيْنِ في الزِّرْيَابِ فأَقِلَّ الْمَلاَمَ فِيهَا وأقْصِرْ *
لَجَّ قَلْبي منْ لَوْعَتِي وَاكْتِئَابيِ (٤)
стр. 1347
صَاحِ أَبْصَرْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ * رَدَّ في الضرع ما قرى في الحلاب (١) وقال فيما يفخر عَلَى العرب بالعجم: رُبَّ خَالٍ مُتَوَّجٍ لِي وَعَمٍّ * مَاجِدِ الّمُجْتَدَى (٢) كَرِيمِ النِّصَابِ إنَّمَا سُمِّيَ الفوارس بالفرس * مضاهاة رفعة الانساب فاتزكى الْفَخْرَ يَا أُمَامُ عَلَيْنَا * وَاتْرُكِي الْجَوْرَ وَانْطِقِي (٣) بِالصَّوَابِ إذْ نُرَبِّي بناتنا وتدسون * سفاها ببالكم فِي التُّرَابِ قال صاحب الأغاني: " كان إسماعيل بن يسار النِّسَائي مولى بني تيم بن مرة تيم قريش، وكان منقطعاً إلى ابن الزبير، فلما أفضت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان وفد إليه مع عُرْوَة بن الزبير، ومدحه، ومدح الخلفاء من ولده، وعاش عمراً طويلاً إلى أن أدرك آخر سلطان بني أمية، ولم يدرك الدولة العباسية وإنما سمي إسماعيل بن يسار النِّسَائيَّ لأن أباه كان يصنع طعام العرس ويبيعه، فيشتره منه من أراد التعريس (من المتجملين و) (٤) ممن لا تبلغ حاله اصطناع ذلك، وقيل: إنما سمي به لأنه كان يبيع النَّجْد والفُرْشَ التي تتخذ
للعرائس، وقيل: إنما لقب به لأن أباه كان يكون عنده طعام العرسات مصلحاً أبداً، فمن طرقه وجده عنده معدا
стр. 1348
وروى المدائني قال: استأذن إسماعيل على الغَمْر بن يزيد بن عبد الملك يوماً فحجبه ساعة، ثم أذن له، فدخل يبكي، فقال له: مالك تبكي؟ قال: كيف لا أبكي وأنا على مَروَانِيتي ومروانية أبي أحجب عنك؟ فجعل الغَمْر يعتذر إليه، وهو يبكي، فما سكت حتى وصله الغَمْر بحلة لها قدر، وخرج من عنده، فلحقه رجل، فقال له: أخبرني - ويلك يا إسماعيل - أيُّ مروانية كانت لك ولأبيك؟ قال: بُغْضُنَا إياهم، امرأته طالق إن لم يكن يلعن مروان وآله كل يوم مكان التسبيح، وإن لم يكن أبوه حضره الموت، فقيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: لعن الله مروان، تقرباً بذلك إلى الله، وإقامة له مقام التوحيد وكان إسماعيل يكنى أبا فائد، وكان أخواه محمد وإبراهيم شاعرين أيضاً، وهم من سبي فارس، وكان إسماعيل شُعُوبيّاً (١) شديد التعصب للعجم، له شعر كثير يفخر بالأعاجم، أنشد يوماً في مجلس فيه أشعيب: إذ نربى بناتنا وتدسون * سَفَاهاً بَنَاتِكُمْ فِي التُّرَابِ فقال أشعب: صدقت والله يا أبا فائد، أراد القوم بناتهم لغير ما أردتموهن له، قال: وما ذاك؟ قال: دفن القوم بناتهم خوفاً من العار عليهن، وربيتموهن لتنكحوهن، فضحك القوم حتى استغربوا، وخجل إسماعيل، حتى
لو قدر أن يسيخ في الأرض لفعل ومدح إسماعيل رجلاً من أهل المدينة يقال له عبد الله بن أنس، وكان قد لحق ببنى مروان، وأصاب منهم خيراً، وكان إسماعيل صديقاً له فرحل إليه إلى دمشق، فأنشده مدائح له، ومَتَّ إليه بالجوار والصداقة فلم يعطه شيئاً، فقال يهجوه (من الوافر)
стр. 1349
لَعَمْرُكَ مَا إلَى حَسَن رَحَلْنَا * ولا زرنا حُسَيْناً يَا ابْنَ أنْسِ وَلاَ عَبْداً لِعَبدِهِمَا فَنَحْظَى * بِحُسْنِ الْحَظِّ مِنْهُمْ غَيْرَ بَخْسِ وَلَكِنْ ضَبَّ جَنْدَلَةٍ أتَيْنَا * مُضِبّاً فِي مَكَامِنِهِ يُفَسِّي فَلَمَّا أنْ أتَيْنَاهُ وَقُلْنَا * بَحَاجَتِنا تَلَوَّنَ لَوْنَ وَرْسِ فَقُلْتُ لِأَهْلِهِ: أبِهِ كُزَازٌ؟ * وَقُلْتُ لِصَاحِبِي: أتْرَاهُ يُمْسي؟ فَكَانَ الْغُنْمُ أنْ قُمْنَا جَمِيعاً * مَخَافَةَ أنُ نُزَنَّ بِقَتْلِ نَفْسِ وترجمته في الأغاني طويلة، واكتفينا منها بهذا القدر وقال خضر الموصلي في شرح أبيات التفسيرين: البيت الشاهد لمُضَاضِ ابن عَمْرو الجرهمي، من أبيات أولها: قَدْ قَطَعْتُ الْبِلاَدَ فِي طلب الثروة وَالمَجْدِ قَالِصَ الأَثْوَابِ وَسَرَيْتُ الْبِلاَدَ قَفْراً لِقَفْرٍ * بِقَنَاتِي وَقُوَّتِي وَاكْتِسَابِي فَأَصَابَ الرَّدَى بَنَاتِ فُؤَادِي * بِسِهَامٍ مِنَ الْمَنَايَا صُيَابِي فَانْقَضَتْ شرَّتِي وَأقْصرَ جَهْلِي * وَاسْتَرَاحَتْ عَوَاذِلِي مِنْ عِتَابِي
وَدَفَعْتُ السَّفَاهَ بِالْحِلْمِ لَمَّا * نَزَلَ الشَّيْبُ فِي مَحَلِّ الشَّبَابِ صَاحَ هَلْ رَيْتَ أوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ * ... البيت وقال السهيلي في الأرض الأنف (١) : " كان عبد الله بن جدعان في ابتداء أمرء صُعْلًُوكاً وكان مع ذلك شِرِّيراً فاتكاً لا يزال يجني الجنايات فيعقل عنه أبوه وقومه حتى أبغضته عشيرته ونفاه أبوه، فخرج في شعاب مكة حائراً يتمنى الموت، فرأى شقاً في جبل فظن حية فتعرض للشق يرجو أن يكون فيه ما يقتله، فدخل فيه فإذا به ثعبان عظيم له عينان كالسِّرَاجَين، فحمل عليه الثعبان فأفرج له فانساب عنه، فوقع في قلبه أنه مصنوع، فأمسكه بيده فإذا هو مصنوع من
