أفضل الخلائق وسادة الأرض (١) ولهم أن يأخذوا من مال عبيدهم شودر- من غير جريرة - ما شاؤوا، لأن العبد لا يملك شيئاً وكل ماله لسيده (٢) .
وإن البرهمي الذي يحفظ رك ويد " الكتاب المقدس " هو رجل مغفور له ولو أباد العوالم الثلاثة بذنوبه وأعماله (٣) ، ولا يجوز للملك حتى في أشد ساعات الاضطرار والفاقة أن يجبي من البراهمة جباية أو يأخذ منهم إتاوة، ولا يصح لبرهمي في بلاده أن يموت جوعاً (٤) وإن استحق برهمي القتل لم يجز للحاكم إلا أن يحلق رأسه، أما غيره فيقتل (٥) .
أما الشتري فإن كانوا فوق الطبقتين " ويش وشودر " ولكنهم دون البراهمة بكثير فيقول " منو ": إن البرهمي الذي هو في العاشرة من عمره يفوق الشتري الذي ناهز مائة كما يفوق الوالد ولده (٦) .
المنبوذون الأشقياء:
أما شودر " المنبوذون " فكانوا في المجتمع الهندي- بنص هذا القانون المدني الديني- أحط من البهائم وأذل من الكلاب، فيصرح القانون بأن " من سعادة شودر أن يقوموا بخدمة
البراهمة وليس لهم أجر وثواب بغير ذلك (٧) . وليس لهم أن يقتنوا مالاً أو يدخروا كنزاً فإن ذلك يؤذي البراهمة (٨) ، وإذا مد أحد من المنبوذين
стр. 37
إل برهمي يداً أو عصاً ليبطش به قطعت يده، وإذا رفسه في غضب فدعت رجله (١) ، وإذا هم أحد من المنبوذين أن يجالس برهمياً فعلى الملك أن يكوي إسته وينفيه من البلاد (٢) ، وأما إذا مسه بيد أو سبه فيقتلع لسانه، وإذا ادعى أنه يعلمه سقي زيتاً فائراً (٣) ، وكفارة قتل الكلب والقطة والضفدعة والوزغ والغراب والبومة ورجل من الطبقة المنبوذة سواء (٤) ".
مركز المرأة في المجتمع الهندي:
وقد نزلت النساء في هذا المجتمع منزلة الإماء (٥) ، وكان الرجل قد يخسر امرأته في القمار، وكان في بعض الأحيان للمرأة عدة أزواج (٦) فإذا مات زوجها صارت كالموءودة لا تتزوج، وتكون هدف الإهانات والتجريح، وكانت أمة بيت زوجها المتوفى وخادم الأحماء وقد تحرق نفسها على إثر وفاة زوجها تفادياً من عذاب الحياة وشقاء الدنيا. وهكذا صارت هذه البلاد المخصبة أرضاً وعقولاً، وهذه الأمة- التي وصفها بعض مؤرخي العرب بكونها معدن الحكمة وينبوع العدل والسياسة وأهل الأحلام الراجحة والآراء الفاضلة (٧) لبعد عهدها عن الدين الصحيح وضياع مصادره وتحريف رجال الدين وإمعان الناس في القياس والتخمين واتباع هوى النفوس ونزعات الشهوات.. أصبحت هذه البلاد مسرحاً للجهل الفاضح والوثنية الوضيعة والقسوة الهمجية والجور الاجتماعي الذي ليس له مثيل في الأمم ولا نظير في التاريخ.
العرب: خصائصهم ومواهبهم:
أما العرب فقد امتازوا بين أمم العالم وشعوبه في العصر الجاهلي بأخلاق
стр. 38
ومواهب تفردوا بها أو فازوا فيها بالقِدْح المعلَّى، كالفصاحة وقوة البيان وحب الحرية والأنفة والفروسية والشجاعة والحماسة في سبيل العقيدة والصراحة في القول وجودة الحفظ وقوة الذاكرة وحب المساواة وقوة الإرادة والوفاء والأمانة.
ولكن ابتلوا في العصر الأخير- لبعد عهدهم من النبوة والأنبياء وانحصارهم في شبه جزيرتهم وشدة تمسكهم بدين الآباء وتقاليد أمتهم بانحطاط ديني شديد ووثنية سخيفة قلما يوجد لها نظير في الأمم المعاصرة، وأدواء خلقية واجتماعية جعلت منهم أمة منحطة الأخلاق فاسدة المجتمع متضعضعة الكيان حاوية لأسوأ خصائص الحياة الجاهلية وبعيدة عن محاسن الأديان.
وثنية الجاهلية:
كان الشرك هو دين العرب العام والعقيدة السائدة، كانوا يعتقدون في الله أنه إله أعظم خالق الأكوان ومدبر السماوات والأرض، بيده ملكوت كل شيء فلئن سئلوا: من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ولكن ما كانت حوصلة فكرهم الجاهلي تسع توحيد الأنبياء في خلوصه وصفائه وسموه، وما كانت أذهانهم البعيدة العهد بالرسالة والنبوة والمفاهيم الدينية تسيغ أن دعاء أحد من البشر يتطرق إلى السموات العلى ويحظي عند الله بالقبول مباشرة بغير واسطة وشفاعة، قياساً على هذا العالم القاصر وعاداته وأوضاع الملوكية الفاسدة ومجاري الأمور فيها، فبحثوا لهم عن وسطاء توسلوا بهم إلى الله وأشركوهم في الدعاء، وقاموا نحوهم ببعض العبادات ورسخت في أذهانهم فكرة الشفاعة حتى تحولت إلى عقيدة قدرة الشفعاء على النفع والضرر. ثم ترقوا في الشرك فاتخذوا من دون الله آلهة، واعتقدوا أن لهم مماثلة ومشاركة في تدبير الكون، وقدرة ذاتية على النفع والضرر والخير والشر والإعطاء والمنع، فإذا كانوا الأولون يعترفون لله بالألوهية والربوبية الكبرى، ويكتفون بالشفعاء والأولياء كان الآخرون يشركون آلهتهم مع
الله ويعتقدون فيهم قدرة ذاتية على الخير والشر والنفع والضر والإيجاد والإفناء مع معنى غير واضح عن الله كإله أعظم ورب الأرباب (١) .
стр. 39
أصنام العرب في الجاهلية:
ولم يزل هذا الفريق الثاني يقوى أمره ويستفحل مع إمعان القوم في الجاهلية وقرب هذه النزعة الوثنية إلى الحواس والمحسوسات واتفاقه مع ضعف التفكير حتى أصبحت هذه العقيدة السائدة وأصبح الذين يميزون بين الآلهة والوسطاء شواذ في الأمة، ومن رجال الطبقة المثقفة، وهكذا انغمست الأمة في الوثنية وعبادة الأصنام بأبشع أشكالها، فكان لكل قبيلة أو ناحية أو مدينة صنم خاص، بل كان لكل بيت صنم خصوصي: قال الكلبي: كان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به، وإذا قدم من سفر كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضاً (١) . واستهترت العرب في عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتاً، ومنهم من اتخذ صنماً، ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت نصب حجراً أمام الحرم، وأمام غيره، مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت وسموها الأنصاب (٢) . وكان في جوف الكعبة- البيت الذي بني لعبادة الله وحده- وفي فنائها ثلاث مائة وستون صنماً (٣) ، وتدرجوا من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة جنس الحجارة.
روى البخاري ن أبي رجاء العطاردي قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجراً هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجراً، جمعنا حثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به (٤) .
وقال الكلبي: كان الرجل إذا سافر فنزل منزلاً أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها فاتخذه رباً، وجعل ثلاث أثافي لقدره، وإذا ارتحل تركه (٥) .
стр. 40
الآلهة عند العرب:
وكان للعرب- شأن كل أمة مشركة في كل زمان ومكان- آلهة شتى من الملائكة والجن والكواكب، فكانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله، فيتخذونهم شفعاء لهم عند الله ويعبدونهم ويتوسلون بهم عند الله، واتخذوا كذلك من الجن شركاء لله وآمنوا بقدرتهم وتأثيرهم وعبدوهم (١) .
قال الكلبي: كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن (٢) .
وقال صاعد: كانت حِمْيَر تعبد الشمس، وكنانة القمر، وتميم الدبران، ولخم وجذام المشتري، وطيء سهيلاً، وقيس الشِّعري العبور، وأسد عطارداً (٣) .
اليهودية والنصرانية في بلاد العرب:
وانتشرت اليهودية والنصرانية في بلاد العرب، ولم تستفد منها العرب كثيراً من المعاني الدينية، وكانتا نسختين من اليهودية في الشام، والنصرانية في بلاد الروم والشام قد طرأ عليها من التحريف والزيغ والوهن ما شرحناه من قبل.
الرسالة والإيمان بالبعث:
أما الرسالة فقد تصور العرب للنبي صورة خيالية، وتمثلوه في ذات قدسية، لا يأكل ولا يشرب ولا ينكح ولا يلد ولا يمشي في الأسواق. وكانت عقولهم الضيقة لا تهضم أن هنالك بعثاً بعد الموت، وحياة بعد هذه الحياة، فيها الحساب، والثواب والعقاب، قالوا: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ وقالوا: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾
стр. 41
قال صاعد: كان جمهورهم ينكر ذلك "الميعاد" لا يصدق بالمعاد ولا يقول بالجزاء، ويرى أن العالم لا يخرب ولا يبيد، وإن كان مخلوقاً مبتدعاً، وكان فيهم من يقر بالمعاد، ويعتقد إن نحرت ناقته على قبره يحشر راكباً، ومن لم يفعل ذلك يحشر ماشياً (١) .
