وهي رؤية يجب أن تساعدك -مثلاً- لكي تكون مديراً كبيراً في شركة ما، فعندما تصل إليها يجب أن تساعد أكبر عدد ممكن من الناس، وبذلك ترتبط أكثر بالله ، فاللغة تعطيك قوة أكبر، واللغة تساوي إنساناً بأكمله؛ لأنك تتعلم لغة وتتكلم بها مع الناس وبذلك توسع لك الآفاق، فتقرأ وتصبح ماهراً، وبذلك تصبح من أقوى المتميزين.
أولاً: من الممكن أن تتعلم من التلفاز.
ثانياً: ممكن أن تتعلم من القاموس.
ثالثاً: ممكن أن تتعلم من الكتاب.
رابعاً: من الممكن أن تتكلم مع أحد الأصدقاء الأجانب.
فمثلاً ممكن أن تذهب إلى معهد أو مركز لتعليم اللغات، وبذلك فأنت خططت، ثم تبدأ بالخطوة الأولى أن تذهب بنفسك وتشاهد ماذا يفعلون، وتشترك يوميًّا، وتقرأ أربع كلمات وتحفظها تماماً، ثم توزع جهدك على مجموعات من الأشياء، فمثلاً تقول: لو كنت في مطعم
стр. 107
وأريد أن أتكلم فقط بهذه اللغة، أو أنا في بلد تتكلم فقط هذه اللغة، فتتعلم كيف تطلب الطعام، وكيف تطلب الفاتورة، فأنت تتعلم بالتحديد المعلومات اللازمة لك في هذا المطعم، ثم في المطار تتعلم المعلومات اللازمة لك في المطار وهكذا، وبذلك تتعلم اللغة بطريقة فعالة وسريعة، وهذا هو الفعل الاستراتيجي الذي يبدأ بالتخطيط، فأنت تخطط لتتعلم لغة.
وبفرض أنك تريد أن تسافر إلى بلد أجنبي أو أي بلد آخر فأنت تخطط من البداية فتسأل أية شركة سياحة: ما هي التذاكر وما نوعها وما هو سعرها؟ وما الطريقة التي تسافر بها إذا كانت بالطائرة أو بالسيارة أو بالحافلة.
فأنت تخطط قبل كل شيء، وهذا هو التخطيط الاستراتيجي فبمجرد أن تخطط وتحدد ما الذي تريده وكيف تبدأ للوصول إليه وتضعه في الفعل.
مثلاً: هيا نرجع إلى اللغة فأنت بدأت فعلاً تضع اللغة في الفعل، وبمجرد أن تضعها في الفعل تبدأ بالتقييم، فيجب أن تقيم هدفك، وتقسم هذه الخطوة، أي: هل أنت تسير في الطريق الصواب؟ وهل
стр. 108
تتعلم فعلاً ما تريد؟ وهل هذا هو المركز الذي تريده؟ وهل هذه هي المعلومات التي تريدها؟ ولذلك فأنت تقيم، وعندما تقيم من الممكن أن تبدأ في التعديل؛ لأن ما قيمته في أسلوبك للتعليم من الممكن أنك لا تستطيع أن تفهمه من المدارس، ولكن من الممكن أن تفهم من مجموعة من مصادر المعلومات بما فيها المدرس والكتاب والقراءة، وكل ذلك تتعلم منه.
لذلك نقول: إن أفضل طريق للتعليم الطريقة البصرية؛ حيث تبدأ تشاهد وتتعلم أكثر.
ومن هنا فإن التقييم يأخذنا للتعديل، فالتعديل يعدل من خطتك، وعندما تعدل من خطتك تقف للحظة وتتعلم مما قيمته وعدلته وتتعلم منه قبل أن تضعه في الفعل مرة أخرى، فعندما تعلمت منه تضعه في الفعل مرة أخرى، وتستمر في هذا التخطيط الاستراتيجي، وهو جزء كبير من الفعل الاستراتيجي، فتخطط وتضعه في الفعل، وتقيم وتعدل وتتعلم، ثم تضعها في الفعل مرة أخرى، وهذا هو الفعل الاستراتيجي الذي يعلمك خطوة بخطوة إذا كنت في الطريق الصواب أم لا.
لأن هناك بعض الناس يضعون أنفسهم في الفعل ويستمرون بكل
стр. 109
قوة وحماس، وعندما يصلون إلى نهاية الطريق يجدون أنهم لم يحققوا أي شيء؛ لأنهم لم يدركوا أن الطريق التي كانوا يسلكونها ليست هي الطريق الصحيحة للوصول إلى القمة، فيبدءون في الشكوى والشعور بالإحباط، وترك الرؤية بما فيها الغاية والغرض والهدف؛ لأنهم شعروا أنهم بعيدون عنها، وأن ما يفعلونه يجعلهم يفشلون، ولكن في الحقيقة هذا الفشل لازماً للنجاح.
فسأل الشاب وقال: كنت أعتقد أن الفشل لا يسبب إلا الإحباط! فرد الرجل وقال: الحقيقة لا يوجد فشل، ففي الطريق إلى الامتياز والقمة يوجد كل شيء.
وقال: ألا توجد الأمطار؟
فقال الشاب: نعم.
وقال: ألا توجد الرياح؟
فقال: نعم.
وقال: ألا توجد الصواعق؟
فرد: نعم.
والزلازل؟
стр. 110
فرد: نعم.
وقال: ألا توجد الأمراض؟
فرد: نعم.
وعندما تأكل في أي مكان فمن الممكن أن تصاب بتبسم.
فقال: نعم.
فسأله الرجل الحكيم وقال: هل عندما أكلت وأصبت بالتسمم بعدت كليًّا عن الطعام؟
فقال: بالطبع لا.
فقال له الرجل الحكيم: لماذا؟
فقال الشاب: لأنني سأموت.
فقال الرجل: ونفس الشيء بالنسبة إلى الطريق إلى الامتياز فلن تقف بسبب أي عائق مهما كان، فالفشل لازم للنجاح، وفي الواقع هو ليس فشلاً، ولكنه تجربة وخبرة ومهارة، ولكنك وقفت في هذا المكان لكي تفكر وتقيم.
وهنا التقييم والتعديل والتعلم عندما تقف مرة أخرى، وعندها لن يستطيع أن مخلوق على وجه الأرض أن يأخذ مهاراتك ومعلوماتك
стр. 111
ومعرفتك وقوتك؛ لأنك أصبحت جزءاً منك، وأصبحت جزءاً منها.
وعندما تعلم الطريق إلى الامتياز وتضع الاحتمالات لكل ما يمكن أن يحدث..
وقبل أن يكمل الرجل الحكيم كلامه رد الشاب وقال: احتمالات! ما هي الاحتمالات؟
فضحك الرجل وقال: هذه هي الخطوة التالية، وكنت على وشك أن أكلمك عنها، كما ترى أنك وضعت كل شيء في الفعل من: الأخذ بالأسباب، والتوكل على مسبب الأسباب، والارتباط بالمولى ، وعرفت ما هو الفرق بين الرؤية والغاية والغرض والهدف والفعل الاستراتيجي، وأن تضع كل ذلك في الفعل، ولا تضعه في أي شيء.
فرد الشاب وقال: إذن ما هي النهاية حتى أصل إلى الامتياز؟
فرد الرجل وقال: الطريق إلى الامتياز لا ينتهي بمجرد الوصول إلى النهاية، وعندما تصل إلى النهاية تجد بداية جديدة، فالنهاية في بأي شيء هي بداية الشيء الذي يليه، وعندما ينتهي الشيء الذي يليه تصل إلى بداية جديدة، وهذا هو الحال حتى آخر يوم في هذه الحياة.
والآن دعنا نتكلم عن الاحتمالات في خلال خطوة التخطيط، فأنت
стр. 112
تفكر في كل العوائق التي من الممكن أن تحدث وتضع لها الاحتمالات مقدماً، وعندما تعرفها مقدماً فأنت تضع لها الحل مقدماً، وهنا في طريقك إلى الامتياز عندما تواجه أي تحد من تحديات الحياة تكون جاهزاً تماماً؛ لأنك تعرفه وتدربت عليه.
فسأل الشاب وقال: هل من الممكن أن تكون هناك أشياء لم أتوقعها، ولم أضع لها الاحتمالات؟
فقال الرجل: نعم، ولكنك خططت للاحتمالات التي تعرفها، والتي لا تعرفها فأنت جاهزاً لها أيضاً.. لماذا؟ لأنك تعرف أن الطريق إلى الامتياز سيكون فيه بعض الاحتمالات، ولا يوجد مخلوق على وجه الأرض يعرف كل الاحتمالات، ويعرف كل العوائق؛ لأن الله يعلمنا لحظة بلحظة، وعندما تحقق الهدف وتصل -بإذن الله- إلى الطريق الصواب والطريق المستقيم، وتقترب أكثر من الله ، وتكون قد تعلمت تماماً، وتعرف حق الله ، وروعة الله ، وتعرف جماله وقدرته وحنانه، وكيف أن يبعث فيك كل ذلك ولكي تكون أفضل، وعندما ترى ما حدث وتنظر إلى الماضي فتجد أنه يتحول من أنه كان مؤلماً في يوم من الأيام إلى أنه أصبح مفرحاً، فتعلّم هذه الحكمة -أيها
стр. 113
الشاب- فأحياناً تنظر إلى الماضي فتجده مؤلماً، وتنظر إلى المستقبل فتجده مظلماً، ولكن انظر في داخلك وتوكل على الله بحب تام، ثم انظر من أخرى ستجد الماضي مفرحاً والمستقبل مشرقاً، وهذا هو الطريق إلى التميز، وهذا هو الطريق إلى الامتياز.
وبذلك فنحن تقريباً وصلنا إلى نهاية الطريق، ثم ابتسم.
وهنا ابتسم الشاب وقال: أية نهاية؟
قال الحكيم: اتفقنا أن نهاية الطريق هي بداية طريق جديد، فكل نهاية لها بداية، وكل بداية لها نهاية مستمرة في الزمن، فدعنا نصل إلى نهاية هذه الفكرة، وهي المهارة المتكاملة، ونهاية الفكرة التي تليها وهي الفعل الاستراتيجي، ونهاية الفكرة التي تليها وهي وضع الاحتمالات لكل شيء، وهنا دعنا نسير معاً في الطريق إلى التميز لكي نصل إلى العوائق الأساسية التي من الممكن أن تعوقك وتبعدك عن الطريق إلى الامتياز، وأنا أسمي هذه الأشياء -أيها الشاب- لصوص الحياة ولصوص التميز والنجاح، وأول لص هو الذي حلف بعزة المولى أن يبعدنا عن الطريق المستقيم وقال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١) ، وهو
стр. 114
الشيطان الرجيم.
ويجب أن تعرف أن إستراتيجية الشيطان تتكون من ثلاثة أجزاء أساسية هي:
الجزء الأول: هو أن يوقعك في الشرك بالله -لا قدر الله-، ومن ضمن أنواع الشرك التي يقولها بعض الناس بدون علم، ودون أن يعرفوا ما يفعلون فيقولون: توكل على الله وعليك وهذا شرك؛ لأنك عطفت بهذه الواو شخصاً فأصبح هذا الشخص في نفس المستوى الذي تتوكل عليه ، ولذلك كن حذراً، فتوكل على الله فقط، ثم قل: وعندي ثقة -إن شاء الله- فيك.
الشرك بالله يجعلك تبتعد تماماً عن هذه الطاقة الروحانية؛ لأنك أصبحت ضائعاً في المادة وفي الدنيا.
وبعض الناس يعقدون أن الأسباب هي السبب.
الجزء الثاني: إن لم يستطع أن يوقعك في الشرك فإن يبعدك عن الطاعة.
فسأل الشاب: كيف؟
قال الرجل: هناك قصة كتبها الشيخ الشعراوي ﵀ وهو
стр. 115
يتحدث عن أبي الدرداء ﵁ عندما ذهب إليه رجل وقال له: إنه خسر كل شيء، وإنه وضع ثروته ودفتها في مكان ما، ولا يعرف أي وضعها، وطلب من هذا الولي من أولياء الله الصالحين أن يجيبه عليها.
وأجاب أبو الدرداء ﵁ قائلاً: كيف أستطيع أن أفعل ذلك، ولكن ما أستطيع أن أقوله له: إن غداً -إن شاء الله- اذهب لصلاة الفجر وبنية تامة اطلب من الله أن ينير لك الطريق لكي تجدها.
فشكره الرجل وذهب.
وفي اليوم الثاني استيقظ مبكراً وذهب إلى المسجد لصلاة الفجر، وفي طريقه للمسجد تذكر أين وضع ثروته، فذهب مسرعاً ووجدها فعلاً وأخذها، وكان في منتهى السعادة، وذهب أبي الدرداء ﵁ وقال له: وجدتها وجدتها، لقد وجدتها.
فسأله أبو الدرداء ﵁ بابتسامة وقال له: هل صليت الفجر؟
فنظر له الرجل بنظرة حزن وقال: لا.
فقال أبو الدرداء ﵁: علمت أن الشيطان لن يتركك هذه الليلة.
وهذا هو البعد عن الطاعة، فاعبده عنك، واجعل تركيزك يذهب إلى هدفك ورؤيتك.
стр. 116
والشيطان قد يلبس باطله ببعض الحق، فمثلاً وأنت تصلي من الممكن أن تأتي لك أية فكرة عن أهدافك وعن أحلامك وكيف تحققها، وهذا تفكير إيجابي، ولكن ليس هذا وقته؛ لأنك في حضرة المولى ، وهنا عندما تصلي يجب أن تحمي نفسك من التفكير السلبي والإيجابي، ومن أي تفكير يبعدك عن الصلاة والوصل والاتصال بالله ، فهنا التفكير الإيجابي في هذا الوقت يعمل ضدك، فالتفكير هنا ليس تفكيراً؛ لأن الشيطان يبعدك عن الطاقة الروحانية والارتباط بالله ، فهو يبعدك عن الطاعة ويجعلك تركز على أهدافك وعلى أحلامك وتقودك، ويخيفك من الحياة، ويجعلك تبتعد وتشعر بعدم الأمان.
الجزء الثالث:
إن لم يستطيع أن يوقعك في الشرك فإنه يبعدك عن الطاعة، أو يشتتك في الطاعة ويجعلك تشك فيها مثلاً: عندما تتوضأ يجعلك تشك في الوضوء وهل توضأت أم لا؟ وهل توضأت بطريقة صحيحة أم لا؟ وعندما تصلي يجعلك تشك هل صليت ركعة أم ركعتين؟ وماذا قلت؟ ويجعلك تصل إلى اللخبطة والتشتت في الطاعة.
هذه هي إستراتيجية هذا اللص، فأولاً يضعك في الشرك، وإن لم يستطع يبعدك عن الطاعة، وإن لم يستطع يشتت طاعتك ويجعل اللخبطة
стр. 117
في ذهنك وأنت تطيع الله ، فهذه اللخبطة تبعدك عن الطاعة، وهذه هي طريقته المستمرة في الزمن، ولن يتركها طالما أنك قررت أن تكون متميزاًَ بحب الله ، فلن يتركك الشيطان أبداً؛ لأنه يعلم تماماً أنك تقترب من الله ، ووظيفته فعلاً وحلفه أنه نم ألد الأعداء الذين حذرنا منهم الله .
فيجب أن تعرف أن من أول اللصوص المستمرين في الزمن حتى يوم الدين الشيطان الرجيم.
وقد تكتسب منه بعض الصفات مثل الغرور، فقد تصاب بالغرور؛ لأنك حققت شيئاً لم يحققه الآخرون، وبين الغرور والثقة فرق بسيط جداً؛ فالشخص المغرور لا يرى إلا نفسه فيقع في مطبات الذات السفلى، ويتكلم دائماً عن نفسه، وتكون كلمة أنا عنده عالية جداً، والإنسان المغرور يرى الناس أقل منه، ويرى نفسه أعلى منهم؛ لأنه إنسان مغرور ودليله على ذلك ما حققه من أسباب، وبذلك يوقعه الشيطان في البعد عن الطاعة؛ لأنه بهذه الطريقة وهذا الغرور يتصف بصفة اتسم بها الشيطان؛ لأنه قال: أنا أفضل منهم، وأنا مخلوق من النار، وآدم ﵇ مخلوق من طين، فبدأ بالغرور والكبرياء، ولذلك أخرجه الله من أرضه،
стр. 118
فكن حذراً من الغرور.
أما الثقة بالنفس فالشخص الذي يثق بنفسه هو وهو شخص متواضع وشخص بسيط جداً، ويثق ويصل إلى كل البشر، وينزل إلى أي إنسان، فإن عزمك أي شخص على الغداء وهو إنسان بسيط جداً فتقبل الدعوة وكن فرحاً واجلس معه على الأرض، وأسعده بأية طريقة لم تخطر لك على بال، فالبساطة موجودة في كل شيء، ستجدها في الشمس وهي تخرج بالنهار، تخرج وتشرق وترى شروق الشمس ببساطة شديدة، وترى القمر ببساطة شديدة، والنجوم، وكل شيء يسير في مجاله، وكل شيء يسير في ملكوت الله ببساطة شديدة، لذلك المتميز هو إنسان بسيط جداً لدرجة لم تخطر لك على بال.
فابتسم الشاب واقترب من الرجل فقبل يده وقال له: مثلك أيها الرجل الحكيم، فكل هذا الوقت وهذه المعلومات تعطيها لي بدون مقابل، وأنا تعلمت منك هذه البساطة.
فرد الرجل وقال: الآن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأطلب من الله أن يعينني على ما قلته؛ لأن كل ذلك أعطيه لله ، وأنا أيها الشاب لست إلا سبباً من الأسباب التي سخرها الله لك لكي تكون متميزاً.
стр. 119
فاعلم أيها الشاب أن الله يحبك ويريدك أن تكون متميزاً، فاستخدمها بارتباط أكثر بالله .
ثم نظر إليه وقال: وبعد الغرور والأنانية، والأنانية أولها أنا وآخرها نية، إذن هذه هي النية المرتبطة بالأنا، فالأنانية هي الذات السفلى الموجودة بداخلنا، وهي تعني أنه لا يوجد غيرك أنت، فالنقود تملكها أنت، والأفكار تملكها أنت، وتأخذ كل شيء بنفس ك، ولا تحب الآخرين، وحتى إذا كنت تحب لهم الخير فأنت لا ترى إلا نفسك في كل شيء، وهذه هي الأنانية، فالأنانية أن الإنسان لا يرى إلا نفسه في كل شيء، ولا يحب أن يعطي أي شيء، فهو إنسان أناني، فتجده عندما يكون على مائدة الطعام يأكل أكثر من الآخرين، ويمكث أكثر من الآخرين، ويهتم بنفسه أكثر من الآخرين، ولا يهتم بالآخرين، ولا يهتم بمشاعر أو أحاسيس الناس، ولا يهتم بأي شيء.
وهذه الأنانية تجعل الناس تبعد عنه، فيشعر بوحدة فظيعة وقطيعة بينه وبين الناس.
اعلم أن الضياع في الأسباب بسبب التكنولوجيا الموجودة في هذا العصر والتقدم السريع الذي يحدث حولنا، والمنافسة في الفرص التي
стр. 120
نراها في كل لحظة من لصوص الطريق إلى التميز والنجاح والتقدم، فقد يضيع الإنسان في هذه الأسباب، ومواضيع الكون والعالم في هذه اللحظة هو التقرب من الأسباب والبعد عن مسبب الأسباب كما قلنا من قبل، وقد وضعتك أنا شخصيًّا في هذا الفخ عندما طلبت منك أن تضع كل شيء، فأخذت بكل الأسباب لكي تحصل عليها، ووجدت نفسك أخيراً أنك لم تحصل على أي شيء؛ لأنك لم ترجع إلى مسبب الأسباب.
ففي الطريق إلى الامتياز تكون الأسباب من الجوارح، أما التوكل فهو في القلوب، فأنت مستمر في قلبك على التوكل على الله ، واستخدام أسبابه التي سخرها لك، وعندما تستخدم الأسباب تتوكل على المولى وتشكره وتحمده بعرفان تامٍّ.
ولذلك الضياع الموجود في هذه الدنيا مرده إلى الأخذ بالأسباب والاعتماد على التكنولوجيا، والاعتقاد أن هذا هو النجاح، أو أن هذه الأسباب هي التي نجحت الإنسان، فكن حريصاً جداً من هذا التقدم السريع أو الضياع فيه، فكلما وجدت اختراعاً يساعدك على التقدم فارجع في الحال إلى مسبب الأسباب الذي أعطاك القدرة على التفكير وعلى الابتكار فابتكرت ذلك، فاشكره واحمده وتوكل عليه؛ لأنه الذي
стр. 121
سخر لك الأسباب، وبذلك تكون طائعاً للمولى .
وهنا تذكر أنه ورد في الآثار أن الله قال: عبدي أطعني أجعلك عبداً ربانيًّا تقول للشيء كن فيكون، وهنا دعني أشرح لك -أيها الشاب- هذه الجملة الرائعة:
- عبدي: وهذا تخصيص وتحديد، فمن الممكن أن يقول: يا عبد، ولكن الله قال: عبدي كما أنت تقول: ربي، أو أنك تقول: ابنتي، وهذا فيه تعظيم وتخصيص وتحديد للشخص الذي أمامك.
أطعني: أنت تقول: لماذا يا رب؟
فيقول لك الله : ابتعد عما أردتك أن تبتعد عنه، واقترب مما طلبت منك أن تقترب منه، وأطعني بما طلبت منك، أطعني تماماً أجعلك عبداً ربانيًّا؛ لأن الله هو الذي يقول للشيء: كن فيكون، فيجعلك عبداً ربانيًّا، فالرسل والأنبياء جميعهم عباد الله الربانيون يقولون للشيء: كن فيكون، وسخر لهم الأسباب، فمنهم من كان يسير على الماء، ومنهم من كان يحيي الموتى، ومنهم من كان يكلم الطيور والحشرات والنباتات، وسخر الله لهم الجن، ومنهم من أعطاه الله معجزة القرآن الكريم المستمر إلى يوم الدين.
стр. 122
وهنا: عبدي أطعني أجعلك عبداً ربانيًّا تقول -أنت الذي تقول- للشيء كن فيكون لأن الله سخر لك أسباب الكون، وقوانين هذه الدنيا، ومنها قوانين توافق الخواطر.
وسأل الرجلُ الشابَ وقال له: هل حدث لك في أي يوم من الأيام أنك فكرت في شخص ما فوجدته يتصل بك أو وجدته أمامك وكنت تفكر فيه وهو يقول لك: وأنا أيضاً كنت أفكر فيك؟
قانون توافق الخواطر وقانون الانجذاب وقانون الجذب هو أن تفكر في شيء وتجده يحدث، وقانون الرجوع هو عندما تفكر في شيء يعود عليك من نفس النوع.
أترى أيها الشاب كيف يسخر لك الله قوانين الأهداف، فعندما تفكر في هدف يفكر فيك، وعندما تفكر فيه يتواجد في إدراكك، وعندما تكتبه يتواجد في وجدانك، وعندما تضيعه في الفعل يصبح جزءاً لا يتجزأ منك، ولن تستطيع ألا تحققه؛ لأن هذا الهدف أصبحت له طاقة، فمثلاً عندما تكون الأم حاملاً سيخرج الطفل بعد ٩ شهور مهما كانت الظروف، ولن تستطيع أي أم مهما كانت الظروف أن تقول: سأحتفظ بابني لمدة ٣ شهور زيادة، وهذا نفس الشيء بالنسبة للهدف، فعندما
стр. 123
يتبلور الهدف يجب أن يولد ويخرج للحياة.
وخذ هذه الحكمة أيها الشاب: ما يوجد في قلبي ويجري في دمائي ويسيطر على فكري يجب أن يخرج للحياة، وهذا هو الهدف الذي هو جز لا يتجزأ من الرؤية.
ومن لصوص النجاح أيضاً.. الوعود الكاذبة ..
* الوعود الكاذبة:
فنظر الرجل إلى عين الشاب وقال له: تعلّم أيها الشاب ألا تعطي وعداً لأي إنسان إن لم تستطع أن توفي بوعدك، وتذكر ما قاله الله في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) ، وهذا مقت وكذب كبير عند الله ، فلا تعد أي إنسان إن لم تستطع فعلاً أن توفي بوعدك، بما في ذلك أن تعطي ميعاداً لأحد بفرض أنك مثلاً تقول لشخص: سأقابلك الساعة الثالثة ثم تذهب متأخراً ساعة، وافرض مثلاً أنك ذهبت ووجدت الرجل قد مات في هذه الساعة كيف سيكون إحساسك وشعورك؟ فلماذا ينتظرك أنت ساعة، فساعة تضيع من عمره وهو ينتظرك فيها ولا يفعل شيئاً
стр. 124
فتخيل عقابك عند الله ، فلا تعد أي إنسان بأي شيء، وباستمرار اطلب وقتاً للتفكير، وعندما تعد لابد أن تنقذ وعدك.
فقال الشاب: خذها مني أيها الرجل الحكيم: لن أعد أي إنسان بعد هذا اليوم إلا وأنا قادر بإذن الله على تنفيذ هذا الوعد، بل سأفعل أكثر من ذلك فعندما أعد أي شخص سأكتب الميعاد؛ لأنه لو حدث وتوفاني المولى سيأتي شخص آخر من بعدي سيوفي بالوعد.
فابتسم الرجل الحكيم وقال: بارك الله فيك ستجد -إن شاء الله- أنك ستصل إلى أعلى الدرجات من التقدم والنجاح في طريقك إلى الله ؛ لأن هذا هو الطريق إلى الامتياز.
ثم واصل الرجل الحكيم وقال:
من لصوص الطريق إلى الامتياز أيضاً.. الكذب ..
* الكذب:
فلا تكذب على أي شخص في الحياة مهما كانت الظروف أو التحديات، فابعد الكذب عن لسانك؛ لأنك لو نطقت به في يوم ما سيأخذها الشيطان عليك ويساعدك أكثر وأكثر لتكون كذاباً محترفاً فلا
стр. 125
تكذب إطلاقاً، وخذ وقتاً أكثر، وفكر بطريقة تكون إستراتيجية، ثم تكلم بالصدق، ولا تقل إلا الصدق، وتذكر أن رسولنا الكريم ﷺ كان يسمونه: الصادق الأمين، فالصادق أولاً ثم الأمين، فهو كان يصدق فيما يقول، وأميناً في تعاملاته مع الناس.
فلابد أن تفي بالوعد، وأن تعطي الأمانة لأصحابها مهما كان الشخص سواء كان مسلماً أم غير مسلم، مؤمناً أم كافراً طالما أنه هو صاحب الحق، ولا تقل: إن هذا من حقي؛ لأن هذا ليس من حقك طالما أخذت مالاً أعطه لمن يستحقه، وإلا ستعاقب عليه من الله ، كن متأكداً أنه طالما أن مالك أخذته أو ملكته بالحلال تأكد أنه سيأتيك؛ لأنك كنت صبوراً فلا تكسب إلا بالحلال.
ولا تكذب مهما كانت الظروف، ولا تأخذ ما ليس لك سواء أكان بالنصب أم بالاحتمال أم بالرشوة، فلا تأخذ إلا ما تستحقه فقط، ولا تفرض نفسك على الناس، وتذكر أنك في الطريق إلى الامتياز ستقابل أناساً كثيرين، وستقابل إغراءات كبيرة بالمال، فلا تأخذ إلا ما يرضي الله ، ولا تكسب إلا بالحلال، وتذكر أن الله سيسألك عن المال الذي حصلت عليه، فإذا كان حلالاً وصرفته في الحلال سيسألك عليه الله
стр. 126
- ، وإذا كان حلالاً وصرفته في الحرام فسيحاسبك عليه الله ؛ لأنهم حلال وأنت وضعته في الحرام، وإذا كان حراماً ووضعته في الحرام ستحاسب عليه، وإذا كان حراماً واستخدمته في الحلال ستأخذ حقك في الدنيا، ومن أخذه بالحلال سيتمتع بهذا الحلال، ولكنك ستدفع الثمن لأن جذوره من الحرام، فلا تكسب إلا بالحلال.
وكن حريصاً من الفرق بين الدخل والمكسب، والرزق الحلال والرزق غير الحلال، والرزق المبارك والرزق غير المبارك.
فنظر إليه الشاب وقال له: بارك الله فيك وفي علمك.
وقال له: فما هو الفرق؟
فرد الرجل الحكيم وقال: المكسب هو أنه لو عندك شركة وهذه الشركة أعطتك ١٠٠ دولار فهذا هو مكسب الشركة ودخلك الشخصي منها هو ٢٠٠٠٠، ومن الـ ٢٠٠٠٠ أعطيت لوالدك ولوالدتك ٢٠٠٠ و٢٠٠٠ لأولادك ولإخوتك ولزوجتك، وسددت بعض الديون، ودفعت الضرائب المستحقة، وتفضل لك أخيراً من ألـ ٢٠٠٠٠ مبلغ ٢٠٠٠ فهذا هو رزقك.
والرزق المبارك هو الذي يبعد عنك الله منه الصرف غير الضروري،
стр. 127
والحقد على الذين معهم، والمقارنة بينك وبينهم، فتجد نفسك تصرف كل الـ ٢٠٠٠ في أول عشرة أو خمسة عشر يوماً من الشهر، ثم تعيش الباقي من الشهر في ديون، وهذا هو الرزق غير المبارك.
أما الرزق المبارك فيبعد عنك الله كل أساليب الصرف غير اللازمة، فتجد نفسك راضيًّا ومكتفياً وسعيداً ومرضيًّا، وتوفر من هذا المبلغ أيضاً، وهذا المبلغ هو المكسب، وهو الدخل، وهو الرزق.
والرزق الحلال الذي كلمتك عنه، والحلال الذي قسمه الله لك فتكون راضياً وتقول: الحمد لله خذ ١٠٠٠ لك هذا حقك، فطالما أنك لم تتعب فيها فلا تأخذها وأنت عندك شك بها؛ لأنها رشوة، وأنت ستقابل الله فإن لم يكن اليوم فسيكون غداً، فهل أنت جاهز؟ هل أنت مستعد؟ فابتعد عن الدخل غير المشروع والرزق غير المشروع؛ لأنه رزق معك ولكنه غير مشروع وغير حلال.
فالرزق المبارك هو الذي يبعد عنك المصاريف التي ليس لها أي ضرورة، أما الرزق غير المبارك فهو الذي يضعك في المقارنة بينك وبين ما عند الآخرين، وعندها تشعر بالإحباط وأنك ليس عندك حظ، فتصاب
стр. 128
بالحسد وتحسد الناس، ولا تترك حتى وأنت نائم فتنام تعيساً تماماً.
فقال الشاب: هل يوجد هناك أشياء أخرى من لصوص النجاح؟
فرد الرجل وقال: هناك لصوص كثيرة، ولكنك ستكتشفها من خلال طريقك إلى الامتياز.
ومن هذه اللصوص أيضاً.. عدم الصبر ..
* عدم الصبر:
فإن لم تصبر لن تنال أي شيء؛ فالصبر خير ولكن بشرط أخذك بكل الأسباب والتزمت واستمررت في هذا الالتزام مهما كانت الظروف ومهما كانت التحديات.
فقال الشاب: عدم الصبر!! هل بعد كل ذلك وبعد كل ما فعلته لم أصل إلى ما أريد؟
فقال الرجل: في الوقت المناسب عندما يقرر الله أن هذا الوقت خير لك وأنه الوقت المناسب، لذلك يجب عليك الصبر، قال الله : ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (١) ، وقال أيضاً: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) ..
стр. 129
فكن من الصابرين؛ لأنك فعلت كل شيء، ولم تستطع فعل أي شيء في الوقت الحاضر، فالصبر إن الله يحب الصابرين.
عبدي أطعني أجعلك عبداً ربانيًّا تقول للشيء كن فيكون
فالله يحب إذا عزمت أن تتوكل عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١) ، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) .
فقال الشاب: وإذا صبرت هل هذه هي نهاية المطاف؟
فابتسم الرجل وقال له: كما قلت لك أيها الشاب: إن نهاية المطاف هي بداية مطاف جديد، ونهاية هذا المطاف الجديد هي بداية مطاف آخر جديد، ولا يتوقف ذلك حتى النهاية، إلا وقد انتهت الحياة بنهاية الرسول ﷺ ؛ لأنه لم ينته ولكن علمه وأسلوبه وطريقته وأخلاقه وعلومه وما أعطاه الله ﷺ له ما زال مستمراً، وسيكون مستمراً إلى يوم الدين، وهذا ما فعله الله مع الرسل والأنبياء والصحابة ومع الأولياء، وهذا ما فعله الله أعطانا لكي تستمر عجلة المعرفة، وهذه العجلة تعطي فتعطي، وعندما تأخذها أنت فتعطيها تصبح قناة وصل تأخذها من المولى وتعطيها للآخرين، فأصبحت أنت القناة، فتتمتع بما
стр. 130
أخذه، وتتمتع بما تعطي، وبذلك لن تكون لك خاتمة، ولن تكون لك نهاية؛ لأنك مستمر في الزمن؛ فالجسد ذهب أما أفكارك فلا تنتهي، ولذلك فالطريق إلى الامتياز يعتمد على الأفكار وليس فقط على الأشخاص، فالشخص عندما يموت تنتهي أفكاره، ولكن الشخص المتميز يعطي غيره.
وهذه الأشياء التي أريدك أن تتذكرها -أيها الشاب- بعدما تعلمت ما هم لصوص النجاح، وأخذت بالأسباب، وتوكلت على مسبب الأسباب، وارتبطت بمسبب الأسباب، وتعلمت المهارة المتكاملة، وتعلمت التخطيط الاستراتيجي، والفعل الاستراتيجي، وأصبحت حريصاً من الوقوع في براثن لصوص النجاح، ولكن يبقى بعض الأشياء.
فنظر له الشاب وقال: أعرف أن النهاية هي البداية، والبداية هي النهاية.
فقال له الرجل: دعنا نستمر في طريقنا إلى الامتياز لكي نصل إلى الإخوة الثلاثة وهم:
(الالتزام والإصرار والانضباط) .
стр. 131
وأخذ الرجل الحكيم الشاب من يده وهو يشعره بالحنان والتواضع التام حتى بكى وشعر بالامتنان، وهنا وقف للحظات وهو ينظر إلى السماء فتركه الحكيم تماماً لكي يكون في خلوته اللحظية، وبعدها استمر الشاب في السير فسأله الحكيم: هل قضيت الواجب؟
فقال الشاب: شكرت المولى .
والدموع في عينيه، ونظر الشاب إلى الرجل الحكيم فوجد دموعه تسيل على وجهه فقال له: لماذا تبكي؟
فقال: أنا لا أبكي، فهذا هو حبي لله الذي يتدفق من كل جزء مني، فتعانق الرجلان وهما يسيران معاً في طريقهما إلى الامتياز، حتى وصلا إلى المحطة التالية فقال الحكيم: دعني أكلمك عن.. الالتزام ..
* الالتزام:
الالتزام يجعلك تستيقظ عندما تريد أن تنام.
الالتزام يجعلك تهتم بصحتك وأنت لا تريد أن تفعل أي شيء.
الالتزام يجعلك تقرأ وأنت لا تشعر أنك تريد أن تقرأ.
الالتزام أن تكون ملتزماً بهذا الفكر، وأن تكون قويًّا في هذا الفكر،
стр. 132
ولا تتركه إطلاقاً مهما كانت الظروف.
فقال الشاب: إذن الالتزام في منتهى القوة.
فقال: نعم.
* الإصرار:
فقال الشاب: إذن ما هي فائدة الإصرار؟
فقال الرجل: الإصرار يجعلك مصراً على الالتزام، فلا تتركه مهما كانت الظروف، وهنا يأتي الإصرار، فأنا ملتزم أن أمشي عشر دقائق يوميًّا، ومصر عليه مهما كانت الظروف والتحديات.
* الانضباط:
فسأل الشاب: فما هو الانضباط؟
فرد الرجل الحكيم بابتسامة وقال: الانضباط هو الاستمرارية؛ فالانضباط يزيد الإصرار قوة، والإصرار يزيد الالتزام قوة، ولذلك أنا أسميهم الإخوة الثلاثة.
والانضباط هو الاستمرارية في الشيء؛ لذا قال لنا الرسول عندما
стр. 133
سئل: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: "أدومها وإن قل" (١) ، فهذا القليل الذي تفعله كل يوم يصبح جزءاً منك، فتفعل قليلاً آخر غير هذا القليل، فالقليل مع القليل يحدث الكثير.
وهذه هي الطريقة، وهذا هو حالي مع الهدف، فهدف مع هدف مع هدف مبني على الغاية يوصلك إلى الرؤية، وبذلك فإن الإخوة الثلاثة: الالتزام والإصرار والانضباط يجعلونك لا تترك هدفك مهما كانت الظروف، ولا تترك رؤيتك مهما كانت التحديات، ومهما كان الشيء فأنت ملتزم ومصرٌّ عليه ومنضبط فيه.
ثم ابتسم الرجل الحكيم وقال: لا تسألني هل هذه هي النهاية هي عادتك؟
فقال الشاب: أعلم أنها ستكون البداية، فما هي البداية الجديدة؟
فقال الرجل: المرونة التامة، وهي أن تكون مرناً في الحياة، فمن الممكن أن تكون ملتزماً بشيء ومصراً عليه ومنضبط فيه، ولكنك تسير في الطريق الخطأ وتنسى طريق الصواب؛ لأن في طريقك من الممكن أن تأخذ طريقاً أخرى فرعية فتضيع فيها، وتعتقد أنك تسير في الطريق الصواب؛ لأنك لا تقيم كما تكلمنا في التخطيط الاستراتيجي والفعل
стр. 134
الاستراتيجي، فلم تقيم الطريق؛ لأنك فرحت به وبما أنجزته، فتجد نفسك في الطريق إلى الشيطان؛ لأنك فرحت بما أنجزته وحققت إنجازاً آخر، ونسيت أن تشكر الله ، فضعت في الأسباب، وفتنت بالأسباب، فهلكت بالأسباب.
ولكن الله يحبك فسيجعلك تقف فتفشل، فهذا الفشل بركة من الله ؛ لأنك عندما تقع فتمرض فهذا المرض بركة، أو تتألم فهذا الألم بركة؛ لأنه عند الأمراض والآلام وعند الفشل يحدث الأمل، فلولا الألم لما وجد الأمل، ولولا العلم لما وجد العمل، ولولا السير لما كان الوصول، لذلك فإن هذه التحديات هي البداية للوصول إلى ما نريده.
فتذكر أيها الشاب أنه لولا وجود عكس المعنى لما كان للمعنى معنى، فلولا وجود الألم لما كان للراحة معنى، ولولا وجود الفشل لما كان للنجاح معنى، ولولا وجود الليل لما كان للنهار معنى، ولولا وجود المرض لما كان للصحة معنى، ولولا وجود العسر لما كان لليسر معنى؛ فالعسر واليسر قال لهما الله : أنت معاً، وقال لنا: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (١) ، وكررها مرتين، وستجد في العسر الألف واللام؛ لأنه محدود، أما اليسر فهو ليس محدوداً، فلولا العسر لما كان لليسر
стр. 135
معنى؛ فالشخص الذي عنده اليسر مستمر في الزمن لا يشعر به، فيجب أن يكون العسر موجوداً لكي تتمتع باليسر، ففي العسر فوائد.
فتعجب الشاب وقال: في العسر والتعب فوائد؟
فقال الرجل الحكيم: نعم فعندما تكون متعسراً تقول: يا رب، فيقول لك الله : لبيك عبدي، وعندما تكون متعسراً تفكر بطريقة مختلفة لكي تخرج من العسر، وعندما تكون متعسراً تتعلم شيئاً جديداً فتنمي أفكارك، لذلك ففي العسر فوائد، ومن العسر تذهب إلى اليسر، لذلك يجب أن تكون مرناً تماماً.
فقال الشاب: وما هو الفرق بين المرونة والضياع في الطريق؟
فقال الرجل: كن ملتزماً بهدفك ومصراً عليه ومنضبطاً فيه، ولكن كن مرناً في أسلوبك، فمن الممكن أن تسلك أكثر من طريق حتى تصل إلى نهاية المطاف، وحتى تصل إلى النجاح والتميز الذي تريده، وتصل إلى تحقيق هدفك، فالمرونة هي أسلوب، والالتزام والإصرار والانضباط في الهدف معناه ألا تتركه إطلاقاً، ولكن كن مرناً في أسلوبك، ومن هنا دعنا نسير إلى المحطة التالية.
وهنا لم يسأل الشاب وبدأ في السير مع الحكيم دون أن ينطق بأية
стр. 136
كلمة، ولكن بداخله كان يذكر الله ، وكان يسبح الله ، وكان يشكر الله ، ويحمد المولى ، وكان في وجهه ابتسامة جميلة، وعيناه مليئة بالدموع، دموع الحب لله ، حتى وصل الاثنان إلى المحطة التالية، وهنا توقف الرجل ونظر إلى الشاب وقال له: حان الوقت لتساعد أكبر عدد ممكن من الناس، فما أعطاكه الله ليس ملكك، ولك أن تتمتع به، وعندما تعطيه تزيد متعتك، وهذه هي السعادة أيها الشاب، فلكي تجعل من السعادة عادة يجب أن تكون في حب الله ، ولذلك عندما تساعد الناس تشعر بهذه السعادة، فساعد أكبر عدد ممكن من الناس بعلمك ... بفكرك كما أفعل أنا وأساعدك بعلمي وفكري الذي أعطانيه الله .
فمن أول لحظة وبمجرد أن تتعلم فعل، وبمجرد أن تحصل أعط، وتذكر أننا نعيش -بإذن الله- من أجل أكل عيشنا من النقود والمال الذي تعمل لأجله، ولكن نصنع حياتنا بأكملها عندما نعطي.
وهنا نظر الشاب إلى الرجل الحكيم نظرة حب وعرفان بكل هذا العلم، وهذا الصبر، وهذا الالتزام، وهذا الإصرار، وهذا الانضباط، وهذه المرونة في معاملة شاب ضائع لا يعرف أين الطريق، وقال الشاب: هذا وعد مني لك.
стр. 137
فقال الحكيم: لا تَعِد.
فقال الشاب: وأنا مصرٌّ على هذا الوعد: أنني لن أتخلى مهما كانت الظروف أو التحديات عن ارتباطي بالله ، ولن أتخلى لحظة عن ذكر المولى ، وعن شكر الله ، وعن الحمد بعرفان تامٍّ، وهذا وعد مني بذلك، وسأصلي كل يوم ركعتين على الأقل حمداً وشكراً لله ، ولن أتخلى في لحظة أن أدعو لك بطول العمر، وأدعو لك أن يبارك الله لك في صحتك وعافيتك، ويزيدك علماً، ويعطيك علماً لن يعطيه لأي شخص من هذا العصر، وأن ينفع بك الإسلام والمسلمين والعرب والعلماء، وأن ينتشر علمك في الأرض، وسأكون أنا خادماً لك -إن شاء الله- ولن أتركك لحظة بعد اليوم، فهل تقبلني عندك من تلامذتك؟
وهنا عانقه الرجل وقال: إذن أنت هديتي من الله ، وهذا وعد مني أيها الشاب -أنا لا أعد-: أنني لن أتركك -إن شاء الله- ما دمت على وعدك، وتذكر كما فعلت معك فخذ معك أصدقاءك، وخذ معك تلاميذ، وعلم أكبر قدر ممكن من الناس الذين تعرفهم، وعلمهم أن الطريق إلى الامتياز هو الطريق إلى الله، وعلمهم أن الأسباب من
стр. 138
مسبب الأسباب، وعلمهم أن الإمكانيات من القدرات، فلا يفتن الإنسان بإمكانياته، ولا يفتن الإنسان بأسبابه، ولكن يعرف أن صاحب القدرات هو الذي أعطانا القدرات لكي نحصل بها على الإمكانيات، ومنها وصلنا إلى المصادر، وبذلك تجعل مصادرك أن تعلم أكبر قدر ممكن من الناس، فتصبح من المبشرين -إن شاء الله-.
وتذكر -أيها الشاب- أن تحترم كل الديانات، وكن متزناً، وكن من المبشرين، واجعل وجهك باستمرار مبتسماً.
وتذكر أيها الشاب أيها الصديق أيها الرفيق أنه ليس اسمك ولا اسم عائلتك ولا طولك ولا شكلك ولا مالك ولا وظيفتك ولا من أنت ولا ماذا تكون ولا ماذا كنت، فكل هذه أسباب وأشياء إذن من أنت؟
أنت أفضل مخلوق عند الله الذي خلقك بيده الكريمة، فكان من الممكن أن يقول لك: كن فتكون.
وأنت الذي سخر لك السماء والأرض، وأنت الذي جعلك خليفة له في الأرض، وأنت القدرات اللامحدودة التي وضعها فيك الله .
стр. 139
وأنت المعجزات؛ فالمعجزات ليس لها حدود.
فهذا هو أنت، ولذلك عش كل لحظة كأنها آخر لحظة في حياتك؛ لأنها من الممكن أن تكون آخر لحظة فعلاً، فعش بحبك وإخلاصك ووفائك وطاعتك لله ، ثم تطبع بأخلاق الرسول الذي قال الله له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١) ، وقال رسولنا الكريم : "إنما بعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق" (٢) ..
وكانت والدتي -رحمها الله- تقول لي: ربنا -يا بني- يجعل وجهك جوهرة، ولسانك سكرة فعش -أيها الشاب- كل لحظة كأنها آخر لحظة في حياتك، عش بالتطبع بأخلاق الرسول والرسل والأنبياء والصالحين، ثم عش بالكفاح، عش بالفعل، عش بالالتزام، عش بالصبر، عش بالمرونة، عش بالاستمرارية، عش بالحب والأمل، وأخيراً قدر قيمة الحياة.
وهيا بنا لأننا وصلنا إلى نهاية المطاف في الطريق إلى الامتياز لكي تكتشف البداية الجديدة في الطريق إلى الله ..
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته؛؛
стр. 140
من الإسكندرية
٣٠ من شهر أغسطس ٢٠٠٨م
وننتظر حلول شهر رمضان المعظم؛ لأنه من الممكن أن يكون غداً -إن شاء الله- وأدعو لك أيها القارئ أن تصل في طريقك إلى الامتياز إلى أعلى الدرجات، وأن تبدأ طريقك اليوم إلى الله ، وأرجو منك أيها القارئ الكريم أن تعطي ما تعلمته لأكبر عدد ممكن من الناس، حتى يجمعنا الله في جنات النعيم مع الرسول ومع الرسل والأنبياء والصالحين والصديقين، ولن أقول لك، حظاً سعيداً، ولكن قم إلى الله وتوضأ وتقرب إلى الله، ستجد أنك تصنع حظك بنفسك.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته؛؛
د. إبراهيم الفقي
стр. 141
الدكتور الفقي في سطور
- مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركات إبراهيم الفقي العالمية.
- مؤسس ورئيس مجلس إدارة المركز الكندي لقوة الطاقة البشرية (ctcpe) ، والمركز الكندي للتنويم بالإيحاء (ctch) ، والمركز الكندي للتنمية البشرية (ctchd) ، والمركز الكندي للبرمجة اللغوية العصبية (ctcnlp) .
- مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة كيوبس (cis) .
- دكتور في علم الميتافيزيقا من جامعة ميتافيزيقي بلوس أنجلوس بالولايات المتحدة الأمريكية.
- د. إبراهيم الفقي هو المؤلف لعلم ديناميكية التكيف العصبي
(ro conditioning dynamics TM) NCD TM.
- مؤسس علم قوة الطاقة البشرية
стр. 142
(power human energy TM) PHE TM.
- مدرب معتمد في البرمجة اللغوية العصبية (NLP) من المؤسسة الأمريكية للبرمجة اللغوية العصبية.
- مدرس معتمد للعلاج بخط الحياة (time line therpy TM) .
- مدرس معتمد في الذاكرة من المعهد الأمريكي للذاكرة بنيويورك.
- مدرب معتمد للتنمية البشرية من حكومة كيبيك بكندا للشركات والمؤسسات.
- مدرب ريكي من..
(the reiki training center of Canada) بكندا، ومن (global reiki association) .
- حاصل على مرتبة الشرف الأولى في السلوك البشري من المؤسسة الأمريكية للفنادق.
- حاصل على مرتبة الشرف الأولى في الإدارة والمبيعات والتسويق من المؤسسة الأمريكية للفنادق.
стр. 143
- حاصل على ٢٣ دبلوم، وثلاث من أعلى التخصصات في علم النفس والإدارة والمبيعات والتسويق والتنمية البشرية.
- شغل منصب المدير العام لعدة فنادق خمسة نجوم في مونتريال بكندا.
- له عدة مؤلفات بثلاث لغات هي (العربية والإنجليزية والفرنسية) حققت له لأكثر من مليون نسخة في العالم.
- درب أكثر من ٦٠٠٠٠٠ شخص في محاضراته حول العالم، وهو يحاضر ويدرب بثلاث لغات (العربية والإنجليزية والفرنسية) .
- بطل مصر السابق في تنس الطاولة، وقد مثل مصر في بطولة العالم في ألمانيا الغربية عام ١٩٦٩م.
- يعيش الآن في مونتريال بكندا مع زوجته آمال، وابنتيهما التوأم نانسي ونرمين.
стр. 144
قالوا عن الدكتور/ إبراهيم الفقي
- في رأيي يعتبر الدكتور/ إبراهيم الفقي من أفضل المحاضرين العالميين.
برناديت ديكارت - مذيعة - ك ب ل، لويزيانا، الولايات المتحدة الأمريكية.
- أكثر من رائع، ومهارة منقطعة النظير في فن العرض.
دكتور: كليمنت جونسون - طبيب - تكساس، الولايات المتحدة الأمريكية.
- ممتع ومتمكن، ويصل إلى المستع بسرعة وقوة لم أرها من قبل.
كريستيان ماكدونالد - بريستول مايرز - مونتريال - كندا.
- دكتور/ إبراهيم الفقي علمني فن الحياة، وأضاء لي الطريق إلى السعادة.
ميشيل جويان - محرر بجريدة أكتواليتي - مونتريال - كندا.
стр. 145
- ندوات الدكتور/ إبراهيم الفقي هي خبرة العمر، ويجب أن تتاح الفرصة لكل فرد لكي يحضرها.
روز سولازو - مونتريال - كندا.
- دكتور/ إبراهيم الفقي أضاء لي الطريق لحياة أفضل.
سوزيت جورجدو - شركة الطيران الكندية - كندا.
- فريد من نوعه، ويعتبر من أقوى وأفضل المحاضرين العالميين.
فرانس مارتل - مذيعة - تليفزيون كيبيك - قناة س ج م - كندا.
- استطاع الدكتور/ إبراهيم الفقي في ثمانِ ساعات أن يثير في نفس المحاضرين آمالاً وطموحاً، كما استطاع أن يوضح الرؤية والطريق، وأن يثير في قلوبنا حبًّا وارتباطاً بشخصه، وهذه معادلة في منتهى الصعوبة، لم أقابل من استطاع النجاح فيها في يوم واحد.
أوديت اسكندر - رئيس مجلس إدارة شركة مصر والشرق الأوسط - مصر.
- ممتاز، متميز، وأسلوبه شيق، ومحاضرته لسمت قلبي وإحساسي، وغيرت مجرى تفكيري في الحياة.
عزة فرحات - مدير الموارد البشرية - جونسون واكس - مصر.