← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 21571

الباعث الحثيث إلى اختصار علوم الحديث

ابن كثير

Полный текст (197 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومن الأول قول ابن خَشْرم: كنا عند سفيان بن عُييْنة، فقال: " قال الزهري كذا " فقيل له: أسمعت منه هذا؟، قال: " حدثني به عبد الرزاق عن معمر عنه ". وقد كره هذا القسم من لتدليس جماعة من العلماء وذموه. وكان شعبة أشد الناس إنكاراً لذلك، ويروى عنه أنه قال: لأن أزني أحب إلي من أن أدلس. قال ابن الصلاح: وهذا محمول على المبالغة والزجر. وقال الشافعي: التدليس أخو الكذب. ومن الحفاظ من جرح من عرف بهذا التدليس من الرواة، فرد روايته مطلقاً، وإن أتى بلفظ الاتصال، ولو لم يعرف أنه دلس إلا مرة واحدة، كما قد نص عليه الشافعي ﵀. قال ابن الصلاح: والصحيح التفصيل بين ما صرح فيه بالسماع، فيقبل، وبين ما أتى فيه بلفظ محتمل، فيرد. قال: وفي الصحيحين من حديث جمعة من هذا الضرب، كالسفيانين ولأعمش وقتادة وهشيم وغيرهم.

стр. 37

" قلت ": وغاية التدليس أنه نوع من الإرسال لما ثبت عنده، وهو يخشى أن يصرح بشيخه فيرد من أجله، والله أعلم. وأما لقسم الثاني من التدليس: فهو الإتيان باسم الشيخ أو كنيته على خلاف المشهور به، تعمية لأمره، وتوعيراً للوقوف على حاله، ويختلف ذلك باختلاف المقاصد، فتارة يكره، كما إذا كان أصغر سناً منه، أو نازل الرواية، ونحو ذلك، وتارة يحرم، كما إذا كان غير ثقة فدلسه لئلا يعرف حاله، أو أهم أنه رجل آخر من الثقات على وفق اسمه أو كنيته. وقد روى أبو بكر بن مجاهد المقرئ عن أبي بكر بن أبي داود فقال: " حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله "، وعن أبي بكر محمد بن حسن النقاش المفسر فقال: " حدثنا محمد بن سند " نسبه إلى جد له. والله أعلم.

стр. 38

قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: وقد كان الخطيب لهجاً بهذا القسم في مصنفاته. النوع الثالث عشر الشاذ قال الشافعي: وهو أن يروي الثقة حديثاً يخالف ما روى الناس، وليس من ذلك أن يروي ما لم يرو غيره. وقد حكاه الحافظ أبو يعلى الخليلي القزويني عن جماعة من الحجازيين أيضاً.

стр. 39

قال: والذي عليه حفاظ الحديث: أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ به ثقة أو غير ثقة، فيتوقف فيما شذ به الثقة ولا يحتج به، ويرد ما شذ به غير الثقة. وقال الحاكم النيسابوري: هو الذي ينفرد به الثقة، وليس له متابع. قال ابن الصلاح: ويشكل على هذا: حديث " الأعمال بالنيات "، فإنه تفرد به عمر، وعنه علقمة، وعنه محمد بن إبراهيم التيمي، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري. " قلت ": ثم تواتر عن يحيى بن سعيد هذا، فيقال: إنه رواه عنه نحو من مائتين، وقيل أزيد من ذلك، وقد ذكر له ابن منْدة متابعات غرائب، ولا تصح، كما بسطناه في مسند عمر، وفي الأحكام الكبير. قال: وكذلك حديث عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر: " إن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته ". وتفرد مالك عن الزهري عن أنس: " أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المِغفر ". وكل من هذه الأحاديث الثلاثة في الصحيحين من هذه الوجوه المذكورة فقط.

