← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21569

الطريق إلى الامتياز

إبراهيم الفقي

Полный текст (146 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لا.. كل الناس جميعاً في امتحان واختبار وتحديات، وفي أثناء هذه التحديات تظهر أخلاق الإنسان، فعندما يوضع الإنسان في موقف صعب تعرف جيداً كيف يتصرف؛ لذلك هناك حكمة عربية تقول: أعط الإنسان السلطة تعرف أخلاقه، فبمجرد أن تضعه في موقف اختبار فإنه تظهر أخلاقه، وليس شرطاً أن يكون ذا منصب كبير، فمن الممكن أن يكون طفلاً صغيراً، ولكن عنده القدرة، بل ويكون أقوى من شخص آخر أكبر منه، فالأمر كله في أن تعرف كيف أن تسامح السلطة، وكيف تتقرب بها إلى الله أكثر، فأنت تعرف أن التسامح المتكامل والعقل العاطفي والعقل التحليل لابد وأن يكونوا جميعاً متوافقين، مهما كانت الظروف، فأنت تسامح لأنها لله وفي الله، ولابد وأن تنتبه فمن الممكن أن يوجد بها باب من أبواب الشيطان، فحين تكون غضبان يدخل إليك الشيطان فوراً من هذا الباب، ويقول لك: إن هذا الشخص يحقد عليك؛ فاحقد أنت أيضاً عليه.. وأول ما يبدأ معك يبدأ معك في الخلق أجمعين، وطالما أنك شككت في الناس إذن فقد ضاع ارتباطك بالله بالله ، فإذا عرف الشيطان أن لك مسلكاً من هذا الباب فسيدخل

стр. 72

إليك كل فترة من هذا الباب، ويسهل عليه أن يحطمك كل فترة، فلابد وأن تتذكر جيداً أن هذه اللحظة قد تكون آخر لحظة في حياتك، وهذا هو الذي ذكرناه في البداية، هل تذكر؟! فقال له الشاب: طبعاً. فقال له الرجل: فإذا كانت هذه اللحظة هي آخر لحظة في حياتك فارتبط بالله ، وفرصتك أن تعفو وتتقرب أكثر من الله ، وإذا وضعت في موقف فقل: يا رب لقد سامحت من أجلك، يا رب لقد عفوت من أجلك.. ومهما فعل معك ذلك الشخص فاعفُ عنه.. فقال له: هل تقصد أن أتعامل مع الناس ببلاهة؛ حتى يخدعني الناس وأسامحهم؟! فقال له الحكيم: كلا؛ فلم يقل أحد مثل هذا الكلام أبداً، ولكن أنت حين تقرر أن تعفو فإنك تركز كل طاقتك ومجهودك على نجاحك، ولكنك إذا قررت أن تحارب العالم كله ففي هذه الحالة ستجد أن طاقتك كلها قد ذهبت سدى، وستجد أنك لم تحقق أي شيء مما كنت تريد؛ لأنك قد استهلكت طاقتك في هذه الحرب التي أنشأتها.. فابحث باستمرار عن نقطة الاتفاق، وابحث دائماً عن الأخلاق، وحاول دائماً أن تعرف النقطة التي قد تكون سبباً في الاختلاف.. قال له: فمن الممكن أن اختلف مع والدي أو والدتي!! فقال له: إنهم هم الذين قاموا بتربيتك

стр. 73

أحسن تربية، ولقد وصاك الله بهم فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١) .. وهم سهروا الليالي، وتعبوا في تربيتك، فلا تخرج أنت إلى الدنيا كي تكون سبباً في تعاستهم في هذه الحياة الدنيا.. فقال له الشاب: حتى وإن كانوا قاسين؟! فقال الحكيم: وكيف يكونون قاسين وأنت قرة أعينهم وفلذة أكبادهم؟! إن هذه ليست قسوة، ولكن فكر أولاً بهدوء، ماذا أنت تفعل؟ فقال له الشاب: أعتقد أنك محق أيها الحكيم؛ فأنا كثيراً ما أفعل أخطاء جسيمة؛ فأنا مثلاً أخرج ولا أعود إلى البيت إلا في وقت متأخر جداً، وأنا للأسف الشديد أدخن.. فنظر إليه الحكيم، ولابد من أن تكون صاحب سلوكيات حميدة.. فقال له: صحيح؛ فإذا كانت اللذة تنتهي بمجرد الحصول عليها فأنا سوف أتركها؛ لأن (من ترك شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه) ، فالسلوكيات هامة جداً.. فقال له الرجل: وهل تدخن؟! فقال له الشاب: لقد كنت أدخن.. ثم ابتسم الشاب ابتسامة صافية تدل على ما قد عقد عليه العزم، فقال له الحكيم: كم أنا سعيد بهذا القرار؛ لأن النية الصادقة لله لا جزاء

стр. 74

لها إلا إعانة الله لك على الوفاء بها.. وطالما أنك أقلعت عن التدخين فمهما كانت المسألة صعبة تأكد أن الله سوف يعنيك ويمنحك القوة والقدرة على الوفاء؛ ولذلك فمهما كان الشيء صعباً ولكنه يغضب الله فانو نية صادقة وتوكل على الله واستعن به أيها الشاب ويقيناً هو سيعينك، ولن يتخلى عنك أبداً.. قل الآن: نويت يا رب أن أتخلص من كل السلوكيات السلبية، ونويت أن أعفو عند المقدرة، ونويت أن أسامح حتى ولو كنت أشعر بالظلم ممن أسامحهم، ونويت يا رب أن أرتبط بك أكثر؛ لأني فهمت المعادلة، وهي أنني قد تكون هذه اللحظة هي آخر لحظات حياتي فقررت يا رب أن أجعلها لك.. ثم ابتسم الرجل الحكيم وقال له: وتأكد أنك طالما فكرت في ذلك فإن الله سيعطيك أكثر مما كنت تظن في الدنيا وفي الآخرة.. فابتسم الشاب وقال له: حقاً أنا سعيد جداً بما تعلمت؛ فلقد كان لدي صديق، وكان قد أغضبني جداً، ولقد كنت في شدة الغضب منه، ولكنني الآن قررت أسامحه، ولكني لا أستطيع بعد أن أعفو عنه.. فقال له الرجل: إذن فأنت لم تسامحه بعد.. ثم قال له: هل تقدر على صديقك هذا؟ قال:

