كريماً ومحسناً، وتذكر أن الله قد أعطاك صفة من الصفات الرائعة، فإن الله يحب المحسنين.
ومن هنا عرفنا أن هناك ثلاثة ركائز أساسية للارتباط بالله .. هي التسامح المتكامل، والحب في الله ولله، والعطاء غير المشترط.
فنظر الشاب إلى عيني الحكيم وقال له: هذا الكلام جميل جداً، وأنه أشعر الآن بلذة هذا الكلام، وأشعر بجماله، وأشعر الآن بطاقة تقربني أكثر من الله ، ولقد شعرت الآن بطريق الامتياز، وهذا هو الطريق إلى الامتياز، فنظر له الحكيم بابتسامة جميلة، ثم وضع يد على كتفه وقال له: ولكننا لم ننته بعد.. فقال له الشاب: أنا الآن ممتاز.. فقال له الرجل: كلا!! فقال الشاب: وماذا بقي بعد التسامح المتكامل والحب في الله ولله والعطاء غير المشترط؟! فقال الرجل: يبقى الإيمان بالله ..
* الإيمان بالله:
عند ذلك قال الشاب للحكيم: لقد آمنت بالله .. فقال له: بلى تذكَّر أنك مؤمن، ومن علامات الإيمان أن تشعر بحلاوته، ومن الشعور بحلاوته أن تؤمن على نفسك وعلى صحتك وعلى الناس جميعاً
стр. 37
وأموالهم وأعراضهم؛ فالمؤمن لا يسرق الناس، ولا يكذب عليهم، ولا يخونهم، والمؤمن أخلاقه طيبة؛ ولذلك فالارتباط بالله يجعلك تؤمن، وهذا الإيمان يقربك أكثر من الله ، والمؤمن يؤتمن على الناس وأموالهم وأسرارهم.. ثم نظر إلى عيني الشاب وقال له: أخبرني الآن.. هل أنت مؤمن؟ فقال له: أنا مؤمن، ولكن ليس بهذا الأسلوب الذي تتحدث عنه؛ فمن الممكن أن يكون هناك من يؤمن بالله ولكنه يسرق الناس، وهو كذلك يصلي ويصوم، وأنت علمتني شيئاً هاماً جداً، فقد يكون هناك من يتعامل مع الناس بالحسنى في ظاهره ويصلي ويصوم، ولكنه قد يسرق أو يكذب عليهم أو يخونهم في أمانتهم، وهذا فيه سمة من سمات المنافق، فالله هو الذي يوزع الأرزاق، وهو قد يغفر أي شيء، ولكن في حقوق الناس فلابد من طلب المسامحة من صاحب هذا الحق، فإذا أردت أن تصل إلى الطريق إلى الامتياز، ولكي تصل إلى الطريق إلى الله فلابد من التقرب إلى الحق ، والله أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وهو لا يرضى بالظلم أبداً، كما روى الإمام مسلم عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً
стр. 38
فلا تظلموا ... " (١) .. وطالما أنك في الطريق إلى الامتياز فلابد من أن تعطي الناس حقوقها، ومن العطاء الذي تحدثنا عنه أن تعطي الناس حقوقهم، ومن العطاء والحب في الله أن تكتم أسرار الناس، وأن تبتعد عن الغيبة والنميمة، وسوف نتكلم عن ذلك بالتفصيل في المحطة القادمة إن شاء الله ، ونحن مازلنا نتكلم عن الارتباط بالله من التسامح المتكامل، والحب في الله ولله، والعطاء غير المشترط، والإيمان بالله ، وهذا الإيمان باللهب سيصل بك إلى شيء هام جداً في الارتباط بالله.. فنظر الشاب وقال له: وما هو؟! فأنا الآن أشر بحلاوة لم أشعر بها من قبل فما هو السبب أني أشعر بهذه الحلاوة؟! لقد شعرت أن هذا هو الطريق إلى الامتياز.. فقال له: إنك كنت تركن إلى الأسباب -كما يفعل بعض الناس- دون أن تنتبه إلى أن الجذور الأساسية الموصلة للنجاح أساسها من عند الله .. ثم قال له: سوف أكرر لك مرة أخرى، كي تظل ذاكراً لهم ولا تنساهم في خضم الحياة، فكرر معي: ما هو أول شيء؟ فقال: التسامح المتكامل.. قال له: وبعد ذلك؟ فقال له: الحب في الله والحب لله.. قال له: وبعد ذلك؟ فقال: العطاء غير المشترط.. فقال له: يعني أن
стр. 39
لا تشكو من أنك تعطي الناس ولا تأخذه منهم.. ثم قال له: وبعد ذلك؟ فقال: الإيمان بالله، وأن أي شخص يكون معي فسيكون في أمان وضمان، وسأحافظ على الناس، وعلى أموالهم، وعلى أسرارهم، وأعمل في تجارتي كما علمنا الرسول ﷺ ، وهو الصادق الأمين، وأنا سأكون صادقاً وأميناً إن شاء الله.. فقال له: أنت الآن تمشي في الطريق الصحيح إلى الامتياز، وبعد ذلك لكي تصل إلى الارتباط بالله فطالما أنك وصلت للإيمان فتسجد نفسك وصلت للطاعة دون أن تشعر أو تتكلف ذلك..
* الطاعة:
وحينئذٍ قال الشاب للحكيم: أنا أطيع الله .. فقال له: فماذا تفعل؟ قال: أصلي وأصوم وأفعل ما أمرني الله به.. فقال له: ولكنك قد تكذب أحياناً، وقد تحقد أو تشك أو تكره، وما شابه ذلك، ولكنك يجب أن تعلم أن الطاعة تنقسم إلى قسمين، وهما:
أولاً: فعل المأمور.. أي فعل كل ما أمر الله به، من صلاة وصيام وصدقة وحج.. إلخ تلك الطاعات.
стр. 40
ثانياً: ترك المحذور.. أي الابتعاد تماماً عن كل ما نهى الله عنه، فقد نهانا أن نبتعد عن السرقة والزنا وشرب الخمر، ونهانا عن كل مساوئ الحياة بما فيها التدخين، فابتعد أيها الشاب عن التدخين؛ لأنه من أسوأ المساوئ التي اخترعها الإنسان لتدمير نفسه؛ فالتدخين يسبب الأمراض، والمدخن يكون ظالماً لنفسه ولمن حوله، فابتعد أيها الشاب عن التدخين فإن فيه عذاب الدنيا، وفيه عذاب القبر، وفيه عذاب يوم الدين، ولسوف يسألك الله عن كل شيء.. عن عمرك ومالك وشبابك، فعن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيمَ أفناه، وعن علمه فيمَ فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه" (١) .. فإن سألك وقال لك: أنت تأكل لأنك جوعان، وتشرب لأنك عطشاه، فلماذا تدخن؟! فهل ستجد إجابة على هذا السؤال..