стр. 40

وقد قال مسلم: للزهري تسعون حرفاً لا يرويها غيره. وهذا الذي قال مسلم عن الزهري، من تفرده بأشياء لا يرويها غيره: يشاركه في نظيرها جماعة من الرواة. فإذن الذي قاله الشافعي أولاً هو الصواب: أنه إذا روى الثقة شيئاً قد خالفه فيه الناس فهو الشاذ، يعني المردود وليس من ذلك أن يروي الثقة ما لم يروا غيره، بل هو مقبول إذا كان عدلاً ضابطاً حافظاً. فإن هذا لو رُد لرُدت أحاديث كثيرة من هذا النمط وتعطلت كثير من المسائل عن الدلائل. والله أعلم. وأما إن كان لمنفرد به غير حافظ، وهو مع ذلك عدلٌ ضابط: فحديثه حسن. فإن فقد ذلك فمردود. والله أعلم. النوع الرابع عشر المنكر وهو كالشاذ: إن خالف راويه التقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلاً ضابطاً، وإن لم يخالف فمنكر مردود. وأما إن كان الذي تفرد به عدل ضابط حافظ قُبِل شرعاً، ولا يقال له " منكر "، وإن قيل له ذلك لغةً.

стр. 41

النوع الخامس عشر في الاعتبارات والمتابعات والشواهد مثاله: أن يروى حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ حديثاً، فإن رواه غير حماد عن أيوب أو غير أيوب عن محمد. أو غير محمد عن أبي هريرة، أو ير أبي هريرة عن النبي ﷺ ، فهذه متابعات. فإن روي معناه من طريق أُخرى عن صحابي آخر سمي شاهد المعناه. وإن لم يرو بمعناه أيضاً حديث آخر فهو فرد من الأفراد. ويُغتفر في باب " الشواهد والمتابعات " من الرواية عن الضعيف القريب الضعف -: ما لا يُغتفر في الأصول، كما يقع في الصحيحين وغيرهما مثل ذلك. ولهذا يقول الدارقطني في بعض الضعفاء: " يصلح للاعتبار "، أو " لا يصلح أن يعتبر به ". والله أعلم.

стр. 42

النوع السادس عشر في الأفراد وهو أقسام: تارة ينفرد به الراوي عن شيخه، كما تقدم. أو ينفرد به أهل قُطر، كما يقال " تفرد به أهل الشام " أو " العراق " أو " الحجاز " أو نحو ذلك. وقد يتفرد به واحد منهم، فيجتمع فيه الوصفان. والله أعلم. وللحافظ الدارقطني كتاب في الإفراد في مائة جزء، ولم يسبق إلى نظيره. وقد جمعه الحافظ محمد بن طاهر في إطراف رتبه فيها. النوع السابع عشر في زيادة الثقة إذا تفرد الراوي بزيادة في الحديث عن بقية الرواة عن شيخ لهم، وهذا الذي يعبر عنه بزيادة الثقة، فهل هي مقبولة أم لا؟ فيه خلافٌ مشهور: فحكى الخطيب عن أكثر الفقهاء قبولها، وردها أكثر المحدثين. ومن الناس من قال: إن اتحد مجلس السماع لم تقبل، وإن تعدد قُبلت. ومنهم من قال: تُقبل الزيادة إذا كانت من غير الراوي، بخلاف ما إذا نشط فرواها تارة وأسقطها أخرى. ومنهم من قال: إن كانت مخالفة في الحكم لما رواه الباقون لم تُقبل، وإلا قبلت، كما لو تفرد بالحديث كله، فإنه يقبل تفرده به إذا كان ثقة ضابطاً أو حافظاً. وقد حكى الخطيب على ذلك الإجماع.

стр. 43

وقد مثَّل الشيخ أبو عمرو زيادة الثقة بحديث مالك عن نافع عن ابن عمر: " أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان، على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى، من المسلمين ". فقوله: " من المسلمين ": من زيادات مالك عن نافع. وقد زعم الترمذي أن مالكاً تفرد بها، وسكت أبو عمرو على ذلك. ولم يتفرد بها مالك. فقد رواها مسلم من طريق الضحاك بن عثمان عن نافع، كما رواها مالك، وكذلك رواها البخاري وأبو داود والنسائي من طريق عمر بن نافع عن أبيه، كمالك. قال: ومن أمثلة ذلك حديث: " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ". تفرد أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي بزيادة " وتربتها طهوراً " عن ربعي بن حراش عن حذيفة عن النبي ﷺ ، ورواه مسلم وابن خُزيمة وأبو عوانة الاسفرائيني في صحاحهم من حديثه. وذكر أن الخلاف في الوصل والإرسال، كالخلاف في قبول زيادة الثقة.