стр. 75

نعم أقدر عليه.. فقال له: وكيف تقدر عليه؟ فقال له: أقدر عليه جسمانيًّا، فأنا أقوى منه، وأقدر عليه اجتماعيًّا؛ حيث إن عندي علاقات أكثر منه، وأقدر عليه ماديًّا؛ فإن عندي أموالاً أكثر منه، بل وأعرف من الناس من يستطيع أن يحطمه تماماً.. فقال له الرجل: لا يستطيع أي شخص أن يحطم أي شخص إلا فبإذن الله ، وقد تكون فتنة لك، ويكون الله قد وضعك في ابتلاء من ابتلاءات الدنيا، والآن.. هل قررت أن تعفو عنه، أم لازلت لا تستطيع؟! فقال له: بل قد عفوت عنه.. ثم قال له: أم لازلت لا تستطيع؟! فقال له: بل قد عفوت عنه.. ثم قال له: إنني أشعر الآن بروعة وإحساس رائع.. فقال له الرجل: ادعُ لصديقك هذا.. فقال له: وبمَ أدعو له؟! قال: ادعُ الله أن يهديه، وأن يفتح عليه ويعينه ويقويه؛ فإنك تستطيع أن تستفيد من الشخص الذي يكون بينك وبينه تحدٍّ وأن تأخذ من ورائه ثواباً وأجراً، وهذه هي المعادلة الصحيحة، ومن علامات العفو عند المقدرة أن تدعو لهذا الشخص أن يهديه الله كما هناك؛ فلقد كان من الممكن أن تكون بهذا العقل، وبهذا الحقد والغضب، وأن تحمل من الذنوب والآثام ما الله به عليم، وقد يدخلك الشيطان من كل هذه الأبواب، ولكن الله قد فتح عليك، فادعُ الله

стр. 76

- أن يفتح عليه كما فتح عليك، وستجد هذه الدعوات عند الله ، وأسأل الله أن يجعلك من عباده الصالحين، الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : "إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه" (١) .. جرب وستجد نفسك إن شاء الله تساعد الناس، وتتقرب أكثر إلى المولى ، وستجد نفسك من الدعاة إليه ، وستكون إن شاء الله من المبشرين بالخير، فنظر الشاب إلى الحكيم، وقال له: هل تعتقد أني من الممكن أن أكون من المبشرين؟! فقال له: طالما أنك قد طلبت الطريق إلى الامتياز فهذا هو الطريق إلى الله ، وتأكد أيها الشاب أنك طالما أنك تسير في هذا الطريق فستجد أن الله يقربك منه أكثر، وقد تقابلك صعوبات كثيرة، وقد تتعب كثيراً، وقد تجد الحياة صعبة، وقد تجد نفسك مريضاً ولا أحد من حولك، وقد تشعر بالوحدة أحياناً، وقد تشعر بالألم وظلم الناس كثيراً، كل ذلك وارد، ولكن في النهاية تذكر أن بعد الليل نهاراً، وبعد التعب راحة، وأي فشل فإنما يأتي بعده النجاح، وكما قال الحق : ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا

стр. 77

شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) .. فاتقي الله يا بني حيثما كنت، وأينما كنت.. فنظر إليه الشاب وقال له: يا سيدي.. إن كنوز الدنيا لا توفيك حق هذا الكلام ولا نصيفه، ولو أن الناس تعرف هذا الكلام لما جلس شخص في بيته وتقاعد وتكاسل.. فقال له: ولذلك خلقك الله ، فطالما أنك مشيت في الطريق إلى الامتياز وتعبت كل هذا التعب، فمعنى ذلك أن الله قد اختارك، ولو لم تختر هذا الطريق لكنت كما أنت، ولما تغيرت، ولكنت ظللت تغضب وتتألم وتتشاجر مع الكون كله، وتشعر بالظلم والوحدة، وتشعر أنه لا يوجد شخص يحبك، ولكن ربك اصطفاك وطهرك، وجاء بك إلى هنا كي يطهرك، فإذا جعلت كل ذلك لنفسك فستكون في منتهى النعاسة، وكلما أعطيت كلما أخضت، وكلما أصبحت في معية الله . فقال له الشاب: هل نكون بذلك قد انتهينا؟ فقال: لا، بل لابد عندما تتكلم أن تتكلم بحكمة، وأن تتكلم على أنك قدوة، وأن تتكلم بوضوح..

стр. 78

فقال له: ماذا تعني؟! فقال: إن الله جعلنا نفكر بالصور.. فقال له الشاب: وكيف نفكر بالصور؟! فقال له الرجل: هيا لنرى ماذا أعطانا الله من السمع والأبصار والأفئدة، إذن فلابد وأن نسمع الكلمة ومعناها.. فقال له: وكيف أعرف معناها؟! فقال له: إن الله حين خلق أبانا آدم ﵇ علمه كل شيء، قال ﷺ : ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ (١) .. فالله علمنا إدراك الكلمة، إذن فنحن عندنا إدراك للمعنى، وعندنا أسماء هذه الإدراكات للمعاني، فالأسماء هي روابط المعنى، والمعنى هو رابط الإدراك، والإدراك هو سبب وجود المخ، والله خلق الإنسان ليدرك، ولكي يدرك لابد من أن يعمل المخ، ويدرك وعظمة الخالق .. فنظر إليه الشاب وقال له: وكيف أتكلم بالحكمة؟ فقال له: أن تتكلم بالتحديد؛ لأن كل كلمة تخرج بصورة، وكل صورة لها معنى مختلف من شخص لآخر، فعندما تتكلم من الممكن أن تجد كلاماً كثيراً ليس له معنى، فبعض الناس يزيد في الكلام وبعضهم ينقص في الكلام.. فقال له الشاب: نعم، أعرف ذلك جيداً؛ فهناك من يقول: أنا

стр. 79

سأضبط لك المسألة، والآخر يقول: واخد بالك، وهكذا.. فابتسم الحكيم وقال له: حقاً، فكثير من الكلام والجمل التي تقولها لا داعي له، ومعظم المشكلات الموجودة في هذه الحياة الدنيا لا داعي له، ولو ركزنا فقط في الكلام، وحددنا ما يقال وما لا يقال لكي يرتبط الشخص بالكلام فستصبح الجملة متكاملة، وبالتالي يستطيع أن يرد عليك أيضاً بطريقة متكاملة، فتكلم بالتحديد، وتكلم بالحكمة، وأنصت أكثر مما تتكلم، واجمع المعلومات عن ما تتكلم، وعندما تتكلم ركز على الرسالة وليس على الشخص، وامدح الشخص، وفي النهاية أنه برسالة إيجابية.. فقال له: ولماذا؟ فقال له: لأن العقل البشري يبني دائماً على آخر جملة تصل إليه، وإذا نظرت في كلام الله فستجد عجباً، حيث يقول الحق : ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١) .. فالله يريد أن ينبه على آخر تجربة، والمخ يبني على آخر تجربة.. ثم قال له: يا بني.. أنت الآن تكلمني، فحاول أن تتذكر في لحظة أي شيء من كلامي الذي قلته.. فقال له: سأتذكر حالاً ثم أقول لك.. فقال له: كلا، بل وأنا أكلمك الآن، فيمَ كان أكبر تركيزك؟! فقال له:

стр. 80

فعلاً كان في آخر كلامك.. فقال له: إن العقل البشري لا يستطيع التركيز إلا على معلومة واحد فقط في وقت محدد، فأنت إذا ركزت على الذي تقوله ستتكلم كثيراً، أما إذا ركزت على أن تكون في طاعة تامة، وبإخلاص تام، ووفاء تام لله ، فستجد نفسك في أعلى درجات الذات.. فقال له: وماذا يعني الذات؟ فقال: إن فيك ذاتين، ذاتاً عليا وذاتاً سفلى، أو بمعنى آخر: النفس المطمئنة والنفس اللوامة، والنفس الأمارة بالسوء، والنفس العليا أي الجهات العليا.. فقال له: وما هي الجهات العليا؟ فقال له: وهي التي تتجه إلى الله ، ولقد قال الله : ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (١) . فلمعت عينا الشاب وقال له: لكم أتوق لأن أكون كذلك.. فقال له: ستكون إن شاء الله.. فقال الشاب: وهل بذلك أكون قد تعلمت فن الاتصال؟ فقال له: إن فن الاتصال جزء يسير من الأخلاق، والأخلاق تصلك أكثر بالله ، فهيا بنا نرجع مرة أخرى إلى الطريق الذي بدأناه ووصلنا منه إلى الأخلاق.. فقال له: ماذا كان قبل الأخلاق؟ قال: النية.. قال: وقبل النية؟ قال: التوكل على الله .. قال: وقبل

стр. 81

التوكل؟ قال: الوفاء.. قال: وقبل الوفاء.. قال: الإخلاص.. قال: وقبل الإخلاص؟ قال: الطاعة.. قال: وقبل الطاعة؟ قال: الإيمان بالله .. فقال له: هذا هو الطريق إلى الامتياز من أوله إلى آخره، أو من آخره إلى أوله، في النهاية سيصل بك إلى الله ، فهيا بنا الآن إلى المحطة القادمة، ونحن في الطريق هيا بنا ندعوا الله ﵁ ونقول: الحمد لله.. الحمد لله..

стр. 82

الطريق إلى الامتياز وقل اعملوا

стр. 83

وقل اعملوا إن الله ﵁ يريد منا أن نكتشف قدراتنا اللامحدودة التي بداخلنا.. يريد منا أن نكتشف هذا العقل البشري الذي وهبنا إياه بكل ما يحويه من معجزات لا تخطر على بال بشر.. ذلك العقل الذي أعطاه للإنسان لكي يعظمه ويجعله فوق كثير من مخلوقاته..

стр. 84

سأل الرجل الحكيمُ الشابٌّ: بعد أن وصفنا كل الجذور الأساسية في الطريق إلى الامتياز هل تعتقد أيها الشاب أن الطريق قد انتهى؟ فرد الشاب قائلاً: من الممكن أن أكتفي بذلك وأجعل كل تركيزي على مرضاة الله . فقال الحكيم: طبعاً يمكنك ذلك، ولكن أين العمل؟! أين الجهاد؟! أين الكفاح؟! ثم قال: إن الارتباط بالله يجب أن يكون ممزوجاً بالعمل، وقد قال المولى : ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١) .. فالله يريد منا أن نكتشف قدراتنا اللامحدودة التي بداخلنا، يريد منا أن نكتشف هذا العقل البشري الذي وهبنا إياه بكل ما يحويه من معجزات لا تخطر على بال بشر، ذلك العقل الذي أعطاه للإنسان لكي يعظمه ويجعله فوق كثير من المخلوقات، فتجد هذا الإنسان أفضل من تلك الجبال التي وصلت إلى أقصى درجة من نموها ولكنها لا تتحرك، ولكن الإنسان يستمر في النهوض إلى آخر لحظة في حياته، وعنده القدرة على الحركة، وأما النباتات فهي تنمو ولكنها لا تتحرك، والحيوان ينمو ويتحرك ولكنه لا يفكر، وإن فكر فإنه يفكر

стр. 85

بالغريزة، أما الإنسان فهو أفضل عند الله من كل هذه المخلوقات، وقد أعطانا المولى العقل لكي يفضلنا على كثير من مخلوقاته. وهنا قال الشاب: أعرف ذلك أيها الحكيم، ولكن ما هي الأسباب الأساسية التي من أجلها أعطانا الله نعمة العقل؟ فرد الحكيم مبتسماً وقال: على قدر علمي هناك أربعة أسباب رئيسية هامة وهي: ١- الاستدلال: فبالعقل يستطيع الإنسان أن يستدل على الخالق ؛ ولذلك قال الله في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١) .. ثم قال الرجل الحكيم للشاب: في هذه الآية الكريمة يحثنا المولى أن نستخدم قدرات العقل ونستدل عليه بخلقه ومعجزاته، فننظر إلى السماء ونرى ما نستطيع أن نراه ونفهم ما نراه، ونرى الشمس ونفهم روعتها وقوتها والغرض من وجودها؛ فنزداد إيماناً وحبًّا لله ، ونرى النجوم والطيور والمطر، ونشعر بالرياح، ونرى ما في الأرض من مخلوقات ومعجزات، ونرى الآيات ونفهمها؛ فنستدل بقوة العقل على وجود الخلق، وأن هناك

стр. 86

خالقاًَ لهذا الخلق، فنجد أنفسنا نسأل عن هذا الخلق وعن الخالق ، ولكي نجد الإجابات على هذه الأسئلة فبعث الله لنا الرسل والأنبياء والمرسلين لكي يجيبونا على أسئلتنا. ٢- المعرفة: وبذلك يكون السبب الثاني من خلق العقل هو المعرفة، فمن الاستدلال إلى المعرفة، ونحصل عليها من المرسلين والأنبياء فنعرف أن الخالق خلق كل شيء في هذا الكون من أجل الإنسان، وسخر له الشمس والقمر والرياح والأمطار والبحار والنباتات، وأعطاه القدرة العقلية على البناء والبقاء والنمو والتقدم، وبذلك أصبح الإنسان على معرفة بالخالق وبما يريده الله من الإنسان، وهو العبادة، فقد قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) .. فمن الاستدلال إلى المعرفة، ومن المعرفة يأتي السبب الثالث في خلق العقل، وهو المهارة. ٣- المهارة: وهنا يصبح الإنسان ماهراً في استخدام العقل البشري، فينمو ويتقدم ويعرف من الأسباب والاختراعات وكيفية الدفاع عن النفس ما يؤمن له البقاء والمعيشة؛ فيزداد حبًّا وتعلقاً بالله

стр. 87

- ، ولكن هناك من الناس من لا يعتقد أن الأسباب هي التي جعلته يحقق أهدافه؛ فيتقن بالأسباب، ويهلك بالأسباب.. فمن الاستدلال إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى المهارة، ومن المهارة إلى الابتكار. ٤- الابتكار: وهنا يصبح الإنسان قادراً على الابتكار الرائع فكانت نتيجة هذا الابتكار هو صناعة الطائرات والسفن والصواريخ، وهذا التقدم العلمي والطبي، وهذا التقدم الهائل في كافة المجالات، وهنا نجد المؤمنين يزدادون إيماناً وحبًّا وارتباطاً وإخلاصاً للمولى ، أما الآخرون فيزدادون فتنة بالأسباب، فتصبح حياتهم ضنكاً ومملوءة بالصعوبات والأمراض النفسية والعضوية، وكلما ازدادوا فتنة بالأسباب كلما صعَّب الله عليهم الحياة. وهنا سأل الشاب: إذاً فكيف لي أن أستخدم روعة العقل البشري بطريقة روحانية تعطيني العلم وتمنحني أسباباً أقوى وأشد ارتباطاً بالله ؟ فابتسم الحكيم وقال: كي تصل إلى الحكمة أيها الشاب فهيا بنا إلى المحطة التالية نتعلم فيها كيف نستخدم هدية المولى في حياتنا اليومية، هيا بنا إلى استخدام العقل في التعرف على

стр. 88

(الرؤية والغاية والغرض والأهداف) .. ولنبدأ بالرؤية.. * الرؤية الواضحة: هي شيء يريده الإنسان أكثر من أي شيء آخر في حياته، ويرى نفسه بوضوح محققا لها ويعيش فوائدها، والشخص الذي عنده رؤية واضحة لا يريد يكون موضع هجوم أو حتى استهزاء من الآخرين؛ لأنه يرى رؤيته بوضوح، ويراها حقيقة واقعة، أما الآخرون فلا يرون ما يرى، ولا يدركون ما يدرك، ولا يعرفون ما يعرف، مثل كل الابتكارات والاختراعات التي نعيشها الآن في كافة المجالات، سواء كان ذلك في الطب أو المعمار أو أي شيء آخر. ثم قال الرجل الحكيم للشاب: هؤلاء (الإخوة جويس) ، الذين كانت عندهم رؤية واضحة بأن الإنسان يستطيع أن يطير، فكانوا يلبسون ملابس من الريش كالطيور، ثم يقفزون من أعلى الجبل على أمل أن يطيروا، ولم ينتبهوا لقانون الجاذبية الأرضية، وأن أي شيء أثقل من الهواء لا يطير؛ فكانوا يقعون بشدة على الأرض وتنكسر عظامهم وضلوعهم، حتى أشرفوا على الموت عدة مرات، وكان الناس يسخرون

стр. 89

منهم ويستهزئون بهم، بل وسموهم الإخوة المتخلفين، ولكن (الإخوة جويس) لم يعطوهم أي انتباه لسخريتهم واستمروا في التجارب، تجربة تلوا الأخرى، وكانوا يعتمدون على قانون الطفو، وكيفية تفريغ الهواء، وتمكنوا من اختراع الطائرة التي يستخدمها الجميع الآن، وهذه هي الرؤية الواضحة. فسأل الشاب: ولكن أيها الحكيم أين تقع الأهداف من الرؤية، فأنا كنت أعتقد أن الرؤية هي الهدف.. فرد الحكيم قائلاً: إن الرؤية هي الشعور والمعرفة واليقين بأن أي شيء يريده الإنسان سيتحقق بإذن الله، وهذه هي نهاية المطاف، أما الأهداف فهي الخطوات المؤدية إلى الرؤية، وعموماً فالهدف ينتهي بمجرد تحقيقه، ولكنه لو كان مرتبطاً برؤية كي يصبح مستمراً في الزمن.. ثم قال الحكيم: لو كانت رؤيتك مثلاً أن تصبح مديراً عاماً لشركة كبيرة وتريد تحقيق ذلك في خلال خمس سنوات، فهذه رؤية، ولو كانت واضحة ويعتقد الشخص أنه يستطيع تحقيقها تتولد الرغبة وتصبح النية واضحة تماماً، وهنا يبدأ الشخص في تجزئة الرؤية إلى خطوات، هذه الخطوات هي الأهداف، وكل هدف يتماشى مع

стр. 90

الإمكانات والمصادر المتاحة للشخص في هذا الوقت، وعندما يحققه الشخص يستمر في طريقه إلى الهدف الذي يليه.. وهكذا حتى تتحقق الرؤية.. إذاً فالأهداف ليست إلا الدرجات التي يصعدها الإنسان لكي يصل إلى الرؤية، وكل هدف يخدم الهدف الذي يليه، وكل هدف يخدم الرؤية ويقرب الإنسان من الوصول إليها، فتعجب الشاب من الفرق بين الرؤية والهدف، وشكر الحكيم على هذا الكم الهائل من المعلومات. * الغاية: ثم سأل الشاب الحكيم: ولكن ما هي الغاية؟ وأين يكون موقعها بين الرؤية والهدف؟ ولماذا توجد غاية ما دامت هناك رؤية واضحة؟ فابتسم الحكيم وقال: بدون الغاية تصبح الرؤية ضائعة، ولكي يكون هدفك مستمراً في الزمن، ولكي تكون الرؤية واضحة تماماً فلابد أن تكون مرتبطة بغاية ليكون نجاحك مستمراً في الدنيا والآخرة. وهنا يسمى الهدف هدفاً مستمراً في الزمن، والغاية يجب أن تكون روحانية، وتكون مرتبطة أساساً بالله ، وإن لم تكن كذلك -كما قلت

