← Общие книги

Общие книги · id 21575

ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين

أبو الحسن الندوي

Полный текст (241 стр.). Показаны 211–241 · переход к 216.

стр. 211

عليهم فلسفتهم ومبادئهم فلعل ذلك لا يخطر منها على بال، بل قد زين لها كل ما تتصف به الأمم الأوربية فحلا في عينها. وكلما سنحت لهذه الأمم فرصة الاستقلال وملكت زمام أمورها تجلت أخلاقها ومبادئها وظهرت سيرتها الجاهلية في صورتها الطبيعية الحقيقية، فإذا هي أفضع صورة وأبشعها في التاريخ، قساوة قلب وضراوة بالدم الإنساني وهتكاً للأعراض ونهباً للأموال وقتلاً وتدميراً، وقد ظهرت من بعض هذه الشعوب الآسيوية على أثر استقلالها من الحكم الأجنبي فظائع ومنكرات تستبشعها الوحوش والسباع وتستك منها الأسماع، فقد عاملت بعض الشعوب المواطنة بعصبية دينية وسياسية، معاملة عز نظيرها في التاريخ، رضعاء يقتلون ويُقطعون إرباً إرباً، ونساء تهتك أعراضهن ثم يقتلن من غير رحمة ولا حياء، وآبار تسمم وبيوت تهدم ونيران تشعل وقنابل تقذف، وإذا دخلوا قرية فاتحين منتشرين أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ووضعوا فيها السيف، وعاث الوحوش في الدماء والأعراض حتى أقفرت القرى، وامتلأت الآبار بالسيدات اللاتي آثرن الموت على هتك الأعراض، هذا عدا نساء قتلن بهمجية وطرق فظيعة لم تسبق في التاريخ، إلى غير ذلك من الأفاعيل التي يشك فيها الناس في البلاد الإسلامية والمتحضرة. هذا غير ذلك الاضطهاد الديني والمقاطعة الاجتماعية التي تلقاها تلك الطوائف في بلادها، وما تلقى ثقافتها وديانتها من مطاردة ومهاجمة من تلقاء هذه الشعوب فتحرم الحرية الثقافية واللسانية وترغم على لغة مصطنعة دائرة، ويحاول الأقوياء أن يمحوا كل أثر من آثار حضارتها وثقافتها ويختلقوا عليها الأكاذيب والجنايات، ويمثلوا قصة الحمل والذئب كل يوم، فيعزل رجالها من الوظائف وتسد في وجوههم أبواب المعاش والتجارة والحرف، وتقفل دكاكينهم ومحالهم التجارة وتصادر أملاكهم وأموالهم بعلل واهية مضحكة. ثم إن هذه الأمم أفلست إفلاساً شائناً في الدين والأخلاق، وقد أشربت في قلوبها حب المال والمادة، وتسلط عليها شيطان الأثرة والجشع حتى ضجت منها الحكومات وتعبت، فقد ارتفعت الأسعار ارتفاعاً فاحشاً، فلما التجأت الحكومة إلى التسعير اختفت السلع والأموال، وأصبح الناس لا يجدون كسوة ولا طعاماً ولا حاجة إلا بالسعر الذي يريده التاجر، فنفقت السوق السوداء وشاعت الجنايات

стр. 212

والخيانات والارتشاء والتهريب، وأصبحت الحكومة والتجار كفرسي رهان أو قرني ميدان، كل يريد أن يغلب صاحبه وينتهز غرته، وأصبح الناس حبة بين حجري الرحى لا يدرون كيف يفعلون. وقد حاول رجال الإصلاح والديانة أن ينفخوا في هذه الأمم حياة جديدة ويبنوا فيها روح الأخلاق والفضيلة والأمانة والاقتصاد فأخفقوا إخفاقاً تاماً، وعملوا أن خلق أمة بأسرها أهون من إصلاح هذه الأمم وتهذيبها وقد انقطعت مادتها وانقضى أجلها. وهكذا أصبح العالم شرقاً وغرباً في أزمة روحية وخلقية واجتماعية واقتصادية تطلب حلاً سريعاً عاجلاً. الحل الوحيد للأزمة العالمية: والحل الوحيد هو تحول القيادة العالمية وانتقال دفة الحياة من اليد الأثيمة الخرقاء التي أساءت استعمالها إلى يد أخرى بريئة حاذقة. إن تحول القيادة من بريطانيا إلى أمريكا ومنهما جميعاً إلى روسيا لا يغني غناء ولا يغير من الموقف شيئاً، فإن هذا التحول ليس إلا نقا المجداف من الموقف شيئاً، فإن هذا التحول ليس إلا نقل المجداف من اليمين إلى الشمال إذا تعبت الأولى أو بالعكس، فما دام المجداف واحداً فلا فرق بين يمينه وشماله، وليست بريطانيا وأمريكا وروسيا إلا أيدي رجل واحد تتداول دفة الحياة، وتتناوب تجديف السفينة على خط واحد إلى جهة واحدة. إن التحول المؤثر الواضح هو تحول القيادة من أوربا - بالمعنى الواسع الذي يشمل بريطانيا وأمريكا وروسيا ومن كان على شاكلتها من الأمم الآسيوية والشرقية - التي تقودها المادية والجاهلية، إلى العالم الإسلامي الذي يقوده سيدنا ﷺ برسالته الخالدة ودينه الحكيم. هذا هو التحول الذي يغير وجه التاريخ ويحول مجرى الأمور وينقذ العالم من الساعة الرهيبة التي ترقبه. إن حقاً على العالم الإسلامي أن يُمني نفسه بهذا المنصب الخطير، ويطمح إليه، وإن حقاً على كل بلد إسلامي وشعب إسلامي أن يشد حيازيمه لذلك، وإن حقاً على كل مسلم أن يجاهد في سبيله ويبذل ما في وسعه، فهذه هي المهمة الشريفة

стр. 213

التي نيطت بالأمة الإسلامية يوم برزت إلى عالم الوجود، ويوم طهرت نواتها في جزيرة العرب. العالم الإسلامي على أثر أوربا: من الغريب الواقع أن المسلمين قد أصبحوا في الزمن الأخير في كثير من نواحي الأرض حتى في مراكز الإسلام وعواصمه حلفاء للجاهلية الأوربية وجنوداً متطوعين لها، بل صار بعض الشعوب والدول الإسلامية يرى في الشعوب الأوربية التي تزعمت حركة الجاهلية منذ قرون ونفخت فيها روحاً جديدة، وركزت أعلامها على الشرق والغرب، ناصراً للمسلمين، حامياً لذمار الإسلام المستضعف، حاملاً لراية العدل في العالم قوَّاماً بالقسط. ورضي عامة المسلمين بأن يكونوا ساقة عسكر الجاهلية بدل أن يكونوا قادة الجيش الإسلامي، وسرت فيهم الأخلاق الجاهلية ومبادئ الفلسفة الأوربية سريان الماء في عروق الشجر والكهرباء في الأسلاك، فترى المادية الغربية في البلاد الإسلامية في كثير من مظاهرها وآثارها، ترى تهافتاً على الشهوات ونهماً للحياة، نهم من لا يؤمن بالآخرة، ولا يوقن بحياة بعد هذه الحياة، ولا يدخر من طيباتها شيئاً. وترى تنافساً في أسباب الجاه والفخار وتكالباً عليها فعل من يغلو في تقويم هذه الحياة وأسبابها، وترى إيثاراً للمصالح والمنافع الشخصية على المبادئ والأخلاق، شأن من لا يؤمن بني ولا بكتاب، ولا يرجو معاداً، ولا يخشى حساباً، وترى حباً للحياة وكراهة للموت، دأب من يعد الحياة الدنيا رأس بضاعته، ومنتهى أمله ومبلغ علمه، وترى افتتاناً بالزخارف والمظاهر الجوفاء كالأمم المادية التي ليس عندها أخلاق ولا حقيقة حية، وترى خضوعاً للإنسان، واستكانة للملوك والأمراء ورجال الحكومة والمناصب وتقديسهم شأن الأمم الوثنية وَعَبَدَةِ الأصنام. المسلمون على علاتهم موئل الإنسانية وأمة المستقبل: ولكن برغم كل ما أصيب به المسلمون من علة وضعف فإنهم هم الأمة الوحيدة على وجه الأرض، التي تعد خصيم الأمم الغربية وغريمتها ومنافستها في قيادة الأمم، ومزاحمتها في وضع العالم، والتي يعزم عليها دينها أن تراقب سير العالم وتحاسب الأمم على أخلاقها وأعمالها ونزعاتها، وأن تقودها إلى الفضيلة والتقوى، وإلى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، وتحول بينها وبين جهنم بما استطاعت من

стр. 214

القوة، والتي يحرّم عليها دينها ويأبى وضعها وفطرتها أن تتحول أمة جاهلية. هذه هي الأمة التي يكن أن تعود في حين من الأحيان خطراً على النظام الجاهلي الذي بسطته أوروبا في الشرق والغرب وأن تحبط مساعيها. وقد وصف هذا الخطر شاعر الإسلام الحكيم ((محمد إقبال)) في قصيدته البديعة: (برلمان إبليس) على لسان إبليس، ذكر فيها أن الشيطان وزملاء إبليس وأعوانه اجتمعوا في مجلس شورى، وتباحثوا في سير العالم وأخطار الغد وفتنة، وما يتوجسون من خيفة على نظامهم الإبليسي ومهمتهم الشيطانية، فتذكروا في فتن وأخطار قد أحدقت بهم وهددت نظامهم، وجللوا خطبها وتناذروا شرها، فذكروا أحدهم الجمهورية وحسب لها حساباً كبيراً، فقال الثاني: لا يهولنك أمرها فإنها ليست إلا غطاء للملوكية، ونحن الذين كسونا الملوكية اللباس الجمهوري، إذا رأينا الإنسان بدأ يتنبه ويفيق ويشعر بكرامته، وخفنا ثورة على نظامنا قد لا تحمد عاقبتها، فألهيناه بلعبة الجمهورية، وليس الشأن في الأمير والملك. إن الملوكية لا تنحصر في وجود شخص ترتكز فيه الملوكية وفرد يستبد بالسلطان، إنما الملوكية أن يعيش الإنسان عيالاً على غيره مستشرفاً إلى متاع غيره، سواء في ذلك الشعب والفرد. أما رأيت نظام الغرب الجمهوري وجه مشرق وضاح وباطنه أظلم من باطن جنكيز خان؟ . فقال الآخر: لا بأس إذا بقيت روح الملوكية، ولكن ماذا يقول النائب المحترم في هذه الفتنة الدهماء التي أثارها هذا اليهودي الذي يدعى كارل ماركس ذلك الباقعة الذي ليس نبياً ولكنه يحمل عند أتباعه كتاباً مقدساً، هل عندك نبأ أنه أقام العالم وأقعده، وأثار العبيد على السادة حتى تزعزعت مباني الإمارة والسيادة؟ . فقال الآخر مخاطباً رئيس المجلس: يا صاحب الفخامة، إن سحرة أوربا وإن كانوا مريديك المخلصين ولكني لم أعد أثق بفراستهم، ها هو السامري اليهودي الذي هو نسخة من مزدك (الزعيم الفارسي الاشتراكي) قد كاد يأتي على العالم بقواعده فاستنسر البغاث، وأصبح الصعاليك يزحمون الملوك بالمناكب ويدفعونهم بالراح (أعلام أرض جعلت بطائحاً) إنا قد استهنا بخطب هذه الحركة الاشتراكية وها هي قد استفحلت نفاقم شرها، وها هي الأرض ترجف بهول فتنة الغد، سيدي إن العالم الذي كنت تحكمه سينقض عليك، إذا ينقلب النظام العالم ظهراً لبطن.