стр. 44

النوع الثامن عشر المعلل من الحديث وهو فن خفي على كثير من علماء الحديث، حتى قال بعض حفاظهم: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل.

стр. 45

وإنما يهتدي إلى تحقيق هذا الفن الجهابذة النقاد منهم، يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه، ومُعوجه ومستقيمه، كما يميز الصيرفي البصير بصناعته بين الجياد والسيوف، والدنانير والفلوس،. فكما لا يتمارى هذا، كذلك يقطع ذاك بما ذكرناه، ومنهم من يظن، ومنهم من يقف، بحسب مراتب علومهم وحذقهم واطلاعهم على طرق الحديث، وذوقهم حلاوة عبارة الرسول ﷺ التي لا يشبهها غيرها من ألفاظ الناس. فمن الأحاديث المروية ما عليه أنوار النبوة، ومنها ما وقع فيه تغيير لفظ أو زيادة باطلة أو مجازفة أو نحو ذلك، يدركها البصير من أهل هذه الصناعة. وقد يكون التعليل مستفاداً من الإسناد. وبسط أمثلة ذلك يطول جداً، وإنما يظهر بالعمل. ومن أحسن كتاب وضع في ذلك وأجله وأفحله " كتاب العلل " لعلي بن المديني شيخ البخاري. وسائر المحدثين بعده، في هذا الشأن على الخصوص. وكذلك " كتاب العلل " لعبد الرحمن بن أبي حاتم، وهو مرتب على أبواب الفقه، و " كتاب العلل " للخلال. ويقع في مسند الحافظ أبي بكر البزار من التعاليل ما لا يوجد في غيره من المسانيد. وقد جمع أزمة ما ذكرناه كله الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجل كتاب، بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن، لم يسبق إلى مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بعده، فرحمه الله وأكرم مثواه،

стр. 46

ولكن يعوزه شيء لا بد منه، وهو: أن يرتب على ألبواب، ليقرب تناوله للطلاب، وأن تكون أسماء الصحابة الذين اشتمل عليهم مرتبين على حروف المعجم، ليسهل الأخذ منه، فإنه مبدد جداً، لا يكاد يهتدي الإنسان إلى مطلوبه منه بسهولة. والله الموفق.

стр. 47

النوع التاسع عشر المضطرب وهو أن يختلف الرواة فيه على شيخ بعينه، أو من وجوه أُخر متعادلة لا يترحح بعضها على بعض. وقد يكون تارة في الإسناد، وقد يكون في المتن. وله أمثلة كثيرة يطول ذكرها. والله أعلم.

стр. 48

النوع العشرون معرفة المدرج وهو: أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي، فحسبها من يسمعها مرفوعة في الحديث، فيرويها كذلك. وقد وقع من ذلك كثير في الصحاح والحِسان والمسانيد وغيرها. وقد يقع الإدراج في الإسناد، ولذلك أمثلة كثيرة.

стр. 49

وقد الحافظ أبو بكر الخطيب في ذلك كتاباً حافلاً سماه: " فصل الوصل، لما أُدرج في النقل " وهو مفيد جداً.