стр. 1350
ذهب وعيناه ياقوتتان، فكسره وأخذ عينيه، ودخل البيت فإذا جُثَث على سُرُر طِوال (١) لم ير مثلهم طولا وعظما، وعند رؤسهم لوح من فضة فيه تاريخهم، وإذا هم رجال من ملوك جُرْهُم، وآخرهم موتاً الحارث بن مُضَاض، وعليهم ثياب لا يُمَس منها شئ إلا انتثر كالهباء من طول الزمن، وشعرٌ مكتوب (في اللوح) فيه عظات، آخر بيت منه: صَاحَ هَلْ رَيْتَ أوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ ... البيت وقال ابن هشام: " كان اللوح من رخام، وفيه: أنا نُفَيْلة بن عبد الْمَدان بن خشرم بن عبد ياليل بن جُرْهم بن قحطان بن هود نبي الله عليه صلوات الله، عشت خمسمائة عام وقطعت الأرض في طلب الثروة والمجد والملك، فلم يكن ذلك ينجيني من الموت، وتحته مكتوب الأبيات السابقة: * قَدْ قَطَعْتُ الْبِلاَدَ ... إلى آخرها * وفي ذلك (البيت) كَوْمٌ عظيم من اليواقيت والزَبَرْجَد والذهب والفضة،
فأخذ منه ما أخذ، ثم علَّم على الشَّق بعلامة وَأغلق بابه بالحجارة وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج به ليسترضيه، ووصل عشيرته كلهم فَسَادَهُمْ، وجعل ينفق من الكنز ويطعم الناس ويفعل المعروف، حتى ورد أنه ﷺ كان يستظل في الهاجرة بظل جَفْنَته، وكانت بحيث يأكل منها الراكب على بعيره، وسقط فيها مرة غلام فغرق فيها فمات ومُضَاض بن عمرو الجُرْهمي جاهلي، من شعره المشهور من قصيدة: كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إلى الصَّفَا * أنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ " انتهى ما أورده الموصلي باختصار
стр. 1351
ورأيت هذه الأبيات لأبي نُفَيْلة وكان من الْمُعْمَّرِين وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن والخمسون بعد المائة -: (من الطويل) ١٥٨ - إذَا قَامَ قَوْمٌ يأسلون مليكهم * عطاء فدهماء الَّذِي أنَا سَائِلَه على أنه قدم فيه الهمزة التي هي عين الفعل على السين التي هي فاء الفعل، للاستكراه من تخفيفها بالحذف لو أبقيت على حالها و " الذي " مبتدأ، وجملة " أنا سائله " من المبتدأ والخبر صلة الموصول، ودهماء - وهي اسم امرأة - خبر الذى، والجمل جواب إذا، و " دَهْمَاء " يحتمل أن يكون اسم امرأة، ويحتمل أن يكون اسم فرس (١) وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع والخمسون بعد المائة -: (من الوافر) ١٥٩ - أُرِي عَيْنَي ما لم تَرْأياهُ * كِلاَنَا عَالِمٌ بِالتُّرَّهَاتِ على أنه جاء لضرورة الشعر إثبات الهمزة في " تَرْأياه " والقياس نقل
حركتها إلى الراء وحذفها، قال ابن جني في سر الصناعة: " وقد رواه أبو الحسن " ما لَمْ تَرَيَاه " على التخفيف الشائع عنهم في هذا الحرف " انتهى وقال في المحتسَب من سورة البقرة: " قرأ أبو عبد الرحمن السلمي (أَلَمْ ترأ إلى الملا) ساكنة الراء، وهذا لعمري أصل هذا الحرف، رأى يرأى كرعى يرعى، إلا أن أكثر لغات العرب فيه تخفيف بحذفها وإلقاء حركتها على الراء قبلها، وصار حرف المضارعة كأنه بدل من الهمزة، وكذلك أفْعَلُ مِنْهُ كقوله تعالى (لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بما أراك الله " أصله أرآك الله، وحكاها صاحب الكتاب عن أبي الخطاب، ثم إنه قد جاء مع هذا تحقيق هذه الهمزة وإخراجها على أصلها كقوله:
стр. 1352
* أُرِي عَيْنَي مَا لَمْ تَرْأيَاهُ * فخفف أُري وحقق ترأياه، ورواه أبو الحسن " تَرَيَاه " على زحاف الوافر، وأصله " ترأياه " على أن مُفَاعَلَتُنْ لحقها العصب بسكون لامها، فنقلت إلى مفاعيلن، ورواية أبى الحسن " يمالت " مفاعيلُ، فصار الجُزء بعد العصب إلى النقص " انتهى.
وقال الزجاجي في أمالية الكبرى (١) : " أما قوله ترأياه فإنه إلى أصله، والعرب لم تستعمل يرى وترى ونرى وأرى إلا بإسقاط الهمزة تخفيفاً، فأما في الماضي فإنها مثبتة، وكان المازني يقول: الاختيار عند أن أرْوِيه " لَمْ تَرَيَاه " بغير همز، لأن الزحاف أيسر من رَدِّ هذا إلى أصله، وكذلك كان ينشد قول الآخر: (من الطول) ألم تر ما لا قيت وَالدَهْرُ أعْصُرٌ * وَمَنْ يَتَمَلَّ الْعَيْشَ يَرْأ ويَسْمَعُ
بتخفيف الهمزة (٢) " انتهى.
