← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 21567

شرح شافية ابن الحاجب - الرضي الأستراباذي

الرضي الأستراباذي

Полный текст (1 542 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وأن الياء زيدت كالعوض، لأن المطرد في الترخيم أن لا يعوض من الحرف المحذوف شئ، لأن التمام منوي فيه، ولأن الترخيم تخفيف، فلو عوض منه لرجع فيه إلى التثقيل، والمنهل: المورد، والحوازق: الجماعات، واحدتها حَزِيقة، فجمعها جمع فاعله كأن واحدتها حازقة، لأن الجمع قد يبنى على غير واحده: أي هو منهل قفرلا وارد له، والْجَمُّ: جمع جَمَّة، وهِي مُعْظَم الماء ومَجْتَمَعه، والنقانق: أصوات الضفادع واحدتها نَقْنَقة " انتهى. فيكون وصف المنهل بالبعد والمخافة، يعني أن هذا المنهل لا يقدر أحد أن يرده لبعده وهو له، ولكن لإقدامي وجُرْأتي أرد مثله من المياه، وأراد أنه ليس به إلا الضفادع النقاقة. ومنهل: مجرور برُبَّ المقدرة بعد الواو، وجوابها في بيت آخر، وحوازق - بالحاء المهملة والزاى المعجمة، وهو اسم ليس، وله: خبرها، الجملة صفة لمنهل، ولضفادى جِمِّه: خبر مقدم، وضفادي: مضاف إلى حمه، وجم مضاف إلى ضمير المنهل، ونقانق: مبتدأ مؤخر، والجملة صفة ثانية لمنهل، والجم - بالجيم -: وصف بمعنى الكثير، وأصله المصدر، قال صاحب المصباح: " جم الشئ جما من باب ضرب: كثر، فهو جَمٌّ تسمية بالمصدر، ومال جم: أي كثير " انتهى، والجم أيضاً: ما اجتمع من ماء البئر، وقد ذكر الجوهري الحازقة بمعنى الجماعة، فيكون جمعه على القياس، والنَّقْنَقَة - بفتح النونين، وسكون القاف الأولى -: صوت الضفدع إذا ضُوعف والدّجاجة تُنَقْنِق للبيض، ويقال: نَقَّت الضفدعة تَنِق، بالكسر نقيقاً: أي صاحت قال الشاعر: (من الرجز) تُسَامِرُ الضِّفْدَعَ فِي نَقِيقِهَا وكذلك النقيق للعقرب والدجاجة، قال: (١) (من الطويل)

стр. 1472

كَأَنَّ نَقِيقَ الْحَبِّ فِي حَاوِيَائِهِ * فَحيحُ الأَفَاعِي أوْ نَقِيقُ الْعَقَارِبِ وربما قيل للمهر، قال (١) : (من الرجز) * خَلْفَ اسْتِهِ مِثْلَ نقيقِ الْهِرِّ * كذا في العباب وقال بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل: " قال صدر الأفاضل الحَزْق: الشَّدُّ والحبس، والمراد بالحوازق الجوانب، لأنها تمنع الماء أن ينبسط، وقيل: إنه لا يمنع الواردة لسهولة جوانبه، لأنها منبسطة، يصف منهلاً واسعاً فيقول: رب مهل ليس له جوانب تمنع الماء من انبساطه فانبسط ماؤه حوله، إذ ليس (له) موانع وحوابس تمنع الواردين، لأنه سهل الورود " هذا كلامه، وتبعه الجاربردي، قال الأعلم: هذا الرجز يقال صنعه خلف الأحمر وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث عشر بعد المائتين، وهو من شواهد سيبويه -: (من البسيط) ٢١٣ - لَهَا أشِارِيرُ من لحم تتمره * من الثعالي وَوَخْزٌ مِنْ أرَانِيهَا على أن الاصل من الثعالب وأرانبها، فأبدلت الموحدة فيهما ياء لضرورة الشعر، كما تقدم وقال ابن عصفور في كتاب الضرائر: " وقد يمكن أن يكون جمع ثُعَالة، فيكون الأصل فيه إذ ذاك الثَّعَائِل إلا أنه قلب " انتهى.

стр. 1473

والبيت من قصيدة لأبي كاهل اليشكري، وقبله كَأنَّ رَحْلِي عَلَى شُغْوَاءَ حَادِرَةٍ * ظَمْيَاءَ قَدْ بُلَّ مِنْ طَلٍّ خَوَافِيهَا لَهَا أشَارِيرُ مِنْ لحم تتمره * من الثعالي وَوَخْزٌ مِنْ أرَانِيهَا فأَبْصَرَتْ ثَعْلَباً من دُونِهِ قَطَنٌ * فَكَفَّتَتْ مِنْ ذُنَابَاهَا تَوَالِيهَا ضَغَا وَمِخْلَبُهَا فِي دَفِّهِ عَلِقٌ * يَا وَيْحَه إذْ تُفَرِّيهِ أشَافِيهَا وأبو كاهل: هو والد سُوَيْد بن أبي كاهل، وسويد: شاعر مخضرم، قد ترجمناه في الشاهد التاسع والثلاثين بعد الأربعمائة من شواهد شرح الكافية. وأبو كاهل شبه ناقته في سرعتها بالْعُقَاب، الموصوفة بما ذكره، والرحل للإبل أصغر من الْقَتَب، وهو من مراكب الرجال دون النساء، والشغواء - بالشين والغين المعجمتين - الْعقاب، وروي " كَأَنَّ رَحْلِي عَلَى صَقْعَاءَ " وهي العقاب التي في وسط رأسها بَياض، والأصقع من الخيل والطير: ما كان كذلك، والاسم الصُّقْعة - بالضم - وموضعها: الصُّوقعة، وحادرة - بمهملات - من الْحُدُور، وهو النزول من عال إلى أسفل كالصَّبَب وقال بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل: " حاذره - بالذال المعجمة - المتيقظة، وإنما وصف الْعُقَاب بأنها حاذرة ليشير إلى حذر فؤاد ناقته، لأنه مَدْحٌ لها قال أبو العلاء: (من البسيط) * فُؤَادَ وَجْنَاءَ مِثْلِ الطَّائِرِ الْحَذَرِ * ورواه بعض الشارحين بالدال المهملة، وقال: الحادرة المكتنزة الصُّلبة " هذا ما سطره قال ابن بري في أمالية على الصحاح: والظمياء العطشى إلى دم الصيد، وقيل: التي تضرب إلى السواد، وبُلَّ: فعل مبني للمجهول من الْبَلَل، فإذا بلها المطر

стр. 1474

أسرعت إلى وَكرها، وكذلك جميع الطير، والطَّلُّ: المطر الضعيف، والخوافي: جمع خافية، وهى ريشة الجناح القصيرة تلى الابط، والخوافي: أربع ريشات، وسميت خوافي لأن الطائر جناحه خفيت، والأشارير: جمع إشرارة - بكسر الهمزة - وهي اللحم القديد، وتُتَمِّرُهُ: فعل مضارع، والجملة صفة أشارير أو حال منها، وروي مُتَمَّرة - على وزن اسم المفعول - وبالجر على الصفة، وبالنصب على الحال، والتَّتْمِير - بالمثناة الفوقية لا بالمثلثة -: هو تجفيف اللحم والتمر، قال النحاس في شرح أبيات سيبويه: ويقال: إن المبرد صحفه بالثاء المثلثة، وتعجب منه ثعلب، وكان معاصرة، فقال: إنما كان يُتَمَّر اللحم بالبصرة فكيف غلط في هذا؟ والوخز - بفتح الواو وسكون الخاء المعجمة بعدها زاى -: الشئ القليل، كذا في الصحاح، وقيل: الوخز قَطعَ اللحم واحدتها وخزة، والمتمرة المقددة، يريد أنه يبقى في وكرها حتى يجَفُّ لكثرته. وقال الأعلم: الوخز: قَطْع اللحم، وأصله الطعن الخفيف وأراد ما تقطعه بسرعة، يريد أنها قطعته وجففته، وأضاف الأرانب إلى ضميرها لكونها صادته، ثم وصف صيدها فقال: فأبصرت ثعلباً - إلخ، وقَطَن بفتحتين - جبل لبني أسد، وكفَّتَتْ - بتشديد الفاء للمبالغة، والتاء الثانية للتأنيث، يقال: كَفَتَ الشئ كَفْتاً - من باب ضرب - إذا ضمه إلى نفسه، والذُّنابي: بضم الذال المعجمة بعدها نون وبعد الألف موحدة فألف مقصورة، قال صاحب الصحاح: " وفي جناح الطائر أربع ذُنَابى بعد الخوافي " ولم يذكرها ابن قتيبة في أدب الكاتب، قال: " قالوا جناح الطائر عشرون ريشة: أربع قوادم، وأربع مناكب، وأربع أباهر، وأربع خوافي، وأربع كُلىً " انتهى. ولم ينبه عليها شرحه، وإنما قال شارحه اللِّبَلِيِّ: وقُدَاماه أوله، وذناباه آخره، انتهى. وتواليها: الضمير للذنابي، والتوالي: جمع تالية، وهي الريشات التي تلي الذنابي، يريد أنها لما انحدرت على الثعلب ضمت جناحها إليها كما تفعل الطيور المنقَضّة على الصيد، وتواليها: مفعول

стр. 1475

كفتت ووجب تأخيره لأن الضمير فيها راجع للذُّنابى، وقوله " ضَغَا " بالضاد والغين المعجمتين، قال صاحب الصحاح: ضغا الثعلب والسَّنَّور يَضغُو ضَغْواً: أي صاح، وكذلك صوت كل ذليل مقهور، والمخلب - بالكسر - للطائر والسباع بمنزلة الظفر للإنسان، والدف - بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء -: الجنب، وَعَلِقٌ - بفتح العين وكسر اللام - أي: ناشب به، وقوله " يا ويحه " المنادى محذوف وويح: كلمة ترحُّم وتوجع، والضمير للثعلب، وتُفَرِّيه: تشققه وتقطعه، مبالغة فَرَتْه - بتخفيف الراء - والأشافي: جمع إشْفَى - بكسر الهمزة وبعد الفاء ألف مقصورة - وهي آلة للإسكاف، قال ابن السكيت: الإشْفى: ما كان للأسقية والمزاود وأشباهها، والمِخْصَف للنعال، وأراد هنا المخالب، شبهها بالأشافي وبما شرحنا ظهر أنه شبه راحلته بعقاب ذاهبة إلى وكرها وقد بلها المطر، وهو أشَدُّ لسرعتها، ثم وصف صيدها وسرعة انقضاضها عليه من جو السماء وزعم الجوهري أنه وصف فرخة عقاب تسمى غُبَّة - بضم الغين المعجمة وتشديد الموحدة - وهو اسم فرخ بعينه، لا اسم جنس، وليس في الشعر شئ منه، وتبعه على هذا عبد اللطيف البغدادي في شرح نقد الشعر لقدامة، فقال: يصف فرخة عقاب تسمى عبة كانت لبني يشكر، ولها حديث، وكذا قال العيني، وأنشده صاحب الصحاح في ثلاثة مواضع: في مادة تمر، ومادة شر، ومادة وخز، وفي هامشة قيل: هو لأبي كاهل، وقيل للنمر بن تَوْلب اليشكري، وجمع بينهما العيني فقال: قائله هو أبو كاهل النمر بن تولب اليشكري، وهذا غير جيد منه وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع عشر بعد المائتين -: (من الوافر) ٢١٤ - إذَا مَا عُدَّ أَرْبَعَةٌ فِسَالٌ * فَزَوْجُكِ خَامِسٌ وَأَبُوكِ سَادِي على أن أصله سادس، فأبدلت السين ياء، وهذا لضرورة الشعر. (*)