стр. 50

النوع الحادي والعشرون معرفة الموضوع المختلق المصنوع وعلى ذلك شواهد كثيرة: منها إقرار وضعه على نفسه، قالاً أو حالاً، ومن ذلك ركاكة ألفاظه، وفساد معناه، أو مجازفة فاحشة، أو مخالفة لما ثبت في الكتاب والسنة الصحيحة. فلا تجوز روايته لأحد من الناس، إلا على سبيل القدح فيه، ليحذره من يغتر به من لجهلة والعوام والرعاع. والواضعون أقسام كثيرة: منهم زنادقة. ومنهم متعبدون يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، يضعون أحاديث فيها ترغيب وترهيب، وفي فضائل الأعمال، ليعمل بها. وهؤلاء طائفة من الكرَّامية وغيرهم، وهم من أشر ما فعل هذا، لما يحصل بضررهم من الغرر على كثير ممن يعتقد صلاحهم، فيظن صدقهم، وهم شر من كل كذاب في هذا الباب.

стр. 51

وقد انتقد الأئمة كل شيء فعلوه من ذلك، وسطروه عليهم في زُبرهم، عراً على واضعي ذلك في الدنيا، وناراً وشناراً في الآخرة. قال رسول الله ﷺ : " من كذب عليَّ متعمداً فلينبوا مقعده من النار ". وهذا متواتر عنه. قال بعض هؤلاء لجهلة: نحن ما كذبنا عليه، إنما كذبنا له! وهذا من كمال جهلهم، وقلة عقلهم، وكثرة فجورهم وافترائهم، فإنه ﵊ لا يحتاج في كمال شريعته وفضلها إلى غيره. وقد صنف الشيخ أبو الفرج بن الجوزي كتاباً حافلاً في الموضوعات، غير أنه أدخل فيه ما ليس منه، وخرج عنه ما كان يلزمه ذكره، فسقط عليه ولم يهتد إليه.

стр. 52

وقد حكي عن بعض المتكلمين إنكار وقوع الوضع بالكلية، وهذا القائل إما أنه لا وجود له أصلاً، أو أنه في غاية البعد عن ممارسة العلوم الشرعية!! وقد حاول بعضهم الرد عليه، بأنه قد ورد في الحديث أنه ﵇ قال: " سيكذب عليَّ "، فإن كان هذا الخبر صحيحاً، فسيقع الكذب عليه لا محالة، وإن كان كذباً فقد حصل المقصود. فأجيب عن الأول بأنه لا يلزم وقوعه إلى الآن، إذ بقي إلى يوم القيامة أزمان يمكن أن يقع فيها ما ذكر!! وهذا القول والاستدلال عليه والجواب عنه من أضعف الأشياء عند أئمة الحديث وحفاظهم، والذين كانوا يتضلعون من حفظ الصحاح، ويحفظون أمثالها وأضعافها من المكذوبات، خشية أن تروج عليهم، أو على أحد من الناس، ﵏ ورضي عنهم.

стр. 53

النوع الثاني والعشرون المقلوب وقد يكون في الإسناد كله أو بعضه. فالأول: كما ركب مهرة محدثي بغداد للبخاري، حين قدم عليهم، إسناد هذا الحديث على متن آخر، وركبوا متن هذا الحديث على إسناد آخر، وقلبوا عليه ما هو من حديث سالم: عن نافع، وما هو من حديث نافع: عن سالم وهو من القبيل الثاني، وصنعوا ذلك في نحو مائة حديث او أزيد، فلما قرأها رد كل حديث إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، ولم يرُج عليه موضع واحد مما

стр. 54

قلبوه وركبوه، فعظم عندهم جداً، وعرفوا منزلته من هذا الشأن فرحمه لله وأدخله الجنان.

стр. 55

وقد نبه الشيخ أبو عمرو ههنا على انه لا يلزم من الحكم بضعف سند الحديث المعين الحكم بضعفه في نفسه، إذ قد يكون له إسناد آخر، الا ان ينص امام على انه لا يُروي إلا من هذا الوجه. " قلت ": يكفي في المناظرة تضعيف الطريق التي أبداها المُناظر، وينقطع، إذ الأصل عدم ما سواها، حتى يثبت بطريق أُخرى. والله اعلم. قال: ويجوز رواية ما عدا الموضوع في باب الترغيب والترهيب، والقصص والمواعظ، ونحو ذلك، إلا في صفات الله ، وفي باب الحلال والحرام.