стр. 215

فتكلم رئيس المجلس (أبليس) وقال: إني أملك زمام العالم وأتصرف به كيف أشاء، وسيرى العالم عجباً إذا حرشت بين الأمم الأوربية فتهارشت تهارش الكلاب، وافترس بعضها بعضاً فعل الذئاب، وإذا همست في آذان القادة السياسيين وأساقف الكنائس الروحانيين فقدوا رشدهم وجن جنونهم. أما ما ذكرتم عن الاشتراكية فكونوا على ثقة أن الخرق الذي أحدثته الفطر بين الإنسان والإنسان لايرفؤه المنطق المزدكي (الفلسفة الاشتراكية) لا يخوفني هؤلاء الاشتراكيون الطرداء والصعاليك السفهاء. إن كنت خائفاً فإني أخاف أمة لا تزال شرارة الحياة والطموح كامنة في رمادها ,ولا يزال فيها رجال تتجافى جنوبهم عن المضاجع وتسيل دموعهم على خدودهم سحراً، لا يخفى على الخبير المتفرس أن الإسلام هو فتنة الغد وداهية المستقبل، ليست الاشتراكية. أنا لا أجهل أن هذه الأمة قد اتخذت القرآن مهجوراً، وأنها فتنت بالمال وشغفت بجمعه وادخاره كغيرها من الأمم، أنا خبير أن ليل الشرق داج مكفهر، وأن علماء الإسلام وشيوخه ليست عندهم تلك اليد البيضاء التي تشرق لها الظلمات ويضيء لها العالم، ولكن أخاف أن قوارع هذا العصر وهزته ستقض مضجعها وتوقظ هذه الأمة وتوجهه إلى شريعة (محمد ﷺ أنى أحذركم وأنذركم من دين (محمد ﷺ حامي الذمار، حارس الذمم والأعراض، دين الكرامة والشرف، دين الأمانة والعفاف، دين المروءة والبطولة، دين الكفاح والجهاد، يلغي كل نوع من أنواع الرق، ويمحو كل أثر من آثار استعباد الإنسان، لا يفرق بين مالك ومملوك، ولا يؤثر سلطاناً على صعلوك، يزكي المال من كل دنس ورجس ويجعله نقياً صافياً، ويجعل أصحاب الثروة والملاك متسخلفين في أموالهم (١) أمناء لله وكلاء على المال. وأي ثورة أعظم وأي انقلاب أشد خطراً مما أحدثه هذا الدين في عالم الفكر والعمل يوم صرخ أن الأرض لله لا للملوك والسلاطين. فابذلوا جهدكم أن يظل هذا الدين متوارياً عن أعين الناس، وليهنكم أن

стр. 216

المسلم بنفسه هو ضعيف الثقة بربه قليل الإيمان بدينه، فخير لنا أن يبقى مشتغلاً بمسائل علم الكلام والإلهيات وتأويل كتاب الله والآيات، اضربوا على آذان المسلم فإنه يستطيع أن يكسر طلاسم العالم ويبطل سحرنا بأذانه وتكبيره، واجتهدوا أن يطول ليله ويبطئ سحره، اشتغلوا يا إخواني عن الجد والعمل حتى يخسر الرهان في العالم. خير لنا أن يبقى المسلم عبداً لغيره، ويهجر هذا العالم ويعتزله ويتنازل عنه لغيره زاهداً فيه، واستخفافاً لخطره، يا ويلتنا ويا شقوتنا لو انتبهت هذه الأمة التي يعزم عليها دينها أن تراقب العالم وتعسّه. رسالة العالم الإسلامي: لا ينهض العالم الإسلامي إلا برسالته التي وكلها إليه مؤسسه ﷺ والإيمان بها والاستماتة في سبيلها، وهي رسالة قوية واضحة مشرقة، لم يعرف العالم رسالة أعدل منها ولا أفضل ولا أيمن للبشرية منها. وهي الرسالة نفسها التي حملها المسلمون في فتوحهم الأولى، والتي لخصها أحد رسلهم في مجلس يزدجرد ملك إيران بقوله: ((الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام)) رسالة لا تحتاج إلى تغيير كلمة وزيادة حرف، فهي منطبقة تمام الانطباق على القرن العشرين انطباقها على القرن السادس المسيحي، كأن الزمان قد استدار كهيئته يوم خرج المسلمون من جزيرتهم لإنقاذ العالم من براثن الوثنية والجاهلية. فلا يزال الناس اليوم عاكفين على أصنام لهم - من أوثان منحوتة ومنجورة ومقبورة ومنصوبة - ولا تزال عبادة الله وحده مغلوبة غريبة، ولا تزال الفتنة قائمة على قدم وساق، ولا يزال إله الهوى يعبد، ولا يزال الأحبار والرهبان والملوك والسلاطين وأصحاب القوة والثروة والزعماء والأحزاب السياسية أرباباً من دون الله تقرب لها القرابين وينصب لها الجبين. وكذلك العالم اليوم رغم اتساعه وتوفر وسائل السفر والانتقال من مكان إلى مكان، واتصال الشعوب والأمم بعضها ببعض أضيق بأهله منه بالأمس، قد ضيقته المادية التي لا تنظر إلا إلى قدمها ولا تؤمن إلا بفائدة صاحبها، ولا تعرف غير العكوف على الشهوات وعبادة الذات، وقد خنقته الأثرة التي لا تسمح لاثنين

стр. 217

بالعيش في إقليم واسع، والوطنية الضيقة التي تنظر إلى كل أجنبي شزراً وتجحد له كل فضل وتحرمه كل حق. ثم ضيق خناق هذه الحياة المادية المسيطرون السياسيون الذين يحتكرون وسائل الحياة والرزق والقوت، ويضيقون هذه الحياة لمن شاؤوا ويسعونها لمن شاؤوا، ويبسطون الرزق - زعموا - لمن شاؤوا ويقدرونه لمن شاؤوا، فأصبحت المدن الواسعة أضيق من جحر ضب، وأصبح الناس في بلادهم في شبه حجر كحجر السفيه واليتيم وضاقت على الناس الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، وأصبح الناس في أغلال وأصفاد من المدينة والمملكة مُهددين في كل وقت بمجاعات مصطنعة وحقيقية، وحروب خارجية وداخلية، وإضرابات واضطرابات أسبوعية ويومية. نعم ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام! ولا تزال في هذا العصر المتنور الواعي المثقف أديان تعبث بعقول الناس وتسخرهم كالحمير والبقر، وتزين لأتباعها قتل مئات من البشر لأجل بقرة ذبحت في عيد الأضحى، أو شجرة مقدسة عُضدت في قرية من القرى. وهنالك أديان بغير اسم الأديان لا تقل في نفوذها وسلطانها ولا تقل في جورها وعدوانها وعبثها بعقول أتباعها وفي عجائبها عن الأديان القديمة، وهي والنظم السياسية والنظريات الاقتصادية التي يؤمن بها الناس كدين ورسالة، كالجنسية والوطنية، والديموقراطية والاشتراكية، والدكتاتورية والشيوعية، وهي أقل مسامحة لمن لا يدين بها وأشد قسوة على منافسيها، وأضيق عطفاً من الأديان الجاهلية، والاضطهاد السياسي اليوم أفضع من الاضطهاد الديني في القرون المظلمة، فإذا تغلب حزب من الأحزاب الوطنية أو ساد مبدأ من المبادئ السياسية. أو انتصر فريق على فريق في الانتخاب، سد في وجه منافسه الأبواب وعذبه أشد العذاب، وما حرب أسبانيا الأهلية التي دامت مدة طويلة، وسفكت فيها دماء غزيرة، وما حرب الصين التي قامت بين الجمهوريين والشيوعيين من أهل الصين، وحرب ((كوريا)) التي قامت بين الجنوبيين والشماليين، إلا نتيجة اختلاف في العقيدة السياسية والنظريات الاقتصادية. فرسالة العالم الإسلامي هي الدعوة إلى الله ورسوله والإيمان باليوم الآخر،