الأدواء الخلقية والاجتماعية:
أما من جهة الأخلاق، فكانت فيهم أدواء وأمراض متأصلة، وأسبابها فاشية، فكان شرب الخمر واسع الشيوع شديد الرسوخ فيهم تتحدث عن معاقرتها والاجتماع على شربها الشعراء، وشغلت جانباً كبيراً من شعرهم وتاريخهم وأدبهم، وكثرت أسمائها وصفاتها في لغتهم، وكثر فيها التدقيق والتفصيل كثرة تدعو إلى العجب (٢) ، وكانت حوانيت الخمارين مفتوحة دائماً، يرفرف عليها علم يسمى غاية.
قال لبيد (٣) :
قد بتُّ سامرها وغاية تاجر *** وافيت إذا رفعت وعز مُدامها
وكان من شيوع تجارة الخمر أن أصبحت كلمة التجارة مرادفاً لبيع الخمر، كما قال لبيد: وغاية تاجر، وقال عمرو ابن قميئة (٤) :
إذا سحب الريط والمروط إلى *** أدنى تجاري وأنقص اللمما
وكان القمار من مفاخر الحياة الجاهلية. قال الجاهلي (٥) :
стр. 42
أعيرتنا ألبانها ولحومها *** وذلك عار يا بن ريطة ظاهر
نحابي بها أكفاءنا ونهينها *** ونشرب في أثمانها ونقامر
وكان عدم المشاركة في مجالس القمار عاراً، يقول الشاعر (١) :
وإذا هلكتُ فلا تريدي عاجزاً *** غساً ولا برماً ولا معزالا
قال قتادة: كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله فيقعد حزيناً سلبياً ينظر إلى ماله في يد غيره، فكانت تورث بينهم عداوة وبغضاً (٢) .
وكان أهل الحجاز، العرب واليهود، يتعاطون الربا، وكان فاشياً فيهم، وكانوا يجحفون فيه ويبلغون إلى حد الغلو والقسوة، وقال الطبري: كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السنين، يكن للرجل فضل دين فيأتيه إذا حلّ الأجل فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟ فإن كان عنده شيء يقضيه قضى وإلا حوله إلى السن التي فوق ذلك، إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حُقَّة ثم جَذَعة ثم رباعياً هكذا إلى فوق، وفي العين يأتيه، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل وإن لم يكن عنده أضعفه أيضاً فتكون مائة فيجعلها إلى القابل مائتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمائة يضعفها له كل سنة أو يقضيه (٣) .
وقد رسخ الربا فيهم وجرى منهم مجرى الأمور الطبيعية التي صاروا لا يفرقون بينه وبين التجارة الطبيعية وقالوا إنما البيع مثل الربا، وقال الطبري إن الذين كانوا يأكلون الربا من أهل الجاهلية كان إذا حل مال أحدهم على غريمة يقول الغريم
стр. 43
لغريم الحق: " زدني في الأجل وأزيدك في مالك " فكان يقال لهما إذا فعلا ذلك: هذا ربا لا يحل، فإذا قيل لهما ذلك قالا: سواء علينا زدنا في أول البيع أو عند محل المال (١) .
ولم يكن الزنى نادراً وكان غير مستنكر استنكاراً شديداً، فكان من العادات أن يتخذ الرجل خليلات ويتخذ النساء أخلاء بدون عقد، وكانوا قد يُكرهون بعض النساء على الزنى، قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنى يأخذون أجورهن (٢) .
قالت عائشة: " إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء، فنكاح منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو بنته فيصدقها ثم ينكحها، والنكاح الآخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا
يمسها أبداً حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجاة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومرَّ عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطيع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها ولا يستطيع أن يمتنع ممن جاءها، وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، فمن ارادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لها القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاطه ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك (٣) .
стр. 44
المرأة في المجتمع الجاهلي:
وكانت المرأة في المجتمع الجاهلي عرضة غبن وحيف، وتؤكل حقوقها وتُبْتز أموالها وتُحرم إرثها وتعضل بعد الطلاق أو وفاة الزوج من أن تنكح زوجاً ترضاه (١) وتورث كما يورث المتاع أو الدابة (٢) ، عن ابن عباس قال: ((كان الرجل إذا مات أبوه أو حميّه فهو أحق بامرأته، إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدي بصداقها أو تموت فيذهب بمالها)) وقال عطاء بن أبي رباح: إن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل فترك امرأة حبسها أهله على الصبي يكون فيهم وقال السُدّي: إن الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه فإذا مات وترك امرأته فإن سبق وارث الميت فألقى عليها ثوبه فهو أحق بها أن ينكحها بمهر صاحبه أو يُنكحها فيأخذ مهرها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها فهي أحق بنفسها (٣) وكانت المرأة في الجاهلية يطفف معها الكيل، فيتمتع الرجل بحقوقه ولا تتمتع هي بحقوقها، يؤخذ مما تؤتي من مهر وتمسك ضراراً للاعتداء (٤) ، وتلاقي من بعلها نشوزاً أو إعراضاً وتترك في بعض الأحيان
كالمعلقة (٥) ومن المأكولات ما هو خالص للذكور ومحرم على الإناث (٦) ، وكان يسوغ للرجل أن يتزوج ما يشاء من النساء من غير تحديد (٧) .
وقد بلغت كراهة البنات إلى حد الوأد. ذكر الهيثم بن عدي - على ما حكاه عنه الميداني- أن الوأد كان مستعملا في قبائل العرب قاطبة، فكان يستعمله واحد ويتركه عشرة، فجاء الإسلام، وكانت مذاهب العرب مختلفة في وأد الأولاد فمنهم من كان يئد البنات لمزيد الغيرة ومخافة لحوق العار بهم من أجلهن،
стр. 45
ومنهم من كان يئد من البنات من كانت زرقاء أو شيماء (سوداء) أو برشاء (برصاء) أو كسحاء (عرجاء) تشاؤماً منهم بهذه الصفات، ومنهم من كان يقتل أولاده خشية الإنفاق وخوف الفقر، وهم الفقراء من بعض قبائل العرب فكان يشتريهم من بعض سراة العرب وأشرافهم (١) . قال صعصعة بن ناجية: جاء الإسلام وفديت ثلاثمائة موءودة (٢) ومنهم من كان ينذر- إذا بلغ بنوه عشرة - نحر واحد منهم كما فعل عبد المطلب، ومنهم من يقول: الملائكة بنات- الله سبحانه عما يقولون- فألحقوا البنات به تعالى فهو أحق بهن (٣) .
وكانوا يقتلون البنات ويئدونهن بقسوة نادرة في بعض الأحيان، فقد يتأخر وأد الموءودة لسفر الوالد وشغله فلا يئدها إلا وقد كبرت وصارت تعقل، وقد حكوا في ذلك عن أنفسهم مبكيات، وقد كان بعضهم يلقي الأنثى من شاهق (٤) .
العصبية القبلية والدموية في العرب:
وكانت العصبية القبلية والدموية شديدة جامحة، وكان أساسها جاهلياً تمثله الجملة المأثورة عن العرب: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) فكانوا يتناصرون ظالمين أو مظلومين.
وكانت في المجتمع العربي طبقات وبيوت ترى لنفسها فضلاً على غيرها، وامتيازاً، فتترفع على الناس ولا تشاركهم في عادات كثيرة حتى في بعض مناسك الحج، فلا تقف بعرفات وتتقدم على الناس في الإفاضة والإجازة (٥) ، وتنسأ الأشهر الحرم، وكان النفوذ والمناصب العليا والنسيء متوارثاً، يتوارثه الأبناء عن الآباء، وكانت طبقات مسخرة وطبقات سُوقة وعوام، فكان التفاوت الطبقي من مسلمات المجتمع العربي.
стр. 46
وكان الحرب والغزو مما طبعت عليه طبيعتهم العربية، وألهمتهم إياه معيشتهم البدوية، حتى صارت الحرب مسلاة لهم وملهى فقال قائلهم (١) :
وأحياناً على بكر أخينا *** إذا ما لم نجد إلا أخانا
هانت عليهم الحرب وإراقة الدماء حتى كانت تثيرها حادثة ليست بذات خطر، فقد وقعت الحرب بين بكر وتغلب ابني وائل ومكثت أربعين سنة أريقت فيها دماء غزيرة، وما ذاك إلا لأن كليباً- رئيس معدّ- رمى ضلع ناقة البسوس بنت منقذ فاختلط دمها بلبنها وقتل جساس بن مرة كليباً، واشتبكت الحرب بين بكر وتغلب، وكان كما قال المهلهل أخو كليب: ((قد فني الحيان وثكلت الأمهات ويتم الأولاد دموع لا ترقأ وأجساد لا تدفن (٢))
كذلك حرب داحس والغبراء فما كان سببها إلا أن داحساً فرس قيس بن زهير كان سابقاً في رهان بين قيس بن زهير وحذيفة بن بدر فعارضه أسدي بإيعاز من حذيفة فلطم وجهه وشغله ففاتته الخيل، وتلا ذلك قتل ثم أخذ بالثأر ونصر القبائل لأبنائها، وأسر ونزح للقبائل، وقتل في ذلك ألوف من الناس (٣) .
وكانت الحياة كلها شبكة محبوكة من تراث وثارات وفشت حبائلها في القبائل وأوصى بها الآباء والأبناء، وحملت العيشة البدوية وقلة أسباب الحياة، والطمع والجشع، والأحقاد والاستهانة بحياة الإنسان على الفتك والسلب والنهب، حتى كانت أرض الجزيرة كِفة حابل لا يدري الإنسان متى يغتال وأين ينهب. وكان الناس يُتخطفون من بين عشيرتهم في القوافل
، حتى احتاجت الدول القوية إلى الخفارة الساهرة، والبذرقة القوية (٤) ، فكانت عير كسرى تبذرق من المدائن حتى تدفع إلى النعمان بن المنذر بالحيرة، والنعمان يبذرقها بخفراء من بني ربيعة حتى
стр. 47
تدفع إلى بني هوذة بن علي الحنفي باليمامة فيبذرقها حتى تخرج من أرض بني حنيفة ثم تدفع إلى تميم وتجعل لهم جعالة فتسير بها إلى أن تبلغ اليمن وتسلم إلى عمال كسرى باليمن (١) .
ظهر الفساد في البر والبحر:
وبالجملة لم تكن على ظهر الأرض أمة صالحة المزاج، ولا مجتمع قائم على أساس الأخلاق والفضيلة، ولا حكومة مؤسسة على أساس العدل والرحمة، ولا قيادة مبنية على العلم والحكمة، ولا دين صحيح مأثور عن الأنبياء.
لمعات في الظلام:
وكان النور الضعيف الذي يتراءى في هذا الظلام المطبق من بعض الأديرة والكنائس أشبه بالحباحب الذي يضيء في ليلة شديدة الظلام فلا يخترق الظلام، ولا ينير السبيل، وكان الذي يخرج في ارتياد العلم الصحيح، وانتجاع الدين الحق يهيم على وجهه في البلاد، ترفعه أرض وتخفضه أخرى، حتى يأوي إلى رجال شواذ في الأمم والبلاد، فيلجأ إليهم كما يلجأ الغريق إلى ألواح سفينة مكسرة، هشمها الطوفان، يدل على ندرتهم خبر سلمان الفارسي أكبر الرواد الدينيين في القرن السادس الذي شرق وغرب في الفحص عنهم، ولم يزل يتنقل من الشام إلى الموصل، ومن الموصل إلى نُصيبين، ومن نصيبين إلى عمورية، ويوصي به بعضهم إلى بعض، حتى أتى على آخرهم فلم يجد لهم خامساً، وأدركه الإسلام في هذا الظلام، قال سلمان:
((لما قدمت الشام، قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة! قال فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون
стр. 48
معك أخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك، قال: فادخل، فدخلت معه، قال فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها أشياء اكتنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورِق، قال: وأبغضته بغضاً شديداً لما رأيته يصنع، ثم مات فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء، يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعط المساكين منها شيئاً، قالوا: وما علمك بذلك؟ قال قلت: أنا أدلكم على كنزه، قالوا: فدلنا عليه، قال فأريتهم موضعه، قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهباً وورقاً، قال: فلما رأوها، قالوا: والله لا ندفنه أبداً، فصلبوه ثم رجموه بالحجارة، ثم جاؤوا برجل آخر فجعلوه مكانه، قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلاً لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه وأزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة ولا أدأب ليلاً ونهاراً منه، قال: فأحببته حباً لم أحبه من قبل وأقمت معه زماناً، ثم حضرته الوفاة، فقلت له يا فلان: إني كنت معك وأحببتك حباً م أُحبه من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصى بي، وما تأمرني؟ قال: يا بني والله ما اعلم أحداً اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلاً بالموصل وهو فلان، فهو على ما كنت عليه فالحق به، قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان إن فلاناً أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره. قال: فقال لي: أقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة، قلت له: يا فلان، إن فلاناً أوصى بي أليك وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من الله ما ترى، فإلى من توصى بي وما تأمرني؟ قال: يا بني والله ما أعلم رجلاً على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به، فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فجئته فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبي، قال فأقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فو الله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر قلت له: يا فلان إن فلاناً كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى
من توصى بي وما تأمرني؟ قال: أي بني
стр. 49
والله ما نعلم أحداً بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلاً بعمورية فإنه بمثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته، قال: فإنه على أمرنا، قال فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية، وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي، فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم. قال: واكتسبت كان لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حُضِر قلت له: يا فلان، إني كنت مع فلان، فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصى بي وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجراً إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل)) الخ (١) .
стр. 50
الفصل الثاني
النظام السياسي والمالي في العصر الجاهلي
الملكية المطلقة:
كان العصر الجاهلي مسرحاً للحكم الجائر المستبد، فقد كانت السياسة في هذا العصر ملكية مطلقة، قد تقوم على تقديس البيوتات الخاصة، كما كان في فارس، فقد كان آل ساسان يعتقدون أن حقهم في الملك مستمد من الله، وقد عملوا كل ما في استطاعتهم للتأثير في رعاياهم حتى أذعنوا لهذا الحق الملكي المقدس وصارت لهم عقيدة يدينون بها، وقد تقوم على تقديس الملوك مطلقاً، فكان الصينيون يسمون ملكهم الإمبراطور ابن السماء، ويعتقدون أن السماء ذكر، والأرض أنثى، وقد ولد الكائنات، وكان الإمبراطور ختا الأول هو بكر هذين الزوجين (١) ، وكان الإمبراطور يعتبر كالأب الوحيد للأمة، له أن يفعل ما يشاء، وكانوا يقولون له: " أنت أبو الأمة وأمها " ولما مات الإمبراطور "لي يان" أو "تاي تسونغ" لبست الصين ثوب الحداد، وحزنت الأمة حزناً شديداً، فمنها من أثخن وجهه بالإبر، ومن قطع شعره، ومن ضرب أذنيه بجانب النعش. وقد تقوم على تقديس بعض الشعوب والأوطان كما كان في المملكة الرومية، فكان المبدأ الأساسي هو تقديس الوطن الرومي، والشعب الرومي. ولم تكن الأمم والبلاد إلا خادمة لمصلحتها وعروقاً يجري منها الدم إلى مركزها، فكانت الدولة تستهين في ذلك بكل حق ومبدأ، وتدوس كل شرف وكرامة، وتستحل كل ظلم وشنيعة، ولا يمنع بلاداً من هذا الحيف والظلم اشتراك في دين وعقيدة ولا إخلاص ووفاء للملكة، ولا يعترف لها في زمن من الأزمان بحق حكمها نفسها بنفسها والتمتع بحقوقها في أرضها إنما هي ناقة ركوب في بعض الأحيان، حلوب في بعضها، لا يقدم لها العلف إلا ما يقيم صلبها ويدر ضرعها.
стр. 51
يقول (Robert Briffault) عن الدولة الرومية:
((لم يكن سبب انقراض الدولة الرومية وسقوطها الأساسي الفساد الزائد (كالرشوة وغيرها) بل كان الفساد والشر وعدم المطابقة بالواقع مما صحب نشوء هذه الدولة من أول يومها وتغلغل في أحشائها. إن كل مؤسسة بشرية تقوم على أساس زائف منها ولا تستطيع أن تنقذ نفسها بذكاء أو نشاط، ولما كان الفساد مما قامت عليه هذه الدولة فكان لا بد أن تبيد يوماً وتنهار، لقد رأينا أن الدولة الرومية إنما كانت وسيلة لرفاهية طبقة صغيرة على حساب الجماهير الذين كانت هذه الطبقة تستغلهم وتمتص دمائهم. لقد كانت التجارة تسير في رومة بأمانة وعدل وقد كان ذلك مما طبعت عليه هذه الدولة، وقد كانت فائقة في قوة الحكم والقضاء، وفي الكفاءة، ولكن هذه المحاسن كلها لم تكن لتحفظ الدولة من عواقب الزيف الأساسي والخطأ (١)) .
الحكم الروماني في مصر والشام:
يقول الدكتور الفرد. ج. بتلر عن الحكم الروماني في مصر:
((إن حكومة مصر (الرومية) لم يكن لها إلا غرض واحد، وهو أن تبتز الأموال من الرعية لتكون غنيمة للحاكمين، ولم يساورها أن تجعل قصد الحكم توفير الرفاهية للرعية أو ترقية حال الناس والعلو بهم في الحياة أو تهذيب نفوسهم أو إصلاح أمور أرزاقهم، فكان الحكم على ذلك حكم الغرباء لا يعتمد إلا على القوة ولا يحس بشيء من العطف على الشعب المحكوم (٢)) .
ويقول مؤرخ عربي شامي عن الحكم الروماني في الشام:
((كانت معاملة الروماني للشاميين بادئ ذي بدء عادلة حسنة مع ما كانت عليه مملكتهم في داخليتها من المشاغب والمتاعب. ولما شاخت دولتهم انقلبت إلى أتعس
стр. 52
ما كانت عليه من الرق والعبودية، ولم تضف رُومية بلاد الشام مباشرة ولم يصبح سكانها وطنيين رومانيين، ولا أرضهم أرضاً رومانية، بل ظلوا غرباء ورعايا، وكثيراً ما كانوا يبيعون
أبنائهم ليوفوا ما عليهم من الأموال، وقد كثرت المظالم والسخرات والرقيق، وبهذه الأيدي عمر الرومان ما عمروا من المعاهد والمصانع في الشام (١)) .
((حكم الرومان الشام سبعمائة سنة بدأ معهم في البلاد النزاع والشقاق والاستبداد والأنانية وقتل الأنفس، وحكم اليونان الشام ٣٦٩ سنة سادت في عهدهم الحروب الطاحنة والمظالم وظهرت المطامع اليونانية بأعظم مظاهرها وكان حكمهم من أشد الويلات وأشأم النكبات على الأمة الشامية (٢)) .
وبالاختصار كانت الولايات الرومية والفارسية غير مرتاحة في حكم الأجانب، وكانت الأحوال السياسية والاقتصادية مضطربة حتى في مراكز الدولة وعواصمها.
نظام الجباية والخراج في إيران:
ولم يكن النظام المالي والسياسة المالية في إيران عادلة مستقرة بل كانت جائرة مضطربة في كثير من الأحوال، تابعة لأخلاق الجباة العاملين وأهوائهم والأحوال السياسية والحربية.
يقول مؤلف ((إيران في عهد الساسانيين)) :
((كان الجباة لا يتحرزون من الخيانة واغتصاب الأموال في تقدير الضرائب وجباية الأموال، ولما كانت الضرائب تختلف كل سنة وتزيد وتنقص لم يكن دخل الدولة وخرجها مقدرين مضبوطين، وقد كانت الحرب تنشب في بعض الأحيان وليست عند الدولة أموال تنفقها على الحرب، فكان يلجئها ذلك إلى ضرائب
стр. 53
جديدة، وكانت المقاطعات الغربية الغنية- وخاصة بابل- هدف هذه الضرائب دائماً (١)) .
كنوز الملوك ومدخراتهم:
ولم يكن ما ينفق على أهل البلاد في إيران من مالية الدولة شيئاً كثيراً. وقد اعتاد ملوك إيران من القديم أن يكتنزوا النقود ويدخروا الطرف والأشياء الغالية (٢) ، ولما نقل خسرو
الثاني في المدائن أمواله إلى بناية أحدثها سنة ٦٠٧- ٦٠٨م وكان ما نقله ٤٦٠ مليون وثمانية ملايين مثقال ذهب وذلك ما يساوي ٣٧٠ مليون وخمسة ملايين فرنك ذهبي، وفي العام الثالث عشر من جلوسه على العرش كان في خزانته ٨٠٠ مليون مثقال ذهب (٣) .
الفصل الشاسع بين طبقات المجتمع:
كان الغنى لأفراد معدودين والفقر لمعظم الأهلين، يقول مؤلف " إيران في عهد الساسانيين " عن أخصب عهد من عهود إيران وعن أعدل ملك من ملوكها وهو كسرى أنوشروان:
((إن ما قام به كسرى من إصلاح النظام المالي كان في مصلحة مالية المملكة أكبر منه في مصلحة الرعية، فلم تزل العامة يعيشون في الجهل والضنك كما كانوا في السابق وما شاهد الفلاسفة البيزنطيون من فوارق نسبية بين طبقات المجتمع والفصل الشاسع بينها والبؤس الذي كان يعش فيه رجال الطبقات المنحطة أقلق خاطرهم وانتقدوا المجتمع الفارسي بقولهم: إن الأقوياء فيه يقهرون الضعفاء ويعاملونهم بظلم وبقسوة شديدة (٤)) .
стр. 54
وكانت المناصب وقفاً على بعض البيوتات والسلائل ذات الثروة والجاه والنفوذ عند الحكام.
ويقول (Robert Briffault) عن النظام الطبقي في الدولة الرومية:
((مما جرت العادة أنه إذا أصيبت مؤسسة اجتماعية بالزوال والانحطاط لا يرى القائمون عليها حيلة إلا أن يمنعوها من الحركة والتطور، لذلك كان المجتمع الرومي (في عهد الانحطاط) خاضعاً لنظام طبقي جائر يرزح تحته، وما كان لأحد في هذا المجتمع أن يغير حرفته، وكان لا بد للابن أن يتخذ حرفة أبيه (١)) .
الفلاحون في إيران:
أثقلت الضرائب المتنوعة المتجددة كاهل الجمهور حتى ترك كثير من المزارعين أعمالهم أو دخلوا الأديرة فراراً من الضرائب والخدمة العسكرية لأمة لا يحبونها أو لغرض لا يتحمسون له وفشت في الناس البطالة والجنايات وطرق غير شرعية للكسب.
يصر قول مؤلف " إيران في عهد الساسانيين ":
((كان الفلاحون في شقاء وبؤس عظيم وكانوا مرتبطين بأراضيهم، وكانوا يُستخدمون مجاناً ويكلفون كل عمل، يقول المؤرخ " اميان مارسيلينوس " إن هؤلاء الفلاحين البؤساء كانوا يسيرون خلف الجيوش مشاة كأنه قد كتب عليهم الرق الدائم، ولم يكونوا ينالون إعانة أو تشجيعاً من راتب أو أجرة (٢) وكانت علاقة الفلاحين بالملاك أصحاب الأراضي كعلاقة العبيد بالسادة (٣)) .
стр. 55
الاضطهاد والاستبداد:
واضطهد اليوم في الشام والعراق واليعقوبيون في مصر اضطهاداً كبيراً واستبد الحكام استبداداً شديداً وعاثوا في البلاد والدماء والأموال والأعراض. وتصامَّ أهل الحل والعقد عن شكواهم حتى صار الناس يعدون هذه الأوضاع الفاسدة ضربة لازب وقضاء محتوماً، وصاروا في بعض الأيام يفضلون الموت على الحياة.
المدنية المصطنعة والحياة المترفة:
استحوذت على الناس في الدولتين- الفارسية والرومية- حياة الترف والبذخ وطغى عليهم بحر المدينة المصطنعة والحياة المزورة وغرقوا فيه إلى أذقانهم. فكان ملوك فارس والروم وأمراء الدولتين سادرين في غفلتهم لا هم لهم إلا اللذة والتهام الحياة، وبذخوا بذخاً عظيماً تخطى القياس، ودققوا في مرافق المعيشة وفضول المدنية وحواشي الحياة تدقيقاً عظيماً جداً،
فكان لكسرى أبرويز ١٢ ألف امرأة وخمسون ألف جواد وشيء لا يحصى من أدوات الترف والقصور الباذخة ومظاهر الثروة والنعمة، وقصره مثال في الأبهة والغنى (١) ، يقول مكاريوس:
((لم يرو في التاريخ أن مليكاً بذخ وتنعم مثل الأكاسرة الذين كانت تأتيهم الهدايا والجرايات من كل البلدان الواقعة ما بين الشرق الأقصى والشرق الأدنى (٢) ولما خرجوا من العراق في الفتح الإسلامي تركوا في الخزائن من الثياب والمتاع والآنية والفضول والألطاف والأدهان ما لا يدرى ما قيمته)) .
وقد وجد العرب قبابا تركية مملوءة سلالاً مختمة بالرصاص، قال العرب: فما حسبناها إلا طعاماً فإذا هي آنية الذهب والفضة (٣)) .
стр. 56
ووصف المؤرخون العرب بهار كسرى الذي أصابه المسلمون يوم المدائن فقالوا:
((هو ستون ذراعاً في ستين ذراعاً، بساط واحد مقدار جريب، أرضه بذهب ووشيه بفصوص وثمره بجوهر وورقه بحرير وماء الذهب فيه طرق كالصور وفصوص كالأنهار، وخلال ذلك كالدير، وفي حافاته كالأرض المزروعة، والأرض المبقلة بالنبات في الربيع من الحرير على قضبان الذهب، ونواره بالذهب والفضة وأشباه ذلك، وكانوا يعدونه للشتاء، إذا ذهبت الرياحين، فكانوا إذا أرادوا الشرب شربوا عليه فكأنهم في رياض (١)) ، وهذا يدل على ما وصل إليه البذخ والترفه في المدنية الفارسية.
كذلك كان الشام في الدولة الرومية وحواضرها، وكانت الدولتان والمدنيتان - الفارسية والرومية.. كفرسي رهان في البذخ والترفه في دقائق المدنية، وقد بذخ الأباطرة ونوابهم وأمراؤهم في الشام بذخاً عظيماً وحوى بلاطهم وقصورهم ومجالس شربهم ولهوهم من آلات الترف وأسباب الرفاهية شيئاً كثيراً، وبلغت من الترف والأناقة شأوا بعيداً، وقد وصف حسان بن ثابت الشاعر المخضرم مجلس جبلة بن الأيهم الغساني فقال: لقد رأيت
عشر قيان خمس روميات يغنين بالرومية بالبرابط وخمس يغنين غناء أهل الحيرة أهداهن إليه إياس بن قبيصة وكان يفد إليه من يغنيه من العرب من مكة وغيرها، وكان إذا جلس للشراب فرش تحته الآس والياسمين وأصناف الرياحين وضرب له العنبر والمسك في صحاف الفضة والذهب وأتى بالمسك الصحيح في صحاف الفضة وأوقد له العود المندَّي إن كان شاتياً، وإن صائفاً بطن بالثلج وأتي هو وأصحابه بكسى صيفية يتفضل هو وأصحابه بها في الصيف، وفي الشتاء الفراء الفنك وما أشبهه (٢) .
стр. 57
وكان الأمراء والأقيال والأغنياء ورجال البيوتات الشريفة وأفراد الطبقة الوسطى على آثار الملوك يحاولون أن يقلدوهم في لباسهم وطعامهم ومجالسهم وترفهم وكانوا يأخذون أنفسهم بعاداتهم ومناهج حياتهم، وارتفع مستوى الحياة ارتفاعاً عظيماً وتعقدت المدنية تعقداً عظيماً، وصار الواحد ينفق على نفسه وعلى جزء من لباسه ما يشبع قرية أو يكسو قبيلة، وكان لابد منه لكل شريف أو وجيه، حتى إذا أخل به وأغفله أشير إليه بالبنان وتفادته العيون، حتى صار ذلك واجباً من وجبات الحياة وشريعة من شرائع المجتمع التي لا يحل العدول عنها. عن الشعبي قال: كان أهل فارس يجعلون قلانسهم على قدر أحسابهم في عشائرهم، فمن تم شرفه فقيمة قلنسوته مائة ألف، وكان هرمز ممن تم شرفه فكانت قيمتها مائة ألف وكانت مفصصة بالجوهر (١) ، وتمام شرف أحدهم أن يكون من بيوتات السبعة ومن الأزادية كان مرزبان الحيرة أزمان كسرى، وكان قد بلغ نصف الشرف، وكانت قيمة قلنسوته خمسين ألفاً (٢) وبيع ما على رستم بسبعين ألفاً وكانت قيمة قلنسوته مائة ألف (٣) .
درج الناس على هذه المدنية المترفة وعاداتها الفاسدة ورضعوا بلبانها ونشأوا عليها حتى أصبحت لهم الطبيعة الثانية، وعز عليهم الفصال وشق عليهم أن يتنازلوا إلى الحياة الطبعية البسيطة حتى في ساعة عصيبة وفي فاقة واضطرار، ذكروا أن يزدجرد آخر ملوك فارس لما فر من المدائن أخذ معه ألف طاه وألف مغن وألف قيم للنمور وألف قيم للبزاة وآخرين وكان
يستقل هذا العدد (٤) ، واستسقى الهرمزان ملك الأهواز أمام عمر فأتى به في قدح غليظ، فقال: لو مت عطشاً لم أستطع أن أشرب في مثل هذا. فأتي به في إناء يرضاه (٥) .
стр. 58
الزيادة الباهظة في الضرائب:
كانت نتيجة هذا البذخ والترف الطبيعية الزيادة الباهظة في الضرائب وسن القوانين الجديدة لابتزاز الأموال من طبقات الفلاحين والصناع والتجار وأهل الحرف حتى وصلت إلى حد الإرهاق وأثقلت كاهل الأهلين وانقضت ظهرهم.
يقول مؤلف " إيران في عهد الساسانيين ":
وقد جرت عادة ملوك إيران بقبول الهدايا والتقديمات من الرعية وكانوا يسمون ذلك " آيين" وكان ذلك علاوة على الضرائب الرسمية، وكانوا يأخذون من الناس الهدايا جبراً يوم نوروز والمهرجان وكانت مناجم الذهب في أرمينيا ملكاً للملك ولنفقاته الخاصة (١)) .
ويقول المؤرخ العربي الشامي:
((كان يقضي على الشعب الشامي أن يؤدي الجزية وعشر غلاته وأتاوة من المال ورسماً على كل رأس، وللشعب الروماني موارد مهمة من الجمارك والمناجم والضرائب والحقول الصالحة لزرع الحنطة والمراعي يؤجرونها من شركات المتعهدين يسمونهم العشارين، يبتاعون من الحكومة حق جباية الخراج، وفي كل ولاية عدة شركات من العشارين، ولكل شركة مستخدمون من الكتاب والجباة يظهرون في مظهر السادة، ويتناولون أكثر مما يجب لهم أخذه، ويسلبون نعمة الأهلين، وكثيراً ما يبيعونهم كما يباع الرقيق (٢)) .
((أوجز أحدهم السياسة الإمبراطورية في الرومان بقوله: ((الراعي الصالح يجز صوف غنمه ولا ينتفه)) فمضى القرنان وأباطرة الرومان يكتفون بجز سكان مملكتهم يسلبون منهم كثيراً من الأموال ولكنهم يحمونهم من العدو الخارجي (٣)) .
стр. 59
شقاء الجمهور:
وهكذا أصبح أهل البلاد في كلتا المملكتين طبقتين متميزتين تمام التمييز: طبقة الملوك والأمراء ورجال البلاط الملكي وأسرهم وعشائرهم والمتصلون بهم والأغنياء، فكانوا يعيشون بين الأزهار والرياحين ويتقلبون في أعطاف النعيم، وينعلون أفراسهم عسجداً، ويكسون بيوتهم حريراً وسندساً.
وطبقة الفلاحين والصناع والتجار الصغار وأهل الحرف والأشغال، كانوا في جهد من العيش يرزخون تحت أثقال الحياة والضرائب والإتاوات ويرسفون في القيود والأغلال ويعيشون عيش البهائم، لا حظ لهم في الحياة إلا العمل لغيرهم والشقاء لنعيمهم ولا همَّ لهم إلا الأكل والعلف، فإذا سئموا هذا العيش المر تعللوا بالمسكرات والملهيات، وإذا تنفسوا من هذا العناء رتعوا في المحرمات، ورغم هذا الجهد في لمعيشة يجهدون أنفسهم في تقليد رجال الطبقة العليا في كثير من أساليب حياتهم، فكان ذلك أشد من الجهد في سبيل الكفاف من الرزق والبلغة من العيش، فتنغص حياتهم، ويتكدر صفوهم ويشتغل بالهم.
بين غنى مطغ وفقر منس:
وهكذا ضاعت رسالة الأنبياء، والأخلاق الفاضلة والمبادئ السامية في العالم المتمدن المعمور بين غنى مطغ وفقر منس، وأصبح لغني في شغل عن الدين والاهتمام بالآخرة والتفكير في الموت وما بعده بنعيمه وترفه، وأصبح الفلاح أو العامل في شغل عن الدين كذلك لهمومه وأحزانه وتكاليف حياته، وأصبحت الحياة ومطالبها همَّ الغني والفقير وشغلهما الشاغل، وكانت رحى الحياة تدور حول الناس في قوة لا يرفعون فيها إلى الدين والآخرة رأساً، ولا يتفرغون لما يتصل بالروح والقلب والمعاني السامية ساعة.
تصوير الجاهلية:
وقد صور أحد كبار علماء الإسلام (١) هذه الحال فأجاد التصوير، قال:
стр. 60
((اعلم أن العجم والروم لما توارثوا الخلافة قروناً كثيرة وخاضوا في لذة الدنيا ونسوا الدار الآخرة واستحوذ عليهم الشيطان، وتعمقوا في مرافق المعيشة وتباهوا بها، وورد عليهم حكماء الآفاق يستنبطون لهم دقائق المعيشة ومرافقها، فما زالوا يعملون بها ويزيد بعضهم على بعض ويتباهون بها حتى قيل إنهم كانوا يعيرون من كان يلبس من صناديدهم منطقة أو تاجاً قيمتها دون مائة ألف درهم أو لا يكون له قصر شامخ وآبزن (١) وحمام وبساتين، ولا يكون له دواب فارهة وغلمان حسان، ولا يكون له توسع في المطاعم وتجمل في الملابس وذكر ذلك يطول، وما تراه من ملوك بلادك يغنيك عن حكاياتهم، فدخل كل ذلك في أصول معاشهم، وصار لا يخرج من قلوبهم إلا أن تمزع، وتولد من ذلك داء عضال دخل في جميع أعضاء المدينة وآفة عظيمة، ولم يبق منهم أحد من أسواقهم ورستاقهم وغنيهم وفقيرهم، إلا قد استولت عليه وأخذت بتلابيبه، وأعجزته في نفسه وأهاجت عليه غموماً وهموماً لا أرحاء لها، وذلك أن تلك الأشياء لم تكن لتحصل إلا ببذل أموال خطيرة، ولا تحصل تلك الأموال إلا بتضعيف الضرائب على الفلاحين والتجار وأشباههم والتضييق عليهم، فإن امتنعوا قاتلوهم وعذبوهم، وإن أطاعوا جعلوهم بمنزلة الحمير والبقر تستعمل في النضح والدياس والحصاد، ولا تقتنى إلا ليستعان بها في الحاجات، ثم لا تترك ساعة من الغناء، حتى صاروا لا يرفعون رؤوسهم إلى السعادة الأخروية أصلاً ولا يستطيعون ذلك، وربما كان إقليم واسع ليس فيه أحد يهمه دينه (٢)) .
стр. 61
******************************
الباب الثاني
من الجاهلية إلى الإسلام
الفصل الأول
منهج الأنبياء في الإصلاح والتغيير
العالم الذي واجهه محمد ﷺ :
بعث محمد بن عبد الله ﷺ والعالم بناء أصيب بزلزال شديد هزه هزاً عنيفاً، فإذ كل شيء فيه في غير محله، فمن أساسه ومتاعه ما تكسر، ومنه ما التوى وانعطف، ومنه ما فارق محله اللائق به وشغل مكاناً آخر، ومنه ما تكدس وتكوم.
نظر إلى العالم بعين الأنبياء فرأى إنساناً قد هانت عليه إنسانيته، رآه يسجد للحجر والشجر والنهر، وكل مالا يملك لنفسه النفع والضر.
رأى إنساناً معكوساً قد فسدت عقليته، فلم تعد تسيغ البديهيات، وتعقل الجليات، وفسد نظام فكره، فإذا النظري عنده بديهي وبالعكس، يستريب في موضع الجزم، ويؤمن في موضع الشك. وفسد ذوقه فصار يستحلي المر ويستطيب الخبيث، ويستمرئ الوخيم، وبطل حسه فأصبح لا يبغض العدو الظالم، ولا يحب الصديق الناصح.
رأى مجتمعاً هو الصورة المصغرة للعالم، كل شيء فيه في غير شكله أو في غير محله، قد أصبح فيه الذئب راعياً والخصم الجائر قاضياً، وأصبح المجرم فيه سعيداً حظيا، والصالح محروماً شقياً لا أنكر في هذا المجتمع من المعروف، ولا أعرف من المنكر، ورأى عادات فاسدة تستعجل فناء البشرية، وتسوقها إلى هوة الهلاك.
رأى معاقرة الخمر إلى حد الإدمان، والخلاعة والفجور إلى حد الاستهتار، وتعاطي الربا إلى حد الاغتصاب واستلاب الأموال ورأى الطمع وشهوة المال إلى حد الجشع والنهامة ورأى القسوة والظلم إلى حد الوأد وقتل الأولاد.
رأى ملوكاً اتخذوا بلاد الله دولاً، وعباد الله خولاً، ورأى أحباراً ورهباناً أصبحوا أرباباً من دون الله، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله.
стр. 62
رأى المواهب البشرية ضائعة أو زائغة لم ينتفع بها ولم توجه التوجيه الصحيح، فعادت وبالا على أصحابها وعلى الإنسانية، فقد تحولت الشجاعة فتكاً وهمجية، والجواد تبذيراً وإسرافاً، والأنفة حمية جاهلية، والذكاء شطارة وخديعة، والعقل وسيلة لابتكار الجنايات، والإبداع في إرضاء الشهوات.
رأى أفراد البشر والهيئات البشرية كخامات لم تحظ بصانع حاذق، ينتفع بها في هيكل الحضارة، وكألواح الخشب لم تسعد بنجار يركب منها سفينة تشق بحر الحياة.
رأى الأمم قطعاناً من الغنم ليس لها راع، والسياسة كجمل هائج حبله على غاربه، والسلطان كسيف في يد سكران يجرح به نفسه، ويجرح به أولاده وإخوانه.
نواحي الحياة الفاسدة:
إن كل ناحية من نواحي هذه الحياة الفاسدة تسترعي اهتمام المصلح وتشغل باله، فلو كان رجل من عامة رجال الإصلاح لتوفر على إصلاح ناحية من نواحيها، وظل طول عمره يعالج عيباً من عيوب المجتمع ويعانيه، ولكن نفسية الإنسان معقدة التركيب دقيقة النسج كثيرة المنافذ والأبواب، خفية التخلص والتنصل، وإنها إذا زاغت أو اعوجت لا يؤثر فيها إصلاح عيب من عيوبها وتغيير عادة من عاداتها، حتى يغير اتجاهها من الشر إلى الخير ومن الفساد إلى الصلاح، وتقتلع جرثومة الفساد من النفس البشرية التي قد تنبت بفساد المجتمع واختلال التربية كما تنبت الحشائش الشيطانية في أرض كريمة، وتحسم مادة الشر ويغرس فيها حب الخير والفضيلة ومخافة الله .
وكل داء من أدواء المجتمع الإنساني وكل عيب من عيوب الجيل الحاضر يتطلب إصلاحه حياة كاملة، ويستغرق عمر إنسان بطوله، وقد يستغرق أعمار طائفة من المصلحين ولا يزول، فإذا ذهب أحد يطارد الخمر في بلاد قد نشأت على حياة الترف والبذخ ودانت باللهو واللذة أعياه أمرها وحبطت جهوده، لأن شرب الخمر ليس إلا نتيجة نفسية تعشق
اللذة حتى في السم، وتبتغي النشوة حتى في الإثم، فلا تهجره بمجرد الدعاية والنشر والكتب الخطب وبيان مضاره الطبية
стр. 63
ومفاسده الخلقية، وبسن القوانين الشديدة والعقوبات الصارمة (١) لا تهجره إلا بتغيير نفس عميق، وإذا أرغمت على تركه بغير هذا التغيير تسللت إلى غيره من أنواع الجريمة واستباحته بتغيير الأسماء والصور.
لم يكن الرسول رجلاً إقليمياً أو زعيماً وطنياً:
وكان مجال العمل في بلاد العرب فسيحاً إذا كان الرسول ﷺ رجلاً إقليمياً وسار في قومه سيرة القادة السياسيين والزعماء الوطنيين، كان له أن يعقد للأمة العربية لواء تنضم إليه قريش والقبائل العربية، ويكوِّن إمارة عربية قوية موحدة يكون رئيسها، ولاشك أن أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وغيرهما كانوا في مقدمة من ينضم إلى هذا اللواء القومي، ويقاتلون تحته ويقلدونه الزعامة. أما كانوا يشهدون بصدقه وأمانته؟ أما حكموه في أكبر حادث من حوادث حياتهم المكية ومنحوه أكبر شرف، إذ حكموه في وضع الحجر الأسود في مكانه من البيت؟ أما قالوا له على لسان عتبة، وهم ما عرفوا الإغراء السياسي: ((إن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأساً ما بقيت (٢)) ، وإذا صار له ذلك كان يمكنه أن يرمي الدولة الفارسية بفرسان العرب وشجعانهم، وينتصر للعروبة المهضومة، وينتصر من العجم الظالمين، ويغرز علم الفتح العربي والمجد القومي على هضاب الروم وفارس، وإذا لم يكن من حكمة السياسة أن يناجز إحدى الإمبراطوريتين في ذلك الحين، فكان يمكنه أن يغير على اليمن أو الحبشة أو جارة أخرى ويصمها إلى الإمارة العربية الوليدة.
وكانت في الحياة العربية نواح اجتماعية واقتصادية كثيرة تحتاج إلى حنكة
стр. 64
سياسي وكفاية إداري وعزيمة عصامي وابتكار عبقري، فلو قيض لها رجل من هؤلاء الرجال لكان للعرب شأن كبير وتاريخ جديد.
لم يبعث لينسخ باطلا بباطل:
ولكنّ محمداً ﷺ لم يبعث لينسخ باطلاً بباطل ويبدل عدواناً بعدوان، ويحرم شيئاً في مكان ويحله في مكان آخر، ويبدل أثرة أمة بأثرة أمة أخرى، لم يبعث زعيماً وطنياً أو قائداً سياسياً، يجر النار إلى قرصه ويصغي الإناء إلى شقه، ويخرج الناس من حكم الفرس والرومان إلى حكم عدنان وقحطان. وإنما أرسل إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، إنما أرسل ليخرج عباد الله جميعاً من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ويخرج الناس جميعاً من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.
فلم يكن خطابه لأمة دون أمة ووطن دون وطن، ولكن كان خطابه للنفس البشرية وللضمير الإنساني، وكانت أمته العربية لانحطاطها وبؤسها أحق من يبدأ به مهمته الإصلاحية وجهاده العظيم، وكانت أم القرى والجزيرة العربية لموقعها الجغرافي واستقلالها السياسي خير مركز لرسالته، وكانت الأمة العربية بخصائصها النفسية ومزاياها الأدبية خير محل لدعوته وخير داعية لرسالته.
قفل الطبيعة البشرية ومفتاحها:
ولم يكن ﷺ من عامة المصلحين الذين يأتون البيوت من ظهورها، أو يتسللون إليها من نوافذها، ويكافحون بعض الأدواء الاجتماعية والعيوب الخلقية فحسب،
فمنهم من يوفق لإزالة بعضها مؤقتاً في بعض نواحي البلاد، ومنهم من يموت ولم ينجح في مهمته (١) .
стр. 65
أتى النبي ﷺ بيت الدعوة والإصلاح من بابه، ووضع على قفل الطبيعة البشرية مفتاحه، ذلك القفل المعقد الذي أعيا فتحه جميع المصلحين في عهد الفترة، وكل من حاول فتحه من بعده بغير مفتاحه. ودعا الناس إلى الإيمان بالله وحده، ورفض الأوثان والعبادات والكفر بالطاغوت بكل معاني الكلمة وقام في القوم ينادي: ((يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا!)) ودعاهم إلى الإيمان برسالته، والإيمان بالآخرة.
стр. 66
الفصل الثاني
رحلة المسلم من الجاهلية إلى الإسلام
دفاع الجاهلية عن نفسها:
ما أخطأ المجتمع الجاهلي فهم هذه الدعوة ومراميها، وما غُمَّ على أهله أمرها، وأدركوا عندما قرع أسماعهم صوت النبي ﷺ أن دعوته إلى الإيمان بالله وحده سهم مسدَّد إلى كبد الجاهلية ونعي لها، فقامت قيامة الجاهلية ودافعت عن تراثها دفاعها الأخير، وقاتلت في سبيل الاحتفاظ به قتال المستميت، وأجلبت على الداعي ﷺ بخيلها ورجلها، وجاءت بحدها وحديدها: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ ووجد كل ركنٍ من أركان هذه الحياة ومن أثافي الجاهلية نفسه مهدداً وحياته منذرة، وهنا وقع ما تحدث عنه التاريخ من حوادث الاضطهاد والتعذيب، وكان ذلك آية توفيق النبي ﷺ لأنه أصاب الغرض، وضرب على الوتر الحساس، وأصاب الجاهلية في صميمها وفي مقتلها، وثبت النبي ﷺ على دعوته ثبوتاً دونه ثبوت الراسيات، لا يثنيه أذى، ولا يلويه كيد، ولا يلتفت إلى إغراء، ويقول لعمه: ((يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه (١)) .
في سبيل الدين الجديد:
مكث رسول الله ﷺ ثلاث عشرة حجة يدعو إلى الله وحده والإيمان برسالته واليوم الآخر في كل صراحة، لا يكنى ولا يلوّح ولا يلين، ولا يستكين ولا يحابي ولا يداهن ويرى في ذلك دواء لكل داء، وقامت قريش وصاحوا به من كل جانب، ورموه عن قوس واحدة، وأضرموا البلاد عليه ناراً ليحولوا بينه وبين أبنائهم وإخوانهم فأصبح الإيمان
به والانحياز له جد الجد، لا يتقدم إليه إلا جاد مخلص
стр. 67
هانت عليه نفسه، وعزم على أن يقتحم لأجله النيران، وتمشي إليه ولو على حسك السعدان، فتقدم فتية من قريش لا يستخفهم طيش الشباب، ولا يستهويهم مطمع من مطامع الدنيا، إنما همهم الآخرة وبغيتهم الجنة، سمعوا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فضاقت عليهم الحياة الجاهلية بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وقلقت بهم مضاجعهم، فكأنهم على الحسك، ورأوا أنهم لا يسعهم إلا الإيمان بالله ورسوله فآمنوا وتقدموا إلى النبي ﷺ ، وهو في بلدهم وبين سمعهم وبصرهم فكانت رحلة طويلة شاقة لما أقامت قريش بينه وبين قومه من عقبات، ووضعوا أيديهم في يديه، وأسلموا أنفسهم وأرواحهم إليه، وهم من حياتهم على خطر، ومن البلاء والمحنة على يقين، سمعوا القرآن بقول: ﴿الم ﴿١﴾ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ وسمعوا قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ فما كان من قريش إلا ما توقعوه، وقد نثرت كنانتها، وأطلقت عليهم كل سهم من سهامها، فما زادهم كل هذا إلا ثقة وتجلداً، وقالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ ولم يزدهم هذا البلاء والاضطهاد في الدين إلا متانة في عقيدتهم وحمية لدينهم ومقتاً للكفر وأهله، وإشعالاً لعاطفتهم وتمحيصاً لنفوسهم فأصبحوا كالتبر المسبوك واللجين الصافي، وخرجوا من كل محنة وبلاء خروج السيف بعد الجلاء.
التربية الدينية:
هذا والرسول ﷺ يغذِّي أرواحهم بالقرآن ويربي نفوسهم بالإيمان ويخضعهم أمام رب العالمين خمس مرات في اليوم عن طهارة بدن وخشوع قلب وخضوع جسم وحضور عقل، فيزدادون كل يوم سمو روح ونقاء قلب ونظافة خلق وتحرراً من سلطان الماديات ومقاومة للشهوات ونزوعاً إلى رب الأرض والسموات، ويأخذهم بالصبر على
الأذى والصفح الجميل وقهر النفس، لقد رضعوا حب الحرب وكأنهم ولدوا مع السيف، وهم من أمة، من أيامها حرب
стр. 68
بسوس وداحس والغبراء، وما يوم الفجار ببعيد. ولكن الرسول يقهر طبيعتهم الحربية ويكبح نخوتهم العربية، ويقول لهم: ﴿كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ فانقهروا لأمره وكفوا أيديهم، وتحملوا من قريش ما تسيل منه النفوس في غير جبن وفي غير عجز، ولم يسجل التاريخ حادثة دافع فيها مسلم في مكة عن نفسه بالسيف مع كثرة الدواعي الطبيعية إلى ذلك وقوتها، وذلك غاية ما روي في التاريخ من الطاعة والخضوع، حتى إذا تعدت قريش في الطغيان وبلغ السيل الزبى أذن الله لرسوله ولأصحابه بالهجرة: وهاجروا إلى يثرب وقد سبقهم إليها الإسلام.
في مدينة الرسول ﷺ :
والتقى أهل مكة بأهل يثرب. لا يجمع بينهم إلا الدين الجديد. فكان أروع منظر لسلطان الدين شهده التاريخ. وكان الأوس والخزرج لم ينفضوا عنهم غبار حرب بعاث. ولا تزال سيوفهم تقطر دماً. فألَّف الإسلام بين قلوبهم. ولو أنفق أحد ما في الأرض جميعاً ما ألَّف بين قلوبهم. ثم آخى رسول الله ﷺ بينهم وبين المهاجرين. فكانت أخوة تزري بأخوة الأشقاء. وتبذ كل ما روي في التاريخ من خلة الأخلاء.
كانت هذه الجماعة الوليدة- المؤلفة من أهل مكة المهاجرين وأهل يثرب الأنصار- نواة للأمة الإسلامية الكبيرة التي أخرجت للناس ومادة للإسلام، فكان ظهور هذه الجماعة في هذه الساعة العصيبة وقاية للعالم من الانحلال الذي كان يهدده. وعصمة للإنسانية من الفتن والأخطار التي أحدقت بها. لذلك قال الله تعالى لما حض على الأخوة والألفة بين المهاجرين والأنصار: ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ .
انحلت العقدة الكبرى:
ولم يزل الرسول ﷺ يربيهم تربية دقيقة عميقة. ولم يزل القرآن يسمو بنفوسهم ويذكي جمرة قلوبهم. ولم تزل مجالس الرسول ﷺ تزيدهم
رسوخاً في الدين وعزوفاً عن الشهوات، وتفانياً في سبيل المرضاة، وحنيناً إلى الجنة، وحرصاً على العلم وفقهاً في الدين ومحاسبة للنفس. يطيعون الرسل في المنشط والمكره. وينفرون في سبيل الله خفافاً وثقالاً. قد خرجوا مع الرسول للقتال سبعاً وعشرين مرة في عشر سنين. وخرجوا بأمره لقتال العدو أكثر من مائة مرة. فهان عليهم
стр. 69
التخلي عن الدنيا وهانت عليهم رزيئة أولادهم ونسائهم في نفوسهم. ونزلت الآيات بكثير مما لم يألفوه ولم يتعودوه. وبكل ما يشق على النفس إتيانه في المال والنفس والولد والعشيرة فنشطوا وخفوا لامتثال أمرها. وانحلت العقدة الكبرى- عقدة الشرك والكفر- فانحلت العقد كلها وجاهدهم الرسول جهاده الأول فلم يحتج إلى جهاد مستأنف لكل أمر ونهي. وانتصر الإسلام على الجاهلية في المعركة الأولى- فكان النصر حليفه في كل معركة، وقد دخلوا في السلم كافة بقلوبهم وجوارحهم وأرواحهم كافة، لا يشاقون الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، ولا يجدون في أنفسهم حرجاً مما قضى ولا يكون لهم الخيرة من بعد ما أمر أو نهى. حدثوا الرسول عما اختانوا أنفسهم، وعرضوا أجسادهم للعذاب الشديد إذا فرطت منهم زلة استوجبت الحد- نزل تحريم الخمر والكئوس المتدفقة على راحاتهم، فحال أمر الله بينها وبين الشفاه المتلمظة والأكباد المتقدة، وكسرت دنان الخمر فسالت في سكك المدينة.
حتى إذا خرج حظ الشيطان من نفوسهم، بل خرج حظ نفوسهم من نفوسهم. وأنصفوا من أنفسهم إنصافهم من غيرهم. وأصبحوا في الدنيا رجال الآخرة وفي اليوم رجال الغد. لا تجزعهم مصيبة ولا تبطرهم نعمة ولا يشغلهم فقر ولا يطغيهم غنى ولا تلهيهم تجارة ولا تستخفهم قوة، ولا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً. وأصبحوا للناس القسطاس المستقيم قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين. وطَّأ لهم أكناف الأرض وأصبحوا عصمة للبشرية ووقاية للعالم وداعية إلى دين الله. واستخلفهم الرسول ﷺ في عمله ولحق بالرفيق الأعلى قرير العين من أمته ورسالته.
أغرب انقلاب وقع في تاريخ البشر:
لقد كان هذا الانقلاب الذي أحدثه ﷺ في نفوس المسلمين وبواسطتهم في المجتمع الإنساني أغرب ما في تاريخ البشر، وقد كان هذا الانقلاب غريباً في كل شيء: كان غريباً في سرعته وكان غريباً في عمقه وكان غريباً في سعته وشموله. وكان غريباً في وضوحه وقربه إلى الفهم. فلم يكن غامضاً ككثير من الحوادث الخارقة للعادة، ولم يكن لغزاً من الألغاز. فلندرس هذا الانقلاب عملياً، ولنتعرف مدى تأثيره في المجتمع الإنساني والتاريخ البشري.
стр. 70
تأثير الإيمان الصحيح في الأخلاق والميول:
كان الناس- عرباً وعجماً- يعيشون حياة جاهلية، يسجلون فيها لكل ما خلق لأجلهم ويخضع لإرادتهم وتصرفهم، لا يثيب الطائع بجائزة ولا يعذب العاصي بعقوبة ولا يأمر ولا ينهى، فكانت الديانة سطحية طافية في حياتهم، ليس لها سلطان على أرواحهم ونفوسهم وقلوبهم، ولا تأثير لها في أخلاقهم واجتماعهم. كانوا يؤمنون بالله كصانع أتم عمله واعتزل وتنازل عن مملكته لا ناس خلع عليهم خلعة الربوبية. فأخذوا بأيديهم أزمّة الأمر وتولوا إدارة المملكة وتدبير شئونها وتوزيع أرزاقها، إلى غير ذلك من مصالح الحكومة المنظمة، فكان إيمانهم بالله لا يزيد على معرفة تاريخية، وكان إيمانهم بالله وإحالتهم خلق السموات والأرض إلى الله لا يختلف عن جواب تلميذ من تلاميذ فن التاريخ يقال له: من بنى هذا القصر العتيق؟ فيسمى ملكاً من الملوك الأقدمين من غير أن يخافه يخضع له، فكان دينهم عارياً عن الخشوع لله ودعائه، وما كانوا يعرفون عن الله ما يحببه إليهم، فكانت معرفتهم مهمة غامضة، قاصرة مجملة، لا تبعث في نفوسهم هيبة ولا محبة.
وهذه الفلسفة اليونانية قد عرفت بواجب الوجود في سلوب، ليست فيها صفة مثبتة من صفات القدرة والربوبية والإعطاء المنع والرحمة، ولم تثبت له إلا الخلق الأول، ونفت عنه الاختيار والعلم والإرادة، ونفت الصفات وقرَّرت كليات كلها حط من قدر الخالق وقياس على الخلق، والسلوب إذا اجتمعت لم تفد فائدة إيجاب واحد، ولم نعلم مدينة واحدة ولا
مجتمعاً ولا نظاماً ولا عملاً ولا بناية قامت على مجرد أسلوب، فتجردت الديانة في أوساط الفلسفة الإغريقية عن روح الخشوع والاستكانة لله والالتجاء إليه في الحوادث ومحبته بكل القلب. وهكذا فقدت الديانة السائدة على العالم روحها وأصبحت طقوساً وتقاليد وأشباحاً للإيمان.
انتقل العرب والذين أسلموا من هذه المعرفة العليلة الغامضة الميتة إلى معرفة عميقة واضحة روحية ذات سلطان على الروح والنفس والقلب والجوارح، ذات تأثير في الأخلاق والاجتماع، ذات سيطرة على الحياة وما يتصل بها، آمنوا بالله الذي له الأسماء الحسنى والمثل الأعلى، آمنوا برب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، الخالق البارئ المصور، العزيز الحكيم، الغفور الودود، الرؤوف الرحيم، له الخلق والأمر، بيده
стр. 71
ملكوت كل شيء، يجير ولا يجار عليه، إلى آخر ما جاء في القرآن من وصفه، يثيب بالجنة ويعذب بالنار، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، يعلم الخبء في السماوات والأرض، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، إلى آخر ما جاء في القرآن من قدرته وتصرفه وعلمه، فانقلبت نفسيتهم بهذا الإيمان الواسع العميق الواضح انقلاباً عجيباً، فإذا آمن أحد بالله وشهد أن لا إله إلا الله انقلبت حياته ظهراً لبطن، تغلغل الإيمان في أحشائه وتسرب إلى جميع عروقه ومشاعره، وجرى منه مجرى الروح والدم واقتلع جراثيم الجاهلية وجذورها، وغمر العقل والقلب بفيضانه وجعل منه رجلاً غير الرجل، وظهر منه روائع الإيمان واليقين والصبر والشجاعة ومن خوارق الأفعال والأخلاق ما حير العقل والفلسفة وتاريخ الأخلاق، ولا يزال موضع حيرة ودهشة منه إلى الأبد، وعجز العلم عن تعليله بشيء غير الإيمان الكامل العميق.
وخز الضمير:
وكان هذا الإيمان مدرسة خلقية وتربية نفسية تملي على صاحبها الفضائل الخلقية من صرامة إرادة وقوة نفس ومحاسبتها والإنصاف منها، وكان أقوى وازع عرفه تاريخ الأخلاق وعلم النفس عن الزلات الخلقية والسقطات البشرية، حتى إذا جمحت السورة البهيمية في
حين من الأحيان وسقط الإنسان سقطة، وكان ذلك حيث لا تراقبه عين ولا تتناوله يد القانون تحول هذا الإيمان نفساً لوَّامة عنيفة ووخزاً لاذعاً للضمير وخيالاً مروعاً، لا يرتاح معه صاحبه حتى يعترف بذنبه أمام القانون، ويعرض نفسه للعقوبة الشديدة ويتحملها مطمئناً مرتاحاً تفادياً من سخط الله وعقوبة الآخرة.
وقد حدثنا المؤرخون الثقات في ذلك بطرائف لم يحدث نظيرها إلا في التاريخ الإسلامي الديني فمنها ما روى مسام ابن الحجاج القشيري صاحب الصحيح بسنده عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي، أتى رسول ﷺ فقال: ((يا رسول اله إني ظلمت نفسي وزنيت وإني أريد أن تطهرني)) فرده، فلما كان من الغد أتاه فقال: ((يا رسول الله إني قد زنيت)) فرده الثانية، فأرسل رسول الله ﷺ إلى قومه فقال: أتعلمون بعقله بأساً تنكرون منه شيئاً؟ فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى فأتاه الثالثة فأرسل إليهم
стр. 72
أيضاً فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كانت الرابعة حفر له حفرة ثم أمر فرُجم.
قال فجاءت الغامدية فقالت: ((يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني)) وأنه ردها فلما كان الغد قالت: يا رسول الله لِم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزاً، فو الله إني لحبلى. قال: أما لا فاذهبي حتى تلدي. قال: فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ولدته. قال: فاذهبي فأرضعيه حتى تطعميه. فلما فطمته أتته بالصبي، في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام. فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين. ثم أمر فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها. فاستقبلها خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضح الدم على وجه خالد فسبها، فسمع نبي الله سبه إياها فقال: ((مهلاً يا خالد، فو الذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له)) ثم أمر بها فصلى عليه ودفنت (١) .
الثبات أمام المطامع والشهوات:
وكان هذا الإيمان حارساً لأمانة الإنسان وعفافه وكرامته، يملك نفسه النزع أمام المطامع والشهوات الجارفة وفي الخلوة والوحدة حيث لا يراها أحد. وفي سلطانه ونفوذه حيث لا يخاف أحداً. وقد وقع في تاريخ الفتح الإسلامي من قضايا العفاف عند المغنم وأداء الأمانات إلى أهلها والإخلاص لله، ما يعجز التاريخ البشري عن نظائره، وما ذاك إلا نتيجة رسوخ الإيمان ومراقبة الله واستحضار علمه في كل مكان وزمان.
حدث الطبري قال: لما هبط المسلمون المدائن وجمعوا الأقباض أقبل رجل بحُقٍّ معه فدفعه إلى صاحب الأقباض. فقال والذين معه: ما رأينا مثل هذا قط. ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه. فقالوا: هل أخذت منه شيئاً؟ فقال: أما والله لولا الله ما أتيتكم به. فعرفوا أن للرجل شأناً فقالوا: من أنت؟ فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدوني ولا غيركم ليقرظوني. ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه فأتبعوه رجلاً حتى انتهى إلى أصحابه فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس (٢) .
стр. 73
الأنفة وكبر النفس:
وكأن هذا الإيمان بالله رفع رأسهم عالياً وأقام صفحة عنقهم فلن تُحنى لغير الله أبداً. لا لملك جبار ولا لحبر من الأحبار ولا لرئيس ديني ولا دنيوي. وملأ قلوبهم وعيونهم بكبرياء الله تعالى وعظمته، فهانت وجوه الخلق وزخارف الدنيا ومظاهر العظمة والفخفخة، فإذا نظروا إلى الملوك وحشمتهم وما هم فيه من ترف ونعيم وزينة وزخرف، فكأنهم ينظرون إلى صور ودمى قد كسيت ملابس الإنسان.
عن أبي موسى قال: انتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة عن يساره والقسيسون جلوس سماطين، وقد قال له عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك. فقال جعفر: لا نسجد إلا لله (١) .
الاستهانة بالزخارف والمظاهر الجوفاء:
أرسل سعد قبل القادسية ربعي بن عامر رسولاً إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي والحرير، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة العظيمة، وعلى تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب. ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة ولم زل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد وأقبل عليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت. فقال رستم: ائذنوا له فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها. فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
стр. 74
الشجاعة النادرة والاستهانة بالحياة:
ولقد بعث الإيمان بالآخرة في قلوب المسلمين شجاعة خارقة للعادة وحنيناً غريباً إلى الجنة واستهانة نادرة بالحياة، تمثلوا الآخرة وتجلت لهم الجنة بنعمائها كأنهم يرونها رأي عين، فطاروا إليها طيران حمام الزاجل لا يلوي على شيء.
تقدم أنس بن النضير يوم أُحُد وانكشف المسلمون فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب الكعبة، إني أجد ريحها من دون أحد، قال أنس: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل ومثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه (١) .
قال رسول الله ﷺ يوم بدر: قوموا إلى الجنة عرضها السموات والأرض؟ فقال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض. قال: نعم، قال: بخ بخ قال: فقال رسول الله ﷺ : ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن يكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها.
فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل (٢) .
عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري قال: سمعت أبي ﵁ وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله ﷺ : إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف، فقام رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى أأنت سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا؟ قال: نعم. فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب حتى قتل (٣) .
وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، وكان له أربعة بنين شباب يغزون مع رسول الله ﷺ إذا غزا، فلما توجه إلى أحد أراد أن يتوجه معه فقال له
стр. 75
بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة فلو قعدت ونحن نكفيك وقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن بَنيَّ هؤلاء يمنعونني أن أخرج معك، ووالله إني لأرجو أن استشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له رسول الله ﷺ : أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد، وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة فخرج مع رسول الله صل الله عليه وسلم فقتل يوم أحد شهيداً (١) .
قال شداد بن الهاد: جاء رجل من الأعراب إلى النبي ﷺ فآمن به واتبعه فقال أهاجر معك، فأوصى به بعض أصحابه، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله ﷺ شيئاً فقسمه، وقسم للأعرابي فأعطى أصحابه ما قسم له وكان يرعى ظهورهم، فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله ﷺ ، فأخذه فجاء به إلى النبي ﷺ فقال: ما هذا يا رسول الله؟ قال قسم قسمته لك، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أُرْمَى ها هنا- وأشار إلى حلقه- بسهم، فأموت فأدخل الجنة، فقال: إن تصدق الله ليصدقك، ثم نهضوا إلى قتال
العدو فأتي به النبي ﷺ وهو مقتول فقال: أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: صدق الله فصدقه (٢) .
من الأنانية إلى العبودية:
وكانوا قبل هذا الإيمان في فوضى من لأفعال والأخلاق والسلوك والأخذ والترك والسياسة والاجتماع، لا يخضعون لسلطان ولا يقرون بنظام ولا ينخرطون في سلك، يسيرون على الأهواء ويركبون العمياء ويخبطون خبط عشواء، فأصبحوا الآن في حظيرة الإيمان والعبودية لا يخرجون منها، واعترفوا لله بالملك والسلطان والأمر والنهي، ولأنفسهم بالرعوية والعبودية والطاعة المطلقة، وأعطوا