стр. 1353
وقال قبل هذا (١) " أخبرنا أبو عبد الله محمد بن حَمْدان البصري وأبو غانم الغنوي قالا: أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الْحُباب (الْجُمَحِي) عن محمد بن سلام، قال: كان سراقة البارقي شاعرا ظريفا زوارا للملوك حلو الحديث، فخرج في جملة من خرج لقتال المختار فوقع أسيراً فأتى به المختار، فلما وقف بين يديه قال: يا أمين آل محمد (٢) إنه لم يأسرني أحد ممن بين يديك، قال: ويحك! فمن أسرك؟ قال: رأيت رجالاً على خيل بُلْق يقاتلوننا ما أراهم الساعة: هم الذين أسروني، فقال المختار لأصحابه: إن عدوكم يرى من هذا الامر ما لاترون، ثم أمر بقتله، فقال: يا آمين آل محمد (٢) : إنك لتعلم أنه ما هذا أوان تقتلني فيه، قال: فمتى أقتلك؟ قال: إذا فَتَحْتَ دِمَشْق ونقضتها حجراً ثم جلست على كرسي في أحد أبوابها، فهناك تدعوني فتقتُلني وتَصْلِبُنِي، فقال المختار: صدقت، ثم
التفت إلى صاحب شُرْطته، فقال: ويحك! من يخرج سري إلى الناس، ثم أمر بتخليه سراقة، فلما أفلت أنشأ يقول - وكان المختار يكنى أبا إسحق -: ألاَ أبلِغْ أبا إسحق أنِّي * رَأَيْتُ الْبُلْقَ دُهْماً مُصْمَتَاتِ أُرِي عَيْنَيَّ ما لم ترأياه * كلانا عالم بالترهات
стр. 1354
كَفَرْتُ بِوَحْيِكُمْ وَجَعَلْتُ نَذْراً (١) عَلَيَّ قِتَالَكُمْ حَتَّى الْمَمَاتِ " انتهى كلام الزجاجي وحديث القتل وفتح دمشق نسبه الجاحظ لغير سراقة، قال في كتاب المحاسن والأضداد في فضل محاسن الدهاء والحيل: " الهيثم بن الحسن بن عمارن، قال: قدم شيخ من خزاعة أيام المختار، فنزل على عبد الرحمن بن أبان الخزاعي، فلما رأى ما يصنع سوقة المختار بالمختار من الإعظام جعل يقول: يا عباد الله، أبا لمختار يصنع هذا؟ والله لقد رأيته يتبع الإماء بالحجاز (٢) فبلغ ذلك المختار، فدعا به وقال: ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: الباطل، فأمر بضرب عنقه، فقال: لا والله لا تقدر على ذلك، قال: ولم؟ قال: أمّا دون أن أنظر إليك وقد هدمت مدينة دمشق حجراً حجراً وقتلت المقاتلة وسبيت الذرية ثم تصلبني على شجرة على
نهر (فلا) (٣) والله إني لأعرف الشجرة الساعة، وأعرف شاطئ ذلك النهر، فالتفت المختار إلى أصحابه فقال لهم: أمَا إن الرجل قد عرف الشجرة، فحبس، حتى إذا كان الليل بعث إليه فقال: يا أخا خُزاعة، أو مُزاح عند القتل؟ قال: أنشدك الله أن أقتل ضياعاً، قال: وما تطلب ها هنا؟ قال: أربعة آلاف درهم أقضي بها ديني، قال: ادفعوا له بذلك، وإياك أن تصبح بالكوفة، فقبضها وخرج، وعنه قال: كان سراقة البارقيّ من ظرفاء أهل الكوفة، فأسره رجل من أصحاب المختار فأتى به المختار فقال له: أسرك هذا؟ قال سراقة: كذب، والله ما أسرني إلا رجل على ثياب بيض على فرس أبلق، فقال المختار: أما إن الرجل قد عاين الملائكة، خلوا سبيله، فلما أفلت أنشأ يقول:
стр. 1355
* ألا أبلغ أبا إسحق ... * إلى آخر الأبيات الثلاثة.
وكذا روى هذه الحكاية الأصبهاني في الأغاني من طريق الأعمش عن إبراهيم النخعي.
وفي هذه الروايات اختصار، فإن هذه الأبيات قالها بعد ما أسر ثَالثاً، قال ابن عبد ربه وفى العقد الفريد (١) : أبو حاتم قال: حدثنا أبو عبيدة، قال: أُخِذ سراقة بن مرداس البارقي أسيراً يوم جَبَّانة السَّبيع (٢) فَقُدِّم في الأسرى إلى المختار، فقال: (من الرجز) امننن عَلَيَّ الْيَوْمَ يَا خَيْرَ معَدْ * يَا خَيْرَ مَنْ لَبَّى وصًلَّى وَسَجَدْ فعفى عنه المختار وخلى سبيله، ثم خرج مع (إسحق) ابن الأشعث، فأُتى به
المختار أسيراً، فقال له: ألم أعف عنك وأمنُنْ عليك؟ أما والله لأقتلنك، قال: لا، والله لا تفعل إن شاء الله، قال: ولم؟ قال: لأن أبي أخبرني أنك تفتح الشام حتى تهدم مدينة دمشق حجراً حجراً وأنا معكم، ثم أنشده: (من الوافر) ألا أبلغ أبا إسحق أنَّا * حَمَلْنَا حَمْلَةً كَانَتْ عَلَيْنَا (٣) خَرَجْنَا لاَ نَرَى الضُّعَفَاءَ شَيْئاً (٤) * وَكَانَ خُرُوجُنَا بَطَراً وَحَيْنَا (٥) نَرَاهُمْ فِي مَصَفِّهُمُ قَلِيلاً * وَهُمْ مِثْلُ الدَّبَا لَمَّا الْتَقَيْنَا فَأسْجحْ إذْ قَدَرْتَ فَلَوْ قَدَرْنَا * لَجُرْنَا في الْحُكُومَةِ واعْتَدَيْنَا تَقَبَّل تَوْبَةً مِنِّي، فإنى * سأشكر إن جعلت النقد دينا
стр. 1356
قال: فخلى سبيله، ثم خرج (إسحق) ابن الأشعث ومعه سراقة فأخذ أسيراً وأتى به المختار، فقال: الحمد لله الذي أمكنني منك، يا عدو الله، هذه ثالثة، فقال سراقة: أما والله ما هؤلاء الذين أخذوني، فأين هم؟ لا أراهم! إنا لما التقينا رأينا قوماً عليهم ثياب بيض وتحتهم خيل بُلْق تطير بين السماء والأرض، فقال المختار: خلوا سبيله ليخبر الناس، ثم عاد (١) لقتاله، فقال: ألاَ من مُبَلِّغُ الْمُخْتَارِ عَنِّي * بِأَنَّ الْبُلْقَ دُهْمٌ مُضْمَرَاتِ أُرِي عَيْنَيَّ مَا لَمْ تَرَأيَاهُ * إلخ الشعر " انتهى
