← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 21567

شرح شافية ابن الحاجب - الرضي الأستراباذي

الرضي الأستراباذي

Полный текст (1 542 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

السلاح، كرهوا اجتماع المثلين فأبدلوا الآخر منهما ياء وأعلوه إعلال قاضٍ، ومن ضم الكاف ففيه قولان أيضاً: أحدهما أن أصله شَوِك - بكسر الواو - قلبت ألفاً، وقيل: أصله شائك، فحذفت الهمزة كما قالوا: جُرُفٌ هارٌ - بضم الراء - وفيه لغة ثالثة لا تجوز في هذا البيت، وهي شاكُّ - بتشديد الكاف - وهذا مشتق من الشِّكَّة لا غير و " معلم " اسم فاعل من أعلم نفسه في الحرب بعلامة: أي شهر نفسه بها ليعرف، والأغر: اسم فرسه، ومعناه الفرس الذي له غرة، والنَّثرة - بفتح النون -: الدرع السابغة، وكذلك الزغف - بفتح الزاي وسكون الغين المعجمتين - ومنه يقال: زغف في الحديث، إذا زاد فيه، وقيل: هي اللينة الْمَجَسَّة، وأُسيْد والْهُجَيْم - بتصغيرهما - ومازن: قبائل من تميم، وخضم - بفتح الخاء وتشديد الضاد المعجمتين -: لقب لبني العنبر بن عمرو بن تميم وسبب هذا الشعر على ما رواه المفضل بن سلمة في الفاخر ومحمد بن حبيب في كتاب المقتولين، وابن عبد ربه في العقد الفريد. قالوا: كانت سوق عكاظ يتوافَوْن بها من كل جهة، ولا يأتيها أحد إلا ببرقُع، ويعتم على برقُعه خشية أن يؤسر فيكثر فداؤه، فكان أول عربي استقبح ذلك وكشف القناع طريف ابن تميم العنبريِّ لَمَّا رآهم يتطلعون في وجهه ويتفرسون في شمائله، قال: قبح الله من وطن نفسه على الاسر، وأنشد يقول: أو كلما وردت ... الابيات وقال أبو عبيدة مَعْمَرُ بن المثنى: كانت الفرسان إذا وردت عكاظ في الأشهر الحرم أمن بعضهم بعضاً فتلثموا أو تقنعوا، لئلا تعرف فيقصد إليها في الحرب، وكان طريف بن تميم لا يتقنع مكا يتقنعون، فوافى عكاظ - وقد حشدت بكر بن وائل، وكان طريف قبل ذلك قتل شُراحيل أحد بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان

стр. 1402

ابن ثعلبة، فقال حَمَصِيصَة أحد بني شيبان: أرُوني طريفاً، فأروه إياه، فجعل كلما مر به طريف تأمله ونظر إليه حتى فطن له طريف فقال: مالك تنظر، قال: أتوسمك لأعرفك فإن لقيتك في حرب فلله عليَّ أن أقتلك إلا أن تقتلني، فقال طريف في ذلك: أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... الابيات فمضت مدة، ثم إن عائذة - وهم يقولون: إنهم من قريش يقال لها: عائذة بن لؤي بن غالب، وهم حلفاء لبني أبي ربيعة - خرج منهم رجلان يتصيدان فعرض لهما رجل من بني شيبان فذَعَرَ صيداً لهما فقتلاه، فتنادتْ بنو مُرِّ بن ذُهْل فأرادوا قتلهما بصاحبهم، فمنعهم بنو أبي ربيعة، فقال هانئ بن مسعود: يا بني أبي ربيعة إن إخوتكم قد أرادوا ظلمكم فامتازوا عنهم، فاعتزلتهم بنو أبي ربيعة وساروا حتى نزلوا ماء لهم يقال له: مبائض، فلما نزلوه هَرَب عبد منهم فأتى بلاد تميم فأخبرهم أن حيّاً جريداً من بني بكر بن وائل قد نزلوا على مبائض وهم بنو أبي ربيعة، فقال: طريف هؤلاء من كنت أبغي، إنما هم أكلة رأس، وهو أول من قال هذا المثل، يراد بذلك القلة، أي: عدتهم عدة يسيرة رأس يشبعها، فأقبل طريف في بني عمرو بن تميم واستغزى قبائل من بني تميم فأقبلوا متساندين وتقاتلوا وتشاغلت تميم بالغنائم، وأقبل حَمصِيصَة بن جندل وليس له هَمٌّ غير طريف، فلما رآه طعنه فقلته فانهزمت بنو تميم، وقال حمصيصة يرد على طريف: (من الكامل) وَلَقَدْ دَعَوْتَ، طَرِيفُ، دَعْوَةَ جَاهِلٍ * سَفَهَاً وَأنْتِ بِمَنْظَرٍ قَدْ تَعْلَمُ فَأَتَيْتَ حَيّاً فِي الْحُرُوبِ مَحِلُّهُمْ * وَالْجَيْش باسْمِ أَبِيهِمُ يُسْتَهْزَمُ فَوَجَدْتَ قَوْماً يَمْنَعُونَ ذِمَارَهُمْ * بُسُلاَ إذَا هَابَ الْفَوَارِسُ أُقْدَمُوا

стр. 1403

وَإذَا دَعَوْتُ بَنِي رَبِيعَةَ أقْبَلُوا * بِكَتَائِبٍ دُونَ النِّسَاءِ تَلَمْلَمُ سَلَبُوكَ درعا والاغر كليهما * وبنو أُسَيْدٍ أسْلَمُوكَ وَخَضَّمُ وطريف بن تميم شاعر فارس جاهلي، وقيل: هو ابن عمرو، والعنبر: قبيلة من بني تميم. وأنشد بعده - وهو الشاهد السادس والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الرجز) ١٧٦ - وَكَحَّلَ الْعَيْنَيْنِ بِالْعَوَاوِرِ عَلَى أن أصله العواوير فحذفت الياء ضرورة وبقيت كسرتها دليلاً عليها. قال الأعلم: " الشاهد فيه تصحيح واو العواور الثانية، لأنه ينوي الياء المحذوفة والواو إذا وقعت في هذا الموضع لم تهمز لبعدها من الطريف الذي هو أحق بالتغيير والاعتلال، ولو لم تكن فيه ياء منوية للزم همزها، كما قالوا في جمع أوَّل: أوائل، والأصل أواول، والعواوير، جمع عُوَّار، وهو وجع العين، وهو أيضاً ما يسقط في العين، وجَعَلَ ذلك كُحْلاً للعين على الاستعارة " انتهى. والبيت من رجز لجندل بن المثنى الطُّهَوِيّ وقبله: غَرَّكِ أنْ تَقَارَبَتْ أبَاعِرِي * وَأنْ رَأَيْتِ الدَّهْرَ ذَا الدوائر حنى عِظَامِي وَأُرَاهُ ثَاغِرِي * وَكَحَّلَ الْعَيْنَيْنِ بِالْعَوَاوِرِ قال ابن السيرافي: " خاطب امرأته وأراد أنه ترك السفر لكبره، وقوله: تقاربت أبا عرى، يريد أنه ترك السفر والرحلة إلى الملوك فإبله مجتمعة لا يفارق بعضها بعضاً " ورد عليه أبو محمد الأعرابي في فرحة الأديب بأنه غلط، وإنما معناه قلّت: يعني من قلتها قَرُبَ بعضها من بعض، وقال العيني: " معناه قربت من

стр. 1404

الدناءة، من قولك: شئ مُقَارِبٌ، إذا كان دوناً، وكذلك رجل مقارب " انتهى. وقوله " غركِ " بكسر الكاف، وهو من قولهم: ما غرك بفلان غرّاً، من باب قتل: أي اجترأت عليه؟ فيكون التقدير هنا غرك بي، و " أن تقاربت " و " أن رأيت " فاعله، ويمكن أن يكون من قولهم غَرَّته الدنيا، من باب قَعَد: أي خدعته بزينتها. فهي غَرُور، مثل رَسول، ولا يجوز أن يكون من قولهم: غر الشخصُ يغِر من باب ضرب غَرارة - بالفتح - فهو غار، وغِر - بالكسر -: أي جاهل بالأمور غافل عنها، لأنه فعل لازم، و " أباعر " جمع بعير، قال الأزهري: " البعير مثل الإنسان يقع على الذكر والأنثى، يقال: حَلَبْتُ بعيري، والجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة، والبكر والبَكْرَة، مثل الفتى والفتاة، والقَلُوص كالجارية، هكذا حكاه جماعة منهم ابن السِّكَّيت، وهذا كلام العرب، ولكن لا يعرفه إلا خواص أهل العلم باللغة " وكذا قال ابن جني والدوائر: جمع دائرة وهي المصيبة والنائبة، و " ذا " صفة الدهر، والرؤية بصرية، وجملة " حتى عظامي " حال من الدهر، وحنيت الشئ: عطفته وأملته، و " عظامي " مفعول حنى، وقوله " وأراه ثاغري " أرى بالبناء للمفعول من أراني الله زيداً فاضلاً، يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، فلما بني للمفعول ناب المفعول الأول - وهو هنا ضمير المتكلم - مناب الفاعل، والهاء من أراه ضمير الدهر هو المفعول الثاني، و " ثاغري " المفعول الثالث، هذا هو الأصل، ولكن غلب على استعمال المبني للمفعول بمعنى الظن، وثاغري - بالثاء المثلثة والغين المعجمة - مضاف إلى الياء، قال الجوهري: ثغَرْتُه: أي كسرت ثغره، وفي المصباح: الثَّغْر: الْمَبْسَم، ثم أطلق على الثنايا، وإذا كسر ثغر الصبي قيل: ثُغِرَ ثغوراً، بالبناء للمفعول، وثَغَرْتُه أثْغَرُهُ - من باب نفع - كسرته، وإذا نبتت

стр. 1405

بعد السقوط قيل: أثْغَر إثغاراً مثل أكرم إكراماً، وإذا ألقى أسنانه قيل: اثَّغَرَ - على افتعل - قاله ابن فارس، وبعضهم يقول إذا نبتت أسنانه: قيل اثَّغَر - بالتشديد - وقال أبو زيد: ثُغِر الصبي بالبناء للمفعول يُثْغَرُ ثَغْراً، وهو مثغور، إذا سقط ثغره، وكَحَلْتُ عينه كَحْلاً - من باب قتل -: أي جعلت فيها الكحل، وأما كَحِلتْ عينُه كَحَلاً - من باب تَعِب - فهو سواد يعلو جفونها خِلقة، والرجل أكْحَل والمرأة كَحْلاء، وجملة " كحَّل " معطوفة على جملة " حَنَى عظامي " ورواه أبو محمد الأعرابي: " وكَاحِلَ " فيكون معطوفاً على ثاغري، والأول أولى، لأنه يصف عجزه وضعف بصره، والعُوَّار - بضم العين المهملة وتشديد الواو - قال الجوهري: هو القَذى في العين، وفان ابن جني: هو الرمد، وقيل: الرمد الشديد، وقيل: هو وخز يجده الإنسان في عينه، يريد أن الدهر جعل في عينيه القذى والرمد بدل الكحل وجَنْدَل الطُّهَوِي: قال أبو عبيد البكري في شرح أمالي القالي: هو شاعر راجز إسلامي مُهاجٍ للراعي، وجندلٌ من بني تميم، وطُهَيَّة هي بنت عبد شمس بن سعد بن زيد بن تميم غلب نسبة أولادها إليها. وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع والسبعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الرجز) ١٧٧ - فِيهَا عَيَأئِيلُ أسُودٍ وَنُمُرْ على أن أصله عيائل بهمزة مكسورة، والياء حصلت من إشباع كسرتها لضرورة الشعر كياء الصياريف (١) ، فَلَمْ يُعْتَدّ بها فصارت الياء بعد الالف

