Полный текст (197 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ومن ذلك أن البخاري إذا قال، في الرجل: " سكتوا عنه "، أو " فيه نظر "، فإنه يكون في أدنى المنازل وأردئها عنده، لكنه لطيف العبارة في التجريح، فليعلم ذلك.
زقال ابن معين: إذا قلت " ليس به بأس " فهو ثقة. قال ابن أبي حاتم: إذا قيل " صدوق " أو " محله الصدق " أو " لا بأس به " فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه.
وروى ابن الصلاح عن أحمد بن صالح المصري أنه قال: لا يترك الرجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه.
وقد بسط ابن الصلاح الكلام في ذلك. والواقف على عبارات القوم يفهم
стр. 72
مقاصدهم بما عرف من عباراتهم في غالب الأحوال، وبقرائن ترشد إلى ذلك. والله الموفق.
قال ابن الصلاح: وقد فقدت شروط الأهلية في غالب أهل زماننا، ولم يبق إلا مراعاة اتصال السلسلة في الإسناد، فينبغي أن لا يكون مشهوراً بفسق ونحوه، وأن يكون ذلك مأخوذاً عن ضبط سماعه من مشايخه من أهل الخبرة بهذا الشأن. والله أعلم.
стр. 73
النوع الرابع والعشرون
كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه
يصح تحمل الصغار الشهادة والأخبار، وكذلك الكفار إذا أدوا ما حملوه في حال كمالهم، وهو الاحتلام والإسلام.
وينبغي المباراة إلى إسماع الولدان الحديث النبوي. والعادة المطردة في أهل عهذه الأعصار وما قبلها بمدد متطاولة: أن الصغير يكتب له حضور إلى تمام خمس سنين من عمره، ثم بعد ذلك يسمى سماعاً، واستأنسوا في ذلك بحديث محمود بن الربيع: أنه عقل مجَّة مجَّها رسول الله ﷺ في وجهه من دلو في دارهم وهو ابن خمس سنين. ورواه البخاري. فجعلوه فرقاً بين السماع والحضور، وفي رواية: وهو ابن أربع سنين. وضبطه بعض الحفاظ بسن التمييز. وقال بعضهم: أن يفرق بين الدابة والحمار. وقال بعض الناس: لا ينبغي السماع إلا بعد العشرين سنة. وقال بعض: عشر. وقال آخرون: ثلاثون. والمدار في ذلك كله على التمييز، فمتى كان الصبي يعقل كتب له سماع.
قال الشيخ أبو عمرو: وبلغنا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري أنه قال: رأيت صبياً ابن أربع سنين قد حمل إلى المأمون قد قرأ القرآن ونظر في الرأي، غير أنه إذا جاع يبكي.
стр. 74
وأنواع تحمل الحديث ثمانية:
القسم الأول
السماع
وتارة يكون من لفظ المسمع حفظاً، أو من كتاب. قال القاضي عياض: فلا خلاف حينئذ أن يقول السامع: " حدثنا " أو " أخبرنا "، و " أنبأنا ": و " سمعت "، و " قال لنا "، و " ذكر لنا فلان ".
وقال الخطيب: أرفع العبارات " سمعت " ثم " حدثنا "، و " حدثني "، " قال ": وقد كان جماعة من أهل العلم لا يكادون يخبرون عما سمعوه من الشيخ إلا بقولهم " أخبرنا "، ومنهم حماد بن سلمة، وابن المبارك، وهشيم بن بشير، ويزيد
стр. 75
بن هارون، وعبد الرزاق، ويحيى بن يحيى التميمي، وإسحاق بن راهويه، وآخرون كثيرون.
قال ابن الصلاح: وينبغي أن يكون " حدثنا " و " أخبرنا " أعلى من " سمعت "، لأنه قد لا يقصده بالأسماع، بخلاف ذلك. والله أعلم.
" حاشية " قلت: بل الذي ينبغي أن يكون أعلى العبارات على هذا أن يقول: " حدثني، فإنه إذا قال " حدثنا " أو " أخبرنا "، قد لا يكون قصده الشيخ بذلك أيضاً، لاحتمال أن يكون في جمع كثير. والله أعلم.
القسم الثاني
القراءة على الشيخ حفظاً أو من كتاب
وهو " العرض " عند الجمهور. والرواية بها سائغة عند العلماء، إلا عند شُذاذ لا يعتمد بخلافهم. ومستند العلماء حديث ضمام بن ثعلبة، وهو في الصحيح. وهي دون السماع من لفظ الشيخ. وعن مالك وأبي حنيفة وابن أبي ذئب: أنها أقوى. وقيل: هما سواء، ويعزى ذلك إلى أهل الحجاز والكوفة، وإلى مالك أيضاً وأشياخه من أهل المدينة، وإلى اختيار البخاري. والصحيح الأول، وعليه علماء المشرق.
стр. 76
فإذا حدث بها يقول " قرأت " أو " قرئ على فلان وأنا أسمع فأقر به " أو " أخبرنا " أو " حدثنا قراءة عليه ". وهذا واضح، فإن أطلق ذلك جاز عند مالك، والبخاري، ويحيى بن سعيد القطان، والزهري، وسفيان بن عيينة، ومعظم الحجازيين والكوفيين، حتى إن منهم من سوغ " سمعت " أيضاً، ومنع من ذلك أحمد، والنسائي، وابن المبارك، ويحيى بن يحيى التميمي.
стр. 77
والثالث أن يجوز " أخبرنا " ولا يجوز " حدثنا " وبه قال الشافعي، ومسلم، والنسائي أيضاً، وجمهور المشارقة، بل نقل ذلك عن أكثر المحدثين. وقد قيل: إن أول من فرق بينهما ابن وهب. قال الشيخ أبو عمرو وقد سبقه إلى ذلك ابن جريج؛ والأوزاعي، قال: وهو الشائع الغالب على أهل الحديث.
стр. 78
" فرع ": إذا قرأ على الشيخ من نسخة وهو يحفظ ذلك، فجيد قوي، وإن لم يحفظ والنسخة بيد موثوق به، فكذلك، على الصحيح المختار الراجح، ومنع من ذلك مانعون، وهو عسر. فإن لم تكن نسخة إلا التي بيد القارئ وهو موثوق به فصحيح أيضاً.
" فرع ": ولا يشترط أن يقر الشيخ بما قُرئ عليه نطقاً، بل يكفي سكوته وإقراره عليه، عند الجمهور. وقال آخرون من الظاهرية وغيرهم: لا بد من استنطاقه بذلك، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وسليم الرازي. قال ابن الصباغ: إن لم يتلفظ لم تجز الرواية، ويجوز العمل بما سمع عليه.
" فرع ": قال ابن وهب والحاكم: يقول فيما قرئ على الشيخ وهو وحده: " حدثني "، فإن كان معه غيره: " حدثنا "، وفيما قرأه على الشيخ وحده: " أخبرني "، فإن قرأه غيره: " أخبرنا ".
قال ابن الصلاح: وهذا حسن فائق. فإن شك أتى بالمتحقق، وهو الوحدة:
стр. 79
" حدثني " أو " أخبرني "، عند ابن الصلاح والبيهقي، وعن يحيى بن سعيد القطان: يأتي بالأدنى، وهو " حدثنا " أو " أخبرنا ".
قال الخطيب البغدادي: وهذا الذي قاله ابن وهب مستحب، لا مستحق، وعند أهل العلم كافة.
стр. 80
" فرع ": اختلفوا في صحة سماع من ينسخ أو إسماعه: فمنع من ذلك إبراهيم الحربي وابن عدي وأبو إسحاق الأسفرائيني. وكان أبو بكر أحمد بن إسحاق الصبغي يقول " حضرت "، ولا يقول " حدثنا " ولا " أخبرنا ". وجوزه موسى بن هارون الحافظ.
وكان ابن المبارك ينسخ وهو يقرأ عليه.
وقال أبو حاتم: كتبت حديث عارم وعمرو بن مرزوق، وحضر الدارقطني وهو شاب، فجلس إسماعيل الصفار وهو يملي، والدارقطني ينسخ جزءاً، فقال: له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ! فقال: فهمي للاملاء بخلاف فهمك، فقال له: كم أملى الشيخ حديثاً إلى الآن؟ فقال الدارقطني: ثمانية عشر حديثاً، ثم سردها كلها عن ظهر قلب، بأسانيد ومتونها، فتعجب الناس منه، والله أعلم.
وكان شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي، تغمده الله برحمته، يكتب في مجلس
стр. 81
السماع، وينعس في بعض الأحيان، ويرد على القارئ رداً جيداً بيناً واضحاً، بحيث يتعجب القارئ من نفسه، أنه يغلط فيما في يده وهو مستيقظ، والشيخ ناعس وهو أنبه منه! ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
قال ابن الصلاح: وكذلك التحدث في مجلس السماع، وما إذا كان القارئ سريع القراءة، أو كان السامع بعيداً من القارئ. ثم اختار أنه يغتفر اليسير من ذلك، وأنه إذا كان يفهم ما يقرأ من النسخ فالسماع صحيح. وينبغي أن يُجبر ذلك بالإجازة بعد ذلك كله.
هذا هو الواقع في زماننا اليوم: أن يحضر مجلس السماع من يفهم ومن لا يفهم، والبعيد من القارئ، والناعس، والمتحدث، والصبيان الذين لا ينضبط أمرهم بل يلعبون غالباً، ولا يشتغلون بمجرد السماع. وكل هؤلاء قد كان يكتب لهم السماع بحضرة شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي ﵀.
وبلغني عن القاضي تقي الدين سليمان المقدسي: أنه زجر في مجلسه الصبيان عن اللعب، فقال: لا تزجروهم، فانَّا سمعنا مثلهم.
وقد روي عن الامام العَلم عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: يكفيك من الحديث شمه. وكذا قال غير واحد من الحفاظ.
وقد كانت المجالس تعقد ببغداد. وبغيرها من البلاد، فيجتمع الفئام من الناس، بل الألوف المؤلفة، ويصعد المُستملي. على الأماكن المرتفعة،
стр. 82
ويبلغون عن المشايخ ما يملون، فيحدث الناس عنهم بذلك، مع ما يقع في مثل هذه المجامع من اللغط والكلام.
وحكى الأعمش: أنهم كانوا في حلقة إبراهيم إذا لم يسمع أحدهم الكلمة جيداً استفهما من جاره. وقد وقع هذا في بعض الأحاديث عن عقبة بن عامر، وجابر بن سمرة وغيرهما، وهذا هو الأصلح للناس. وإن قد تورع آخرون وشددوا في ذلك، وهو القياس. والله أعلم.
стр. 83
ويجوز السماع من وراء حجاب، كما كان السلف يرون عن أمهات المؤمنين، واحتج بعضهم بحديث: " حتى ينادي ابن أم مكتوم ".
وقال بعضهم عن شعبة: إذا حدثك من لا ترى شخصه فلا ترو عنه، فلعله شيطان قد تصور في صورته، يقول حدثنا أخبرنا. وهذا عجيب وغريب جداً! إذا حدثه بحديث ثم قال: " لا تروه عني "، أو " رجعت عن إسماعك "، ونحو ذلك، ولم يبد مستنداً سوى المنع اليابس، أو أسمع قوماً فخص بعضهم وقال: " لا أجيز لفلان أن يروي عني شيئا " فإنه لا يمنع من صحة الرواية عنه، ولا التفات إلى قوله. وقد حدث النسائي عن الحارث بن مسكين والحالة هذه؛ وأفتى الشيخ أبو إسحاق الأسفرائيني بذلك.
стр. 84
القسم الثالث
الإجازة
والرواية بها جائزة عند الجمهور، وادعى القاضي أبو الوليد الباجي الإجماع على ذلك. ونقضه ابن الصلاح بما رواه الربيع عن الشافعي: أنه منع من الرواية بها. وبذلك قطع الماوردي. وعزاه إلى مذهب الشافعي، وكذلك قطع بالمنع القاضي حسين بن محمد المروروذي صاحب التعليقة، وقالا جميعاً: لو جازت الرواية بالإجازة بطلت الرحلة، وكذا روي عن شعبة بن الحجاج وغيره من أئمة الحديث وحفاظه.
وممن أبطلها إبراهيم الحربي، وأبو الشيخ محمد بن عبد الله الأصبهاني، وأبو نصر الوايلي السجزي، وحكى ذلك عن جماعة ممن لقيهم.
ثم هي أقسام: ١ - إجازة من معين لمعين في معين، بأن يقول: " أجزتك أن تروي عني هذا الكتاب " أو " هذه الكتب ". وهي المناولة. فهذه جائزة عند الجماهير، حتى الظاهرية، لكن خالفوا في العمل بها، لأنها في معنى المرسل عندهم، إذا لم يتصل السماع.
٢ - إجازة لمعين في غير معين، مثل أن يقول: " أجزت لك أن تروي عني ما أرويه "، أو " ما صح عندك، من مسموعاتي ومصنفاتي ". وهذا مما يجوزه الجمهور أيضاً، رواية وعملاً.
٣ - الإجازة لغير معين، مثل أن يقول: " أجزت للمسلمين "، أو " للموجودين "، أو " لمن قال لا إله إلا الله "، وتسمى " الإجازة العلمة ". وقد اعتبرها طائفة من الحفاظ والعلماء، فممن جوزها الخطيب البغدادي، ونقلها عن
стр. 85
شيخه القاضي أبي الطيب الطبري، ونقلها بكر الحازمي عن شيخه أبي العلاء الهمداني الحافظ، وغيرهم من محدثي المغاربة ﵏.
٤ - الإجازة للمجهول بالمجهول، ففاسدة. وليس منها ما يقع من الاستدعاء لجماعة مسمين لا يعرفه المجيز أو لا يتصفح أنسابهم ولا عدتهم، فإن هذا سائغ شائع، كما لا يستحضر المسمع أنساب من يحضر مجلسه ولا عدتهم. والله أعلم.
ولو قال: " أجزت رواية هذا الكتاب لمن أحب روايته عني "؛ فقد كتبه أبو الفتح محمد بن الحسين الأسدي، وسوغه غيره، وقواه ابن الصلاح.
وكذلك لو قال: " أجزتك ولولد ونسلك وعقبك رواية هذا الكتاب " أو " ما يجوز لي روايته " فقد جوزها جماعة، منهم أبو بكر ابن أبي داود، قال لرجل: " أجزت لك ولأولادك ولحبل الحبلة ".
وأما لو قال: " أجزت لمن يوجد من بني فلان "، فقد حكى الخطيب جوازها عن القاضي أبي يعلى بن الفراء الحنبلي، وأبي الفضل ابن عمروس المالكي، وحكاه ابن الصباغ عن طائفة، ثم ضعف ذلك، وقال: هذا يبنى على أن الإجازة إذن أو محادثة، وكذلك ضعفها ابن الصلاح، وأورد الإجازة للطفل الصغير الذي لا يخاطب مثله، وذكر الخطيب أنه قال للقاضي أبي الطيب: إن بعض أصحابنا قال: لا تصح الإجازة إلا لمن يصح سماعه؟ فقال: قد يجيز الغائب عنه، ولا يصح سماعه منه. ثم رجح الخطيب صحة الإجازة للصغير، قال: وهو الذي رأينا كافة شيوخنا يفعلونه، يجيزون للأطفال، من غير أن يسألوا عن أعمارهم، ولم نرهم أجازوا لمن لم يكن موجوداً في الحال. والله أعلم.
стр. 86
ولو قال: " أجزت لك أن تروي عني ما صح عندك مما سمعته وما سأسمعه "، فالأول جيد، والثاني فاسد. وقد حاول ابن الصلاح تخريجه على أن الإجازة إذن كالوكالة. وفيما لو قال: " وكلتك في بيع ما سأملكه " خلاف.