وقوله " رأيت الْبُلْقَ دُهْماً إلخ " هو جمع أبْلَق وَبلقاء، وأراد الخيل الْبُلْق، وهي ما فيها بياض وسواد، ودهم: جمع أدهم ودَهْماء، من الدُّهْمَة - بالضم - وهي السواد، وأراد أن الخيل الْبُلْق التي ذكرت أنها تطير إنما هي خيل دهم نحاربك عليها، والمُصْمَت - بضم الميم الأولى وفتح الثانية - قال الجوهري: هو من الخيل البهيم: أي لون كان لا يخالط لونَه لونٌ آخر، وروي بدله " مضمرات " بوزنه، يقال: أضمرت الفرس، إذا أعددته للسباق، وهو أن تعلقه قُوتاً بعد السمن (٢) ، وقوله " أُرِي عَيْنَيَّ إلخ " بضم الهمزة، مضارع من الإراءة خفف بحذف الهمزة من آخره، و " ما " نكرة بمعنى شئ مفعول ثان لأرى، والأول هو عَيْنيَّ، وكلانا: أي أنا وأنت والبيت كذا أورده أبو زيد بمفرده في نوادره (٣) ورواه أبو حاتم عن أبي عبيدة " ما لَمْ تُبْصِرَاهُ إلخ " وحينئذٍ لا شاهد فيه، والترهة: بضم المثناة وتشديد الراء المفتوحة
стр. 1357
قال الأخفش فيما كتبه على النوادر: التَّرَّهات الاباطليل، وفي الصحاح قال الأصمعي: التُّرَّهات: الطرق الصغار غير الجادَّة، تتشعب عنها، الواحدة تُرَّهة فارسيّ معرب، ثم استعير في الباطل وسُراقة بن مِرْداس البارقي بضم السين وآخره قاف، ومِرداس بكسر الميم، قال الآمدي في المؤتلف والمختلف: بارق اسم جبل نزل به سعد بن علي بن حارثة
بن عمرو بن عامر، فنُسبوا إلى ذلك الجبل، وبارق: أخو خزاعة، وهذا هو سُراقة بن مرداس الأصغر، وهو شاعر مشهور خبيث قال يهجو جريراً من قصيدة: (من الكامل) أبْلِغْ تَمِيماً غثَّها وَسَمِينَهَا * وَالْحُكْمُ يَقْصِدُ مَرَّة وَيَجُورُ أنَّ الفَرْزْدَقُ بَرَّزَتْ حَلَبَاتُهُ * عَفْواً وَغُودِرَ فِي التُّرَابِ جَرِيرُ هَذَا قَضَاءُ الْبَارقِيِّ وَإنَّنِي * بِالْمَيْلِ فِي مِيزَانِهِمْ لَبَصِيرُ فهجاه جرير في القصيدة التي خاطب فيها بشر بن مروان (من الكامل) : يَا بِشْرُ حُقَّ لِوَجْهِكَ التَّبْشِيرُ (١) ... قَدْ كَانَ بَالُكَ أنْ تَقُولَ لِبَارِقٍ * يَا آل بَارِقَ فِيمَ سُبَّ جرير وذكر الآمدي شاعرين آخرين متقدمين عليه في الزمان، يقال لكل منهما: سُرَاقة بن مِرداس البارقي: أحدهما سراقة بن مدارس الأكبر، والآخر هو شاعر فارس له شعر في يوم أوطاس، (٢) ثم قال الآمدي: " وفي شعراء العرب
стр. 1358
من يقال له سُراقة جماعة لم نقصد إلى ذكرهم وإنما ذكرت سراقة بن مرداس لاتفاق الاسم واسم الأب " انتهى، ولم يَرْفع نسب واحد من الثلاثة إلى قبيلة وأنشد الجاحظ لسراقة صاحب البيت الشاهد (من البسيط) :
قَالُوا سُرَاقَةُ عِنِّينٌ فَقُلْتُ لَهُمْ * الله يَعْلَمُ أنِّي غَيْرُ عِنِّينِ فإنْ طلبتم بى الشئ الَّذِي زَعَمُوا * فَقَرِّبُونِي مِنْ بِنْتِ ابْنِ يَامِينِ وأنشد الجاربردي هنا - وهو الشاهد الستون بعد الماية -: (من الطويل) ١٦٠ - ألم تر ما لاقيت والدهر أعْصُرٌ * وَمَنْ يَتَمَلَّ الْعَيْشَ يَرْءَ وَيَسْمَعُ على أنه جاء على الأصل لضرورة الشعر، كما تقدم قبله وقال ابن جني في سر الصناعة: " قرأت على أبي على في نوادر أبي زيد: * ألَمْ ترَ مَا لاقيت والدهر أعْصُرٌ * كذا قرأته عليه " تَرَ " مخففاً، ورواه غيره، " تَرْء ما لاقيت " على وزن تَرْعَ، وهذا على التحقيق المرفوض في هذه الكلمة في غالب الأمر وشائِع الاستعمال " انتهى.
ولم يتعرض لما في الصمراع الثاني، لأنه لم يتزن إلا بذكر الهمزة، فيكون على غير رواية أبي علي في كل من المصراعين ضرورة وهذا البيت والذي قبل كذا في الصحاح، وقد أنشدهما أبو زيد في النوادر وفي كتاب الهمز، قال في كتاب الهمز: " وعامة كلام العرب في يَرَى ونَرَى وتَرَى وأرى ونحوه على التخفيف، وبعضهم يحققه وهو قليل في كلام العرب، كقولك زيد يرأى رَأْياً حسناً، نحو يَرْعَى رَعْياً حسناً، قال سراقة البارقي: أُرِي عَيْنَيَّ مَا لَمْ تَرْأيَاهُ * ... البيت.
وقال الأعلم بن جَرَادة السعدي - وأدرك الاسلام -: ألم ترما لاَقَيْتُ وَالدَّهْرُ أعْصُرٌ * وَمَنْ يَتَمَلَّ الْعَيْشَ يَرْءَ وَيَسْمَعُ
стр. 1359
بِأَنَّ عَزِيزاً ظَلَّ يَرْمِي بِجَوْزِهِ * إليَّ ورَاءَ الحاجزين ويفرع وأنشدني أعرابي من بني تميم لنفسه (من البسيط) : هَلْ تَرْجِعَنَّ لَيَالٍ قَدْ مَضَيْنَ لَنَا * وَالعَيْشُ مُنْقَلِبٌ إذْ ذَاكَ أفْنَانَا
إذْ نَحْنُُ فِي غَرَّةِ الدُّنْيَا وَبَهجَتِهَا * والدَّارُ جَامِعَةٌ أزْمَانَ أزمانا لما استمر بها شَيْحَانُ مُبْتَجِحٌ * بِالْبَيْنِ عَنْكَ بِمَا يَرْآكَ شَنْآنَا فكل هؤلاء حقق الهمزة من يرى، وهو قليل في الكلام، والتحقيق الأصل " انتهى كلامه.
وقوله " ألم تر " استفهام والرؤيا بصرية، و " ما " مفعولها، ولاقيت بضم التاء، والدهر مبتدأ وأعصر خبره، وهو جمع عَصْر يريد أن الدهر مختلف أزمانه لا يبقى على حال سرور وصفاء، بل غالبه كدر، وقوله " ومن يتمل العيش إلخ " مَنْ شرطية، ويتمل: شرط مجزوم بحذف الألف، ويرء: جواب الشرط، ويسمع: معطوف عليه، وكسر للقافية، وقافية البيت الثاني مرفوع فيكون في الأول إقواء، وكذا رواهما أبو زيد في الكتابين، قال ابن بري في أمالية على الصحاح: " ويروى ويسمعُ بالرفع على الاستئناف، لأن القصيدة مرفوعة " وذكر البيت الثاني.
أقول: ليس المعنى على الاستئناف، ولعله أراد بالاستئناف ابتناءه على مبتدأ محذوف، والتقدير وهو يسمع، وإطلاق الاستئناف على هذا شائع، فيكون موضع الجملة جزماً بالعطف على يرء، وجَازَفَ ياقوت فيما كتبه على الصحاح قال: بخط أبي سهل يَرْءَ ويَسْمِعِ بجزمهما، وهو سهو منه والقصيدة مرفوعة، وصوابه: * وَمَنْ يَتَمَلَّ الْعَيْشَ يَرْأَى وَيَسْمَعُ * بالرفع يريد أن " مَنْ " فيه موصولة مبتدأ ويتملى: صلته، ويرأى وَيسمع: خبره، وتحقيق الهمزة ضرورة أيضاً، وهذا صحيح معنى وإعراباً، إلا أنه طعن فيه رواية أبي زيد:
стр. 1360
وتملى عيشه: استمتع به ملاوة، والملاوة - مثلثة الميم -: الزمان الواسع، يريد من يعش كثيراً يَرَوَ يسمع ما لم يكن رآه وسمعه، والعيش: مصدر عاش،
إذا صار ذا حياة، فهو مصدر عائش، والأنثى عائشة، وقوله " بأنّ عزيزاً " خبر أن غير مذكور في هذا البيت، وإنما هو في بيت بعده، وظل: استمر، والجوز: بفتح الجيم وآخره زاي معجمة، ورمْيُ الجوز عبارة عن الإسراع في الذهاب، " وإليَّ " متعلق بيرمي، وكذلك ورَاء، والحاجزين: جمع حاجز من حجزه، إذا منعه، يريد أن الأعداء قدامه تمنعه من الوصول إليه، " ويفرع " معطوف على يرمي، وهو مضارع أفْرَعَ، قال أبو زيد بعد إنشاده: أي يصير الفَرْع، ويقال: أفرع إذا أخذ في بطن الوادي خلافُ المصعد، قال: (من البسيط) * لاَ يُدْرِكَنَّكَ إفْرَاعِي وَتَصْعِيدِي * وفرع رأسه بالعصا إذا علاه " انتهى وفي الصحاح: فَرَعْت الجبل صَعِدْته، وأفرعت في الجبل انحدرت وقد أورد أبو تمام البيت الشاهد من أبيات للأعلم في كتاب مختار أشعار القبائل، وليس فيها البيت الثاني الذي أورده أبو زيد، وأبو تمام كذا أوردها (من الطويل) : وَإنِّي لأَقْتَادُ الْقَرِينَ إلَى الْهَوَى * وَيَقْتادُنِي يَوْماً قَرِينِي فَأتْبَعُ وأطمع بما لَمْ يَحْتَضِرْنِي يَأْسُهُ * وَأْيْأَسُ مِمَّا لاَ يُرَى فِيهِ مَطْمَعُ وأُبْغِضُ أصْحَابَ الْمَلاَذَةِ وَالقِلَى * وَيُطْلَبُ بِالْمَعْرُوفِ خَيْرِي فَأُخْدَعُ وَتَزْعُمُ هِنْدٌ أنَّنِي قَاتِلِي الْهَوَى * إلَيْهَا وَقَدْ أهْوَى فَلاَ أتَوَجَّعُ ألِكنِي إلَيْهَا بالسَّلاَمِ فلا يسؤ * بَنَا ظَنُّهَا، إنَّ النَّوَى سَوْفَ تَجْمَعُ وَلاَ تَرْعَ لِلَوَاشِي الظُّنُونَ فَإِنَّهُ * بِتَفْرِيقِ مَا بَيْنَ الأَحِبَّةِ مولع أل تر مالا قيت ... البيت نَصَحْتُ لَهُمْ مَا يَعْمَلُونَ فَضَيَّعُوا * لِنُصْحِي فَلاَ يَحْزُنْكَ نُصْحٌ مُضَيَّعُ
стр. 1361
هذا ما أورده أبو تمام، وقال: الملاذة: كذب المودة "
وقوله " هَلْ تَرْجِعَنَّ لَيَال ... البيت " أورده ابن هشام في بحث إذ من المغني، قال: " وقد يحذف أحد شطري الجملة فيظن من لاخبرة له أنها أضيفت إلى المفرد، كهذا البيت، والتقدير إذ ذاك كذلك ".
واسم الإشارة الأول أشير به إلى العيش باعتبار حاله، والثاني المحذوف إلى حال الأفنان، وهي الأغصان والأحوال، ونصبه حال من ليال، و " إذ " متعلقة بمنقلب، والمعنى هل ترجع ليالينا حال كونها مثل الأغصان الملتفة في نضارتها وحسنها؟ أو حال كونها ذات فنون من الحسن وقال أبو زيد بعد إنشاد الأبيات في النوادر: الشَّيْحَانُ: الغيور، والمبتجح: المفتخر والذي يُعْرف (١) " انتهى وأنشد بعده - وهو الشاهد الحادي والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من البسيط) ١٦١ - أانْ رَأَتْ رِجُلاً أَعْشَى أَضَرَّبِهِ * رَيْبُ الْمَنُونِ وَدَهْرٌ مُتْبِلٌ خَبِلُ ونص سيبويه: " والمخففة فيما ذكرنا بمنزلتها محققة في الزنة، يدلك على ذلك قول الأعشى أان رأتْ رَجُلاً ... البيت
стр. 1362
فلو لم تكن بزنتها محققة لانكسر البيت " انتهى وقال الأعلم: " استشهد به على تخفيف الهمزة الثانية من قوله: أان، وجعلها بَيْن بَيْن، والاستدلال بها على أن همزة بين بين في حكم المتحركة، ولولا ذلك لانكسر البيت، لأن بَعْد الهمزة نوناً ساكنة، فلو كانت الهمزة المخففة في الحكم ساكنة لالتقى ساكنان، وذلك لا يكون في الشعر إلا في القوافي " انتهى والبيت من قصيدة الأعشى المشهورة التي أولها: وَدِّعْ هُرَيْرَةَ، إنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ * وَهَلْ تُطِيقُ وَدَاعاً أَيُّها الرَّجُلُ وهي ملحقة بالقصائد المعلقات، وقد شرحنا غالبها في مواضع متعددة من شواهد شرح الكافية، وقبله: صَدَّتْ هُرَيْرَةُ عَنَّا مَا تُكَلِّمُنَا * جَهْلاً بِأُمِّ خُلَيْدٍ، حَبْلَ مَنْ تَصِلُ؟ وبعده: قَالَتْ هُرَيْرَةُ لَمَّا جِئْتُ زَائِرَهَا * وَيْلِي عَلَيْكَ وَوَيْلِي مِنْكَ يَا رَجُلُ وقوله " صدَّت هريرة إلخ " روى أبو عبيدة: صدت خُلَيْدة، وقال: هي هريرة، وهي أم خُلَيد، وخُلَيْد: مصغر خالد تصغير الترخيم، وصدت: أعرضت وقوله " جهلا بأم خليد " علة للنفي، والباء للملابسة، وأعاد اسمها للتلذذ به، وحسنه ذكره بغير لفظه الأول و " حَبْل " مفعول تصل، وقدم وجوباً لإضافته إلى ماله الصدارة، وهو مَنْ، فإنها للاستفهام التعجبي، يريد: حبل أيِّ رجل تصل إذا لم تصلنا؟ كذا قال الخطيب التبريزي وغيره، وعليه تبقى الجملة غير مرتبطة بما قبلها، والجيد أن تكون مَنْ موصولة " وحبل " مفعول لقوله " جَهْلاً " والحبل هنا مستعار للعُلْقة.
والوصل: ضد القطع، وقوله " أن رأت رجلاً إلخ " الهمزة الأولى للاستفهام.
و" أن " بالفتح هي أن المصدرية.
وهي مع مدخولها مجرورة بلام
العلة، أو من التعليلية، والتقدير أصدّت لأجل أن رأت رجلاً هذه صفته.
و" رأت " أبصرت، و " رجلاً " مفعوله، و " أعشى " صفته.
والأعشى الذي
стр. 1363
لا يبصر بالليل، والأجهر - بالجيم -: الذي لا يبصر نهاراً، والمؤنث عشواء وجهراء، وجملة " أضربه " حال من أعشى، ويجوز أن تكون صفة ثانية لرجلاً.
قال صاحب المصباح: " ضره يضره - من باب قتل - إذا فعل به مكروهاً، وأضربه يتعدى بنفسه ثلاثيا بالباء باعيا ".
قال الأزهري: " كل ما كان سوء حال وفقر وَشدة في بدن فهو ضُرٌّ - بالضم - وما ضد النفع فهو بفتحها، ورجل ضرير: به ضرر من ذهاب عين أو ضنىً " والريب: التردد بين موقعي تهمة، بحيث يمتنع من الطمأنينة على كل منهما، وأصله قلق النفس واضطرابها، ومنه ريب الزمان لنوائب الزوجة ومصائبه المقلقة، كذا في مُهِمَّات التعاريف للمناوي.
و" المنون " المنية، قال الاصمعي: هو واحد لاجمع له، وذهب إلى أنه مذكر، وقال الأخفش: هو جمع لا واحد له، ومُتْبِل: اسم فاعل، قال صاحب العباب: " وأتبله الدهر مثل تبله، وأنشد هذا البيت، وقال: أي يذهب بالأهل والولد، وتَبَله الحب: أي أسقمه، وتبلهم الدهر: أي أفناهم، والتبل، كفَلْسٍ: التِّرةُ والذحل (١) يقال: أصيب بتبل وهو متبول، وروي بدله " مفسد " من الإفساد، وروي " مفند " أيضاً بمعناه، قال التبريزي: والمفند من الفَنَد وهو الفساد، ويقال: فَنَّده، إذا سَفَّهه، قال تعالى (لَوْلاَ أن تفندون) وخَبل - بفتح المعجمة وكسر الموحدة - قال صاحب العباب: ودهر خَبِل: أي ملتو على أهله، وأنشد البيت، وقوله " قالت هريرة إلخ " قال بعضهم: هذا أخنث بيت قالته العرب، و " زائرَها " حال من التاء: أي زائر لها وأنشد بعده - وهو الشاهد الثاني والستون بعد المائة، وهو من شواهد
سيبويه -: (من الكامل)
стр. 1364
١٦٢ - راحت بمسلمة البغال عشية * فارعي فَزَارَةُ لاَ هَنَاكِ الْمَرْتَعُ على أن أصله هنأك - بالهمز - فأبدلت ألفاً، قال سيبويه: " واعلم أن الهمزة التي يحقق أمثالها أهل التحقيق من بني تميم وأهل الحجاز وتجعل في لغة أهل التخفيف بَيْنَ بَيْن تبدل مكانها الألف إذا كان ما قبلها مفتوحاً، والياء إذا كان ما قبلها مكسوراً، والواو إذا كان ما قبلها مضموماً، وليس ذا بقياس متلئب، (١) وإنما يحفظ عن العرب كما يحفظ الشئ الذي تبدل التاءُ من واوه، نحو أتْلَجْت، فلا يجعل قياساً في كل شئ من هذا الباب، وإنما هي بدل من واو أوْلجت، فمن ذلك قولهم: منساة، وإنما أصلها منسأة (٢) ، وقد يجوز في ذاكله البدل حتى يكون قياساً متلئباً إذا اضطر الشاعر، قال الفرزدق: * رَاحَتْ بِمَسْلَمَة البِغَالُ *..البيت فأبدل الألف مكانها، ولو جعلها بين بين لانكسر البيت، وقال حسان ابن ثابت ﵁: سَالَتْ هُذَيْلُ رَسُولَ الله ... البيت الآتي وقال القرشي زيد بن عمرو: سَالَتَانِي الطَّلاَق ... البيت الآتي فهؤلاء ليس من لغتهم سِلْتُ ولا يَسَالُ، وبَلَغَنَا أن سَلْت تَسالُ لغة، وقال عبد الرحمن بن حسان: وَكُنْتُ أذَلَّ مِنْ وَتِدٍ ... البيت الآتي: يريد الواجئ، وقالوا: نبيّ وبريّة، فألزمها أهل التحقيق البدل، وليس
كل شئ نحوهما يفعل به ذا، إنما يؤخذ بالسمع، وقد بلغنا أن قوماً من أهل الحجاز من أهل التحقيق يحققون نبيئا وبريئة، وذلك قليل ردئ، فالبدل ههنا
стр. 1365
كالبدل في مِنْسأة، وليس بدل التخفيف، وإن كان اللفظ واحداً " انتهى كلام سيبويه قال الأعلم: " الشاهد في إبداله الألف من الهمزة في قوله: هَنَاك، ضرورة وإن كان حقها أن تجعل بَيْن بَيْن لأنها متحركة، يقول هذا حين عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق ووليها عمر بن هُبَيْرَة الفَزَارِي فهجاهم الفرزق ودعا على قومه أن لا يهنئوا النعمة بولايته، وأراد بغال البريد التي قدمت بمسلمة عند عزله " انتهى.