стр. 1406

في الحكم مجاورة للطرف فهمزت لذلك، كذا في المفصل وشروحه وقال السخاوي في سفر السعادة: " والياء الثانية في عيائيل مثل ياء الصياريف للإشباع، لأنه جمع عَيِّل، وإنما يجمع عَيِّل على عيائل، فلهذا يهمز ولا يعتد بياء الإشباع، وتكون الياء فيه كأنها قد وَلِيت الطرف، ومن جعل عياييل جمع عَيَّالٍ من عال يَعِيل، إذا تمايل في مشيه، كما قال في وصف الأسد: (من البسيط) * كَالْمَرْزُبَانِيِّ عَيَّالٍ بِآصَالِ * فالياء على هذا التقدير بعيدة من الطرف، لأن الياء الثانية ليست للإشباع فلا تهمز. فإن قيل: فكيف جمع عَيَّالاً على عياييل؟ قيل: لأن فعّالاً مُؤَاخٍ لفَعُّول وفِعِّيل، وهما يجمعان على فعاعيل، والمؤاخاة من أجل وقوع حرف اللين في الثلاثة بين العين واللام " انتهى. وبهذا فسره ابن السيرافي في شرح أبيات سيبويه، قال: " العيال المتبختر وجمعه عياييل " وكذا في شرحها للأعلم، قال: " العياييل جمع عَيّال، وهو الذي يتمايل في مشيه لعباً أو تبختراً، يقال: عال في مشيه يعيل، إذا تبختر ". وتبعهما ابن بري في حواشي الصحاح. وحمل الصاغاني في العباب ما في البيت على الأول قال: " وعِيال الرجل: من يعوله، وواحد العيال عَيِّل، والجمع عيائل، مثل جيد وجياد وجيائد، وقد جاء عيائيل كما في البيت " وقال ابن السيرافي: " كأنه قال فيها متبخترات أسود، ولم يجعلها جمع عَيِّل، لكن جعلها جمع عيال - بالفتح والتشديد - " انتهى. وخبط الأندلسيُّ في شرح المفصل خبط عشواء قال: " روى أبو عثمان قال:

стр. 1407

سمعت الأصمعي يقول في جمع عَيِّل - بكسر العين - وهو المتبختر: عيائيل، وهو من عال يعيل، إذا افتقر " انتهى وكتب عليه: " عَيْلٌ: بكسر العين الملفوظ بها عيناً المكتوبة صورتها خطاً، ولعله أراد بها عين اللفظ التي هي ياء " هذا كلامه. وقد نسب إليه شيئاً ولم يقله، وإنما قال أبو عثمان المازني في تصريفه ما نصه: " وكذلك إذا جمعت سيِّداً وعَيِّلاً (على هذا المثال (١)) قلت: عيائل وسيائد، شبهوا هذا بأوائل، وسألت الأصمعي عن عيِّل كيف تُكَسِّره العرب؟ فقال: عيائل، يهمزون كما يهمزون في الواوين " انتهى كلامه. وأنت ترى انه لم يقيد عَيِّلاً بكسر أوله، ولم يقل: إنه بمعنى المتبختر، وكذا أورده ابن جني في شرحه عَيِّل وعيائل، والكسر في عَيِّل إنما هو في الياء المشددة، والذى هو بمعنى المتبختر إنما هو العيَّال، وكذا لم يصب صدر الأفاضل على ما نقل عنه بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل في قوله: عيائيل، تكسير، والمراد به المتبختر، وقول الأندلسي: إنه من عال يعيل إذا افتقر لا يصح، لأن المتبختر بعيد من المفتقر، وكان الواجب أن يقول: من عال يَعِيل إذا تبختر، أو من عال الفرس يَعِيل إذا تكفَّأ في مشيه وتمايل، فهو فرس عَيَّال، وذلك لكرمه، وكذلك الرجل إذا تبختر في مشيه وتمايل، وقد زاد في الطُّنْبُور نَغْمَةً أبو محمد الأعرابي في فرحة الأديب: " صحف ابن السيرافي في قوله: عيائيل إنه بالعين غير المعجمة، فكذب، والصواب غياييل - بالغين المعجمة - جَمْعُ غِيْل على غير قياس " انتهى. وهذه مجازفة منه، فإن الأئمة الثقاتِ نقلوا كما قال ابن السيرافي، وهو تابع

стр. 1408

لهم فيه، ولم يختلفوا فيه، وإنما اختلفوا في مفرده هل هو عَيِّل أم عَيَّال؟ وحمله على أنه جمع غِيل - بكسر المعجمة - وهي الأجمة لم يرد، ولم يقل به أحد هذا، وقد أورد سيبويه في باب جمع التكسير فيما كان على ثلاثة أحرف وتحركت جميع حروفه، أنشده وقال: " فعل به ما فعل بالأسد حين قالوا: أُسْد " قال الأعلم: " الشاهد فيه جمع نَمِر على نمر كما جمع أَسَدٌ على أُسْدٍ، لأنهما متساويان في عدد الحروف وتحرك جميعها، وحَرَّكَ الميم بالضم إتباعاً للنون في الوقف " انتهى. وحمله الجوهري على أنه مخفف من نمور، وصحف عيائيل بتماثيل، قال: " النَّمر سبع، والجمع نمور، وقد جاء في الشعر نُمَر وهو شاذ، ولعله مقصور منه، قال: * فِيهَا تَمَاثِيلُ أسُودٍ وَنُمُرْ * " وقد نبّه على تصحيفه ابن بري في أماليه، والمشهور أن أُسوداً وما بعده بالرفع، قال الأعلم: والاسود بدل من عيائيل وتبين لها، قال ابن السيرافي: والذي في شعره أسودٍ مجرورةً بإضافة عيائيل إليه، وقال صدر الأفاضل: " أسودٌ بالرفع عطف بيان لعيائيل، ويروى بالجر بإضافة عيائيل إليه إضافة بيان، وقال العيني: هو من إضافة الصفة إلى موصوفها على قول ابن السيرافي وأقول: هذا جميعه على تقدير عياييل جمع عَيَّال بمعنى المتبختر، ويلزم منه أن يكون عياييل بياءين دون همز، كما تقدم عن سفر السعادة، وأما على قول من جعله جمع عَيِّل واحد العِيَال فالمراد به أولاد الأسُود والنمور إن روي بجر ما بعد عيائيل. وإن روي بالرفع فالمراد بعيائيل نفس الأسُود والنمور، وفيه ركاكة لا تخفى، والجر هي الرواية الجيدة، والأجمة إذا كان فيها أولادها تكون أحمى من غيرها، وضمير " فيها عيائيل " راجع إلى " أشِب الغيطان " في بيت

стр. 1409

قبله، وروي أيضاً " فيه عيائيل " بتذكير الضمير على أنه راجع إلى أشِب والبيت من رجز لحكيم بن معية من بني تميم، وهو: أحْمِي قَنَاةً صُلْبَةً مَا تَنْكَسِرْ * صَمَّاءَ تَمَّتْ في نِيَافٍ مُشْمَخِرْ حُفَّتْ بِأَطْوَادٍ عِظَامٍ وَسَمُرْ * في أشِبِ الغيطان مُلْتَفّ الْحَظِرْ فِيهَا عَيَائِيلُ أسُودٌ وَنُمُرْ * خَطَّارَةٌ تُدْمِي خَيَاشِيمَ النَّعِرْ إذَا الثِّقَافُ عَضَّهَا لَمْ تَنْأطِرْ وكأن هذه الأبيات لم تبلغ الأعلم، زعم أن ضمير " فيها " لفلاة، قال: " وصف فلاة كثرت السباع فيها " هذا كلامه، وقال ابن السيرافي: وصف قناة نبتت في موضع محفوف بالجبال والشجر، وقد أطال لسانه عليه أبو محمد الأعرابي، فقال: قوله " وصف قناة " يُهَوَّس الإنسان فيتوهم أنه أراد بالقناة رُمْحاً طعن به، وإنما المراد بالقناة هنا العزة القساء والشرف العَرْد وأقول: هذا بعيد من معنى الشعر، غير دال عليه، وجميع ألفاظه أولى بالدلالة على ما ذكره ابن السيرافي وغيره من العلماء و " أحْمِي " من حَمَيْت المكان من الناس حَمْياً من باب رمي، وحِمْيَة - بالكسر - إذا منعته عنهم، والحماية: اسم منه، وأما على قول أبي محمد فهو من حَمَيْت القوم حماية، إذا نصرتهم، والقناة: الرمح، والصلبة - بالضم -: وصف من صلب الشئ - بالضم - صلابة إذا اشتد وقوي، فهو صُلْب وهي صُلْبة، والصَّماء: التي جوفها غير فارغ، وتمت: كملت واستوت في منبته، وقوله " في نياف " أي: في جبل نياف، والنياف - بكسر النون -: العالي المرتفع، قال صاحب العباب: وجمل نِيَاف وناقة نياف: أي طويل وطويلة في ارتفاع، والأصل نِوَاف، وكذلك جبل نياف، ومشمخر: اسم فاعل من اشْمَخَرَّ اشْمِخْرَاراً: أي ارتفع وعلا،