فقال له الشاب: على فكرة، أنا مدخن.. فقال له الرجل: كرر معي الآن: أنا كنت مدخناً، والحمد لله تخلصت من هذه العادة من الآن.. فردد الشاب معه قوله، ثم قال له: لقد أقلعت عن التدخين منذ هذه
стр. 41
اللحظة.. فقال له الحكيم: لقد أقلعت عن التدخين لترضي الله ، فأنت تركتها لله، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.
عوضك الله المال والصحة والزوجة الصالح والسعادة في الحياة، ويعوضك بأناس تحبهم ويحبونك، فتخيل أنك أعطيت وتركت لله وفي الله، وأحببت لله وفي الله، فالله سوف يعطيك أفضل منها، وسيعطيك أكثر مما تتخيل.. فقال له الشاب: الحمد لله فقد تركتها وأقلعت عن التدخين.. فقال له: إن هذا لا يكفي، بل لابد من أن تساعد أكبر عدد من الناس كي يتخلص من هذه العادة الذميمة.. فقال له: سوف أساعد أكبر قدر ممكن من الناس للإقلاع عن التدخين، وأن ذلك مكاسب له، منها كسب الصحة؛ فبدون الصحة لا يستطيع العمل، ولا يستطيع اتخاذ القرار.
* الصلاة:
قال الشاب: وماذا بعد ذلك؟ فقال الرجل: إن الصلاة على وقتها من الطاعة التي تحدثنا عنها، فلابد من اتصال الصلة مع الله ، فعندما
стр. 42
تقول: "الله أكبر" لابد وأن تعرف أن الله أكبر من كل شيء، ولا ينبغي أن تصلي قبل أن تكون مدركاً فعلاً ماذا ستفعل، وعندما تصلي يجب أن تصلي صلاة صحيحة، وعندما تنفق من وقتك في أي شيء فيجب أن يكون في شيء صحيح، فعندما تزكي مثلاً يجب أن تزكي زكاة صحيحة، وأي إنسان جاهل أو ضال يجب أن تساعده وأن تستفيد منه.. فقال له: وكيف أستفيد منه؟! فقال له: ساعده فهذه صدقة، والمسه واربت على كتفه، فهذه صدقة؛ لأنك حنوت عليه، وابتسم في وجهه، وادعُ له أن يفتح الله عليه، فعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة" (١) .. فأنت إن فعلت ذلك أجراً عظيماً وحسنات متعددة في عمل واحد، فكل شيء تفعله في سبيل الله تستفيد منه؛ لأنه يقربك من الله أكثر.. ثم قال الرجل: كرر لي مرة أخرى أيها الشاب ما قلنا.. فقال له: التسامح المتكامل.. فقال له:
стр. 43
وبعد ذلك؟! فقال: الحب في الله والحب لله، وبعد ذلك العطاء غير المشترط، وبعد ذلك الإيمان بالله .. فقال الرجل: أنا سأوقفك عند الإيمان بالله.. ثم قال له: هل تعرف ماذا يعني الإيمان بالله؟! فقال: أعرف.. فقال له الرجل: فماذا يعني؟ فقال الشاب: أن أكون مؤمناً بوجود الله .. فقال الرجل: إن هذا لا يكفي.. فقال الشاب: فماذا يعني؟! قال له: من كمال الإيمان بالله أن تؤمن بكل ما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ ، وتؤمن بكل الكتب التي ذكرها والتي لم يذكرها، وأن تؤمن بكل الرسل وأنبياء الذي ذكرهم والذين لم يذكرهم، ولتقُل معي: اللهم إني أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك ورسلك وجميع خلقك أنك أنت الله وحدك لا شريك لك، فأنت الأول والآخر، وأنت الظاهر والباطن، وأنت المقدم والمؤخر، وأنت المعطي والكريم، وأنت المنتقم الجبار، وأنت أرحم الراحمين.. فإذا بالشاب قد أخذ يبكي من حلاوة ذلك الكلام، ثم أكمل الحكيم: وأشهد أن الجنة حق، وأن النار حق، وأشهد باليوم الآخر، وأشهد بالملائكة، وأشهد بكل ما جاء من عند الله ، وبذلك تكون مؤمناً حقاً.. فقال الشاب: آمنت بالله.. فقال له: وتؤمن بأن محمد ﷺ رسول الله ونبيه.. فقال الشاب: أشهد أن
стр. 44
سيدنا محمداً رسول الله، وأشهد أن الجنة حق، وأن النار حق، وأشهد بالملائكة، وباليوم الآخر، وأشهد بجميع الرسل والأنبياء الذين ذكرهم والذي لم يذكرهم.. فقال له: أنت الآن آمنت بالله ؛ فاخرج إلى الناس الآن وقد تسلحت بهذه الأسلحة الرائعة من عند الله .
التسامح المتكامل، والحب في الله ولله، والعطاء غير المشترط، والإيمان بالله.. ثم سكت الرجل الحكيم وابتسم، فقال له الشاب: يبدو أنت هناك الكثير والكثير.. فقال له الرجل: نعم فكل هذا جميل، ولكنه لا يكفي أيضاً.. فقال الشاب: وماذا أيضاً؟!
* الإخلاص:
وهنا قال له الحكيم: إنه الإخلاص، فإذا نظرت أيها الشاب فتسجد أن الإيمان بالله يأخذك إلى الطاعة، والطاعة تأخذك إلى الإخلاص؛ فأنت لا يمكن أن تطيع إنساناً دون أن تكون متأكداً من أن عنده القدرة على فعل شيء أنت تريده منه، فأنت توكل محامياً وأنت تعرف أن عند هذا المحامي القدرة على أن يدافع عنك؛ ولذلك فأنت تطيعه، وعندما تذهب للطيب ويحدد لك موعد لعمل عملية ما فإنه يقوم بعمل العملية
стр. 45
في الموعد الذي ضربه لك، وأنت تطيعه في كل ذلك، وعندما يقول لك أي شيء فأنت تطيعه ويخدرك بالبنج وتسمع كلامه، ويفتح قلبك ولا تتكلم؛ وذلك لأنك معتقد في قدراته، فالإيمان بالله يصل بك إلى الطاعة، والطاعة تصل بك إلى الطريق الذي يليها وهو الإخلاص، فلا يمكن أن تؤمن بالله ، والله يقول: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١) ، وقال : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢) ، وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٣) ، وعن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (٤) ، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم،
стр. 46
ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (١) .
إن هذا هو الإخلاص، فعندما تكون مخلصاً لله تجد أنك قد أخذت هذا الإخلاص صفة وسمة، ويفتح الله عليك، فأي عمل بدون إخلاص وكأنك لا تعمل؛ لأنك تجد حلاوة العمل عندما تشعر فيه بالإخلاص والارتباط بالله ، وحلاوة الطاعة هي الارتباط بالله، فالطاعة لابد أن تكون لله وفيها إخلاص لله .