وكذا قال المبرد في الكامل عند ما أنشد قول العُديل بن الفَرْخ العِجْلِيّ (من الطويل) : فَلَوْ كانت في سلمى أجا وشعاثها * لَكَانَ لِحَجَّاجٍ عَلَيَّ دَلِيلُ قال: أجا وسلمى: جبلا طيّئ، وأجأُ مهموز، والشاعر إذا احتاج إلى قلب الهمز قلبه على حركة ما قبله، وأنشد هذه الأبيات، وقال: أما الفرزدق فإنه يقول لما عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق بعد قتله يزيد بن المهلب لحاجة الخليفة إلى قربه ووُلي عمر بن هُبَيْرَة الفزاري فقال: رَاحَتْ بِمَسْلَمَةَ الْبِغَالُ عشية * فارعي فزارة لاهناك الْمَرْتَعُ وَلَقَدْ عَلِمْتُ إذَا فزَارَةُ أُمِّرَتْ * أنْ سَوْفَ تَطْمَعُ فِي الإِمَارَةِ أشْجَعُ
فَأَرَى الأُمُورَ تَنَكَّرَتْ أعْلاَمُهَا * حَتَّى أُمَيَّةُ عَنْ فَزَارَةَ تَنْزَعُ ولخلق ربك ماهم وَلَمِثْلُهُمْ * فِي مِثْلِ مَا نَالَتْ فَزَارَةُ يَطْمَعُ عُزِلَ ابْنُ بِشْرٍ وابن عمر وقبله * وأخُو هَرَاةَ لِمِثْلِهَا يَتَوَقَّعُ فلما ولي خالد بن عبد الله القسري على عمر بن هُبَيْرَة قال رجل من بني أسد يجيب الفرزدق (من الكامل) :
стр. 1366
عجب الفرزدق من فزارة إذْ رَأَى * عَنْهَا أُمَيَّةَ فِي الْمَشَارِقِ تَنْزَعُ فَلَقَدْ رَأَى عَجَباً وَأُحْدِثَ بَعْدَهُ * أمْرٌ تَضِجُّ لَهُ الْقُلُوبُ وَتَفْزَعُ بَكَتْ الْمَنَابِرُ مِنْ فَزَارَة شَجْوَهَا * فَاليَوْمَ مِنْ قَسْرٍ تّذُوبُ وَتَجْزَعُ وَمُلُوكُ خِنْدِفَ أسْلَمُونَا لِلْعِدَى * لِلهِ دَرُّ مُلُوكِنَا مَا تَصْنَعُ! كانُوا كَتَارِكَةٍ بَنِيهَا جَانِباً * سَفَها وَغَيْرَهُمُ تَصُونُ وَتُرْضِعُ انتهى.
وفي الأغاني: " كان مسلمة بن عبد الملك على العراق بعد قتل يزيد بن المهلب، فلبث بها غير كثير، ثم عزله يزيد بن عبد الملك واستعمل عمر بن هُبَيْرَة على العراق فأساء وعزل قبيحاً، فقال الفرزدق: * وَلَّتْ بِمَسْلَمَةَ الْبِغَالُ عَشَيَّةً * إلى آخر الأبيات الخمسة ابن بشر: عبد الملك بن بشر بن مروان، كان على البصرة، أمَّرَه عليها مسلمة، وابن عمرو: سعيد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وأخو هراة: سعيد بن عبد العزيز بن الحكم بن أبي العاص " انتهى.
وقال ابن السيرافي: " ابن عمرو هو سعيد بن عمرو بن الحارث بن الحكم ابن أبي العاص، عزل عن الكوفة، وأخو هراة سعيد بن الحارث بن الحكم " انتهى.
وقوله " راحت بمسلمة إلخ " قال صاحب المصباح: راح يروح رواحا - وتروح
مثله - يكون بمعنى الغُدُو، وبمعنى الرجوع، وقد يتوهم بعض الناس أن الروح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس كذلك، بل الرواح والغدو عند العرب يستعملان في المسير أيّ وقت كان: من ليل أو نهار، قاله الأزهري وغيره، وعليه قوله ﵊ " مَنْ رَاحَ إلَى الْجُمْعَةِ في أوَّلِ النَّهَارِ فَلَهُ كَذَا " أي: من ذهب، والعشية: واحدة العَشِيِّ، قال صاحب المصباح: العشي: قيل: ما بين الزوال إلى الغروب ومنه يقال للظهر وَالعصر: صلاتا العشي، وقيل: هو آخر
стр. 1367
النهار، وقيل: من الزوال إلى الصباح، وقوله " فارعى فزارة " هو أمر من الرعي، من رَعَتِ الماشية تَرْعَى إذا سرحت بنفسها إلى المرعى، وهو ما ترعاه الدواب، وفزارة: أبو قبيلة من غطفان، وهو هنا مبني على الضم، لأنه منادى وحرف النداء مقدر، وباعتبار القبيلة (قال) فارعَيْ بالخطاب إلى المؤنث وجعلهم بهائم ترعى، وقوله " لا هناك المرتع " لا: هُنا دعائية، دعا عليهم بأن لا يكون مرتعهم هنيئاً لهم، وهَنأنِي الطعام يَهنؤني - بفتح العين فيهما - ومهموز الآخر: أي ساغَ وَلذَّ بلا مشقة، والكاف مكسورة، والمرتع: مصدر ميمي، يقال: رتعت الماشية رَتْعاً، من باب نفع، ورتوعاً: رعت كيف شاءت، والمرتع: موضع الرتوع أيضاً، وقد صار هذا المصراع مثلاً، قال الميداني في أمثاله: " ارْعَيْ فزارة لا هَنَاكِ الْمَرْتَع " يضرب لمن يصيب شيئاً ينفس به عليه، وقد استشهد بالبيت في التفسيرين في سورة طه على أن طه في قراءة الحسن ﵀ أمر للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أن يطأ الأرض بقدميه معاً، فإنه كان ﵇ يقوم في تهجده على إحدى رجليه.
والأصل " طَأْ " قلبت الهمزة ألفاً كما في لا هَنَاكِ، ثم بني الأمر عليه، كالأمر من يرى " رَ " ثم ألحق هاء السكت فصار طَهْ وقد خبط خَضِر الموصلي خبط عشواء في شرح أبياتهما قال: " الرواح نقيض
الغدو، ومسلمة هذا هو عبد الملك بن بشر، وهو الممدوح، وكان على العراق فعزل عنها، وولي موضعه عمر بن هُبَيْرَة، ولا هَنَاك المرتع: دعاء على الناقة أي لاهناك رعي هذا المرتع، والمعنى أن ممدوحك مسلمة قد عزل وراح على البغال عشية فاقصدي بني فزارة وارعي مرعاها، وفي بعض الحواشي ارعْيْ يا فزارة فإن الخطاب لهم، قال: وكان مسلمة هذا يمنعهم المرعى، فلما عزل خاطبهم بذلك وأمرهم بالمرعى " هذا كلامه.
وخطؤه من وجوه ظاهرة، وقبيح بمثله أن يكتب على العمياء من غير مراجعة
стр. 1368
وتنقير، مع أن البيت من أبيات سيبويه والمفصل وغيرهما، والله الموفق للصواب.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه - (من الخفيف) ١٦٣ - سَالَتَانِي الطَّلاَقَ أنْ رَأَتَامَا * لى قليلا قد جئتانى بِنُكْر لما تقدم قبله، ونقلنا كلام سيبويه فيه، وقبله.