стр. 1410

وقوله " حُفَّت - إلخ " قال ابن السيرافي: " يريد حُفَّ موضع هذه القناة التي نبتت فيه بأطواد الجبال، الواحد طَوْدٌ، والسَّمُر - بفتح فضم -: جمع سَمُرة، وهي شجرة عظيمة، والأشِب - بفتح الهمزة وكسر الشين -: الموضع الملتف الذي يتداخل حتى لا يمكن أن يُدْخل فيه إلا بشدة، والغيطان: جمع غائط، وهو المنخفض من الأرض، والْحَظِر - بفتح المهملة وكسر المعجمة -: الموضع الذي حوله الشجر مثل الحظيرة، وقوله " فيه " أي: في هذا الموضع أسود تقيل تذهب وتجئ فيه وتتبختر " انتهى كلام ابن السيرافي وقال العيني: الْحُظُر - بضمتين -: جمع حَظِيرَة، وقوله " خَطَّارَة " أي: تلك الأسُود والنمر خَطَّارة من خَطَر يخطُر - من باب نصر - خَطَرَاناً، إذا اهتز في المشي وتبختر، وتدمى: مضارع أدماه، أي: أخرج دَمَه بالجرح، والنَّعِر - بفتح النون وكسر العين المهملة -: المتكبر، والثَّقاف - بكسر المثلثة -: ما تُسَوَّى به الرماح، وثَقَّفْتُ الرماح تثقيفاً، إذا سويتها، وتنأطر: مطاوع أطَرْتُه: أي حنيته وثنيته وحُكَيْم بن مُعَيَّة راجز إسلامي معاصر للعجاج وحُمَيدٍ الأرقط، ومُعَيَّة: مصغر معاوية وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن والسبعون بعد المائة -: (من الطويل) ١٧٨ - * فَمَا أرَّقَ النُّيَّامَ إلاَّ سَلاَمُهَا * على أن النُّيَّام أشذُّ من صُيَّم، لأن ألف فُعَّال لما حجزت بين العين واللام قَوِيت العين، فلم يجز قلبها، وصُوَّم لما كان مع قرب واوه من الطرف الْوَجْهُ فيه التصحيح كان التصحيح إذا تباعدت الواو من الطرف لا يجوز غيره قال ابن جني في شرح تصريف المازني: " وقد جاء حرف شاذ، وهو قولهم:

стр. 1411

فلان في صُيَّابة قومه، يريدون صُوَّابة: أي في صميمهم وخالصهم، وهو من صَابَ يَصُوب، إذا نزل، كأن عِرْقه فيهم قد ساخ وتمكن، وقياسه التصحيح، ولكن هذا مِمَّا هُرب فيه من الواو إلى الياء لثقل الواو، وليس ذلك بعلة، وأنشد ابن الأعرابي: ألاَ طَرَقَتْنَا مَيَّةُ ابْنَةُ مُنْذِرٍ * فَمَا أرَّق النُّيَّامَ إلاَّ سَلاَمُهَا وقال: أنشدنيه أبو الغمر هكذا بالياء، وهو شاذ " انتهى وقوله " أنشدنيه أبو الغَمْر " هو أبو الغَمْر الكلابي، وفي مثله يحتمل أن يكون أنشده لنفسه وأن يكون أنشده لغيره، وجزم العينى بأنه لو، وهو خلاف الصواب، فإن البيت من قصيدة لذي الرمة، والرواية في ديوانه كذا: ألاَ خَيَّلَتْ مَيُّ وَقَدْ نَامَ صُحْبَتِي * فمَا أرَّقَ النُّيَّامَ إلاَّ سَلاَمُهَا وروي أيضاً: * فَمَا نَفَّرَ التَّهْوِيمَ إلا سلامها * وهذا لا شاهد فيه، وبعده: طُرُوقاً وَجِلْبُ الرَّحْلِ مَشْدُودَةٌ بِهِ * سَفِينَةُ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمَامُهَا أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ * قَلِيلٍ بِهَا الأصْوَاتُ إلاَّ بُغَامُهَا وقوله " ألا خيلت ميّ " أي بَعَثَت خيالها، ومية: معشوقة ذي الرمة، وأرَّقهُ تأريقاً: أسهره، والنُّيَّام: جمع نائم، ونَفَّرَه تنفيراً: شَرَّدَهُ تشريداً، والتهويم: هَزُّ الرأس من النعاس، والسلام: التحية، والطروق، المجئ في الليل، وجِلْبُ الرحل - بكسر الجيم وسكون اللام -: خشبة، وأراد بسفينة البر الناقة، وقوله " أنيخت فألقت إلخ " هذا البيت شرحناه في باب الاستثناء من أبيات شرح الكافية قال بعض فضلاء العجم: " قوله: ألا طرقتنا - إلخ، يجوز أن يريد بطروقها

стр. 1412

طروق خيالها، فإنهم يقيمون الخيال مقام صاحبته، واستيقاظُهُمْ بسلام الخيال لاستعظامهم إياه، والحمل على ظاهره من إتيانها نفسها ظاهر " انتهى كلامه وقد ظهر لك من الرواية الأخرى أن الطارق خيالها، لا هي، وروى العيني " كلامها " بدل سلامها، وهذا بعيد ساقط. وأنشد الجاربردي هنا - وهو الشاهد التاسع والسبعون بعد المائة -: (من الطويل) ١٧٩ - وَكُنْتُ إذَا جَاري دَعَا لِمَضُوفَةٍ * أشمِّرُ حَتَّى يَنْصُفَ السَّاقَ مِئْزَرِي على أن مَضُوفَة شاذ قال المازني في التصريف الملوكي (١) : أصلها مَضْيُفَة، فنقلت الضمة إلى الضاد فانقلبت الياء واواً لسكونها وانضمام ما قبلها، وهو حرف شاذ، لا يعلم له نظير، فينبغي أن لا يقاس عليه وقال الزمخشري في المفصل: وَالْمَضُوفة كالْقَوَد والْقُصْوَى عند سيبويه، وعند الأخفش قياس قال ابن يعيش: " في مضوفة تَقْوية لمذهب أبي الحسن الأخفش، لأنه جاء على قياسه، وعند سيبويه شاذ في القياس والاستعمال، كالشذوذ في القَوَد والْقُصْوى، والقياس مَضِيفَة، والْقَادُ كباب، والْقُصْيا كالدنيا، ومَضُوفة هنا من ضِفْتُ إذا نزلت عنده ضيفاً، والمراد بالْمَضُوفة ما ينزل من حوادث الدهر

стр. 1413

ونوائب الزمان: أي إذا جاري دعاني لهذا الأمر شَمَّرْت عن ساقي وقمت في نصرته " انتهى. وقال الزمخشري في مناهيه على المفصل: هي من ضَافَ يَضيف، إذا مال والتجأ، وأضافه ألجاه، وفلان يحمي الْمُضَاف: أي الْمُلْجأ والْمُحْرَج، وقال الأصمعي: أضَفْتُ من الأمر: أي أشفقت وَحذِرْت، ومنه المضوفة، وهو الأمر يشفق منه، كقوله: * وكنت إذا جاري ... البين * وفلان يُضِيف من كذا أي يشفق، والإضافة: الشفقة قال أبو سعيد: والبيت يروى عن ثلاثة أوجه: الْمَضُوفة، وَالْمَضِيفة، والْمُضَافَة، وكل من تكلم على هذه الكلمة جعلها يائية، إلا الصاغاني، فإنه نظر إلى ظاهر فجعلها واوية، قال في مادة (ض وف) : المضوفة الهم، ويقال بي إليك مضوفة: أي حاجة، وأنشد البيت، ولم يذكر هذه المادة غيرها، فإن ثبت أنها واوية فهي على القياس كَمَقُولَة، من القول والبيت من أبيات لأبي جندَب بن مُرَّة الهذلي الجاهلي أخي أبي خِراش الهذلي الصحابي، وهي: ألاَ أبْلِغَا سَعْدُ بْنَ لَيْثٍ وَجُنْدَبا * وَكَلْباً أُثِيبُوا الْمَنَّ غَيْر المُكَدَّرِ وَنَهْنَهْتُ أُولَى الْقَوْمِ عَنْكُمْ بِضَرْبَةٍ * تَنَفَّسَ منها كل حشيان مجحر وَكُنْتُ إذَا جَارٌ دَعَا لِمَضُوفَةٍ * أُشَمِّرُ حَتَّى يَنْصُفَ السَّاقَ مِئْزَرِي فَلا تَحْسَبَنْ جَارِي لَدَى ظِلِّ مَرْخَةٍ * وَلاَ تَحْسَبَنْهُ فقعْ قَاعٍ بِقْرْقَرِ وَلَكِنَّنِي جَمْرُ الْغَضَا مِنْ وَرَائِهِ * يُخَفِّرُنِي سَيْفِي إذَا لَمْ أخَفّرِ أبَى النَّاسُ إلاَّ الشَّرَّ منى فذرهم * وإياى ما جاءوا إليَّ بِمُنْكَرِ

стр. 1414

قوله " أُثيبوا " من الإثابة، وهي إعطاء الثواب، يقال: أثابه، أي جازاه وكافأه، والمن: الإنعام، ونَهْنَهْتُ: كففت، وأُولي الناس: أي الجماعة المتقدمة، والْحَشْيَان - بفتح المهملة -: الذي قد حُشِيَ جوفه من خوف العدو، والمحجر: المنهزم، وهو اسم مفعول من أجحرته - بتقديم الجيم على الحاء المهملة - أي: ألجأته إلى أن دخل جحره: أي تنفس من ضربتي الذي كان لا يقدر أن يتنفس وقوله " وكنت إذا جارٌ " كذا في شعره بالتنكير، وهو أفخر، ونصف الشئ ينصفُه - من باب نصر - إذا بلغ نِصْفَه، والساقَ: مفعول مقدم، ومئزري: فاعل مؤخر، يقول: إذا دعاني جار للأمر الشاق الذي نزل به شَمَّرت حتى يصل مئزري إلى نصف ساقي، جعله مثلاً لاجتهاده في كف ما دعاه جاره إليه، قوله " فلا تَحْسَبَنْ " بنون التوكيد الخفيفة، والْمَرْخة - بالخاء المعجمة -: شجرة صغيرة لا تمنع من لاذ بها، والْفَقْع - بفتح الفاء وسكون القاف -: ضَرْب ردئ من الكماة، أي لا يمتنع على من أراده، والقَرْقَر: الصلب، أي: لا تحسبه كالكمأة التي توطأ وتؤخذ ليس عليها ستر فلا شئ أذل منها، وفي شرح إصلاح المنطق: " يقولون: هَذَا فَقْعُ قَرْقَرة، الفَقْعُ - بفتح الفاء وكسرها -: الكَمْأة الابيض، روا أبو زيد والأحمر، والقَرْقَرَة: الأرض الملساء المستوية، وقيل: القاع من الأرض ويقال للذليل: فقع قرقرة، أي أنه بمنزلة الكمء النابت في السهل، فكلما وطئته الْقَدَم شَدَخَتْه، وإذا نبت في دكادك الرمل لم تكد القدم تأخذه " انتهى وقوله " إلا الشر مني " ويروى " منهم " وما: مصدرية ظرفية وأنشد أيضاً بعده - وهو الشاهد الثمانون بعد المائة -: (من الطويل) ١٨٠ - تَبَيَّنَ لي أنَ الْقَمَاءَةَ ذِلَّةٌ * وَأنَّ أعِزَّاءَ الرِّجَالِ طِيالُهَا على أن " طيالها " شاذ قياساً واستعمالاً، والقياس طِوَالَها، وهو الكثير

стр. 1415

المستعمل، وقوله " لصحتها في المفرد " ليس كذلك، بل لتحركها فيه، ولو كانت ساكنة لأُعِلَّت، ولو كانت صحة العين في المفرد سبباً لصحتها في الجمع لما أعل نحو حِيَاض وثياب وسياط. والقماءة - بفتح القاف والمد -: مصدر قَمُؤ الرجل - بضم الميم مهموز اللام - أي: صار قميئاً، على وزن فعيل، وهو الصغير الذليل، ويقال: قَمَاء أيضاً، بدون الهاء على وزن فَعَال وفَعَالة، كذا في الصحاح في نسخة صحيحة، ولم يورد ابن ولاَّد في المقصور والممدود إلا فَعَالَة، قال: " والقماءة: الذل والمهانة، يقال: قَمُؤ فهو قمئ بين القماءة " انتهى. وذكر أبو بكر بن الأنباري في كتاب المقصور والممدود همزة على فَعَل - بفتحتين -، وأورده مع سبأٍ ونبأٍ، ومده على فعالة، قال: والْقَمَأ من القماءة، قال الشاعر: * تَبَيَّنَ لِي أنَّ الْقَمَاءَةَ ذِلَّةٌ ... البيت * ونقله عنه القالي في كتاب المقصور والممدود، قال: باب ما جاء من المقصور المهموز على مثال فَعَل من الأسماء والصفات، وعدّد أمثلة إلى أن قال: والْقَمَأ من القماءة، وهو الصغير، كذا قال أبو بكر بن الانباري على فعل، قال الشاعر: * تَبَيَّنَ لِي أنَّ الْقَمَاءَةَ ذِلَّةٌ ... البيت * وقال أبو زيد: " قَمُؤَ الرجل قماءة، إذا صغر، وقمأت الماشية قموا وقمئا وقموءة وقمؤت قَمَاءة، إذا سمنت " انتهى. فمصدر قمؤ الرجل على كلام أبي زيد فَعَالة، ومصدر قَمَأَت الماشية - بفتح الميم - فعول وفعولة - بضم وفعل - بفتح الفاء وسكون العين - ومصدر قمؤت - بضم الميم - فعالة. والعجب من العين أنه قال بعد أن نقل كلام القالي: " الحاصل أن مصدر قَمُؤَ على قَمَأٍ، على وزن فَعَلٍ - بالتحريك - وقَمَأةٍ - بالتاء - وإنما مُدَّ في الشعر

стр. 1416

المذكور للضرورة " هذا كلامه. وهو ناشئ من قراءته قَمَاءة على وزن فعالة بسكون الميم والهمز على وزن فَعْلَة، ولم يقل به أحد. قال ابن المستوفي في شرح أبيات المفصل: البيت من قصيدة لأُنَيْفِ بن زَبَّانَ النهابى من طيّ، وهو إسلامي، ومطلعها: تَذَكَّرْتَ حُبِّي وَاعْتَرَاكَ خَيَالُهَا * وَهَيْهَاتَ حُبِّي لَيْسَ يُرْجَى وِصَالُهَا وقد أورد أبو تمام منها بيتين (١) في أوائل الحماسة، وهما: فَلَمَّا أتَيْنَا السَّفْحَ مِنْ بَطْنِ حَائِلٍ * بحيث تلاقى صلحها وسيالها دعوا لنزار وانتمينا لطئ * كأسْدِ الشِّرَى إقْدَامُهَا وَنِزَالُهَا وأُنيف - بضم الهمزة وفتح النون -: مصغر أنف، وزَبَّان بالزاي المعجمة وتشديد الموحدة، ونَبْهَان بفتح النون وسكون الموحدة. وأنشد الشارح المحقق من (الكامل) : عَنْ مُبْرِقَاتٍ بِالْبُرِينَ وَتَبْدُو * بالأَكُفِّ اللاَّمِعَاتٍ سُوُرْ وتقدم شرحه في الشاهد الثالث والستين من هذا الكتاب. وأنشد بعده - وهو الشاهد الحادي والثمانون بعد المائة -: (من الكامل) ١٨١ - قَدْ كَانَ قَوْمُكَ يَحْسُبُونَكَ سَيِّداً * وَإخَالُ أنك سيد مغيون

стр. 1417

على أن قوله " مَغْيُون " جاء على لغة تميم، ولغة غيرهم مغين والبيت من أبيات للعباس بن مرداس السُّلّمي، روى صاحب الاغانى بسنده عن أبي عبيدة وأبي عمرو الشيباني: " أن حَرْب بن أمية لما انصرف من حرب عُكَاظٍ هو وإخوته مرّ بالقُرَيَّة، وهي غَيْضَة شجر ملتفّ لا يُرام، فقال له مرداس بن أبي عامر: أما ترى هذا الْغَرْسَ؟ قال: بلى، فماله؟ قال: نعم المُزْدَرَع هو، فهل لك أن تكون شريكين فيه، ونحرق هذه الغَيْضة ثم نزدرعه بعد ذلك؟ فقال: نعم، فأضْرَمَا النار في الغيضة، فلما استطارت وعلا لهيبها سمع من الغيضة أنين وصجيج كثير، ثم ظهرت من حيات بيض تطير حيت قطعتها وخرجت منها، وقال مرداس بن أبي عامر: (من البسيط) إنِّي انْتَخَبْتُ لَهَا حَرْباً وإخْوَتَهُ * إنِّي بِحَبْلٍ وَثِيقِ الْعَهْدِ دَسَّاسُ أنِّي أُقَوِّمُ قَبْلَ الأَمْرِ حَجَّتَهُ * كَيْمَا يُقَالُ: وَلِيّ الأَمْرِ مِرْدَاسُ قال: فسمعوا هاتفا يقول لما احترقت الغيضة: (من الرجز) وَيْلٌ لِحَرْبٍ فَارِسَا * مُطَاعِناً مُخَالِسَا وَيْلٌ لِعَمْرٍو فَارِسَا * إذْ لَبِسُوا الْقَوَانِسَا لَنَقْتُلَنْ بِقَتْلِهِ * جَحَاجِحاَ عَنَابِسَا ولم يلبث حرب بن أمية ومرداس بن أبي عامر أن ماتا، فأما مرداس فدفن بالقُرَيَّة، ويقال: إن الجن قتلتهما لإحراقهما شجر القُرَيَّة وازدراعهما إياها، وهذا شئ قد ذكرته العرب في أشعارهم وتواترت الروايات بذكره فذكرته، ثم إن القُرَيَّة ادَّعَاها بعد ذلك كليب بن عُيَيْمَة السلمي ثم الظَّفَرِي، فقال في ذلك عَبَّاس بن مرداس: أكُلَيْبُ مَالَكَ كُلَّ يَوْمٍ ظَالِماً * وَالظُّلْمُ أنْكَدُ غِبُّهُ مَلْعُونُ

стр. 1418

قد كان قومك يحسبونك سيدا * وَإخَالُ أنَّكَ سَيِّدٌ مَغْيُونُ أتُرِيدُ قَوْمَك مَا أرَادَ بِوَائِلٍ * يَوْمَ الْقَلِيبِ سَمِيُّكَ الْمَطْعُونُ وَأظُنُّ أنَّكَ سَوْفَ يُنْفِذُ مِثْلُهَا * فِي صَفْحَتَيْكَ سِنَانِيَ الْمَسْنُونُ إنَّ الْقُرَيَّةَ قَدْ تَبَيَّنَ أمْرُهَا * إنْ كَانَ يَنْفَعُ عِنْدَكَ التَّبْيِينُ حِينَ انْطَلَقْتَ بِحَظِّهَا لي ظَالِماً * وأبُو يَزِيدَ بِجَوِّهَا مدفون وأبو يزيد: هو مِرْدَاس بن أبي عامر " انتهى. قال ابن الشجري في أماليه: عُيَيْمَة منقول من محقر الْعَيْمة، وهي شهوة اللبن، أو محقر العِيَمة - بكسر العين - وهي خيار المال، ومنه قولهم: اعتام الرجل: أي أخذ العيمة، وقوله " أكليب " الهمزة للنداء، وقوله " مالك " ما: استفهامية مبتدأ، ولك: الخبر، وكل: ظرف، والنَّكَد: الْعُسْر، وخروج الشئ إلى طالبه بشدة، وغِبُّه: عاقبته، واللعن: الطرد والإبعاد، وأخال - بفتح الهمزة - وهو الأصل، وإخال بالكسر فيه لغة الذين كسروا حرف المضارعة مما جاء على مثال تِفْعل نحو تِعْجَب وتِعْلَم وتِرْكَب، لتدل كسرته على كسرة العين من عَجِب وعَلِمَ ورَكِب ونحو ذلك، يقولون: أنا إعْجَب وأنت تِعْلَم ونحن نِرْكب، واستثقلوا الكسرة على الياء فألزموها الفتح، ومغيون - بالغين المعجمة -: اسم مفعول من قولهم: غين على قلبه، أي: غُطِّي عليه، وفي الحديث " إنَّهُ لَيَغَانُ عَلَى قَلبِي " ولكن الناس ينشدونه بالباء، وهو تصحيف، وقد روي بالعين غير المعجمة: أي مصاب بالعين، والأول هو الوجه، وكلاهما مما جاء فيه التصحيح وإن كان الاعتلال فيه أكثر، كقولهم: طعام مَزْيُوت، وبُرٌّ مَكْيُول، وثوب مخيوط والقياس مغين ومزين ومَكِيل ومَخِيط، حَمْلاً على غِينَ وزِيتَ وكِيلَ وخِيطَ. قال أبو علي: " ولو جاء التصحيح فيما كان من الواو لم ينكر،

стр. 1419

ألا تراهم قد قالوا: الْغُؤور، فهو مثل مفعول من الواو لو صح " انتهى. وقد صححوا أحرفاً من ذوات الواو، قالوا: مسك مَدْوُوف، وثوب مَصْوُون، وفرس مَقْوُود، والغؤور: مصدر غارت عينه تغور غؤوراً، وإنما صح اسم المفعول من هذا التركيب فخالف بذلك اسم الفاعل، لأن اسم المفعول غير جار على فعله في حركاته وسكونه كما تجري أسماء الفاعلين على أفعالها، فلما خالف اسم المفعول فعله فيما ذكرناه خالفه في إعلاله. وقوله " أتريد قومك - إلخ " الهمزة للاستفهام، وأراد بقومك، بدليل ما بعده، ولما حذف الباء ظهر النصب، وفاعل " أراد " سَمِيُّك، ويوم القَلِيب ويروى يوم الغدير، وهو اليوم الذي قتل فيه كُلَيب وائل، والقَلِيب: البئر وأراد بوائل بكرا وتغلب ابني وائل بن قاسط بن هِنْب بن أفْصى بن دعمى ابن جَدِيلة بن اسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وأارد بِسَميَّة المطعون كُلَيْب بن ربيعة بن مُرَّة بن الحارث بن زهير بن خُثَيْم بن حُبَيْب بن تغلب ابن وائل، طعنه جَسَّاس بن مُرَّة بن ذهل بن شيبان بن ثَعْلَبَة، فقتله، وكانت العرب تضرب المثل بكُلَيْب في العز، فيقولون: أعَزُّ من كُلَيْب وَائل، وكان سيد ربيعة بن نزار في دَهْرِهِ، هو الذي كان يُنْزِلهم في منازلهم، لم يكونوا يظعنون من منزل ولا ينزلون إلا بأمره، فبلغ من عزه وبَغْيه أنه اتخذَ جِرْو كلب، وكان إذا نزل منزلا ملكئا قَذَف بذلك الجِرْوِ فيه فَيَعْوِي، فلا يَقْرب أحد ذلك الكلأ إلا بإذنه، أو أن يُؤْذِن بحرب، وكذلك كان يفعل في الماء، وفي أرض الصيد، وكان إذا ورد الماء قذف بالجرو، وعند الحوض فلا يقرب أحد ذلك الماء حتى تصدر إبله، وكان يحمي الصيد: فيقول: صيد أرض كذا في جواري، فلا يُهَاج ذلك الصيد، وكان لا يَخُوض معه احد في حديث ولا يَمُرُّ أحد بين يديه وهو جالس، ولا يحتبى في مجلسه غيره، فصار في العز والبَغْي مثلاً.

стр. 1420

وكان سَبَب قتله أن البسوس - وهي امرأة من غَنِيّ، وضربت العرب بها المثل في الشؤم، فقالوا: أشْأَمُ مِنَ الْبَسُوسِ - كانت في جوار جَسَّاس بن مُرَّة، فمرت إبلٌ لكليب تريد الماء، فاختلطت بها ناقة للبسوس، فوردت معها الماء، فرآها كليب، فأنكرها، فقال: لمن هذه الناقة؟ فقال الرِّعَاء: للبسوس جَارَة جَسَّاس، فرماها بسهم، فانتظم ضَرْعَها، فأقبلت الناقة تعجّ وضَرْعُهَا يسيل دماً ولبناً، فلما رأتها البسوس قذفت خِمَارها، ثم صاحت: واذُلاَّهُ! وجَارَاهُ! فأغضبت جسَّاساً، فركب فرسه، وأخذ رمحه، وتبعه عمرو بن الحارث ابن ذُهْل بن شيبان على فرسه، ومعه رمح، فركضا نحو الْحِمَى والخباء، فَلَقِيَا رجلاً فسألاه: من رمى الناقة؟ فقال: من حلا كما عن بَرْد الماء وسامكما الخسف، فأقررتما به، فزادهما ذلك حَمِيَّةً وغَضَباً يقال: حلأه عن الماء: إذا طرده عنه، وسام فلان فلاناً الخسف: إذا أولاه الدَّنِيَّة. فأقبلا حتى وقفا على كليب، فقال له جساس: يا أبا الماجد، أما علمت أنها (ناقة) جارتي؟ فقال كليب: وإن كانت ناقة جارتك! فَمَهْ؟ أتراك ما نعى أن أذُبَّ عن حِمَاي؟ فأغضبه ذلك، فحمل عليه، فطعنه وطعنه عمرو، فقتلاه، وفيه هاجت حرب بكر وتغلب ابن وائل أربعين عاماً، وقالت الشعراء في بغي كليب، وضَربوه مثلاً. وقوله " ينفذ مثلها " أي: مثل الطعنة التي طعنها جَسَّاس بن مرة كليبَ ابن ربيعة، وحَسُن إضمار الطعنة وإن لم يجر لها ذكر، لأن ذكر المطعون دَلَّ عليها وتقدمت ترجمة العباس بن مرداس في الشاهد السابع عشر من شواهد شرح الكافية.

стр. 1421

وأنشد بعده - وهو الشاهد الثاني والثمانون بعد المائة -: (من الرجز) ١٨٢ - ياليت أنَّا ضَمَّنَا سَفِينَهْ * حَتَّى يَعُودَ الْوَصْلُ كَيَّنُونَهْ على أن " كَيْنُونة " أصلها بياء مشددة، فحذفت الياء الزائدة، وبقيت عين الكلمة، وهي الياء الثانية المنقلبة عن الواو، والأصل كَيْوَنُونَة، فانقلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء الساكنة وأدغمت فيها، ثم حذفت الياء الأولى تخفيفاً وجوباً، ولا يجوز ذكرها إلا في الشعر، كما في البيت قال أبو العباس المبرد: أنشدني النهشلي: قَد فَارَقَتْ قَرِينَهَا القرينه * وشحطت عَنْ دَارِهِا الظعِينَهْ قوله " يا ليت أنا - إلخ " وقرينها: مفعول مقدم، والقرين: زوج المرأة، والقرينة: فاعل، وهى زوجة الرجل، وشحط الرجل - من باب (١) فرح - إذا بعد، والظعينة: المرأة ما دامت في الْهَوْدَج، وقوله " يا ليت أنا " بفتح الهمزة - أنا مع اسمها وخبرها في تأويل مصدر ساد مسد معمولي ليت، وضمنا: جمعنا، وسفينة: فاعل، وكينونة: مصدر كان، والمراد به اسم المفعول: أي حتى يعود الوصل موجوداً. والبيتان كذا أنشدهما ابن جني في شرح تصريف المازني وابن بري في أماليه على الصحاح. وأنشد بعده: (من الرجز) * مَا بَالُ عَيْنِي كالشعيب العين * وتقدم شرحه في الشاهد الخامس والعشرين من هذا الكتاب.

стр. 1422

وأنشد الجاربردي هنا - وهو الشاهد الثالث والثمانون بعد المائة -: (من الخفيف) ١٨٣ - كُلُّ أنْثَى وَإنْ بدالك مِنْهَا * آيَةُ الْحُبِّ حُبُّها خَيْتَعُورُ على أن فَيْعَلُولاً موجود كخَيْتَعُور، وما فسّره به هو كلام صاحب الصحاح، وفسّره بعضهم بالْغُرور الذي لا يصح منه شئ. وقال صاحب العباب: وربما سموا الذئب خَيْتَعُوراً، لأنه لا عهد له، ولا وفاء، والخيتعور: الغول والداهية والدنيا والأسد. والبيت من أبيات لِجَدِّ جَدِّ امرئ القيس واسمه حُجْراً آكل الْمُرَار، وقبله (١) : إن من غره النساء بشئ * بَعْدَ هِنْدٍ لَجَاهِلٌ مَغْرُورُ حُلْوَةُ الْقَوْلِ وَاللِّسَانِ ومر * كل شئ أجَنَّ مِنْهَا الضَّمِيرُ كُلُّ أنْثَى وإنْ بَدَا لَكَ مِنْهَا * ... البيت وحُجر: بضم الحاء المهملة وسكون الجيم، والمُرار - كغراب -: اسم شجر مرّ، وحُجْر: هو ابن عمرو بن معاوية بن الحارث، وينتهي نسبه إلى كندة، ومن كندة إلى يعرب بن قحطانَ، قال الأصبهاني في الأغاني: " أخبرني ابن دريد إجازة عن عمه عن ابن الكلبي عن أبيه عن الشَّرَقي بن القُطَامِيَّ قال: أقبل تُبّع حين سار إلى العراق فنزل بأرض معدٍ فاستعمل عليهم حُجْر بن عمرو، وهو آكل المُرار، فلم يزل ملكاً حتى خُرف، ثم إن زياد بن الهَبُولة بن عمرو بن عوف

стр. 1423

ابن ضُجعُم، وهو حَمَاطة بن سعد بن سَلِيح القُضَاعِي أغار على حجر آكل المرار وهو غائب فأخذ مالاً كثيراً وسبا امرأة حجر، وهي هند بنت ظالم بن وهب ابن الحارث بن معاوية، وأخذ نسوة من نساء بكر بن وائل، فلما بلغ حُجْراً وبكر ابن وائل مُغارُه وما أخذ أقبلوا عليه، ومعه أشراف بكر بن وائل منهم عوف ابن مُحَلَّم بن ذُهْل بن شَيبان، فأقبل حجر في أصحابه حتى إذا كان بمكان يقرب من عين أُباغ (١) بعث سد وسا وصليعا (٢) يتجسسان له الخبر، فخرجا حتى هجما على عسكرهِ وقد أوقد ناراً ونادى منادٍ (له) من جاء بُحزمة من حطب فله فِدْرة (٣) من تمر، وكان ابن الهَبُولَة قد أصاب في عسكر حجر تمراً كثيراً فضرب قِبابه وأجَّج ناره ونثر التمر بين يديه، فاحتطب سدوس وصلِيع ثم أتيا به ابن الهَبُولَة فطرحاه بين يديه فناولهما من التمر وَجلسا قريباً من القُبَّة، فأما صَلِيعٌ فقال: هذه آية، فانصرف إلى حجر فأعلمه بعسكره وأراه التمر، وأما سدوس فقال: لا أبرح حتى آتيه بخبر جلِيّ، فلما ذهب هَزِيع من الليل أقبل ناس من أصحابه يحرسونه وقد تفرق أهل العسكر، فقرُب سدوس إلى جليس له فقال له: من أنت؟ مخافة أن يُسْتَنكر، فقال: أنا فلان بن فلان، قال: نعم ودنا سدوس من القبة فكان بحيث يسمع الكلام، فدنا ابن الهبولة من هند امرأة حُجْر فقبلها وداعبها، ثم قال لها: ما ظنك بحُجْر لو علم بمكاني منك؟ قالت: ظني والله أنه لن يدع طلبك حتى يطالع القُصور الحمر، وكأني أنظر إليه في فوارس من بني شيبان وهو شديد الكلب سريع الطلب يُزْبد شدقاه كأنه بعير آكل مرار، فسمى المُرار يومئذٍ، قال: فرفع يده فلطمها ثم قال: ما قلت هذا إلا