* الوفاء:
وعندئذٍ قال الشاب: وبعد ذلك؟! فقال: الوفاء.. قال الله في كتابه العزيز: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٢) ، وقال أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣) ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أربع من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذ عاهد غدر، وإذا خاصم فجر (٤) .. ثم نظر إليه الحكيم
стр. 47
وقال له: لو أن شخصاً عاهدك ثم لم يوف معك بذلك العهد، فماذا ستشعر؟ قال: سأغضب منه غاية الغضب.. فقال له: فهل يمكن أن تثق فيه بعد ذلك يوماً ما؟ فقال له: كلا؛ فقد كذب عليَّ قبل ذلك ولم يوف بعهده، فكيف أثق فيه؟! فقال له: ولله المثل الأعلى، فمن الممكن أن تكون طائعاً ومؤمناً ومخلصاً، ولكنك لا توفي بالعهد مع الله ، وبالتالي فلن توفي بعهدك مع الناس.. وعدم الوفاء بالعهد أضاع منك كل شيء.. من الإيمان والطاعة والإخلاص..
إن الإيمان بالله يجعلك تشعر بروعة الطاعة، ولكي تشعر بروعة الطاعة لابد وأن يكون عندك إخلاص تام لله ، وحتى يكون عندك إخلاص، وطالما أنك وفيٌّ للمولى فأنت تتحلى بهذه الصفات، وكما يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) .. فالوفاء بالعهد مع الله من أهم جذور الطاعة، والطاعة من أهم جذور الإيمان بالمولى ، وكما ترى أيها الشاب أن كل ذلك من أساس الطريق إلى الامتياز، فالناس تأخذ
стр. 48
بالأسباب وتنسى مسبب الأسباب، فتهلك بهذه الأسباب، فليست الأسباب وحدها هي التي تُنجِح، فمن الممكن جداً -كما حدث لك- أن تأخذ بكل الأسباب ثم لا تنجح، ولكن عندما تأخذ بالأسباب مع التوكل على مسبب هذه الأسباب فلابد وأن تنجح، حتى ولو كان في مجال آخر غير المجال الذي اخترته لنفسك.. من تسويق وإدارة وخدمة عملاء وعلاقات عامة، وبمجرد توكلك على الله تجده يعطيك أشياء أخرى لم تكن تتوقعها..
وهنا نظر الرجل إلى الشاب وقال له: ماذا تعلمت حتى هذه اللحظة؟ فقال له الشاب: تعلمت أن الارتباط بالله من أهم جذور النجاح.. فقال له الرجل: وكيف ترتبط بالله ؟ فقال: التسامح المتكامل.. فقال له: لماذا؟ فقال: حتى أضع هذا الحمل الثقيل من على كتفي، وأتخلص من هذه الطاعة السلبية التي تبعدني عن الله .. قال له: وبعد ذلك؟ قال: الحب في الله والحب لله، وبعد ذلك العطاء، غير المشترط، ولا أشتكي من أنني أعطي الناس ولا أحصل منهم على شيء، ثم بعد ذلك الإيمان.. فقال له: وماذا يعني الإيمان؟ فقال له: الإيمان بالله ، وبكل ما أخبر به المولى ، وبأنه الأول والآخر والظاهر والباطن،
стр. 49
وهو الوالي والمتعالي والبر المنتقم والعفو والرءوف، وهو أرحم الراحمين، وهو أكرم الأكرمين، والإيمان بكل ما جاءنا عن الله وبكل ما أمر به، وبكل الرسل والأنبياء الذين ذكرهم والذي لم يذكرهم، وأشهد بأن الجنة حق وأن النار حق..
فنظر إليه الرجل بابتسامته الهادئة، وقاله له: تعلمت الكثير أيها الشاب.. فقال له: تعلمته منك.. فقال له: كلاَّ، بل أنا مجرد سبب من ضمن الأسباب في طريقك إلى الامتياز، وقد سخرني الله كي أساعدك، وأنت أيضاً ستعلم أكبر عدد من الناس.. فقال الشاب: وأنا أعدك بذلك.. فقال له الرجل: لا تَعِدْ دون أن تكون قادراً على تنفيذ ما تعد به، فاجعل الوعد في وقته الصحيح.. فقال له الشاب: هل هذا هو آخر شيء؟! فقال الرجل: كلا، فأنت قمت بكل شيء، بداية من التسامح المتكامل، والحب في الله ولله، والعطاء غير المشترط، والإيمان التام بالله ، والطاعة التامة، والإخلاص، فتجد نفسك مرتبطاً أكثر بالله ، ولكن تبقى أشياء أخرى، مثل التوكل على الله ..
стр. 50
* التوكل على الله:
فقال الشاب: وما هو التوكل على الله؟ فقال له الرجل: يجب أن تتوكل على الله ، حيث إن الله أمرك بالأخذ بكل الأسباب ثم تتوكل على الله، كما قال : ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١) .. ومعنى ذلك أن تضع العزم أولاً، ولكن كي تضع العزم وتتوكل على الله فلابد وأن تنوي؛ لأنك بمجرد أن ترغب فقد تولدت النية، وحين تقرر تحقيق هدف تتولد النية، إذن فينبغي عليك أن تتعرف على النية أيها الشاب؛ لأن النية هي أعماق أفكارك، والنية تسبب ضميرك، وضميرك يسبب أحاسيسك وسلوكك، ثم تخرج إلى العالم الخارجي؛ لأن الله ينظر إلى النيات، ينظر إلى النية في القلوب، وينظر إلى ضمائر الناس؛ ولذلك يجب عليك قبل أن تبدأ في أي عمل أن تقول: نويت أن آخذ بالأسباب وأتوكل عليك يا رب العالمين، ونويت الإيمان التام يا رب العالمين، ونويت طاعة تامة وإخلاصاً تاماً ووفاء تاماً يا رب العالمين، ونويت أن آخذ بالأسباب كلها يا رب العالمين، ونويت التوكل عليك يا رب العرش العظيم.. ثم تبدأ في الطريق إلى الامتياز، فالنية
стр. 51
تسبق كل شيء..
ثم نظر الحكيم إلى الشاب وقال له: والآن أيها الشاب هل نويت؟ فقال الشاب: نعم نويت.. فقال له: على أي شيء نويت؟ فقال له: نويت الإيمان بالله .. فقال له: وبعد ذلك؟ فقال: نويت الطاعة التامة والإخلاص.. قال له: ثم ماذا أيضاً؟ قال: ونويت الوفاء التام.. قال له: بذلك أنت الآن جيد جداً، ولكن يبقى شيء آخر.. فقال له: وما هو؟ فقال له: التفاؤل ..