стр. 56

قال: وممن يرخص في رواية الضعيف - فيما ذكرناه - ابن مهدي، وأحمد بن حنبل، رحمهما الله. قال: وإذا عزوته إلى النبي ﷺ من غير إسناد فلا تقل: " قال ﷺ كذا وكذا "، وما أشبه ذلك من الألفاظ الجازمة، بل بصيغة التمريض، وكذا فيما يشك في صحته أيضاً.

стр. 57

النوع الثالث والعشرون معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل وبيان الجرح والتعديل المقبول: الثقة الضابط لما يرويه. وهو: المسلم العاقل البالغ، سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة، وأن يكون مع ذلك متيقظاً غير مغفل، حافظاً إن حدَّث من حفظه، فاهماً إن حدث على المعنى فان اختل شرط مما ذكرنا ردت روايته.

стр. 58

وتثبت عدالة الراوي باشتهاره بالخير والثناء الجميل عليه، أو بتعديل الأئمة، أو اثنين منهم له، أو واحد على الصحيح، ولو بروايته عنه في قول. قال ابن الصلاح: وتوسع ابن عبد البر، فقال: كل حامل علم معروف العناية به، فهو عدل، محمول أمره على العدالة، حتى يتبين جرحه، لقوله ﵊: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ". قال: وفيما قاله اتساع غير مرضي. والله أعلم.

стр. 59

" قلت ": لو صح ما ذكره من الحديث لكان ما ذهب إليه قوياً، ولكن في صحته نظر قوي، والأغلب عدم صحته والله أعلم. ويعرف ضبط الراوي بموافقة الثقات لفظاً أو معنى، وعكسه عكسه. والتعديل مقبول، ذكر السبب أو لم يذكر لأن تعداده يطول، فقبل إطلاقه. بخلاف الجرح، فإنه لا يقبل إلا مفسراً، لاختلاف الناس في الأسباب المفسقة، فقد يعتقد الجارح شيئاً مفسقاً، فيضعفه، ولا يكون كذلك في نفس الأمر، أو عند غيره، فلهذا اشترط بيان السبب في الجرح. قال الشيخ أبو عمرو: وأكثر ما يوجد في كتب الجرح والتعديل: " فلان ضعيف "، أو: " متروك "، ونحو ذلك، فإن لم نكتف به انسد باب كبير في ذلك. وأجاب: بأنا إذا لم نكتف به توقفنا في أمره، لحصول الريبة عندنا بذلك.

стр. 60

" قلت ": أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن، فينبغي أن يؤخذ مسلماً من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفته، واطلاعهم واضطلاعهم في هذا الشأن، واتصافهم بالأنصاف والديانة والخبرة والنصح، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل، أو كونه متروكاً، أو كذاباً أو نحو ذلك. فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفة في موافقتهم، لصدقهم وأمانتهم ونصحهم. ولهذا يقول الشافعي، في كثير من كلامه على الأحاديث: " لا يثبته أهل العلم بالحديث "، ويرده، ولا يحتج به، بمجرد ذلك. والله أعلم.

стр. 61

أما إذا تعارض جرح وتعديل، فينبغي أن يكون الجرح حينئذ مفسراً. وهل هو المقدم؟ أو الترجيح بالكثرة أو الأحفظ؟ فيه نزاع مشهور في أصول الفقه وفروعه وعلم الحديث. والله أعلم. ويكفي قول الواحد في التعديل والتجريح على الصحيح. وأما رواية الثقة عن شيخ: فهل يتضمن تعديله ذلك الشيخ أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال ... " ثالثها ": إن كان لا يروي إلا عن ثقة فتوثيق، وإلا فلا. والصحيح أنه لا يكون توثيقاً له، حتى ولو كان ممن ينص على عدالة شيوخه. ولو قال: " حدثني الثقة "، لا يكون ذلك توثيقاً له على الصحيح، لأنه قد يكون ثقة عنده، لا عند غيره، وهذا واضح. ولله الحمد. قال: وكذلك فُتيا العالم أو عمله على وفق حديث، لا يستلزم تصحيحه له.