تِلْكَ عِرْسَايَ تَنْطِقَانِ بِهُجْرٍ * وَتَقُولاَنِ قَوْلَ زُورٍ وَهَتْر وقوله " تلك عِرْساي " مبتدأ وخبر، و " عرساي " مثنى عرس، مضاف إلى الياء، والعِرْس - بالكسر - الزوجة: أي هما عرساي، ويجوز أن يخالف اسم الإشارة المشار إليه كقوله تعالى: (عَوَانٌ بين ذلك) والهُجْر - بالضم - الفُحْش من الكلام، والهتر: مصدر هتره، من باب نصر، إذا مزق عرضه، وقوله " سالتاني الطلاق " قال الأعلم: هذه لغة معروفة، وعليه قراءة من قرأ (سالَ سَائِلٌ بَعَذَابٍ وَاقِعٍ) وروي " تَسْألاني الطلاق " فلا شاهد فيه، وقوله " قد جئتماني بنكر " التفات من الغيبة إلى الخطاب، والنُّكر - بالضم - الأمر القبيح، وروى أيضاً:
سَالَتَانِي الطَّلاَقَ أنْ رَأَتَانِي * قَلَّ مَالِي قَدْ جِئْتُمَانِي بِنُكْر وهما من أبيات قد شرحناها مفصلة مع ترجمة قائلها، والاختلاف فيه، في الشهر الشاهد الثامن والسبعين بعد الأربعمائة من شواهد شرح الكفاية وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من البسيط) ١٦٤ - سَاْلتْ هذيل رسول الله فاحشة * ضلت هُذَيْلٌ بِمَا قَالَتْ وَلَمْ تُصِبِ
стр. 1369
لما تقدم قبله، وتقدم نقل كلام سيبويه فيه قال المبرد في الكامل: " وأما قول حسان: سالت هذيل، فليس من لغته سِلْتُ أسَالُ مثل خِفْتُ أخاف، وهما يتساولان، هذا من لغة غيره، وكانت هذيل سألت رسول الله ﷺ أن يحل لها الزنا، ويروى أن أسَدِيّاً وهُذَلِيّاً تفاخراً فرضيا برجل، فقال: إني ما أقضي بينكما إلا على أن تجعلا لي عَقْداً وثيقاً أن لا تضرباني ولا تشتماني، فإني لست في بلاد قومي، ففعلا، فقال: يا أخا بني أسد، كيف تفاخر العرب وأنت تعلم أنه ليس حى أحب إلى الجيش ولا أبغض إلى الضيف ولا أقل تحت الرايات منكم؟ وأما أنت يا أخا هذيل فكيف تظلم الناس وفيكم خلال ثلاث: كان منكم دليل الحبشة على الكعبة، ومنكم خَوْلَة ذات النَّحْيَيْن، وسألتم رسول الله ﷺ أن يحل لكم الزنا، ولكن إذا أردتم بيتي مضر فعليكم بهذين الحيين من تميم وقيس، قوما في غير حفظ الله " انتهى.
وفي الروض الأنف للسُّهَيْلي: " قوله: سالت هذيل، ليس على تسهيل الهمزة، ولكنها لغة، بدليل قولهم: تسايل القوم، ولو كان تسهيلاً لكانت الهمزة بين بين، ولم يستقم وزن الشعر بها، لأنها كالمتحركة، وقد تقلب ألفاً ساكنة كما
قالوا: المِنْساة، لكنه شئ لا يقاس عليه، وإذا كانت سال لغة في سأل فيلزم أن يكون المضارع يسيل، ولكن حكى يونس سِلْتَ تَسَألُ مثل خِفْتَ تخاف، وهو عنده من ذوات وقال الزجاج: الرجلان يتسايلان، وقال النحاس والمبرد: يتساولان، وهو مثل ما حكى يونس وقال صاحب مختصر أسد الغابة: إن أبا كبير الهذلي الشاعر أسلم، ثم أتى النبي ﷺ ، فقال: أحِلَّ لي الزنا، فقال: أتحب أن يؤتى إليك مثل ذلك؟ قال: لا، قال: فارض للناس ما ترضى لنفسك، قال: فادع الله أن يذهب ذلك عني، وقال حسان يذكر ذلك:
стр. 1370
سالت هذيل رسول الله فاحشة * ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بِمَا سَالَتْ وَلَمْ تُصِبِ سَالُوا رَسُولَهُمُ مَا لَيْسَ مُعْطِيَهُمْ * حَتَّى الْمَمَاتِ وَكَانُوا سُبَّةَ الْعَرَبِ انتهى.
وزاد ابن هشام في السيرة بعدهما بيتين آخرين، وهما: وَلَنْ تَرَى لِهُذَيْلٍ دَاعِياً أبَداً * يَدْعُو لِمَكْرُمَةٍ عَنْ مَنْزِلِ الْحَرْبِ لَقَدْ أرداوا الْفُحْشِ وَيْحَهُمُ * وَأنْ يُحَلُّوا حَرَاماً ما كَانَ فِي الْكُتُبِ وأنشد بعده - وهو الشاهد الخامس والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الوافر) ١٦٥ - وَكُنْتَ أذَلَّ مِنْ وَتِدٍ بِقَاعٍ * يُشَجِّجُ رَأْسَهُ بِالْفِهْرِ وَاجِي على أن أصله واجِئ - بالهمز - فقلبت الهمزة ياء لضرورة الشعر عند سيبويه كما تقدم نصه واعترض عليه الشارح المحقق تبعاً لابن الحاجب بأن هذا القلب جائز في الوقف قياساً، والقلب في مثله إنما يكون ضرورة لو كان في غير الوقف
واعتراض ابن الحاجب في شرح المفصل، قال: " وأصله واجئ، فقلبت الهمزة ياء، وقد أنشده سيبويه أيضاً على ذلك، وهو عندي وَهَمٌ، فإن هذه الهمزة موقوف عليها، فالوجه أن تسكن لأجل الوقف، وإذا سكنت جرها حركة ما قبلها، فيجب أن تقلب ياء، فليس لإيرادهم لها فيما خرج عن القياس من إبدال الهمزة حرف لين وجه مستقيم، وقد اعْتُذِرَ لهم عن ذلك بأن القصيدة مطلقة بالياء، وياء الإطلاق لا تكون مبدلة عن همزة، لأن المبدل عن الهمزة في حكم الهمزة، فجلعها ياء الإطلاق ضرورة، فصح إيرادهم لها فيما خرج عن القياس في قلب الهمزة حرف لين، والجواب أن ذلك لا يدفع كون التخفيف ياء جائزاً على القياس،