* التفاؤل:
وهنا نظر الحكيم إلى الشاب بعينين براقتين يملؤهما نور التفاؤل، ثم قال له: يا بني لا يمكن للمؤمن أن كون مؤمناً إلا إذا كان متفاءلاً بأن الله سيمنحه الخير؛ لأن ربنا طمأنك أنه لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأنت حين تضع نفسك في حيز الفعل، وتأخذ بكل الأسباب، وتتوكل على الله في طاعة تامة، وتحب في الله ولله، وتخلص لله، وتفي لله.. بعد كل ذلك هل تظن أن الله لن يمنحك ما تريد؟! فقال له: كلا، بل إنه يقيناً سيمنحني.. فقال له الرجل: هذا اليقين هو ما أوصانا به
стр. 52
رسول الله ﷺ ، وهو توقع مجيء الإجابة بعد الدعاء، وهذه هي الخطوة القادمة يا بني، وهي الدعاء والذكر لله ..
* الدعاء والذكر:
وعندئذٍ قال الحكيم: يا بني.. طالما أنك في هذه الحياة الدنيا يجب عليك أن تدعو الله ، فالدعاء من أفضل العبادات التي تقرب بها إلى الله ، بل لقد أخبر النبي ﷺ أن الدعاء هو نفس العبادة، فعن النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة" (١) ..
وكذلك الذكر، فالذكر هو زاد المؤمن في طريقه إلى الله ، ومن أفضل الذكر عند الله قول: لا إله إلا الله.. فالزم هذه الكلمة طوال وقتك، وكذلك الزم دائماً قول: الحمد لله.. قُلها في السراء والضراء.. قل: الحمد لله، وكلما أصابك شيء فقُل: الحمد لله، وسوف تستفيد منها دائماً، ولو أن هناك خطراً محدقاً بك ثم قلت: الحمد لله فسيبتعد عنك هذا الخطر، وإذا اتقيت الله فسيجعل لك مخرجاً دائماً وسيرزقك من حيث لا تحتسب، وطالما أنك في هذه الحياة الدنيا فعليك بقول: لا إله إلا الله
стр. 53
وقول: الحمد لله، وكلما وجدت وقتاً فيجب عليك أن تملأ بذكر الله وشكره وحمده ودعائه والثناء عليه، فيستمر الربط بينك وبين الله ..
فقال له الشاب: هل هذه هي النهاية؟ فقال له الرجل: كلا؛ فكل هذا جزء صغير مما قد أعطانا الله ، وهناك أشياء كثيرة سوف نتعلمها معاً ونحن في الطريق إلى الامتياز.. وهذه يا بني هي أول جذور الارتباط بالله ..
فقال له الشاب: وبعد ذلك، ما هي الجذور الثانية؟
فقال له الرجل: إنها الأخلاق..
стр. 54
الطريق إلى الامتياز
الأخلاق
стр. 55
الأخلاق
إن الأخلاق من أهم صفات المؤمن المطيع لله والمخلص والمحب له ، فقد تكون جيداً في مهنة ما.. أو في مادة ما.. ولكن إذا لم تكن أخلاقك ممتازة فكيف ستتعامل مع نفسك ومع الناس؟!
بالأخلاق تستطيع أن تتمكن من قلوب الناس.. وأن تقنعهم بما تريد.. وبالأخلاق ترى مصالح الناس قبل أن ترى مصلحة نفسك..
وفي ذلك يقول الحق لرسوله العظيم ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١) .. فلم يذكر الخلق فقط، وإنما ذكر الخلق العظيم، وأكد ذلك قول رسول الكريم ﷺ ، حين قال: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (٢) ..
стр. 56
فإذا نظرت أيها الشاب إلى هاتين الحكمتين لوجدت أن الله قد أكد لنا وصفه لرسوله الكريم ﷺ بأنه على خلق عظيم، ذلك الرسول الكريم الذي أخبرنا أنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق، فيا لها من روعة أيها الشاب!!
فعليك أن تنتبه دائماً لأخلاقك، ولطريقة كلامك مع الناس، وأنا في لحظات قليلة سوف أعطيك معادلة بسيطة عن كيفية الوصول للأخلاق الحميدة؛ لأنك بدونها لن تستطيع أن تتماشى مع الدنيا.. فعقب الشاب على هذا الكلام وقال له: لقد قرأت ذات مرة في كتاب يقول: إن إحدى الجامعات الكبيرة في العالم تقول: إن المهارات المهنية لا تمثل أكثر من ٧%، وأن الأخلاق تمثل ٩٣%، وساعتها لم أفهم هذا الكلام، لدرجة أنني تركت الكتاب؛ لأني لم أفهم منه شيئاً؛ فأنا مثلاً درست في الدراسة أنني تركت الكتاب؛ لأني لم أفهم منه شيئاً؛ فأنا مثلاً درست في الدراسة الابتدائية، ثم بعدها دخلت الإعدادية، ثم الثانوية، ثم دخلت الجامعة، ثم الدراسات العليا، وحصلت على الماجستير، ثم الدكتوراه، وبعد كل ذلك كل هذا لا يمثل ٧% فقط؟! ثم أنا أستمع الآن إليك في حديثك عن الأخلاق، وأن الأخلاق هي كل شيء، وأن الأخلاق أهم من أي شيء آخر، وأن الأخلاق عند الله هامة جداً، وتقربك أكثر من المولى
стр. 57
- ، وبالأخلاق تتعامل مع الناس، وبالأخلاق تجعل الناس تحبك وتلتف حولك.. ولكن كيف تكون المهارات المهنية لا تعدو ٧% فقط؟!