стр. 62

" قلت ": وفي هذا نظر، إذا لم يكن في الباب غير ذلك الحديث، أو تعرض للاحتجاج به في فتياه أو حكمه، أو استشهد به عند العمل بمقتضاه. قال ابن الحاجب: وحكم الحاكم المشترط العدالة تعديل باتفاق. وأما إعراض العالم عن الحديث المعين بعد العلم به، فليس قادحاً في الحديث باتفاق، لأنه قد يعدل عنه لمعارض أرجح عنده، مع اعتقاد صحته. " مسئلة ": مجهول العدالة ظاهراً وباطناً لا تقبل روايته عند الجماهير. ومن جهلت عدالته باطناً، ولكنه عدل في الظاهر، وهو المستور: فقد قال بقبوله بعض الشافعيين، ورجح ذلك سليم بن أيوب الفقيه، ووافقه ابن الصلاح. وقد حررت البحث في ذلك في المقدمات. والله أعلم. فأما المبهم الذي لم يسم، أو من سمي ولا تعرف عينه فهذا ممن لا يقبل روايته احد علمناه. ولكنه إذا كان في عصر التابعين والقرون المشهود لهم بالخير، فإنه يستأنس بروايته، ويستضاء بها في مواطن. وقد وقع في مسند الإمام أحمد وغيره من هذا القبيل كثير والله أعلم. قال الخطيب البغدادي وغيره: وترتفع الجهالة عن الراوي بمعرفة العلماء له، أو برواية عدلين عنه.

стр. 63

قال الخطيب: لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه. وعلى هذا النمط مشى ابن حبان وغيره: بأن حكم له بالعدالة بمجرد هذه الحالة، والله أعلم. قالوا: فأما من لم يرو عنه سوى واحد، مثل عمرو ذي مر، وجبار الطائي، وسعيد بن ذي حدان، تفرد بالرواية عنها أبو إسحاق السبيعي، وجُري بن كليب، تفرد عنه قتادة، قال الخطيب: والهزهاز ابن ميزن، تفرد عنه الشعبي، قال ابن الصلاح: وروى عنه الثوري. وقال ابن الصلاح: وقد روى البخاري لمرداس الأسلمي، ولم يرو عنه سوى قيس بن أبي حازم، ومسلم لربيعة بن كعب، ولم يرو عنه سوى أبي سلمة بن عبد الرحمن. قال: وذلك مصير منهما إلى ارتفاع الجهالة برواية واحد. وذلك متجه، كالخلاف في الاكتفاء بواحد في التعديل.

стр. 64

" قلت ": توجيه جيد. لكن البخاري ومسلم إنما اكتفياا في ذلك برواية الواحد فقط، لأن هذين صحابيان، وجهالة الصحابي لا تضر، بخلاف غيره. والله اعلم. " مسئلة ": المبتدع إن كفر ببدعته، فلا إشكال في رد روايته. وإذا لم يكفر، فإن استحل الكذب رُدت أيضاً، وإن لم يستحل الكذب، فهل يقبل أو لا؟ أو يفرق بين كونه داعية أو غير داعية؟ في ذلك نزاع قديم وحديث. والذي عليه الأكثرون التفصيل بين الداعية وغيره، وقد حكي عن نص الشافعي، وقد حكى ابن حبان عليه الاتفاق، فقال: لا يجوز الاحتجاج به عند أئمتنا قاطبة، لا أعلم بينهم فيه خلافاً. قال ابن الصلاح: وهذا أعدل الأقوال وأولاها. والقول بالمنع مطلقاً بعيد، مباعد للشائع عن أئمة الحديث، فإن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة، ففي الصحيحين من حديثهم في الشواهد والأصول كثير. والله اعلم. " قلت ": وقد قال الشافعي: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم. فلم يفرق الشافعهي في هذا

стр. 65

النص بين الداعية وغيره، ثم ما الفرق في المعنى بينهما؟ وهذا البخاري قد خرج لعمران بن حطان الخارجي مادح عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي، وهذا من أكبر الدعاة إلى البدعة! والله أعلم.