وأما الإجازة بما يرويه إجازة، فالذي عليه الجمهور الرواية بالإجازة على الإجازة وإن تعددت. وممن نص على ذلك الدارقطني، وشيخه أبو العباس ابن عقدة، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني، والخطيب، وغير واحد من العلماء. قال ابن الصلاح: ومنع من ذلك بعض من لا يعتمد به من المتأخرين، والصحيح الذي عليه العمل جوازه، وشهوا ذلك بتوكيل الوكيل.
стр. 87
القسم الرابع
المناولة
فإن كان معها إجازة، مثل أن يناول الشيخ الطالب كتاباً من سماعه، ويقول له: " أرو هذا عني "، أو يملكه إياه، أو يعيره لينسخه ثم يعيده إليه، ليأتيه الطالب بكتاب من سماعه فيتأمله، ثم يقول: " أرو عني هذا "، ويسمى هذا " عرض المناولة ". وقد قال الحاكم: إن هذا إسماع عند كثير من المتقدمين، وحكوه عن مالك نفسه، والزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، من أهل المدينة، ومجاهد، وأبي الزبير، وسفيان بن عيينة، من المكيين، وعلقمة، وإبراهيم، والشعبي، من أهل الكوفة، وقتادة، وأبي العالية، وأبي المتوكل الناجي، من البصرة، وابن وهب، وابن القاسم، وأشهب، من أهل مصر، وغيرهم من أهل الشام والعراق، ونقله عن جماعة من مشايخه. قال ابن الصلاح: وقد خطط في كلامه عرض المناولة بعرض القراءة.
ثم قال الحاكم: والذي عليه جمهور فقهاء الإسلام، الذين أفتوا في الحرام والحلال: أنهم لم يروه سماعاً، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، ويحيى بن يحيى، والبويطي والمزني، وعليه عهدنا أئمتنا، وإليه ذهبوا، وإليه نذهب. والله أعلم.
стр. 88
وأما إذا لم يملكه الشيخ الكتاب، ولم يعره إياه، فإنه منحط عما قبله، حتى إن منهم من يقول: هذا مما لا فائدة فيه، ويبقى مجرد إجازة.
" قلت ": أما إذا كان الكتاب مشهوراً، كالبخاري ومسلم، أو شيء من الكتب المشهورة: فهو كما لو ملكه أو أعاره إياه. والله أعلم.
ولو تجردت المناولة عن الأذن في الرواية: فالمشهور أنه لا تجوز الرواية بها، وحكى الخطيب عن بعضهم جوازها، قال ابن الصلاح: ومن الناس من جوز الرواية بمجرد إعلام الشيخ للطالب أن هذا سماعه. والله أعلم.
ويقول الراوي بالإجازة: " أنبأناا "، فإن قال " إجازة " فهو أحسن، ويجوز " أنبأنا " و " حدثنا " عند جماعة من المتقدمين.
وقد تقدم النقل عن جماعة أنهم جعلوا عرض المناولة المقرونة بالإجازة بمنزلة السماع، فهؤلاء يقولون: " حدثنا " و " أخبرنا "، بلا إشكال.
والذي عليه جمهور المحدثين قديماً وحديثاً: أنه لا يجوز إطلاق " حدثنا " ولا " أخبرنا " بل مقيداً. وكان الأوزاعي يخصص الإجازة بقوله " خبرنا " بالتشديد.
стр. 89
القسم الخامس
المكاتبة
بأن يكتب إليه بشيء من حديثه.
فإن أذن له في روايته عنه، فهو كالمناولة المقرونة بالإجازة. وإن لم تكن معها إجازة، فقد جوز الرواية بها أيوب، ومنصور، والليث، وغير واحد من الفقهاء الشافعية والأصوليين، وهو المشهور، وجعلوا ذلك أقوى من الإجازة المجردة، وقطع الماوردي بمنع ذلك. والله أعلم.
وجوز الليث ومنصور في المكاتبة أن يقول: " أخبرنا " و " حدثنا " مطلقاً والأحسن الأليق تقييده بالمكاتبة.
стр. 90
القسم السادس
الإعلام
إعلام الشيخ أن هذا الكتاب سماعه من فلان
من غير أن يأذن له في روايته عنه، فقد سوغ الرواية بمجرد ذلك طوائف من المحدثين والفقهاء، منهم ابن جريج، وقطع به ابن الصباغ، واختاره غير واحد من المتأخرين، حتى قال بعض الظاهرية: لو أعلمه بذلك ونهاه عن روايته عنه فله روايته، كما لو نهاه عن روايته ما سمعه منه.
القسم السابع
الوصية
بأن يوصى بكتاب كان يرويه لشخص. فقد ترخص بعض السلف في رواية الموصى له بذلك الكتاب عن الموصي، وشبهوا ذلك بالمناولة وبالإعلام
стр. 91
بالرواية. قال ابن الصلاح: وهذا بعيد، وهو إما زلة عالم أو متأول، إلا أن يكون أراد بذلك روايته ب الوجادة . والله أعلم.
القسم الثامن
الوجادة
وصورتها: أن يجد حديثاً أو كتاباً بخط شخص بإسناده.
فله أن يرويه عنه على سبيل الحكاية، فيقول: " وجدت بخط فلان: حدثنا فلان " ويسنده. ويقع هذا أكثر في مسند الإمام أحمد، يقول ابه عبد الله: " وجدت بخط أبي: حدثنا فلان "، ويسوق الحديث.
وله أن يقول: " قال فلان " إذا لم يكن فيه تدليس يوهم اللقى.
قال ابن الصلاح: وجازف بعضهم فأطلق فيه " حدثنا " أو " أخبرنا " وانتقد ذلك على فاعله.
وله أن يقول فيما وجد من تصنيفه بغير خطه: " ذكر فلان "، و " قال فلان " أيضاً، ويقول: " بلغني عن فلان "، فيما لم يتحقق أنه من تصنيفه أو مقابلة كتابه. والله أعلم.
стр. 92
" قلت ": والوجادة ليست من باب الرواية، وإ، ما هي حكاية عما وجده في الكتاب.
وأما العمل بها: فمنع منه طائفة كثيرة من الفقهاء والمحدثين، أو أكثرهم، فيما حكاه بعضهم.
ونقل الشافعي وطائفة من أصحابه جواز العمل بها.
قال ابن الصلاح: وقطع بعض المحققين من أصحابه في الأصول بوجوب العمل بها عند حصول الثقة به.
قال ابن الصلاح: وهذا هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة لتعذر شروط الرواية في هذا الزمان، يعني: فلم يبق إلا مجرد وجادات.
" قلت ": وقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " أي الخلق أعجب إليكم إيماناً؟ قالوا: الملائكة، قال وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ وذكروا الأنبياء، فقال: وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ قالوا: فنحن، قال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: ثوم يأتون
стр. 93
من بعدكم، يجدون صحفاً يؤمنون بما فيها "، وقد ذكرنا الحديث بإسناده ولفظه في شرح البخاري، ولله الحمد. فيؤخذ منه مدح من عمل بالكتب المتقدمة بمجرد الوجادة لها. والله أعلم.
стр. 94
النوع الخامس والعشرون
كتابة الحديث وضبطه وتقييده
قد ورد في صحيح مسلم عن أبي سعيد مرفوعاً: " من كتب عني شيئاً سوى القرآن فليمحه ".
قال ابن الصلاح: وممن روينا عنه كراهة ذلك: عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى، وأبو سعيد، في جماعة آخرين من الصحابة والتابعين.
قال: وممن روينا عنه إباحة ذلك أو فعله: علي، وابنه الحسن، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، في جمع من الصحابة والتابعين.
" قلت ": وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: " اكتبوا لأبي شاه " وقد تحرر هذا الفصل في أوائل كتابنا المقدمات، ولله الحمد.
قال البيهقي وابن الصلاح وغير واحد: لعل النهي عن ذلك كان حين يخاف التباسه بالقرآن، والأذن فيه حين أمن ذلك. والله أعلم.
وقد حكي إجماع العلماء في الأعصار المتأخرة على تسويغ كتابة الحديث وهذا أمر مستفيض، شائع ذائع، من غير نكير.
стр. 95
فإذا تقرر هذا، فينبغي لكاتب الحديث - أو غيره من العلوم - أن يضبط ما يشكل منه، أو قد يشكل على بعض الطلبة، في أصل الكتاب، نقطاً وشكلاً وإعراباً، على ما هو المصطلح عليه بين الناس، ولو قيد في الحاشية لكان حسناً.
стр. 96
وينبغي توضيحه. ويكره التدقيق والتعليل في الكتاب لغير عذر. قال الإمام أحمد لابن عمه حنبل - وقد رآه يكتب دقيقاً -: لا تفعل، فإنه يخونك أحوج ما تكون إليه.
قال ابن الصلاح: وينبغي أن يجعل بين كل حديثين دائرة. وممن بلغنا عنه ذلك: أبو الزناد، وأحمد بن حنبل، وإبراهيم الحربي، وابن جرير الطبري.
" قلت ": قد رأيته في خط الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
قال الخطيب البغدادي: وينبغي أن يترك الدائرة غفلاً، فإذا قابلها نقط فيها نقطة.
قال ابن الصلاح: ويكره أن يكتب " عبد الله بن فلان " فيجعل " عبد " آخر سطر والجلالة في أول سطر، بل يكتبهما في سطر واحد.
قال: وليحافظ على الثناء على الله، والصلاة والسلام على رسوله، وإن تكرر فلا يسأم، فإن فيه خيراً كثيراً. قال: وما وجد من خط الإمام أحمد من غير صلاة فمحمول على أنه أراد الرواية. قال الخطيب: وبلغني أنه كان يصلي على النبي ﷺ نطقاً لا خطاً.
стр. 97
قال ابن الصلاح: وليكتب الصلاة والتسليم مجلة لا رمزاً. قال ولا يقتصر على قوله " ﵇ "، يعني: وليكتب " ﷺ " واضحة كاملة.
قال: وليقابل أصله بأصل معتمد، ومع نفسه أو غيره من موثوق به ضابط. قال: ومن الناس من شدد وقال: لا يقابل إلا مع نفسه. قال: وهذا مرفوض مردود.
стр. 98
وقد تكلم الشيخ أبو عمرو على ما يتعلق بالتخريج والتضبيب والتصحيح وغير ذلك من الاصطلاحات المطردة والخاصة: ما أطال الكلام فيه جداً.
стр. 99
وتكلم على كتابة " ح " بين الإسنادين، وأنها " ح " مهملة، من التحويل أو الحائل بين الإسنادين، أو عبارة عن قوله " الحديث ".
" قلت ": ومن الناس من يتوهم أنها " خاء " معجمة، أي إسناد آخر. والمشهور الأول، وحكى بعضهم الإجماع عليه.
النوع السادس والعشرون
صفة رواية الحديث
قال ابن الصلاح: شدد قوم في الرواية: فاشترط بعضهم أن تكون الرواية من حفظ الراوي أو تذكره. وحكاه عن مالك، وأبي حنيفة، وأبي بكر الصيدلاني المروزي الشافعي.
واكتفى آخرون، وهم الجمهور، بثبوت سماع الراوي لذلك الذي يسمع عليه، وإن كان بخط غيره، وإن غابت عنه النسخة، إذا كان الغالب على الظن سلامتها من التبديل والتغيير.
وتساهل آخرون في الرواية من نسخ لم تقابل، بمجرد قول الطالب: " هذا من روايتك "، من غير تثبت ولا نظر في النسخة، ولا تفقد طبقة سماعه.
قال: وقد عدهم الحاكم في طبقات المجروحين.
стр. 100
" فرع ": قال الخطيب البغدادي: والسماع على الضرير أو البصير الأمي، إذا كان مثبتاً بخط غيره أو قوله -: فيه خلاف بين الناس: فمن العلماء من منع الرواية عنهم، ومنهم من أجازها.
" فرع آخر ": إذا روي كتاباً، كالبخاري مثلاً، عن شيخ، ثم وجد نسخة به ليست مقابلة على أصل شيخه، أو لم يجد أصل سماعه فيها عليه، لكنه تسكن نفسه إلى صحتها - فحكى الخطيب عن عامة أهل الحديث أنهم منعوا من الرواية بذلك، ومنهم الشيخ أبو نصر بن الصباغ الفقيه، وحكى عن أيوب ومحمد بن بكر البرساني أنهما رخصا في ذلك.
" قلت ": وإلى هذا أجنح. والله أعلم.
وقد توسط الشيخ تقي الدين بن الصلاح فقال: إن كانت له من شيخه إجازة جازت روايته والحالة هذه.
" فرع آخر ": إذا اختلف الحافظ وكتابه: فإن كان اعتماده في حفظه على كتابه فليرجع إليه، وإن كان من غيره فليرجع إلى حفظه وحسن أن ينبه على ما في الكتاب مع ذلك، كما روي عن شعبة. وكذلك إذا خالفه غيره من الحفاظ، فلينبه على ذلك عند روايته كما فعل سفيان الثوري. والله أعلم.
" فرع آخر ": لو وجد طبقة سماعه في كتاب، أما بخطه أو خط من يثق به، ولم يتذكر سماعه لذلك -: فقد حكي عن أبي حنيفة وبعض الشافعية: أنه لا يجوز له الإقدام على الرواية. والجادة من مذهب الشافعي - وبه يقول محمد بن الحسن وأبو يوسف - الجواز، اعتماداً على ما غلب على ظنه، وكما أنه
стр. 101
لا يشترط أن يتذكر سماعه لكل حديث حديث أو ضبطه، كذلك لا يشترط تذكره لأصل سماعه.
" فرع آخر ": وأما روايته الحديث بالمعنى: فإن كان الراوي غير عالم ولا عارف بما يحيل المعنى: فلا خلاف أنه لا تجوز له روايته الحديث بهذه الصفة.
وأما إذا كان عالماً بذلك، بصيراً بالألفاظ ومدلولاتها، وبالمترادف من الألفاظ ونحو ذلك -: فقد جوز ذلك جمهور الناس سلفاً وخلفاً وعليه العمل، كما هو المشاهد في الأحاديث الصحاح وغيرها، فإن الواقعة تكون واحدة، وتجيء بألفاظ متعددة، من وجوه مختلفة متباينة.
ولما كان هذا قد يوقع في تغيير بعض الأحاديث، منع من الرواية بالمعنى طائفة آخرون من المحدثين والفقهاء الأصوليين، وشددوا في ذلك آكد التشديد. وكان ينبغي أن يكون هذا هو الواقع، ولكن لم يتفق ذلك. والله أعلم.
وقد كان ابن مسعود وأبو الدرداء وأنس ﵃ يقولون - إذا رووا الحديث -: " أو نحو هذا "، أو " شبهه "، " أو قريباً منه ".
стр. 102
" فرع آخر ": وهل يجوز اختصار الحديث، فيحذف بعضه، إذا لم يكن المحذوف متعلقاً بالمذكور؟ على قولين: فالذي عليه صنيع أبي عبد الله البخاري: اختصار الأحاديث في كثير من الأماكن.
وأما مسلم فإنه يسوق الحديث بتمامه، ولا يقطعه. ولهذا رجحه كثير من حفاظ المغاربة، واستروح إلى شرحه آخرون، لسهولة ذلك بالنسبة إلى صحيح البخاري وتفريقه الحديث في أماكن متعددة بحسب حاجته إليه. وعلى هذا المذهب جمهور الناس قديماً وحديثاً.
قال ابن الحاجب في مختصره: " مسئلة ": حذف بعض الخبر جائز عند الأكثر، إلا في الغاية والاستثناء ونحوه. أما إذا حذف الزيادة لكونه شك فيها، فهذا سائغ، كان مالك يفعل ذلك كثيراً، بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في وصله. وقال مجاهد: انقص الحديث ولا تزد فيه.
" فرع آخر ": ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفاً بالعربية. قال الأصمعي: " أخشى عليه إذا لم يعرف العربية أن يدخل في قوله: " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار "، فإن النبي ﷺ لم يكن يلحن " فمهما رويت عنه
стр. 103
ولحنت فيه كذبت عليه ".
وأما التصحيف، فدواؤه أن يتلقاه من أفواه المشايخ الضابطين. والله الموفق.
وأما إذا لحن الشيخ، فالصواب أن يرويه السامع على الصواب، وهو محكي عن الأوزاعي، وابن المبارك، والجمهور. وحكى عن محمد ابن سيرين وأبي معمر عبد الله بن سخبرة أنهما قالا: يرويه كما سمعه من الشيخ ملحوناً. قال ابن الصلاح: وهذا غلو في مذهب اتباع اللفظ. وعن القاضي عياض: أن الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ: أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم، ولا يغيروها في كتبهم، حتى في أحرف من القرآن، استمرت الرواية فيها على خلاف التلاوة، ومن غير أن يجيء ذلك في الشواذ، كما وقع في الصحيحين والموطأ، لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على ذلك عند السماع وفي الحواشي. ومنهم من جسر على تغيير الكتب وإصلاحها، منهم أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني الوقشي، لكثرة مطالعته وافتنانه. قال: وقد غلط في أشياء من ذلك، وكذلك غيره ممن سلك مسلكه.
قال: والأولى سد باب التغيير والإصلاح، لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، وينبه على ذلك عند السماع.
وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل: أن أباه كان يصلح لحناً الفاحش، ويسكت عن الخفي السهل.
" قلت ": ومن الناس من إذا سمع الحديث ملحوناً عن الشيخ ترك روايته، لأنه إن تبعه في ذلك، فالنبي ﷺ لم يكن يلحن في كلامه، وإن رواه عنه على الصواب، فلم يسمعه منه كذلك.
стр. 104
" فرع ": وإذا سقط من السند أو المتن ما هو معلوم، فلا بأس بإلحاقه، وكذلك إذا اندرس بعض الكتاب، فلا بأس بتجديده على الصواب. وقد قال الله تعالى: (والله يعلم المفسد من المصلح) .
стр. 105
" فرع آخر ": وإذا روي الحديث عن شيخين فأكثر، وبين ألفاظهم تباين: فإن ركب السياق من الجميع، كما فعل الزهري في حديث الإفك، حين رواه عن سعيد بن المسيب وعروة وغيرهما عن عائشة، وقال: " كل حدثني طائفة من الحديث، فدخل حديث بعضهم في بعض "، وساقه بتمامه -: فهذا سائغ، فإن الأئمة قد تلقوه بالقبول، وخرجوه في كتبهم الصحاح وغيرها.
وللراوي أن يبين كل واحدة منها عن الأخرى، ويذكر ما فيها من زيادة ونقصان، وتحديث وإخبار وإنباء. وهذا مما يعني به مسلم في صحيحه، ويبالغ فيه، وأما البخاري فلا يعرج على ذلك ولا يلتفت إليه، وربما تعاطاه في بعض الأحايين، والله أعلم، وهو نادر.
" فرع آخر ": وتجوز الزيادة في نسب الراوي، إذا بين أن الزيادة من عنده. وهذا محكي عن أحمد بن حنبل وجمهور المحدثين. والله أعلم.
" فرع آخر ": جرت عادة المحدثين إذا قرؤوا يقولون: أخبرنا فلان، قال: أخبرنا فلان، قال: أخرنا فلان "، ومنهم من يحذف لفظة " قال "، وهو سائغ عند الأكثرين.
وما كان من الأحاديث بإسناد واحد، كنسخة عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، ومحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وعمرو بن شعيب
стр. 106
عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وغير ذلك -: فله إعادة الإسناد عند كل حديث، وله أن يذكر الإسناد عند أول حديث منها، ثم يقول: " وبالإسناد ". أو: " وبه إلى رسول الله ﷺ قال كذا وكذا "، ثم له أن يرويه كما سمعه، وله أن يذكر عند كل حديث الإسناد.
" قلت ": والأمر في هذا قريب سهل يسير. والله أعلم.
وأما إذا قدَّم ذكر المتن على الإسناد كما إذا قال: " قال رسول الله ﷺ كذا وكذا " ثم قال: " أخبرنا به "، وأسنده: فهل للراوي عنه أن يقدم الإسناد أولاً ويتبعه بذكر متن الحديث؟ فيه خلاف، ذكره الخطيب ابن الصلاح.
والأشبه عندي جواز ذلك، والله أعلم. ولهذا يعيد محدثو زماننا إسناد الشيخ بعد فراغ الخبر، لأن من الناس من يسمع من أثنائه بفوت، فيتصل له سماع ذلك من الشيخ، وله روايته عنه كما يشاء، من تقديم إسناده وتأخيره. والله أعلم.
" فرع ": إذا روي حديثاً بسنده، ثم أتبعه بإسناد آخر، وقال في آخره: " مثله " أو " نحوه "، وهو ضابط محرر: فهل يجوز روايته لفظ الحديث الأول بإسناد الثاني؟ قال شعبة: لا، وقال الثوري: نعم، حكاه عنهما وكيع، وقال يحيى بن معين: يجوز في قوله " مثله "، ولا يجوز في " نحوه ". قال الخطيب: إذا قيل
стр. 107
بالرواية على هذا المعنى فلا فرق بين قوله " مثله " أو " نحوه "، ومع هذا أختار قول ابن معين. والله أعلم.
أما إذا أورد السند وذكر بعض الحديث ثم قال: " الحديث "، أو " الحديث بتمامه "، أو " بطوله " أو " إلى آخره "، كما جرت به عادة كثير من الرواة: فهل للسامع أن يسوق الحديث بتمامه على هذا الإسناد؟ رخص في ذلك بعضهم ومنع منه آخرون، منهم الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائيني الفقيه الأصولي، وسأل أبو بكر اليرقاني شيخه أب بكر الإسماعيلي عن ذلك؟ فقال: إن كان الشيخ والقارئ يعرفان الحديث فأرجو أن يجوز ذلك، والبيان أولى.
قال ابن الصلاح: " قلت ": وإذا جوَّزنا ذلك فالتحقيق أنه يكون بطريق الإجازة الأكيدة القوية.
وينبغي أن يُفصَّل، فيقال: إن كان قد سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في ذلك المجلس أو في غيره، فتجوز الرواية، وتكون الإشارة إلى شيء قد سلف بيانه وتحقق سماعه. والله أعلم.
إبدال لفظ " الرسول " أو " النبي " " بالرسول ": قال ابن الصلاح: الظاهر أنه لا يجوز ذلك، وإن جازت الرواية بالمعنى، يعني لاختلاف معنييهما، ونقل عبد الله بن أحمد أن أباه كان يشدد في ذلك.
فإذا كان في الكتاب " النبي " فكتب المحدث " رسول الله ﷺ " ضرب على " رسول " وكتب " النبي ". قال الخطيب: وهذا منه استحباب، فإن مذهبه الترخيص في ذلك.
стр. 108
قال صالح: سألت أبي عن ذلك؟ فقال: أرجو أنه لا بأس به.
وروي عن حماد بن سلمة أن عفان وبهزاً كانا يفعلان ذلك بين يديه، فقال لهما: أما أنتما فلا تفقهان أبداً!! " الرواية في حال المذاكرة ": هل تجوز الرواية بها؟ حكى ابن الصلاح عن ابن مهدي، وابن المبارك، وأبي زرعة، المنع من التحديث بها، لما يقع فيها من المساهلة، والحفظ خوَّان.
قال ابن الصلاح: ولهذا امتنع جماعة من أعلام الحفاظ من رواية ما يحفظونه إلا من كتبهم، منهم أحمد بن حنبل.
قال: فإذا حدث بها فليقل: " حدثنا فلان مذاكرة "، أو " في المذاكرة "، ولا يطلق ذلك فيقع في نوع من التدليس والله أعلم.
وإذا كان الحديث عن اثنين، جاز ذكر ثقة منهما وإسقاط لآخر ثقة كان أو ضعيفاً. وهذا صنيع مسلم في ابن لهيعة غالباً. وأما أحمد بن حنبل فلا يسقطه، بل يذكره. والله أعلم.
стр. 109
النوع السابع والعشرون
آداب المحدث
وقد ألف الخطيب البغدادي في ذلك كتاباً سماه: " الجامع لآداب الشيخ والسامع ".
وقد تقدم من ذلك مهمات في عيون الأنواع المذكورة.
قال ابن خلاد وغيره ينبغي للشيخ أن لا يتصدى للحديث إلا بعد استكمال خمسين سنة. وقال غيره: أربعين سنة. وقد أنكر القاضي عياض ذلك، بأن، أقواماً حدثوا قبل الأربعين، بل قبل الثلاثين، منهم: مالك بن أنس، ازدحم الناس عليه وكثير من مشايخه أحياء.
стр. 110
قال ابن خلاد: فإذا بلغ الثمانين أحببت له أن يمسك خشية أن يكون قد اختلط.
وقد استدركوا عليه: بأن جماعة من الصحابة وغيرهم حدثوا بعد هذا السن، منهم أنس بن مالك، وسهل بن سعد، وعبد الله بن أبي أوفى، وخلق ممن من بعدهم وقد حدث آخرون بعد استكمال مائة سنة، منهم: الحسن بن عرفة، وأبو القاسم البغوي، وأبو إسحاق الهجيمي، والقاضي أبو الطيب الطبري، أحد أئمة الشافعية، وجماعة كثيرون.
لكن إذا كان الاعتماد على حفظ الشيخ الراوي، فينبغي الاحتراز من اختلاطه إذا طعن في السن.
وأما إذا كان الاعتماد على حفظ غيره وخطه وضبطه، فههنا كلما كان السن عالياً كان الناس أرغب في السماع عليه. كما اتفق لشيخنا أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجار، فإنه جاوز المائة محققاً، سمع على الزبيدي سنة ثلاثين وستمائة صحيح البخاري، واسمه في سنة ثلاثين وسبع ومائة، وكان شيخاً كبيراً عامياً، لا يضبط شيئاً ولا يتعقل كثيراً من المعاني الظاهرة، ومع هذا تداعى الناس إلى السماع منه عند تفرده عن الزبيدي، فسمع منه نحو من مائة ألف أو يزيدون.
قال: وينبغي أن يكون المحدث جميل الأخلاق حسن الطريقة، صحيح النية. فإن عزبت نيته عن الخير فليسمع، فإن العلم يرشد إليه، قال بعض السلف: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله.
следующие страницы →