فقال له: لأنك من الممكن أن تتعلم أي مهنة كانت صعبة، وطالما أن شخصاً واحداً قد تعلمها أي مهنة موجودة في الإدراك، وموجودة في الكتب، ومن الممكن أن يتعلمها أي شخص آخر، سواء في يوم أو في شهر أو في سنة، ولكنه في النهاية سيتعلمها، ولكن ما هو السبب أن هناك أناساً ناجحين وأناساً غير ذلك، وأناساً متميزين وأناساً غير ذلك، مع أن كل الناس عندهم نفس أشياء الأربع التي قدمناها، فكل البشر عندهم الخامات، أي الحواس الخمس، وعندهم الطاقة، وأسلوب الفكر والمنطق والتحليل، والوقت ٢٤ ساعة في اليوم، فما الفارق بين شخصٍ وآخر؟! وما الفرق بين الشخص المتميز والشخص غير المتميز؟! سنجد أن السبب يكمن في كل الذي ذكرناه سابقاً، وسنجد أن أخلاق الشخص المتميز عالية، وإذا واجهته أية مشكلة فهو يتسامح بسرعة، والسبب في أنه ليس لديه وقت ليضيعه هنا وهناك؛ لأنه يعرف أن وقته محدود في الدنيا، وأن هذه اللحظة قد تكون آخر لحظات حياته، فهو يفكر بطريقة سليمة، والإنسان المتميز يسأل نفسه دائماً: هل
стр. 58
يمكن أن تكون هذه اللحظة هي آخر لحظات حياتي؟ والإجابة: بالطبع نعم.. فاسأل نفسك: هل الذي تفعله في هذا الوقت يساوي هذا الاستثمار؟ فستجد أنك - إذا لم تكن أخلاقك جيدة- أعصابك وأحاسيسك مشتعلة، وستجد أن العقل العاطفي مشتعل، وفي هذه الحالة لن تحقق أي شيء؛ فالأخلاق أفضل وأحسن ما يدخر لمثل هذه الملمات؛ ولذلك فنحن تكلمنا عن الإيمان وعن التسامح المتكامل، فلا يمكن أن تسامح بشكل متكامل إلا عندما تكون مؤمناً بالله ، وتطيع الله، وتخلص للحق ، وعندك وفاء تام لله ، وعندما تفكر في كل ذلك ستجد أنه يصل بك إلى الأخلاق الحميدة، ونحن نرى أن الإنسان طالما أن حسن الأخلاق فإن الناس تحبه وتحب أن تكون معه دائماً، وقد تجد شخصاً ناجحاً جداً ولكنه مع ذلك وحيد؛ لأن الناس لا تحبه لسوء خلقه، والأخلاق تجعلك تصل إلى كل شيء جميل، والله جعلنا شعوباً وقبائل لنتعارف، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١) ، ونحن كذلك نرى أن الناس تنقض من حول الشخص
стр. 59
الفظَّ، كما قال الله : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١) .. فيسبب أخلاقك وحبك لله ولسانك الحلو الجميل العذاب الذي يذكر الله ، ويحب الله ، بسبب كل ذلك تجعل الناس التي معك تشعر بطاقة إيجابية..
وهنا رد عليه الشاب وقال له: أظن أن مما يؤيد هذا الكلام ما قرأتُ لأحمد شوقي حين قال:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإذا همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فقال له: فعلاً كما قلت تماماً، وكذلك مما يؤيد هذا الكلام ما قاله حافظ إبراهيم:
وإذا رُزقت خليفة محمودة ... فقد اصطفاك مقسم الأرزاق
فقال له: تدبر هذه الروعة أيها الشاب، فأنت الآن تعقب على كلامي بكلام طيب جميل، وهذا الكلام خرج منك الآن لأنك تحب الله ؛ فجعل الله لسانك عذباً وجميلاً، وجعلني أذكر لك حكمة عربية تقول: (تواضع عن رفعة، واصبر عن حكمة، وأنصف عن قوة، واعفُ عن قدرة) فقال له الشاب: هذا كلام جميل جداً، وأنا أشهر الآن أني مستعد أن أقابل أكبر عدد من الناس؛ لأني متسلح بحب الله ، وبارتباطي بالله
стр. 60
- ، وبطاعتي وإخلاصي له، وبالوفاء والنية التامة له ، وبأخلاق رائعة أعامل الناس..
فاقترب منه الحكيم، وقبَّل جبينه بابتسامة رائعة وجميلة، ثم قال له: فتح الله عليك، وسوف ترى كيف سيفتح الله عليك أكثر مما كنت تتخيل؛ لأنك استطعت أن تعرف الحكمة من الطريق إلى الامتياز، وهو في الحقيقة (الطريق إلى الله ) ؛ فكل شيء أنت تعمله أنت تعمله لله وفي الله، وتعامل الناس لله وفي الله، وتسامح الناس لله وفي الله، وتحب الناس لله وفي الله، ولكن هناك شيئاً هاماً جداً أيها الشاب.. ثم اقترب منه وقال له: يا بني.. إياك أن تعامل الناس بسلوكياتهم، وهذا هو أول درس في فن الاتصال مع الناس، فاحرص دائماً على أن تفصل بين الشخص وبين سلوكه.. فقال له الشاب: لا أفهم، كيف أستطيع أن أفضل بين الشخص وبين سلوكه؟! فرد عليه الحكيم وقال له: إن الإنسان هو أفضل مخلوق عند الله ؛ فلقد قال الله : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (١) ، ويكفينا فخراً أن الله خلقنا بيده الكريمة، ولذلك سخر لنا ما بين السماوات والأرض، فلقد قال : ﴿اللَّهُ الَّذِي
стр. 61
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (١) .
فكان من الممكن أن يقول لك كما يقول لأي شيء: كن فيكون، ولكنه عظمك وشرفك فخلقك بيده الكريمة، وخلق لك كل شيء.. خلق لك المخ، ذلك المخ الذي عندك أيها الشاب فيه ١٥٠ مليار خلية عقلية، وعنده القدرة على استيعاب ٢ مليون معلومة في الثانية الواحدة، وهو أسرع من الضوء ١٨٦ ألف ميل في الثانية الواحدة..
فنظر له الشاب متعجبًّا!! فقال له الحكيم: أتعجب والله يقول: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٢) ؟!
يا بني.. إن فيك مضغة (قطعة لحم) ، وهي القلب يدق أكثر من ١٠٠ ألف مرة في اليوم الواحد، بدون أن تفكر أنت في ذلك، وكل شيء فيك يتحرك بحكمة رائعة، فالله سخر لك كل شيء، وبمجرد أن تقرر أن ترفع يدك فإنك تستطيع أن ترفعها، وبمجرد أن تقرر أن تتحرك فإنك تستطيع أن تتحرك، والله أمر كل شيء فيك أن يطيعك ويتحرك
стр. 62
كما تريد، ولذلك فيجب أن تنتبه يا بني إلى الفصل بين الشخص وبين سلوكه؛ لأن هذا الشخص هو أفضل مخلوق عند الله ، ونفخ فيه من روحه، وجعله خليفة له في الأرض؛ ولذلك يجب أن تفصل بين الشخص وبين سلوكه، وعندما تركز على شخص فركز على الشخص نفسه؛ لأن الإنسان هو أفضل مخلوق عند الله ، فحاول أن تغير سلوكه..
فقال له الشاب: وكيف أغير سلوك شخص قد أهانني مثلاً؟! فقال له:
ركز على رسالته هو؛ فهذه الإهانة هي النتيجة التي سمعتها أنت، كتعبيرات وجهه، وتحركات جسمه، وتنفسه، ولكن ما هو السبب الذي جعل هذا الشخص يصل إلى هذه الحالة؟
فنظر إليه الشاب وقال له: أنا فعلاً قال لي شخص ذات يوم: يا غبي.. فقلت له: لماذا قلت لي ذلك؟! فقال: لأنك أهنتني.. فقلت: أنا لم أهنك.. فقال لي: كلا، بل أهنتني حين قلت لي كذا وكذا.. فقلت له: بالعكس، فأنا لم أقصد ذلك نهائياًَ، لقد كنت أقصد شيئاً آخر، وأنا في جميع الأحوال أعتذر لك.. فقال لي الرجل: وأنا آسف على ما قلت لك..
стр. 63
فقال له الحكيم: فهذه هي الأخلاق، وهذا هو التركيز على الرسالة؛ لأن سلوك كل شخص يكون وراء رسالة، وكل رسالة فيها قيمة، وكل قيمة فبها نية، والنية إيجابية للشخص، ولك أيضاً، فإذا ركزت على رسالته فستعرف قيمته، وإذا عرفت قيمته فستعرف نيته، وعندما تتعامل مع هؤلاء تكون أفضل الناس في فن الاتصال، وهذا النوع من الاتصال يصل بك إلى نقطة رائعة وهي التوافق، وعندما تصل إلى ذلك تأكد أن الله سيبارك لك أكثر وأكثر؛ لأن الشخص الذي أمامك إذا كان شديد الغضب فبحكمتك ستعينه على أن يذهب عنه ما به، وطالما أنك ستعينه فليس هو الذي هدأ فحسب، بل أنت أيضاً؛ فمن هذه اللحظة أوصيك يا بني أن تركز على الرسالة، ولا تركز على السلوك؛ لأن كل سلوك وراءه رسالة، وعندما تركز على الرسالة يكون هناك اتصال، وإذا ركزت على السلوك يكون هناك رد فعل، وطالما كان هناك رد فعل إذن فأنت تدافع عن نفسك، وأنت لا تحتاج لأن تدافع عن نفسك، بل كل ما في الأمر أنك تتصل وتعطي رأيك في الشيء، ولا تعطي رأيك في الشخص، فعندما تكون في مشكلة عميقة يجب عليك أن تركز على أن هذا الإنسان أفضل مخلوق عند الله ، وابدأ باستمرار أيها
стр. 64
الشاب من نقطة الاتفاق، وإياك أن تبدأ من نقطة الاختلاف مع أي شخص؛ لأنك بمجرد أن تبدأ من نقطة الاختلاف فيبدأ هذا الشخص في أن يدافع عن نفسه، وتزداد خفقات قلبه، ويتسارع تنفسه، تزداد درجة حرارة الجسم، ودمه يغلي، وهكذا.. وتتكون لديه كمية كبيرة من الأدرينالين بهذه القوة مع شخص آخر حتى ترجعه كما كان أولاً فستأخذ منك المسألة وقتاً كبيراً، ولكن ابدأ دائماً من نقطة الاتفاق، وهذه هي أعلى نقاط الاتصال التي تبنيها، وهي التوافق مع الآخرين.. فسأله الشاب: وإذا اختلفت مع شخص ما فماذا أفعل؟ فقال له الحكيم: اعمل شيئاً مهماً جداً، وهو التعاطف .. فقال له: وماذا يعني التعاطف؟
* التعاطف:
قال الحكيم: أنا أسمعك جيداً، وأراك جيداً، وأشعر بك جيداً، ثم بعد ذلك أسألك بالتحديد، فعندما نتعاطف معاً نصبح أنا وأنت في نفس المكان، ولكن إذا لم يكن هناك تعاطف لأصبح أحدنا ضد الآخر، وبالتعاطف تصبح متواصلاً مع الشخص، وبالتفكير والتركيز تحل
стр. 65
المشكلة، ومهم جداً في الأخلاق أن تستمع وتنصت جيداً للشخص؛ ولعل هذا هو السبب أن الله قد وهبنا فماً واحداً وأذنين، لكي نسمع أكثر مما نتكلم، و (خير الكلام ما قل ودل) ، وأنت كلما تسمع وتنصلت تفهم من تستمع إليه أكثر، وتقيِّمه أفضل، وعندما تتكلم فأنت تفهم ما تقوله أنت، وأنت في جميع الأحوال فاهم لكلامك، فأين تظن الفائدة الأكبر؟!
فقال له الشاب: لقد فهمت ما تعني.. أن أسمع أكثر مما أتكلم، ولكن ماذا تعني بأن أنصت؟! فقال له الرجل: تسمع بأذنك، وتنصب بقلبك، وهنا لابد وأن تقول للشخص باستمرار، إن هذا الذي قلته رائع، وإن ذاك الذي فعلته عظيم، ولكن كيف فعلت هذا؛ فأنا مهتم أن أعرف كيف فعلت هذا.. وبهذا تجعل الشخص يقترب منك أكثر، ويحكي لك أكثر؛ لأنك تنصت له، والإنصات يولد الاهتمام، والاهتمام يولد الحب، وطالما ولد الحب فالإنصات من القلوب، والسمع من الأذن..
فقال له الشاب: ممتاز، لأول مرة أعرف الفرق بين الإنصات والاستماع.. ثم قال: ماذا هناك أيضاً؟
стр. 66
فقال له الرجل: أنا سعيد جداً بك الآن؛ فلقد أصبح عندك حب استطلاع شديد، وتريد أن تتعلم أكثر وأكثر، وهذا من ضمن الطريق إلى الامتياز، أن تريد أن تتعلم، وأنا سوف أقدمك لها في مراحل متقدمة.. فقال له: وبعد ذلك؟ فقال الحكيم: التبسم ..
* التبسم:
فقال الشاب: التبسم؟!! فقال الرجل: بالطبع، هل تذكر قول رسول الله ﷺ : "تبسمك في وجه أخيك صدقة" (١) .. ثم قال له: هل تعلم أن وجهك يوجد فيه ٨٠ عضلة، وبمجرد أن تبتسم فقط فإنك تستخدم ١٤ عضلة، وكل عضلة في الوجه مرتبطة بخلايا عقلية، والخلايا العقلية في المخ تريح الجسم، فعندما تبتسم يرتاح الوجه ويسترخي، وبالتالي يسترخي المخ، وعندما يسترخي المخ يسترخي الجسم كله، وبالتالي ترداد كمية الأدرينالين في الجسم.. فقال له: وماذا تعني زيادة الأدرينالين؟ فقال له: إن الأدرينالين هو المادة التي تزيد من قوة جهاز المناعة في الجسم، وليست هذه هي نتيجة الابتسامة فحسب، ولكن
стр. 67
الابتسامة معدية؛ فالشخص الآخر عندما يرى وجهك يبتسم ويرتاح ويسترخي فيبتسم هو الآخر.. فقال له الشاب: فإذا لم تبتسم في وجهي؟ قال له: فتعاطف معه، ووجهه إلى القيادة.. فقال له: وماذا تعني بالقيادة؟! فقال له فقال له: أي القيادة في الابتسامة، فالابتسامة معدية، وبمجرد أن تبتسم أكثر من مرة تجد أن الشخص بدأ يبتسم معك، وعندما يبتسم الشخص تجد أن كل جزء داخله يدعو لك؛ لأنك عندما ابتسمت جعلته يبتسم، وبالتالي فكل جزء فيه ارتاح واسترخى؛ فتأخذ حسنات على كل مكان بداخله، تأخذ حسنة من الكبد، وأخرى من الطحال، وثالثة من الكلى ... وهكذا كل مكان تأخذ عليه حسنات، وهذا يسمى عند علماء الصين (الابتسامة الداخلية) ، وهذه الابتسامة الداخلية عندما قام العلماء بالبحث فيها وجدوا أنها تولد حامضاً يسمى (الجليكوجين) ، هذا الحامض مثل العسل الأسود، فتخيل أنك عندما تبتسم تولد هذا لنفسك، وعندما تجعل الشخص الآخر يبتسم تولد هذا الحامض بداخله، وبالتالي فإن تبسمك في وجه هذا الشخص ليس هو الذي تأخذ عليه حسنة فقط، ولكن كل مكان بداخله تأخذ عليه حسنة؛ لأنها ارتاحت، وعندما ارتاحت أصبحت أفضل، وبالتالي أصبحت
стр. 68
صحتها أفضل، وعندما أصبحت صحتها أفضل فبالتالي هي تدعو لك عند الله ..