стр. 218

وجائزته الخروج من الظلمات إلى النور، ومن عبادة الناس إلى عبادة الله وحده، والخروج من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، وقد ظهر فضل هذه الرسالة وسهل فهمها في هذا العصر أكثر من كل عصر، فقد افتضحت الجاهلية وبدت سوآتها للناس واشتد تذمر الناس منها، فهذا طور انتقال العالم من قيادة الجاهلية إلى قيادة الإسلام، لو نهض العالم الإسلام، واحتضن هذه الرسالة بكل إخلاص وحماسة وعزيمة، ودان بها كالرسالة الوحيدة التي تستطيع أن تنقذ العالم من الانهيار والانحلال. الاستعداد الروحي: ولكن العالم الإسلامي لا يؤدي رسالته بالمظاهر المدينة التي جادت بها أوربا على العالم، وبحذق لغاتها وتقليد أساليب الحياة التي ليست من نهضة الأمم في شيء، إنما يؤدي رسالته بالروح والقوة المعنوية التي تزداد أوربا كل يوم إفلاساً فيها، وينتصر بالإيمان والاستهانة بالحياة والعزوف عن الشهوات، والشوق إلى الشهادة والحنين إلى الجنة، والزهد في حطام الدنيا وتحمل الأذى في ذات الله صابراً محتسباً قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ﴾ فقوة المؤمن وسر انتصاره في إيمانه بالآخرة ورجائه لثواب الله، فإذا كان العالم الإسلامي لا يرمي إلا إلى ما تراه أوربا من العرض القريب، ولا يطمح إلا فيما تطمح فيه أوربا من حطام الدنيا، ولا يؤمن إلا بما تؤمن به أوربا من المحسوسات والماديات، كانت أوربا بقوتها المادية أحق بالانتصار والسيادة من العالم الإسلامي الذي يتخلف عنها في القوة المادية تخلفاً شائناً ولا يفوقها في القوة المعنوية. لقد أتى على العالم الإسلامي حين من الدهر وهو مستخف بهذه القوة المعنوية لا يحتفل بها، ولا يحتفظ بالبقية منها، ولا يغذيها، حتى نضب معينها في قلبه، فلما خاض العالم الإسلامي في المعارك التي تحتاج إلى الإيمان، والصبر والثبات، وتحمل الشدائد والنكبات، وزلزل بعض الزلزل، ولجأ إلى القوة المعنوية الكامنة في نفوس المسلمين، كانت كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، هنالك عرف أنه قد جنى على نفسه جناية عظيمة بإهمال هذه القوة الروحية وتضييعها، وبحث في جعبته فلم يجد شيئاً يسد مكانها ويغني غناءها. وخاض العالم الإسلام في معارك حاسة، وهو يرى أن المسلمين تقوم

стр. 219

قيامتهم، وسوف يهرعون للدفاع عن الإسلام وحماية بلادهم المقدسة، ويغضبون لله ورسوله وحُرماته، وإن الأقطار الإسلامية تشتعل ناراً وتتوقد حمية وحماسة، فإذا الحادث لم يؤثر في العالم الإسلامي التأثير المنتظر، وإذا النظر ضئيل والسخط خافت، وإذا العالم الإسلامي كعادته - في غدواته وروحاته - منهمك في لذاته وشهواته، كأن لم يحدث كبير شيء، فعرف أن الحملة الدينية قد ضعفت في العالم الإسلامي، وأن شعلة الجهاد قد انطفأت أو كادت، وهنالك عرف الناس ضعف العالم الإسلامي وخذلانه وهوأنه على أنفسهم. فالمهم الأهم لقادة العالم الإسلامي، وجمعياته وهيئاته الدينية وللدول الإسلامية غرس الإيمان في قلوب المسلمين وإشعال العاطفة الدينية، ونشر الدعوة إلى الله ورسوله، والإيمان بالآخرة على منهاج الدعوة الإسلامية الأولى، لا تدخر في ذلك وسعاً، وتستخدم لذلك جميع الوسائل القديمة والحديثة. وطرق النشر والتعليم، كتجوال الدعاة في القرى والمدن. وتنظيم الخطب والدروس، ونشر الكتب والمقالات، ومدارسة كتب السيرة، وأخبار الصحابة، وكتب المغازي والفتوح الإسلامية، وأخبار أبطال الإسلام وشهدائه، ومذاكرة أبواب الجهاد، وفضائل الشهداء، وتستخدم لذلك الراديو والصحافة وكتب الأدب، وجميع القوى والوسائل العصرية. والقرآن وسيرة محمد ﷺ قوتان عظيمتان تستطيعان أن تشعلا في العالم الإسلامي نار الحماسة والإيمان، وتحدثا في كل وقت ثورة عظيمة على العصر الجاهلي، وتجعلا من أمة مستسلمة، منخذلة ناعسة، أمة فتية متلهبة حماسة وغيرة وحنقاً على الجاهلية وسخطاً على النظم الجائرة. أن علة العالم الإسلامي هو الرضا بالحياة الدنيا والاطمئنان بها، والارتياح إلى الأوضاع الفاسدة والهدوء الزائد في الحياة، فلا يقلقه فساد، ولا يزعجه انحراف، ولا يهيجه منكر، ولا يهمه غير مسائل الطعام واللباس، ولكن بتأثير القرآن والسيرة النبوية - إن وجدا إلى القلب سبيلا - يحدث صراع بين الإيمان والنفاق، واليقين والشك، بين المنافع العاجلة والدار الآخرة، وبين راحة الجسم ونعيم القلب، وبين حياة البطالة وموت الشهادة، وصراع أحدثه كلا نبي في وقته، ولا يصلح العالم به؛ حينئذ يقوم في كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي، بل في كل أسرة إسلامية في كل بلد إسلامي ﴿فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ

стр. 220

وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴿١٣﴾ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ هنالك تتجدد ذكرى بلال، وعمار، وخباب، وحبيب، وخُبيب، ومصعب بن عمير، وعثمان بن مظعون، وأنس بن النضر، هنالك تفوح روائح الجنة، وتهب نفحات القرن الأول، ويولد للإسلام عالم جديد لا يشبه العالم القديم في شيء ... الاستعداد الصناعي والحربي: ولكن مهمة العالم الإسلامي لا تنتهي هنا، فإذا أراد أن يضطلع برسالة الإسلام ويملك قيادة العالم فعليه بالمقدرة الفائقة، والاستعداد التام في العلوم والصناعة والتجارة وفن الحرب، وأن يستغني عن الغرب في كل مرفق من مرافق الحياة، وفي كل حاجة من الحاجات، يقوت ويكسو نفسه، ويصنع سلاحه، وينظم شؤون حياته، ويستخرج كنوز أرضه وينتفع بها، ويدير حكوماته برجاله وماله، ويمخر بحار المحيط به بسفنه وأساطيله، ويحارب العدو ببوارجه ودباباته وأسلحة بلاده، وتزيد صادراته على وارداته، ولا يحتاج إلى الاستدانة من الغرب، ولا يضطر إلى أن يلجأ إلى راية من راياته وينظم إلى معسكر من معسكراته. أما ما دام العالم الإسلامي خاضعاً للغرب في العلم والسياسة والصناعة والتجارة، يمتص الغرب دمه، ويحفر أرضه فيستخرج منها ماء الحياة، وتغزو بضائعه أسواق العالم الإسلامي وبيوته وجيوبه كل يوم فتستخرج منها كل شيء، وما دام العالم الإسلامي يستدين من الغرب الأموال، ويستعير منه الرجال، ليديروا حكومته، ويشغلوا الوظائف الخطيرة ويدربوا جيوشه ويستورد منه البضائع ويجلب منه الصنائع، وينظر إليه كأستاذ ومرب، وسيد ورب، لا يبرم أمراً إلا بإذنه ولا يصدر إلا عن رأيه، فلا يستطيع أبداً أن يواجه الغرب فضلاً عن أن يناهضه ويغالبه. هذه هي الناحية العلمية والصناعية التي أخل بها العالم الإسلامي في الماضي فعوقب بالعبودية الطويلة والحياة الذليلة، وابتلي العالم الإسلامي بالسيادة الأوربية الجائرة التي ساقت العالم إلى النار والدمار والتناحر والانتحار، فإن فرط العالم الإسلامي مرة ثانية في الاستعداد العلمي والصناعي والاستقلال في شئون حياته كتب الشقاء للعالم وطالت محنة الإنسانية وبلاؤها.

стр. 221

تبوء الزعامة في العالم والتحقيق: وقد تنازل العالم الإسلامي - بما فيه العالم العربي - منذ زمن طويل عن مكانته في القيادة العلمية والتوجيه، والاستقلال الفكري، وأصبح عيالاً على الغرب متطفلاً على مائدته حتى في اللغة العربية وآداب اللغة وعلومها، وحتى في علوم الدين كالتفسير والحديث والفقه. وأصبح المستشرقون هم المرشدين الموجّهِين في البحث والتحقيق، والدراسة والتأليف، وهم المنتهى والمرجع والحجة في الأحكام والآراء الإسلامية والنظريات العلمية والتاريخية، وهم الأسوة في النقض والإبرام. وعدد كبير منهم قسوس وإرساليون ويهود ومسيحيون متعصبون ، يضمرون للإسلام وصاحب رسالته ﷺ العداء والبغضاء، وللحضارة الإسلامية السخرية والاستهزاء، ويخونون في النصوص والنقول، ويحرّفون الكلم عن مواضعه. ومنهم عدد لم يتقن اللغة العربية ولم يبرع فيها، وهم يخطئون في فهم النصوص وترجمتها أخطاء فاحشة، وقد تغلغلت أفكارهم ودعاياتهم في الأوساط العلمية الحديثة في العالم الإسلامي وتجلت بصورة واضحة في الدعوة إلى فضل الدين عن السياسة، وأن الدين قضية شخصية لا شأن له بالمجتمع، وفي الدعوة إلى تغيير مفهوم الدين وأحكام الشريعة الإسلامية على أساس الحضارة الغربية وفلسفتها.. إلى غير ذلك من الأفكار التي يدعو إليها تلاميذ المستشرقين والخاضعون لهم في الشرق الإسلامي. وقد عجز كتاب الشرق المسلمون والمفكرون الشرقيون عن مواجهة الحضارة الغربية وجهاً لوجه ونقد أسسها وقيمها نقداً حُرّاً جريئاً فيه الابتكار، وفيه الاستقلال، وقد بلغ بعضهم من ضعف التفكير، والإغراق في التقليد منزلة رأى فيها أن الحضارة الغربية هي آخر ما وصل إليه العقل البشري وأنه لا منزلة وراءها، ومنهم من دعا إلى تطبيق الحضارة الغربية برُمتها، وعلى علاتها في الشرق، ودعا بعض الأقطار الإسلامية وإذابتها فيها واختيار الثقافة اليونانية التي هي أصل الثقافات الأوربية. وندر في هذه الطبقة وجود ((عملاق)) يكفر بالحضارة الغربية وفلسفة حياتها وقيمها ويشرّح الحضارة الغربية وأُسسها التي قامت عليها في ثقة واعتداد وعلم وبصيرة، ونستثني من هذه الكلية بعض الأفراد الأفذاذ كالعلامة ((محمد إقبال)) من

