ينموان على حساب الدين والأخلاق، ولم يزل الأولان في ارتفاع وارتقاء، والآخران في انخفاض وانحطاط، حتى بعدت النسبة بينهما، ونشأ جيل كأنه ميزان لصقت إحدى كفتيه بالأرض وهي كفة القوة والعلم، وخفت الثانية - وهي كفة الأخلاق والدين - حتى ارتفعت جداً، وبينما يتراءى هذا الجيل للناظر في خوارقه الصناعية وعجائبه الكونية وتسخيره للمادة والقوى الطبيعية لمصالحه وأغراضه كأنه فوق البشر إذا هو لا يتميز في أخلاقه وأعماله، في شرهة وطمعه، في طيشه ونزقه، وفي قسوته وظلمه عن البهائم والسباع، وبينما هو قد ملك جميع وسائل الحياة، إذا هو لا يدري كيف يعيش! وبينما هو قد بلغ الغايات ووراء الغايات في الكماليات وفضول الحياة، إذا هو لا يدري كيف يعيش! وبينما هو قد بلغ الغايات ووراء الغايات في الكماليات وفضول الحياة، إذا هو لم يعرف المبادئ الأولية والبديهيات للحياة الإنسانية والمدنية والأخلاق، فتراه يصعد إلى السماء ويريد أن يناطح الجوزاء، وهو لم يتقن شئون الأرض ولم يصلح ما تحت قدميه، وقد خولته العلوم الطبيعية قوة قاهرة وهو لا يحسن استعمالها، كفل صغير أو سفيه أو مجنون يملك أزمَّة الأمور ويؤتى مفاتيح الخزائن، فهو لا يزيد على أن يعبث بالجواهر الغالية والنفائس المخزونة ويعيث في دماء الناس ونفوسهم.
قوة الآلهة، وعقل الأطفال:
يقول الأستاذ ((جود)) الإنجليزي: ((إن العلوم الطبيعية قد منحتنا القوة الجديرة بالآلهة، ولكننا نستعملها بعقل الأطفال والوحوش (١)) .
ويقول في موضع آخر:
إن هذا التفاوت بين فتوحنا العلمية المدهشة، وطفولتنا الاجتماعية المخجلة، نواجهه على كل منعطف ومنعرج نستطيع أن نتحدث من وراء القارات والبحار ونرسل الصور
بالبرق ونركب اللاسلكية في منازلنا، ونستمع في سيلان إلى دقات (Big Ben) - الساعة العظمى - تضرب في لندن، ونركب فوق الأرض
стр. 177
والبحر وتحتهما، والأطفال يتحدثون على الأسلاك البرقية، والآلات الكاتبة صامتة، وتملأ الأسنان من غير إيجاع، والزروع تنمى بالكهرباء، والشوارع تفرش بالمطاط، وأشعة روتنجن (x-rays) نوافذ نطل منها على داخل أبداننا، والصور المتحركة تتكلم وتغني، ويكشف عن المجرمين والمغتالين باللاسلكية، والغواصات تذهب إلى القطب الشمالي والطيارات تطير إلى القطب الجنوبي ومع ذلك كله لا نقدر في وسط مدننا الكبرى أن نخصص رحبة يلعب فيها أطفال الفقراء في راحة وسلام، ونتيجة ذلك أنا نقتل منهم ألفين (٢٠٠٠) ونجرح منهم تسعين ألفاً (٩٠٠٠٠) سنوياً، قال لي فيلسوف هندي في انتقاده اللاذع لإطرائي لعجائب حضارتنا: وكان بعض سواق السيارات قد نجح في قطع ثلثمائة أو أربعمائة ميل في ساعة على رمال (pendine) ، وطارت طائرة من موسكو إلى نيويورك في فترة قليلة من الزمن قال الفيلسوف: نعم! إنكم تقدرون أن تطيروا في الهواء كالطيور وتسبحوا في الماء كالسمك، ولكنكم إلى الآن لا تعرفون كيف تمشون على الأرض (١)) .
ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم:
وقد أصبحت هذه المخترعات والمكتشفات الجديدة - مما كانت تعود على النوع الإنساني بخير كبير لو كان مستعملها يعرف الخير ويقدر أن يتجه إليه - أصبحت وضررها أكبر من نفعها، وكان كما قال القرآن عن السحر: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾ . اسمع شاهداً من أهلها ينتقد هذه المخترعات ويبوح بالحقيقة وهو ((جود)) السابق الذكر:
((وقد استطعنا أن نسافر بسرعة زائدة من مكان إلى مكان، ولكن الأمكنة التي نسافر إليها قلما نصلح للسفر، وقد زويت الأرض للرحالين وتدانت الأمم ووطئ بعضها عتبة بعض، ولكن كان نتيجة ذلك أن توترت العلاقات بينها وأصبحت أسوأ مما كانت، أما المرافق التي استطعنا بها أن نتعارف بجيراننا فقد عادت فحشرت
стр. 178
العالم في الحرب، اخترعنا آلة الإذاعة
وتحدثنا بها إلى الشعوب المجاورة والأمم الشقيقة، ولكن كان عاقبتها أن كل شعب يستنفد موارد الهواء لإيذاء الشعب المجاور ومعاكسته، إذ يجتهد أن يقنعه بفضل نظامه السياسي على نظامه (١)) .
((انظر إلى الطيارة التي تحلق في السماء يخيل إليك أن صانعيها كانوا في علمهم ولباقتهم وصناعتهم فوق البشر، والذي طاروا عليها أولاً لاشك أنهم كانوا في علو همتهم وعزمهم وجرأتهم أبطالاً مغاوير، ولكن انظر الآن إلى المقاصد التي استعملت لها الطيارة وتستعمل لها في المستقبل، إنما هي قذف القنابل وتمزيق جثث الإنسان وخنق الأحياء وإحراق الأجساد وإلقاء الغارات السامة، وتقطيع المستضعفين الذي لا عاصم لهم من هذا الشر إرْباً إرباً، وهذه إما مقاصد الحمقى أو الشياطين (٢)) .
((وما عسى أن يقول المؤرخ غداً كيف كنا نستعمل معدن الذهب؟ سيذكر أنا توصلنا إلى أن نخبر عن الذهب باللاسلكي، وسيستعرض الصور التي تمثل اللياقة والمهارة التي كان أصحاب المصارف يزنون بها الذهب ويعدونه، وكيف تحدينا قانون الجاذبية في نقله من عاصمة إلى عاصمة، وسيسجل أن أشباه الوحوش الذين كانوا ماهرين وجرآء في فتوحهم الصناعية كانوا عاجزين عن التعاون الدولي الذي كان يقتضيه ضبط الذهب والتقسيم الصحيح، وكانوا لا يعنون إلا بأن يدفنوا المعادن بالسرعة الممكنة، وكانوا يستخرجون الذهب والمعادن من بطون الأرض في جنوب إفريقية، ويدفنونها في مصارف لندن ونيويورك وباريس (٣)) .
ويتناول هذه البحث - التفاوت بين العلم والصناعة وبين الأخلاق الإنسانية، وإخفاق الحضارة الحديثة في أداء رسالتها - مفكر آخر يجمع بين العلم بالفلسفة والعلوم الطبيعية في تحليل أدق وأسلوب أعمق وهو الدكتور (Alexis Carrel) في كتابه - الإنسان، ذلك المجهول - (Man the Unknown.) :
стр. 179
((يظهر أن الحضارة العصرية لا تستطيع أن تنتج رجالاً يملكون الابتكار والذكاء والجرأة. وفي كل قطر تقريباً يرى الإنسان في الطبقة التي تباشر إدارة الأمور وتملك زمام البلاد انحطاطاً في الاستعداد الفكري والخلقي.
إننا نلاحظ أن الحضارة العصرية لم تحقق الآمال الكبيرة التي عقدتها بها الإنسانية وإنما أخفقت في تنشئة الرجال الذين يملكون الذكاء والإقدام الذي يسير بالحضارة على الشارع الخطر الذي تتعثر عليه، إن الأفراد والإنسانية لم تتقدم بتلك السرعة التي تقدمت بها المؤسسات التي نبعث من عقولها، إنها هي نقائص القادة السياسيين الفكرية والخلقية وجهلهم الذي يعرض أمم العصر للخطر (١)) .
((إن الوسط الذي أنشأه العلوم الطبيعية وعلم الصناعات للإنسان لا يناسب الإنسان لأنه مرتحل لم يقم على تصميم وتفكير سابق، ولم يراع فيه الانسجام مع شخصية الإنسان، إن هذا الوسط الذي هو وليد ذكائنا واختراعاتنا لا يطابق قاماتنا ولا أشكالنا، نحن غير مسرورين، نحن في انحطاط الأخلاق وفي العقول، أن الأمم التي ازدهرت فيها الحضارة الصناعية وبلغت أوجها هي أضعف مما كانت، وهي تسير سيراً حثيثاً إلى الهمجية ولكنها لا تدرك ذلك، إنه لا حارس لها من المحيط الثائر الذي أقامته العلوم الطبيعية حول هذه الأمم. الحق يقال إن حضارتنا - كالحضارات التي تقدمتها - قد فرضت شروطاً للبقاء ستجعل - لأسباب لا تزال مجهولة - الحياة محالاً، إن علمنا بالحياة وكيف يجب أن يعيش الإنسان متأخر جداً عن علمنا بالماديات، وهذا التأخر هو الذي جنى علينا (٢)) .
((لا يجنى نفع من الزيادة في عدد المخترعات الآلية، لا فائدة في أن نعلق أهمية كبرى على اكتشافات علوم الطبيعية والفلكيات وعلم الكيمياء، أي خير في الزيادة في الراحة والشرف، والجمال والمنظر وكماليات حضارتنا إذا منع ضعفنا من الانتفاع بذلك وتوجيهه إلى صالحنا. إنه لا خير في أحكام طريق للحياة يقصى فيه
стр. 180
العنصر الخلقي وتبعد منه أشرف
عناصر الأمم العظيمة، إن الأليق بنا أن نعنى بأنفسنا أكثر من أن نعنى بصناعة بواخر أسرع وسيارات أربح، وراديوات أرخص، وتلسكوبات لفحص هيكل سديم على بعد سحيق (١))
((ما هو مدى التقدم الحقيقي الذي نحققه حينما تنقلنا إحدى الطائرات إلى أوربا أو إلى الصين في ساعات قلائل؟ هل من الضروري أن نزيد الإنتاج بلا توقف حتى يستطيع الإنسان أن يستهلك كميات أكثر فأكثر من أشياء لا جدوى منها؟ أليس هناك أي ظل من الشك في أن علوم الميكانيكا والطبيعة والكيمياء عاجزة عن إعطائنا الذكاء والنظام الأخلاقي والصحة والتوازن العصبي والأمن والسلام (٢)) .
أوربا في الانتحار:
والحاصل أن الغربيين لما فقدوا الرغبة في الخير والصلاح، وضيعوا الأصول والمبادئ الصحيحة، وزاغت قلوبهم وانحرفت، وفسدت أذواقهم لم تزدهم العلوم والمخترعات إلا ضرراً، كما أن الأغذية الصالحة تستحيل في جسم الممعود والموبوء مرضاً وفساداً، بل لم تزدهم هذه الآلات والمخترعات إلا قوة وسرعة في الإهلاك واستعانة على الانتحار؛ وقد أحسن المستر ايدن Eden رئيس وزراء بريطانيا السابق وصف ذلك في بعض خطبه سنة ١٩٣٨ م:
((إن أهل الأرض كادوا يرجعون في أخريات هذا القرن إلى عهد الهمجية والوحشية، ويعيشون عيشة سكان الكهوف والمغارات، ومن الغريب المضحك أن البلاد والدول تنفق ملايين من الجنيهات على وقاية نفسها من آلة فتاكة تخافها، ولكنها لا تنفق على ضبطها، وإني أتعجب في بعض الأحيان وأقوال: كيف لو زار العالم الجديد زائر من كوكب آخر وهبط إلينا فما عسى أن يشاهده؟ سيجدنا نعد العدة لإهلاك بعضنا، ونتبادل الأنباء عنها ويخبر بعضنا كيف نستعمل هذه الآلات الجهنمية)) .
стр. 181
القنبلة الذرية وفظائعها:
لعل المستر إيدن لما أفضى بهذا الحديث لم يدر بخلده أن العالم المتمدن وعلى رأسه أميركا رسول السلام وزعيم الحضارة والعالم الجديد سيتوصل أثناء الحرب إلى استعمال آلة تبز جميع الآلات والمخترعات في التدمير والتقتيل، وتفوق ذكاء الإنسان وخياله في الهول والفظاعة، قد كانت هذه الآلة هي القنبلة الذرية التي جربتها أمريكا مرة في صحراء نيوميكسيكو، وثانية على رؤوس البشر في مدينة هيروشيما، وبعدها في نجازاكي المدينتين اليابانيتين. وقد أذاع رئيس بلدة (هيروشيما) في ٢٠ أغسطس آب ١٩٤٩ م أن الذين هلكوا في اليوم السادس من أغسطس آب ١٩٤٥ م من اليابانيين يتراوح عددهم بين مائتي ألف وعشرة آلاف ومائتي ألف وأربعين ألفاً (ب- ت) .
يقول المستر استورت (Stuart Gilder) في مقالة نشرتها صحيفة الهند الإنجليزية السيارة (Statesman) في عددها الصادر في ١٦ سبتمبر ١٩٤٥.
يقول البروفسور (Plesh) :
((لا يؤمن على الناس الذين كانوا يبعدون عن المنطقة التي انفجرت فيها القنبلة الذرية بمائة ميل أن يكونوا قد تأثروا بها، فينبغي أن يفحص عنهم فحصاً طبياً، ولا يستغرب أن يصبح الناس يوم ويقرأوا في الجرائد أن علامات الإصابة بطاعون القنبلة الذرية قد ظهرت في الذين يسكنون على آلاف أميال من اليابان.
ويقول البروفسور (م. ي. أولى فنيت) معلم جامعة برمنجهام وعضو الهيئة الصناعية في إعداد القنبلة الذرية:
((من الأمور الخرافية أن يعتقد إنسان أن بريطانيا أو دولة أخرى تستطيع أن تحافظ على سر القنبلة الذرية. إن المبادئ التي قامت عليها صناعة القنبلة الذرية مكشوفة لكل دولة، إن بريطانيا وأميركا استفادتا بتجاريب السابقين وبلغتا إلى نهاية صناعة القنبلة الذرية، ولكنها لا تدوم سراً حربياً إلا لأجل معدود، لأن كل بلاد صناعية تستطيع أن تعد القنبلة الذرية في مدة خمس سنوات وإذا أفرغت جهودها ووجهت قواها إلى صناعتها فيمكن أن تبلغ إلى نهايتها في سنتين)) .
ويقول البروفسور المذكور:
стр. 182
((وأنا على يقين أنه سيظهر في مدة قصيرة على مسرح العالم قنابل تفوق القنابل الأولى بعشرة آلاف طن في قوة الانفجار، وستليها قنابل قوتها مليون طن، ولا ينفع في التوقي منها دفاع أو احتياط، وإن ست قنابل فقط من هذا القبيل تكفي في تدمير إنجلترا على بكرة أبيها، وإن العلماء الروسيين ينجحون في إعداد القنابل في مدة قصيرة جداً)) .
وقد اخترعت أمريكا قنبلة أخرى تفوق القنبلة الذرية في القوة والفظاعة، وهي (Hydrogen Bomb) وقد جرى اختبارها للمرة الثانية في المحيط الهادئ يوم ٢٦ من مارس سنة ١٩٥٤.
وقد ذكر المستر شارلس - ي - ولسن (Charles E. Wilson) سكرتير وزارة الدفاع أن النتائج كانت هائلة لا تكاد تصدق.
وقد ذكر المستر لويس استراس (Lewis Strauss) رئيس لجنة القوة الذرية في أمريكا أن قنبلة هيدروجينية واحدة تستطيع أن تبيد مساحة مدينة نيويورك الواسعة.
وقال العالم الطبعي الشهير ونائب رئيس مجلس الأمن اللواء صاحب سنج في دهلي الجديدة:
إن أربع قنابل هيدروجينية وزن كل واحدة منها مائة طن تستطيع أن تقتل كل نسمة على وجه الأرض، وقد شاع أخيراً أن روسيا اكتشفت القنبلة النيتروجينية (Nitrogen bomb) التي هي أدهى وأمر من القنبلة الهيدروجينية.
والذي خبث لا يخرج إلا نكدا:
وقد تضعضع أساس المدنية الأوربية، كما ذكرنا بتفصيل، ولم يزل بناؤه متزعزعاً، ولم تزده الأيام ولم يزده الارتفاع إلا زيغاً واختلالاً، وفسدت بذرتها، فلم تصلح شجرتها ولم تطلب ثمرتها ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً﴾ .
وقد شرح ذلك في إيجاز الأستاذ السيد أبو الأعلى المودودي في أحد فصول كتابه ((تنقيحات)) بالأوردية قال:
((ظهرت الحضارة الغربية في أمة لم يكن عندها معين صاف ولا نبع عذب للحكمة الإلهية، لقد كان فيها قادة الدين ولكن لم يكونوا أصحاب حكمة ولا علم
стр. 183
ولا شريعة إلهية، ولم يكن عندهم إلا شبح ديني لو حاول أن يسير بالنوع الإنساني على صراط مستقيم في طرق الفكر والعمل لما استطاع، ولم يكن له إلا أن يكون حجر عثرة وسداً في سبيل ارتقاء العلم، والحكمة، وهكذا كان، وكان عاقبة ذلك أن الذين كانوا يريدون الرقي نبذوا الدين بالعراء، واختاروا طريقاً لم يكن دليلهم فيها إلا المشاهدة والاختبار والقياس والاستقراء، ووثقوا بهذه الدلائل التي هي في حاجة بنفسها إلى الهداية والنور، وجاهدوا واجتهدوا باحتذائها في طرق الفكر والنظر والتحقيق والاكتشاف والبناء والتنظيم، ولكن ضلت خطوتهم الأولى في كل جهة وفي كل مجال، وانصرفت فتوحهم في ميادين العلم والتحقيق، ومحاولاتهم في سبيل الفكر والنظر إلى غاية لم تكن صحيحة، إنهم بدأوا وساروا من نقطة الإلحاد والمادية، نظروا في الكون على أنه ليس له إله، نظروا في الآفاق والأنفس على أنه لا حقيقة فيها إلا المشاهد والمحسوس، وليس وراء هذا الستار الظاهر شيء، إنهم أدركوا نواميس الفطرة بالاختبار والقياس ولكنهم لم يتوصلوا إلى فاطرها، إنهم وجدوا الموجودات مسخرة واستخدموها لأغراضهم، ولكنهم جهلوا أنهم ليسوا سادتها ومدبريها، بل هم خلفاء سيدها الحق، فلم يروا أنفسهم مسئولين عنها، ولم يروا على أنفسهم عهدة وتبعة، فاختل أساس مدنيتهم وتهذيبهم، وانصرفوا عن عبادة الله إلى عبادة النفس، واتخذوا إلههم هواهم، وفتنتهم عبادة هذا الإله، وسارت بهم هذه العبادة في كل ميدان من ميادين الفكر والعمل على طريق زائغة خلابة رائعة، ولكن مصيرها إلى الهلاك.
هذا هو الذي مسخ العلوم الطبيعية فصارت آلة الهلاك الإنسان، وصاغ الأخلاق في قالب الشهوات والرياء والخلاعة والإباحة، وسلط على المعيشة شيطان الأثرة والشح والفتك ببني النوع، ودس في عروق الاجتماع وشرايينه سموم عبادة النفس والأنانية والإخلاد إلى الراحة والتنعيم، ولطخ السياسة بالجنسية والوطنية وفروق اللون والنسل وعبادة إله القوة، فجعلها لعنة كبرى للإنسانية.
والحاصل أن البذرة الخبيثة التي ألقيت في تربة أوربا في نهضتها الثانية لم تأت عليها قرون حتى نبتت منها دوحة خبيثة، ثمارها حلوة ولكنها سامة، أزهارها جميلة ولكنها شائكة، فروعها مخضرة ولكنها تنفث غازاً ساماً لا يرى، ولكنه يسمم دم النوع البشري.
стр. 184
إن أهل الغرب الذين غرسوا هذه الشجرة الخبيثة قد مقتوها، وأصبحوا يتذمرون منها، لأنها خلقت في كل ناحية من نواحي حياتهم مشاكل وعقداً لا يسعون لحلها إلا وظهرت مشاكل جديدة، ولا يفصلون فرعاً من فروعها إلا وتطلع فروع كثيرة ذات شوك؛ فهم في معالجة أدوائهم وإصلاح شئونهم كمعالج الداء بالداء وناقش الشوكة بالشوكة، إنهم حاربوا الرأسمالية فنجمت الشيوعية، إنهم حاولوا أن يستأصلوا الديمقراطية فنبت الدكتاتورية، أرادوا أن يحلوا مشاكل الاجتماع فنبتت حركة تذكير النساء (Feminism) وحركة منع الولادة، أرادوا أن يشترعوا قوانين لاستئصال المفاسد الخلقية فاشرأبت حركة العصيان والجناية، فلا ينتهي شر إلا إلى شر، ولا فساد إلا إلى فساد أكبر منه، ولا تزال هذه الشجرة تثمر لهم شروراً ومصائب، حتى صارت الحياة الغربية جسداً مقروحاً، يشكو من كل جزء أوجاعاً وآلاماً، وأعيا الداء الأطباء، واتسع الخرق على الراقع؛ الأمم الغربية تتململ ألماً، قلوبهم مضطربة وأرواحها متعطشة إلى ماء الحياة ولكنها لا تعلم أين معين الحياة، إن الأكثرية من رجالها لا تزال تتوهم أن منبع المصائب في فروع هذه الشجرة، فهم يفصلونها ويستأصلونها من الشجرة ويضيعون أوقاتهم وجودهم في قطعها، إنهم لا يعلمون أن منبع الفساد في أصل الشجرة، ومن السفاهة أن يترقب الإنسان أن ينبت فرع صالح من أصل فاسد، وفيهم جماعة قليلة من العقلاء أدركوا أن أصل حضارتهم فاسد ولكنهم لما نشأوا قروناً في ظل هذه الشجرة - وبأثمارها نبت لحمهم ونشز عظمهم - كلت أذهانهم عن أن يعتقدوا أصلاً آخر غير هذا الأصل يستطيع أن يخرج فروعاً وأوراقاً صالحة سليمة، وكلا الفريقين في النتيجة سواء؛ إنهم يتطلبون شيئاً يعالج سقمهم ويريحهم من كربهم ولكنهم لا يعلمونه ولا مكانه (١)) .
стр. 185
الفصل الرابع
رزايا الإنسانية المعنوية
في عهد الاستعمار الأوربي
ليس من قصدنا الآن أن نبحث عن رزايا الأمم الشرقية الآسيوية في السياسة والاقتصاد والتجارة والصناعة، وخسارتها في ممتلكاتها وانكسارها أمة بعد أمة وقطراً بعد قطر أمام قوة الغرب المادية ودهائه السياسي، فلذلك حديث يطول ولا يسعه هذا المؤلف الصغير، وقد طرق هذا الموضوع كثير من المؤلفين والمؤرخين في الشرق والغرب، وألفوا فيه مؤلفات بين صغير وكبير ومتوسط وأشبعوا فيه الكلام.
ولكن الذي يهمنا - ونحن نتكلم في هذا الكتاب عن خسارة العالم بانحطاط المسلمين واستيلاء الأوربيين بالتبع - رزيئة العالم الإنساني وخطب المجتمع البشري في الروح والأخلاق والنفس، ومعان أسمى من المادة وما يتصل بالجسم والأرض في عهد النفوذ الأوربي العام، وسيل حضارته الجارف، فتلك رزية لا تقبل العزاء، وكسر لا ينجبر، والذين أدركوه قليل، والذين تحدثوا به أقل من أولئك القليل.
ولما كان نظام الحياة الإسلامي هو المنافس للنظام الجاهلي، كان طبعاً رزء المسلمين في عهد انتصار الحكم الجاهلي أكبر، وقسطهم في هذه المصيبة العالمية أوفر، لأن الإسلام والجاهلية ككفتي ميزان، كلما رجحت كفة طاشت الأخرى.
والآن نتحدث عن هذه الرزايا المعنوية رزيئة رزيئة.
بطلان الحاسة الدينية:
ما هي غاية هذا العالم التي ينتهي إليها، ومصيره الذي يصير إليه؟ هل بعد هذه الحياة حياة أخرى؟ وما هو وضعها إذا كانت؟ وهل لهذه الحياة الآخرة تعليمات وإرشادات في الحياة الدنيا؟ ومن أي منبع تستقى هذه المعلومات؟ وما هي الطرق والأسس التي إذا سار
عليها الإنسان كانت حياته الآخرة راضية مرضية؟ وما مصدر هذه الطرق؟ وما هي الطريق المثلى للوصول بعد الموت إلى نعيم لا ينفد وقرة عين لا تنقطع؟ ومن أين تستفاد هذه الطريق؟.
стр. 186
تلك أسئلة ورثها الشرقي أبًا عن جد، وشغلت خاطره، وأزعجت فكره طيلة قرون ولم يقدر أن يذهل عنها ويتناساها حتى في لهوه وزهوره، وكانت هذه الأسئلة حافز نفسه، ونداء ضميره؛ ولم يستطيع أن يتصام عنه ويطوي دونه كشحًا , بل أصغى إليه في رغبة ونصيحة وإخلاص، وأجل هذه الأسئلة من نفسه وحياته المحل الأول , وما زال منذ آلاف من السنين في أخذ ورد ونقض وإبرام في هذا الموضوع ,وليس ما نسميه ما وراء الطبيعة والفلسفة الإلهية , والإشراق والرياضة النفسية , والعلم والحكمة إلا محاولات ومغامرات في هذا الطريق الطويل المظلم ,وارتيادًا إثر ارتياد في مناطق مجهولة , ينئ عن اهتمام الشرق البليغ بهذا الموضوع ورغبته الملحة فيه.
هذه طبيعة الشرقي وطبيعة أكثر أفراد البشر في الأقاليم المعتدلة قبل ظهور الغربيين؛ وإن استعرنا لذلك لغة الفلاسفة وتعبيرهم قلنا: لم يزل في الناس _ عدا حواسهم الظاهرة الخمس _حاسة سادسة يسوغ أن نسميها بالحاسة الدينية , وكما أن الحواس الظاهرة لها دوائر عمل تحصل فيها محسوساتها الخاصة بها فللعين مبصرات وللأذن مسموعات الخ. كذلك هذه الحاسة الدينية لها ثمرات وتأثيرات هي من خواص هذه الحاسة التي لم تزل لأهل الشرق ضربة لازب , وكما أن من فقد حاسة من الحواس الظاهرة بطلت محسوساتها الخاصة بها , فلا تحصل له بحاسة أخرى إلا بطريق خرق العادة , ولا تحل حاسة مهما كانت قوية وصحيحة محل الحاسة الأخرى, كذلك من فقد الحاسة الدينية لطارئ مؤثر أو حرمها لنقص في الفطرة بطلت نتائجها الخاصة بها , وانعدمت في حقه , بحيث لا يستطيع أن يتصورها أو يصدقها , شأن الأعمى لا يبصر الألوان والأجرام المرئية , وقد يعاند ويكابر في إنكارها , وشأن الأصم الذي ليست الدنيا الصاخبة إلا مدينة الأموات عنده , ليس بها داع ولا مجيب؛ كذلك من حرم الحاسة الدينية جحد الغيب , وكابر فيما هو وراء الطبيعة وعاند في المعاني الدينية , وقسا على الرقائق والقوارع التي تهز النفوس , وترقق القلوب وتذرف العيون.
стр. 187
* ما لجرح بميت إيلام *
أشد العقبات التي واجهها الأنبياء والدعاة الدينيون , واصطدمت بها خطبهم ومواعظهم ودعوتهم , هم أولئك الذين حرموا الحاسة الدينية أو فقدوها بتاتًا , والذين تحجرت قلوبهم وماتت نفوسهم في مسألة الدين, والذين آلوا على أنفسهم أنهم لا يفكرون في أمر الدين وأمور الآخرة , ولا يلقون السمع لهذا الموضوع أصلاً , والذين لما سمعوا كلام النبي الذين تجيش له الصدور وتلين له الصخور , ما زادوا أن قالوا في صمم وإعراض: ﴿إِنْ هِيَ إِلّاحَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ولما انتهى النبي من كلامه السائغ المعقول الذي يفهمه الأطفال , والذين كان بلغتهم الفصيحة قالوا: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً﴾ , ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ .
لاشك أن هذه الأسئلة كانت موضوع دراسة العلماء والمفكرين في فجر النهضة الأوربية الجديدة , واستمروا يبحثون فيها ويؤلفون ويتناقشون , ولكن كلما قطعت المدنية الأوربية شوطًا تخلفت هذه المباحث والأسئلة شوطًا؛ ولما ظهرت خواص هذه المدنية الباطنة وتجلت هي في مظهرها المادي خفت - في ضجتها - هذا الصوت الذي كان ينبع من أعماق القلب وقرارة الضمير الإنساني الحي , ولا ينكر أن هذه الأسئلة تدرس في قسم الفلسفة وعلوم ما وراء الطبيعة في المدارس والمجامع العلمية والمكاتب العامة , ويتباحث فيها العلماء المتخصصون وتظهر لهم في هذا الموضوع تأليفات بين آونة وأخرى؛ ولكن الذي لاشك فيه أنها فقدت سلطانها على القلوب والأفكار وامحت علامة الاستفهام الواضحة النيرة التي كان يراها كل إنسان عاقل فيقف أمامها كما تقف القطر أمام الإشارات , وأصبحت هذه الاستفسارات لا تحيك في صدر الإنسان ولا تشغله كما كانت تشغل آباءه وتحيك في صدوهم , ولم يكن ذلك عن إيمان وانشراح صدر وطمأنينة قلب واقتناع بحل صحيح وارتياح إلى نتيجة حاسمة. كلا! لم يكن ذلك إلا لأن هذه الأسئلة قد فقدت أهميتها وأخلت مكانها لأسئلة مادية أهم في أعين أبناء القرنين التاسع عشر والعشرين منها , ولأن رجل العصر قد لزم الحياد التام في هذه المسائل وصرف النظر عنها , فلا عليه إن كانت بعد هذه الحياة حياة ثانية وكانت الجنة والنار
والثواب
стр. 188
والعقاب والنجاة والهلاك أو لم تكن , فلا يهمه شيء من ذلك لا سلبًا ولا إيجابًا , لأن شيئاً من ذلك لا يمس مسائلة اليومية أو في آخر الشهر , ولا يتصل بشخصه ولا يترك عاجلاً بآجل ولا يتكلف ما لا يعنيه فيترك هذه المباحث ((الفارغة)) يبحث فيها معلم الفلسفة في الجامعة ويفضي فيها برأيه المؤلف في هذه الموضوع. أما هو فهو رجل جد وعمل، لا يعرف إلا حياة المصانع والإدارات وسير الماكينات ولا يهتم إلا بتسلية النفس وترويحها في آخر النهار والنوم الهادئ في آخر الليل والأجرة في آخر الأسبوع أو الراتب في أواخر الشهور وحساب الأرباح في أخر السنة وإعادة الصحة والشباب في آخر العمر وأما ما بعد الحياة فهو عنده مجهول ووهم من الأوهام: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ﴾ .
إن هذا الضرب من الناس لا يزال يزداد عدداً وأهمية في كل أمة وبلاد بتأثير الحضارة الغربية، ذلك الضرب من الناس لم يترك واشتغالهم بالحياة الدنيا والعكوف عليها فراغاً لدعوة دينية، وإن الذين يدعوهم إلى الدين والحياة الأخروية ليتحير معهم كما يتحير السندباد البحري - كما تروي لنا حكاية ألف ليلة وليلة - مع بيضة العنقاء، ظنها السندباد البحري بناء من رخام فدار حولها عدة مرات ليبحث عن باب يدخل منه فلم يجد، كذلك الداعي الديني يدور حول رؤوسهم فلا يجد منفذاً يدخل منه إلى عقولهم، ويدخل به دعوته الدينية إلى نفوسهم، فقد أقفلت الحياة المادية ومسائلها جميع أبوابها وسدت جميع نوافذ فكرهم.
وكما أن رجلاً لم يحظ من الفطرة بالذوق الأدبي، يسمع الألحان الجميلة والأبيات الرقيقة فلا يعدها إلا أصواتاً لا فن فيها، كذلك الذي حرم الحاسة الدينية لا تؤثر فيه دعوة الأنبياء وخطب الوعاظ، وحكمة العلماء وأمثال الصحف السماوية، وتضيع فيه بلاغة البلغاء وإخلاص المخلصين، ويصبح كل ذلك صيحة في واد ونفخة في رماد:
لقد أسمعت لو ناديت حياً *** ولكن لا حياة لمن تنادي
والذي مني بهذا الضرب من الناس يفهم السر في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ ، ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ
стр. 189
أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ وتظهر له حقيقة قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ
الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ ولم يلق في شرحها وتعليلها ما لقيه المفسرون الذين لم يشاهدوا هذا النوع من صعوبة.
داء هذا العصر الذي لا ينجح فيه الدواء ولا يؤثر فيه العلاج هو الاستغناء التام عن الدين، ولم يلق رجال الدعوة الدينية من العنت والشدة في أحط أدوار الفسق والفجور وفي أحلك عهود المعصية والغفلة، ما يلاقونه في دعوة هؤلاء الذين لزموا الإعراض التام في هذه المسائل (الكلامية) فلا تعنيهم سلباً ولا إيجاباً ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ .
وقد فطن لهذا الفرق الجوهري بين النفسية القديمة والجديدة أحد كبار معلمي الفلسفة وعلم النفس في إحدى جامعات أوربا الكبرى وشرحه في عبارة وجيزة. قال س م جود:
((ثارت في قديم الزمن شكوك واعتراضات وأسئلة واستفسارات حول الدين، لم يطمئن بعض أصحابها ولم يرتاحوا إلى جواب مقنع، ولكن مما يمتاز به هذا الجيل أنه لا تزعجه الأسئلة رأساً، ولا تحيك في صدره ولا تنشأ في هذا العصر أصلاً)) .
زوال العاطفة الدينية:
لما طغى بحر المادية في العالم الإسلام في العهد الأخير وفاض، كون رجال الدين جزراً صغيرة في بحر المادية المحيط، يلجأ إليها الفارون إلى الله والمتبرمون من الحياة المادية والغفلة، كان فيها رجال هم كمنارات النور في البحر الظلمات يربون الناس التربية الدينية والخلقية، ويزكون أنفسهم ويصقلون قلوبهم.
وكنت ترى في العالم الإسلامي حركة مستمرة إلى هذه الجزر؛ فترى قوافل لرواد الروحانية ومنتجعي التربية الدينية غادية رائحة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ومن أقصى شمال العالم الإسلامي إلى أقصى جنوبه، متخطية الثغور السياسية مجتازة العقبات الجغرافية، فترى هذه الجزر مستعمرات دينية، قد أمحت فيها الفروق الجنسية والوطنية، وترى متحفاً إنسانياً قد اجتمع فيه الشرقي مع الغربي والبخاري مع المغربي والأناضولي مع الأندنوسي، قد فروا بدينهم من الفتن ورموا
стр. 190
بأنفسهم على عتبة ربهم، يدعون ربهم بالغداة
والعشي يريدون وجهه ويتلقون التربية الدينية ثم ينبثون في أنحاء العالم دعاة مصلحين ومعلمين مرشدين، يلتقطون نصيب الله من بين نصيب الشيطان ويحيون أرضاً مواتاً من القلوب، ويبذرون فيها بذور الدين.
وكذلك لم تزل في جنب أقوى الدول وأوسعها دول روحية يفوق سلطانها الروحي سلطان المادي، فيها رجال تأتيهم الدنيا راغمة ويأتيهم الملوك والأمراء صاغرين، ولهم نظام كنظام الدول ينصبون ويقرون وينقلون ويستخلفون، ولهم ((قناصل وسفراء)) في كل دولة مادية وكأن خارطة العالم الإسلامي بين أيديهم، فإذا خلا ثغر من ثغور الإسلام نصبوا فيه مرابطاً دينياً يحفظه من عادية الغفلة والمعصية، ويحرسه من غاشية الجهل والطغيان (١) .
وكانت هذه الدول الروحية مستقلة في إدارتها ونظامها الداخلي، لا يتداخل فيها الملوك والأمراء ولا تؤثر فيها التقلبات السياسية والحوادث المحلية؛ ولضرب لذلك مثلاً بالمستعمرة الروحية المعروفة بغياث فور، التي أنشأها الشيخ نظام الدين البداوني الهندي ((م ٧٢٥ هـ)) في نفس عاصمة الهند وقد عاصر الشيخ ثمانية من الملوك الجبابرة ((من غياث الدين بلبن ٦٦٤ - ٦٨٦ إلى غياث الدين تغلق ٧٢٠ - ٧٢٥)) وحافظت على استقلالها التام من غير أن تمسها يد الملوك، وكنت ترى فيها رجالاً من سنجر في إيران إلى رجال من أوده في شرق الهند.
وقد كان لهذه المراكز ولأصحابها الفقراء من المهابة والحشمة والاحترام الفائق ما قد يحسدهم عليه أكبر ملوك العالم، وقد يكون هذا سبب الوحشة بينهم، وما ذاك إلا لإقبال الناس على رجال الدين واحتفائهم والخضوع للسلطان الروحي، فكان السيد آدم البنوري الهندي (م ١٠٥٣ هـ) دفين البقيع يأكل على مائدته كل يوم ألف رجل، ويمشي في ركابه ألوف الرجال ومئات من العلماء، ولما دخل السيد
стр. 191
في لاهور عام ١٠٥٣ كان في معيته عشرة آلاف من الأشراف والمشايخ وغيرهم، حتى توجس شاهجان ملك الهند منه
خيفة، فأرسل إليه بمبلغ من المال، ثم قال له: قد فرض الله عليك الحج فعليك بالحجاز، فعرف إيعاز الملك، وسافر إلى الحرمين حيث مات (١) .
وهذا الشيخ محمد معصوم (م ١٠٧٩) ابن الشيخ الكبير أحمد السرهندي قد بايعه وتاب على يده تسعمائة ألف من الرجال، واستخلف في دعاء الخلق إلى الله وإرشاد الناس وتربيتهم الدينية سبعة آلاف من الرجال (٢) .
وهذه ابنه الشيخ سيف الدين السرهندي (م ١٠٩٦) كان يأكل على مائدته ألف وأربعمائة، ويقترحون الأطعمة ويتخيرونها (٣) .
وهذا الشيخ محمد زبير السرهندي (م ١١٥١) كان إذا خرج من بيته ألقى له الأغنياء الشيلان والمناديل حتى لا يطأ الأرض، وإذا خرج لعيادة مريض أو لبعض شأنه خرج في ركابه الأغنياء والأمراء فكان موكباً مثل مواكب الملوك (٤) .
وهذه أمثلة قليلة لا نقصد منها إلا الاستدلال على ما كان للدين من مكانة وشرف في عيون الناس، وعلى ما كان من احتفاء برجاله ومن يمثلونه، وخضوعهم لسلطان الدين فوق سلطان القوة، وتهافتهم على موارد الدين ومشارعه، وهذه أمثلة التقطناها على عجل من تاريخ الهند الإسلامي ولمحات عابرة فيه؛ ولو ذهبنا نستقصي أمثلته وشواهده من تاريخ الإسلام العام ومن تراجم الرجال الدينيين وسيرهم في بلاد الشام ومصر والمغرب الأقصى والعراق لكان مجلداً كبيراً - ونكتفي هنا بذكر الشيخ خالد الكردي (م ١٢٤٢ هـ) الذي ازدحم الناس عليه في بغداد يتوبون على يديه ويستفيدون منه، وقد أخبر شيخه في رسالة كتبها إليه أن مائة من العلماء الفحول قد تخرجوا عليه، وأن خمسمائة من كبار العلماء قد دخلوا في بيعته، وأما
стр. 192
العوام والخواص فلا يأتي عليهم حصر (١) .
واستمر هذا الإقبال على الدين والهجرة في طلب العلم النافع والعمل الصالح، وتجشم الأسفار والأخطار لزكية النفس وتهذيب الخلق والتوصل إلى معالم الرشد والاستعداد للآخرة
إلى أول عهد الاستعمار الأوربي؛ فترى في كل قطر إسلامي مراكز دينية وملاجئ روحية يأوي إليها أهل الطلب من سائر الآفاق، وتخطبهم الدنيا والمناصب العالية في الحكومات فيأبون إلا فراراً، ويلجأون إلى هذا المحيط الهادئ الروحي، ويكبون على إصلاح باطنهم وسل حظ الشيطان منه.
وتتعدى في الحضارة إلى أواسط القرن الثالث عشر الهجري وقد احتل الإنجليز الهند، ولما تؤثر حضارتهم وفلسفة حياتهم في مجتمع البلاد، فترى بقايا من الحياة الدينية الأولى، ويحدثنا مؤرخ (٢) عن زاوية الشيخ غلام علي الدهلوي، (م ١٢٤٠ هـ) فيقول:
((رأيت بعيني في هذه الزاوية رجالاً من الروم والشام وبغداد ومصر والحبشة قد بايعوا الشيخ، وعدوا المثول بين يديه حسنة الدهر وسعادة العمر. أما الوافدون من البلاد القريبة كالهند وأفغانستان فكانوا كالجراد، ولا يقل عدد المقيمين في هذه الزاوية عن خمسمائة رجل تقوم الزاوية بنفقاتهم (٣)) .
ويجيل الشيخ رؤوف أحمد المجددي نظره في رجال هذه الزاوية اليوم الثامن والعشرين من جمادى الأولى عام ١٢٣١ هـ فيجد رجالاً من سمرقند وبخارى وتاشقند وحصار وقندهار وكابل وبشاور وكشمير والملتان ولاهور وسرهند وأمروهه وسبنهل ورامبوا وبريلي ولكهنؤ وجائس وبهرائج وكوركهبور وعظيم آباد ودماكه، وحيدر آباد، وبونه وغيرها (٤) .
стр. 193
وليعرف أن هذا كله في زمان لم تحدث فيه طرق النقل الحديثة فكان كله مشياً على الأقدام وسفراً في القوافل.
وتتجلى المناظر الأخيرة لهذا العهد الراحل في تاريخ مصلح الهند الكبير والمجاهد الشهير السيد الإمام أحمد بن عرفان الشهيد (١٢٤٦ هـ) فإذا قرأت تاريخه وجولاته في الهند لأجل بث دعوته إلى التوحيد واتباع السنة والجهاد رأيت ألوفاً يتوبون من الذنوب والآثام والشرك والمحدثات، حتى تقفر الحانات وتغص المساجد، ويتسابقون في دعوته هو ورفقته الذين
يعدون بالمئات إلى بيوتهم وصنع الولائم لهم، ويستهينون في سبيل ذلك بالأموال، ويسترخصون كل عزيز وغال حتى يتقارعوا بينهم أيهم يبدأ وأيهم يتقدم.
وترى في المسلمين شهامة في سبيل الدين وعلو همة وسماحة نفس وأريحية لا تعهدها بعد ذلك، فلما خرج السيد للحج عام ١٢٣٦ هـ ورفقته أكثر من سبعمائة رجل ضيف المسلمون هذا الركب في كل محل يمر به، من راي بريلي مسقط رأسه إلى كلكته حيث ركبوا السفن، ولما نزل بالله آباد ضيَّفه الشيخ غلام علي، وأقام هذا الركب ضيفاً عليه خمسة عشر يوماً، واجتمع الناس من القرى والضواحي وكلهم يأكلون على مائدة الشيخ الطعام الفاخر، هذا عدا الهدايا التي أهداها إلى أهل الركب والكسوة والزاد الذي قدمه، وفي أثناء الرجوع لما حلت القافلة قريباً من مدينة مرشد آباد في طريقها من كلكته إلى راي بريلي قام ديوان غلام مرتضى بضيافتهم وأعلن في السوق أن كل من يشتري من أهل القافلة أو يستأجر منهم أهل الصناعة فهو يؤدي الثمن من عنده، وكلمه السيد في هذا فقال: حسبي من الفخر والشكر أني أقوم بخدمة الحجاج.
وترى في الناس رقة في القلوب وانقياداً للحق وخضوعاً للشرع، فقد تشرف بالبيعة والتوبة مئات ألوف من المسلمين في هذا السفر، وكان الناس ينهالون من كل صقع ويدخلون في الخير أفواجاً، حتى إن المرضى في مستشفى مدينة بنارس أرسلوا إلى السيد يقولون: إنا رهائن الفراش وأحلاس الدار فلا نستطيع أن نحضر فلو رأى السيد أن يتفضل مرة حتى نتوب على يديه لفعل، وذهب السيد وبايعهم.
وأقام في كلكته شهرين، ويقدر أن الذين كانوا يدخلون في البيعة لا يقل عددهم عن ألف نسمة يومياً، وتستمر البيعة إلى نصف الليل، وكان من شدة
стр. 194
الزحام لا يتمكن من مبايعتهم واحداً واحداً فكان يمد سبعة أو ثمانية من العمائم والناس يمسكونها ويتوبون ويعاهدون الله، وكان هذا دأبه كل يوم سبع عشرة أو ثماني عشرة مرة.
وخطب السيد في الناس في كلكته خمسة عشر أو عشرين يوماً، وكان يحضر هذه المواعظ نحو ألفين من وجهاء البلد والعلماء والشيوخ فضلاً عن عامة الناس والدهماء، وكذلك رفيقه الشيخ عبد الحي البرهانوي كان يذكر كل يوم جمعة ويوم الثلاثاء بعد صلاة
الظهر إلى العصر، والناس يتساقطون عليه كالفراش؛ ويسلم كل يوم عشرة أو خمسة عشر رجلاً من الكفار.
وكان من تأثير هذه المواعظ ودخول الناس في الدين وانقيادهم للشرع أن تعطلت تجارة الخمر في كلكته وهي كبرى مدن الهند ومركز الإنجليز , وكسدت سوقها وأقفزت الحانات واعتذار الخمارون عن دفع ضرائب الحكومة متعللين بكساد السوق وتعطيل تجارة الخمر.
ولما دعا السيد الإمام إلى الجهاد لبى الناس من كل طبقة دعوته في نشاط وحماسة ولحقوا به , وترك الفلاحون سكتهم وأقفل التجارة دكاكينهم وغادر الناس أوطانهم وتغربوا في دين الله ولم يتلفتوا إلى ما وراءهم ولم يلووا على شيء حتى قتلوا في سبيل الله في وادي بالا كوت عام ١٢٤٦هـ في الثغور , ورجع فلهم إلى قلل الجبال فاعتصموا بها وقضوا نحبهم في الجهاد.
هذا كله والحضارة الإسلامية في الهند في الاحتضار والحكومة الإسلامية في انهيار , ولكن لم يزل في الناس بقية من الأنفة الإسلامية والحمية الدينية والإنابة إلى الله والفرار إليه وسرعة الإجابة للداعي إلى الله , والاستهانة بالحياة الدنيا وبذل النفوس والنفائس في سبيل الله.
ورسخت قدم الإنجليز وأصبح نظامهم التعليمي - وهو من أكبر جنودهم - يؤتي أكله حين، وتسربت في الناس أفكارهم وميولهم، فصارت تقلب نظام الحياة ونظام الفكر في الهند رأساً على عقب من حيث لا يشعر أهلها فتقاصرت الهمم في الدين وخمدت جذوة القلوب وانطفأت شعلة الحياة الدينية، وانصرفت الرغبات والأهواء والتنافس الطبيعي - الذي هو الدافع الأكبر إلى التقدم والإبداع - من الدين والروحانية إلى المعاش والمادة، وقلت مرغبات الجهد في الدين والعلم وما
стр. 195
يتصل بالروح والقلب، وتوافرت المزهدات والمثبطات عنه، وكثرت الدواعي والحافزات إلى ضده، واتجه تيار الذي والنبوغ والعبقرية - الذي كان متجهاً من قبل إلى الدين - من صنوف الدين وأقسام العلم الديني والروحي، إلى الإنتاج والإبداع في أنواع علوم المعاش ومرافق الحياة.
وكان لا يزال بالعهد الراحل رمق وبقية من حياة تنازع الموت وتحاول البقاء، فكان لا يزال في الناس رجال يدعون إلى الدين وإصلاح النفوس وتزكيتها وتهذيب الأخلاق وتصفيتها وهم تذكار لسلفهم في زهدهم في الدنيا والإقبال على الآخرة والإخلاص واتباع السنة،
وكانت لا تزال لهم دعوة في الناس، والمسلمون يعدون الاتصال بهؤلاء والتمسك بأهدابهم حقاً من حقوق الدين وواجباً من واجبات الحياة، وكان بعض الأغنياء والأمراء وأرباب الدنيا، لهم اهتمام زائد بحسن الخاتمة وأمور الآخرة وصلاح القلب وعمارة الباطن، ولكن كان هذا كله أشبه بالتهاب السراج قبل الانطفاء، فقد ذوى أصل الشجرة الدينية، وانقطعت عنها مادة الحياة، وهبَّ عليها إعصار فيه نار.
سرى الشك وسوء الظن في الأوساط الدينية والبيوت العريقة في الدين والعلم بتأثير المحيط وبتأثير التعاليم الإفرنجية وضعفت الثقة بالله وبصفاته وبمواعيده، فأصبح الآباء يضنون بأولادهم على الدين، ولا يخاطرون بأوقاتهم وقواهم في سبيل الدين وعلوم الدين، وأصبحوا يعلمونهم العلوم المعاشية واللغات الإفرنجية، لا رغبة في تحصيل المفيد النافع ولا دفاعاً عن الإسلام بل زهداً في الدين وفراراً من خطر المستقبل وخوفاً على أفلاذ أكبادهم من الضياع واستسلاماً للدهر المتقلب، وتسلط عليهم خوف الفقر حتى أصبحوا من خوف الموت في الموت.
وهكذا انقرض هذا الجيل وطوي هذا البساط، ولفظ هذا العهد الروحي نفسهُ الأخير، وتلاه عهد المادة، وأصبحت الدنيا سوقاً ليس فيها إلا البيع والشراء.
طغيان المادية والمعدة:
رووا أن شاعرة جاهلية هي ((كبشة بنت معد يكرب)) عاتبت أخاها عمرو بن معد يكرب، وعيرته بميله إلى قبول دية أخيه المقتول فقالت:
стр. 196
ودع عنك عمْراً إن عمْراً مسالم *** وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم؟
ما تتصور المرأة الجاهلية البسيطة أن بطن إنسان يتجاوز مقدار شبر فكيف لو رأت معدة الإنسان الحاضر ابن القرن العشرين؛ تضخمت وكبرت حتى وسعت الأرض وتجاوزت حتى أصبحت لا يملؤها إلا التراب.
نعم تضخمت معدة الحرص في الإنسان حتى صارت لا يشبعها مقدار من المال، وتولد في الناس غليل لا يُرْوى وأُوارٌ لا يُشفى، وأصبح كل واحد يحمل في قلبه جهنم لا تزال تبتلع
وتستزيد، ولا تزال تنادي هل من مزيد؟ هل من مزيد؟ تسلط على الناس - أفراداً وأمماً - شيطان الجشع والحرص فكأن بهم مساً من الجنون، وأصبح الإنسان نهما يلتهم الدنيا التهاماً، ويستنزف موارده حلالاً وحراماً، ثم لا يرى أنه قضى لبانته وشفى نفسه، والعهدة في ذلك على وضع الحياة الحاضرة وطبيعتها وكونها مادية صرفة لا تؤمن بالآخرة. وخليق بمن لا يعتد إلا بحياته الدنيا ولا يرى وراءها عالما آخر وحياة ثانية أن تكون هذه الحياة بضاعته ورأس ماله وأكبر همه وغاية رغبته ومبلغ علمه، وأن لا يؤخر من حظوظها وطيباتها ولذائذها شيئاً وأن لا يضيع فرصة من فرصها، ولأي عالم يدخر وهو لا يؤمن بعالم وراء هذا العالم، ولا بحياة بعد هذه الحياة؟
وقد عبر عن هذه النفسية الجاهلية الشاعر الجاهلي الشاب طرفة بن العبد في صراحة وبساطة فقال:
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي *** فدعني أبادرْها بما ملكت يدي
كريم يروِّي نفسه في حياته *** ستعلم إن متنا غداً أينا الصَّدِي
وكل إنسان متمدن اليوم - إلا من عصمه الله بالإيمان - يرى هذا الرأي ويذهب هذا المذهب في الحياة، إلا أنه قد يجرؤ على أن يصرح به، وقد لا يملك ذلك اللسان البليغ الذي يعبر عن ضميره؛ والسبب الثاني: - هو الأدب العصري - بمعناه الواسع - الذي لا يتحدث إلا عن المادة وأصحابها، ويخنع لأهل الثراء
стр. 197
وأصحاب الاحتكار وأصحاب الإنتاج، الخنوع الذي لا يليق بالأدب الشريف العالي، فيكتب دقائق حياتهم في تفصيل، وينشر ألقابهم وأسماءهم بقلم عريض وكل نفس من أنفاس مدحه وتقريظه وكل فصل من فصول روايته ينتهي إلى نتيجة مادية أو إلى بطل من أبطال المادة، ويزين للقارئ المذهب الأبيقوري تارة بالتلميح وتارة بالتصريح، ويحث الشباب على التهام الحياة وانتهاب المسرات نثراً وشعراً وفلسفة ورواية وتحليلاً وتصويراً، فلا ينتهون منه إلا بالروح المادية والتقديس لرجال المادة.
وكذلك المجتمع الذي لا يقدر إلا الغني الظريف متناسياً كل ما فيه من رذيلة ولؤم أصل وسوء خلق، ويتجنى على الإنسان الذي لا يترجح في ميزانه مهما كثرت مواهبه وطاب عنصره وسما جوهره، ويلمِّح وقد يصرح بأن الفقير لا يستحق الحياة، ويعامله معاملة
الدواب والحمير والكلاب، فيرغم الإنسان - إذا لم يكن ثائراً على المجتمع - على أن يخضع لشريعة مجتمعه، وأن يتجمل ويتظرف لمجتمعه، فلا يلبس إلا لغيره ولا يتأنق إلا لغيره.
وهذا المجتمع لا تزال مقاييسه للشرف والظرافة تتغير ومعاييره للإنسانية تتبدل وتتحول ومطالبه تتنوع وتتكثر، حتى يضيق الإنسان بها ذرعاً ويلجأ إلى طرق غير شريفة لتحصيل المال وإلى كدح وكد في الحياة، وهناك هموم تتوالى ولا تنتهي ومتاعب تتسلسل ولا تنقطع.
وزاد الطين بلة تنافس المصانع والمنتجين والصناع؛ ففي كل صباح يتدفق على المدينة سيل جديد من أحدث المنتجات وأحدث طراز من السيارات والسجائر والأزياء والقبعات والأحذية والأدهان والأطلية وأسباب الزينة والزخارف والأجهزة ولا يجلب منها شيء قياماً بالواجب وسدّاً للعوز، بل كله في سبيل الاستغلال الصناعي والاحتكار التجاري، ولا تلبث هذه المنتجات التي هي من فضول الحياة أن تدخل في أصول المعاش ولوازم المدينة، والذي لا يتحلى بها لا يعد من الأحياء.
ولهذه الأسباب ولغيرها ارتفعت قيمة المال في عيون الناس ارتفاعاً لم تبلغه في الزمن السابق، وبلغ من الأهمية والمكانة مبلغاً لم يبلغه - على ما نعرفه - في دور من أدوار التاريخ المدون، وأصبح المال هو الروح الساري في جسم المجتمع البشري والحافز الأكبر للناس على أعمالهم ونشاطهم المدني، وقد يدفع المخترع إلى الاختراع
стр. 198
والصانع إلى صناعته والسياسي إلى مقالته والمرشح إلى انتخابه والعالم إلى تأليفه، حتى القادة إلى الحرب، فهو القطب الذي تدور حوله رحى الحياة العصرية كما يقول الأستاذ ((جود)) معلم الفلسفة وعلم النفس في جامعة لندن: ((إن النظرية المهيمنة السائدة على هذا العصر هي النظرية الاقتصادية، وأصبح البطن أو الجيب ميزاناً لكل مسألة فبمقدار اتصالها بالجيب وتأثيرها فيه يقبل الناس عليها ويعنون بها)) .
إذا حكمت على عصرك وطبائعه وأذواقه وأنت بمعزل عن الحياة، وبنيت حكمك على مؤلفات ومقالات إنما تكتب في زاوية من زوايا الكتب فإنك تغالط نفسك، وقد تقرأ في هذه الكتب الفلسفية أو المقالات العلمية التحليلية كأنك في عصر متمدن راق تتحكم فيه معايير الأخلاق وتسود فيه المثل العليا ويغشاه سحاب الفضيلة والنبل، وتحلق عليه روح الديانة والعلم، ولكن الواقع غير ذلك، فإن هذه الكتب إنما ألفت في عالم الخيال الذي يعيش فيه
مؤلفوها، وإن أهواءهم وأذواقهم هي التي خلقت لهم عالم خيالياً يصفونه ويصورونه في كتبهم، حتى يخيل إلى القارئ أنه هو العالم المحيط به.. وللأهواء عجائب وخوارق.
ولكنك إذا اتصلت بالحياة عن كتبٍ لا عن كُتبٍ، وخالطت الناس ودرست أحوالهم وأصغيت إلى حديثهم في البيت وفي القطار والبستان وعلى المائدة وفي السمر، رأيت (الذهب) حديث النوادي وشغل الألسنة وهوى القلوب، والبداية والنهاية في كل موضوع، والقطب الذي تدور حوله رحى الحياة.
إن شاعراً عربياً يلعن الصعلوك الذي لا يتعدى نظره ولا يسمو فكره عن لباس وطعام ويقول:
لحا الله صعلوكاً مناه وهمه *** من العيش أن يلقى لبوساً ومطعماً
فكيف إذا أشرف هذا الشاعر على هذه المدينة وهي تجري بفلاسفتها وسياسييها ونوابغها وعلمائها وكتابها وأشرافها وأغنيائها وفقرائها وراء غاية لا تتعدى لبوساً ومطعماً مهما تنوعت أشكالها وتضخمت ألقابها؟! فالحياة كلها جهاد في سبيل اللباس والطعام.
стр. 199
التدهور في الأخلاق والمجتمع:
احتل الأجانب الشرق الإسلامي وقد أصاب المجتمع الشرقي الإسلامي انحطاط في الأخلاق والاجتماع، وسبقت إليه أدواء خلقية واجتماعية كانت أهم أسباب انهيار الدول الإسلامية وانهزام الأمم الشرقية.
ولكن مع ذلك لم يزل المجتمع الشرقي الإسلامي - على علاته - محتفظاً ببعض المبادئ الخلقية السامية والخصائص الاجتماعية الفاضلة التي لا يوجد لها مثيل في الأمم، وقد نضج واكتمل فن الأخلاق عند الشرقيين ووصل من الدقة والتفصيل واللطافة ورقة الحواشي ذروة لا بصل إليها ذهن العصر، ولا يتصورها الغربي إلا في الشعر والأدب.
يقرأ الإنسان أو يسمع روايات عن استحكام الروابط والأواصر بين أعضاء المجتمع العام وأفراد الأسرة، وتغلغلها في الأحشاء واستمرارها إلى الأحقاب والأجيال وخلوها من كل مصلحة ومتعة مادية، ما لا يتصوره أبناء هذا العصر. وكذلك من حنو الآباء على الأبناء
وبر الأبناء بالآباء، وتوقير الصغير للكبير وحدب الكبير على الصغير، وعن عفاف النساء ووفاء الحلائل وأمانة الخدم ووفائهم واستقامة الشبان وثباتهم على الأخلاق ومعاملة الأشراف بعضهم لبعض، والمحافظة على الرواتب والعادات والاطراد في مسألة اللباس والشعائر والعشرة، والإيثار في شأن الأصدقاء والنصح لهم، يسمع منها غرائب لا يكاد يصدق بها.
كان بر الأبناء للآباء وطاعتهم إلى حد التفاني في سبيلهم والاضمحلال في وجودهم منتزعاً من قول النبي ﷺ : ((أنت ومالك لأبيك)) .
وكان حب الأبناء لآبائهم وبرهم وحرصهم على أداء حقوقهم غير مقتصر على حياة الأبوين، بل كان يستمر إلى ما بعد وفاتهما أصدقائهما وأهل أنسهما والإهداء إليهم والتحبب إلى أولادهم وعشيرتهم، وكان ذلك عملاً بقوله ﷺ : ((إن من أبر البر بر الرجل بأهل ود أبيه بعد أن يولي)) .
وكان الأبوان مثلاً للنصح والإخلاص في حبهما للأولاد، وكانا يضحيان بجميع أهوائهما وميولهما وراحتهما وبلذة الأمومة والأبوة في سبيل تثقيفهم وتربيتهم وتعليمهم، ويتحملان في ذلك - حتى الرجل الأمي والمرأة الجاهلة - إجحاف المعلمين وعسفهم وإضرارهم في بعض الأحيان بجسم الصغار،
стр. 200
ويجرعان المرائر ويصبران على الغصص في سبيل الأولاد ونبوغهم، وقد تواضع على ذلك أهل البيوتات والشرف حتى أهل الطبقات الوضيعة، ويعدون من خالف ذلك رجلاً نذلاً لئيما، والذي روي عن هارون الرشيد في تنبيهه لولديه الأمين والمأمون ووصيته لهما بخدمة الكسائي معروف في التاريخ؛ ومن غرائب ما يروى في هذا الباب ويمثل الطبيعة الشرقية أن ((تاج الدين ألدز)) أمير الأفغان بعد السلطان شهاب الدين الغوري أسلم ولده إلى معلم وضرب المعلم الولد حتى مات، فلما علم بذلك ((تاج الدين)) أشار على المعلم بأن يهرب وقال: ((لا آمن عليك من أم الولد فعسى أن ينالك منها مكروه)) .
وكانت الرابطة بين الصغير والكبير في المجتمع الإسلامي مؤسسة على تعاليم الشرع ((من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا فليس منا)) .
ومن خصائص الحضارة الشرقية الاطراد في الحياة والمحافظة على لون واحد والتظاهر بمظهر واحد، فكان الرجل إذا شرع في أمر وتظاهر بمظهر واصله إلى غايته، وإذا اتخذ عادة
أو شارة في اللباس أو عامل أحداً نوع معاملة واظب عليه إلى آخر أنفاسه، لا تؤثر في ذلك الحوادث ولا تغيره الفصول ولا انحراف الصحة ولا الكسل ولا المصالح.
ولم يكن العمدة في حياة الأسرة والقبائل ولم يكن الميزان في التوقير والشرف هو كثرة المال فيختلف المستوى المالي في أسرة اختلافاً كبيراً، ويتفاوت الرجال في قبيلة أو قوم تفاوتاً عظيماً في المال والجاه، فهذا سريٌ مثر وذلك فقير معدم، ولم يكن يستطيع أحد أن يفرق بينهم ويرفع بعضهم فوق بعض لأجل التفاوت الاقتصادي في مجتمعات الأسر والبيوتات والمآتم (بمعناها اللغوي) فإذا شم أحد رائحة الفرق أو نظرة الازدراء، ثار كالليث، أو إذا بدرت بادرة من المضيف تنم عن هذا الفصل انسحبت الأسرة كلها من الضيافة وقاطعوا أهل الضيافة، وكانوا يداً واحدة مع أخيهم المهضوم.
وكان الفقير الصعلوك في قبيلة يواجه الأغنياء والملوك من تلك القبيلة بجرأة وهو معتز بنفسه معتد بشرفه لا يرى في نفسه نقيصة لأجل فقر، وكان الغني أو الملك يكرمه ويحله المحل اللائق بشرفه ونسبه وفضيلته الذاتية، بصرف النظر عن رثاثة هيئته وتبذله، والأزمة الاقتصادية الطارئة على كرم عنصره وصفاء معدنه
стр. 201
وطيب منبته ومتانة دينه ووفور علمه.
وكان الفقير في ذلك يبالغ كثيراً في إخفاء عسرته وضنك معيشته ويتحمل ويتجلد، ويسوءه أن يفطن أحد إلى فاقته ورقة حاله.
وكان ضمير الحر عزيزاً محترماً كدينه وعرضه، لا يساوم عليه ولا يباع بأي ثمن، وكان الواحد يفضل الموت الأحمر على كذبة أو خيانة يخلص بها نفسه من الموت.
وقد روى لنا التاريخ الهندي طرائف في هذا الباب لابد أن تكون أمثلتها متوافرة في تاريخ جميع البلاد الإسلامية: منها أن الشيخ رضي الله البداوني اتهم بالاشتراك في الثورة على الإنجليز عام ١٨٥٧ وحوكم أمام حاكم إنجليزي كان من تلاميذه، فأوعز إليه الحاكم على لسان بعض الأصدقاء أن يجحد الاتهام فيطلقه. ولكن الشيخ أبى وقال: قد اشتركت في الخروج على الإنجليز فكيف أجحد؟ واضطر الحاكم فحكم عليه بالإعدام، ولما قدم للشنق بكى الحاكم وقال له: حتى في هذه الساعة لو قلت مرة: إن القضية مكذوبة عليَّ وإني بريء
لاجتهدت في تخليصك، فغضب الأستاذ وقال: أتريد أن أحبط عملي بالكذب على نفسي؟ لقد خسرت إذاً وضل عملي، بل قد اشتركت في الثورة فافعلوا ما بدا لكم، وشنق الرجل!!.
ولم يكن صدقهم واعترافهم بما يعملون ويعتقدون مقتصراً على ما يتصل بأنفسهم، بل كانوا صادقين فيما يتصل بالأمة والشعب، فلم يكونوا يعرفون العصبية الجنسية والوطنية والجنف القومي الذي أصبح اليوم من واجبات الجنسية والوطنية، وكانوا يعدون الكذب وشهادة الزور لأجل الأمة والوطن والملة رذيلة وإثماً كبيراً. وكانوا يعتقدون أن أحكام الشرع تعم الفرد والأمة والأمور الشخصية والاجتماعية وكانوا متمسكين بقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ .
стр. 202
ومما يروي لنا الشيوخ من ذلك: أنه وقع نزاع بين الهنادك والمسلمين في قرية كاندهلة من مديرية ((مظفر نكر)) في الولايات المتحدة الهندية على أرض، فادعى الهنادك أنها معبد لهم، والمسلمون أنها لهم مسجد. وتحاكموا إلى حاكم البلد الإنجليزي، فسمع الحاكم القضية ودلائل الفريقين ولم يطمئن إلى نتيجة، فسأل الهنادك: هل يوجد في القرية مسلم تثقون بصدقه وأمانته أحكم على رأيه؟ قالوا: نعم، فلان؛ وسموا شيخاً من علماء المسلمين وصالحيهم، فأرسل إليه الحاكم وطلبه إلى المحكمة، فلما جاءه الرسول قال: قد حلفت أن لا أرى وجه إفرنجي، ورجع الرسول فقال الحاكم: لا بأس، ولكن احضر وأدل برأيك في القضية، فحضر الشيخ وولى دبره إلى الحاكم وقال: الحق مع الهنادك في هذه القضية، والأرض لهم. وبذلك قضى الحاكم وخسر المسلمون القضية، ولكن كسبوا قلوب الهنادك وأسلم منهم جماعة.
وكذلك كان الناس يعدون العلم عارية مقدسة ووديعة من الله لا يبيعونه كسلعة في السوق، ولا يتعاونون به على إثم آثم وعدوان معتد، وكانوا لا يرضون أن يستعين به نظام جائر أو حكومة غير إسلامية.
ومما حكى لنا الثقات وقرأناه في التاريخ أن الشيخ عبد الرحيم الرامبوري (م ١٢٣٤ هـ) كان يعمل في بلدة رامبور براتب زهيد يتقاضاه كل شهر من الإمارة الإسلامية لا يزيد على عشر روبيات (أقل من جنيه مصري) فقدم إليه حاكم الولاية الإنجليزي المستر هاكنس وظيفة عالية في كلية بريلي راتبها مائتان وخمسون روبية (تسعة عشر جنيهاً مصرياً) ، وذلك يساوي خمسين جنيهاً في هذا العهد، ووعد بالزيادة في الراتب بعد قليل، فاعتذر الشيخ عن قبوله وقال: إني أتقاضى عشر روبيات وإنها ستنقطع إذا تحولت إلى هذه الوظيفة. فتعجب الإنجليزي وقال: ما رأيت كاليوم: أنا أقدم راتباً يزيد على راتبك الحالي بأضعاف أضعاف، وتترك الأضعاف المضاعفة وتقنع بالنزر اليسير!. فتعلل الشيخ بأن في بيته شجرة سدر وهو مغرم بثمرها وأنه سيحرمها إذا أقام في بريلي. ولم يفطن الإنجليزي بعد إلى مقصود الشيخ. فقال: أنا زعيم بأن هذا الثمر يصل إليك من رامبور إلى بريلي، فتشبث ثالثة بأن حوله طلبة وتلاميذ يقرؤون عليه في بلده فلو انتقل إلى هذه الوظيفة انقطعت دروسهم. ولم ييأس الإنجليزي المناقش من إقناعه فقال: أنا أجري لهم
стр. 203
جرايات في بريلي ويواصلون درووسهم هناك، وهنا أطلق الشيخ آخر سهامه الذي أصمى رميته فقال: وماذا يكون جوابي غداً إذا سالني ربي: كيف أخذت الأجرة على العلم؟ وهنا بهت الإنجليزي وسقط في يديه وعرف نفسية العالم المسلم، وقضى الشيخ حياته على أقل من جنيه يأخذه كل شهر.
قارن هذه الروح السامية والنفس الكبيرة التي تربا بالعلم أن يباع بيع السلع , وتغار على العقيدة والكرامة أن تشترى بمال أو منفعة , بهذا التبذل والإسفاف الذي وصل إليه أهل العلم والعقل والصناعة في هذا الزمان , فقد عرض كثير من علمهم وعقلهم وما يحسنونه كالسلع في الأسواق، يبيعونها بالمناداة (المزاد العلني) ليشتريها من يزيد في الثمن كائناً من كان، فليس الشأن عندهم في العقيدة ولا في الغرض والنتيجة ولا في الملاءمة والذوق، إنما الشأن عندهم في الثمن الذي يدفعه المشتري.
وكل يوم نطلع على مضحكات مبكيات في هذا الباب، فهذا الأستاذ كان أمس في معهد إسلامي يدرس العلوم الإسلامية والتاريخ الإسلامي، وقدمت غليه الكلية الكاثوليكية الفلانية وظيفة تدريس براتب يزيد على راتبه السابق بخمسة جنيهات فانتقل إليها، وهذا
السيد فلان كان في وزارة المعارف سابقاً، وكان شاباً مثقفاً وعالماً له هوى في التحقيق والدراسة، تقرأ له مقالات علمية في المجلات الراقية، فإذا به ينتقل فجأة إلى مصلحة الطيران أو الإذاعة، وسألناه: ماذا حدث له حتى غير طريقه وقلب تيار حياته؟ فأخبرنا أن ذلك لأجل أنه يربح في مركزه الجديد عشرة جنيهات، وهذا البحاثة الفلاني كتب مقالة عن التصوف الإسلامي ونال بها ثناء أهل العلم قد تحول إلى وزارة الخارجية أو أصبح ترجمان دولة أوروبية، وما هو إلا لأجل زيادة بمقدار بضعة جنيهات، أوليس هذا لأن الربح المالي قد أصبح كل شيء، ولأن الذهب اللماع أصبح المتصرف الوحيد في مناهج الحياة والمسيطر الوحيد على الأرواح والعقليات؟! .
قرأنا في التاريخ الإسلامي أن المنصور الخليفة العباسي المشهور طلب من ابن طاوس في مجلس أن يناوله الدواة ليكتب شيئاً فامتنع، فسأله الخليفة عن سبب امتناعه وعدم امتثاله أمر خليفة المسلمين، فقال: أخاف أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها ومتعاوناً على الاثم والعدوان. إلى هذا الحد وصل بهم تمسكهم بقوله
стр. 204
تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أما امتناعهم عن قبول منصب القضاء في نظام لا يرضونه ولا يرتاحون إلى سيره وتفاصيله فرواياته بلغت حد التواتر، واطردت في أدوار الحياة الإسلامية الأولى.
قارن هذا الاحتراس من التعاون على الإثم والعدوان، وهذا التعفف عن المشاركة في نظام غير صحيح، والامتناع من أدنى مساعدة لهدف لا يتفق ومصالح الأمة الإسلامية أو يعود عليها بالضرر أو فيه غش وخديعة للأمة. قارن كل ذلك بهذه المساعدة والتعضيد الذي تتمتع به الحكومات الأوربية من المسلمين، وهذا الذكاء واللباقة والقلم البليغ واللسان الذلق الذي ينتفع به الأجانب منهم في مصالحهم وإداراتهم.
فهنالك شبانٌ مسلمون وكتاب بارعون يتولون تحرير الصحف والمجلات التي تصدرها الحكومات الأجنبية لنشر دعايتها في بلاد المسلمين والتأثير في عقليتهم ونفسيتهم وتمويه الحقائق بمقدرة المأجورين من المسلمين أنفسهم.
وهنالك جماعة من ((الأفاضل)) ينحدرون من أصول عربية صميمة، وينتمون إلى بيوتات عريقة في المجد والإخلاص والإسلام، قد جاهد آباؤهم في سبيل الحق ومحق الباطل، وبقيت نسبتهم في أسمائهم تروي لنا تاريخاً مجيداً عن آبائهم حافلاً بجلائل الأهمال، وجرى دمهم في عروقهم، وظهر في ملامح وجوههم وتقاطيعها، يشتغلون اليوم في الحكومات الأجنبية، ويستعملون تلك اللغة المضرية الفصحى التي نزل بها القرآن الكريم، والتي تكلم بها رسل المسلمين في مجالس ملوك فارس والروم، فأدوا بها رسالة الإسلام، وألقوا المهابة في قلوبهم، والتي ألقى بها القواد المسلمين خطب الجهاد، بهذه اللغة الكريمة التي لا تليق إلا للبطولة الإسلامية، وبتلك الكلمات الفصيحة الرائعة التي لا تجمل إلا في مواضع الحق والجهاد، ينشر هؤلاء دعاية الحكومات الأجنبية التي تعبث بالمسلمين عبث اللاعب بالكرة، أو عبث الوليد بجانب القرطاس، وقد رزأتهم في سياستهم واستقلالهم وإيمانهم وعقلهم واقتصادهم، ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون.
قد سمعنا منهم أن هذه الحكومات تقوم بجهود نبيلة لخير العروبة والإسلام ورفع شأنهم. وأنها ((نور الحرية الوضاء في عالم ساده الظلام الدامس)) ، وقد
стр. 205
سمعناهم يشيدون ((بالخدمات الجلى والمساعدات العظيمة التي تقدمها الإذاعة البريطانية في سبيل نهضة الأقطار العربية وتوحيد تفكيرها وثقافتها وتوثيق الروابط بينها، وما تقوم به من نشر الثقافة العربية الإسلامية، وتعريف المسلمين بتاريخهم المجيد ومدنيتهم الزاهرة، وإطلاع العالم العربي على حقائق الأمور، وسير الحوادث في نزاهة وتجرد وصدق (١)) ولطالما سمعناهم وقرأنا لهم إشادة بإيمان هذه الحكومات بالديمقراطية الصحيحة وجهادها لتوطيد الأمن العام وسلام العالم وحرية الأمم المستضعفة والبلاد المهضومة، ورفعها لراية العدل والمساواة، والأخذ للمظلوم من الظالم، وقيامها للحق.. الخ.
فأن كان هؤلاء المتحدثون لا يرضى ضميرهم بما يقولون , ويعرفون أن هذه الكلمات في غير محلها , وإنما هو كله لمصالحهم المالية , فيالانحطاط النفس الشريفة , ويا لرخص السلعة الغالية , ويا ضيعة الكلمات العامرة بالمعاني , ويا شقاء اللغة العربية بأهلها! ٠وإذا كان ذلك
عن اعتقاد وثقة وفهم للمعنى , فيا جهلاً بالحقائق , ويا إنكاراً للمحسوس , ويا مسخاً للقلوب! ٠
وهذا عصر التناقض فيكتب أديب أو صحافي اليوم كتاباً حماسياً في سيرة بطل من أبطال الجهاد الإسلامي , أو مجدد من مجددي الإسلام , ولا يجف مداد مقالته أو كتابه ذلك حتى يكتب بقلمه تقريظاً أو ثناء على خائن من خونة الأمة , أو صنيعة من صنائع الأجانب لمصلحة سياسية ومنفعة مالية , ولا يرى في ذلك تناقضاً.
طلب ملك من ملوك العرب من شاعر عربي فرسه , فاعتذر أن يعطيها بأي ثمن كان وقال:
أبيت اللعن إن سكاب علق *** نفيس لا تعار ولا تباع
ولكن كأن الضمير عند هؤلاء الذين يشتغلون في الحكومات الأجنبية، أو يذيعون من محطاتها ما لا يرضى به ضميرهم ولا يصدق علمهم، أو يصدرون صحفاً، أو يؤلفون كتباً على جعالة أو راتب شهري؛ أذل وأرخص من جواد الجاهلي فهو يعار ويباع، وذلك لم يكن لعيار ولا ليباع.
стр. 206
وكانت الروابط والأواصر في الشرق - في الغالب - قائمة على أساس غير مادي إما عقلي وإما روحي ووجداني، وكان للأثرة والأنانية فيها نصيب ضئيل، وكان نتيجة ذلك وجود روابط وأواصر لا يمكن تعليلها بالمادة وجر النفع إلى أصحابها، وكانت هذه الروابط متغلغلة في الأحشاء؛ فمن ذلك أن علاقة التلميذ بأستاذه وإخلاصه وحبه له في العهد السابق، يزري بعلاقة الولد بوالده وحبه له في هذا العصر.
اشتهر نبأ وفاة الأستاذ الشهير العلامة نظام الدين اللكهنوي (م ١١٦١ هـ) صاحب منهاج الدرس النظامي الجاري تطبيقه في الهند وخراسان، فلما أتى النعي تلميذه السيد كمال الدين العظيما بادي، مات من شدة الحزن، وعمي تلمذه الآخر ((ظريف العظيما بادي)) من كثرة البكاء، وتحقق بعد ذلك أن الإشاعة كانت غير صحيحة (١) ، ولعل ذهن هذا
العصر لا يسيغ هذه الرواية، ولكن الذي عرف طبيعة الشرق، ومدى اتصال التلميذ هنالك بأستاذه وحبه له لم يستغرب هذه الرواية ولم يكذبها.
يعلم المطلع على تاريخ الأخلاق وفلسفتها أنه قد ظهرت مدرسة في أوربا قبل المسيح بأربعة قرون، وكان لها أنصار من كبار الفلاسفة والأخلاقيين إلى القرن التاسع عشر المسيحي، تدين باللذة البدنية وتعتقد أنها ميزان للأخلاق ومعيار الأعمال، وتشير على أتباعها بأن يهتبلوا فرص التمتع بالحياة الدنيا ويغتنموا فلتات الدهر.
وافترق أصحاب هذه المدرسة فرقتين؛ فمنهم؛ (أولو الأثرة) الذين يقولون: ينبغي أن لا يحول بين الإنسان وشهواته حائل حتى لا يدع حاجة في نفسه إلا قضاها، فينال بذلك النصيب الأكبر من اللذة والهناءة وقالوا: السعادة هي إرضاء الشهوة وقضاء مآرب النفس واقتطاف قطوف المسرة واللذة باليدين.
стр. 207
والفرقة الثانية هم (النفعيون) ويرى أهل هذا المذهب أن الواجب هو تحصيل المنفعة التي ينال بها أكبر عدد من أفراد البشر أوفر قسط من اللذة والهناء، ولا وزن للأفعال الخلقية في نظرهم إلا بما تأتي به المسرة لغالب بني النوع، ويرى هؤلاء أن السعادة هي أن تتوافر للناس بأعمالهم اللذات وتبعد عنهم الآلام.
ويرى القارئ ويلمس الروح المادي المتعشق للذة والهناء في آراء هذا المذهب ونزعاته من أحطها وأكثرها إسفافاً إلى أرقاها وأكثرها تحليقاً، وهذا يختلف عن طبائع الشرق وشرائع السماء اختلافاً بيناً. وقد أثرت هذه النزعة المادية في فلسفة الغرب وأخلاقه وأدابه وحضارته تأثيراً عميقاً، ولا تزال مهيمنة على الحياة الغربية وآدابها حتى اليوم.
ثم نزعوا دائماً في تشخيص المنفعة ووزنها إلى المادية لأنهم احتكموا فيها إلى أذهانهم وعقولهم، وقد أصبحت مادية بحتة، لأنها بحقيقة لا تأتي تحت الحس أو المساحة أو العد أو الوزن، ولا تؤمن بمنفعة لا تجلب لذة وهناء، حتى مؤسس هذا المذهب ((أبيقور م ٢٧١ق. م)) صرح بأن مناط الحكم على الأعمال هي المنفعة، وأن المنفعة لا قيمة لها إلا إذا اجتلبت لذة واغتباطاً، فكيف وقد تدرجت العقول والطبائع الغربية ومردت على النزوع المادي على تعاقب الأجيال والعصور؟! .
فكان نتيجة ذلك أن الذهن الغربي والمنطق العصري أصبحا عاجزين عن الاهتداء إلى منفعة غير محسوسة لا تجلب لذة واغتباطاً، وأصبح العقل الأوربي محامياً عن المادية لا يحكم على الأخلاق بالحسن والصحة إلا بمقدار جلبها للمنافع المادية، وبحسب ما يكتسب المجتمع بواسطتها من اللذة والهناء، والأفراد من الاغتباط والرخاء، فأصبح الربح المادي هو الميزان للأخلاق والفارق بين الشر والخير، وأصبحت الأخلاق التي لا وزن لها في ميزان المادة، ليس لها قيمة إلا القيمة الدينية أو الخلقية في المصطلح القديم ينتقص كل يوم سلطانها على القلوب والعقول، وتعدم أنصاراً وتصبح من شعائر القديم وذكريات العهد الماضي كحنان الأبوين وحبهما للأولاد، ووفاء الأزواج وحفظهن للغيب، وتحل محل هذه الأخلاق المقدرة الصناعية والاختراع والإنتاج والوطنية والجنسية ولا تزال ترتفع قيمتها ويرجع وزنها.
стр. 208
ولا يزال المجتمع العصري يستغني عن الروابط المنزلية والأرحام الدموية والشرائع الخلقية بتنظيمات اجتماعية شعبية على الخطوط السياسية والصناعية والاقتصادية. ولا يهم المجتمع الآن كيف يعامل الولد والده أو الزوجة زوجها إذا كان هؤلاء الأفراد لا يزالون في الدائرة المدنية التي اختطها المجتمع حول أفراده؛ وما دام لا يحدث عملهم هذا اضطراباً في المجتمع وثورة على النظام ولا يعرقل سير المدينة فلا بأس إذا كان هنالك عقوق من ولد أو فرك من قرينة أو جفاء من زوج أو دعارة من امرأة أو فسق من رجل أو خيانة من زوجة.
стр. 209
الباب الخامس
قيادة الإسلام للعالم
الفصل الأول
نهضة العالم الإسلامي
اتجاه العالم بأسره إلى الجاهلية:
لأسباب تاريخية عقلية، طبيعية قاسرة، ذكرناها في البحوث السابقة، تحولت أوربا النصرانية جاهلية مادية، تجردت من كل ما خلفته النبوة من تعاليم روحية، وفضائل خلقية، ومبادئ إنسانية، وأصبحت لا تؤمن في الحياة الشخصية إلا باللذة والمنفعة المادية، وفي الحياة السياسية إلا بالقوة والغلبة، وفي الحياة الاجتماعية إلا بالوطنية المعتدية والجنسية الغاشمة، وثارت على الطبيعة الإنسانية، والمبادئ الخلقية، وشغلت بالآلات، واستهانت بالغايات، ونسيت مقصد الحياة، وبجهادها المتواصل في سبيل الحياة وبسعيها الدائب في الاكتشاف والاختبار مع استهانتها المستمرة بالتربية الخلقية وتغذية الروح وجحود بما جاءت به الرسل، وبإمعانها في المادية، وبقوتها الهائلة مع فقدان الوازع الديني، والحاجز الخلقي، أصبحت فيلاً هائجاً، يدوس الضعيف، ويهلك الحرث والنسل، وبانسحاب المسلمين من ميدان الحياة وتنازلهم عن قيادة العالم وإمامة الأمة، وبتفريطهم في الدين والدنيا، وجنايتهم على أنفسهم وعلى بني نوعهم، أخذت أوربا بناصية الأمم، وخلفتهم في قيادة العالم، وتسيير سفينة الحياة والمدنية التي اعتزل ربَّانُها، وبذلك أصبح العالم كله - بأممه وشعوبه ومدنياته - قطاراً سريعاً تسير به قاطرة الجاهلية والمادية إلى غايتها، وأصبح المسلمون - كغيرهم من الأمم - ركاباً لا يملكون من أمرهم شيئاً، وكلما تقدمت أوربا في القوة والسرعة، وكلما ازدادت وسائلها ووسائطها، ازداد هذا القطار البشري سرعة إلى الغاية الجاهلية حيث النار والدمار والاضطراب والتناحر والفوضى الاجتماعي والانحطاط الخلقي والقلق الاقتصادي والإفلاس
الروحي، وها هي أوربا تستبطئ الآن أسرع قطار، وتريد أن تصل إلى غايتها بسرعة الطائرة بل بسرعة القوة الذرية.
стр. 210
استيلاء الفلسفة الأوربية على العالم:
وليس على وجه الأرض اليوم أمة أو جماعة تخالف الأمم الغربية في عقائدها ونظرياتها وتزاحمها في سيرها وتعارضها في وجهتها وتناقشها في مبادئها وفلسفتها الجاهلية، ونظام حياتها المادي لا في أوربا ولا في أمريكا، ولا في أفريقية وآسيا، والذي نرى ونسمع من خلاف سياسي ونزاع بين الأمم فإنما هو تنافس في القيادة، وتنازع فيمن يكون هو القائد إلى هذه الغاية المشتركة، فدل المحور إنما كانت تكره أن يبقى الحلفاء مستبدين بالقيادة العالمية منذ زمن طويل، مستأثرين بموارد الأرض وخيرتها وأسواقها ومستعمراتها، وبشرف السيادة على العالم وحدهم مع أنها لا تقل عنهم في القوة والعلم والنظام والنبوغ والذكاء، بل ربما تفوقهم، أما إنها كانت تريد أن تسير إلى غاية أخرى وأن تقوم بدعوة المسيح، وتقيم في الأرض القسط، وأن تقود الأمم الدين والتقوى وتنصرف بها وتتجه من المادية إلى الروحانية والأخلاق، فهيهات هيهات.
أما روسيا الشيوعية فليست إلا ثمرة الحضارة الغربية، قد أينعت وادركت. ولا تمتاز عن الشعوب والدول الأوربية إلا أن روسية قد خلعت جلباب النفاق والزور ونفذت ما تزوره وتبطنه الأمم الغربية منذ زمن طويل، وتعتقده منذ قرون في الأخلاق والاجتماع، وقد استبطأت روسية سير هاتيك الأمم والدول في سبيل الإلحاد واللادينية والإباحية والمادية البهيمية فهي تريد أن تتولى قيادة العالم، وتسير بالأمم الإنسانية سيراً حثيثاً إلى ما وصلت إليه.
الشعوب والدول الآسيوية:
أما الشعوب والدول الآسيوية والأمم الشقية فهي في طريقها إلى الغاية التي وصلت إليها شعوب أوربا في الحضارة والسياسة، وتدين بما تدين به هذه الشعوب في الأخلاق والآداب والاجتماع وتعتقد ما تعتقده عن الحياة والكون، وتتحلى به من سيرة وخلق وتهذيب، إلا
أنها لا ترضى أن يتولى أمرها النزلاء الأجانب ويقيموا عليها الحجر كما يقام على السفيه، وأن تكون للأوربيين عليها دول وإمبراطوريات ينعمون في ظلها ويرتعون في جنباتها، ولا يكون لها مثلها في الشرق وأفريقية وآسية، ولا تستمتع حتى في داخل بلادها بما استمتع به الأوربيين ماديتهم وتنقم منهم أخلاقهم وسيرتهم وتنعى
стр. 211
عليهم فلسفتهم ومبادئهم فلعل ذلك لا يخطر منها على بال، بل قد زين لها كل ما تتصف به الأمم الأوربية فحلا في عينها.
وكلما سنحت لهذه الأمم فرصة الاستقلال وملكت زمام أمورها تجلت أخلاقها ومبادئها وظهرت سيرتها الجاهلية في صورتها الطبيعية الحقيقية، فإذا هي أفضع صورة وأبشعها في التاريخ، قساوة قلب وضراوة بالدم الإنساني وهتكاً للأعراض ونهباً للأموال وقتلاً وتدميراً، وقد ظهرت من بعض هذه الشعوب الآسيوية على أثر استقلالها من الحكم الأجنبي فظائع ومنكرات تستبشعها الوحوش والسباع وتستك منها الأسماع، فقد عاملت بعض الشعوب المواطنة بعصبية دينية وسياسية، معاملة عز نظيرها في التاريخ، رضعاء يقتلون ويُقطعون إرباً إرباً، ونساء تهتك أعراضهن ثم يقتلن من غير رحمة ولا حياء، وآبار تسمم وبيوت تهدم ونيران تشعل وقنابل تقذف، وإذا دخلوا قرية فاتحين منتشرين أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ووضعوا فيها السيف، وعاث الوحوش في الدماء والأعراض حتى أقفرت القرى، وامتلأت الآبار بالسيدات اللاتي آثرن الموت على هتك الأعراض، هذا عدا نساء قتلن بهمجية وطرق فظيعة لم تسبق في التاريخ، إلى غير ذلك من الأفاعيل التي يشك فيها الناس في البلاد الإسلامية والمتحضرة.
هذا غير ذلك الاضطهاد الديني والمقاطعة الاجتماعية التي تلقاها تلك الطوائف في بلادها، وما تلقى ثقافتها وديانتها من مطاردة ومهاجمة من تلقاء هذه الشعوب فتحرم الحرية الثقافية واللسانية وترغم على لغة مصطنعة دائرة، ويحاول الأقوياء أن يمحوا كل أثر من آثار حضارتها وثقافتها ويختلقوا عليها الأكاذيب والجنايات، ويمثلوا قصة الحمل والذئب كل يوم، فيعزل رجالها من الوظائف وتسد في وجوههم أبواب المعاش والتجارة والحرف، وتقفل دكاكينهم ومحالهم التجارة وتصادر أملاكهم وأموالهم بعلل واهية مضحكة.
ثم إن هذه الأمم أفلست إفلاساً شائناً في الدين والأخلاق، وقد أشربت في قلوبها حب المال والمادة، وتسلط عليها شيطان الأثرة والجشع حتى ضجت منها الحكومات وتعبت، فقد ارتفعت الأسعار ارتفاعاً فاحشاً، فلما التجأت الحكومة إلى التسعير اختفت السلع والأموال، وأصبح الناس لا يجدون كسوة ولا طعاماً ولا حاجة إلا بالسعر الذي يريده التاجر، فنفقت السوق السوداء وشاعت الجنايات
стр. 212
والخيانات والارتشاء والتهريب، وأصبحت الحكومة والتجار كفرسي رهان أو قرني ميدان، كل يريد أن يغلب صاحبه وينتهز غرته، وأصبح الناس حبة بين حجري الرحى لا يدرون كيف يفعلون.
وقد حاول رجال الإصلاح والديانة أن ينفخوا في هذه الأمم حياة جديدة ويبنوا فيها روح الأخلاق والفضيلة والأمانة والاقتصاد فأخفقوا إخفاقاً تاماً، وعملوا أن خلق أمة بأسرها أهون من إصلاح هذه الأمم وتهذيبها وقد انقطعت مادتها وانقضى أجلها.
وهكذا أصبح العالم شرقاً وغرباً في أزمة روحية وخلقية واجتماعية واقتصادية تطلب حلاً سريعاً عاجلاً.
الحل الوحيد للأزمة العالمية:
والحل الوحيد هو تحول القيادة العالمية وانتقال دفة الحياة من اليد الأثيمة الخرقاء التي أساءت استعمالها إلى يد أخرى بريئة حاذقة.
إن تحول القيادة من بريطانيا إلى أمريكا ومنهما جميعاً إلى روسيا لا يغني غناء ولا يغير من الموقف شيئاً، فإن هذا التحول ليس إلا نقا المجداف من الموقف شيئاً، فإن هذا التحول ليس إلا نقل المجداف من اليمين إلى الشمال إذا تعبت الأولى أو بالعكس، فما دام المجداف واحداً فلا فرق بين يمينه وشماله، وليست بريطانيا وأمريكا وروسيا إلا أيدي رجل واحد تتداول دفة الحياة، وتتناوب تجديف السفينة على خط واحد إلى جهة واحدة.
إن التحول المؤثر الواضح هو تحول القيادة من أوربا - بالمعنى الواسع الذي يشمل بريطانيا وأمريكا وروسيا ومن كان على شاكلتها من الأمم الآسيوية والشرقية - التي تقودها المادية
والجاهلية، إلى العالم الإسلامي الذي يقوده سيدنا ﷺ برسالته الخالدة ودينه الحكيم.
هذا هو التحول الذي يغير وجه التاريخ ويحول مجرى الأمور وينقذ العالم من الساعة الرهيبة التي ترقبه.
إن حقاً على العالم الإسلامي أن يُمني نفسه بهذا المنصب الخطير، ويطمح إليه، وإن حقاً على كل بلد إسلامي وشعب إسلامي أن يشد حيازيمه لذلك، وإن حقاً على كل مسلم أن يجاهد في سبيله ويبذل ما في وسعه، فهذه هي المهمة الشريفة
стр. 213
التي نيطت بالأمة الإسلامية يوم برزت إلى عالم الوجود، ويوم طهرت نواتها في جزيرة العرب.
العالم الإسلامي على أثر أوربا:
من الغريب الواقع أن المسلمين قد أصبحوا في الزمن الأخير في كثير من نواحي الأرض حتى في مراكز الإسلام وعواصمه حلفاء للجاهلية الأوربية وجنوداً متطوعين لها، بل صار بعض الشعوب والدول الإسلامية يرى في الشعوب الأوربية التي تزعمت حركة الجاهلية منذ قرون ونفخت فيها روحاً جديدة، وركزت أعلامها على الشرق والغرب، ناصراً للمسلمين، حامياً لذمار الإسلام المستضعف، حاملاً لراية العدل في العالم قوَّاماً بالقسط.
ورضي عامة المسلمين بأن يكونوا ساقة عسكر الجاهلية بدل أن يكونوا قادة الجيش الإسلامي، وسرت فيهم الأخلاق الجاهلية ومبادئ الفلسفة الأوربية سريان الماء في عروق الشجر والكهرباء في الأسلاك، فترى المادية الغربية في البلاد الإسلامية في كثير من مظاهرها وآثارها، ترى تهافتاً على الشهوات ونهماً للحياة، نهم من لا يؤمن بالآخرة، ولا يوقن بحياة بعد هذه الحياة، ولا يدخر من طيباتها شيئاً. وترى تنافساً في أسباب الجاه والفخار وتكالباً عليها فعل من يغلو في تقويم هذه الحياة وأسبابها، وترى إيثاراً للمصالح والمنافع الشخصية على المبادئ والأخلاق، شأن من لا يؤمن بني ولا بكتاب، ولا يرجو معاداً، ولا يخشى حساباً، وترى حباً للحياة وكراهة للموت، دأب من يعد الحياة الدنيا رأس بضاعته، ومنتهى أمله ومبلغ علمه، وترى افتتاناً بالزخارف والمظاهر الجوفاء كالأمم المادية التي ليس عندها أخلاق
ولا حقيقة حية، وترى خضوعاً للإنسان، واستكانة للملوك والأمراء ورجال الحكومة والمناصب وتقديسهم شأن الأمم الوثنية وَعَبَدَةِ الأصنام.
المسلمون على علاتهم موئل الإنسانية وأمة المستقبل:
ولكن برغم كل ما أصيب به المسلمون من علة وضعف فإنهم هم الأمة الوحيدة على وجه الأرض، التي تعد خصيم الأمم الغربية وغريمتها ومنافستها في قيادة الأمم، ومزاحمتها في وضع العالم، والتي يعزم عليها دينها أن تراقب سير العالم وتحاسب الأمم على أخلاقها وأعمالها ونزعاتها، وأن تقودها إلى الفضيلة والتقوى، وإلى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، وتحول بينها وبين جهنم بما استطاعت من
стр. 214
القوة، والتي يحرّم عليها دينها ويأبى وضعها وفطرتها أن تتحول أمة جاهلية.
هذه هي الأمة التي يكن أن تعود في حين من الأحيان خطراً على النظام الجاهلي الذي بسطته أوروبا في الشرق والغرب وأن تحبط مساعيها.
وقد وصف هذا الخطر شاعر الإسلام الحكيم ((محمد إقبال)) في قصيدته البديعة: (برلمان إبليس) على لسان إبليس، ذكر فيها أن الشيطان وزملاء إبليس وأعوانه اجتمعوا في مجلس شورى، وتباحثوا في سير العالم وأخطار الغد وفتنة، وما يتوجسون من خيفة على نظامهم الإبليسي ومهمتهم الشيطانية، فتذكروا في فتن وأخطار قد أحدقت بهم وهددت نظامهم، وجللوا خطبها وتناذروا شرها، فذكروا أحدهم الجمهورية وحسب لها حساباً كبيراً، فقال الثاني: لا يهولنك أمرها فإنها ليست إلا غطاء للملوكية، ونحن الذين كسونا الملوكية اللباس الجمهوري، إذا رأينا الإنسان بدأ يتنبه ويفيق ويشعر بكرامته، وخفنا ثورة على نظامنا قد لا تحمد عاقبتها، فألهيناه بلعبة الجمهورية، وليس الشأن في الأمير والملك. إن الملوكية لا تنحصر في وجود شخص ترتكز فيه الملوكية وفرد يستبد بالسلطان، إنما الملوكية أن يعيش الإنسان عيالاً على غيره مستشرفاً إلى متاع غيره، سواء في ذلك الشعب والفرد. أما رأيت نظام الغرب الجمهوري وجه مشرق وضاح وباطنه أظلم من باطن جنكيز خان؟ .
فقال الآخر: لا بأس إذا بقيت روح الملوكية، ولكن ماذا يقول النائب المحترم في هذه الفتنة الدهماء التي أثارها هذا اليهودي الذي يدعى كارل ماركس ذلك الباقعة الذي ليس نبياً ولكنه يحمل عند أتباعه كتاباً مقدساً، هل عندك نبأ أنه أقام العالم وأقعده، وأثار العبيد على السادة حتى تزعزعت مباني الإمارة والسيادة؟ .
فقال الآخر مخاطباً رئيس المجلس: يا صاحب الفخامة، إن سحرة أوربا وإن كانوا مريديك المخلصين ولكني لم أعد أثق بفراستهم، ها هو السامري اليهودي الذي هو نسخة من مزدك (الزعيم الفارسي الاشتراكي) قد كاد يأتي على العالم بقواعده فاستنسر البغاث، وأصبح الصعاليك يزحمون الملوك بالمناكب ويدفعونهم بالراح (أعلام أرض جعلت بطائحاً) إنا قد استهنا بخطب هذه الحركة الاشتراكية وها هي قد استفحلت نفاقم شرها، وها هي الأرض ترجف بهول فتنة الغد، سيدي إن العالم الذي كنت تحكمه سينقض عليك، إذا ينقلب النظام العالم ظهراً لبطن.
стр. 215
فتكلم رئيس المجلس (أبليس) وقال: إني أملك زمام العالم وأتصرف به كيف أشاء، وسيرى العالم عجباً إذا حرشت بين الأمم الأوربية فتهارشت تهارش الكلاب، وافترس بعضها بعضاً فعل الذئاب، وإذا همست في آذان القادة السياسيين وأساقف الكنائس الروحانيين فقدوا رشدهم وجن جنونهم.
أما ما ذكرتم عن الاشتراكية فكونوا على ثقة أن الخرق الذي أحدثته الفطر بين الإنسان والإنسان لايرفؤه المنطق المزدكي (الفلسفة الاشتراكية) لا يخوفني هؤلاء الاشتراكيون الطرداء والصعاليك السفهاء.
إن كنت خائفاً فإني أخاف أمة لا تزال شرارة الحياة والطموح كامنة في رمادها ,ولا يزال فيها رجال تتجافى جنوبهم عن المضاجع وتسيل دموعهم على خدودهم سحراً، لا يخفى على الخبير المتفرس أن الإسلام هو فتنة الغد وداهية المستقبل، ليست الاشتراكية.
أنا لا أجهل أن هذه الأمة قد اتخذت القرآن مهجوراً، وأنها فتنت بالمال وشغفت بجمعه وادخاره كغيرها من الأمم، أنا خبير أن ليل الشرق داج مكفهر، وأن علماء الإسلام وشيوخه ليست عندهم تلك اليد البيضاء التي تشرق لها الظلمات ويضيء لها العالم، ولكن
أخاف أن قوارع هذا العصر وهزته ستقض مضجعها وتوقظ هذه الأمة وتوجهه إلى شريعة (محمد ﷺ أنى أحذركم وأنذركم من دين (محمد ﷺ حامي الذمار، حارس الذمم والأعراض، دين الكرامة والشرف، دين الأمانة والعفاف، دين المروءة والبطولة، دين الكفاح والجهاد، يلغي كل نوع من أنواع الرق، ويمحو كل أثر من آثار استعباد الإنسان، لا يفرق بين مالك ومملوك، ولا يؤثر سلطاناً على صعلوك، يزكي المال من كل دنس ورجس ويجعله نقياً صافياً، ويجعل أصحاب الثروة والملاك متسخلفين في أموالهم (١) أمناء لله وكلاء على المال. وأي ثورة أعظم وأي انقلاب أشد خطراً مما أحدثه هذا الدين في عالم الفكر والعمل يوم صرخ أن الأرض لله لا للملوك والسلاطين.
فابذلوا جهدكم أن يظل هذا الدين متوارياً عن أعين الناس، وليهنكم أن