стр. 1476

ومثله ما في كتاب القلب والإبدال، قال: " كان رجل له امرأة تقارعه ويقارعها أيهما يموت قَبْلُ، وكان تزوج نساء قبلها فمتن وتزوجت هي أزواجاً قبله فماتوا، فقال: (من الطويل) وَمِنْ قَبْلِهَا أَهْلَكْتُ بِالشُّؤْمِ أرْبَعاً * وَخَامِسَةً أَعْتَدُّهَا مِنْ نِسَائِيَا بُوَيْزِلَ أعْوَامٍ أذَاعَتْ بِخَمْسَةٍ * وَتَعْتَدُّنِي إنْ لَمْ يَقِ الله سَادِيَا وقوله " بو يزل أعوام " أي مسنّة، حال من خامسة، مصغر بازل، وهو مستعار من البازل في الإبل، وهو الداخل في السنة التاسعة، وهو آخر أسنانه، ويقال في العاشرة: بازل عام، وبازل عامين، وبازل أعوام، ومثله قول الآخر: (من البسيط) خَلاَ ثَلاَثُ سِنِينَ مُنْذُ حَلَّ بَهَا * وعَامُ حَلَّتْ وهَذَا التَّابِعُ الْخَامِي وأصلهما سادساً، والخامس، فأبدلت الياء من السين فيهما. وأما قول الآخر: (من الطويل) ثَلاَثَةُ أيَّامٍ كِرَامٍ وَرَابِعٌ * وَمَا الْخَامِ فِيهِمْ بالبْخِيلِ الْمُلَوَّمِ فإن لما أبدل السين من الخامس ياء اكتفى بالكسرة منها، كذا قال ابن عصفور في كتاب الضرائر. وأما البيت الأول فقد أورده الجوهري في مادة فَسَل، قال: الفَسْل من الرجال الرَّذْل، والمفسول مثله، وقد فَسُل - بالضم - فسَالَةً وَفُسُولَةً فهو فَسْل من قوم فُسلاَء وأفسال وفسال وَفُسُول، قال الشاعر: إذَا مَا عُدَّ أرْبَعَةٌ إلخ وروى ابن السكيت حَمُوك بدل أبُوك، ولم يكتب ابن بري ولا الصفدي

стр. 1477

على المادة شيئاً، وقال ياقوت فيما كتبه على هامش الصحاح: البيت يروى للنابغة الجعدي، يهجو به ليلى الأخيلية. وأما قوله " خلا ثلاث سنين - البيت " فقال ابن السكيت: أنشدنيه القاسم بن معن، ونقل عنه ان المستوفي: أنه للحادرة، ولم أره في ديوانه. وصريح كلام ابن عصفور أن هذا كله ضرورة، ويرد عليه ما نقله ابن السكيت عن الفراء عن الكسائي أنه قال: العرب تقول: جاء ساتا، وجاء ساتيا، تريد سادسا، فلما ثقل المشدد بدل بالياء، وكانت خلفاً من التاء، وأخرجت الدال لأنها من الأصل، ومن قال ساتا فعلى لفظ ستة وستين، ومن قال سادساً فعل الأصل، قالوا: جاء سادسَهم، وساتَّهم، وسادِيهم، وسادَيَتُهُنّ، للمرأة، قال: وزعم الكسائي أنه سمع أعراييا يقول: وكانت آخر ناقة نحرها والدي أو جدي سادية وستين، وأنشد بعض العرب: (من البسيط) يا لهف نفسي لهفا غير ما كَذِبٍ * عَلَى فَوَارِسَ بِالْبَيْدَاءِ أنْجَادِ كَعْبٌ وعَمْرُو وَعبْدُ الله بَيْنَهُمَا * وابْنَاهُمَا خَمْسَةٌ وَالحَارِثُ السَّادِي أي السادس وأنشد بعده - وهو الشاهد الخامس عشر بعد المائتين -: (من الرجز) ٢١٥ - يَفْدِيكَ يَا زُرْعَ أبِي وخالي * قد مر يومان وهذا الثالي وأنت بِالْهِجْرَانِ لاَ تُبَالِي على أن الأصل " وهذا الثالث " فأبدل الياء من الثاء. وخصه ابن عصفور بالضرورة أيضاً، ولم يذكره ابن السكيت في كتاب الإبدال،

стр. 1478

ولا الزجاجي في أماليه، ولا رأيته إلا في كتب التصريف، وقائله مجهول، والله أعلم به، وزُرْعَ: مرخم زُرْعَة. وأنشد بعده: (من الطويل) هُمَا نَفَثَا فِي فِيَّ مِنْ فَمَوَيْهِمَا * عَلَى النّابِحِ الْعَاوِي أشَدَّ رِجَامِ على أن " فما " عند الأخفش أصلة فَوْه، بدليل رجوعها في التثنية وقد تقدم في الشاهد السابع والخمسين من هذا الكتاب. وأنشد بعده - وهو الشاهد السادس عشر بعد المائتين -: (من الرجز) ٢١٦ - لا تَقْلُوَاها وادلواها دلوا * إن مع اليوم أخَاهُ غَدَوْا على أن " غداً " أصله غَدْو، بدليل هذا البيت. وجاء في بيت لبيد الصحابي رضى الله تعالى عنه كذلك، قال من قصيدة: (من الطويل) وَمَا النَّاسُ إلاَّ كَالدِّيَارِ وَأَهْلُهَا * بِها يَوْمَ حَلُّوهَا وَغَدْواً بَلاَقِعِ واستدل سيبويه بهذا البيت على أن أصله غَدْو، بإسكان الدال، وإذا نسب إلى الأصل فقيل " غَدْوِيّ " لم تسلب الدال الحركة، لأن النسبة جرت على التحرك بعد الحذف، خلافاً للأخفش، فإنه زعم أن الحركة تحذف عند النسبة إلى الأصل، فيقول: غَدْوِيٌّ وَيَدْيِيٌّ، بإسكان دالهما. قال ابن جني في شرح تصريف المازني: " والقول قول سيبويه، ألا ترى

стр. 1479

أن الشاعر لمّا رَدَّ الحرف المحذوف بَقَّى الحركةَ التي أحدثها الحذف بحالها قبل الرد في قوله: يَدَيَانِ بَيْضَاوَانِ عِنْدَ مُحَلِّمٍ فتحريك الدال بعد رد الياء دلالة على صحة ما ذهب إليه سيبويه، قال أبو علي: فإن قيل: فما تصنع بغَدْوا في البيتين، فإنه يشهد لصحة قول الأخفش؟ فالجواب أن الذي قال: غَدْوا ليس من لغته أن يقول: غَدٌ، فيحذف، بل الذي يقول: غَدٌ غير الذى يقول: غدوا " انتهى كلامه. وأنشده صاحب الكشاف عند قوله تعالى (أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء) على أن التقدير كمَثَل ذوي صَيِّب، لأن التشبيه ليس بين ذات المنافقين والصَّيبِ نفسه، بل بين ذواتهم وذوات ذوي الصيِّبِ، كما فعل لبيد بإدخاله حرف التشبيه على الديار، مع أنه لم يرد تشبيه الناس بالديار، إذ لا يستقيم ذلك، وإنما شبه وجودهم في الدنيا وسرعة زوالهم وتركهم منازلهم خالية، بحلول أهل الديار فيها ونهوضهم عنها وتركها خالية، فهي بالحلول مأهولة، وبالرحيل خالية، والتقدير: وما الناس إلا كالديار حال كون أهلها بها يوم حلولهم فيها وهي في غد خالية، وأهلها: مبتدأ، وخبره: بها، ويوم: ظرف متعلق بمتعلق الخبر، وغَدْوا: ظرف لبلاقع، وبلاقع: خبر مبتدأ محذوف: أي وهي خالية غَدْواً. والبيت من قصيدة يرثي بها أخاه لأمه في الجاهلية، وهو أرْبَدُ، ومطلعا: بَلِينَا وَمَا تَبْلَى النُّجُومُ الطَّوَالِعُ * وَتَبْقَى الْجِبَالُ بَعْدَنَا وَالْمَصَانِعُ وَلاَ جَزعٌ أنْ فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا * وَكُلُّ امْرِئٍ يَوْماً لَهُ الدَّهْرُ فَاجِعُ وَمَا النَّاسُ إلاَّ كَالدِّيَارِ وَأَهْلُهَا * بِها يَوْمَ حَلُّوهَا وَغَدْواً بَلاَقِعُ

стр. 1480

وَمَا الْمَرْءُ إلاَّ كالشِّهَابِ وَضَوْءُهُ * يَحُورُ رَمَاداً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ وأما البيت الأول فقوله " لا تقلواها " نهي: أي لا تسوقا الناقة سَوْقاً عنيفاً، من قَلاَ الحمارُ أتانه يَقْلُوها قَلْواً، إذا طردها وساقها، وقوله " وادلواها دَلْوا " هو أمر، والجملة معطوفة على جملة النهي، قال صاحب الصحاح: دَلَوْتُ النَّاقةَ دَلْواً سَيَّرتها سيراً رويداً، وأنشد هذا الشعر. وقول الآخر: * لاَ تَعْجَلاَ بِالسَّيْرِ وَادْلُوَاهَا * ولم يذكر قائله، ولا كتب عليه شيئاً ابن بري، ولا الصفدي، وقوله " إن مع اليوم - إلخ " قال الزمخشري في مستقصى الأمثال: إن مع اليوم غداً، مَثَلٌ يضربه الراجي للظفر بمراده في عاقبة الأمر، وهو في بدئه غير ظافر، وأنشد هذا الشعر. وأنشد الجاربردي هنا - وهو الشاهد السابع عشر بعد المائتين -: (من المنسرح) ٢١٧ - ذَاكَ خَلِيلِي وَذَو يُعاتِبُنِي * يَرْمِي وَرَائِي بِامْسَهْم وَامْسَلِمَهْ على أن إبدال لام " أل " المعرفة ميماً ضعيف. وقال ابن جني في سر: الصناعة هذا الإبدال شاذ لا يسوغ القياس عليه، وفيه نظر، فإنه لغة قوم بأعيانهم، قال صاحب الصحاح: هي لغة لحمير، وقال الرضي ﵁ في شرح الكافية: هي لغة حمير ونفر من طئ، وقال الزمخشري في المفصل: وأهل اليمن يجعلون مكانها الميم، ومنه ليس من امْبرِّ امْصِيَامُ في امْسَفَر، وقال: * يَرْمِي وَرَائي ... البيت * وحينئذٍ لا يجوز الحكم على لغة قوم بالضعف، ولا بالشذوذ، نعم لا يجوز القياس بإبدال كل لام ميماً، ولكن يُتْبَع إن سمع،

стр. 1481

وقد حكى الزجاجي أربع كلمات وقع التبادل (فيها) بينهما، قال: " غُرْلَة وغُرْمَة، وهي القُلْفَة، وامرأة غَرْلاء وغرْماء ولا يقال قلفاء، وأصابته أزْلَةَ وأزمة: أي سنة، وانجبرت يَدُه على عَثَم وعَثَل، وشمِمْت ما عنده وشمِلْت ما عنده: أي خبرته " انتهى، ولم يروا ابن السكيت فيهما شيئاً. والبيت من أبيات لبجير بن عنمة الطائي الجاهلي، قال الآمدي في المؤتلف والمختلف: " بحير بن عَنَمة الطائي: أحد بني بَوْلاَن بن عمرو بن الْغَوْث بن طئ، وأراه أخا خالد بن غنمة الطائي الشاعر الجاهلي، وبجير القائل في أبيات: وَإنَّ مَوْلاَيَ ذُو يُعَاتِبُنِي * لاَ إحْنَةٌ عِنْدَهُ وَلاَ جَرْمَهْ ينصرني مِنْكَ غَيْرَ معْتَذِرٍ * يَرْمِي وَرَائِي بامْسَهْمِ وَامْسَلِمَهْ " انتهى والمولى: ابن العم، والناصر، والحليف، والمعتِق، والعتيق، والظاهر أن المراد هنا إما الاول وإما الثاني، وذو: كلمة طائية بمعنى الذي محلُّها الرفع خبر إنَّ، ويعاتبني: صلتها، والمعاتبة: مخاطبة الا دلال، والاسم العتاب، قال الشاعر: * وَيَبْقَى الْوُدُّ مَا بَقِيَ الْعِتَابُ * وروي بدله " يعيريى " وهو غير مناسب، وقوله " لا إحنة " مبتدأ، وعنده الخبر، والجملة حال من فاعل يعاتبني، ويجوز أن تكون خبراً ثانياً لإن، وجَرِمَة: معطوف على إحنة - بكسر الهمزة - وهي الضغينة والحقد، والجرمة - بفتح الجيم وكسر الراء - هو الجرم والذنب، كذا في القاموس، وقوله " يرمى ورائي " قال بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل: " وراء: من الاضداد، بمعنى قدام وخلف، ويحتمل المعنيين هنا، والرمي وراءه عبارة عن الذبّ والمدافعة عنه " اه، والمعنى هذا الرجل يعاتبني ويسلك طريق بقاء الود، يدافع عني مرة بالسهام ومرة

стр. 1482

بالسِّلام، وقيل: يشكو إعراضه، يقول: إذا غبت رماني بهما، وهذا ليس بصحيح كما هو ظاهر، وورائي بالمد وفتح الياء (١) وقوله " بامسهم " بكسر الميم دون تنوين، لأنه معرف باللام لكن الكسرة مشبعة للوزن (٢) وقوله " وبامسلمة " بياء الجر بعد الواو، وبها يتزن (٣) الشعر، والسلمة - بفتح السين وكسر اللام -: واحدة السلام، رهى الحجارة، كذا روى البيتين الآمدي وابن بري في أماليه على الصحاح، ورواه الجوهري في مادة سلم كذا. ذَاكَ خَلِيلِي وَذُو يُعَاتِبُنِي * يرمى ورائي بالسهم وامسلمه وقال: يريد والسلمة، وكذا رواه صدر الأفاضل، وقال: " الرواية بالسهم - بتشديد السين - على اللغة المشهورة، وامْسَلِمَة - بالميم الساكنة بعد الواو - على اللغة اليمانية " انتهى. ولا يخفى أن هذا غير متزن، إلا إن حركت الهمزة بعد الواو، وتحريكها لحن، قال ابن برى: وصواب الرواية ما ذكرنا، قال ابن هشام في المغني: " قيل إن هذه اللغة مختصة بالاسماء التى لا تدغم لام التعريف في أولها، نحو: غلام، وكتاب، بخلاف رجل وناس، وحكى لنا بعض طلبة اليمن أنه سمع في بلادهم من يقول: خذ الرمح، واركب امفرس، ولعل ذلك لغة بعضهم، لا لجميعهم، ألا ترى إلى البيت السابق وأنها في الحديث على النوعين؟ " انتهى. وقد تابع الناس الجوهري في ذكر المصراع الأول من هذا البيت، قال ابن هشام في شرح أبيات ابن الناظم: " روى الجوهري (يعاتبني) بدل يواصلني، وزعم

стр. 1483

أن الواو زائدة، وكأن ذلك لأنه رأى أن قوله: يرمي، محط الفائدة، فقدره خبراً وقدر خليلي تابعاً للإشارة، وذو: صفة لخليلي، فلا يعطف عليه، وتبعية خليلي للإشارة بأنه بدل منها، لانعت، بل ولا بيان، لأن البيان بالجامد كالنعت بالمشتق، ونعت الإشارة بما ليست فيه أل ممتنع، وبهذا أبطل أبو الفتح كون بعلي فيمن رفع شيخاً بياناً، ولك أن تعرب خليلي خبراً، وذو عطفاً عليه، ويرمي حالاً منه وإن توقف المعنى عليه، مثل (وهذا بعلى شيخا) " انتهى كلامه أقول: ليس في كلام الجوهري ما يدل على زيادة الواو، ولعل القائل غيره، وأما الحديث الذي أورده الزمخشري - وهو مشهور في كتب النحو والصرف - فقد قال السخاوي في شرح المفصل: يجوز أن يكون النبي ﷺ تكلم بذلك لمن كانت هذه لغته، أو تكون هذه لغة الراوي التي لا ينطق بغيرها، لا أن النبي ﷺ أبدل اللام ميماً، قال الأزهري: الوجه أن لا تثبت الألف في الكتابة، لأنها ميم جعلت كالألف واللام، ووجد في خط السيوطي في كتاب الزبرجد رسمه كذا " ليس من ام برام صيام في ام سفر " وقد اشتهر أنها رواية النمر بن تَوْلب، وليس كذلك قال ابن جني في سر الصناعة: " وأما إبدال الميم من اللام فيروى أن النمر بن توْلَب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليس من امبر امصيام في امسفر، فأبدل اللام المعرفة ميماً، ويقال: إن النمر لم يرو عن رسول الله ﷺ غير هذا الحديث، إلا أنه شاذ لا يسوغ القياس عليه " انتهى. وتبعه الزمخشري في المفصل، وابن يعيش في شرحه، وابن هشام في المغني، قال: " تكون أم للتعريف، ونقلت عن طيئ، وعن حمير، وأورد البيت والحديث، وقال: كذا رواه النمر بن تولب " انتهى. قال السيوطي في حاشيته على المغني: " هذا الحديث أخرجه أحمد في مسنده،

стр. 1484

والطبراني في معجمه الكبير من حديث كعب بن عاصم، ومسنده صحيح، وقوله " كذا رواه النِّمْرِ بنِ تَوْلَب " وكذا ذكره ابن يعيش والسخاوي: كلاهما في شرح المفصل، وصاحب البسيط، زاد ابن يعيش: ويقال: إن النمر لم يرو عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث، وكلهم تواردوا على مالا أصل له، أما أولاً فلأن النمر بن تولبٍ مختلف في إسلامه وصحبته، وأما ثانياً فإن هذا الحديث، قال أبو نعيم في " معرفة الصحابة ": النمر بن تولب الشاعر، كتب له النبي ﷺ كتاباً، وروي من طريق مُطَرِّف عنه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: من سره أن يذهب كثير من وَحَرِ صدره، فليصم شهر الصبر رمضان وثلاثة أيام من كل شهر " انتهى كلام السيوطي ﵀ قلت: وكذا قال ابن عبد البر في الاستيعاب، وابن حجر في الإصابة، إن النمر بن تولب لم يرو إلاَّ حديثاً واحدا، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وَغَرَ الصدر و " بُجَيْر " بضم الموحدة وفتح الجيم بعدها ياء ساكنة فراء مهملة، و " عنمة " بفتح العين المهملة والنون بعدها ميم و " بولان " بفتح الموحدة وسكون الواو وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن عشر بعد المائتين -: (من الرجز) ٢١٨ - يَا هال ذات المنطق التمتام * وَكَفِّكِ الْمُخَضَّبِ الْبَنَامِ على أن الأصل البنان، فأبدلت النون المتحركة ميماً بضعف كما أبدلت في طَامَهُ الله على الخير، والأصل طانه، قال ابن جني في سر الصناعة: " فأما قول رؤبة: * وَكَفِّكِ الْمُخَضّبِ الْبَنَامِ *

стр. 1485

فإنه أراد البنان، وإنما جاز ذلك لما فيها من الغنة والهُوِيِّ، وعلى هذا جمعوا بينهما في القوافي فقالوا: (من السريع) يَا رُبَّ جَعْدٍ فِيهِمُ لَوْ تدرين * يضرب ضربب السُّبُطِ الْمَقَادِيمْ وقال الآخر: يَطْعَنُهَا بِخِنْجَرٍ مِنْ لَحْمٍ * دُونَ الذُّنَابَى فِي مَكَانٍ سُخْنِ وهو كثير " انتهى ولم يذكروا إبدال النون من الميم وقد أورد ابن السكيت في كتاب الإبدال كلمات كثيرة للقسمين فمن القسم الأول: ماء آجن وآجم للمتغير، ويقال لريح الشَّمال: نِسْع ومِسْع، وَالحُلاَّنُ والحُلاَّمُ، وهو الجدى الصغير، قال أبو عبيدة (١) في قول مُهَلْهَل: (من السريع) كُلُّ قتِيلٍ فِي كُلَيْبٍ حُلاَّمْ * حَتَّى يَنَالَ الْقَتْلُ آلَ هَمَّامْ ويقال: نَجِرَ من المَاء يَنْجَرُ نَجْراً ومَجَرَ يَمْجَرُ مَجراً، إذا أكثر من شربه ولم يكد يَرْوَى، وقال اللحياني: يقال رُطَب مُحَلْقِنٌ ومُحَلْقِمٌ، وقال الأصمعي: إذا بلغ الترطيب ثلثي البُسْرة فهي حُلْقَانَة، وحُلقان للجميع، وهي ملحقنة، والْمُحَلْقِن للجميع، والحَزْن والْحَزْمُ: ما غلظ من الأرض، وهي الحُزُون والحُزُوم، وقال غير الاصمعي من الأعراب: الْحَزْمُ أرفع، وَالحَزْنُ أغلظ، يقال: قد أَحْزَنَّا: أي صرنا إلى الحزونة، ولا يقال أحْزَمْنَا، أبو عُبَيْدَة يقال: انْتَطَلَ فلان من الزق

стр. 1486

نَطْلة: أي امتص منه شيئاً يسيراً، وتقول: امتطل من الزِّق مطلة، والمعنى واحد ويقال: قد نَشْنَشَها الرجل والفحل: أي قد نكحها، وقال بعضهم: مَشْمَشَهَا، في ذلك المعنى، ويقال: إن فلاناً لشراب بأَنْقُعٍ، جمعٌ، وقال بعضهم: بأمقع، قال الأصمعي: معناه المعاود لما يكره مرة بعد مرة ومن القسم الثاني: الأصمعي، يقال: للحية أيْمٌ وأَيْنٌ، والأصل أيِّم، فخفف ويقال: الغيم والغَيْن، وقال بعضهم: الغين إلباس الغيم السماء، ومنه: إنه ليغان على قلبي: أي يغطي عليه ويلبس، وسمعت أبا عمرو يقول: الغِيم العطش، يقال: غيم وغين، وقد غامت وغانت: أي عطِشت، وهي تغِيم وتغِين، الأصمعي: يقال: امْتُقِعَ لونه وانْتُقِعَ لونه، إذا تغير لفزع، وهو ممتقع اللون ومنتقع اللون، الفراء: يقال: مَخَجْتُ بالدَّلْوِ ونَخَجْتُهَا، إذا جذبتها لتمتلئ، الأصمعي: الْمَدَى والنَّدَى للغاية، يقال: بلغ فلان الْمَدَى والنَّدَى، الكسائي: تَمَدَّلت بالمنديل وتَنَدَّلت، الأصمعي: يقال: أمْغَرَتِ الناقة والشاة وأنْغَرَتْ، إذا خالطت لبنها حمرةٌ من دم، الأصمعي: يقال للبعير إذا قارب الخطو وأسرع: بعير دُهَامِجٌ وبعير دُهَانِجٌ، وقد دهْمَجَ يُدَهْمِجُ دَهْمَجَةً ودَهْنج يُدَهْنِجُ دَهنجة، ويقال: أسود قاتم وقاتن، أبو عمرو والفراء: يقال: كَرْزَم، " للفأس الثقيلة كرزن، الكسائي يقال: عُرَاهِمَة وعُرَاهِنَةٌ، وسمع الفراء حَنْظَل وحَمْظَل، وقال أبو عمرو: الدِّمْدِم الصِّلِّيان المحيل في لغة بني أسد، وهو في لغة تميم الدِّنْدِن، الكِلابي: يقال: أطَمَّ يده وأطَنَّها " هذا ما ذكره ابن السكيت بحذف الشواهد وزاد الزجاجي من الأول: نَثَّ جسدُه من السمن، ينت نثاً، ومثّ يمثّ مثاً، ومَن الثاني: تَكَهَّمَ به وتكهن: أي تهزأ به وأما الشعر فقد نسبه ابن جني والزمخشري والشارح إلى رؤبة، وليس موجوداً في ديوانه، و " هَال " مرخم هالة، و " ذاتَ " بالنصب صفة لهالة

стр. 1487

تبعه على المحل، والمنطق: هو النطق، و " التَّمتام " صفة لمنطق، وأصل التمتام الإنسان الذي يتردد في التاء عند نطقه، قال ابن المستوفي: عطف " كَفِّكَ " على المنطق، وكان الواجب أن يقول: والكفِّ المخضب، لأن ذا وذات يتوصل بها إلى الوصف بأسماء الأجناس، غير أن المعطوف يجوز فيه ما لا يجوز في المعطوف عليه، وقال بعض فضلاء العجم: " التمتام الذي فيه تمتمة: أي تردد في كلامه، ووصفُ المنطق بالتَّمتام مجاز، وتمتمتها في المنطق عبارة عن حيائها، قال صاحب المقتبس: ورأيت في نسخة الطباخي بخطه أن الواو في: وكفِّك: واو القسم، هذا كلامه، وقيل: يجوز أن يكون جواب القسم محذوفاً دل عليه قوله: ذات المنطق، يريد أقسم بكفك أن منطقك تمتام وأنك مستحية، وقال بعض الشارحين: أقسم بكفها، والمقسم عليه في بيت بعده، ولم يذكر ذلك البيت، ويجوز أن يكون (وكفِّك) معطوفاً على المنطق، وإنما قال: المخضب ولم يقل المخضبة، لأن المؤنث بغير علامة يجوز تذكيره حملاً على اللفظ، أو لأنه ذهب بالكف إلى العضو " هذا ما ذكره ذلك الفاضل وقوله " لأن المؤنث بغير علامة إلخ " هذا يقتضي جواز (الشمس طلع) مع أنه يحب إلحاق العلامة عند الإسناد إلى ضمير المؤنث المجازي، وفي المصباح المنير: " الكف من الإنسان وغيره أنثى، قال ابن الأنباري: وزعم من لا يوثق به أن الكف مذكر، ولا يعرف تذكيرها من يوثق بعلمه، وأما قولهم: كف مخضب، فعلى معنى ساعد مخضب، قال الأزهري: الكف الراحة مع الأصابع سميت بذلك لأنها تكف الأذى عن البدن " انتهى. وفيه أن الخضاب لا يوصف به الساعد، وقال العيني: ذات المنطق، يجوز رفعه حملاً على اللفظ ونصبه حملاً على المحل. أقول: لا يجوز هنا إلا النصب، فإن المنادى إذا كان موصوفاً بمضاف يجب

стр. 1488

نصب وصفه، نحو: يا زيد أخا عمرو، وقال أيضاً: يجوز أن يكون: كفك، مرفوعاً على الابتداء وخبره في البيت الآتي، أو محذوف، أقول: هذا عدول عن واضح إلى خفي مجهول. وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع عشر بعد المائتين -: (من الطويل) ٢١٩ - ألاَ كُلُّ نفسٌ طِينَ مِنْهَا حَيَاؤُها (١) قال ابن السكيت في كتاب الإبدال: " قال الأحمر: يقال طانه الله على الخير وطامه: يعني جبله، وهو يَطيمه ويَطِينه، وأنشد: ألاَ تِلْكَ نَفْسٍ طِينَ فِيهَا حَيَاؤُها وسمعت الكلابي يقول: طانه الله على الخير وعلى الشر " انتهى. وكذا نقله الجوهري عنه، قال ابن بري في أماليه على الصحاح: " صواب الشعر: إلى تلك، بإلى الجارّة، والشعر يدل على ذلك، أنشد الأحمر: لَئِنْ كَانَتِ الدُّنْيَا لَهُ قَدْ تَزَيَّنَتْ * عَلَى الأَرْضِ حَتَّى ضَاقَ عَنْهَا فَضَاؤُهَا لَقَدْ كَانَ حُرّاً يَسْتَحِي أنْ تَضُمَّهُ * إلى تِلْكَ نَفْسٌ طِينَ فِيهَا حَيَاؤُهَا يريد أن الحياء من جبلتها وسجيتها " انتهى. ففي ما في الشرح ثلاث تحريفات، وفي الصحاح تحريف واحد تبعاً لابن السكيت، والأحمر: هو خلف بن حيَّان بن محرز، ويكنى أبا محرز البصري، وهو مولى بلال بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعري ﵁ من أبناء الصغد الذين سباهم قتيبة بن مسلم لبلال، وهو أحد رواة الغريب واللغة والشعر

стр. 1489

ونقاده والعلماء به، قال الأصمعي: أول من نعى أبا جعفر المنصور بالبصرة خلفٌ الأحمر، وذلك أنا كنا في حلقة يونس فمر بنا خلف فسلم، ثم قال: فقد طَرَّقَتْ بِبَكْرِهَا بِنْتُ طَبَقْ فقال له يونس: هِيْه، فقال: فَنَتَجُوهَا خَبَراً ضَخْمَ العُنُق فقال: وما ذاك، قال: مَوْتُ الإِمَامِ فِلْقَةٌ مِنَ الْفِلَقْ كذا في طبقات النحويين لمحمد بن الحسين اليمني، وساق له نوادر وأشعاراً وحكاياتٍ كثيرةً. وأنشد بعده - وهو الشاهد العشرون بعد المائتين -: (من الرجز) ٢٢٠ - هَلْ يَنْفَعَنْكَ الْيَوْمَ إنْ همت بهم * كثرة ما توصي وتعقاد الرَّتَمْ على أن ميم الرتم أصلية من الرتيمة غير مبدلة من الياء، وهذا الفصل جميعه من سر الصناعة لابن جني، قال صاحب الصحاح: الرتيمة: خيط يشد في الإصبع لتستذكر به الحاجة، وكذلك الرتمة، تقول فيه: أرتمت الرجل إرتاماً، قال الشاعر: (من الطويل) إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَاتُنَا فِي نُفُوسِكُمْ * فَلَيْسَ بِمُغْنٍ عَنْكَ عَقْدُ الرَّتَائِمِ والرتمة بالتحريك: ضرب من الشجر، والجمع رَتَمٌ، قال الشاعر: نَظرْتُ وَالْعَيْنُ مُبِينَةُ التُّهَمْ * إلَى سَنَا نَارٍ وَقُودُهَا الرَّتَمْ وكان الرجل إذا أراد سفراً عمد إلى شجرة فشد غصنين منها فإن رجع

стр. 1490

ووجدهما على حالهما قال: إن أهله لم تخنه، وإلا فقد خانته، وقال: هل ينفعك الْيَوْمَ إنْ هِمْتَ بِهِمْ * ... البيت وقال ابن بري في أماليه: " قوله: وكذلك الرتمة، قال ابن حمزة: الرتمة - بفتح التاء -: هي الرتيمة، والرتم في قوله: وتعقاد الرتم: جمع رتمة، وهى الرتمية، وليس هو النبات المعروف، لأن الأغصان التي كانت تعقد لا تخص شجراً دون شجر " انتهى. ويؤيده ما نقله الزيلعي في شرح الكنز، فإنه ذكر مثل كلام الجوهري، وقال: " هكذا المروي عن الثقات، إلا أن الليث ذكر الرتم بمعنى الرتيمة كذا في المغرب " انتهى. وقال ياقوت فيما كتبه على هامش الصحاح: صواب البيت الأول: إذا لَمْ تَكُنْ حَاجَاتُنَا في نُفُوسِنَا * لإخْوَانِنَا لَمْ يُغْنِ عَقْدُ الرَّتَائِمِ وقائل الشعر الثاني هو شيطان بن مُدْلِج، وفي كلام ابن جني بعض مخالفة لصاحب الصحاح، فإنه قال: عمدَ إلى شجرة فشد غصنين منها، وقال ابن جني: عمد إلى غصنين من شجرتين تقرب إحداهما من الأخرى. وحاصل ما ذكره الشارح والمصنف تبعاً لابن جني أن الميم تكون بدلاً من الياء في ثلاث كلمات. وقد ذكر ابن السكيت في كتاب الإبدال كلمات كثيرة في تبادلهما قال: " يقال: للظليم أرْبد وأرمد، وهو لون إلى الغبزة، وأربد: أغبر، ومنه تَرَبَّد وجهه وارْبَدَّ، ويقال: سمعت ظَأْبَ تيس بني فلان، وظأْم تيسهم، وهو صياحه، والظأب والظأم أيضاً سَلِف الرجل، يقال: قد تظاءنا وتظاءما، إذا تزوجا أختين، ويقال للرجل إذا كبر ويبس من الهزال: ما هو إلا عَشَمة وعَشَبَة، ويقال: قد عشِم الخبز وعشِب،

стр. 1491

إذا يبس، وقد عَشِم الشجر، ويقال: سابَّ فلان فلاناً فأرْبى عليه وأرمى عليه، إذا زاد عليه في سِبابه، ويقال: قد أرمى على الخمسين: أي زاد عليها، قال الفراء: يقال منه: قد أرميت ورَمَيْت، وكذا يقال: أرميت على السبعين ورَمَيْت، وأرْبيت ورَبيت، بألف فيهما وبلا ألف: أي زدت، وقال أبو عبيدة: الرُّجْبَة والرُّجْمَة أن تطول النخلة، فإذا خافوا عليها أن تقع أو تميل رجَّبُوها: أي عَمَدُوها ببناء حجارة، أبو عبيدة عن يونس قال: ينشد هذا البيت: (من المتقارب) وَأَهْدَى لَنَا أكْبَشاً * تَبَحْبَحُ فِي المربد وَإنْ شئت تمحح: أي تلزم المكان وتتوسطه، ويقال: قد سَمَّد شعره وسَبَّده، والتسبيد: أن يستأصل شعره حتى يُلْصقه بالجلد، ويكون التسبيد أن يحلق الرأس ثم ينبت منه الشئ اليسير، قال الأصمعي: يقال للرجل حين ينبت شعره ويسود ويستوي: قد سَبَّد، وإذا اسود الفرخ من الريش فغطى جلده ولم يطل فقد سَبَّد، أبو عمرو: يقال: صَبَأْت الجيش عليهم وَصَمَأْته عليهم، إذا هجمته عليهم، أبو عبيدة السأسم والسأسب شجر، ويقال: هو الشِّيزُ، الفراء: يقال: أومأت إليه وأوْبَأْتُ إليه، اللحياني: يقال للعجوز: قَحْمَة وقَحْبَة، أبو عبيدة: إذا شربت بطَرَف فم السقاء ثَنَيْتَه أو لم تثنه أو شربت من وسطه قيل: قد اقتبعت السقاء واقتمعت، اللحياني: يقال: أتانا وما عليه طِحْربَةٌ وطِحْرِمة: أي خرقة، وكذلك يقال: ما في السماء طِحْرِبة: أي لَطْخٌ من غيم، ويقال: ما في نحى فلان عبَقة ولا عَمَقَةٌ: أي لَطَخ، ولا وضَرٌ، وقئمت في الشراب وقئبت وصِئمت وصَئِبْت وصَئِمَ من الماء وصئب، إذا امتلأ، والقَرْهَمُ والقَرْهَبُ السيِّد، وهو أيضاً الثور المسن، يونس: يقال: رَجَمَتْهُ بقول سيّئ ورَجَبْتُه: يعنون صككته، الفراء: اطمأننت إليه، ولغة بني أسد

стр. 1492

اطبأننت، الكسائي: النُّغْمَةُ والنُّغْبَةُ من الشراب، إذا تناولت منه شيئاً قليلاً، وقد نَغَبَ وَنَغَمَ، ويقال: هو يَتَمَجَّحُ وَيَتَبَجَّحُ بمعنى واحد، وهو من الفخر، الفراء: ذهب القوم شَذَرَ مَذَر، وشذر بَذَر - بفتح أولهما وكسرهما - أبو زيد: الرَّمِيز من الرجال العاقل الثخين، وقال بعضهم الرَّبيز، وقد رَمُز رَمَازَة ورَبُز ربازة، أبو عبيدة: العِقْمَة والعِقْبَة ضرب من الوشي، الفراء: يقال: تعرف فيه عِقْبة الكرم وعقمته أيضاً، والعقمة والعقبة أيضا ضربو ثياب الهودج، اللحياني: أسود غيهب وغيهم، وإنه لميمون النقيبة والنقيمة، وعَجْب الذنب وعَجْمه: أي أصله، والعمرى والعبرى للسدر الذى ينبت على الأنهار والمياه، اللحياني: ضربة لازب ولازم، ويقال: ثوب شَبَارِق وشَمَارِق، وَمُشَبْرق ومُشَمْرَق، إذا كان ممزقاً، ويقال: وقع في بنات طَمَارِ، وطَبَارِ: أي داهية، ويقال: رجل دِنَّبَة ودنَّمة للقصير، ويقال: أدْهقْت الكأس إلى أصْبَارها وأصْمَارها: أي ملأتها إلى رأسها، الواحد صُبْر وَصُمْر، الأصمعي: يقال: أخذ الأمر بأصباره وأصماره: أي بكلِّه، وأخذها بأصبارها وأصمارها: أي تامة بجميعها، اللحياني: أصابتهم أزْمَة وأزْبَة، وآزِمة وآزبة، وهو الضيق والشدة، الكسائي: اضْمَأَكَّتْ الأرض واضْبَأَكَّتْ، إذا اخضرت من النبات، ويقال: كمَحْتُه باللجام وكَبَحْتُه وَأكْمَحْتَهُ وأكْبَحْتُهُ، أبو عمرو: الذام والذاب والذان العيب، اللحياني: ذأبْته وذأمْته، إذا طردته وحقرته، ورأبْت القِدْح ورأمته، إذا شَعَبته، ويقال: زَكَم بنُطْفته وزَكَب، إذا حذف بها، ويقال: هو ألأم زَكْمَةٍ في الأرض وزَكْبَةٍ معناه ألام شئ لقطه شئ، ويقال أبِدَ عليه وأمِدَ: أي غضب، ويقال: وقعنا في بَعْكُوكاء ومَعْكُوكاء: أي في غبار وجلبة وشر، الفراء: جرد بت في الطعام وجَردَمْت، وهو أن يستر بيده ما بين يديه من الطعام لئلا يتناوله أحد، وتكبكب الرجل في ثيابه وتكَمَكم: أي تزمل، وكَبَن اللصوص في الجبل

стр. 1493

وكمنوا، وقال أبو صاعد: العطاميل هي البكرات التَّوَامُّ الخلق، والعطابيل " هذا ما أورده ابن السكيت وقد حذفنا منه الشواهد. وزاد الزجاجي مَكَّةَ وَبَكَّةَ، ورجل سَهْلَبٌ وَسَلْهُمٌ: أي الطويل، والموماة والبوباة: أي الصحراء الخالية: ورجل شيظم وشيظب: أي طويل أنشد الجاربردي - وهو الشاهد الواحد والعشرون بعد المائتين -: (من الوافر) ٢٢١ - هَلْ أنْتُمْ عَائِجُونَ بِنَا لَعَنَّا * نَرَى الْعَرَصَاتِ أوْ أثَرَ الْخِيَام على أن الأصل لعلنا، فأبدلت اللام نوناً بضعف. وقد أورد ابن السكيت في كتاب الإبدال كلمات كثيرة وقع التبادل فيها بين اللام والنون، وهي: " قال الأصمعي: هَتَنَتْ السماء تَهْتِن تَهْتَاناً وهَتَلَت تهْتِل تَهتالاً، وهن سحائب هُتن وَهُتَّل، وهو فوق الهطل، والسدول والسدون: ما جلل به الهودج من الثياب وأرخى عليه، والكَتَلُ والكَتَنُ التلزج ولزوق الوسخ بالشئ، ويقال: رأيت في بني فلان لَعَاعَة حسنة ونعاعة حسنة، وهو بقل ناعم في أول ما يبدو رقيق ولم يغلظ، وتلعيت اللعاعة إذا اجتنيتَها، ويقال: بعير رِفَنٌّ ورِفَلٌّ، إذا كان سابغ الذنب، ويقال: للحَرَّة لُوبة ونُوبة، ومنه قيل: للاسود لُوبيّ ونوبي، الأصمعي: يقال: طَبَرْزَنٌ وطَبَرْزَل للسكَّر، ويقال: رَهْدَنَة ورَهْدَلَة ورَهَادِين ورَهاديل، وهي الرهادن والرهادل، وهو طُوَيْر شبيه القبِّرة، إلا أنه ليست له قُنْزَعة (١) والرهدن والرهدل: الضعيف أيضا، ويقال:

стр. 1494

لقيته أصيلالا وأُصَيْلاناً: أي عشياً، وأُصَيْلالٌ تصغير أَصيل على غير قياس، والدَّحِن والدَّحِل، قال أبو زيد: الدَّحِن من الرجال العظيم البطن، وقد دَحِنَ دَحَناً، وقال الأصمعي: هو الدَّحِل باللام، أبو عبيدة: صَلَّ اللحم صُلُولاً وأصَلَّ اللحم، وقوم يجعلون اللام نوناً فيقولون: قد أصَنَّ اللحمُ، أبو عمرو الشيباني: الْغِرْيَنُ والْغِرْيَلُ: ما يبقى من الماء في الحوض، والغديرُ، أبو عمرو: الدمال السرجين (١) ويقال: الدَّمان، الفراء: هو شَئْنُ الاصابع وشثلها، وقد شثنت كفه شثونة وشثانة، وشثلت، وهو الغليظ الخشن، وأتَن الرجل يَأْتِنُ وأتَل يَأْتِلُ، وهو الأتَلان والأتَنان، وهو أن يقارب خطوه في غضب، الكسائي: أتاني هذا الأمر وما مأَنْتُ مَأْنَهُ وما مَأْلْتُ مَأْلَهُ: أي ما تهيأت له، وهو حَنَك الغراب وحَلَكه لسواده، وهو العبد زلَمة وزُلْمة وزَنَمَة وزُنْمَة: أي قَدُّه قَدّ العبد، معناه إذا رأيته رأيت أثر العبد فيه، وأبَّنْتُهُ وأبَّلْتُهُ إذا أثنيت عليه بعد موته، وتأسَّنَ أباه وتأسَّله، إذا نزع إليه في الشبه، وعُنْوان الكتاب وعُلْوانه، اللحياني: يقال: عَتَلْتُه إلى السجن وعَتنْتُه، وأنا أعتُله - بالضم والكسر - وأعْتُنه كذلك، وارمَعَلَّ الدَّمعُ وارمعنَّ، إذا تتابع، ويقال: لاَبَنَ ولاَبَلَ، وإسماعيل وإسماعين، وميكائيل وميكائين، وإسرافيل وإسرافين، وإسرائيل وإسرائين، وشراحيل وشراحين وجبرئيل وحبرئين. وسمعت الكلابي يقول: آلصت الشئ أليصه إلاصة وآنصته أُنيصه إناصة، إذا أدَرْته، ويقال ذلاذل القميض وذناذنه لأسافله، الواحدة ذَلْذَلٌ وَذَنْذَنٌ: ويقال: هو خامل الذكر وخامِنُ الذكر، الفراء: ما أدري أيُّ الطَّبْن هو وأيُّ الطَّبْل (٢) هو، وحُكي: بَنْ أنا فَعَلْتُ، يريد بَل، أبو زيد: نَمَّق ينمقه ولمقه يلمقه، وقنة الجبل وقلته لاعلاه "

стр. 1495

هذا ما ذكره ابن السكيت باختصار الشواهد. وزاد الزَّجاجي: السَّلِيطُ والسَّنِيطُ (٢) ، وَنَفَحْتُه بالسيف ولَفَحْتُه، ولَفَحَتْه النار ونَفَحَتْه، وكَلِعَت يَدَُه وكَنِعَت: أي دَرِنَتْ وَوَسِخَت، ولَجلَجَ في كلامه ونَجْنَج، ونَقَس الْقَوْمَ يَنْقُسُهُمْ نَقْساً، ولَقَسَ لَقْساً: أي لقيهم والبيت الشاهد مطلع قصيدة للفرزدق مدح بها هشام بن عبد الملك وهجاً جريراً، ورُوِي أيضاً: * ألستم عائجبين بِنَا لَعَنَّا * و " عائج " اسم فاعل من عُجْت البعير أعوجه إذا عطفت رأسه بالزمان، والباء بمعنى مع، وعرصة الدرا: ساحتها، وهي البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء، وسميت عَرْصَة لان الصبيان يعترصون فيها: أي يلعبون ويمرحون، وقد شرحنا بعض أبياتها في الشاهد الحادي والثلاثين بعد السبعمائة من شواهد شرح الكافية. وأنشد بعده - وهو الشاهد الثاني والعشرون بعد المائتين: (من المديد) ٢٢٢ - رُبَّ رَامٍ مِنْ بَنِي ثُعَلٍ * مُتْلِجٍ كَفَّيْهِ في قتتره على أن أصله مُولج فأُبدلت الواو تاء، وأورد ابن جني في سر الصناعة شيئاً كثيراً من هذا، ثم قال: " وهذه الألفاظ وإن كانت كثيرة فإنه لا يجوز القياس عليها، لقلتها بالإضافة إلى ما لم تقلب فاؤه تاء، فأما ما تقيس عليه لكثرته فهو افْتَعل وما تصرف منه إذا كانت فاؤه واواً، نحو اتَّزَن واتَّلَجَ واتَّصَفَ، والاصل او تزن، واوْتَلَجَ واوتَصَفَ وجميع ما ذكره ابن جني أخذه من كتاب الإبدال لابن السكيت، ولم يورد الزجاجي شيئا من هذا

стр. 1496

والبيت مطلع قصيدة لامرئ القيس، وجواب رُبَّ في بيت بعده، وهو: قَدْ أتَتْهُ الْوَحْشُ وَارِدَةً * فَتَنَحَّى النَّزْعُ فِي يَسَرِهِ فَرَمَاهَا فِي فَرَائِصِهَا * بَإزَاءِ الْحَوْضِ أوْ عُقُرِهْ بَرَهِيشٍ مِنْ كِنَانَتِهِ * كَتَلَظِّي الْجَمْرِ فِي شَرَرِهْ رَاشَهُ مِنْ ريشه نَاهِضَةٍ * ثُمَّ أمْهَاهُ عَلَى حَجَرِهْ فَهْوَ لا تَنْمِي رمِيَّتُهُ * مَالَهُ لاَ عُدَّ مِنْ نَفَرِهْ مَطْعَمٌ لِلصَّيْدِ لَيْسَ لَهُ * غَيْرَهَا كَسْبٌ عَلَى كِبَرِهْ قوله " رب رَامِ إلخ " ثُعل - بضم المثلثة وفتح المهملة -: هو أبو قبيلة من طي هم أرمى العرب، ويضرب المثل بهم في جودة الرمي، وهو ثُعل بن عمرو بن الغوث بن طي، وهو غيرُ مُنْصرف للعلمية والعدل، وجره هنا للضرورة، و " مُتْلِجٍ " بالجر صفة ثانية لرام، وقتر - بضم القاف وفتح المثناة الفوقية -: جمع قُتْرَة - بضم فسكون - وهي حُفَيرة يكَمُن فيها الصياد لئلا يراه الصيد فينفر، وإنما أدخل كفيه في قُتَره لئلا يعلم به الوحش فيهرُب، وصفه بحِذْق الرمي، وروي في سُتَره: جمع سُترة، وهو الموضع الذي يستتر فيه، وقيل هو الكُمّ، وهو سترة اليد والذراع، وأراد بقوله " رُبَّ رام " عمرو بن المُسَبِّح بن كعب بن طَرِيف بن عبد بن عَصَر بن غَنْم بن حارثة بن ثَوْب بن مَعْن بن عَتُود بن عنين بن سلامان ابن ثُعَل، والْمُسَبِّح بوزن اسم الفاعل من التسبيح، وابنه عمرو صحابي، قال صاحب الاستيعاب: " قال الطبري عاش عمرو بن المسبح مائه وخمسين، ثم أدرك النبي ﷺ ، ووفد إليه وأسلم، قال: وكان أرمى العرب، وله يقول امرؤ القيس * رُبَّ رَامٍ مِنْ بَنِي ثعل *

стр. 1497

وقال فيه أيضاً: * يَحَاذِرْنَ عَمْراً صاحِبَ الْقُتَرَات * " انتهى وكذا قال أبو حاتم في كتاب الْمُعَمِّرين، وقال: " إنه مات في زمن عثمان ابن عفان ﵁، وهو القائل: لَقَدْ عُمِّرْتُ حَتَّى شَفَّ عُمْرِي * عَلَى عُمْرِ ابْنِ عُكْوَةَ وَابْنِ وَهْبِ وَعُمْرِ الْحَنْظَلِيِّ وَعُمْرِ سَيْفٍ * وَعُمْرِ ابْنِ الوداة قريع كعب " انتهى. وقال ابن المُسْتَوفي في شرح أبيات المفصل: " قدم على النبي ﷺ وهو يومئذٍ ابن مائة وخمسين سنة - فسأله عن الصيد، فقال: كُلْ مَا أصْمَيْتَ ودَعْ ما أنْمَيْت، وله يقول الشاعر: (من الكامل) نَعَبَ الْغُرَابُ ولَيْتَهُ لَمْ يَنْعَبِ * بِالبَيْنِ مِنْ سَلْمَى وَأُمِّ الْحَوْشَبِ لَيْتَ الْغُرَابَ رَمَى حَمَاطَةَ قَلْبِهِ * عمرو بأسهمه التى لم تغلب " انتهى. وقوله " قد أتَتْه إلخ " هذا جواب رب، وتنحى: اعترض، وروي " فَتَمَتَّى " أي مدَّ ونزع القوس، وقيل: التمتي في نزع القوس مَدُّ الصلب، واليسر: حيالَ الوجه والشَّزْرُ يمنة ويسرة، وقالوا: إنما هو اليَسْر فحركة بالفتح، يقال: حَرَّف لها السهم حيال وجهه، وقال بعضهم من يَسِرَه: أراد يسره يديه، وقوله " فرماها إلخ " الفريصة: لحمة في الإبط، وإزاء الحوض - بكسر الهمزة -: مصب الماء فيه، والعُقْر - بضمتين -: مقام الشاربة من الحوض، والرهيش: السهم الخفيف، والكِنانة: الجَعْبة، وشبه السهم بالجر في التهابه، والناهضة: العقاب وأمَهَاه: سَنَّه وحدده وأراد بالحجر المِسَنّ، وقوله " فهو لا تنمي " في المصباح نَمَى الصيدُ يَنْمِي من باب وَفَى: غاب عنك، ومات بحيث لا تراه، ويتعدى

стр. 1498

بالألف، فيقال: أنْمَيْتُه، وفي الحديث: كُلْ ما أَصْمَيْتَ وَدَعْ مَا أنْمَيْتَ: أي لا تأكل ما مات بحيث لم تره، لأنك لا تدري هل مات بسهمك وكلبك أو بغير ذلك، وصَمَى الصيدُ - من باب رمى -: مات وأنت تراه، ويتعدى بالالف فيقال: أصميته، إذا قتلته بين يديك وأنت تراه، والبيت يروى بالوجهين لا تُنْمَى - بالبناء للمفعول - من أنماه: ولا تُنْمِي - من نمى الصيدُ، بإسناد الفعل إلى الرَّمْيَة، وقوله " ماله " استفهام تعجبي، وجملة " لا عد من نفره " دعاء عليه، والمراد مدحه كقولهم في المدح: قاتله الله ما أشعره، وأراد بالنفر قومه، والضمير للرامي: أي لا كان معدوداً في قومه، بأن عدموه وفقدوه، وهذا تأكيد لمعنى التعجب في " ماله " وقوله " مُطْعَم " هو اسم مفعول من أطعم، يريد أن وجه كسبه من الصيد فهو يُرْزق منه. وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث والعشرون بعد المائتين -: (من الرجز) ٢٢٣ - يَا قَاتَلَ الله بَنِي السِّعْلاَتِ * عَمْرِو بْنِ يَرْبُوعٍ شرار النات * غير أعفاء ولا أكْيَاتِ * على أن الأصل شرار الناس، ولا أكياس، فأبدلت السين فيهما تاء كما فعل بسِتّ، وأصلها سِدْس بدليل قولهم التسديس وسُدَيْسَة، فقلبوا السين تاء فصارت سِدْتٌ، فتقارب مع الدال في المخرج، فأبدلت الدال تاء فأدغمت فيها، وقالوا أيضاً في طَسٍ طَسْتٌ، وفي حَسِيس (١) حِتيتٌ، هذا ما ذكره ابن جني في سر الصناعة ولم يزد على هذه الاربعة، وزاد عليها ابن السكيت في كتاب الإبدال عن الأصمعي: " يقال: هو على سُوسِه وتوسه: أي خليقته، ويقال:

стр. 1499

رجل خَفَيْسَأُ وخَفَيْتَأُ، إذا كان ضخم البطن إلى القِصَر ". وزاد الزجاجي: الاماليس والاماليت، لما استوي من الأرض، ونصيب خَسِيسٌ وخَتِيتٌ، ومنه أخَسّ حقه وأخَتَّه: أي قَلَّلَه، وهو شديد الحساسة والختاتة. وهذه الأبيات الثلاثة أوردها أبو زيد في موضعين من نوادره ونسبها في الموضع الأول إلى قائلها، وهو عَلْياء بن أرقم اليَشْكُري، وهو شاعر جاهلي، وكذا نسبها إليه الأسود أبو محمد الأعرابي، وقال في ضالة الأديب وهي أمالي أملاها على نوادر ابن الأعرابي: هي ثلاثة أبيات لا غير، وأنشدها الجوهري في مادة (س ي ن) من الصحاح، ونسبها ابن بري في أمالية عليه لعَلْياء أيضاً، وقال أبو زيد في الموضع الثاني: " قال المفصل: بلغني أن عمر بن يَرْبُوع بن حنظلة تزوج السِّعلاة فقال لها أهلها: إنك تجدُ بها خير امرأة ما لم تر برقاً، فسَتِّر بيتك إذا خفت ذلك، فمكثت عنده حتى ولدت له بنين، فأبصرت ذات يوم برقاً فقالت: (من الرجز) الْزَمْ بَنِيكَ عَمْرُو إنِّي آبِقٌ * بَرْقٌ عَلَى أرْضِ السَّعَالِي آلِقُ فقال عمرو: (من الوافر) ألاَ لِلَّهِ ضَيْفُكِ يَا أُمَامَا * رَأَى بَرْقاً فَأَوْضَعَ فَوْقَ بَكْر * فَلاَ بِكِ مَا أَسَالَ وَمَا أغَاَمَا * وقال الشاعر في عمرو هذا: * يَا قَاتَلَ الله بَنِي السِّعْلاَةِ * إلى آخر الأبيات الثلاثة " انتهى. وقوله " يا قاتل الله إلخ " المنادى محذوف تقديره يا قوم، أو أنها للتنبيه، ولا حذف، وجملة " قاتل الله إلخ " دعاء عليهم بالهلاك لعدم عفتهم، وعدم كياستهم، وروي " يا قَبَّح الله " يقال: قبحه الله يقبَحُه - بفتح العين فيهما - قبْحاً: أي نحاه عن الخير، وفي التنزيل: (هُمْ مِّنَ المقبوحين) أي: المبعدين عن الفوز،

стр. 1500

والسِّعلاة بالكسر، وهي أنثى الغول، وقيل: ساحرة الجن اشتهر في العرب أن عمرو بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة ابن تميم تزوج سِعْلاَة فأقامت دهراً في بني تميم وأولدها عمرو أولاداً، وكان عمروٌ إذا رأى برقاً أسبل عليها الستور فغفل عنها يوماً وقد لاح برق من ناحية بلاد السَّعَالِي فحنت إلى أهلها فقعدت على بكر من الإبل وذهبت فكانَ ذاك آخرَ عهده بها، واشتهر أولادها من عمرو ببني السِّعلاة قال ابن دريد في كتاب الاشتقاق: عِسْل بن عمرو بن يربوعٍ وضَمْضَم أبناء عمرو بن يربوع من السعلاة، وجاء الإسلام وهم: يمانية فاختطوا خُطَّة بالبصرة، ومنهم ربيعة بن عِسْل، ولاه معاوية ﵁ هَرَاة وقوله " عمرو بن يربوع " بالجر بدل من السِّعلاة، ولم يصب بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل في قوله: " عمرو بدل من بني السِّعلاة، أو نصب على الذم، وشرار النات: صفة عمرو، لأنه قبيلة هنا، جعل أمهم سِعْلاة لقبحها، وقيل: تزوج عمرو بن يربوع سِعْلاة وولدت له أولاداً، ثم تناسل الأولاد فصار عمرو بن يربوع اسم القبيلة " هذا كلامه مع عُجْزِه وبجره (١) وروي في بعض نسخ الشرح وغيره عمرو بن مسعود، وهو غير صحيح، و " شرارِ " بالجر صفة لبني، وهو جمع شَرِير ككرام جمع كريم، و " غير " بالجر أيضاً صفة أخرى لبني، وأعفاء: جمع عفيف من العفة وهي هيئة للقوة الشهوية متوسطة بين الفجور الذي هو إفراط هذه القوة والجمود الذي هو تفريطها، وأكياس: جمع كَيِّس بالتشديد كأجياد جمع جَيْد، مأخوذ من الكَيْس - كَفَلْس - وهو الظَّرْف والفطنة، وقال ابن الأعرابي: هو العقل، وقولها " الزم بنيك عمرو " هو منادى وآبق: هارب، وآلِق: لامع، وقوله " ألا لله ضَيْفُكِ يَا أُمَامَا " قال أبو زيد: " لم نسمع بقافيته، ويروى:

стр. 1501

* ألاَ لِلَّهِ ضِيفُكِ * والضِّيفُ: الناحية والمحلة، وكذلك ضِيفُ الوادي ناحيته ومحلته، وقوله " فَلاَ بِكِ مَا أسَالَ " أي: فلابك ما وافقت سيلانه وإغامته، وأراد الغيم الذي رأت فيه البرق " انتهى كلامه. يريد أن " ضيفك " روي بفتح الضاد وكسرها، وقوله " فلا بك " أورده ابن جني في موضعين من سر الصناعة على أن الباء فيه للقسم، وقال السخاوي في سفر السعادة: ذَكَّر " رأى، وأوضع " وهو يريد السعلاة، لأنه ذهب إلى معنى الحبيب والخليل، فيكون في قوله " فلابك " التفات من الغيبة إلى خطابها، وأوضع متعدي وَضَع البعير وغيره: أي أسرع في سيره، وأوضعه راكبه: أي جعله واضعا: أي مسرعاً، والبَكْر - بفتح الموحدة - الفَتِيُّ من الإبل، وجملة " ما أسَالَ إلخ " جواب القسم. وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع والعشرون بعد المائتين -: (من الرجز) ٢٢٤ - صَفْقَةَ ذِي ذَعَالِتٍ سُمُولِ * بَيْعَ امْرِئٍ لَيْسَ بِمُسْتَقِيلِ على أن الذعالِت أصله الذعالب، فأُبدلت الموحدة مثناة فوقية. قال ابن جني في سر الصناعة: " قال أعرابي من بني عوف بن سعد: صَفْقَةَ ذِي ذَعَالِتٍ سُمُول إلخ، وهو يريد ذَعَالب، فينبغي أن يكونا لغتين، وغير بعيد أن تبدل التاء من الباء، وقد أبدلت من الواو وهي شريكة الباء في الشفة، والوجه أن تكون التاء بدلاً من الباء، لأن الباء أكثر استعمالاً، ولما ذكرناه أيضاً من إبدالهم التاء من الواو " انتهى كلامه. ولم يذكر ابن السكيت شيئاً من هذا في كتاب الإبدال " ولا الزجاجي. و" صفقة " منصوبة بخط ابن جني على أنه مفعول مطلق، يقال: صفقت له

стр. 1502

بالبيعة صفقاً: أي ضربت بيدي على يده، وكانت العرب إذا وجب البيع ضرب أحدهما على يد صاحبه، ثم استعملت الصفقة في العقد، فقيل بارك الله لك في صفقة يمينك، قال الأزهري: وتكون الصفقة للبائع والمشتري، و " الذعالب " بالذال المعجمة قَطع الخِرَق، وقد فسرها الشارح، و " سُمُول " بضم السين المهملة والميم، جمع سَمَل - بفتحتين -: الثوب الْخَلَق المقطع، و " بَيْع " مفعول مطلق، و " مستقيل " من استقاله البيع: أي طلب فسخه وأنشد الجاربردي هنا - وهو الشاهد الخامس والعشرون بعد المائتين - (من الرجز) ٢٢٥ - * مُنْسَرِحاً عَنْهُ ذَعَالِيبُ الْحَرَق * على أن صاحب الصحاح أنشده وقال: الذعاليب: قطع الخِرَق، واحدها ذُعْلُوب. والبيت من أرجوزة طويلة لرؤبة بن العجاج تزيد على مائتي بيت، شبه ناقته في الجلادة وقطع الفيافي بسرعة بحمار الوحش وأُتُنِهِ، وقبله: أحْقبُ كَالْمحْلَجِ مِنْ طُولِ الْقَلَقْ * كَأنَّهُ إذْ رَاحَ مَسْلُوسُ الشَّمَقْ نُشِّرَ عَنْهُ أوْ أسِيرٌ قَدْ عَتَقْ * مُنْسَرِحاً عَنْهُ ذَعَالِيبُ الْحَرَقْ والأحقب: حمار الوحش، والأنثى حقباء، والمِحْلَج: آلة الحلج، وهو تخليص الحبّ من القطن، وقال الاصمعي في شرحه: شبههه بالمِحْلج لصلابته، وينبغي أن يقال: لكثرة حركته واضطرابه، ومن طول القلق: وجه الشبه، وهو كناية عن عدم سكونه، والقلق: الاضطراب، وراح: نقيض غَدَا، يقال: سَرَحَتْ الماشية بالغداة، وراحت بالعشي: أي رجعت، والعامل في " إذ " ما في كأنَّ من معنى التشبيه، يصف رجوعه إلى مأواه " ومَسْلُوسُ " خبر كأنه، وهو من السُّلاس - بالضم - وهو ذهاب العقل، والشَّمَق: النشاط، وقيل:

стр. 1503

مَرَح الجنون، ونُشِّر - بالبناء للمجهول بالتخفيف والتشديد -: أي رُقِيَ وَعُوِّذ، كما نشر عن المسحور فبرأ، والنشرة - بالضم -: الرقية والعُوذَة، وعَتَق: خلص من الأسر، يقول: كأن هذا الحمار الذي شبه ناقته به كالامن كثرة حركته فحين أراد الرجوع إلى مأواه نَشِطَ شوقاً إليه فكأنه مجنون نشاط، أو أسير صادف غِرَّة فتفلت من أسره، فهرب أشد الهرب، والمنسرح: الخارج من ثيابه، وهو حال من ضمير راح سببية، وذعاليب: فاعلها، وضمير عنه للأحقب، وهذا تمثيل، يريد أن هذا الحمار تساقط عنه وبره وشعره وهذا مما ينشِّطه، والرواية في ديوانه: * مُنْسَرِحاً إلاَّ ذَعَالِيبَ الْحَرَق * يعني أنه انسرح من وَبَره إلا بقايا بقيت عليه، والحرق - بالحاء والراء المهملتين المفتوحتين -: تحات الوبر، من قولهم: حَرِق شعره - من باب فرح -: أي تقطع ونسل، وضبطه بعضهم بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء، وليس له وجه هنا وإنما جعله كذلك اتباعاً لما شرحوا به الذعاليب. وقد شرحنا منها أبياتاً كثيرة في الشاهد الخامس، وفي الشاهد الواحد والثلاثين بعد الثمانمائة، من شرح شواهد شرح الكافية. وأنشد أيضاً بعده - وهو الشاهد السادس والعشرون بعد المائتين -: (من البسيط) ٢٢٦ - وَقَدْ أكُونُ عَلَى الحاجات ذالبث * وَأحْوَذِيّاً إذَا انْضَمَّ الذَّعَالِيبُ وقد شرحه وأغنانا عن شرحه (١)

стр. 1504

وأنشد الشارح - وهو الشاهد السابع والعشرون بعد المائتين -: (من الكامل) ٢٢٧ - فَتَرَكْنَ نَهْداً عُيّلاً أبْنَاؤُهَا * وَبَنِي كِنَانَة كَاللُّصُوتِ الْمُرَّدِ على أن أصله كاللصوص، فأبدلت الصاد تاء قال ابن السكيت في كتاب الإبدال: " قال الفراء: وطيّئ يسمون اللُّصُوصَ اللصوت، ويسمون اللص لِصْتاًَ، وهم الذين يقولون للطَّسِّ طَسْت، وأنشد لرجل من طي: * فَتَرَكْنَ نَهْداً * البيت " وقال أيضاً في كتاب المذكر والمؤنث: " وبعض أهل اليمن يقول: الطِّسْتُ، كما قالوا في اللص: لِصْتُ " ونسب الصاغاني في العباب هذا البيت إلى عبد الأسود بن عامر بن جُوَيْن الطائي قال ابن الحاجب في أماليه على المفصل: " معناه أن هؤلاء تركوا هذه القبيلة أبناؤها فُقَرَاء، لأنهم قتلوا آباءهم، وبنى كنانة كذلك، وانضم إلى ذلك أنهم بَقُوا من شدة الفقر لصوصا مردة " انتهى. ونَهْدٌ: أبو قبيلة: من اليمن، وهو نهد بن زيد بن لَيْث بن سود بن قضاعة، ووقع في موضعين من جمهرة بن دريد " فتركن جَرْماً " بفتح الجيم، وَجَرْمٌ بطنان في العرب: أحدهما في قضاعة، وهو جَرْمُ بن زَبَّان، والآخر في طي، وعُيَّل: جمع عائل، كرُكَّع جمع راكع، من عَالَ يَعِيلُ عِيْلَةً، إذا افتقر فهو عائل، وأبناؤها: فاعل عُيَّل، ومُرَّد: جمع مارد، من مَرَدَ يَمْرُد - من باب قتل - إذا عتا وخبث، ورواه ابن جني في سر الصناعة " فتركْتُ " بضمير المتكلم وعامر بن جُوَيْن: شاعر فارس جاهلي، وابنه مثله جاهلي

стр. 1505

وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن والعشرون بعد المائتين -: (من الطويل) ٢٢٨ - فَهِيَّاكَ وَالأَمْرَ الَّذِي إنْ تَوَسَّعَتْ * مَوَارِدُهُ ضَاقَتْ عَلَيْكَ الْمَصَادِر على أن أصله " إياك " فأبدلت الهمزة هاء وهذا الفصل كله من سر صناعة الإعراب لابن جني، وأطال الكلام في أمثلته إن شئت راجع باب الهاء منه والبيت أنشده أبو تمام في باب الأدب من الحماسة بحذف الفاء على أنه مخروم مع بيت ثان، وهو: فَمَا حَسَنٌ أنْ يَعْذِرَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ * وَلَيْسَ لَهُ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ عَاذِرُ ونسبهما إلى مُضَرِّس بن رَبْعِي الفَقْعَسي، وإياك: منصوب على التحذير، والأمرَ: معطوف عليه، وعاملهما محذوف، تقديره: إياك باعد من الأمر، والامرَ منك، والمَوْرِد: المدخل، والْمَصْدَر: المصرف، وعَذَرْتُه فيما صنع عذراً - من باب ضرب -: رفعت عنه اللوم، والاسم الْعُذْر - بالضم - وجملة " وليس له " حال من المرء ومُضَرِّس: شاعر جاهليّ قد ترجمناه في الشاهد الرابع والثلاثين بعد الثلاثمائة من شواهد شرح الكافية وأورده أبو تمام في كتاب مختار أشعار القبائل لطُفَيْل الْغَنَوِيّ الجاهلي من جملة أبيات كذا: " فما لى كِرَامَ الْقَوْمِ وَانْمِ إلَى الْعُلَى * وَدَعْ مَنْ غَوَى لاَ يُجْدِيَنْ لَكَ طَائِرُهْ وَلاَ تَكُ مِنْ أخْدَانِ كُلِّ يَرَاعَةٍ * خَرِيعٍ كَسَقْبِ الباز جُوفٍ مَكَاسِرُهْ