стр. 222

المسلمين القدامى، والأستاذ ((محمد أسد)) من الأوربيين المهتدين بالإسلام. ولابد - إذا أراد العالم الإسلامي أن يقوم على قدميه ويفكر بعقله - أن يقاوم هذا الخضوع ويكون فيه علماء عماليق وكتاب جهابذة يتناولون الحضارة الغربية بالنقد والتشريح، وكتابات المستشرقين وآرائهم بالجرح والتعديل. ويتبحرون في العلوم الإسلامية ويتعمقون فيها حتى يفيد منهم كبار المستشرقين في أوربا وأمريكا ويصححون بهم آراءهم وأخطاءهم، ويتوجه رواد العلم والتحقيق والدراسات العالية إلى عواصم العالم العربي وحواضر العالم الإسلامي، كما اعتادوا أن يتوجهوا إلى عواصم أوربا وأمريكا. فهذه المدن الإسلامية أولى بأن تكون مركزاً للثقافة الإسلامية والعلوم الدينية وآداب اللغة العربية من العواصم الأوربية وجامعات أوربا، ومن سقوط الهمة والقناعة بالدون أن تتخلى هذه العواصم العريقة في العلم والدين عن زعامتها العلمية ومكانتها الرئيسية. التنظيم العلمي الجديد: ولابد للعالم الإسلامي من تنظيم العلم الجديد بما يوافق روحه ورسالته. وقد ساد العالم الإسلامي على العالم القديم بزعامته العلمية، فتسرب بذلك في عقلية العالم وثقافته، وتغلغل في أحشاء الأدب والفلسفة، وظل العالم المتمدن قروناً يفكر بعقله ويكتب بقلمه ويؤلف بلغته، فكان المؤلفون في إيران وتركستان وأفغانستان والهند لا يؤلفون كتاباً له شأن إلا باللغة العربية، وكان بعضهم يؤلف الأصل بالعربية ويلخصه بالفارسية كما فعل الغزالي في: ((كيمياء السعادة)) . وإن كانت هذه الحركة العلمية التي ظهرت في صدر الدولة العباسية متأثرة باليونان والعجم، وغير مؤسسة على الفكرة الإسلامي النقي والروح الإسلامي؛ وإن كانت فيها مواضع ضعف من الناحية العلمية والدينية، ولكنها سادت على العالم بقوتها ونشاطها، واضمحلت أمامها النظم العلمية القديمة. وجاءت نهضة فنسخت هذا النظام القديم باختباراتها ونقدها العلمي، ووضعت منهاجاً جديداً للعلم والدراسة كان نسخة صادقة لروحها وعقليتها ونفسيتها المادية، فلا يخرج منه الطالب إلا وهو متشبع بهذه الروح، وخضع العالم مرة ثانية لهذا النظام التعليمي، وخضع له العالم الإسلامي بطبيعة الحال - إذا كان مصاباً بالانحطاط العلمي والشلل الفكري من زمان، وكان لا يجد المدد والغوث إلا في

стр. 223

أوربا - فقبل هذا النظام التعليمي على علاته، فهو النظام السائد اليوم في أنحاء العالم الإسلامي. وكانت نتيجة هذا النظام الطبيعية، صراعاً بين النفسية الإسلامية - إن كانت لا تزال في الشباب لم تقتلها البيئة - وبين النفسية الجديدة، وبين وجهة الأخلاق الإسلامية ووجهة الأخلاقية الأوربية، وبين الميزان القديم والجديد للأشياء وقيمتها، وكانت نتيجة هذا النظام حديث الشك والنفاق في الطبقة المثقفة، وقلة الصبر ونهامة الحياة وترجيح العاجل على الآجل، إلى غير ذلك مما هو من طبائع المدينة الأوربية. فإذا أراد العالم الإسلامي أن يستأنف حياته، ويتحرر من رق غيره وإذا كان يطمح إلى القيادة، فلا بد إذن من الاستقلال التعليمي، بل لابد من الزعامة العلمية وما هي بالأمر الهين، إنها تحتاج إلى تفكير عميق، وحركة التدوين والتأليف الواسعة، وخبرة إلى درجة التحقيق والنقد بعلوم العصر مع التشبع بروح الإسلام والإيمان الراسخ بأصوله وتعاليمه، إنها لمهمة تنوء بالعصبة أولي القوة، إنما هي من شأن الحكومات الإسلامية، فتنظم لذلك جمعيات، وتختار لها أساتذة بارعين في كل فن فيضعون منهاجاً تعليمياً يجمع بين محكمات الكتاب والسنة وحقائق الدين التي لا تتبدل وبين العلوم العصرية النافعة والتجربة والاختبار، ويدونون العلوم العصرية للشباب الإسلامي على أساس الإسلام وبروح الإسلام وفيها كل ما يحتاج إليه النشء الجديد، مما ينظمون به حياتهم ويحافظون به على كيانهم ويستغنون به عن الغرب ويستعدون للحرب، ويستخرجون به كنوز أرضهم وينتفعون بخيرات بلادهم، وينظمون مالية البلاد الإسلامية، ويديرون حكوماتها على تعاليم الإسلام بحيث يظهر فضل النظام الإسلامي في إدارة البلاد، وتنظيم الشئون المالية على النظم الأوربية، وتنحل مشاكل اقتصادية عجزت أوربا عن حلها. بالاستعداد الروحي والاستعداد الصناعي والحربي والاستقلال التعليمي ينهض العالم الإسلامي، ويؤدي رسالته وينقذ العالم من الانهيار الذي يهدده. فليست القيادة بالهزل، إنما هي جد الجد، فتحتاج إلى جد واجتهاد، وكفاح وجهاد، واستعداد أي استعداد: كل امرئ يجري إلى *** يوم الهياج بما استعدا

стр. 224

الفصل الثاني زعامة العالم العربي أهمية العالم العربي: إن العالم العربي له أهمية كبيرة في خريطة العالم السياسية وذلك لأنه وطن أمم لعبت أكبر دور في التاريخ الإنساني، ولأنه يحتضن منابع الثروة والقوة الكبرى: الذهب الأسود الذي هو دم الجسم الصناعي والحربي اليوم؛ ولأنه صلة بين أوربا وأمريكا، وبين الشرق الأقصى، ولأنه قلب العالم الإسلامي النابض يتجه إليه روحياً ودينياً ويدين بحبه وولائه، ولأنه عسى - لاقدر الله - أن يكون ميدان الحرب الثالثة، ولأن فيه الأيدي العاملة، والعقول المفكرة، والأجسام المقاتلة، والأسواق التجارية، والأراضي الزراعية، ولأن فيها مصر ذات النيل السعيد بنتاجها ومحصولها وخصبها وثروتها ورقيها ومدنيتها، وفيه سورية وفلسطين وجاراتها، باعتدال مناخها وجمال إقليمها وأهميتها الاستراتيجية، وبلاد الرافدين بشكيمة أهلها ومنابع فيها، والجزيرة العربية بمركزها الروحي وسلطانها الديني، واجتماع الحج السنوي الذي لا مثيل له في العالم وآبار البترول الغزيرة. كل ذلك قد جعل العالم العربي محصر أنظار الغربيين، وملتقى مطامعهم وميدان تنافس لقيادتهم، وكان رد فعله أن نشأ في العالم العربي شعور عميق بالقومية العربية، وكثر التغني ((بالوطن العربي)) و ((المجد العربي)) . محمد رسول الله روح العالم العربي: ولكن المسلم ينظر إلى العالم العربي بغير العين التي ينظر بها الأوربي، وبغير العين التي ينظر بها الوطني العربي، إنه ينظر بها الوطني العربي، إنه ينظر إليه كمعهد الإسلام ومشرق نوره ومعقل الإنسانية , وموضع القيادة العالمية , ويعقد أن سيدنا محمداً العربي هو روح العالم العربي وأساسه وعنوان مجده؛ وأن العالم العربي - بما فيه من موارد الثروة والقوة وبما فيه من خيرات وحسنات - جسم بلا روح , وخط بلا وضوح إذا انفصل - لا سمح الله بذلك - عن سيدنا رسول الله ﷺ وقطع صلته عن تعاليمه ودينه؛ وأن سيدنا رسول الله ﷺ هو الذي أبرز العالم العربي للوجود , فقد كان هذا العالم وحدات مفككة , وقبائل متناحرة , وشعوباً مستعبدة ومواهب ضائعة , وبلادا ًتتسكع في الجهل والضلالات , فكان العرب لا يحلمون بمناجزة الدولة الرومية

стр. 225

والفارسية ولا يخطر ذلك منهم على بال , ولا يصدقون بذلك إذا قيل لهم في حال من الأحوال , وكانت سورية التي تكون جزءاً مهماً من العالم العربي مستعمرة رومية تعاني الملكية المطلقة والحكم الجائز المستبد , لا تعرف معنى الحرية والعدل , وكان العراق مطية لشهوات الدولة الكيانية مثقلة بالضرائب المحفة والإتاوات الفادحة. وكانت مصر قد اتخذها الرومان ناقة حلوباً ركوبا ً , يجزون صوفها ويظلمونها في علفها , ثم إنها تعاني الاضطهاد الديني مع الاستبداد السياسي، فما لبث هذا العالم المفكك المنحل، المظلوم المضطهد، أن هبت عليه نفحة من نفحات الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ ، أدرك رسول الله من هذا العالم وهو ضائع هالك وأخذ بيبده وهو ساقط متهالك، فأحياه بإذن الله وجعل له نوراً يمشي به في الناس، وعلمه الكتاب والحكمة وزكاه؛ فكان هذا العالم بعد البعثة المحمدية سفير الإسلام، ورسول الأمن والسلام، ورائد العلم والحكمة، ومشعل الثقافة والحضارة. كان غوثاً للأمم، غيثاً للعالم، هنالك كانت الشام وكان العراق، وكانت مصر، وكان العالم العربي الذي نتحدث عنه، فلولا محمد ﷺ ، ولولا رسالته، ولولا ملته، لما كانت سورية، ولا كان العراق، ولا كانت مصر، ولا كان العالم العربي، بل ولا كانت الدنيا كما هي الآن حضارة وعقلاً، وديانة وخلقاً، فمن استغنى عن دين الإسلام من شعوب العالم العربي وحكوماته، وولى وجهه شطر الغرب أو أيام العرب الأولى، أو استلهم قوانين حياته أو سياسته من شرائع الغرب ودساتيره أو أسس حياته على العنصرية أو العروبة التي لا شأن لها بالإسلام , ولم يرض برسول الله قائداً ورائداً وإماماً وقدوة , فليرد على محمد بن عبد الله ﷺ نعمته ويرجع إلى جاهليته الأولى , حيث الحكم الروماني والإيراني , وحيث الجهل والضلالة , وحيث الغفلة والبطالة وحيث العزلة عن العالم , والخمول والجمود , فإن هذا التاريخ المجيد , وهذه الحضارة الزاهية , وهذا الأدب الزاخر , وهذه الدول العربية , ليست إلا حسنة من حسنات محمد ﵊. الإيمان هو قوة العالم العربي: فالإسلام هو قومية العالم العربي , ومحمد ﷺ هو روح العالم العربي وإمامة وقائده والإيمان هو قوة العالم العربي التي حارب بها العالم البشري كله فانتصر عليه ,