стр. 91

لك- فإن الهدف ينتهي بمجرد تحقيقه. إذن لو كان الهدف هدفاً بمفرده ينتهي بمجرد تحقيقه، فمثلاً إذ كنت تريد سيارة، فعندما تشتري السيارة وتتمتع بها لفترة قصيرة فإنك لن ترى السيارة جديدة؛ لأنها انتهت فأصبحت كما تقول. إذن الغاية هي القيمة العليا التي تجعل الرؤية أقوى وأوضح وأسهل في التركيز والتقييم والوصول إلى تحقيق الهدف. فبدون الغاية يضيع الإنسان في المادة، ويضيع الإنسان في الأسباب، ويضيع في الإمكانيات. لذلك اجعل رؤيتك مرتبطة بالله ، بهذه الطريقة فقط تستطيع أن تكون موازناً بين الدنيا والآخرة. فقال الشاب: هل معنى ذلك أن الغاية هي القيمة العليا؟ فرد الحكيم: نعم، وبدونها تضيع في الأسباب -كما قلت. فقال الشاب: هل تعني ذلك أن الناجحين في الحياة عندهم غاية؟ فرد الحكيم وقال: نعم، ولكن إذا كانت الغاية مرتبطة بالمادة يعطيها الله في الدنيا ويمتع بها، فمثلاً الكافر الذي يكون غنيًّا جداً يراه المؤمن فيقول: كيف يكون لمثل هذا الكافر هذا الثراء؟ ولماذا أعطاه الله كل

стр. 92

هذا الثراء؟ والسبب الأول: أنه فتنة له؛ حيث يكون هذا الثراء نقمة عليه في الدنيا والآخرة. والسبب الثاني: أن الله هو أكرم الأكرمين، ويعطي الجميع، وهذا الكافر الذي يعمل ويجد ويجتهد يعطيه الله حقه في الدنيا، ويأخذ كل ما يحتاجه من ثراء ومن مال ومن أصدقاء ومن علاقات، وعندما يقابل الله يكون فقيراً جداً ولا يملك أي شيء. * الغرض: فشكر الشاب الرجل الحكيم، ثم سأله: ولكن أين يقع الغرض من كل ذلك؟ وما هو الغرض؟ فرد الحكيم بسؤال الشاب فقال: هل تريد أن تنجح؟ فقال: نعم. فسأله الحكيم: لماذا تريد النجاح؟ فرد الشاب: لأنه بدون النجاح لا أستطيع أن أتقدم في حياتي، وبدون النجاح لا يكون لي أي شيء في تقدمي أو نموي في الحياة.

стр. 93

فرد الحكيم: كل ما قلته لي هو تعميم وليس تحديداً، وهذا هو السؤال مرة أخرى، لماذا تريد النجاح؟ فابتسم الشاب وقال للحكيم: الآن فهمت النجاح في أي شيء بالتحديد. فرد الحكيم مبتسماً: الآن فهمت، ودائماً خذ التحديد من السؤال لكي تعرف كيف ترد بالتحديد. إن نجاحك في الحياة لابد وأن يتضمن أركاناً سبعة.. بداية من الركن الروحاني إلى الركن الصحي إلى الشخصي إلى العائلي إلى الاجتماعي إلى المهني إلى المادي. ونريد أن نتكلم الآن عن الركن الروحاني بشيء من التفصيل.. لماذا تصلي؟ فرد الشاب: لكي أتقرب إلى الله وأطيعه بإخلاص ووفاء كما علمتني. فرد الحكيم: إذن هذا هو الغرض من الصلاة! وقال: لماذا تريد أن تكون صحتك ممتازة؟ فرد الشاب: لأنه بدون الصحة لا أستطيع عمل أي شيء فلو كنت

стр. 94

مريضاً لا أستطيع أن أتقدم؛ لأن المرض سيكون إعاقة لي. فابتسم الشاب وقال: لا طبعاً؛ لأن الصحة أعطاها لي المولى هدية، وهي باب من أبواب الطاعة، وأقول لله : يا رب أعطيتني هذه الهدية، ولقد حافظت عليها بإذنك. فقال الحكيم: هذا هو الغرض؛ فبدون الغرض لا توجد رؤية، وبدون الرؤية لا يوجد مورد للغاية، وبدون الغاية لا يوجد الغرض، فيجب أن تكون الرؤية ثم الغاية ثم الغرض. فسأل الشاب: ولكن هل الغرض هو السبب؟ فرد الحكيم: نعم؛ فالأسباب تعطي الأحاسيس المشتعلة، والأحاسيس المشتعلة هي الرغبة المشتعلة؛ حيث نجد الله يقول للرسول ﷺ : ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (١) ؛ فبالرغبة هي إحساس مشتعل، فالله يريدنا أن نتجه إليه ونطيعه، ونريده باختيارنا، وبرغبة مشتعلة، وحب متفان، وبإسلام وطاعات، وبإخلاص ووفاء، وبتوكل تامٍّ، وبتفاؤل من الله .

стр. 95

* الأهداف: فقال الشاب: كيف لي أن أشكرك أيها الرجل الحكيم، تعلمت منك ما لم أتعلمه في حياتي بأكملها، وذلك في أيام قليلة، والآن أين الهدف من كل ذلك؟ فقال الحكيم: يبدو أنك نسيت؛ فالهدف هو تجزئة الرؤية، فمعظم الناس تقول: إن عندي هدفاً ولكن في الحقيقة هي رؤية، والرؤية هي نهاية المطاف لشيء تريده أكثر من أي شيء آخر في حياتك، أما الأهداف فهي تجزئة الرؤية، فكل هدف يبنى عليه الهدف الذي يليه، وكل هدف يخدم الرؤية، وهنا قال الحكيم: كما ترى أن الرؤية هي نهاية المطاف للشيء المحدد الذي يريده الإنسان، والغاية يجب أن تكون مرتبطة بالله ؛ لكي تكون رؤيتك مستمرة في الزمن، وهذا هو النجاح المستمر في الزمن. أما عندما نتكلم عن الهدف فهو تجزئة الرؤية ... هي الخطوات ... هي السلالم التي يصعدها الإنسان درجة درجة كي يصل إلى القمة ... هذه هي الرؤية.

стр. 96

إذن يجب أن تعرف مرة أخرى أنه لولا الرؤية لما كانت الغاية، ولولا الغاية لما كان الغرض، ولولا الغرض لما كان الهدف، ولولا الهدف لما كان المعنى، ولولا المعنى لضاعت الأحلام، ولولا الأحلام لضاع الإنسان. ويجب أن تعرف من الآن رؤيتك لابد أن تكون واضحة تماماً، وعندما تكون واضحة تماماً يتكون فيها الحماس، وعندما يكون فيها الحماس تصبح إرادتك قوية، ومن هنا تعرف تماماً أنه يجب عليك أن تحققها؛ لأنها تقربك من الله ، وأصبحتَ تعيش هذا الارتباط لحظة بلحظة بذكر المولى ، وشكر المولى ... بعرفان تامٍّ، فتريد تحقيق هذه الرؤية لتقترب منه، ولذلك لا تتركها على الإطلاق. فقال الشاب: لا. فسأل الحكيم: لماذا؟! فقال الشاب: لأن الله خلقني أشرب وآكل، ولولا الطعام والشراب سأموت وتكون نهايتي. قال الحكيم: إذن هي مهمة بنسبة لك؛ فالأهمية والاهتمام من أهم الأشياء التي يجب أن تعلمها وتعرفها لكي تصل إلى رؤيتك.

стр. 97

فقال الشاب: لو عندي رؤية وربطتها فعلاً بغاية الله ، والغرض فيها واضح، وجزأتها إلى أجزاء، وبدأت فعلاً أن أفعلها في الفعل هل هذا يكفي؟ فابتسم الحكيم وقال: أيها الشاب، إنك باستمرار على عجلة في أن تحقق هدفك، ولكن في الحقيقة لكي تحقق شيئاً لا يضيع منك؛ لذلك يجب عليك المعرفة، ثم تأخذ هذه المعرفة وتضعها في اعتبارك حتى تصبح مهارة. فقال الشاب: هل هناك فرق بين المعرفة والمهارة؟ فقال الحكيم: فرق كبير؛ فبمجرد أن تأخذ الكتاب وتقرأ فيه بعض المعلومات أصبح عندك معرفة بهذه المعلومات، وقبل ذلك لم يكن عندك معرفة، وإذا قلت لك بعض الأشياء فيمكن أن تعطيك بعض المعرفة؛ فالمعرفة هي التي تتعلمها بنفسك أو عن طريق الآخرين كالعلماء أو الحكماء، أو من الكتب، أو تسمعها في أشرطها، أو تراها في شاشة عرض، وبذلك يكون عندك معرفة. ومعظم الناس عندهم معرفة إن لم يكن جميع البشر؛ لأننا جميعاً عندنا العقل، والعقل عنده القدرة على الاستبدال، فالعقل قدرته أن يعرف،

стр. 98

فمبجرد أن تسأل أحداً ما: ماذا تعمل؟ فيقول لك: أن نجار، أو أنا حداد، وأنا مهندس، أو أنا دكتور، فأنت عرفت مهنته، ولكن لم تعرف كيف تفعلها. فالمعرفة أنك تعرف المعلومات، أما المهارة فأن تعرف كيف تفعلها، فقد تجد شخصاً بسيطاً جداً عنده بعض المعرفة، ويتكلم معك في المعرفة، أو تأخذ منه معرفة ثم يذهب كلٌّ منكما إلى طريقه، ولكن تجد الرجل في سعادة تامة، وليس ذلك فقط ولكن يحقق أهدافه وأحلامه ورؤيته، أما أنت فلا. فقال الشاب: لماذا؟ قال الحكيم: لأنك عندك المعرفة، ولكن الرجل عنده المعرفة التي تحولت إلى المهارة؛ فالمهارة هي التي تعرف كيف تفعل الشيء؛ لذلك عندما تقرأ عن السباحة فأنت أصبح عندك معلومات عن السباحة، ولكنك لا تستطيع أن تسبح إلا إذا كانت مهارة متكاملة، وهي تأتي بالفعل، وعندما تكرر هذه المهارة في الفعل تصبح من الناجحين -إن شاء الله-؛ لذلك يجب أن تكون عندك المعرفة والمهارة المتكاملة، ولكي تتحصل عليهما يجب أن تحقق أربعة أقسام أساسية:

стр. 99

أولاً: القراءة وهنا قال الله : ﴿اقْرَأْ﴾ (١) ، وكانت هذه هي أول آية نزلت على الرسول ﷺ من الوحي سيدنا جبريل ﵇، وقال: ﴿اقْرَأْ﴾ ، فماذا تقرأ؟ نقرأ القرآن الكريم؛ لأنه يكون معك في الدنيا والآخرة إذا كنت من أهله؛ لذلك عليك أن تقرأه وتفهمه وتكون ماهراً فيه وتعلمه للآخرين، وبذلك يكون التعليم والمعرفة مستمرين في الزمن إلى آخر يوم في هذه الحياة. إذن المعرفة تبدأ بالقراءة، ولذلك يجب أن تقرأ يوميًّا على الأقل ٢٠ دقيقة، فالقراءة مهمة، وهي تعطيك القوة، ومن هنا قال الله : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) ، فمبجرد أن تقرأ فأنت تعلم، وأصبحت من العلماء في هذا العلم، فأي شيء تفعله وتعمله تصبح عالماً فيه؛ لأنك فعلته. لذلك ابدأ بالقراءة واقرأ على الأقل ٢٠ دقيقة يوميًّا، وبذلك فأنت

стр. 100

تنمي قوة ذهنك، وقوة تفكيرك، وقوة إدراكك، وقوة تركيزك، وقوة انتباهك، وقوة أحاسيسك، وتصبح عندك معرفة في منتهى الروعة. وعندما تقرأ المعلومة أكثر من مرة فإنها ستصبح جزءاً منك، وتصبح أنت جزءاً منها، وستصبح جزءاً منك، وتصبح أنت جزءاً منها، وستصبح مهارة، وستصبح ماهراً في إلقاءها والتكلم عنها؛ لأنك أصبحت ماهراً في وضعها في الفعل، وهذا هو الذي يجب أن تفعله. وأنا سأتكلم معك بعد ذلك في الفعل الاستراتيجي، وهنا قال الشاب: الفعل الاستراتيجي!!! فقال الرجل: نعم الفعل الاستراتيجي. فقال الشاب: ما هو الفرق بين الفعل والتنفيذ والفعل الاستراتيجي؟ فابتسم الحكيم وقال: فيما بعد، ولكن الآن دعنا نتكلم في المعرفة، ولكي تكون عندك معرفة فابدأ بالقراءة ولو ٢٠ دقيقة يوميًّا وستجد عندك الوقت، وتأكد أن عندك الوقت؛ فنصف عمرك تضيعه في النوم، ومعظم عمرك تضيعه في الطعام وفي بالكلام عن الآخرين، وفي انتظار الأشياء؛ لذلك فالوقت موجود عندك وستجد ٢٠ دقيقة موجودة عندك الأشياء؛ لذلك فالوقت موجود عندك وستجد ٢٠ دقيقة موجودة عندك

стр. 101

مهما كانت الظروف، ومهما كانت حالتك النفسية، ومهما كانت الأسباب، ومهما كانت المؤثرات، ومهما كانت ظروف الطقس، ثم نظر إلى الشاب في عينيه وقال: أتفهمني أيها الشاب مهما كانت الظروف. ثانياً: الاستماع قال الشاب: هل القراءة كافية؟ فرد الحكيم: من الممكن أن تكون كافية، ولكن المهارة المتكاملة يجب أن تلمس بها الحواس الخمسة؛ لذلك عندما تسمع بعد الأشرطة -والتكنولوجيا الحديثة قوية جداً سواء بالأقراص المدمجة (السيديهات) أو الأشرطة السمعية- فأنت تقوي حاسة السمع؛ فالعلماء العرب وعلماء الغرب تتعلم منهم معلومات أكثر من رائعة تجعل المعرفة عندك قوية، وعندما تسمعها أكثر من مرة تصبح ماهراً فيها، وعندما تتكلم عنها تتكلم بطلاقة ترداد مهارة؛ لذلك -أولاً- اقرأ على الأقل ٢٠ دقيقة يوميًّا واسمع ولو شريطاً واحداً أو قرصاً مدمجاً (سي دي) واحداً يوميًّا، ثم نظر إليه الرجل وقال: يوميًّا أيها الشاب إذا أوردت فعلاً أن تكون عندك المعرفة والمهارة.

стр. 102

ثالثاً: المشاهدة قال الشاب: وهل هذا يكفي؟ فرد الحكيم وقال: من الممكن أن يكفي، ولكن أريدك أن تطور مهاراتك البصرية، لذلك يجب أن تشاهد بنفسك على شاشات العرض، وهناك ما يسمى بالفيديو أو والدّي في دي فترى العالمِ أمامك، وترى حركات وتعبيرات وجهه، وتحركات جسمه، وتنفسه وأسلوب إلقائه، ونبرة صوته وحدته وقوته؛ لأن الإنسان يفكر بالصور، لذلك قال لنا الله : ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١) ، وبذلك فأنت تنمي الجزء الحسي عندك عندما تلمس الكتاب وتعرفه، وتنمي الجزء السمعي عندما تسمع الأشرطة، وتنمي الجزء البصري عندما تشاهد الفيديو أو الدّي في دي. رابعاً: التحضير وهناك شيء آخر هو أن تكون متواجداً وحاضراً على الأقل -وأنا أقول على الأقل-؛ لأنه عندما تحضر بنفسك تكون مع مجموعات من الناس تريد أن تنمي مهاراتها وتتقدم وتنمو في الحياة بطريقة إيجابية،

стр. 103

ومن الممكن أن تتعرف على بعض الناس الإيجابيين، وتكوّن لك طاقة إيجابية تساعدك على التقدم والنمو في تحقيق أهدافك، والوصول إل الرؤية. فقال الشاب: أيجب علي أن أفعل ذلك كل شهر؟ فقال الرجل: ألا تأكل كل شهر؟ ألا تشرب كل شهر؟ ألا تريد أن تكون ممتازاً كل شهر؟ إذن هذه هي الطريقة، فالطعام هو غذاء الجسد، أما القراءة فهي غذاء العقل والذهن، وبالاثنين تصل في طريقك إلى الله إن شاء الله-، وبذلك تغذي روحك، وبدون القراءة لن تتعلم كيف تغذي أيًّا من ذلك، فالناس دائماً تبحث عن أفصل أنواع الطعام لجسدها، وأنا أريدك أن تنمي ذهنك وتنمي روحك بالقراءة والتقرب أكثر من الله . وهذه -أيها الشاب- أسميها بالمهارة المتكاملة التي تلمس الحواس بأكملها، فتجعل كل حاسة عندك ماهرة، فتعرف متى تسمع وتنصت، وكيف تسمع وتنصت، وتعرف كيف تتكلم وتنطق بالحروف والجمل والكلمات، وتعرف كيف تعبر عن رأيك فتتكلم كما يتكلم العلماء

стр. 104

والحكماء، فيسمعك الناس ويحبون أن يكونوا حولك؛ لأن عندك المعرفة، وتذكر أن الشخص الذي عنده المعرفة يلتف حوله الناس لكي يتعلموا منه، ولذلك قال الله : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) ، فأنت تعلم وتريد الناس أن تتعلم منك، فتستمر رسالتك، وتصبح صدقة جارية -إن شاء الله-. فقال الشاب: بعد كل ما تعلمته منك أهذا يكفي لكي أحقق أهدافي وأصل إلى الرؤية، فقد أخذت بكل الأسباب، وتوكلت على مسبب الأسباب، ووضعت كل شيء بهذه الطريقة في موضعه، وأخذت المهارة المتكاملة، فهل هذا يكفي؟ فرد الحكيم وقال: من الممكن أن يكفي. فقال الشاب: أنت تقول لي دائماً، من الممكن، ولكن هل هناك المزيد؟ فقال الرجل الحكيم: نعم؛ لأن المتميز والامتياز ليس له نهاية، وليس له حدود، باستمرارٍ هناك تكملة. لذلك دعنا نسير معاً في الطريق إلى الامتياز إلى المحطة التالية وهي:

стр. 105

* الفعل الاستراتجي: الفعل هو الذي يفرق بين النجاح والفشل، وبين السعادة والتعاسة، وبين التقدم والوصول إلى القمة، أو القعود عن الوصول إليها. الفعل لا يفصل بين الكلام وبين الحقيقة.. بين الخيال والحلم الخيالي.. بين الخيال والحلم الذي يتحول إلى واقع. الفعل كما قلت لك من قبل عندما تقرأ عن السباحة وتزيد من قراءتك عن السباحة تصبح ماهراً تماماً في معلوماتك عن السباحة، وهذا لا يعطيك الفرصة إطلاقاً لكي تصبح فعلاً سباحاً، ولكن يجب أن تسبح وهو الفعل. وإذا لم تضع معلوماتك وخبراتك وتجاربك في الفعل لن تستخدمها ولن تنجح فيها لذلك عليك بالفعل الاستراتيجي. فقال الشاب: الفعل الاستراتيجي! ثم سأل: بماذا أبدأ؟ فقال له: بعد كل ذلك ولكي تكون في الفعل الاستراتيجي عليك أن تبدأ بالتخطيط فهو الخطوة الأولى، فمثلاً إذا أردت أن تتعلم لغة من اللغات فيجب أن تعرف لماذا تريد أن تتعلمها؟ وتعرف الغرض منها،

стр. 106

وهي رؤية يجب أن تساعدك -مثلاً- لكي تكون مديراً كبيراً في شركة ما، فعندما تصل إليها يجب أن تساعد أكبر عدد ممكن من الناس، وبذلك ترتبط أكثر بالله ، فاللغة تعطيك قوة أكبر، واللغة تساوي إنساناً بأكمله؛ لأنك تتعلم لغة وتتكلم بها مع الناس وبذلك توسع لك الآفاق، فتقرأ وتصبح ماهراً، وبذلك تصبح من أقوى المتميزين. أولاً: من الممكن أن تتعلم من التلفاز. ثانياً: ممكن أن تتعلم من القاموس. ثالثاً: ممكن أن تتعلم من الكتاب. رابعاً: من الممكن أن تتكلم مع أحد الأصدقاء الأجانب. فمثلاً ممكن أن تذهب إلى معهد أو مركز لتعليم اللغات، وبذلك فأنت خططت، ثم تبدأ بالخطوة الأولى أن تذهب بنفسك وتشاهد ماذا يفعلون، وتشترك يوميًّا، وتقرأ أربع كلمات وتحفظها تماماً، ثم توزع جهدك على مجموعات من الأشياء، فمثلاً تقول: لو كنت في مطعم

стр. 107

وأريد أن أتكلم فقط بهذه اللغة، أو أنا في بلد تتكلم فقط هذه اللغة، فتتعلم كيف تطلب الطعام، وكيف تطلب الفاتورة، فأنت تتعلم بالتحديد المعلومات اللازمة لك في هذا المطعم، ثم في المطار تتعلم المعلومات اللازمة لك في المطار وهكذا، وبذلك تتعلم اللغة بطريقة فعالة وسريعة، وهذا هو الفعل الاستراتيجي الذي يبدأ بالتخطيط، فأنت تخطط لتتعلم لغة. وبفرض أنك تريد أن تسافر إلى بلد أجنبي أو أي بلد آخر فأنت تخطط من البداية فتسأل أية شركة سياحة: ما هي التذاكر وما نوعها وما هو سعرها؟ وما الطريقة التي تسافر بها إذا كانت بالطائرة أو بالسيارة أو بالحافلة. فأنت تخطط قبل كل شيء، وهذا هو التخطيط الاستراتيجي فبمجرد أن تخطط وتحدد ما الذي تريده وكيف تبدأ للوصول إليه وتضعه في الفعل. مثلاً: هيا نرجع إلى اللغة فأنت بدأت فعلاً تضع اللغة في الفعل، وبمجرد أن تضعها في الفعل تبدأ بالتقييم، فيجب أن تقيم هدفك، وتقسم هذه الخطوة، أي: هل أنت تسير في الطريق الصواب؟ وهل

стр. 108

تتعلم فعلاً ما تريد؟ وهل هذا هو المركز الذي تريده؟ وهل هذه هي المعلومات التي تريدها؟ ولذلك فأنت تقيم، وعندما تقيم من الممكن أن تبدأ في التعديل؛ لأن ما قيمته في أسلوبك للتعليم من الممكن أنك لا تستطيع أن تفهمه من المدارس، ولكن من الممكن أن تفهم من مجموعة من مصادر المعلومات بما فيها المدرس والكتاب والقراءة، وكل ذلك تتعلم منه. لذلك نقول: إن أفضل طريق للتعليم الطريقة البصرية؛ حيث تبدأ تشاهد وتتعلم أكثر. ومن هنا فإن التقييم يأخذنا للتعديل، فالتعديل يعدل من خطتك، وعندما تعدل من خطتك تقف للحظة وتتعلم مما قيمته وعدلته وتتعلم منه قبل أن تضعه في الفعل مرة أخرى، فعندما تعلمت منه تضعه في الفعل مرة أخرى، وتستمر في هذا التخطيط الاستراتيجي، وهو جزء كبير من الفعل الاستراتيجي، فتخطط وتضعه في الفعل، وتقيم وتعدل وتتعلم، ثم تضعها في الفعل مرة أخرى، وهذا هو الفعل الاستراتيجي الذي يعلمك خطوة بخطوة إذا كنت في الطريق الصواب أم لا. لأن هناك بعض الناس يضعون أنفسهم في الفعل ويستمرون بكل

стр. 109

قوة وحماس، وعندما يصلون إلى نهاية الطريق يجدون أنهم لم يحققوا أي شيء؛ لأنهم لم يدركوا أن الطريق التي كانوا يسلكونها ليست هي الطريق الصحيحة للوصول إلى القمة، فيبدءون في الشكوى والشعور بالإحباط، وترك الرؤية بما فيها الغاية والغرض والهدف؛ لأنهم شعروا أنهم بعيدون عنها، وأن ما يفعلونه يجعلهم يفشلون، ولكن في الحقيقة هذا الفشل لازماً للنجاح. فسأل الشاب وقال: كنت أعتقد أن الفشل لا يسبب إلا الإحباط! فرد الرجل وقال: الحقيقة لا يوجد فشل، ففي الطريق إلى الامتياز والقمة يوجد كل شيء. وقال: ألا توجد الأمطار؟ فقال الشاب: نعم. وقال: ألا توجد الرياح؟ فقال: نعم. وقال: ألا توجد الصواعق؟ فرد: نعم. والزلازل؟

стр. 110

فرد: نعم. وقال: ألا توجد الأمراض؟ فرد: نعم. وعندما تأكل في أي مكان فمن الممكن أن تصاب بتبسم. فقال: نعم. فسأله الرجل الحكيم وقال: هل عندما أكلت وأصبت بالتسمم بعدت كليًّا عن الطعام؟ فقال: بالطبع لا. فقال له الرجل الحكيم: لماذا؟ فقال الشاب: لأنني سأموت. فقال الرجل: ونفس الشيء بالنسبة إلى الطريق إلى الامتياز فلن تقف بسبب أي عائق مهما كان، فالفشل لازم للنجاح، وفي الواقع هو ليس فشلاً، ولكنه تجربة وخبرة ومهارة، ولكنك وقفت في هذا المكان لكي تفكر وتقيم. وهنا التقييم والتعديل والتعلم عندما تقف مرة أخرى، وعندها لن يستطيع أن مخلوق على وجه الأرض أن يأخذ مهاراتك ومعلوماتك
следующие страницы →