стр. 1424

من عُجْبِكِ به وحبك له، فقالت: والله ما أبغضت ذا نسمة قط بغضي له، ولا رأيت رجلاً قط أحزم منه نائماً ومستيقظاً، إن كان لتنام عيناه وبعض أعضائه حيّ لا ينام، وكان إذا أراد النوم أمرني أن أجعل عنده عُسّاً (١) مملوءاً لبناً، فبينما هو ذات ليلة نائم وأنا قريبة منه أنظر إليه إذ أقبل أسود سالخ (٢) فمال إلى العس فشربه ثم مجه، فقلت: يستيقظ فيشرب فأستريح منه، فانتبه من نومه فقال: عليَّ بالإناء، فناولته فشمه فاضطربت يداه حتى سقط الإناء فأريق، وكل هذا يسمعه سدوس، فلما نامت الأحراس خرج يسري ليلته حتى صبح حُجْراً، فقال: (من الوافر) أتَاكَ الْمُرْجِفُونَ بِرَجْمِ غَيْبٍ * عَلَى دَهَشٍ وَجِئْتُكَ بِالْيَقِينِ فَمِنْ يَكُ قَدْ أتَاكَ بِأمْرِ لَبْسٍ * فَقَد آتِي بِأمْرٍ مُسْتَبِينِ ثم قص عليه ما سمع، فأسف ونادى في الناس بالرحيل، فساروا حتى انتهوا إلى عسكر ابن الهَبُولة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم ابن الهَبُولة وعرفه سدوس فحمل عليه فاعتنقه وصرعه فقتله، وبصر به عمرو بن أبي ربيعة (٣) فشد عليه فأخذ رأسه منه وأخذ سدوس سلبه وأخذ حُجْر هنداً فربطها بين فرسين ثم ركضا بها حتى قطعاها قطعاً، هذه رواية ابن الكلبي وأما أبو عبيدة فإنه ذكر أن ابن الهبولة لما غَنِمَ عسكر حُجْر غَنِمَ مع ذلك زوجته هند بنت ظالم وأُم أُناس بنت عوف بن محلم الشيباني - وهي أم الحارث بن حُجْر - وهند بنتَ حُجْر، قال: وكان ابن الهبولة بعد أن غَنِمَ يسوق ما معه من السبايا والنعم ويتصيد في المسير لا يمر بوادٍ إلا أقام به يوماً أو يومين حتى أتى

стр. 1425

على ضَريَّة (١) فوجدها معشبة فأعجبته فأقام بها أياماً، وقالت له أم أُناس: إني لأرى كأني قد نظرت إلى رجل أسود أدْلَمَ (٢) كأن مشافره مشافر بعير آكلِ مُرار قد أخذ برقبتك، فسمي حجر آكل المُرار بذلك، وذكر باقي القصة نحو ما مضى، وروي أيضاً أنه إنما سمي آكل الْمُرَار لأن سدوساً لما أتاه بخبر ابن الهَبُولة ومداعبته لهند وأن رأسه كان في حجرها وحدثه بقولها له، جعل يسمع ذلك وهو يعبث بالمُرار - وهو نبت شديد المرارة - وكان جالساً في موضع فيه منه شئ كثير، فجعل يأكل من ذلك المرار غَضَباً وهو يسمع من سدوس وهو لا يعلم أنه يأكله من شدة الغضب، حتى انتهى سدوس إلى آخر الحديث فعلم حينئذٍ بذلك، ووجد طعمه، فسمي يومئذٍ آكل الْمُرار، قال ابن الكلبى: وقال جحر في هند: * إنَّ مَنْ غَرَّهُ النساء بشئ ... الابيات " انتهى ما ساقه صاحب الأغاني باختصار قليل. ولا يخفى أن المشهور أن أُم أُناس زوجة عمرو المقصور بن حُجْر بن الحارث ابن عمرو (٣) ، وإنما سميت أم أُناس لأن أباها عوف بن مُحَلِّم أمر أمَّها لما ولدتها أن تئدها، فقالت: قد فعلت، فربتها حتى أدركت فنظر إليها عوف يوماً مقبلة فأعجبه شبابها فقال: من هذه يا أمامة؟ قالت: وصيفة لنا، ثم قالت: أيسرك أنها ابنتك؟ فقال: كيف لي بذلك؟ قالت: فإنها التي أمرتني أن أئدها، فقال: دعيها فلعلها أن تلد لنا أُناساً، فسميت أم أُناس، وهي أم الحارث بن عمرو المقصور بن حُجْر.

стр. 1426

وابن الهَبُولة - بفتح الهاء وضم الموحدة -: هو عمرو بن عوف بن ضُجْعُم، وهو بطن، وهم الضجاعمة، وكانوا الملوكَ بالشام قبل غسَّان، وضجعم هو حَمَاطَةُ كما تقدم وأنشد بعده أيضاً - وهو الشاهد الرابع والثمانون بعد المائة -: (من الكامل) ١٨٤ - درس المنا بتمالع فَأَبَانِ * فَتَقَادَمَتْ بالحُبْسِ فَالسُّوبَانِ على أن أبان فيه قيل: وزنه أفْعَلُ، وقيل: وزنه فَعَال والبيت من قصيدة للبيد بن ربيعة الصحابي، وأراد المنازل جمع منزل، وهو حذف قبيح، ودرس يكون فعلا لازما ومتعديا، والمراد هنا الأوّل، يقال: درس المنزلُ يدرُس درُوساً: أي عفى وانمحى أثره، ودرسته الريح، ومُتالع - بضم الميم بعدها مثناة فوقية واللام مكسورة والعين مهملة - قال أبو عبيد في معجم ما استعجم: هو جبل لغني بالحِمي قاله الخليل، وأبانُ قال ياقوت في معجم البلدان: " أبانُ الأبيضُ وأبان الأسودُ: فأبان الأبيضُ شرقي الحاجر فيه نخل وماء يقال له: أكْرَةُ - وهو العلم - لبني فزارة (وعبس، وأبانُ الأسودُ: جبل لبني فزارة) (١) خاصة وبينه وبين الارض ميلان، وقال أبو بكر بن موسى: أبانُ جبل بين فَيْدَ والنبهانية أبيض، وأبان جبل أسود: وهما أبانان وكلاهما محدد الرأس كالسنان، وهما لبني مناف بن دارم بن تميم بن مُرّ، وقال الأصمعي: وادي الرّمة يمر بين أبانين، وهما جبلان يقال لأحدهما: أبان الأبيض، وهو لبني فزارة ثم لبني جُرَيْد منهم، وأبان الأسود لبني أسد، ثم لبني والبة بن الحارث بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أسد، وبينهما ثلاثة أميال، وقال آخرون: أبانان تثنية أبانٍ ومتالع، غلب أحدهما

стр. 1427

كما قالوا: القمران، في الشمس والقمر، وهما بِنَوَاحِي البحرين، واستدلوا على ذلك بقول لبيد: * دَرَسَ الْمَنَا بِمُتَالِعٍ فَأَبَانِ * أراد درس المنازل، فحذف بعض الاسم ضرورة، وهو من أقبح الضرورات وقال أبو سعيد السكري في قوله (١) : (من الوافر) تَؤَمُّ بِهَا الْحُدَاةُ مِيَاهَ نَخْلٍ * وَفِيهَا عَنْ أبَانَيْنِ ازْوِرَارِ " أبان جبل معروف، وقيل: أبانين، لأنه يليه جبل نحو منه يقال له: شَرَوْرَى، فغلبوا أبانا عليه فقالوا: أبانان " انتهى. و" الحبس " قال أبو عبيد في معجم ما استعجم: " بكسر الحاء المهملة، وقد نضم، وسكون الباء الموحدة، وبالسين المهملة: موضع في ديار غطفان، قال لبيد: * دَرَسَ الْمَنَا ... البيت * وقال لحارث بن حلزة: (من الكامل) لِمَنِ الدِّيَارُ عَفَوْنَ بالْحُبْسِ * آياتُهَا كَمَهَارِقِ الْفُرْسِ والأعرف في بيت الحارث ضم الحاء، كما أن الأعرف في بيت لبيد كسرها، ولعلهما موضعان " انتهى، والسُّوبان - بضم السين المهملة وبعد الواو باء موحدة - اسم واد، كذا في الصحاح، وفي بعض نسخه وسوبان اسم واد، وصوبه ياقوت في هامشه باللام كما في البيت.

стр. 1428

وأنشد أيضاً بعده - وهو الشاهد الخامس والثمانون بعد المائة -: (من الرجز) ١٨٥ - يَا عَجَباً لِهَذِهِ الْفَلِيقَهْ * هَلْ تَغْلِبَنَّ الْقُوَبَاءَ الرّيقَهْ على أن القوباء داء يعالج بالريق قال ابن السيد في شرح أبيات الجمل: " هذا الشعر لأعرابي أصابته القوباء فقيل له: اجعل عليها شيئاً من ريقك وتعهدها فإنها تذهب، فتعجب من ذلك واستغربه، وروي " هل تُذْهِبَنَّ الْقُوْبَاء " قال ابن السيرافي: " عجب هذا الشاعر من تفل الناس على القوباء ورقيتها لتذهب، قال: كيف تغلب الريقة القوباء؟ ومن روي القوباء بالرفع فقد أفسد المعنى " وقال التبريزي: ورواية الرفع على القلب، وقال التُّدْميريِّ: هو على جهة المفاعلة كأن القوباء والريقة يتغالبان، وكل من غالب شيئاً فقد غالبه ذلك الشئ، فكل واحد منهما في المعنى فاعل ومفعول، وقال الشمني: أو على معنى أن الأعرابي كان يعتقد أن الريقة تبرئ من القوباء فسمع قائلاً يقول: إن الريقة لا تبرئها، فأنكر ذلك، وفيه نظر، لاقتضائه أن يكون المنكر المتعجب منه أن لا تبرئ، وقال اللخمي في شرح أبيات الجمل: هذا البيتان مجهولا لا يعلم قائلهما والفليقة: الداهية، والريقة: القطعة من الريق، يقول: إن من العجب أن تُذْهِب هذه القوباء الريقة، لأنهم يزعمون أن ريقة الصائم إذا نفث بها على القوباء أزالتها وقال الصاغاني في العباب: " الفليق والفليقة: الداهية، والعرب تقول: يا للفليقة: وتقول في مثل هذا: " يا عَجَبِي لهذه الفليقة إلخ " ويروى " يا عَجَباً وهذه الفليقة " قال أبو عمرو: معناه أنه يعجب من تغير العادات، لأن الريقة تُذْهِب القوباء على العادة فتفل على قوبائه فما برئب، فتعجب مما تعهده، وجعل القوباء على الفاعلة والريقة على المفعولة " انتهى. وقال اللخمي: " يروي يا عجباً بالتنوين ويا عَجَباً بغير تنوين "

стр. 1429

أقول: التنوين على وجهين: أحدهما أن يكون عجباً منادى منكراً أو مطولاً لطوله بما اتصل به، والثاني أن يكون مفعولاً مطلقاً والمنادى محذوف، كأنه قال: يا قومَ اعجبوا عجبا، وروايته بلا تنوين له أيضاً وجهان: أحدهما أن يكون منادى مضافاً على لغة من يَقُول: يا غلاماً أقبل، بإبدال ياء المتكلم ألفاً، وثانيهما أن يريد يا عجباه، وأكثر ما يستعمل مثل هذا في الندبة، وقد جاء في غير الندبة، كقول الآخر: (من الرجز) يَا مَرْحَبَاهُ بحِمَار نَاجِيَهْ * إذَا أتَى قرَّبْتُه لِلسَّانِيَهْ وقال ابن هشام في المغنى: " ألف يا عجبا لمدّ الصوت بالمنادى المتعجب منه، ولا يخفى أن المتعجب منه إنما هو قوله: * هَلْ تَغْلِبَنَّ الْقُوَبَاءَ الرِّيقَهْ * " وأنشد الشارح - وهو الشاهد السادس والثمانون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الطويل) ١٨٦ - أنا اللّيْث مَعْدِيًّا عَلَيْهِ وعَادِيا على أن أصله معدُوًّا عليه، وهو القياس، وقلب الواو ياء في مثله نادر، لأنه غير جمع، قال الأعلم: " الشاهد فيه قلب معدو إلى معدي استثقالاً للضمة والواو تشبيهاً له بالجمع، وبعض النحويين يجعل معدياً جارياً على عُدِيَ في القلب والتغيير، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه من شذوذه تشبيهاً بالجمع، لأن مفعولاً يجري على فَعَلْتُه كما يجري على فُعِل، تقول: عَدَوْت عليه فهو معدو عليه كما يقال: عُدِي عليه فهو معدو عليه، وقد استويا في التغيير مع اختلاف فعليهما فيه " انتهى. وكذا في شرح تصريف المازني لابن جني قال: " وينبغي أن تكون الألف

стр. 1430

في آخر أرطىً فيمن قال: مَرِطِيٌّ منقلبة عن ياء، لأنه لو كان من الواو لقالوا: مرطو، وإنما مرطى كمرمى، ولانحمله على قوله: * أنَا اللَّيْثُ مَعْدِيّاً عليه وعاديا * وهو يريد معدوا عليه، ولا على مَسْنِيَّةٍ، وهم يريدون مَسْنُوَّة، لأن هذا شاذ لا يقاس عليه " انتهى. وكذا قال في سر الصناعة وجعل الزمخشري في المفصل المفرد والمصدر شيئاً واحداً مقابلاً للجمع، قال ابن يعيش: " ويجوز القلب في الواحد فيقال: مَغزِيّ ومَدْعِيٌّ قال: * أنَا اللَّيْثُ مَعْدِيًّا عَلَيْهِ وَعَادِيَا * أنشده أبو عثمان مَعْدُوّاً بالواو على الاصل، ورواه غير مَعْدِياً " انتهى. وفيه أن أبا عثمان إنما أنشده في تصريفه بالياء لا غير والمصراع عجزه، وصدره: * وَقَدْ عَلِمَتْ عِرْسِي مُلَيْكَةُ أنَّنِي * والعرس - بالكسر -: زوجة الرجل، ومُلَيْكة بالتصغير والبيت من قصيدة لعبد يغوث الحارثي الجاهلي، قالها لما أسرته تَيْم الرِّباب، وقد أوردناها برمتها مع سببها في شواهد المنادى من شواهد شرح الكافية. وقد وقع هذا المصراع عجزاً في شعرٍ لحنظلة بن فاتك، وصدره: * تُسَائِلُنِي مَاذَا تَكُونُ بَدَاهَتِي * والْبُداهة - بضم الموحدة -: الفجاءة والمباغتة، والأول هو المشهور، وقد أنشده سيبويه وغيره.

стр. 1431

وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع والثمانون بعد المائة -: (من البسيط) ١٨٧ - مَوَالِيٌ كَكِبَاشِ الْعُوس سُحَّاحُ على أن تحريك الياء بالرفع شاذ، كذا في المفصل، وفي فرحة الأديب: وروي مواليٌّ بالهمز، وفيهما ضرورة أخرى وهي صرف ما لا ينصرف. قال ابن المستوفي: أنشده أبو بكر السراج في كتابه لجرير ﵁: قد كاد يَذْهَبُ بالدُّنْيَا وَلَذَّتِهَا * مَوَالِئٌ كَكِبَاشِ الْعُوسِ سُحَّاحُ مَا مِنْهُمُ وَاحِدٌ إلاَّ بحُجْزَتِهِ * لِبَابِهِ مِنْ عِلاَجِ الْقَيْنِ مِفْتَاحُ وقال: أبدل الهمزة في موالئ من الياء في الشعر ضرورة، لأنهم يبدلون الحرف من الحرف في الشعر في الموضع الذي لا يبدل مثله في الكلام لمعنى يحاولونه: من تحريك ساكن، أو تسكين متحرك، ليصح وزن الشعر، أورد شئ إلى أصله أو تشبيه بنظير، لأنه لو فُعل بها ما فُعل بالياء في المنقوص لانكسر البيت. أقول: يريد لو قال في البيت: موالي، بتسكين الياء، لا نكسر، ولو حركت بالضمة لاستثقلت، قال ابن السيرافي: همزة الياء من موالئ لاستقامة البيت وكذا في الضرائر لان عصفور، قال: " ومنه إبدال الهمزة من الياء حيث لا يجوز ذلك في الكلام نحو قوله: قَدْ كَادَ يَذْهَبُ بِالدُّنْيَا وَبَهْجَتِهَا * مَوَالئٌ كَكِبَاشِ الْعُوسِ سُحَّاحُ وقوله: (من الطويل) كمُشْتَرئٍ بالْخَيْلِ أحْمِرَةً بُتْرا وإنما أبدلت الياء من موالى ومشتر للاضطرار إلى التحريك واستثقال الضمة والكسرة في الياء، وكان المبدل همزة إجراء لها في ذلك مُجرى الألف لمشابهتها لها في الاعتلال واللين " انتهى.

стр. 1432

قوله " قد يذهب إلخ " قال بعض فضلاء العجم: مواليٌ فاعل يذهب وفي كاد ضمير الشأن، و " موالي " جمع مولى، وله معان: المولى السيد والمولى ابن العم، والمولى العصبة، والمولى الناصر، والمولى الحليف وهو الذى يقال له: مولى الموالاة، والمولى المعتِقُ، وهو مولى النعمة، والمولى العتيقُ، وهم موالي بني هاشم: أي عتقاؤهم، وكأنه يريد المعنى الأول، يذم رؤساء زمانه، و " كباش " جمع كبش، وهو الفحل من الضأن، و " العوس " بضم العين المهملة، قال الزمخشري في مناهي المفصل: العوس مكان أو قبيلة، يقال: كبش عوسيٌّ، وقال أبو سهل الهروي في شرح فصيح ثعلب: يقال كبس عوسيٌّ، إذا كان قوياً يحمل عليه، وقيل: بل هو منسوب إلى موضع يقال له العُوس بناحية الجزيرة، وقيل: بل هو السمين، وما في البيت لا يوافق المعنى الأخير، وفي الصحاح: العوس بالضم ضرب من الغنم و " سحاح " بالضم جم ساح، يقال: سحت الشاة تِسحّ - بالكسر - سُحوحاً وسُحوحة: أي سمنت، وغنم سُحَّاحٌ: أي سِمان، وهو - بالرفع - نعت لموالي، شبههم بهذه الكباش لطول رعيهم في مراتع اللذات، و " بحجزته " جار ومجرور خبر مقدم، ومفتاح مبتدأ مؤخر، والحُجْزة - بضم الحاء المهملة وسكون الجيم بعدها زاي معجمة -: هي مَعْقِدِ الإزار، وحجزة السراويل التي فيها التِّكّة، يريد أنهم يحملون مفاتيح أبوابهم، فهي مقفلة لا يدخلها أحد من الضيوف، والقَيْن - بفتح القاف: الحداد، وأراد بعلاج القَيْن صنيعه، يقال: عالجت الشئ معالجة وعلاجاً، إذا زاولته فإذا كان المفتاح مما يزاوله القين بعمله فقفله محكم. وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن والثمانون بعد المائة -: (من الكامل) ١٨٨ - كَجَوَارِيٍ يَلْعَبْنَ بِالصَّحْرَاءِ

стр. 1433

على أن قوماً من العرب يجرون الياء مجرى الحرف الصحيح في الاختيار فيحركها بالجر والرفع، وقال في شرح الكافية: إن هذا ضرورة، وهو المشهور، قال ابن عصفور في كتاب الضرائر: " فيه ضرورتان: إحداهما إثبات الياء وتحريكها وكان حقه أن يحذفها فيقول: كجوار، والثانية أنه صرف ما لا ينصرف، وكان الوجه لما أثبت الياء إجراء لها مجرى الصحيح أن يمنع الصرف، فيقول: كجواري " انتهى. وهذا المصراع عجز، وصدره: * مَا إنْ رَأَيْتُ وَلاَ أرَى فِي مُدَّتي * و " إن " زائدة، وجملة " ولا أرى في مدتي " أي في مدة عمري معترضة بين أرى البصرية وبين مفعولها، وهو الكاف من قوله كجواري، فإنها اسم، ولا يجوز أن تكون هنا حرفاً، والجواري: جمع جارية وهي الشابة، والصحراء: هي البرية والخلاء وقد تكلمنا عليه بأكثر من هذا في الشاهد الواحد والثلاثين بعد الستمائة من شواهد شرح الكافية. وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع والثمانون بعد المائة -: (من الطويل) ١٨٩ - أبى الله أنْ أسْمُو بِأُمٍّ وَلاَ أبِ على أن تسكين الواو من أسمو مع الناصب شاذ. قال ابن عصفور في كتاب الضرائر: حذَفَ الفتحة من آخر أسمو إجراء للنصب مجرى الرفع. والمصراع عجز وصدره:

стр. 1434

وَمَا سَوَّدَتْنِي عَامِرٌ عَنْ وِرَاثَةٍ والبيت من قصيدة لعدو الله ورسوله عامر بن الطُّفْيل العامريّ، وقوله: " وما سودتني عامر " أي: ما جعلتني سيد قبيلة بني عامر بالإرث عن آبائهم، بل سدت بأفعالي، وقوله " أبى الله " أبى له معنيان: أحدهما كره، وهو المراد هنا، والثانى امتنع، و " أن أسمو " في موضع المفعول لأبَى، والسموُّ: العلو والشرف وقد شرحناه شرحاً وافياً في الشاهد الثاني والثلاثين بعد الستمائة هناك. وأنشد بعده - وهو الشاهد التسعون بعد المائة -: (من الطويل) ١٩٠ - وَلَوْ أنَّ وَاشٍ بِالْيَمَامَةِ دَارُهُ * وَدَارِي بِأَعْلَى حَضْرَمُوتَ اهْتَدَى لِيَا على أن تسكين الياء من واشٍ مع الناصب شاذ، وحذفت لالتقائها ساكنة مع نون التنوين، وروي " فلو كان واش " فلا شاهد فيه ولا ضرورة، والواشي: النَّمَّام الذي يُزَوِّق الكلام ليفسد بين شخصين، وأصله من وشى الثوب يَشِيه وشياً، إذا نقشه وحسنه، واليمامة: بلد في نجد، وحضرموت: مدينة في اليمن، والبيت من قصيدة طويلة لمجنون بني عامر أوردنا مع هذا البيت بعضا منها في الشاهد الخامس والثمانين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده - وهو الشاهد الواحد بعد المائة -: (من الرجز) ١٩١ - كَأَنَّ أيْدِيهِنَّ بِالْقَاعِ القرق * أيدي جوار (١) يتعاطين الورق

стр. 1435

على أن تسكين الياء مع الناصب شاذ، كما تقدم. قال ابن الشجري: " قال المبرد: هذا من أحسن الضروروات، لأنهم ألحقوا حالة بحالتين، يعني أنهم جعلوا المنصوب كالمجرور والمرفوع، مع أن السكون أخف من الحركات، ولذلك اعتزموا على إسكان الياء في ذوات الياء من المركبات، نحو معدي كرب وقَالِي قَلا " انتهى والبيتان من الرجز نسبهما ابن رشيق في العمدة إلى رؤبة بن العجاج، ولم أرهما في ديوانه (١) وضمير " أيديهن " للإبل، والقاع: المكان المستوي، والْقَرِق - بفتح القاف وكسر الراء -: الأملس، وقال الشريف المُرْتَضَى: هو الخشن الذي فيه الحصا، وجَوَار - بفتح الجيم -: جمع جارية، ويتعاطين: يناول بعضهن بعضاً، والورق - بكسر الراء -: الدراهم، شبه حَذْف مناسم الإبل للحصى بحذف جَوارٍ يلعبن بدراهم، وخص الجواري لأنهن أخف يداً من النساء وقد شرحناه بأكثر مما هنا في الشاهد الثالث والثلاثين بعد الستماية من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده - وهو الشاهد الثاني والتسعون بعد المائة -: (من البسيط) ١٩٢ - هَجَوْتَ زَبَّانَ ثُمَّ جِئْتَ معتذرا * من هجو زبان لَمْ تَهْجُو ولَمْ تَدَعِ على أنه سكنت الواو من تهجو شذوذاً مع وجود المقتضى لحذفها وهو الجازم، قال ابن جني في سر الصناعة: " يجوز أيضاً أن يكون ممن يقول في الرفع: هو

стр. 1436

يَهْجُو، فيضم الواو ويجريها مجرى الصحيح، فإذا جزم سكنها، فيكون علامة الجزم على هذا القول سكون الواو من يهجو، كما أسكن الآخر ياء يأتي في موضع الجزم، فقال: * ألَمْ يَأْتِيْكَ وَالاَنْبَاءُ تَنْمِي * وكأنه ممن يقول: هو يأتِيُكَ، بضم الياء، وقد يتوجه عندي أن يكون على إشباع لاضمة، وكأنه أراد لم تهجُ فحذف الواو للجزم، ثم أشبع ضمة الجيم فنشأت بعدها واو " انتهى. و" هجوت " بالخطاب من الهجو، وهو الذم، و " زَبَّان " - بالزاي المعجمة والباء الموحدة -: اسم رجل، واشتقاقه من الزَّبَبِ وهو كثرة الشعر وطوله، وثم للترتيب وتراخي الزمان، أشار إلى أن اعتذاره من هجوه إنما حصل بعد مدة، و " من " متعلقة بالحال وهو معتذر، وقوله " لم تهجو ولم تدع " مفعلولهما محذوف: أي لم تهجوه ولم تدعه، وتدع مجزوم، وكسرت العين للقافية، والمعنى أنك هجوت واعتذرت فكأنك لم تهج، على أنك لم تدع الهجو، وقال العيني: والجملتان كاشفتان لما قبلهما، فلذا ترك العاطف بينهما وأراد بهذا الكلام الإنكار عليه في هجوه ثم اعتذاره عنه، حيث لم يستمر على حالة واحدة. والبيت مع شهرته لم يعرف قائله (١) والله أعلم:

стр. 1437

وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث والتسعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه: (من الوافر) ١٩٣ - ألَمْ يأتيك والأنباء تنمي * بما لاقت لَبُونُ بَنِي زِيَادِ لما تقدم قبله قال ابن جني في شرح تصريف المازني: قدَّر الشاعر ضمة الواو في " لم تهجو " فأسكنها للجزم كما أسكن الياء في ألم يأتيك للجزم، وهذا في الياء أسهل منه في الواو، لأن الواو وفيها الضمة أثقل من الياء وفيها الضمة، و " ما " فاعل يأتي، والباء زيدت فيه ضرورة، والأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر، وتنمى: تشيع من نمى الشئ ينمي إذا ارتفع وزاد، والجملة معترضة بين الفعل وفاعله، واللبون: الإبل ذوات اللبن، وهو اسم مفرد أراد به الجنس، وبنو زياد: هم الربيع، وعمارة، وقيس، وأنس، بنو زياد بن سفيان الْعَبْسِي، والمراد لَبُون الرَّبيع ابن زياد، وكان سيد عَبْس. والبيت مطلع قصيدة لقيس بن زهير العبسي، وكان سيد قومه، وحصل بينه وبين الربيع عداوة في شأن دِرْع ساومه فيها، فلما نظر إليها الربيع وهو على ظهر فرسه وضعها على الْقَرَبُوس (١) ثم ركض بها فلم يردها عليه، فنهب قيس بن زهير إبله وإبل إخوته، فقدم بها مكة، فباعها من عبد الله بن جُدْعَان التيمي القرشي معاوضة بأدراع وسيوف، فافتخر بهذا وبما بعده، وهو: ومَحْبِسُهَا عَلَى الْقُرَشِيِّ تشرى * بأدراع وأسياف حداد ومحبسها: معطوف على فاعل يأتيك، وهو - بكسر الباء - مصدر ميمى، والقرشي: هو ابن جدعان

стр. 1438

وقد شرحناهما مع القصيدة شرحاً لا مزيد عليه في الشاهد السادس والثلاثين بعد الستمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع والتسعون، بعد المائة -: (من الرجز) ١٩٤ - * وَلاَ تَرَضَّاهَا وَلاَ تَمَلَّقِ * لما تقدم، وقبله: * إذَا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّق * قال ابن جني في شرح تصريف المازني: " شبهت الألف بالياء في أن ثبتت في موضع الجزم، فإنه قدر الحركة هنا وحذفها للجزم، وهذا بعيد، لأن الألف لا يمكن تحريكها أبداً " انتهى. ويجوز تخريجه على أن " لا " فيه نافيه لا ناهية، والتقدير فطلِّقها غير مترضٍ لها، ويكون قوله " ولا تملق " معطوفاً على قوله فطلق، قاله ابن عصفور في كتاب الضرائر. وقد شرحناه بأكثر من هذا في الشاهد الخامس والثلاثين بعد الستمائة من شواهد شرح الكافية. وأنشد الجاربردي هنا - وهو الشاهد الخامس والتسعون بعد المائة -: (من الطويل) ١٩٥ - * كَمُشْتَرِيٍ بِالْخَيْلِ أحْمِرَةً بُتْرَا * لما تقدم في قوله: * مَوَاليٌ كَكِبَاشِ الْعُوسِ سُحَّاحُ *

стр. 1439

والقياس فيهما كمشترٍ ومَوَالٍ، بحذف الياء والتنوين، ورواهما ابن عصفور في كتاب الضرائر كمشترئ وموالئ، بالهمز والتنوين، كما تقدم، والمعنى كمن أعطى الخيلَ وأخذ الحمير بدلها، وهو جمع حمار، والبتر: جمع أبتر، وهو المقطوع الذنب وأنشد أيضاً بعده - وهو الشاهد السادس والتسعون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من البسيط) ١٩٦ - يادار هِنْدٍ عَفَتْ إلاَّ أثَافِيهَا هو صدر، وعجزه: * بَيْنَ الطَّوِيِّ فَصَارَاتٍ فَوَادِيهَا * على أنه كان حق " أثافيها " النصب على الاستنثاء، وسكنت الياء شذوذاً قال سيبويه: " وسألت الخليل ﵀ عن الياءات لَمْ تنصب في موضع النصب، إذا كان الأول مضافاً، وذلك قولك: رأيت معدي كرب، واحتملوا أيَادِيَ سَبَا، فقال: شبهوا هذه الياءات بألف مثنى حيث عَرَّوْها من الجر والرفع، فكما عَرَّوُا الألف منه عَرَّوْها من النصب أيضاً، فقالت الشعراء حيث اضطروا، قال بعض السعديين: - * يَا دَارَ هِنْد عَفَتْ إلاَّ أثَافِيهَا * ونحو ذلك، وإنما اختصت هذه الياءات في هذا الموضع بذا لانهم يجعلون الشيئين ههنا اسماً واحداً، فتكون الياء غير حرف الإعراب، فيسكنونها بياء زائدة ساكنة، نحو ياء دردبيس " إلى آخر ما ذكره قال الأعلم: " الشاهد فيه تسكين الياء من الأثافي في حال النصب، حملاً

стр. 1440

لها عند الضرورة على الألف، لأنها أختها، والألف لا تتحرك " انتهى. وقال صدر الأفاضل: " يحتمل أن يكون قوله: إلا أثافيها، من باب الحمل على المعنى، كأنه قال: لم يبق إلا أثافيها، وحينئذٍ لا يكون البيت شاهدا لا سكان الياء، وهذا تحسر على اندراس الدار معنى، وإن كان لفظه خبراً " انتهى. وكذا قال ابن المستوفي في شرح أبيات المفصل، وقال: " ولو نصب أثافيها على أن يكون البيت غير مُصَرَّع لجاز، وهذا على لغة من يقول: أثافِيَ، بتخفيف الياء، وفيها لغتان: تخفيف الياء، وتشديدها، قال الجوهري: الأثْفِيَّة لِلْقِدْر، تقديره أُفْعُولَة، والجمع الأثَافيُّ، وإن شئت خففت، وثَفَّيْتُ القدر تَثَفِية: أي وضعتها على الأثافي، وأثفيت القدر: جعلت لها أثافي، وقال الأخفش: قولهم أثافٍ، لم يسمع من العرب بالتثقيل، وقال الكسائي: سمع، وأنشد: (من الطويل) أُثَافِيَّ سُفْعاً فِي مُعَرَّسِ مِرْجَلِ والطوِيّ: البئر المطوية بالحجارة، والصارة - بالصاد والراء المهملتين -: رأى الجبل والوادي، معروف، و " بين الطوِيِّ " نصب على الحال، والعامل فيها ما في النداء من معنى الفعل، مثل قول النابغة: (من البسيط) يَا دَارَ مَيَّةَ بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ وأنشد أيضاً بعده - وهو الشاهد السابع والتسعون بعد المائة -: (من البسيط) ١٩٧ - يَا بَارِيَ الْقَوْسِ بَرْياً لَيْسَ يُحْكِمُهُ * لاَ تُفْسِدِ الْقَوْسَ أعْطِ الْقَوْسَ بَارِيهَا على أنه سكن ياء " باريها " شذوذاً، والقياس فتحها، لأن باريها المفعول الثاني لأعْطِ.
следующие страницы →