стр. 226

وهو قوته وسلاحه اليوم كما كان بالأمس , به يقهر أعداءه , ويحفظ كيانه ويودي رسالته. إن العالم العربي لا يستطيع أن يحارب الصهيونية أو الشيوعية أو عدواً آخر بالمال الذي ترضخه بريطانيا أو تتصدق به أمريكا ,أو تعطيه مقابل ما تأخذ من أرضه من الذهب الأسود , إنما يحارب عدوه بالإيمان والقوة المعنوية , وبالروح التي حارب بها الدولة الرومية والإمبراطورية الفارسية في ساعة واحدة فانتصر عليهما جميعاً. إنه لا يستطيع أن يحارب أعداءه بقلب يحب الحياة ويكره الموت , ويجسم يميل إلى الدعة والراحة , وعقل يخامره الشك وتتنازع فيه الأفكار والأهواء , أو بيد مضطربة وقلب متشك ضعيف الإيمان وقوة متخاذلة في الميدان، فالمهم لأمراء العرب وزعمائهم وقادة الجامعة العربية أن يغرسوا الإيمان في الشعوب العربية، وجماهير الأمة وأولياء الأمور، والجيوش العربية والفلاحين والتجار، وفي كل طبقة من طبقات الجمهور، ويشعلوا فيها شعلة الجهاد في سبيل الله، والتوق إلى الجنة، ويبعثوا فيها الاستهانة بالمظاهر الجوفاء وزخارف الدنيا، ويعلموهم كيف يتغلبون على شهوات النفس ومألوفات الحياة، وكيف يتحملون الشدائد في سبيل الله، وكيف يستقبلون الموت بثغر باسم، وكيف يتهافتون عليه تهافت الفراش على النور. تضحية شباب العرب قنطرة إلى سعادة البشرية: بُعث رسول الله ﷺ وقد بلغت شقاوة الإنسانية غاية ما وراءها غاية، وكانت قضية الإنسانية أعظم من أن يقوم لها أفراد متنعمون لا يتعرضون لخطر ولا لخسارة ولا محنة، لهم النعيم الحاضر والغد المضمون، إنما تحتاج هذه القضية إلى أناس يضحون بإمكانياتهم ومستقبلهم في سبل خدمة الإنسانية وأداء رسالتهم المقدسة، ويعرضون نفوسهم وأموالهم ومعائشهم وحظوظهم من الدنيا للخطر والضياع، وتجاراتهم وحرفهم ومكاسبهم للتلف والكساد، ويخيبون آمال آبائهم وأصدقائهم فيهم، حتى يقولوا للواحد منهم كما قال قوم صالح: ﴿قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا﴾ . إنه لا بقاء للإنسانية ولا قيام لدعوة كريمة بغير هؤلاء المجاهدين، وبشقاء هذه الحفنة من البشر في الدنيا - كما يعتقد كثير من معاصريهم - تنعم الإنسانية وتسعد الأمم، ويتحول تيار العالم من الشر إلى الخير، ومن السعادة أن يشقى أفراد وتنعم أمم، وتضيع أموال وتكسد تجارات لبعض الأفراد وتنمو نفوس وأرواح لا يحصيها إلا الله

стр. 227

من عذاب الله ومن نار جهنم. علم الله عند بعثة الرسول ﷺ أن الروم والفرس والأمم المتحضرة المتصرفة بزمام العالم المتمدن لا تستطيع بحكم حياتها المصطنعة المترفة أن تتعرض للخطر وتتحمل المتاعب والمصاعب في سبيل الدعوة والجهاد وخدمة الإنسانية البائسة , ولا تستطيع أن تضحي بشيء من دقائق مدنيتها في الملبس والمأكل وأن تتنزل عن حظوظها ولذاتها وزخارفها فضلاً عن حاجاتها، وأنه لا يوجد فيها أفراد يقوون على قهر شهواتهم، والحد من طموحهم، والزهد في فضول الحياة ومطامع الدنيا، والقناعة بالكفاف، فاختار لرسالة الإسلام وصحبة الرسول ﵊ أُمة تضطلع بأعباء الدعوة والجهاد وتقوى على التضحية والإيثار، تلك هي الأمة العربية القوية السليمة التي لم تبتلعها المدنية ولم ينخرها البذخ والترف وأولئك أصحاب محمد ﷺ أبر الناس قلوباً وأعمقهم علماً وأقلهم تكلفاً. قام الرسول بهذه الدعوة العظيمة فأدى حقوقها: من الجهاد في سبيلها وإيثارها على كل ما يقف في وجهها، والعزوف عن الشهوات ومطامع الدنيا فكان في ذلك أسوة وإماماً للعالم كله، وفد قريش وعرض عليه كل ما يغري الشباب ويرضي الطامحين من رئاسة وشرف ومال عظيم وزواج كريم، فرفض كل ذلك في صرامة وصراحة، وكلمة عمه وحاول أن يحد من نشاطه في سبيل الدعوة فقال: ((يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته)) ثم كان أسوة للناس في عصره وبعد عصره بقيامه بأكبر قسط من الجهاد والإيثار، والزهد وشظف العيش وأقل قسط من العيش وأسباب الحياة، فقد أوصد على نفسه الأبواب وسد في وجهه الطرق وتعدى ذلك إلى أسرته وأهل بيته والمتصلين به، فكان أكثر الناس اتصالاً به وأقربهم إيه أقلهم حظاً في الحياة , وأعظمهم نصيباً في الجهاد والإيثار , فإذا أراد أن يحرم شيئاً بدأ ذلك بشيرته وبيته , وإذا سن حقاً أو فتح باباً لمنفعة قدم الآخرين وربما حرمه على عشيرته الأقربين. أراد أن يحرم الربا فبدأ بربا عمه عباس بن عبد المطلب فوضعه كله , وأراد أن يهدر دماء الجاهلية فبدأ بدم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فأبطله , وسن الزكاة وهي منفعة مالية عظيمة مستمرة إلى يوم القيامة فحرمها على عشيرته بني هاشم إلى آخر الأبد , وكلمه علي بن أبي طالب يوم الفتح أن يجمع لبني هاشم

стр. 228

الحجابة مع السقاية فأبي وطلب عثمان بن طلحة وناوله مفتاح الكعبة وقال: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء، وقال خذوها خالدة تالدة فيكم لا ينزعها منكم إلا ظالم، وحمل أزواجه على الزهد والقناعة وشظف العيش وخيرهن بين عشرته مع الفقر وضيق العيش، ومفارقته مع السعة والرخاء وتلا عليهن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴿٢٨﴾ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيما﴾ فاخترن الله والرسول، وتأتيه فاطمة تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى وبلغها أنه جاءه رقيق فيوصيها بالتسبيح والتحميد والتكبير ويقول لها إنه خير لها من خادم.. وهكذا كان شأنه مع أهل بيته والمتصلين به فالأقرب ثم الأقرب. وآمن به رجال من قريش في مكة فاضطربت حياتهم الاقتصادية اضطراباً عظيماً، وكسدت تجارتهم وحرم بعضهم رأس ماله الذي جمعه في حياته، وحرم بعضهم أسباب الترف والرخاء وأناقة اللباس التي كان فيها مضرب المثل، وكسدت تجارة بعضهم لاشتغاله بالدعوة وانصراف الزبائن عنه وحرم بعضهم نصيبه في ثروة أبيه. ثم لما هاجر الرسول إلى المدينة وتبعه الأنصار تأثرت بذلك بساتينهم ومزارعهم فلما أرادوا أن يقبلوا عليها بعض الوقت ويصلحوها لم يسمح لهم بذلك وأنذرهم الله به فقال: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ . وهكذا كان شأن العرب والذين احتضنوا هذه الدعوة منهم فقد كان نصيبهم من متاعب الجهاد وخسائر النفوس والأموال أعظم من نصيب أي أمة في العالم وقد خاطبهم الله بقوله: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ﴾ لأن سعادة البشرية إنما كانت تتوقف على ما يقدمونه من تضحية وإيثار ما يتحملون من خسائر ونكبات فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ

стр. 229

وَالثَّمَرَاتِ﴾ وقال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ وكان إحجام العرب عن هذه المكرمة وترددهم في ذلك امتداداً لشقاء الإنسانية واستمراراً للأوضاع السيئة في العالم فقال: ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ . وقد وقف العالم في القرن السادس المسيحي على مفترق الطرق إما أن يتقدم العرب ويعرضوا نفوسهم وأموالهم وأولادهم وكل ما يعز عليهم للخطر ويزهدوا في مطامع الدنيا ويضحوا في سبيل المصلحة الاجتماعية بأنانيتهم فيسعد العالم وتستقيم البشرية وتقوم سوق الجنة وتروج بضاعة الإيمان، وإما أن يؤثروا شهواتهم ومطامعهم وخظوظهم الفردية على سعادة البشرية وصلاح العالم فيبقى العالم في حمأ الضلالة والشقاء إلى ما شاء الله، وقد أراد الله بالإنسانية خيراً وتشجع العرب - بما نفخ فيهم محمد ﷺ من روح الإيمان والإيثار وحبب إليهم الدار الآخرة وثوابها - فقدموا أنفسهم فداء للإنسانية كلها وزهدوا في مطامع الدنيا طمعاً في ثواب الله وسعادة النوع الإنساني وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وضحوا بكل ما يحرص عليه الناس من مطامع وشهوات وآمال وأحلام وأخلصوا لله العمل والجهاد فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين. وقد استدار الزمان كهيئته يوم بعث الرسول ووقف العالم على مفترق الطرق مرة ثانية إما أن يتقدم العرب - وهم أمة الرسول وعشيرته - إلى الميدان ويغامروا بنفوسهم وإمكانياتهم ومطامحهم ويخاطروا فيما هم فيه من رخاء وثراء ودنيا واسعة، وفرص متاحة للعيش وأسباب ميسورة فينهض العالم من غثاره وتتبدل الأرض غير الأرض وإما أن يستمروا فيما هم فيه من طمع وطموح، وتنافس في الوظائف والمرتبات وتفكر في كثرة الدخل والإيراد وزيادة غلة الأملاك وربح التجارات والحصول على أسباب الترف والتنعم فيبقى العالم في هذا المستنقع الذي يتردى فيه منذ قرون. إن العالم لا يسعد وخيرة الشباب في العواصم العربية عاكفون على شهواتهم تدور حياتهم حول المادة والمعدة لا يفكرون في غيرهما ولا يترفعون عن الجهاد في سبيلهما ولقد كان شباب بعض الأمم الجاهلية الذين ضحوا بمستقبلهم في سبيل المبادئ التي اعتنقوها أكبر منهم نفساً، وأوسع منهم فكراً، بل كان الشاعر الجاهلي ((امرؤ القيس)) أعلى منهم همة، إذ قال:

стр. 230

ولو أنني أسعى لأدنى معيشة *** كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكنما أسعى لمجد مؤثل *** وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي إن العالم لا يمكن أن يصل إلى السعادة إلا على قنطرة من جهاد ومتاعب يقدمها الشباب المسلم، إن الأرض لفي حاجة إلى سماد، وسماد أرض البشرية الذي تصلح به وتنبت زرع الإسلام الكريم هي الشهوات والمطامع الفردية التي يضحي بها الشباب العربي في سبيل علو الإسلام وبسط الأمن والسلام على العالم وانتقال الناس من الطريق المؤدية إلى جهنم إلى الطريق المؤدية إلى الجنة. إنه لثمن قليل جداً لسلعة غالية جداً. العناية بالفروسية والحياة العسكرية: من الحقائق المؤلمة أن الشعوب العربية قد فقدت كثيراً من خصائصها العسكرية، ورزئت في فروسيتها التي كانت معروفة بها في العالم، فكانت رزيئة كبيرة وخسارة فادحة، وكانت سبباً من أسباب ضعفها وعجزها في ميدان الجهاد، فقد اضمحلت الروح العسكرية، وضعفت الأجسام ونشأ الناس على التنعم، وقد حلت السيارات محل الجياد حتى كادت الخيل العربية تنقرض من الجزيرة العربية، وهجر الناس المصارعة والمناضلة وسباق الخيل وأنواع الرياضة البدنية والتدريبات العسكرية، واستبدلوا بها ألعاباً لا تفيدهم شيئاً، فالمهم لرجال التعليم والتربية قادة الشعوب العربية أن يربوا الشبيبة العربية على الفروسية والحياة العسكرية، وعلى البساطة في المعيشة وخشونة العيش والجلادة وتحمل المشاق والمتاعب، والصبر على المكروه!. وقد كتب المربي الكبير أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى بعض عماله العرب وهم في بلاد العجم: ((إياكم والتنعم وزي العجم وعليكم بالشمس فإنها حمام

стр. 231

العرب، وتمعددوا (١) ، واخشوشنوا (٢) ، واخشوشبوا (٣) ، واخلولقوا (٤) ، وأعطوا الركب أسنتها، وانزوا نزوا، وارموا الأغراض (٥)) . وقد قال النبي ﷺ : ((ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً (٦)) وقال: ((ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي (٧)) . ومن واجب رجال التربية وولاة الأمر أن يحاربوا بكل قوتهم ما يضعف روح الرجولة والجلادة ويبعث على التخنث والعجز، من عادات وأدب وصحافة وتعليم، ويأخذوا على يد الصحافة الماجنة والأدب الخليع الملحد، الذي ينشر في الشباب النفاق والدعارة والفسوق، وعبادة اللذة والشهوات، ولا يسمحوا لهؤلاء التجارة الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا أن يدخلوا في معسكر محمد ﷺ الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاث، ويفسدوا على الناشئة الإسلامية قلبها وأخلاقهم، ويزينوا لها الفسوق والعصيان، وحب الفحشاء، بثمن بخس دراهم معدودة، وقد شهد التاريخ بأن كل أمة أصيب رجالها في رجولتهم وغيرتهم، ونساؤها في أنوثتهن وأمومتهن، وطغى فيهن التبرج، ومزاحمة الرجال في كل شيء، والزهد في الحياة المنزلية، وحبب إليهن العقم، أفل نجمها وكسفت شمسها، فأصبحت أثراً بعد عين. هذه كانت عاقبة اليونان والرومان والفرس، وإن أوربا لفي طريقها إلى هذه العاقبة، فليحذر العالم العربي من هذا المصير الهائل.

стр. 232

محاربة التبذير والفرق الهائل بين الغني والصعلوك: وقد اعتاد العرب لأسباب كثيرة وبتأثير الحضارة الغربية حياة الترف والدعة والاعتداد الزائد بالكماليات وفضول الحياة والإسراف والتبذير، والاستهانة بمال الله في سبيل اللذة والشهوة والفخر والزينة. وبجانب هذا الترف والنعيم وحياة البذخ والتبذير، جوع وعري وفقر فاضح، يرى الناظر مناظرة الشائنة في عواصم البلاد العربية فتدمع العين ويحزن القلب وينتكس الرأس حياء وخجلاً، فبينا هنالك رجل عنده فضول الثياب وزائدة الطعام والشراب لا يعرف كيف يستهلكه، إذ ببدوي لا يجد قوت يومه وكسوة جسمه، وبينما أمراء العرب وأغنياؤهم على سيارات تباري الريح وتثير النقع، إذا بفوج من النساء والأطفال عليه ثياب سوداء قد أصبحت خيوطاً من طول اللبس يعدو لأجل فلس أو قرص، فما دامت المدن العربية تجمع بين القصور الشامخة والسيارات الفاخرة، وبين الأكواخ الحقيرة والبيوت المتداعية الضيقة المظلمة، وما دامت التخمة والجوع يزخران في مدينة واحدة، فالباب مفتوح على مصراعيه للشيوعية والثورات والاضطراب والقلق لا تقفها دعاية ولا قوة، وإذا لم يسد النظام الإسلامي في بلاده بجماله واعتداله يحل محله نظام جائر بعسفه وقهره عقاباً من الله كرد فعل عنيف. التخلص من أنواع الأثرة: لقد أتى على العالم العربي عهد في التاريخ كانت الحياة فيه تدور حول فرد واحد - وهو شخص الخليفة أو الملك - أو حول حفنة من الرجال - هم الوزراء وأبناء الملك - وكانت البلاد تعتبر ملكاً شخصياً لذلك الفرد السعيد والأمة كلها فوجاً من المماليك والعبيد ، ويتحكم في أموالهم وأملاكهم ونفوسهم وأغراضهم، ولم تكن الأمة التي كانت يحكم عليها إلا ظلاً لشخصه ولم تكن حياته إلا امتداداً لحياته. لقد كانت الحياة تدور حول هذا الفرد بتاريخها وعلومها وآدابها وشعرها وانتاجها، فإذا استعرض أحد تاريخ هذا العهد أو أدب تلك الفترة من الزمان وجد هذه الشخصية تسيطر على الأمة أو المجتمع، كما تسيطر شجرة باسقة على الحشائش والشجيرات التي تنبت في ظلها وتمنعها من الشمس والهواء، كذلك تضمحل هذه الأمة في شخص هذا الفرد وتذوب فيه وتصبح أمة هزيلة لا شخصية

стр. 233

لها ولا إرادة، ولا حرية لها ولا كرامة. وكان هذا الفرد هو الذي تدور لأجله عجلة الحياة، فلأجله يتعب الفلاح ويشتغل التاجر ويجتهد الصانع، ويؤلف المؤلف وينظم الشاعر، ولأجله تلد الأمهات، وفي سبيله يموت الرجال وتقاتل الجيوش، بل ولأجله تلفظ الأرض خزائنها ويقذف البحر نفائسه وتستخرج كنوز الأرض خيراتها. وكانت الأمة - وهي صاحبة الإنتاج وصاحبة الفضل في هذه الرفاهية كلها- تعيش عيش الصعاليك، أو الأرقاء المماليك، وقد تسعد بفتات مائدة الملك وبما يفضل عن حاشيته فتشكر، وقد تُحرم ذلك أيضاً فتصبر، وقد تموت فيها الإنسانية فلا تنكر شيئاً بل تتسابق في التزلف وانتهاز الفرص. هذا هو العهد الذي ازدهر في الشرق طويلاً وترك رواسب في حياة هذه الأمة ونفوسها وفي أدبها وشعرها، وأخلاقها واجتماعاتها، وخلّف آثاراً باقية في المكتبة العربية، ومن هذه الآثار الناطقة كتاب ((ألف ليلة وليلة)) الذي يصور ذلك العهد تصويراً بارعاً، يوم كان الخليفة في بغداد أو الملك في دمشق أو القاهرة، هو كل شيء، وبطل رواية الحياة ومركز الدائرة إن هذا العهد الذي يمثله كتاب ((ألف ليلة وليلة)) بأساطيره وقصصه، وكتاب الأغاني بتاريخه وأدبه، لم يكن عهداً إسلامياً، ولا عهداً طبيعياً معقولاً، فلا يرضاه الإسلام ولا يقرّه العقل، بل إنما جاء الإسلام بهدمه والقضاء عليه، فقد كان هذا هو العهد الذي بعث فيه محمد ﷺ فسماه الجاهلية ونعى عليه وأنكر على ملوكه - ككسرى وقيصر - وعلى أثرتهم وترفهم أشد الإنكار. إن هذا العهد غير قابل للبقاء والاستمرار في أي مكان وفي أي زمان ولا سبيل إليه إلا إذا كانت الأمة مغلوبة على أمرها أم مصابة في عقلها أو فاقد الوعي والشعور أو ميتة النفس والروح. إن هذا الوضع لا يقره عقل، ومن الذي يسوّغ أن يتخم فرد أو بضعة أفراد بأنواع الطعام والشراب ويموت آلاف جوعاً ومسبغة، ومن الذي يسوغ أن يعبث ملك أو أبناء ملك بالمال عيث المجانين، والناس لا يجدون من القوت ما يقيم صلبهم ومن الكسوة ما يستر جسمهم، ومن الذي يسوغ أن يكون حظ طبقة - وهي الكثرة - الإنتاج وحده والكدح في الحياة والعمل المضني الذي لا نهاية له، وحظ