فقال له الشاب: أنا مستمتع وسعيد جداً لحضوري إلى هنا، وسعيد جداً لأني صبرت على مشقة هذه الرحلة.. فقال له الرجل: هل رأيت أنك عندما تكون ملتزماً بشيء ما وتكون الرؤية واضحة بالنسبة لك وتكون صابراً عليه فكل هذه تكون منحاً ومنًّا من الله ، فلقد كان من الممكن أن تمل، ولكن الله هو الذي وجهك وأعطاك هذا الإيحاء لتصبر وتسمع وتعرف الطريق إلى الامتياز، فالطريق إلى الامتياز أيها الشاب لا يرتبط بالمادة إطلاقاً، وطالما أنك تريد أن تصل إلى الطريق إلى الامتياز فلابد وأن هذا الطريق ينجحك في الدنيا وفي الآخرة، ولو كان النجاح في الدنيا فحسب، فهو نجاح ينتهي بمجرد تحقيقه، وتجد نفسك حين تنجح لا تشعر بالسعادة المطلقة، نعم قد تشعر ببعض اللذة أو ببعض السعادة، ولكنك لا تشعر بالسعادة الحقيقية، فالمال لا يمكن أن يمنح الصحة، والمال لا يمكن أن يمنح راحة البال، ولا الهدوء ولا السلام الداخلي، وكل هذا ستجده في الارتباط بالمولى ، والله يوجهك ويفتح عليك ويجعل لك مخرجاً من كل مأزق، وتذكر طيلة
стр. 69
حياتك أن لا يفارقك أن تقول: الحمد لله، وأن تشكر الله ، وإذا تعثرت فلتبتسم، وبذلك تكون الآن قد عرفت المعادلة، وطالما أنك تتوجه إلى الله باستمرار فلسوف يفتح عليك أكثر مما تتخيل، فقد تواجه صعوبات كثيرة في حياتك وتريد الحل، ولكن عندما تمر بك الأيام والسنين في محطات حياتك، ثم تنظر خلفك فستعرف أن الذي حدث هذا كان أحسن شيء في حياتك، ولولا الذي حدث لما كنت تزوجت بفلانة مثلاً التي هي أفضل، ولولا الذي حدث لما كنت في تلك الوظيفة الأفضل، أو لما كنت ناجحاً بالمرة، ولما كنت في الطريق إلى الامتياز الآن.. فرد عليه الشاب وقال له: أنا الآن عرفت ما هو الطريق إلى الامتياز، ولقد كنت أظن أن الطريق إلى الامتياز هو أن شخصاً سيعطيني بعض النصائح فقط كي أنجح..
فرد عليه الرجل الحكيم وقال له: أيها الشاب.. إن النصائح موجودة في الكتب، وهي موجودة حولك في الحياة، ولكن الحكمة موجودة في ابتسامة طفل صغير، انظر إلى روعة الخلق، ستراها في جناح فراشة، ستجدها في تغريد العصفورة، ستجدها في روعة السماء ورونقها، ستجدها في موجة هادئة تبعث صوتاً جميلاً يعجبك، أو قليل من الهواء
стр. 70
يلمس خدودك، هذه هي السعادة..
قال له: الآن عرفت جمال الطريق إلى الامتياز، وأصبحت لا أستطيع الانتظار كي أسير في الطريق إلى الامتياز.. فابتسم الرجل الحكيم وقال له: لقد نسيت شيئاً مهماً جداً!! فقال له الشاب: أنا آسف.. أنا آسف.. فقال له: وعلى أي شيء تتأسف؟! فقال له: أنا الآن فعلاً في الطريق إلى الامتياز..
وبحب استطلاع شديد نظر الشاب إلى الرجل الحكيم وقال له: أريد أكثر وأكثر.. فنظر إليه وقال له: اعفُ..
* العفو:
فقال له الشاب: ماذا تعني أن أعفو؟! فقال له: أعفُ عند المقدرة؛ فمجرد أن تجد نفسك تقدر على لإنسان إذن فالله وضعك في اختبار، وطالما أنك مرتبط بالله ، وتحب في الله ولله، وتتعامل مع الناس بالخلق الحسن، إذن فهذا تحدٍّ، وإذا عفوت فستجد أن الله يعطيك أكثر مما تتخيل؛ لأنك وضعت في اختبار، وأي إنسان في الدنيا سواء مثقف أم لا، متعلم أم لا، غني أم فقير، من عائلة كبيرة أم لا، ذو مركز كبير أم
стр. 71
لا.. كل الناس جميعاً في امتحان واختبار وتحديات، وفي أثناء هذه التحديات تظهر أخلاق الإنسان، فعندما يوضع الإنسان في موقف صعب تعرف جيداً كيف يتصرف؛ لذلك هناك حكمة عربية تقول: أعط الإنسان السلطة تعرف أخلاقه، فبمجرد أن تضعه في موقف اختبار فإنه تظهر أخلاقه، وليس شرطاً أن يكون ذا منصب كبير، فمن الممكن أن يكون طفلاً صغيراً، ولكن عنده القدرة، بل ويكون أقوى من شخص آخر أكبر منه، فالأمر كله في أن تعرف كيف أن تسامح السلطة، وكيف تتقرب بها إلى الله أكثر، فأنت تعرف أن التسامح المتكامل والعقل العاطفي والعقل التحليل لابد وأن يكونوا جميعاً متوافقين، مهما كانت الظروف، فأنت تسامح لأنها لله وفي الله، ولابد وأن تنتبه فمن الممكن أن يوجد بها باب من أبواب الشيطان، فحين تكون غضبان يدخل إليك الشيطان فوراً من هذا الباب، ويقول لك: إن هذا الشخص يحقد عليك؛ فاحقد أنت أيضاً عليه.. وأول ما يبدأ معك يبدأ معك في الخلق أجمعين، وطالما أنك شككت في الناس إذن فقد ضاع ارتباطك بالله بالله ، فإذا عرف الشيطان أن لك مسلكاً من هذا الباب فسيدخل
стр. 72
إليك كل فترة من هذا الباب، ويسهل عليه أن يحطمك كل فترة، فلابد وأن تتذكر جيداً أن هذه اللحظة قد تكون آخر لحظة في حياتك، وهذا هو الذي ذكرناه في البداية، هل تذكر؟! فقال له الشاب: طبعاً.
فقال له الرجل: فإذا كانت هذه اللحظة هي آخر لحظة في حياتك فارتبط بالله ، وفرصتك أن تعفو وتتقرب أكثر من الله ، وإذا وضعت في موقف فقل: يا رب لقد سامحت من أجلك، يا رب لقد عفوت من أجلك.. ومهما فعل معك ذلك الشخص فاعفُ عنه.. فقال له: هل تقصد أن أتعامل مع الناس ببلاهة؛ حتى يخدعني الناس وأسامحهم؟! فقال له الحكيم: كلا؛ فلم يقل أحد مثل هذا الكلام أبداً، ولكن أنت حين تقرر أن تعفو فإنك تركز كل طاقتك ومجهودك على نجاحك، ولكنك إذا قررت أن تحارب العالم كله ففي هذه الحالة ستجد أن طاقتك كلها قد ذهبت سدى، وستجد أنك لم تحقق أي شيء مما كنت تريد؛ لأنك قد استهلكت طاقتك في هذه الحرب التي أنشأتها.. فابحث باستمرار عن نقطة الاتفاق، وابحث دائماً عن الأخلاق، وحاول دائماً أن تعرف النقطة التي قد تكون سبباً في الاختلاف.. قال له: فمن الممكن أن اختلف مع والدي أو والدتي!! فقال له: إنهم هم الذين قاموا بتربيتك
стр. 73
أحسن تربية، ولقد وصاك الله بهم فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١) .. وهم سهروا الليالي، وتعبوا في تربيتك، فلا تخرج أنت إلى الدنيا كي تكون سبباً في تعاستهم في هذه الحياة الدنيا.. فقال له الشاب: حتى وإن كانوا قاسين؟! فقال الحكيم: وكيف يكونون قاسين وأنت قرة أعينهم وفلذة أكبادهم؟! إن هذه ليست قسوة، ولكن فكر أولاً بهدوء، ماذا أنت تفعل؟ فقال له الشاب: أعتقد أنك محق أيها الحكيم؛ فأنا كثيراً ما أفعل أخطاء جسيمة؛ فأنا مثلاً أخرج ولا أعود إلى البيت إلا في وقت متأخر جداً، وأنا للأسف الشديد أدخن.. فنظر إليه الحكيم، ولابد من أن تكون صاحب سلوكيات حميدة.. فقال له: صحيح؛ فإذا كانت اللذة تنتهي بمجرد الحصول عليها فأنا سوف أتركها؛ لأن (من ترك شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه) ، فالسلوكيات هامة جداً.. فقال له الرجل: وهل تدخن؟! فقال له الشاب: لقد كنت أدخن.. ثم ابتسم الشاب ابتسامة صافية تدل على ما قد عقد عليه العزم، فقال له الحكيم: كم أنا سعيد بهذا القرار؛ لأن النية الصادقة لله لا جزاء
стр. 74
لها إلا إعانة الله لك على الوفاء بها.. وطالما أنك أقلعت عن التدخين فمهما كانت المسألة صعبة تأكد أن الله سوف يعنيك ويمنحك القوة والقدرة على الوفاء؛ ولذلك فمهما كان الشيء صعباً ولكنه يغضب الله فانو نية صادقة وتوكل على الله واستعن به أيها الشاب ويقيناً هو سيعينك، ولن يتخلى عنك أبداً..
قل الآن: نويت يا رب أن أتخلص من كل السلوكيات السلبية، ونويت أن أعفو عند المقدرة، ونويت أن أسامح حتى ولو كنت أشعر بالظلم ممن أسامحهم، ونويت يا رب أن أرتبط بك أكثر؛ لأني فهمت المعادلة، وهي أنني قد تكون هذه اللحظة هي آخر لحظات حياتي فقررت يا رب أن أجعلها لك..
ثم ابتسم الرجل الحكيم وقال له: وتأكد أنك طالما فكرت في ذلك فإن الله سيعطيك أكثر مما كنت تظن في الدنيا وفي الآخرة.. فابتسم الشاب وقال له: حقاً أنا سعيد جداً بما تعلمت؛ فلقد كان لدي صديق، وكان قد أغضبني جداً، ولقد كنت في شدة الغضب منه، ولكنني الآن قررت أسامحه، ولكني لا أستطيع بعد أن أعفو عنه.. فقال له الرجل: إذن فأنت لم تسامحه بعد.. ثم قال له: هل تقدر على صديقك هذا؟ قال:
стр. 75
نعم أقدر عليه.. فقال له: وكيف تقدر عليه؟ فقال له: أقدر عليه جسمانيًّا، فأنا أقوى منه، وأقدر عليه اجتماعيًّا؛ حيث إن عندي علاقات أكثر منه، وأقدر عليه ماديًّا؛ فإن عندي أموالاً أكثر منه، بل وأعرف من الناس من يستطيع أن يحطمه تماماً..
فقال له الرجل: لا يستطيع أي شخص أن يحطم أي شخص إلا فبإذن الله ، وقد تكون فتنة لك، ويكون الله قد وضعك في ابتلاء من ابتلاءات الدنيا، والآن.. هل قررت أن تعفو عنه، أم لازلت لا تستطيع؟! فقال له: بل قد عفوت عنه.. ثم قال له: أم لازلت لا تستطيع؟! فقال له: بل قد عفوت عنه.. ثم قال له: إنني أشعر الآن بروعة وإحساس رائع.. فقال له الرجل: ادعُ لصديقك هذا.. فقال له: وبمَ أدعو له؟! قال: ادعُ الله أن يهديه، وأن يفتح عليه ويعينه ويقويه؛ فإنك تستطيع أن تستفيد من الشخص الذي يكون بينك وبينه تحدٍّ وأن تأخذ من ورائه ثواباً وأجراً، وهذه هي المعادلة الصحيحة، ومن علامات العفو عند المقدرة أن تدعو لهذا الشخص أن يهديه الله كما هناك؛ فلقد كان من الممكن أن تكون بهذا العقل، وبهذا الحقد والغضب، وأن تحمل من الذنوب والآثام ما الله به عليم، وقد يدخلك الشيطان من كل هذه الأبواب، ولكن الله قد فتح عليك، فادعُ الله