стр. 66

" مسئلة ": التائب من الكذب في حديث الناس تقبل روايته، خلافاً لأبي بكر الصيرفي. فأما إن كان قد كذب في الحديث متعمداً، فنقل ابن الصلاح عن أحمد بن خنبل وأبي بكر الحميدي شيخ البخاري: أنه لا تقبل روايته أبداً، وقال أبو المظفر السمعاني: من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه.

стр. 67

" قلت ": ومن العلماء من كفر متعمد الكذب في الحديث النبوي ومنه من يحتم قتله. وقد حررت ذلك في المقدمات. وأما من غلط في حديث فبين له الصواب فلم يرجع إليه: فقال ابن المبارك وأحمد بن حنبل والحميدي: لا تقبل روايته ايضاً، وتوسط بعضهم، فقال: إن كان عدم رجوعه إلى الصواب عناداً، فهذا يلتحق بمن كذب

стр. 68

عمداً، وإلا فلا والله أعلم. ومن ههنا ينبغي التحرز من الكذب كلما أمكن، فلا يحدث إلا من أصل معتمد، ويجتنب الشواذ والمنكرات، فقد قال القاضي أبو يوسف: من تتبع غرائب الحديث كذب، وفي الأثر: " كفا بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع ". " مسئلة ": إذا حدث ثقة عن ثقة بحديث، فأنكر الشيخ سماعه لذلك بالكلية، فاختار ابن الصلاح أنه لا تقبل روايته عنه، بجزمه بإنكاره، ولا يقدح ذلك في عدالة الراوي عنه فيما عداه، بخلاف ما إذا قال: لا أعرف هذا الحديث من سماعي، فإنه تقبل روايته عنه. وأما إذا نسيه، فإن الجمهور يقبلونه، ورده بعض الحنفية. كحديث سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ". قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عنه؟ فلم يعرفه. وكحديث ربيعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: " قضى بالشاهد واليمين ". ثم نسي سهيل، لآفة حصلت له فكان يقول: حدثني ربيعة عني.

стр. 69

" قلت ": هذا أولى بالقبول من الأول. وقد جمع الخطيب البغدادي كتاباً فيمن حدث بحديث ثم نسي.

стр. 70

" مسئلة ": ومن أخذ على التحديث أجرة: هل تقبل روايته أملا؟ روي عن أحمد وإسحاق وأبي حاتم: أنه لا يكتب عنه، لما فيه من خرم المروءة. وترخص أبو نعيم الفضل بن دكين وعلي بن عبد العزيز وآخرون، كما تؤخذ الأجرة على تعليم القرآن، وقد ثبت في صحيح البخاري: " إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ". وقد أفتى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي فقيه العراق ببغداد لأبي الحسين بن النقور بأخذ الأجرة، لشغل المحدثين له عن التكسب لعياله. " مسئلة ": قال الخطيب البغدادي: أعلى العبارات في التعديل والتجريح أن يقال " حجة " أو " ثقة "، وأدناها أن يقال: " كذاب ". " قلت ": وبين ذلك أمور كثيرة يعسر ضبطها، وقد تكلم الشيخ أبو عمرو على مراتب منها. وثم اصطلاحات لأشخاص، ينبغي التوقيف عليها.

стр. 71

ومن ذلك أن البخاري إذا قال، في الرجل: " سكتوا عنه "، أو " فيه نظر "، فإنه يكون في أدنى المنازل وأردئها عنده، لكنه لطيف العبارة في التجريح، فليعلم ذلك. زقال ابن معين: إذا قلت " ليس به بأس " فهو ثقة. قال ابن أبي حاتم: إذا قيل " صدوق " أو " محله الصدق " أو " لا بأس به " فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه. وروى ابن الصلاح عن أحمد بن صالح المصري أنه قال: لا يترك الرجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه. وقد بسط ابن الصلاح الكلام في ذلك. والواقف على عبارات القوم يفهم

стр. 72

مقاصدهم بما عرف من عباراتهم في غالب الأحوال، وبقرائن ترشد إلى ذلك. والله الموفق. قال ابن الصلاح: وقد فقدت شروط الأهلية في غالب أهل زماننا، ولم يبق إلا مراعاة اتصال السلسلة في الإسناد، فينبغي أن لا يكون مشهوراً بفسق ونحوه، وأن يكون ذلك مأخوذاً عن ضبط سماعه من مشايخه من أهل الخبرة بهذا الشأن. والله أعلم.

стр. 73

النوع الرابع والعشرون كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه يصح تحمل الصغار الشهادة والأخبار، وكذلك الكفار إذا أدوا ما حملوه في حال كمالهم، وهو الاحتلام والإسلام. وينبغي المباراة إلى إسماع الولدان الحديث النبوي. والعادة المطردة في أهل عهذه الأعصار وما قبلها بمدد متطاولة: أن الصغير يكتب له حضور إلى تمام خمس سنين من عمره، ثم بعد ذلك يسمى سماعاً، واستأنسوا في ذلك بحديث محمود بن الربيع: أنه عقل مجَّة مجَّها رسول الله ﷺ في وجهه من دلو في دارهم وهو ابن خمس سنين. ورواه البخاري. فجعلوه فرقاً بين السماع والحضور، وفي رواية: وهو ابن أربع سنين. وضبطه بعض الحفاظ بسن التمييز. وقال بعضهم: أن يفرق بين الدابة والحمار. وقال بعض الناس: لا ينبغي السماع إلا بعد العشرين سنة. وقال بعض: عشر. وقال آخرون: ثلاثون. والمدار في ذلك كله على التمييز، فمتى كان الصبي يعقل كتب له سماع. قال الشيخ أبو عمرو: وبلغنا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري أنه قال: رأيت صبياً ابن أربع سنين قد حمل إلى المأمون قد قرأ القرآن ونظر في الرأي، غير أنه إذا جاع يبكي.

стр. 74

وأنواع تحمل الحديث ثمانية: القسم الأول السماع وتارة يكون من لفظ المسمع حفظاً، أو من كتاب. قال القاضي عياض: فلا خلاف حينئذ أن يقول السامع: " حدثنا " أو " أخبرنا "، و " أنبأنا ": و " سمعت "، و " قال لنا "، و " ذكر لنا فلان ". وقال الخطيب: أرفع العبارات " سمعت " ثم " حدثنا "، و " حدثني "، " قال ": وقد كان جماعة من أهل العلم لا يكادون يخبرون عما سمعوه من الشيخ إلا بقولهم " أخبرنا "، ومنهم حماد بن سلمة، وابن المبارك، وهشيم بن بشير، ويزيد

стр. 75

بن هارون، وعبد الرزاق، ويحيى بن يحيى التميمي، وإسحاق بن راهويه، وآخرون كثيرون. قال ابن الصلاح: وينبغي أن يكون " حدثنا " و " أخبرنا " أعلى من " سمعت "، لأنه قد لا يقصده بالأسماع، بخلاف ذلك. والله أعلم. " حاشية " قلت: بل الذي ينبغي أن يكون أعلى العبارات على هذا أن يقول: " حدثني، فإنه إذا قال " حدثنا " أو " أخبرنا "، قد لا يكون قصده الشيخ بذلك أيضاً، لاحتمال أن يكون في جمع كثير. والله أعلم. القسم الثاني القراءة على الشيخ حفظاً أو من كتاب وهو " العرض " عند الجمهور. والرواية بها سائغة عند العلماء، إلا عند شُذاذ لا يعتمد بخلافهم. ومستند العلماء حديث ضمام بن ثعلبة، وهو في الصحيح. وهي دون السماع من لفظ الشيخ. وعن مالك وأبي حنيفة وابن أبي ذئب: أنها أقوى. وقيل: هما سواء، ويعزى ذلك إلى أهل الحجاز والكوفة، وإلى مالك أيضاً وأشياخه من أهل المدينة، وإلى اختيار البخاري. والصحيح الأول، وعليه علماء المشرق.
следующие страницы →