стр. 234

طبقة - وهي لا تجاوز عدد الأصابع - إلا التلهي بثمرات تعب الطبقة الأولى من غير شكر وتقدير وفي غير عقل ووعي، ومن الذي يسوغ أن يشقى أهل الصناعة وأهل الذكاء وأهل الاجتهاد وأهل المواهب وأهل الصلاح، وينعم رجال لا يحسنون غير التبذير ولا يعرفون صناعة غير صناعة الفجور وشرب الخمور؟! ومن الذي يسوغ أن تُجفى أهل الكفاية وأهل النبوغ وأهلا الأمانة ويقصوا كالمنبوذين ويجتمع حول ملك أو أمير فوج من خساس النفوس وسخفاء العقول وفاقدي الضمائر ممن لا همَّ لهم إلا ابتزاز الأموال وإرضاء الشهوات، ولا يحسنون فناً من فنون الدنيا غير التملق والإطراء والمؤامرة ضد الأبرياء، ولا يتصفون بشيء غير فقدان الشعور وقلة الحياء. إنه وضع شاذ لا ينبغي أن يبقى يوماً فضلاً عن أن يبقى أعواماً. إنه إن سبق في عهد من عهود التاريخ وبقي مدة طويلة فقد كان ذلك على غفلة من الأمة أو على الرغم منها، وبسبب ضعف الإسلام وقوة الجاهلية، ولكنه خليق بأن ينهار ويتداعى كلما أشرقت شمس الإسلام واستيقظ الوعي وهبت الأمة تحاسب نفسها وأفرادها. فالذين لا يزالون يعيشون في عالم ((ألف ليلة وليلة)) إنما يعيشون في عالم الأحلام، إنما يعيشون في بيت أوهن من بيت العنكبوت، إنما يعيشون في بيت مهدد بالأخطار لا يدرون متى يكبس، ولا يدرون متى تعمل فيه معاول الهدم، وإن سلموا من كل هذا فلا يدرون متى يخر عليهم السقف من فوقهم فإنه بيت قائم على غير أساس متين وعلى غير دعائم قوية. ألا إن عهد ألف ليلة وليلة قد مضى فلا يخدعنّ أقوام أنفسهم ولا يربطوا نفوسهم يعجلة قد تكسرت وتحطمت، إن الملوكية مصباح - إن جاز هذا التعبير - قد نفذ زيته واحترقت فتيلته، فهو إلا إنطفاء عاجل ولو لم تهب عاصفة. إنه لا مجل في الإسلام لأي نوع من أنواع الأثرة، إنه لا محل فيه للأثرة الفردية أو العائلية التي نراها في بعض الأمم الشرقية والأقطار الإسلامية ولا محل فيه للأثرة المنظمة التي نراها في أوربا وأمريكا وفي روسيا، فهي في أوربا أثرة حزب من الأحزاب، وفي أمريكا أثرة الرأسماليين، وفي روسيا قلة آمنت بالشيوعية المتطرفة وفرضت نفسها على الكثرة وهي تعامل العمال والمعتقلين بقسوة نادرة ووحشية ربما

стр. 235

لا يوجد لها نظير في تاريخ السخرة الظالمة (١) . إن الأثرة يجمع أنواعها ستنتهي وإن الإنسانية ستثور عليها وتنتقم منها انتقاماً شديداً، إنه لا مستقبل في العالم إلا للإسلام السمح العادل الوسط وإن طال أجل هذه ((الأثرات)) وأرخي لها العنان وتمادت في غيها وطغيانها مدة من الزمان. إن الأثرة - فردية كانت أو عائلية أو حزبية أو طبقية - غير طبيعية في حياة الأمة وإنها تتخلص منها في أول فرصة إنه لا محل لها في الإسلام ولا محل لها في مجتمع واع بلغ الرشد ولا أمل في استمرارها؛ فخير للمسلمين وخير للعرب وخير لقادتهم وولاة أمورهم أن يخلصوا أنفسهم منها ويقطعوا صلتهم بها قبل أن تغرق فيغرقوا معها. إيجاد الوعي في الأمة: إن أخوف ما يخاف على أمة ويعرضها لكل خطر ويجعلها فريسة للمنافقين ولعبة للعابثين هو فقدان الوعي في هذه الأمة، وافتتانها بكل دعوة واندفاعها إلى كل موجة وخضوعها لكل متسلط وسكونها على كل فظيعة وتحملها لكل ضيم، وأن لا تعقل الأمور ولا تضعها في مواضعها لكل ضيم، وأن لا تعقل الأمور ولا تضعها في مواضعها ولا تميز بين الصديق والعدو وبين الناصح والغاش وأن تلدغ من جحر مرة بعد مرة ولا تنصحها الحوادث ، ولا تروعها التجارب، ولا تنتفع بالكوارث، ولا تزال تولي قيادها من جربت عليه الغش والخديعة والخيانة والأثرة والأنانية، ولا تزال تضع ثقتها فيه وتمكنه من نفسها وأموالها وأعراضها ومفاتيح ملكها وتنسى سريعاً ما لاقت على يده الخسائر والنكبات فيجترئ بذلك السياسيون المحترفون، والقادة الخائنون ويأمنون سخط الأمة ومحاسبتها ويتمادون في غيهم ويسترسلون في خياناتهم وعبثهم ثقة ببلاهة الأمة وسذاجة الشعب وفقدان الوعي.

стр. 236

إن الشعوب الإسلامية والبلاد العربية - مع الأسف - ضعيفة الوعي - إذا تحرجنا أن نقول: فاقدة الوعي - فهي لا تعرف صديقها من عدوها ولا تزال تعاملها معاملة سواء أو تعامل العدو أحسن مما تعامل الصديق الناصح وقد يكون الصديق في تعب وجهاد معها طول حياته بخلاف العدو، ولا تزال تلدغ من جحر واحد ألف مرة ولا تعتبر بالحوادث والتجارب، وهي ضعيفة الذاكرة سريعة النسيان تنسى ماضي الزعماء والقادة، وتنسى الحوادث القريبة والبعيدة، وهي ضعيفة في الوعي الاجتماعي وأضعف في الوعي السياسي، وذلك ما جر عليها وبلاً عظيماً وشقاء كبيراً وسلط عليها القيادة الزائفة وفضحها في كل معركة. إن الأمم الأوربية - برغم إفلاسها في الروح والأخلاق وبرغم عيوبها الكثيرة التي بحثنا عنها في هذا الكتاب - قوية الوعي المدني والسياسي - قد بلغت سن الرشد في السياسة، وأصبحت تعرف نفعها من ضررها، وتميز بين الناصح والخادع، وبين المخلص والمنافق، وبين الكفؤ والعاجز، فلا تولي قيادها إلا الأكفاء الأقوياء الأمناء، ثم لا توليهم أمورهم إلا على حذر، فإذا رأت منهم عجزاً أو خيانة أو رأت أنهم مثلوا دورهم وانتهوا من أمرهم استغنت عنهم وأبدلت بهم رجالاً أقوى منهم وأعظم كفاءة وأجدر بالموقف، ولم يمنعها من إقالتهم أو إقصائهم من الحكم ماضيهم الرائع وأعمالهم الجليلة وانتصارهم في حرب، أو نجاحهم في قضية وبذلك أمنت السياسيين المحترفين، والقيادة الضعيفة أو الخائنة، وخوف ذلك الزعماء ورجال الحكم وكانوا حذرين ساهرين يخافون رقابة الأمة وعقابها وبطش الرأي العام. فمن أعظم ما تخدم به هذه الأمة وتؤمن من المهازل والمآسي التي لا تكاد تنتهي هو إيجاد الوعي في طبقاتها ودهمائها وتربية الجماهير التربية العقلية والمدنية والسياسية، ولا يخفى أن الوعي غير فشو التعليم وزوال الأمية وإن كانت هذه الأخيرة من أنجح وسائلها، وليعرف الزعماء السياسيون والقادة أن الأمة التي يعوزها الوعي غير جديرة بالثقة ولا تبعث حالتها على الارتياح وإن أطرت الزعامة والزعماء وقدستهم فإنها - ما دامت ضعيفة الوعي - عرضة لكل دعاية وتهريج وسخرية كريشة في فلاة تلعب بها الرياح ولا نستقر في مكان.