стр. 1506

وَإيَّاكَ وَالأَمْرُ الَّذِي إنْ تَرَاحَبَتْ * مَوَارِدُهُ ضَاقَتْ عَلَيْكَ مَصَادِرُهْ وَلاَ تَمْنَعَنَّ الدَّهْرَ مَاءً عَمَرْتَهُ * وَإنْ كَانَ أوْلَى النَّاسِ بِالْمَاءِ عَامِرُهْ وَإنْ قِيلَ قَوْلٌ سَيِّئٌ فِي مَقَامَةٍ * فَلاَ تَكُ مَوْلَى قَوْلِ سُوءٍ تُبَادِرُهْ " انتهى. وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع والعشرون بعد المائتين -: (من الكامل) ٢٢٩ - وَأَتَتْ صَوَاحِبُهَا فَقُلْنَ هَذَا الَّذِي * مَنَحَ الْمَوَدَّةَ غَيْرَنَا وَجَفَانَا على أن أصله أذَا الذي، فأبدلت همزة الاستفهام هاء قال ابن جني في المحتسَب: " لا يريد هذا الذي، بل يريد أذا الذى، تم أبدل همزة الاستفهام هاء، وقد يجوز مع هذا أن يكون أراد هذا الذي مخبراً، ثم حذف الالف " انتهى. فيكون حذفت الألف من هاء التنبيه المركبة مع ذا الإشارية، ويكون الكلام خبراً لا إنشاء والبيت مشهور: أنشده الجوهري في آخر الصحاح، وأنشده ابن جني في سر الصناعة عن الأخفش، والزمخشري في المفصل، وغيرهم، وقائله مجهول، ويشبه أن يكن من شعر عمر بن أبي ربيعة المخزومي، فإن في غالب شعره أن النساء يتعشقنه، وروي " وأتى صواحبها " فاعل جمع صاحبة، وزعم الجاربردي أنه مفعول، والفاعل ضمير، ويرده رواية " وأتت صَوَاحِبُهَا " وروي الأزهري في التهذيب عجزه كذا: * رامَ القَطِيعَةَ بَعْدَنَا وجفانا * والقطيعة: الهجر، ومنح: بمعنى أعطى، والله سبحانه أعلم بقائله:

стр. 1507

وأنشد الجاربردي - وهو الشاهد الثلاثون بعد المائتين، وهو من شواهد سيبويه -: (من الطويل) ٢٣٠ - بحَيَّهَلاَ يُزْجُونَ كُلَّ مَطِيَّةٍ * أمَامَ الْمَطَايَا سَيْرُهَا المُتَقَاذِفُ على أن حَيَّهَلاَ جاء بالألف كما في البيت، وهو مركب من حَيَّ ومن هَلا، كتركيب خمسة عشرَ، وهو محكيّ أريد لفظه بدون تنوين قال الأعلم في شرح أبيات سيبويه: " الشاهد في قوله " بحَيَّهَلاَ " فتركه على لفظه محكيّاً، يقول: لعجلتهم يسوقون المطايا بقولهم: حَيَّهَلاَ، ومعناه الأمر بالعجلة، على أنها متقدمة في السير متقاذفة عليه: أي مترامية، وجعل التقاذف للسير اتساعاً ومجازاً " انتهى. والإزجاء - بالزاي والجيم -: السوق، والمطية: الدابة، وأمامَ - بالفتح - قال ابن الحاجب في أماليه: " يريد أنهم مسرعون في السير يسوقون بهذا الصوت لتسرع في سيرها، وقال: أمام المطايا، لأنه إذا سبقت الأولى تبعها ما بعدها، بخلاف سَوْق الأواخر، وقال: سيرها المتقاذف، يعني أنهم يسوقونها مع كون سيرها متقاذفاً، والتقاذف: الترامي في السير، وإذا سيق المتقاذف كان سيره أبلغ مما كان عليه، وأمام المطايا: في موضع وصف لمطية، وسيرها المتقاذف: جملة ابتدائية صفة لمطية، والجار والمجرور متعلق بِيُزْجُونَ " انتهى. والأجود أن يكون سَيْرُهَا فاعل الظرف، لاعتماده على الموصوف، والمتقاذف صفة لسيرها، ويجوز ما قاله الجاربردي (١) وقد شرحناه بأكثر من هذا في الشاهد الثالث والستين بعد الأربعمائة من شواهد شرح الكافية وأما " حيهلا " في الحديث فقد قال ابن الأثير في النهاية: " من حديث ابن

стр. 1508

مسعود (إذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ فَحَيَّهَلاَ بِعُمَرَ) أي: أقبل به وأسرع، وهي كلمتان جعلتا كلمة واحدة، فَحَيّ: بمعنى أقبل، وهَلاَ: بمعنى أسرع، وقيل: بمعنى اسكن عند ذكره حتى تنقضي فضائله " انتهى. وأنشد بعده - وهو الشاهد الواحد والثلاثون بعد المائتين -: (من مشطور الرجز) ٢٣١ - قَدْ وَرَدَتْ مِنْ أمْكِنَهْ * من ها هنا وَمِنْ هُنَهْ * إنْ لَمْ أُرَوِّهَا فَمَهْ * على أن الأولى أن تكون الهاء في مَهْ بدلاً من الألف، وأن تكون دِعَامَةً لما الاستفهامية بعد حذف ألفها بدون جارّ على قلة، وهذا الوجه الثاني لم أره لأحد غيره، ولم يقل أحد إن " ما " الاستفهامية تحذف ألفها بلا جار، نعم قالوا: إن ألفها تثبت مع الجار، وخرّجوا على هذا آيات، وأما الوجه الأول فهو المعروف، وذكره ابن جني في شرح تصريف المازني وفي المحتسَب، وفي سر الصناعة، قال في المحتسب بعد إنشاد الأبيات: " يريد إن لم أرَوِّهَا فما أصنع؟ أو فما مغناي؟ أو فما مقداري؟ فحذف الألف وألحق الهاء لبيان الحركة " انتهى. وقال في سر الصناعة: " أخبرنا بهذه الابيات بعض أصحبانا يرفعه بإسناده إلى قُطْرُب، ويريد بقوله: من هنه، من هنا، فأبدل الالف في الوقف هاء، فأما قوله: فمه، فالهاء فيه يحتمل تأولين: أحدهما أنه أراد فما: أي إن لم أرَوِّ هذه الإبل الواردة من هنا ومن هنا، فما أصنع؟ منكراً على نفسه أن لا يرويها، فحذف الفعل الناصب لما التي في معنى الاستفهام، والوجه الآخر أن يكون أراد إن لم أُرَوِّها فمه: أي فاكفف عنى فلست بشئ ينتفع به، وكأن التفسير الأول أقوى في نفسي " انتهى. وقوله " قد وردت " أي: الابل، والورد: الوصول إلى الماء من غير دخول

стр. 1509

فيه، وقد يكون دخولاً، وأمْكِنَه: جمع مكان، ومن ها هنا - إلى إلى آخره: بدل من امكنه، وروي " إن لم تُرَوِّها بالخطاب " وأنشد بعده: (من الرجز) لَمَّا رأى أن لا دعه ولا شبع * مال إلى أرطاة حقف فالْطَجَعْ على أن أصله اضطجع، فأبدلت الضاد لاما، قال ابن جني في المحتسب: " إن قيل: قد أحطنا علماً بأن أصل هذا الحرف اضتجع، افتعل من الضَّجْعَة، فلما جاءت الضاد قبل تاء افتعل أبدلت لها التاء طاء فهلا لما زالت الضاد فصارت بإبدالها إلى اللام رُدَّت التاء فقيل: التجع كما تقول: التجم والتجأ، قلنا: هذا إبدال عرض للضاد في بعض اللغات، فلما كان أمراً عارضاً أقَرُّوا الطاء بحالها إيذاناً بقلة الْحَفْل بما عرض من البدل، ودلالةً على الأصل المعتمد، وله غير نظير، ألا ترى إلى قوله * وكَحَّل الْعَيْنَيْنِ بالعواور * وكيف صحح الواو الثانية وإن كان قبلها الواو الأولى وبينهما ألف، وقد جاورت الثانية الطرف، ولم يقلبها كما قلبها في أوائل، وأصلها أواول، لما ذكرنا؟ إذ كان الأصل العواوير، وإنما حذفت الياء تخفيفاً وهي مرادة، فجعل تصحيح الواو دليلاً على إرادة الياء، وقد حكي إدغام الضاد في الطاء في قولهم في اضطجع: اطَّجَعَ، ومنه قراءة ابن مُحَيْصن (ثُمَّ أطَّرُّه) هذه لغة مَرْذُولة، لما فيها من الامتداد والفُشُو، وأنها من الحروف الخمسة التي يدغم فيها ما يجاورها، ولا تدغم هي فيما يجاورها، وهي: الشين، والضاد، والراء، والفاء، والميم، ويجمعها قولهم: ضُمَّ شَفْر، ويروى " فاضْطَجَعَ " وهو الأكثر والأقيس وقد تقدم شرح هذا الرجز في الشاهد الثالث والثلاثين بعد المائة من هذا الكتاب وأنشد الجاربردى - وهو الشاهد الثاني والثلاثون بعد المائتين -: (من البسيط)

стр. 1510

٢٣٢ - وقفت فيها أصيلا لا أُسَائِلُهَا * أعْيَتْ جَوَاباً وَمَا بالرَّبْعِ مِنْ أحَدِ على أن أصله أصيلان، فأبدلت النون لاماً، وأصيلان: مصغرُ جمعِ أصيل والبيت من قصيدة للنابغة الذبيانى، وقبله وهو مطلع القصيدة: يَا دَارَ مَيَّةَ بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ * أقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الأَبَدِ والمطلع شرحناه في الشاهد التاسع والثمانين بعد الثمانمائة، وشرحنا الثاني في الشاهد الثاني والسبعين بعد المائتين، وقد ذكرنا سبب القصيدة مع شرح أبيات من أولها في الشاهد السابع والأربعين بعد المائتين من شواهد شرح الكافية، وقد شرحت هذه القصيدة جميعها في مواضع متعددة هناك وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث بعد المائتين -: (من الوافر) ٢٣٣ - فَقُلْتُ لِصَاحِبي لا تَحْبِسَانَا * بِنَزْعِ أصُولِهِ وَاجْدَزَّ شِيحَا على أن أصله اجْتَزَّ، فقلبت تاء الافتعال دالاً والبيت من أبيات للمُضرِّس بن رِبْعِيّ الفقعسيّ الأسديّ، وهي وَضَيْفٍ جَاءَنَا وَاللَّيْلُ دَاج * وَرِيحُ القُرِّ تَحْفِزُ مِنْهُ رُوحَا فَطِرْتُ بِمُنْصُلِي فِي يَعْمَلاَتٍ * خِفَافِ الْوَطْءِ يَخْبِطْنَ السَّرِيحَا فَعَضَّ بِسَاقِ دَوْسَرَة عَلَيْهَا * عتِيقُ النَّيِّ لَمْ تَحْفِزُ لَقُوحَا وَقُلْتُ لِصَاحِبِي لاَ تَحْبِسَنِّي * بِنَزْعِ أصْولِهِ وَاجْدَزَّ شِيحَا فَلَمَّا أنْ تَعَجَّلْنَا شَوَاءً * قَلِيلَ النُّضْجِ لَكِنْ قَدْ أُلِيحَا خَلَطْتُ لَهُمْ مُدَامَةَ أذْرِعَاتٍ * بِمَاءِ سَحَابَةٍ خَضِلاً نَضُوحَا
следующие страницы →