стр. 237

استقلال البلاد العربية في تجارتها وماليتها: وكذلك لابد للعالم العربي - كالعالم الإسلامي - من الاستقلال في تجارته وماليته وصناعته وتعليمه، لا تلبس شعوبه وجماهيره إلا ما تنبته أرضه وتنسجه يده، وتستغني عن الغرب في جميع شئون حياتها، وفي كل ما تحتاج إليه من كسوة، وطعام، وبضائع، ومصنوعات، وأسلحة وجهاز حربي، وآلات وماكينات، وأدوية، فلا تكون كلاً على الغرب وعيالاً عليه في معيشتها ومتطفلة على مائدته. إن العالم العربي لا يستطيع أن يحارب الغرب - إذا احتاج إلى ذلك ودعت إليه الظروف - وهو مدين له في ماله، عيال عليه في لباسه وبضائعه، لا يجد قلماً يوقع به على ميثاق مع الغرب، إلا الرصاص الذي أفرغ في الغرب، إن عاراً على الأمة يجري ماء الحياة في عروقها وشرايينها إلى أجسام غيرها، وأن يدرب جيوشها وكلاء الغرب وضباطه، ويدير بعض مصالح حكومتها رجاله، فلابد للعالم العربي أن يقوم هو نفسه بحجاته: تنظيم التجارة والمالية، وحركة التوريد والتصدير، والصناعة الوطنية، وتدرب الجيش، وصنع الآلات والماكينات وتربية الرجال الذين يضطلعون بجميع مهمات الدولة ووظائف الحكومة في خبرة ومهارة فنية، وأمانة ونصيحة. تقدم مصر في ميدان التجارة والصناعة والعلم: ولابد هنا من الاعتراف بأن مصر قد أثبتت كفايتها واستعدادها الكبير في ميدان العلم والصناعة، وتربية الرجال، ونشر الثقافة، ونقل العلوم العصرية إلى اللغة العربية، وبواسطتها إلى الأمة العربية، وعنايتها بالصناعة الوطنية، وتنظيم شئون دولتها وماليتها على أساس العلم العصري، أما فضلها على اللغة العربية وإحياؤُها للكتب العربية، وتقدم الصحافة والطباعة وحركة النشر فيها، فمن المأثر والمفاخر التي سيسجلها التاريخ، ويردد صداها المستقبل، ويدين بفضلها العرب جميعاً. رجاء العالم الإسلامي من العالم العربي: والعالم العربي بمواهبه وخصائصه وحسن موقعه الجغرافي وأهميته السياسية يحسن الاضطلاع برسالة الإسلام، ويستطع أن يتقلد زعامة العالم الإسلامي، ويزاحم أوربا بعد الاستعداد الكامل، وينتصر عليها بإيمانه وقوة رسالته ونصر من الله،

стр. 238

ويحول العالم من الشر إلى الخير، ومن النار والدمار إلى الهدوء والسلام. إلى قمة القبلة العلمية: ما أعظم التطور الذي حدث في تاريخ العرب على إثر بعثة محمد ﷺ ونادت به سورة الإسراء وقصة المعرج في لغة صريحة بليغة وفي أسلوب مبين مشرق (١) ، وما أعظم النعمة التي أسبغها الله على العرب. نقلهم من جزيرتهم التي يتناحرون فيها إلى العالم الفسيح الذي يقودونه بناصيته، ومن الحياة القبلية المحدودة التي ضاقوا بها إلى الإنسانية الواسعة التي يشرفون عليها ويوجهونها، وأصبحوا بفضل هذا التطور العظيم الذي فاجأ العرب وفاجأ العالم يقولون بكل وضوح وشجاعة لإمبراطور المملكة الفارسية العظيمة وأركان دولته: ((الله ابتعثنا لنخرج بنا من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام)) . نعم لقد خرجوا من ضيق الدنيا أولاً إلى سعتها ثم أخرجوا الأمم من ضيق الدنيا إلى سعتها آخراً، وهل أضيق من الحياة القبلية والجنسية، وأوسع من الحياة الإنسانية الآفاق؟ وهل أضيق من الحياة التي لا يفكر فيها إلا في المادة الزائلة والحياة الفانية ولا يجاهد إلا في سبيلها من الحياة الإيمانية الروحانية التي لا نهاية لها ولا تحديد.!؟ . لقد خرجوا من ضيق جزيرة العرب، ومن ضيق الحياة فيها، ومن ضيق التفكير في مسائلها ومصالحها، ومن ضيق التناحر على سيادتها، ومن ضيق التكالب على حطامها القليل وملكها الضئيل وعيشها الذليل، إلى عالم جديد من السيادة الروحية والخلقية والعلمية والسياسية، ليس الدانوب الفائض والنيل السعيد والفرات العذب والسند الطويل إلا سواقي حقيرة وترعاً صغيرة فيه، وليست جبال الألب والبرانس وعقاب لبنان وقمم همالايا إلا تلالاً متواضعة وسدوداً صغيرة، وليست

стр. 239

البلاد كالهند والصين وتركستان إلا أحياء ضيقة وحارات صغيرة، ونقطاً مغمورة في هذا العالم، وليست هذه الأرض كلها - إذا نظر إليها من ارتقى إلى قمة هذه السيادة - إلا خريطة صغيرة ملونة يراها الطائر المحلق في السماء، وليست الأمم الكبيرة - مع ثقافتها وحضاراتها وآدابها - إلا أسراً صغيرة في أمة كبيرة. لقد قام العالم الكبيرة على أساس العقيدة الواحدة، والإيمان العميق والصلة الروحية القوية، وكان أوسع عالم عرفه التاريخ وكانت الشعوب التي تكون هذا العالم أقوى أسرة عرفها التاريخ، تنصهر فيها الثقافات المختلفة، والعبقريات المختلفة، فتكون منها ثقافة واحدة هي الثقافة الإسلامية، التي لم تزل تظهر في نوابغ الإسلام الذين لا يحصيهم عدد وفي المآثر الإسلامية - بين علمية وعملية - التي لا يستقصيها التاريخ. لقد كانت - ولا تزال - قيادة هذا العالم بجدارة واستحقاق أشرف قيادة وأعظمها وأقواها في تاريخ الزعامة والقيادة، وقد أكرم الله بها العرب لما أخلصوا لهذه الدعوة الإسلامية وتفانوا في سبيلها، فأحبهم الناس في العالم حباً لم يعرف له نظير، وقلدوهم في كل شيء تقليداً لم يعرف له نظير، وخضعت للغتهم اللغات، ولثقافتهم الثقافات، ولحضارتهم الحضارات، فكانت لغتهم هي لغة العلم والتأليف في العالم المتمدن من أقصاه إلى قصاه، وهي اللغة المقدسة الحبيبة التي يؤثرها الناس على لغاتهم التي نشأوا عليها، ويؤلفون فيها أعظم مؤلفاتهم وأحب مؤلفاتهم، ويتقنونها كأبنائها وأحسن، وينبغ فيها أدباء ومؤلفون يخضع لهم المثقفون في العالم العربي، ويقر بفضلهم وإمامتهم أدباء العرب ونقادهم. وكانت حضارتهم هي الحضارة المثلي التي يتمجد الناس ويتظرفون بتقليدها، ويحث علماء الدين على تفضيلها على الحضارات الأخرى ويطلقون على كل ما يخالفها من الحضارات - اسم ((الجاهلية)) و ((العجمية)) وينهون عن اتخاذ شعائرها ومظاهرها. وبقيت هذه القيادة الشاملة الكاملة مدة طويلة والناس لا يفكرون في ثورة عليها، وفي التخلص منها، كما هي عادة المفتوحين والأمم المغلوبة على أمرها في كل عهد، لأن صلتهم بهذه القيادة ليست صلة المفتوح بالفاتح أو المحكوم بالحاكم أو الرقيق بالسيد القاهر، إنما هي صلة المتدين بالمتدين، وصلة المؤمن بالمؤمن، وعلى

стр. 240

الأكثر إنما هي صلة التابع بالمتبوع الذي سبقه بمعرفة الحق والإيمان بالدعوة والتفاني في سبيلها، فلا محل للثورة، ولا محل للتذمر، ولا محل لنكران الجميل، إنما اللائق أن يعترفون لهم بالفضل، وتلهج ألسنتهم بالشكر والدعاء، وأن يقولوا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ . وهكذا كان، فقد ظلت هذه الأمم المفتوحة تعتبر العرب المنقذ من الجاهلية والوثنية، والداعي إلى دار السلام، والقائد إلى الجنة، والمعلم للحضارة، والأستاذ في الأدب. هذه هي القيادة العالمية التي هيأتها البعثة المحمدية، وهي القيادة التي يجب أن يحرص عليها العرب أشد الحرص، ويعضوا عليها بالنواجذ، ويسعوا إليها بكل ما أوتوا من مواهب ويتواصى بها الآبار والأبناء، ولا يجوز لهم - في شريعة العقل والدين والغيرة - أن يتخلوا عنها في زمن من الأزمان، ففيها عوض عن كل قيادة مع زيادة، وليس في غيرها عوض عنها وكفاية، وهي القيادة التي تشمل جميع أنواع القيادة والسيارة، وهي تسيطر على القلوب والأرواح، أكثر من سيطرتها على الأجسام والأشباح. إن الطريق إلى هذه القيادة ممهدة ميسورة للعرب، وهي الطريق التي جربوها في عهدهم الأول ((الإخلاص للدعوة الإسلامية واحتضانها وتنبيها والتفاني في سبيلها وتفضيل منهج الحياة الإسلامي على جميع مناهج الحياة)) . وبذلك - من غير قصد وإرادة لنيل هذه القيادة وتبوئها - تخضع لهم الأمم الإسلامية في أنحاء العالم، وتتهالك على حبهم وإجلالهم وتقاليدهم، وبذلك تنفتح لهم أبواب جديدة وميادين جديدة في مشارق الأرض ومغاربها، الميادين التي استعصت على غزاة الغرب ومستعمريه وثارة عليه، وتدخل أمم جديدة في الإسلام، أمم فتية في مواهبها وقواها وذخائرها، أمم تستطيع أن تعارض أوربا في مدنيتها وعلومها إذا وجدت إيماناً جديداً، وديناً جديداً، وروحاً جديداً، ورسالة جديدة. إلى متى أيها العرب تصرفون قواكم الجبارة التي فتحتم بها العالم القديم في ميادين ضيقة محدودة؟ وإلى متى ينحصر هذا السيل العرم - الذي جرف بالأمس بالمدنيات والحكومات - في خدود هذا الوادي الضيق، تصطرع أمواجه ويلتهم

стр. 241

بعضها بعضاً؟ إليكم هذا العالم الإنساني الفسيح الذي اختاركم الله لقيادته واجتباكم لهدايته، وكانت البعثة المحمدية فاتحة هذا العهد الجديد في تاريخ أمتكم وفي تاريخ العالم جميعاً، وفي مصيركم ومصير العالم جميعاً فاحتضنوا هذه الدعوة الإسلامية من جديد وتفانوا في سبيلها وجاهدوا فيها ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ .