← Общие книги

Общие книги · id 21575

ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين

أبو الحسن الندوي

Полный текст (241 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ملكوت كل شيء، يجير ولا يجار عليه، إلى آخر ما جاء في القرآن من وصفه، يثيب بالجنة ويعذب بالنار، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، يعلم الخبء في السماوات والأرض، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، إلى آخر ما جاء في القرآن من قدرته وتصرفه وعلمه، فانقلبت نفسيتهم بهذا الإيمان الواسع العميق الواضح انقلاباً عجيباً، فإذا آمن أحد بالله وشهد أن لا إله إلا الله انقلبت حياته ظهراً لبطن، تغلغل الإيمان في أحشائه وتسرب إلى جميع عروقه ومشاعره، وجرى منه مجرى الروح والدم واقتلع جراثيم الجاهلية وجذورها، وغمر العقل والقلب بفيضانه وجعل منه رجلاً غير الرجل، وظهر منه روائع الإيمان واليقين والصبر والشجاعة ومن خوارق الأفعال والأخلاق ما حير العقل والفلسفة وتاريخ الأخلاق، ولا يزال موضع حيرة ودهشة منه إلى الأبد، وعجز العلم عن تعليله بشيء غير الإيمان الكامل العميق. وخز الضمير: وكان هذا الإيمان مدرسة خلقية وتربية نفسية تملي على صاحبها الفضائل الخلقية من صرامة إرادة وقوة نفس ومحاسبتها والإنصاف منها، وكان أقوى وازع عرفه تاريخ الأخلاق وعلم النفس عن الزلات الخلقية والسقطات البشرية، حتى إذا جمحت السورة البهيمية في حين من الأحيان وسقط الإنسان سقطة، وكان ذلك حيث لا تراقبه عين ولا تتناوله يد القانون تحول هذا الإيمان نفساً لوَّامة عنيفة ووخزاً لاذعاً للضمير وخيالاً مروعاً، لا يرتاح معه صاحبه حتى يعترف بذنبه أمام القانون، ويعرض نفسه للعقوبة الشديدة ويتحملها مطمئناً مرتاحاً تفادياً من سخط الله وعقوبة الآخرة. وقد حدثنا المؤرخون الثقات في ذلك بطرائف لم يحدث نظيرها إلا في التاريخ الإسلامي الديني فمنها ما روى مسام ابن الحجاج القشيري صاحب الصحيح بسنده عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي، أتى رسول ﷺ فقال: ((يا رسول اله إني ظلمت نفسي وزنيت وإني أريد أن تطهرني)) فرده، فلما كان من الغد أتاه فقال: ((يا رسول الله إني قد زنيت)) فرده الثانية، فأرسل رسول الله ﷺ إلى قومه فقال: أتعلمون بعقله بأساً تنكرون منه شيئاً؟ فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى فأتاه الثالثة فأرسل إليهم

стр. 72

أيضاً فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كانت الرابعة حفر له حفرة ثم أمر فرُجم. قال فجاءت الغامدية فقالت: ((يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني)) وأنه ردها فلما كان الغد قالت: يا رسول الله لِم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزاً، فو الله إني لحبلى. قال: أما لا فاذهبي حتى تلدي. قال: فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ولدته. قال: فاذهبي فأرضعيه حتى تطعميه. فلما فطمته أتته بالصبي، في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام. فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين. ثم أمر فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها. فاستقبلها خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضح الدم على وجه خالد فسبها، فسمع نبي الله سبه إياها فقال: ((مهلاً يا خالد، فو الذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له)) ثم أمر بها فصلى عليه ودفنت (١) . الثبات أمام المطامع والشهوات: وكان هذا الإيمان حارساً لأمانة الإنسان وعفافه وكرامته، يملك نفسه النزع أمام المطامع والشهوات الجارفة وفي الخلوة والوحدة حيث لا يراها أحد. وفي سلطانه ونفوذه حيث لا يخاف أحداً. وقد وقع في تاريخ الفتح الإسلامي من قضايا العفاف عند المغنم وأداء الأمانات إلى أهلها والإخلاص لله، ما يعجز التاريخ البشري عن نظائره، وما ذاك إلا نتيجة رسوخ الإيمان ومراقبة الله واستحضار علمه في كل مكان وزمان. حدث الطبري قال: لما هبط المسلمون المدائن وجمعوا الأقباض أقبل رجل بحُقٍّ معه فدفعه إلى صاحب الأقباض. فقال والذين معه: ما رأينا مثل هذا قط. ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه. فقالوا: هل أخذت منه شيئاً؟ فقال: أما والله لولا الله ما أتيتكم به. فعرفوا أن للرجل شأناً فقالوا: من أنت؟ فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدوني ولا غيركم ليقرظوني. ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه فأتبعوه رجلاً حتى انتهى إلى أصحابه فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس (٢) .

стр. 73

الأنفة وكبر النفس: وكأن هذا الإيمان بالله رفع رأسهم عالياً وأقام صفحة عنقهم فلن تُحنى لغير الله أبداً. لا لملك جبار ولا لحبر من الأحبار ولا لرئيس ديني ولا دنيوي. وملأ قلوبهم وعيونهم بكبرياء الله تعالى وعظمته، فهانت وجوه الخلق وزخارف الدنيا ومظاهر العظمة والفخفخة، فإذا نظروا إلى الملوك وحشمتهم وما هم فيه من ترف ونعيم وزينة وزخرف، فكأنهم ينظرون إلى صور ودمى قد كسيت ملابس الإنسان. عن أبي موسى قال: انتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة عن يساره والقسيسون جلوس سماطين، وقد قال له عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك. فقال جعفر: لا نسجد إلا لله (١) . الاستهانة بالزخارف والمظاهر الجوفاء: أرسل سعد قبل القادسية ربعي بن عامر رسولاً إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي والحرير، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة العظيمة، وعلى تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب. ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة ولم زل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد وأقبل عليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت. فقال رستم: ائذنوا له فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها. فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

стр. 74

الشجاعة النادرة والاستهانة بالحياة: ولقد بعث الإيمان بالآخرة في قلوب المسلمين شجاعة خارقة للعادة وحنيناً غريباً إلى الجنة واستهانة نادرة بالحياة، تمثلوا الآخرة وتجلت لهم الجنة بنعمائها كأنهم يرونها رأي عين، فطاروا إليها طيران حمام الزاجل لا يلوي على شيء. تقدم أنس بن النضير يوم أُحُد وانكشف المسلمون فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب الكعبة، إني أجد ريحها من دون أحد، قال أنس: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل ومثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه (١) . قال رسول الله ﷺ يوم بدر: قوموا إلى الجنة عرضها السموات والأرض؟ فقال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض. قال: نعم، قال: بخ بخ قال: فقال رسول الله ﷺ : ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن يكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها. فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل (٢) . عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري قال: سمعت أبي ﵁ وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله ﷺ : إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف، فقام رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى أأنت سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا؟ قال: نعم. فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب حتى قتل (٣) . وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، وكان له أربعة بنين شباب يغزون مع رسول الله ﷺ إذا غزا، فلما توجه إلى أحد أراد أن يتوجه معه فقال له

стр. 75

بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة فلو قعدت ونحن نكفيك وقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن بَنيَّ هؤلاء يمنعونني أن أخرج معك، ووالله إني لأرجو أن استشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له رسول الله ﷺ : أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد، وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة فخرج مع رسول الله صل الله عليه وسلم فقتل يوم أحد شهيداً (١) . قال شداد بن الهاد: جاء رجل من الأعراب إلى النبي ﷺ فآمن به واتبعه فقال أهاجر معك، فأوصى به بعض أصحابه، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله ﷺ شيئاً فقسمه، وقسم للأعرابي فأعطى أصحابه ما قسم له وكان يرعى ظهورهم، فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله ﷺ ، فأخذه فجاء به إلى النبي ﷺ فقال: ما هذا يا رسول الله؟ قال قسم قسمته لك، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أُرْمَى ها هنا- وأشار إلى حلقه- بسهم، فأموت فأدخل الجنة، فقال: إن تصدق الله ليصدقك، ثم نهضوا إلى قتال العدو فأتي به النبي ﷺ وهو مقتول فقال: أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: صدق الله فصدقه (٢) . من الأنانية إلى العبودية: وكانوا قبل هذا الإيمان في فوضى من لأفعال والأخلاق والسلوك والأخذ والترك والسياسة والاجتماع، لا يخضعون لسلطان ولا يقرون بنظام ولا ينخرطون في سلك، يسيرون على الأهواء ويركبون العمياء ويخبطون خبط عشواء، فأصبحوا الآن في حظيرة الإيمان والعبودية لا يخرجون منها، واعترفوا لله بالملك والسلطان والأمر والنهي، ولأنفسهم بالرعوية والعبودية والطاعة المطلقة، وأعطوا

стр. 76

من أنفسهم المقادة واستسلموا للحكم الإلهي استسلاماً كاملاً ووضعوا أوزارهم، وتنازلوا عن أهوائهم وأنانيتهم، وأصبحوا عبيداً لا يملكون مالاً ولا نفساً ولا تصرفاً في الحياة إلا ما يرضاه الله ويسمح به، لا يحاربون ولا يصالحون إلا بإذن الله ولا يرضون ولا يسخطون ولا يعطون ولا يمنعون ولا يصلون ولا يقطعون إلا بإذنه ووفق أمره. ولما كان القوم يحسنون اللغة التي نزل بها القرآن وتكلم بها الرسول ﷺ وعرفوا الجاهلية ونشأوا عليها، وعرفوا معنى الإسلام معرفة صحيحة، وعرفوا أنه خروج من حياة إلى حياة، ومن مملكة إلى مملكة، ومن حكم إلى حكم، أو من فوضوية إلى سلطة، أو من حرب إلى استسلام وخضوع، ومن الأنانية إلى العبودية، وإذا دخلوا في الإسلام فلا افتيات في الرأي ولا نزاع مع القانون الإلهي ولا خيرة بعد الأمر ولا مشاقة للرسول ولا تحاكم إلى غير الله ولا إصدار عن الرأي، ولا تمسك بتقاليد وعادات ولا ائتمار بالنفس، فكانوا إذا أسلموا انتقلوا من الحياة الجاهلية بخصائصها وعاداتها وتقاليدها إلى الإسلام بخصائصه وعاداته وأوضاعه، وكان هذا الانقلاب العظيم يحدث على أثر قبول الإسلام من غير تأن. همَّ فضالة بن عمير بن الملوح أن يقتل رسول الله ﷺ . وهو يطوف بالبيت. فلما دنا منه. قال رسول الله ﷺ : أفضالة؟ قال: نعم، فضالة يا رسول الله! قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله، فضحك النبي ﷺ ، ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه، وكان فضالة يقول: والله ما رفع يده على صدري حتى ما خلق الله شيئاً أحب إليَّ منه، قال فضالة: فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت: هلمّ إلي الحديث، فقلت: يأبى الله عليك والإسلام (١) .

стр. 77

المحكمات والبينات في الإلهيات: وقد كان الأنبياء ﵈ أخبروا الناس عن ذات الله وصفاته وأفعاله، وعن بداية هذا العالم ومصيره، وما يهجم عليه الإنسان بعد موته، وآتاهم علم ذلك كله بواسطتهم عفواً بدون تعب، وكفوهم مؤونة البحث والفحص في علوم ليس عندهم مباديها ولا مقدماتها التي يبنون عليها بحثهم ليتوصلوا إلى مجهول، لأن هذه العلوم وراء الحس والطبيعة، لا تعمل فيهما حواسهم، ولا يؤدي إليها نظرهم، وليست عندهم معلوماتها الأولية. لكن الناس لم يشكروا هذه النعمة وأعادوا الأمر جذعاً، وأبدوا البحث أُنفاً وبدأوا رحلتهم في مناطق مجهولة لا يجدون فيها مرشداً ولا خِرِّيتاً، وكانوا في ذلك أكثر ضلالاً، وأشد تعباً وأعظم اشتغالاً بالفضول من رائد لم يقتنع بما أدى إليه العلم الإنساني في الجغرافية، وما حدد وضبط في الخرائط على تعاقب الأجيال، فحاول أن يقيس ارتفاع الجبال وعمق البحار من جديد، ويختبر الصحارى والمسافات والحدود بنفسه على قصر عمره، وضعف قوته، وفقدان آلته، فلم يلبث أن انقطعت به مطيته وخانته عزيمته، فرجع بمذكرات وإشارات مختلة، وكذلك الذين خاضوا في الإلهيات من غير بصيرة، وعلى غير هدى، جاءوا في هذا العلم بآراء فجة، ومعلومات ناقصة، وخواطر سانحة، ونظريات مستعجلة، فضلوا وأضلوا. وكذلك منحهم الأنبياء ﵈ مبادئ ثابتة ومحكمات هي أساس المدنية الفاضلة، والحياة السعيدة في كل زمان ومكان، فحرموها على تعاقب الأعصار، فبنوا مدنيتهم على شفا جرف هار، وأساس منهار، وعلى قياس واختيار، فزاغ أساس المدنية وتداعى بناؤها، وخر عليهم السقف من فوقهم. وكان الصحابة ﵃ سعداء موفقين جداً، إذ عوّلوا في ذلك كله على رسول الله ﷺ ، فكفوا المئونة وسعدوا بالثمرة، ووفروا ذكائهم وقوتهم وجهادهم في غير جهاد، ووفروا عليهم أوقاتهم فصرفوها فيما يعنيهم من الدين والدنيا وتمسكوا بالعُروة الوثقى، وأخذوا في الدين بلب اللباب.

стр. 78

الفصل الثالث المجتمع الإسلامي طاقة زهر: إن هذا الإيمان بالله والرسول واليوم الآخر والإسلام لله ولدينه أقام عوج الحياة، ورد كل فرد في المجتمع البشري إلى موضعه، لا يقصر عنه ولا يتعداه وأصبحت الهيئة البشرية طاقة زهر لا شوك فيها، أصبح الناس أسرة واحدة أبوهم آدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى، يقول النبي ﷺ : ((كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونن أهون على الله تعالى من الجعلان (١)) ، ويسمعه الناس يقول: ((يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بٌر تقيٌ كريم على الله تعالى، ورجل فاجر شقي هين على الله تعالى (٢)) ، ويقول: ((إن أنسابكم هذه ليست على لمنسبة على أحد، كلكم بنو آدم، طف الصاع لم يمنعوه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى (٣)) ، وعن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال له: ((انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود، إلا أن تفضله بتقوى الله)) ويسمعه الناس يقول فيما يناجي به ربه في آخر الليل: ((وأنا شهيد أن العباد كلهم أخوة (٤)) . ليس منا من دعا إلى عصبية: واقتلع ﷺ جذور الجاهلية وجراثيمها، وحسم مادتها، وسد كل نافذة من نوافذها، فقال: ((ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس

стр. 79

منا من مات على عصبية (١)) ، وعن جابر بن عبد الله قال: ((كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار. فقال المهاجرين: يا للمهاجرين فقال النبي ﷺ : دعوها إنها منتنة (٢)) وحرم حمية الجاهلية، وقيد ذلك التناصر الذي جرت الجاهلية العربية على إطلاقه، فكان من الأمثال السائرة وشرائع الجاهلية الثابتة. ((أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) ، قال النبي ﷺ : ((من نصر قومه على غير الحق، فهو كالبعير الذي ردي فهو ينزع بذنبه (٣)) ، وتغيرت بذلك نفسية العربي وعقليته حتى أصبح ذوق المسلم العربي لا يسيغ ذلك المثل العربي السائر، فلما قال النبي ﷺ مرة: ((أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) لم يملك نفسه، فقال: ((يا رسول إذا نصرته مظلوماً فكيف أنصره ظالماً؟ قال النبي ﷺ : تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه (٤)) . كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته: وأصبحت الطبقات والأجناس في المجتمع الإسلامي متعاونة متعاضدة لا يبغى بعضها على بعض، فالرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم. والنساء صالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، لهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وأصبح كل واحد في المجتمع راعياً ومسئولاً عن رعيته. الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته (٥) ، وهكذا كان المجتمع الإسلامي مجتمعاً رشيداً عاقلاً مسئولاً عن أعماله. لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق: وأصبح المسلمون أعواناً على الحق، أمرهم شورى بينهم، يطيعون الخليفة ما

стр. 80

أطاع الله فيهم فإن عصى الله فلا طاعة له عليهم وأصبح شعار الحكم: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " وأصبحت الأموال والخزائن التي كانت طعمه للملوك والأمراء ودولة الأغنياء مال الله الذي لا ينفق إلا في وجهه ولا يخرج إلا في حقه وأصبح المسلمون مستخلفين فيه، والخليفة كولي اليتيم إن استغنى استعف وإن افتقر أكل بالمعروف، وأصبحت الأرض التي اغتصبها الملوك والأمراء يفسحونها لمن يشاؤون ويضيقونها على من يشاؤون، ويقطعها بعضهم بعضاً كما يقطع الثوب، وأصبحت أر الله التي من ظلم قيد شبر من طوقه من سبع أراضين. حلول الرسول محل الروح والنفس من المجتمع: وكان المجتمع البشري قد فقد نشاطه وأريحيته في الحياة وفي كل ما يأتي ويذر وكان مجتمعاً مرهقاً مخنوقاً، فكان مدفوعاً إلى ساحة الحرب من غير أن ينشط أو يتحمس لأغراض أولي الأمر، وكان مدفوعاً إلى الصلح ولم يقض من الحرب وطراً ولم يشف نفسه، وكان الرجال في هذا المجتمع يرغمون على التضحية والإيثار ومكابدة المتاعب ومعاناة الأمور الشاقة من غير هوى ومن غير وجدان ومن غير عاطفة، لا يحبون القادة ولا يحبهم القادة فكانوا مرغمين على أن يطيعوا من لا يحبونه ويفدوا بأرواحهم وأموالهم من يبغضونه. فانطفأت جمرة القلوب وبردت العواطف ونشأ الناس على النفاق ولرياء والختل ونشأت النفوس على الذل وتحمل الضيم والصغار. كانت العاطفة القوية- التي يرجع إليها الفضل في غالب عجائب الإنسانية ومعظم الآثار الخالدة في التاريخ، تلك التي يسميها الناس (الحب) - تائهة ضائعة، لم يظهر منذ قرون من يشغلها ويستثمرها فضاعت في ألوان الجمال الزاهية والمظاهر الخلابة الفانية مما تغنى به الشعراء قديماً وحديثاً.

стр. 81

في هذا المجتمع الحائر المظلوم قام محمد ﷺ فحل عقاله وفك إساره ثم حل منه محل الروح والنفس وشغل منه مكان القلب والعين. وهو المبشر الذي جمع الله له أسمى صفات الجمال والكمال وأبلغ معاني الحسن والإحسان. من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه. يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله، فاندفع إليه الحب الصادق كما يندفع المال إلى الحدور. وانجذبت إليه النفوس والقلوب انجذاب الحديد إلى المغناطيس. كأنما كان من القلوب والأرواح على ميعاد. وأحبه رجال أمته وأطاعوه حباً وطاعة لم يسمع بمثلهما في تاريخ العشاق والمتيمين. ووقع من خوارق الحب والتفاني في سبيل طاعته وإيثاره على النفس والأهل والمال والولد ما لم يحدث قبله ولن يحدث بعده. نوادر الحب والتفاني: وُطئ أبو بكر بن أبي قحافة في مكة يوماً بعدما أسلم وضرب ضرباً شديداً ودنا منه عتبه بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ويحرفهما لوجهه ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكون في موته، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فقالت: والله ما لي علم بصاحبك. فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه. فخرجت حتى جاءت أم جميل فقال: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله قالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك ذهبت، قالت: نعم. فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعاً دنفاً، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت: والله إن قوماً نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم. قال: فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قال: هذه أمك تسمع! قال: فلا شيء عليك منها. قالت: سالم صالح! قال: أين هو؟ قالت: في دار ابن الأرقم، قال: فإن لله عليّ أن لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول الله ﷺ ، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجتا به يتكئ

стр. 82

عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله ﷺ (١)) . وخرجت امرأة من الأنصار قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله ﷺ فقالت: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيراً هو بحمد الله كما تحبين! قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل (٢) . رفعوا خبيبا ﵁ على الخشبة ونادوه يناشدونه: أتحب أن محمد مكانك؟ قال: لا والله العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه. فضحكوا منه (٣) . وقال زيد بن ثابت: بعثني رسول الله ﷺ يوم أحد أطلب سعد بن الربيع فقال لي: إن رأيته فأقرئه مني السلام وقل له: يقول لك رسول الله صلى لله عليه وسلم: كيف تجدك؟ قال: فجعلت أطوف بين القتلى فأتيته وهو بآخر رمق وفيه سبعون ضربة ما بين طعنة رمح وضربة سيف ورمية سهم، فقلت: يا سعد، إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول لك: أخبرني كيف تجدك؟ فقال: على رسول الله ﷺ السلام: قل له: يا رسول الله أجد ريح الجنة. وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله ﷺ وفيكم عين تطرف. وفاضت نفسه من وقته (٤) . وتّرس أبو دجانة يوم أحد على رسول الله ﷺ بظهره والنبل يقع فيه وهو لا يتحرك (٥) . ومص مالك الخدري جرح رسول الله ﷺ حتى أنقاه قال له: مجه. قال: والله ما أمجه أبداً (٦) .

стр. 83

وقدم أبو سفيان المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: يا بنية، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس (١) . قال عبد الله بن مسعود الثقفي لأصحابه بعدما رجع من الحديبية: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك، على كسرى وقيصر والنجاشي، والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضٌوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدُّون إليه النظر تعظيماً له (٢) . عجائب الانقياد والطاعة: ولم يزل الانقياد والطاعة من جنود " الحب " المتطوعة، فلما أحبه القوم بكل قلوبهم أطاعوه بكل قواهم، يمثل ذلك خير تمثيل ما قال سعد بن معاذ عن نفسه وعن الأنصار قبل بدر: ((إني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم فاظعن حيث شئت وصل حبل من شئت وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا ما شئت وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت وما أمرت فيه أمر فأمرنا تبع لأمرك، فو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، والله لئن استعرضت بنا هذا البحر خضناه معك (٣)) . وكان من شدة طاعتهم له ﷺ أنه ﷺ نهى أهل المدينة عن كلام الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فما كان من الناس إلا أن أطاعوه وأصبحت المدينة لهؤلاء كأنها مدينة الأموات ليس بها داع ولا مجيب. يقول كعب: ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه قال فاجتنبنا الناس أو قال تغيروا لنا

стр. 84

حتى تنكرت لي نفس الأرض فما هي الأرض التي أعرف، إلى أن قال: حتى إذا طال عليّ من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليَّ فسلمت عليه فو الله ما رد عليّ السلام فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيني وتوليت حتى تسورت الجدار (١) . وكان من طاعته أيضاً وهو في موضع عتاب وجفوة أن رسول الله ﷺ يأتيه ويقول له: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك فقال: أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: لا بل اعتزلها فلا تقربنها. فقال لامرأته: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله من هذا الأمر (٢) . وكان من حبه للرسول ﷺ وإيثاره على كل أحد في الدنيا أن ملك غسان يخطب وده ويستلحقه بنفسه، وتلك محنة عظيمة في حال الجفوة والعتاب ولكنه يرفض ذلك قال: ((بينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له إليّ حتى جاءني فدفع إلي كتاباً من ملك غسان وكنت كاتباً فقرأته فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جافاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها (٣) . ومن غرائب الطاعة وسرعة الانقياد ما حدث عند نزول النهي عن الخمر في مجلس شرب، فعن أبي بريدة عن أبيه قال: بينما نحن قعود على شراب لنا وعندنا باطية (٤) لنا، ونحن نشرب الخمر حلاً إذ قمت حتى آتي رسول الله ﷺ فأسلم

стр. 85

عليه وقد نزل تحريم الخمر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ - إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ . قال: وبعض القوم شربته في يده شرب بعضاً وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم فقالوا: انتهينا ربنا. انتهينا ربنا (١) . ومن غرائب الطاعة للرسول وإيثاره على النفس والأهل والعشيرة ما روي عن عبد الله بن عبد الله بن أبي، روى ابن جرير بسنده عن ابن زيد قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عبد الله بن أبيّ قال: ألا ترى ما يقول أبوك؟ قال: ما يقول بأبي أنت وأمي؟ قال: يقول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال: فقد صدق والله يا رسول الله، أنت والله الأعز وهو الأذل، أما والله لقد قدمت المدينة يا رسول الله وإن أهل يثرب ليعلمون ما بها أحد أبَّر مني، ولئن كان يرضي الله ورسوله أن آتيهما برأسه لأتيتهما به فقال رسول الله ﷺ : لا. فلما قدموا المدينة قام عبد الله بن عبد الله بن أبي على بابها بالسيف لأبيه ثم قال: أنت القائل لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل؟ أما والله لتعرفن العزة لك أو لرسول الله ﷺ ، والله لا يأويك ظله ولا تأويه أبداً إلا بإذن من الله ورسوله. فقال: يا للخزرج، ابني يمنعني بيتي، يا للخزرج ابني يمنعني بيتي!! فقال: والله لا يأويه أبداً. إلا بإذن منه. فاجتمع إليه رجال فكلموه فقال: والله لا يدخله إلا بإذن من الله ورسوله. فأتوا النبي ﷺ فأخبروه فقال: اذهبوا إليه فقولوا له: خلِّه ومسكنه. فأتوه فقال: أما إذا جاء أمر النبي ﷺ فنعم (٢) .

стр. 86

الفصل الرابع كيف حول الرسول خامات الجاهلية إلى عجائب الإنسانية بهذا الإيمان الواسع العميق والتعليم النبوي المتقن، وبهذه التربية الحكيمة الدقيقة وبشخصيته الفذة، وبفضل هذا الكتاب السماوي المعجز الذي لا تنقضي عجائبه ولا تخلق جدته، بعث رسول الله ﷺ في الإنسانية المحتضرة حياة جديدة. عمد إلى الذخائر البشرية وهي أكداس من المواد الخام لا يعرف أحد غناءها، ولا يعرف محلها وقد أضاعتها الجاهلية والكفر والإخلاد إلى الأرض فأوجد فيها بإذن الله الإيمان والعقيدة وبعث فيها الروح الجديدة، وأثار من دفائنها وأشعل مواهبها، ثم وضع كل واحد في محله فكأنما خلق له، وكأنما كان المكان شاغراً لم يزل ينتظره ويتطلع إليه، وكأنما كان جماداً فتحول جسماً نامياً وإنساناً متصرفاً وكأنما كان ميتاً لا يتحرك فعاد حياً يملي على العالم إرادته وكأنما كان أعمى لا يبصر الطريق فأصبح قائداً بصيراً يقود الأمم: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ﴾ . عمد إلى الأمة العربية الضائعة وإلى أناس من غيرها فما لبث العالم أن رأى منهم نوابغ كانوا من عجائب الدهر وسوانح التاريخ، فأصبح عمر الذي كان يرعى الإبل لأبيه الخطاب وينهره وكان من أوساط قريش جلادة وصرامة، ولا يتبوأ منها المكانة العليا، ولا يحسب له أقرانه حساباً كبيراً، إذا به يفجأ العالم بعبقريته وعصاميته، ويدحر كسرى وقيصر عن عروشهما ويؤسس دولة إسلامية تجمع بين ممتلكاتهما وتفوقهما في الإدارة وحسن النظام فضلاً عن الورع والتقوى والعدل الذي لا يزال فيه المثل السائر. وهذا ابن الوليد كان أحد فرسان قريش الشبان انحصرت كفاءته الحربية في نطاق محلِّيٍ ضيق يستعين به رؤساء قريش في المعارك القبلية فينال ثقتهم وثناءهم، ولم يحرز الشهرة الفائقة في نواحي الجزيرة، إذ به يلمع سيفاً إلهياً لا يقوم له شيء إلا حصده، وينزل كصاعقة على الروم والفرس ويترك ذكراً خالداً في التاريخ.

стр. 87

وهذا أبو عبيدة كان موصوفاً بالصلاح والأمانة والرفق ويقود سرايا المسلمين إذا به يتولى القيادة العظمى للمسلمين ويطرد هرقل من ربوع الشام ومروجها الخضراء ويلقي عليها الوداع ويقول: سلام على سورية سلاماً لا لقاء بعده. وهذا عمرو بن العاص كان يُعد من عقلاء قريش وترسله في سفارتها إلى الحبشة تسترد المهاجرين المسلمين فيرجع خائباً إذا به يفتح مصر وتصير له صولة عظيمة. وهذا سعد بن أبي وقاص لم نسمع به في التاريخ العربي قبل الإسلام كقائد جيش ورئيس كتيبة، إذا به يتقلد مفاتيح المدائن، وينيط باسمه فتح العراق وإيران. وهذا سلمان الفارسي كان ابن موبذان في إحدى قرى فارس لم يزل يتنقل من رق إلى رق ومن قسوة إلى قسوة إذا به يطلع على أمته كحاكم لعاصمة الإمبراطورية الفارسية التي كان بالأمس أحد رعاياها، وأعجب من ذلك أن هذه الوظيفة لا تغير من زهادته وتقشفه فيراه الناس يسكن في كوخ ويحمل على رأسه الأثقال. وهذا بلال الحبشي يبلغ من فضله وصلاحه مبلغاً يلقبه فيه أمير المؤمنين عمر بالسيد. وهذا سالم مولى أبي حذيفة يرى فيه عمر موضعاً للخلافة يقول: لو كان حياً لاستخلفته. وهذا زيد بن حارثة يقود جيش المسلمين إلى مؤتة وفيه مثل جعفر بن أبي طالب وخالد بن الوليد، ويقود ابنه أسامة جيشاً فيه مثل أبي بكر وعمر. وهذا أبو ذر والمقداد وأبو الدرداء وعمار بن ياسر ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب، تهب عليهم نفحة من نفحات الإسلام فيصبحون من الزُّهاد المعدودين والعلماء الراسخين. وهذا علي بن أبي طالب وعائشة وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس قد أصبحوا في أحضان النبي الأمي ﷺ من علماء العالم يتفجر العلم من جوانبهم وتنطق الحكمة على لسانهم، أبّر الناس قلوباً وأعمقهم علماً وأقلهم تكلفاً، يتكلمون فينصت الزمن ويخطبون فيسجل قلم التاريخ.

стр. 88

كتلة بشرية متزنة: ثم لا يلبث العالم المتمدن أن يرى من هذه المواد الخام المبعثرة التي استهانت بقيمتها الأمم المعاصرة وسخرت منها البلاد المجاورة، لا يلبث أن يرى منها كتلة لم يشاهد التاريخ البشري أحسن منها اتزاناً، كأنها حلقة مفرغة لا يعرف طرفها أو كالمطر لا يُدرى أأوله خير أم آخره كتلة فيها الكفاية التامة في كل ناحية من نواحي الإنسانية، كتلة هي في غنى عن العالم، وليس العالم في غنى عنها، وضعت مدنيتها وأسست حكومتها وليس لها عهد بها، لم تضطر إلى أن تستعير رجلاً من أمة أو تستعين في إدارتها بحكومة، أسست حكومة تمد رواقها على رقعة متسعة من قارتين عظيمتين، وملأت كل ثغر وسدت كل عوز برجل يجمع بين الكفاية والديانة والقوة والأمانة، تأسست هذه الحكومة المتشعبة الأطراف فأنجدتها هذه الأمة الوليدة التي لم يمض عليها إلا بعض العقود -كله جهاد ودفاع ومقاومة وكفاح - برجل من الرجال الأكفاء، فكان منها الأمير العادل والخازن الأمين والقاضي المقسط، والقائد العابد والوالي المتورع والجندي المتقي، وكانت بفضل التربية الدينية التي لا تزال مستمرة، وبفضل الدعوة الإسلامية التي لا تزال سائرة، مادة لا تنقطع ومعيناً لا ينضب، لا تزال تسند الحكومة برجال يرجحون جانب الهداية على الجباية، ولا يزالون يجمعون بين الصلاح والكفاية، وهنا ظهرت المدنية الإسلامية بمظهرها الصحيح، وتجلت الحياة الدينية بخصائصها التي لم تتوفر لعهد من عهود التاريخ البشري. لقد وضع محمد ﷺ مفتاح النبوة على قفل الطبيعة البشرية فانفتح على ما فيها من كنوز وعجائب وقوى ومواهب، أصاب الجاهلية في مقتلها أو صميمها، فأصمى رميته، وأرغم العالم العنيد بحول الله على أن ينحو نحواً جديداً ويفتتح عهداً سعيداً، ذلك هو العهد الإسلامي الذي لا يزال غرة في جبين التاريخ.

стр. 89

الباب الثالث العصر الإسلامي الفصل الأول عهد القيادة الإسلامية الأئمة المسلمون وخصائصهم: ظهر المسلمون وتزعموا العالم وعزلوا الأمم المريضة من زعامة الإنسانية التي استغلتها وأساءت عملها، وساروا بالإنسانية سيراً حثيثاً متزناً عادلاً، وقد توفرت فيهم الصفات التي تؤهلهم لقيادة الأمم، وتضمن سعادتها وفلاحها في ظلهم وتحت قيادتهم. أولاً: أنهم أصحاب كتاب منزل وشريعة إلهية، فلا يقننون ولا يشترعون من عند أنفسهم، لأن ذلك منبع الجهل والخطأ والظلم، ولا يخبطون في سلوكهم وسياستهم ومعاملتهم للناس خبط عشواء، قد جعل الله لهم نوراً مشون به في الناس، وجعل لهم شريعة يحكمون بها بين الناس ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ . ثانياً: أنهم لم يتولوا الحكم والقيادة بغير تربية خلقية وتزكية نفس، بخلاف غالب الأمم والأفراد ورجال الحكومة في الماضي والحاضر، بل مكثوا زمناً طويلاً تحت تربية محمد ﷺ وإشرافه الدقيق يزكيهم ويؤدبهم ويأخذهم بالزهد والورع والعفاف والأمانة والإيثار على النفس وخشية الله وعدم الاستشراف للإمارة والحرص عليها. يقول: ((إنا والله لا نُولي هذا العمل أحداً سأله، أو أحداً حرص عليه (١)) ، ولا يزال يقرع سمعهم : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فكانوا لا يتهافتون على الوظائف

стр. 90

والمناصب تهافت الفراش على الضوء، بل كانوا يتدافعون في قبولها ويتحرجون من تقلدها، فضلاً عن أن يرشحوا أنفسهم للإمارة ويزكوا أنفسهم وينشروا دعاية لها وينفقوا الأموال سعياً وراءها، فإذا تولوا شيئاً من أمور الناس لم يعدوه مغنماً أو طعمة أو ثمناً لما أنفقوا من مال أو جهد، بل عدوه أمانة في عنقهم وامتحاناً من الله، ويعلمون أنهم موقوفون عند ربهم ومسئولون عن الدقيق والجليل، وتذكروا دائماً قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ . ثالثاً: أنهم لم يكونوا خدمة جنس، ورسل شعب أو وطن، يسعون لرفاهيته ومصلحته وحده ويؤمنون بفضله وشرفه على جميع الشعوب والأوطان، لم يخلقوا إلا ليكونوا حكاماً، ولم تخلق إلا لتكون محكومة لهم، ولم يخرجوا ليؤسسوا إمبراطورية عربية ينعمون ويرتعون في ظلها ويشمخون ويتكبرون تحت حمايتها، ويخرجون الناس من حكم الروم والفرس إلى حكم العرب وإلى حكم أنفسهم. إنما قاموا ليخرجوا الناس من عبادة العباد جميعاً وإلى عبادة الله وحده، كما قال ربعي بن عامر رسول المسلمين في مجلس يزدجرد: ((الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام (١)) فالأمم عندهم سواء والناس عندهم سواء، الناس كلهم من آدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٢) ﴾ . وقد قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص عامل مصر- وقد ضرب ابنه مصرياً، وافتخر بآبائه قائلاً: خذها من ابن الأكرمين، فاقتص منه عمر-: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً (٣) . فلم يبخل هؤلاء بما عندهم من دين

стр. 91

وعلم وتهذيب على أحد، ولم يراعوا في الحكم والإمارة والفضل نسباً ولوناً ووطناً، بل كانوا سحابة انتظمت البلاد وعمت العباد، وغوادي مزنة أثنى عليها السهل والوعر وانتفعت بها البلاد والعباد على قدر قبولها وصلاحها (١) . في ظل هؤلاء وتحت حكمهم استطاعت الأمم والشعوب - حتى المضطهدة منها في القديم- أن تنال نصيبها من الدين والعلم والتهذيب والحكومة، أن تساهم العرب في بناء العالم الجديد بل إن كثيراً من أفرادها فاقوا العرب في بعض الفضائل، وكان منهم أئمة هم تيجان مفارق العرب وسادة المسلمين من الأئمة والفقهاء والمحدثين، حتى قال ابن خلدون: ((من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم، لا من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية (٢) ، إلا في القليل النادر، وإن كان منهم العربي في نسبته، فهو عجمي في لغته، ومرباه ومشيخته، مع أن الملة عربية، وصاحب شريعتها عربي (٣)) . ونبغ من هذه الأمم في عصور الإسلام قادة وملوك ووزراء وفضلاء، هم نجوم الأرض ونجباء الإنسانية، وحسنات العالم، فضيلة ومروءة وعبقرية وديناً وعملاً، لا يحصيهم إلا الله. رابعاً: أن الإنسان جسم وروح، وهو قلب وعقل وعواطف وجوارح، لا يسعد ولا يفلح ولا يرقى رُقياً متزناً عادلاً حتى تنمو فيه هذه القوى كلها نمواً متناسباً لائقاً بها، ويتغذى غذاء صالحاً، ولا يمكن أن توجد المدنية الصالحة البتة إلا إذا ساد وسط ديني خلقي عقلي جسدي يمكن فيه للإنسان بسهولة أن يبلغ كماله الإنساني، وقد أثبتت التجربة أنه لا يكون ذلك إلا إذا كانت قيادة الحياة وإدارة دفة المدنية بيد الذين يؤمنون بالروح والمادة، ويكونون أمثلة كاملة في الحياة الدينية والخلقية،

стр. 92

وأصحاب عقول سليمة راجحة، وعلوم صحيحة نافعة، فإذا كان فيهم نقص في عقيدتهم أو في تربيتهم عاد ذلك النقص في مدنيتهم، وتضخم وظهر في مظاهر كثيرة، وفي أشكال متنوعة، فإذا تغلبت جماعة لا تعبد إلا المادة وما إليها من لذة ومنفعة محسوسة، ولا تؤمن إلا بهذه الحياة، ولا تؤمن بما وراء الحس أثرت طبيعتها ومبادئها وميولها في وضع المدنية وشكلها، وطبعتها بطابعها، وصاغتها في قالبها، فكملت نواح للإنسانية واختلت نواح أُخرى أهم منها. عاشت هذه المدنية وازدهرت في الجصِّ والآجر، وفي الورق والقماش، وفي الحديد والرصاص، وأخصبت في ميادين الحروب وساحات القتال، وأوساط المحاكم ومجالس اللهو ومجامع الفجور، وماتت وأجدبت في القلوب والأرواح وفي علاقة المرأة بزوجها، والولد بوالده والوالد بولده، والأخ بأخيه والرجل بصديقه، وأصبحت المدنية كجسم ضخم متورم يملأ العين مهابة ورواء، ويشكو في قلبه آلاماً وأوجاعاً، وفي صحته انحرافاً واضطراباً. وإذا تغلبت جماعة تجحد المادة أو تهمل ناحيتها ولا تهتم إلا بالروح وما وراء الحس والطبيعة، وتعادي هذه الحياة وتعاندها، ذبلت زهرة المدنية وهزلت القوى الإنسانية وبدأ الناس- بتأثير هذه القيادة - يؤثرون الفرار إلى الصحارى والخلوات على المدن، والعزوبة على الحياة الزوجية، ويعذبون الأجسام حتى يضعف سلطانها فتتطهر الروح ويؤثرون الموت على الحياة، لينتقلوا من مملكة المادة إلى إقليم الروح ويستوفوا كمالهم هنالك، لأن الكمال في عقيدتهم لا يحصل في العالم المادي، ونتيجة ذلك أن تحتضر الحضارة وتخرب المدن ويختل نظام الحياة ولما كان هذا مضاداً للفطرة لا تلبث أن تثور عليه، وتنتقم منه بمادية حيوانية ليس فيها تسامح لروحانية وأخلاق، وهكذا تنتكس الإنسانية وتخلفها البهيمية والسبعية الإنسانية الممسوخة، أو تهجم على هذه الجماعة الراهبة جماعة مادية قوية فتعجز عن المقاومة لضعفها الطبعي، وتستسلم وتخضع لها، أو تسبق هي- بما يعتريها من الصعوبات في معالجة أمور الدنيا- فتمد يد الاستعانة إلى المادية ورجالها وتسند إليهم أمور السياسة وتكتفي هي بالعبادات والتقاليد الدينية، ويحدث فصل بين الدين والسياسة فتضمحل الروحانية والأخلاق ويتقلص ظلها وتفقد سلطانها على المجتمع البشري والحياة العملية حتى تصير شبحاً وخيالاً أو نظرية علمية لا تأثير لها في الحياة وتؤول الحياة مادية محضة وقلما خلت جماعة من الجماعات التي تولت قيادة بني

стр. 93

جنسها من هذا النقص، لذلك لم تزل المدنية متأرجحة بين مادية بهيمية وروحانية ورهبانية ولم تزل في اضطراب. يمتاز أصحاب النبي ﷺ بأنهم كانوا جامعين بين الديانة والأخلاق والقوة والسياسة، وكانت تتمثل فيهم الإنسانية بجميع نواحيها وشعبها ومحاسنها المتفرقة في قادة العالم، وكان يمكن لهم - بفضل تربيتهم الخلقية والروحية السامية واعتدالهم الغريب الذي قلما اتفق للإنسان، وجمعهم بين مصالح الروح والبدن واستعدادهم المادي الكامل وعقلهم الواسع - أن يسيروا بالأمم الإنسانية إلى غايتها المثلى الروحية والخلقية والمادية. دور الخلافة الراشدة مثل المدنية الصالحة: وكذلك كان، فلم نعرف دوراً من أدوار التاريخ أكمل وأجمل وأزهر في جميع هذه النواحي من هذا الدور، دور الخلافة الراشدة فقد تعاونت فيه قوة الروح والأخلاق والدين والعلم والأدوات المادية في تنشئة الإنسان الكامل , وفي ظهور المدنية الصالحة. كانت حكومة من أكبر حكومات العالم، وقوة سياسة مادية تفوق كل قوة في عصرها. تسود فيها المثل الخلقية العليا وتحكم معايير الأخلاق الفاضلة في حياة الناس ونظام الحكم. وتزدهر فيها الأخلاق والفضيلة مع التجارة والصناعة. ويساير الرقي الخلقي والروحي اتساع الفتوح واحتفال الحضارة فتقل الجنايات وتندر الجرائم بالنسبة إلى مساحة المملكة وعدد سكانها ورغم دواعيها وأسبابها. وتحسن علاقة الفرد بالفرد والفرد بالجماعة وعلاقة الجماعة بالفرد. وهو دور كمالي لم يحلم الإنسان بأرقى منه ولم يفترض المفترضون أزهى منه. ولم يكن إلا بسيرة الرجال الذين يتولون الحكم ويشرفون على المدنية وبعقيدتهم وتربيتهم وخطتهم في الحكم وسياستهم، فكانوا أصحاب دين وأخلاق عالية أينما كانوا، كانوا أعفة أمناء خاشعين متواضعين، حكاماً كانوا أو رعايا أو شرطة أو جنوداً. يصف شيخ من عظماء الروم جنود المسلمين فيقول: إنهم يقومون الليل ويصومون النهار ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتناصفون بينهم (١) . وقال الآخر:

стр. 94

((هم فرسان بالنهار رهبان بالليل، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام، يقضون على من حاربوا حتى يأتوا عليه (١)) . ويقول الثالث: ((أما الليل فرهبان وأما النهار ففرسان، يريشون النبل ويبرونها ويثقفون القنا، لو حدثت جليسك حديثاً ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر (٢)) . ويغنم الجند في المدائن تاج كسرى وبساطه وهو يساوي مئات الألوف من الدنانير فلا تعبث به يد ولا تشح عليه نفس، ثم يسلمونه إلى الأمير ويرسله الأمير إلى خليفة المسلمين فيتعجب ويقول: إن الذين أدوا هذا لأمناء (٣) . تأثير الإمامة الإسلامية في الحياة العامة: إن هذا الرعيل من أتباع محمد ﷺ كان خليقاً بأن يسعد النوع الإنساني في ظله وتحت حكمه، وأن يسير بقيادته سديد الخطى رشيد الغاية مستقيم السير، وأن يعمر ويطمئن العالم في دوره وتخصب الأرض وتأخذ زخرفها، فإنهم كانوا خير القائمين على مصالحها حارسين لها، ولا ينظرون إلى هذه الحياة كقفص من حديد أو غُلٍّ في عنق فيعادونه ويكسرونه، ولا ينظرون إليها كفرصه من لهو ونعيم ومتعة لا تعود أبداً فينتهزونها ويهتبلونها، ولا يضيعون منها ساعة ولا يدخرون من طيباتها، وكذلك لا يعدونها عذاباً وعقوبة بجريمة فيتخلصون منها ولا ينظرون إلى الدنيا كمائدة ممدودة فيتهالكون عليها، إلى ما في الأرض من نعماء وخزائن وخيرات كأنها مال سائب يتقاتلون عليه، وإلى الأمم الضعيفة كفريسة يتسابقون في اقتناصها، بل يعدون هذه الحياة نعمة من الله هي أصل كل خير وسبب كل بر، يتقربون فيها إلى الله ويصلون إلى كمالهم الإنساني الذي قدر لهم، وفرصة من عمل وجهاد لا فرصة بعدها: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ . ويعيدون هذا العالم مملكة لله استحلفهم فيها -أولاً- من حيث أصل الإنسان الذي جعله خليفة في الأرض ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ

стр. 95

الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ . وثانياً- من حيث إنه إنسان أسلم لأمر الله وانقاد لحكمه فاستخلفه في الأرض واسترعاه أهلها ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ . ومنحهم حق التمتع بخيرات الأرض من غير إسراف وتبذير ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ، ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ، وجعل لهم الولاية على أمم الأرض وجماعات البشر يراقبون سيرها وسيرتها وأخلاقها ورغباتها، فيرشدون الضال ويردون الغاوي ويصلحون الفاسد ويقيمون الأود، ويرأبون الصدع ويأخذون للضعيف من القوي، وينتصفون للمظلوم من الظالم، ويقومون في الأرض القسط ويبسطون على العالم جناح الأمن ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ﴾ . وقد وصف عالم ألماني مسلم وصفاً دقيقاً، قال: ((إن الإسلام لا ينظر- كالنصرانية - إلى العالم بمنظار أسود، بل هو يعلمنا أن لا نسرف في تقدير الحياة الأرضية، وأن لا نغالي في قيمتها مغالاة الحضارة الغربية الحاضرة. إن المسحية تذم الحياة الأرضية وتكرهها، والغرب الحاضر-خلاف الروح النصراني - يهتم بالحياة كما يهتم النهم بطعامه، هو يبتلعه ولكن ليس عنده كرامة له، والإسلام بالعكس ينظر إلى الحياة بسكينه واحترام، هو لا يبعد الحياة بل يعدها كمرحلة نجتازها في طريقنا إلى حياة عليا، وبما أنها مرحلة ومرحلة لابد منها ليس للإنسان أن يحتقرها أو يقلل من قيمة حياته الأرضية. إن مرورنا بهذا العالم في سفر الحياة لابد منه، وقد سبق به تقدير الله، فالحياة الإنسانية لها قيمتها الكبرى، ولكن لا ينبغي لنا أن ننسى أنها ليست إلا واسطة وآلة وليست قيمتها إلا قيمة الوسائط والآلات، الإسلام لا يسمح بالنظرية المادية القائلة ((إن مملكتي ليست

стр. 96

إلا هذا العالم)) ولا بالنظرية المسيحية التي تزدري الحياة وتقول ((ليس هذا العالم مملكتي)) وطريق الإسلام طريق وسط بينهما، القرآن يرشدنا أن ندعو: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ فالتقدير لهذا العالم وأشيائه ليس حجر عثرة في سبيل جهودنا الروحية الخصبة، والرقي المادي مرغوب فيه مع أنه ليس غاية في نفسه. إن غاية جهودنا ينبغي أن تكون إيجاد أحوال وظروف شخصية واجتماعية - والمحافظة عليها إن وجدت - تساعد في ارتقاء القوة الخلقية في الإنسان، مطابقة لهذا المبدأ. الإسلام يهدي الناس إلى الشعور بالمسئولية الخلقية في كل عمل يعمله كبيراً كان أو صغيراً إن نظام الإسلام الديني لا يسمح أبداً بمثل ما أمر به الإنجيل قائلاً " أعطوا ما لقيصر لقيصر وأعطوا ما لله لله "، لأن الإسلام لا يسمح بتقسيم حاجات حياتنا إلى خلقية وعملية، ليس هناك إلا خيرة فقط، خيرة بين الحق والباطل، وليس شيء وسطاً بينهما، لذلك هو يلح على العمل لأنه جزء لازم للأخلاق لا غنى عنه، ينبغي لكل فرد مسلم أن يعيد نفسه مسئولاً شخصياً عن المحيط الذي يحيط به وكل ما يقع حوله، ومأموراً بالجهاد لإقامة الحق ومحق الباطل في كل وقت وفي كل جهة، فإن القرآن يقول ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ ، هذا هو المبرر الخلقي للحركة الإسلامي الجهادية والفتوح الإسلامية الأولى والاستعمار الإسلامي، فالإسلام استعماري إن كان لا بد من هذا التعبير، ولكن هذا النوع من الاستعمار ليس مدفوعاً بحب الحكومة والاستيلاء، وليس من الأثرة الاقتصادية للقومية في شيء، ولم يكن يحفز المجاهدين الأولين إلى الجهاد طمع في خفض من العيش ورخائه على حساب الناس الآخرين، ولم يقصد منه إلا بناء إطار عالمي لأحسن ما يمكن للإنسان من ارتقاء روحي، كما أن العلم بالفضيلة حسب تعليم الإسلام يفرض على الإنسان تبعة العمل بالفضائل. الإسلام لا يوافق أبداً على الفصل الأفلاطوني والتفريق النظري البحت بين الفضيلة والرذيلة، بل يرى أنه من الوقاحة والرذيلة أن يميز الإنسان نظرياً بين الحق والباطل، ولا يجاهد لارتقاء الحق وإزاحة الباطل، فإن الفضيلة- كما يقول الإسلام- تحيا إذا جاهد الإنسان لبسط سلطانها على الأرض وتموت إذا خذلها وتقاعد عن نصرتها (١)) .

стр. 97

المدنية الإسلامية وتأثيرها في الاتجاه البشري: كان ظهور المدنية الإسلامية بروحها ومظاهرها وقيام الدولة الإسلامية بشكلها ونظامها في القرن الأول لهجرة محمد ﷺ فصلاً جديداً في تاريخ الأديان والأخلاق، وظاهرة جديدة في عالم السياسة والاجتماع، انقلب به تيار المدنية، واتجهت به الدنيا اتجاهاً جديداً، فكانت الدعوة الإسلامية لم يزل يأتي بها الأنبياء ويبشر بها المبشرون ويجاهد في سبيلها المخلصون، ولكن لم يكن يتمكن دعاتها من إقامة حكومة قائمة على أساسها ومناهجها متشبعة بمبادئها، ومن إقامة مدنية مطبوعة بطابعها مبنية على أحكامها مثل ما تمكنوا في هذه المرة، ولم تنل هذه الدعوة والجهود من النجاح في هذا السبيل مثل ما نالت أخيراً على يد محمد ﷺ وخلفائه الراشدين، فكان هذا الفتح المبين للإسلام محنة جديدة للجاهلية لم تعهدها من قبل، ولم تعرف كيف تخرج منها، عهدها بها دعوة دينية روحية فإذا هي تصبح نجاة وسعادة وروحاً ومادة وحياة وقوة ومدنية واجتماعاً وحكومة وسياسة. دين سائغ معقول كله حكمة وبداهة إزاء أوهام وخرافات وأساطير، وشرع إلهي ووحي سماوي إزاء أقيسة وتجارب إنسانية وتشريع بشري، ومدنية فاضلة قوية البنيان محكمة الأساس، يسود فيها روح التقوى والعفاف والأمانة، وتقدر فيها الأخلاق الفاضلة فوق المال والجاه، والروح فوق المظاهر الجوفاء، يتساوى الناس فلا يتفاضلون إلا بالتقوى، ويهتم الناس بالآخرة فتصبح النفوس مطمئنة والقلوب خاشعة، ويقل التنافس في أسباب هذه الحياة والتكالب على حطام الدنيا، ويقل التباغض والتشاحن، كل ذلك إزاء مدنية صاخبة مضطربة متناحرة متداعية البنيان متزلزلة الأركان، يظلم الكبير فيها الصغير، ويأكل القوي فيها الضعيف، ويتسابقون في اللهو والفجور، يتنافسون ف الجاه والأموال وأسباب الترف والنعيم، حتى تصبح الدنيا كلها حرباً في حرب وتصبح المدنية جحيماً على أهلها، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ حكومة عادلة تساوي بين رعيتها وتأخذ للضعيف من القوي، وتحرس للناس أخلاقهم كما تحرس لهم بيوتهم وأموالهم، وتحفظ عليهم دماءهم وأعراضهم، خيارهم أمراؤهم، وأزهدهم في العيش أملكهم لأسبابه وأقدرهم عليه، إزاء حكومة عم فيها الجور والعسف، وتواضع رجالها على الخيانة والظلم، وتسابق أهلها في أكل أموال الناس وهتك أعراضهم وسفك دمائهم، وتفسد على الناس أخلاقهم بما تضرب لهم مثلاً بأخلاقها،

стр. 98

شرارهم أُمراؤهم وملوكهم، تشبع دوابهم وكلابهم وتجوع رعيتهم، وتكسى بيوتهم ويعرى الناس. فأصبح الناس لا يجدون عائقاً عن الإسلام، ولا يواجهون صعوبة وعنتاً في سبيل قبول الإسلام ولا يرون للجاهلية مرجحاً ومصلحة، ويدخل الرجل في الإسلام فلا يخسر شيئاً ولا يفقد شيئاً ويجد برد اليقين وحلاوة الإيمان وعزة الإسلام ودولة قوية يعتز بها وأنصاراً يفدونه بأرواحهم وأنفسهم، ونفساً مطمئنة وثقة في الحياة بعد الموت، فصار الناس ينتقلون من معسكر الجاهلية إلى معسكر الإسلام باختيارهم، وصارت أرض الجاهلية تنتقص من أطرافها وكلمة الإسلام تعلو وظله يمتد، حتى ارتفعت الفتنة وكان الدين لله. وكان تأثير هذا الانقلاب عظيماً جليلاً، فكان الطريق إلى الله من قبل في دولة الجاهلية وغربة الإسلام شاقاً عسيراً محفوفاً بالأخطار، فأصبح الآن سهلاً يسيراً آمناً مسلوكاً، وكان يصعب على الإنسان في الوسط الجاهلي أن يطيع الله، فصعب عليه في الوسط الإسلامي أن يعصي الله، وكانت الدعوة إلى النار بالأمس ظاهرة منصورة فأصبحت اليوم خافتة مخذولة، وكانت أسباب سخط الله وعصيانه مكشوفة موفورة فعادت نادرة مستورة، وكانت الدعوة إلى الله في أرض الله جريمة قد ترتكب سراً وخفية، فأصبحت جهراً وعلانية وحرة آمنة لا تلقى معارضة ذات بال، ولا يخاف أصحابها اضطهاداً في سبيل العقيدة وأذى في سبيل الدين الجديد: ﴿تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ وأصبح أصحابها يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، يأمرون وينهون بمعنى الكلمة. صارت طباع الناس وعقولهم تتغير وتتأثر بالإسلام من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون، كما تتأثر طبيعة الإنسان والنبات في فصل الربيع، وبدأت القلوب العاصية الجافة ترق وتخشع وبدأت مبادئ الإسلام وحقائقه تتسرب إلى أعماق النفوس وتغلغل في الأحشاء، وبدأت قيمة الأشياء تتغير في عيون الناس والموازين القديمة تتحول وتخلفها الموازين الجديدة، وأصبحت الجاهلية حركة رجعية كان من الجمود والغباوة المحافظة عليها، وصار الإسلام شيئاً راقياً عصرياً كان من الظرف والكياسة الانتساب إليه والظهور بمظاهره، وكانت الأمم بل كانت الأرض

стр. 99

تدنو رويداً رويداً إلى الإسلام، ولا يشعر أهلها بسيرهم كما لا يشعر أهل الكرة الأرضية بدورانهم حول الشمس، يظهر ذلك في فلسفتهم وفي دينهم وفي أدبهم وفي مدنيتهم، وتشف عن ذلك بواطنهم وضمائرهم، وتنم عنه الحركة الإصلاحية التي ظهرت فيهم حتى بعد انحطاط المسلمين. جاء الإسلام بالتوحيد ونعى على الوثنية والشرك، فهان الشرك منذ ذلك اليوم في عيون أهله وصغر، وصار أهله يخجلون منه ويتبرؤون منه ولا يقرون به، بعدما كانوا يجتهدون في إظهاره ويستميتون في الدفاع عنه، وأصبح أهل كل دين يؤولون ما في نظامهم الديني من شرك أو مظاهر شرك ووثنية ورسومها وتقاليدها ويلوون بذلك ألسنتهم، ويجتهدون في التعبير عنه وشرحه بما يقرب إلى التوحيد الإسلامي ويشبهه. يقول الأستاذ أحمد أمين: ((ظهر بين النصارى نزعات يظهر فيها أثر الإسلام. من ذلك أنه في القرن الثامن الميلادي أي في القرنين الثاني والثالث الهجريين ظهرت في سبتمانيا (SePtimania) (١) حركة تدعو إلى إنكار الاعتراف أمام القسس، وأن ليس للقسس حق في ذلك، وأن يضرع الإنسان إلى الله وحده في غفران ما ارتكب من إثم، والإسلام ليس له قسيسون ورهبان وأحبار، فطبيعي أن لا يكون فيه اعتراف)) . وكذلك كانت حركة تدعو إلى تحطيم الصور والتماثيل الدينية (Iconoclasts) ذلك أنه في القرن الثامن والتاسع للميلاد أو القرن الثالث والرابع الهجري، ظهر مذهب نصراني يرفض تقديس الصور والتماثيل، فقد أصدر الإمبراطور الروماني "ليو" الثالث أمراً سنة ٧٢٦ م يحرم فيه تقديس الصور والتماثيل، وأمراً آخر سنة ٧٣٠ م يعد الإتيان بهذا وثنية، وكذلك كان قسطنطين الخامس وليو الرابع، على حين كان البابا جريجوري الثاني والثالث وجرمانيوس

стр. 100

بطريرك القسطنطينية والإمبراطورة إيريني من مؤيدي عبادة الصور، وجرى بين الطائفتين نزاع شديد لا محل لتفصيله، وكل ما نريد أن نذكره أن بعض المؤرخين يذكرون أن الدعوة إلى نبذ الصور والتماثيل كانت متأثرة بالإسلام، ويقولون: إن كلوديوس (Claadius) ... أسقف تورين (الذي عين سنة ٨٢٨ م وحول ٢١٣هـ) والذي كان يحرق الصور والصلبان وينهى عن عبادتها في أسقفيته، ولد وربي في الأندلس الإسلامي. وكراهية الإسلام للتماثيل والصور معروفة، روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: قدم رسول الله ﷺ من سفر، وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه هتكه، وتلون وجهه، وقال: يا عائشة أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله. قالت: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتي (١) ن)) والأحاديث في هذا الباب مستفيضة. وكذلك وجدت طائفة من النصارى (٢) شرحت عقيدة التثليث بما يقرب من الوحدانية وأنكرت ألوهية المسيح ﵇ (٣) . ويمكن لمن يطالع تاريخ أوربا الديني وتاريخ الكنسية النصرانية أن يلتمس تأثير الإسلام العقلي في نزعات المصلحين والثائرين على النظام الأسقفي السائد، أما دعوة "لوثر " الإصلاحية الكبيرة، فقد كانت - على عِلاَّتها- أبرز مظهر للتأثُّر بالإسلام وبعض عقائده كما اعترف المؤرخون. وترى كذلك تأثير للعقلية الإسلامية والشريعة الإسلامية في أخلاق الأمم اجتماعها وتشريعها في أوربا النصرانية وفي الهند الوثنية بعد الفتح الإسلامي (٤) تراه وتلمسه في الاتجاه إلى التوحيد ونزعات الاحترام للمرأة وحقوقها والاعتراف بمبدأ المساواة بين طبقات البشر، إلى غير ذلك مما سبق إليه الإسلام وامتازت به شريعته ومدنيته.

стр. 101

يقول الباحث الهندي المعروف (k. M. panikkar) سفير الهند في مصر سابقاً، وهو يتحدث عن تأثير عقيدة التوحيد الإسلامية في عقلية الشعب الهندي ودياناته: ((من الواضح المقرر أن تأثير الإسلام في الديانة الهندكية كان عميقاً في هذا العهد (الإسلامي) ، إن فكرة عبادة الله في الهنادك مدينة للإسلام، إن قادة الفكر والدين في هذا العصر وإن سموا آلهتهم بأسماء شتى قد دعوا إلى عبادة الله، وصرحوا بإن الإله واحد، وهو يستحق العبادة، ومنه تطلب النجاة والسعادة. وقد ظهر هذا التأثير في الديانات والدعوات التي ظهرت في الهند في العهد الإسلامي كديانة "Bhagti" ودعوة ((كبير (١)) . ويقول رئيس وزراء الهند جواهر لال بهرو في كتابه (Discovery of India) ((إن دخول الغزاة الذين جاءوا من شمال غرب الهند ودخول الإسلام له أهمية كبيرة في تاريخ الهند إنه قد فضح الفساد الذي كان قد انتشر في المجتمع الهندوكي، إنه قد أظهر انقسام الطبقات واللمس المنبوذ، وحب الاعتزال عن العالم الذي كانت تعيش فيه الهند، إن نظرية الأخوة الإسلامية والمساواة التي كان المسلمون يؤمنون بها، ويعيشون فيها، أثرت في أذهان الهندوس تأثيراً عميقاً، وكان أكثر خضوعاً لهذا التأثير البؤساء الذين حرم عليهم المجتمع الهندي المساواة والتمتع بالحقوق الإنسانية)) . ويقول كاتب عصري فاضل وهو (N. C. Mehta) في كتابه " الحضارة الهندية والإسلام " (Indian Civilization and Islam) : ((إن الإسلام قد حمل إلى الهند مشعلاً من نور قد انجلت به الظلمات التي كانت تغشى الحياة الإنسانية في عصر مالت فيه المدنيات القديمة إلى الانحطاط والتدلي، وأصبحت الغايات الفاضلة معتقدات فكرية، لقد كانت فتوح الإسلام في عالم الأفكار أوسع وأعظم منها في حقل السياسة، شأنه في الأقطار الأخرى، لقد كان من سوء الحظ أن ظل تاريخ الإسلام في هذا القطر (الهندي) مرتبطاً بالحكومة، فبقيت حقيقة الإسلام في حجاب، وبقيت هباته وأياديه الجميلة مختفية عن الأنظار)) .

стр. 102

ولا يستطيع دين من الأديان ومدنية من المدنيات تعيش في العالم المتمدن المعمور أن تدعي أنها لم تتأثر بالإسلام والمسلمين في قليل ولا كثير. يقول (Robert Briffault) في كتابه (The Making of Humanity) ((ما من ناحية من نواحي تقدم أوربا إلا وللحضارة الإسلامية فيها فضل كبير وآثار حاسمة لها تأثير كبير (١)) . ويقول في موضع آخر: ((لم تكن العلوم الطبيعية (التي يرجع فيها الفضل إلى العرب) هي التي أعادت أوربا إلى الحياة ولكن الحضارة الإسلامية قد أثرت في حياة أوربا تأثيرات كبيرة ومتنوعة منذ أرسلت أشعتها الأولى إلى أوربا (٢)) . فلو جرت الأمور هكذا وتمتعت الأمم الإنسانية بقيادة الجماعة التي خُلقت بقيادتها وأعطيت القوس باريها، وجرت المياه إلى مجاريها، لكان للعالم الإنساني تاريخ غير التاريخ الذي نقرؤه حافلاً بالزلازل والنكبات ناطقاً بطول بلاء الإنسانية ومحنها، لكان له تاريخ مجيد جميل يغتبط به كل إنسان ويقر عيناً، ولكن جرت الأقدار بغير ذلك، وبدأ الانحطاط في المسلمين أنفسهم.

стр. 103

الفصل الثاني الانحطاط في الحياة الإسلامية الحد الفاصل بين العصرين: قال أحد الأدباء: ((أمران لا يحدد لهما وقت بدقة، النوم في حياة الفرد، والانحطاط في حياة الأمة، فلا يشعر بهما إلا إذا غلبا واستوليا)) إنه لحق في قضية أكثر الأمم، ولكن بدأ التدلّي والانحطاط في حياة الأمة الإسلامية أوضح منه في حياة الأمم الأخرى، ولو أردنا أن نضع إصبعنا على الحد الفاصل بين الكمال والزوال لوضعنا على ذلك الخط التاريخي الذي يفصل بين الخلافة الراشدة والملوكية العربية أو ملوكية المسلمين. نظرة في أسباب نهضة الإسلام: كان زمام القيادة الإسلامية- والعالمية بالواسطة- بيد الرجال الذين كان كل فرد منهم معجزة جليلة لمحمد ﷺ ، إيماناً وعقيدة وعملاً وخلقاً وتربية وتهذيباً وتزكية نفس وسمو سيرة، وكمالاً واعتدالاً، لقد صاغهم النبي ﷺ صوغاً، وصبهم في قالب الإسلام صباً، فعادوا لا يشبهون أنفسهم إلا في الأجسام لا في الميول والنزعات، ولا في الرغبات والأهواء، ولو دقق مدقق لما رأى في سيرتهم وأخلاقهم مأخذاً جاهلياً ينافي روح الإسلام والنفسية الإسلامية، ولو تمثل الإسلام بشراً لما زاد على أن يكون كأحدهم، وكانوا كما قلنا أمثلة كاملة وأقيسة تامة للدين والدنيا والجمع بينهما، فكانوا أئمة يصلون بالناس، وقضاة يفصلون قضاياهم، ويحكمون بينهم بالعدل والعلم، وأمنة لأموال المسلمين وخزنتهم، وقواداً يقودون الجيوش ويحسنون تدبير الحروب، وأمراء يباشرون إدارة البلاد ويشرفون على أمور المملكة ويقيمون حدود الله، وكان الواحد منهم في آن واحد تقياً زاهداً وبطلاً مجاهداً، وقاضياً فهماً، وفقيهاً مجتهداً وأميراً حازماً وسياسياً محنكاً، فكان الدين والسياسة يتمثلان في شخص واحد وهو شخص الخليفة وأمير المؤمنين، حوله جماعة ممن تخرجوا- إن صح التعبير- في هذه المدرسة، المدرسة النبوية، أم المسجد النبوي، أفرغوا في قالب واحد يحملون روحاً واحدة، وتلقوا تربية واحدة، يستشيرهم الخليفة ويستعين بهم، فلا يقطع أمراً ذا بال حتى يشهدوه فسرت روحهم

стр. 104

في المدنية ونظام الحكم وحياة الناس واجتماعهم وأخلاقهم، وانعكست ميولهم ورغباتهم في المدنية وظهرت خصائصهم فيها، فلا عداء بين الروح والمادة ولا صراع بين الدين والسياسة ولا تفريق بين الدين والدنيا، ولا تجاذب بين المصالح والمبادئ ولا تزاحم بين الأغراض والأخلاق، ولا تناحر بين الطبقات، ولا تنافس في الشهوات. شروط الزعامة الإسلامية: إن الزعامة الإسلامية تقتضي صفات دقيقة، واسعة جداً نستطيع أن نجمعها في كلمتين "الجهاد " و "الاجتهاد"، فهاتان كلمتان خفيفتان بسيطتان، ولكنهما كلمتان جامعتان عامرتان بالمعاني الكثيرة. الجهاد: أما الجهاد فهو بذل الوسع وغاية الجهد لنيل أكبر مطلوب، وأكبر وطر للمسلم طاعة الله ورضوانه والخضوع لحكمه والإسلام لأوامره، وذلك يحتاج إلى جهاد طويل شاق ضد كل ما يزاحم ذلك من عقيدة وتربية وأخلاق وأغراض وهوى وكل من ينافس في حكم الله وعبادته من آلهة في الأنفس والآفاق، فإذا حصل ذلك للمسلم وجب عليه أن يجاهد لتنفيذ حكم الله وأوامره في العالم حوله وعلى بني جنسه، فريضة من الله وشفقة على خلق الله، ولأن الطاعة الانفرادية قد تصعب وتمتنع أحياناً بغير ذلك، وذلك ما يسميه القرآن " الفتنة " ومعلوم أن العالم كله بما فيه من جماد ونبات وحيوان وإنسان خاضع لمشيئة الله وأحكامه التكوينية وقوانينه الطبيعية ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ فيتعين أن جهاد المسلم إنما هو لتنفيذ شريعته التي جاء بها الأنبياء، وإعلاء كلمته ونفاذ أحكامه، فلا حكم إلا لله ولا أمر إلا له، وهذا الجهاد مستمر ماض إلى يوم القيامة، له أنواع وأشكال لا يأتي عليها الحصر، منها القتال، وقد يكون أشرف أنواعه وغايته أن لا تبقى في الدنيا قوتان متساويتان متنافستان تتجاذبان الأهواء والأنفس ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ . ومن مقتضيات هذا الجهاد أن يكون الإنسان عارفاً بالإسلام الذي يجاهد لأجله وبالكفر والجاهلية التي يجاهد ضدها، يعرف الإسلام معرفة صحيحة ويعرف

стр. 105

الكفر والجاهلية معرفة دقيقة، فلا تخدعه المظاهر ولا تغره الألوان ولا تعزه الألوان، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: إنما ينقض الإسلام عروة عروة من نشأ في الإسلام ولم يعرف الجاهلية. ولا يجب على كل مسلم أن تكون معرفته دقيقة بالكفر والجاهلية ومظاهرهما وأشكالهما وألوانهما. ولكن على من يتزعم الإسلام ويتولى قيادة الجيش الإسلامي ضد الكفر والجاهلية، أن تكون معرفته بالكفر والجاهلية فوق معرفة عامة المسلمين وأوساطهم. كذلك يجب أن يكون استعدادهم كاملاً وقوتهم تامة، يقارعون الحديد بالحديد بل بأقوى من الحديد، ويقابلون الريح بالإعصار، ويواجهون الكفر وأهله بكل ما يقدرون عليه، وبكل ما امتدت إليه يدهم، وبكل ما اكتشفه الإنسان ووصل إليه العلم في ذلك العصر، من سلاح وجهاز واستعداد حربي، لا يقصرون في ذلك ولا يعجزون: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ . الاجتهاد: أما الاجتهاد فنريد به أن يكون من يرأس المسلمين قادراً على القضاء الصحيح في النوازل الحوادث التي تعرض في حياة المسلمين وفي العالم وفي الأمم التي يحكمها، وفي المسائل التي تفاجئ وتتجدد، والتي لا يستقصيها فقه مدون ومذهب مأثور وفتاوى مؤلفة، ويكون عنده من معرفة روح الإسلام وفهم أسرار الشريعة والاطلاع على أصول التشريع وقوة الاستنباط - انفراداً أو اجتماعاً- ما يحل به هذه المشاكل ويرشد الأمة في الغمة. ويكون عنده من الذكاء والنشاط والجد والعلم ما يستخدم به ما خلق الله في هذا الكون من قوى طبيعية، وما بث في الأرض وتحت الأرض من خيرات ومنابع ثروة وقوة، وأن يسخرها لمصلحة الإسلام بدل أن يستخدمها أهل الباطل لأهوائهم، ويتخذوها وسيلة للعلو في الأرض، ويسخرها الشيطان لتحقيق أغراضه والإفساد في الأرض. انتقال الإمامة من الأكفاء إلى غير الأكفاء: ولكن من الأسف ومن سوء حظ العالم البشري أن تولى هذا المنصب الخطير رجال لم يكونوا له أكفاء، ولم يُعدوا له عدة، ولم يأخذوا له أهبة، ولم يتلقوا تربية دينية وخلقية كما تلقى الأولون وكثيرون في عصرهم وجيلهم، ولم يسيغوا تعاليم

стр. 106

الإسلام إساغة تليق بقيادة الأمة الإسلامية والاضطلاع بزعامتها، ولم تنق رؤوسهم ولا نفوسهم من بقايا التربية القديمة، ولم يكن عندهم من روح الجهاد في سبيل الإسلام ومن قوة الاجتهاد في المسائل الدينية والدنيوية ما يجعلهم يضطلعون بأعباء الخلافة الإسلامية- وهذا الحكم عام يشمل خلفاء بني أمية وبني العباس، حاشا الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (م ١٠١هـ) . تحريفات الحياة الإسلامية: فظهر من ذلك ثلمات في ردم الإسلام لم تسد إلى الآن، ووقعت تحريفات في الحياة الإسلامية. فصل الدين عن السياسة: وقع فصل بين الدين والسياسة عملياً، فإن هؤلاء لم يكونوا من العلم والدين بمكان يستغنون به عن غيرهم من العلماء وأهل الدين فاستبدوا بالحكم والسياسة، واستعانوا- إذا أرادوا واقتضت المصالح- بالفقهاء ورجال الدين كمشيرين متخصصين، واستخدموهم في مصالحهم واستغنوا عنهم إذا شاؤوا، وعصروهم متى شاءوا، فتحررت السياسة من رقابة الدين، وأصبحت قيصرية أو كسروية مستبدة، وملكاً عضوضاً، وأصبحت السياسة كجمل هائج حبله على غاربه، وأصبح رجال الدين والعلم بين معرضة للخلافة وخارج عليها، وحائد منعزل اشتغل بخاصة نفسه وأغمض العين عما يقع ويجري حوله، يائساً من الإصلاح، ومنتقد يتلهف ويتنفس الصعداء مما يرى ولا يملك من الأمر شيئاً، ومتعاون مع الحكومة لمصلحة دينية أو شخصية، ولكلٍّ ما نوى، وحينئذ انفصل الدين والسياسة، وعادا كما كانا قبل عهد الخلافة الراشدة أصبح الدين مقصوص الجناح مكتوف الأيدي، وأصبحت السياسة مطلقة اليد حرة التصرف نافذة الكلمة صاحبة الأمر والنهي، ومن ثمَّ أصبح رجال العلم والدين طبقة متميزة، ورجال الدنيا طبقة متميزة، والشقة بينهما شاسعة، وفي بعض الأحيان بينهما عداء وتنافس. النزعات الجاهلية في رجال الحكومة: ولم يكن رجال الحكومة حتى الخلفاء أمثلة كاملة في الدين والأخلاق، بل كان في كثير منهم عروق للجاهلية ونزعاتها، فسرت روحهم ونفسيتهم في الحياة العامة والاجتماع، وأصبحوا أسوة للناس في أخلاقهم وعوائدهم وميولهم، وزالت

стр. 107

رقابة الدين والأخلاق وارتفعت الحسبة وفقدت حركة الأمر المعروف والنهي عن المنكر سلطانها، لأنها لا تستند إلى قوة ولا تحميها حكومة، وإنما يقوم بها متطوعون لا قوة لديهم ولا عقاب، والدواعي إلى خلافها متوافرة قوية، فتنفست الجاهلية في بلاد الإسلام ورفعت رأسها، وأخلد الناس إلى الترف والنعيم وإلى الملاهي والملاعب، وانغمسوا في الملذات والشهوات واستهتروا استهتاراً، ونظرة في كتاب الأغاني وكتاب الحيوان للجاحظ تُريك ما كان هنالك من رغبة جامحة إلى اللهو، وتهافت على الملاهي والملذات، ونهمة للجياة الدنيا وأسبابها، وبهذه السيرة، وبهذه الأخلاق المنحطة، ومع هذا الانهماك في الملاهي لا تستطيع أمة أتؤدي رسالة الإسلام، وأن تقوم في الدنيا مقام خلفاء الأنبياء، وتذكر بالله والآخرة وتحض على التقوى والدين، وأن تكون أسوة للناس في أخلاقها، بل لا تستطيع أن تتمتع بالحياة والحرية زمناً طويلاً: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ . سوء تمثيلهم للإسلام: وكان هؤلاء في كل ما يأتون ويذرون ممثلين لأنفسهم وسياستهم فقط، لا يمثلون الإسلام، ولا سياسته الشرعية، لا قانونه الحربي، ولا نظامه المدني، ولا تعاليمه الأخلاقية إلا في النادر ففقدت رسالة الإسلام تأثيرها وقوتها في قلوب غير المسلمين وضعفت ثقتهم به. وفي لفظ مؤرخ أوربي- بدأ الإسلام بالانحطاط، لأن البشرية بدأت تشك في صدق القائمين بتمثيل الديانة الجديدة. قلة الاحتفال بالعلوم العملية المفيدة: إن العلماء المفكرين منهم لم يعتنوا بالعلوم الطبيعية التجريبية والعلوم العملية المثمرة المفيدة اعتناءهم بعلوم ما بعد الطبيعة والفلسفة الإلهية التي تلقوها من اليونان وما هي إلا وثنيتهم القومية التي ترجموها في لغتهم الفلسفية، وأضفوا عليها لباساً من الفن، وما هي إلا ظنون وتخمينات وطلاسم لفظية لا حقيقة لها ولا معنى، وقد أغنى الله المسلمين عنها وكفاهم هذا البحث والتنقيب، وعملية تجزئة وتحليل في مسائل ذات الله وصفاته وما يتعلق بها أشبه بالتحليل الكيمياوي بما أنزل إليهم بينات من الهدى والفرقان وجعلهم على نور من ربهم، ولكن المسلمين لم يشكروا هذه النعمة العظيمة، وظلوا قروناً طويلة يجاهدون من هذه العلوم والمباحث في غير جهاد، ويضيعون ذكاءهم في مباحث فلسفية وكلامية لا تجدي نفعاً ولا تأتي بنتيجة، وليس

стр. 108

لها دعوة في الدنيا والآخرة، وتشاغلوا بها عن علوم واختبارات تسخر لهم قوى الطبيعة ويسخرونها لمصلحة الإسلام، ويبسطون بها سيطرة الإسلام المادية والروحية على العالم كله. وكذلك اشتغلوا بمباحث الروح وفلسفة الإشراق ومسائل وحدة الوجود، وبذلوا فيها قسطاً كبيراً من أوقاتهم وجهودهم وذكائهم. أما ما وصل إليه المسلون في العلوم الطبيعية والتجريبية، فإنه وإن كان أرقى من العصور السابقة وأكثر ثروة في العلم والاختبار، إلا أنه لا يتناسب مع فتوحهم الواسعة في دوائر علمية أخرى، ولا يتلاءم مع المدة الطويلة التي تمتعوا بها في التاريخ، ولم يظهر فيها من النوابغ والعبقريين مثل ما ظهر في موضوعات أخرى. وإن ما خلفوه من كتب في الطبيعيات والكونيات والتجارب العلمية، وإن ما كانت مما استفادت به أوربا في نهضتنا وأقرت بقيمتها، إلا أنها تتضاءل جداً أمام هذه المكتبة الهائلة الزاخرة التي أنتجتها أوربا في القرنين السابع عشر والثامن عشر فقط، فمهما افتخرنا بآثار علماء الأندلس وحكماء الشرق، فإنها لا تعد شيئاً بجانب الإنتاج الغربي الضخم في العلم والحكمة والتجربة والاختبار، لا في الكمية ولا في الكيفية، ولا في الإبداع ولا في الابتكار، ولا في التدقيق العلمي ولا في الإتقان الفني، وإذا أرادت أن تعرف مقدار عناية الشرق الإسلامي بالناحية الروحية ونسبتها إلى الناحية العلمية والتجريبية فقارن بين كتاب الفتوحات المكية للشيخ ابن عربي مثلاً وبين أكبر كتاب في الطبيعيات والحكمة، تر فرقاً هائلاً في ضخامة المادة والعناية بالموضوع والجهاد في سبيله، وبذلك تعرف ذوق الشرق الغالب عليه. الضلالات والبدع: وكاد يحجب توحيد الإسلام النقي حُجُبٌ من الشرك والجهل والضلالة، وطرأت على النظام الديني بدع شغلت مكاناً واسعاً من حياة المسلمين وشغلتهم عن الدين الصحيح، وعن الدنيا وميزة المسلمين بين أمم الأرض وفضلهم إنما هو من هذا الدين الذي جاء به محمد ﷺ ، وميزة هذا الدين وإعجازه في صحته وحفظه، لأنه يمتاز بأنه وحي الله وشريعته ووضعه المعجز وشرعه الحكيم ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ فإذا عملت فيه عقول الناس ودخلت فيه أعمال الناس وأهواؤهم لم يكن له على الأديان التي حرفها أهلها، والنظم التي نسجتها أيدي

стр. 109

الناس إلا بمقدار ما فيه من الوحي المحفوظ والعلم المعصوم، ولم يكن ضامناً لسعادة الدنيا والآخرة، ولم يكن حقيقاً بأن تخضع له العقول وينجذب إليه الناس. إنكار الدين على المسلمين وإهابته بهم: ولا يغربن عن البال أن الدين لم يزل طول هذه المدة حياً محفوظاً من التحريف والتبديل، مهيباً بالمسلمين ناعياً عليهم انحرافهم عن طريقه، ولم يزل مناره عالياً وضوءه مشرقاً ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ولم يزل الكتاب والسنة يبعثان في نفوس القراء ثورة على الشرك والبدع، وعلى الجهالة والضلالة وثورة على أخلاق الجاهلية وعوائدها، وثورة على ترف المترفين واستبداد الملوك، ولم يزل ينهض بتأثيرهما في كل دور من أدوار التاريخ الإسلامي، وفي كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي رجال يقومون في هذه الأمة على طريق الأنبياء، يجددون لها أمر دينها، وينفخون فيها روح الجهاد، ويفتحون لها باب الاجتهاد، ويسعون لإقامة حكومة إسلامية على منهاج الخلافة الراشدة، فمنهم من استشهد في هذه السبيل، ومنهم من استطاع أن يمثل دوراً قصيراً يذكر بالخلافة الراشدة: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ وهم مصداق الحديث الشريف: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله)) فتاريخ الجهاد والتجديد في الإسلام متصل لا تقطعه فترة، ومشاعل الإصلاح متسلسلة بعضها من بعض لم تطفئها العواصف (١) . حسن بلاء العالم الإسلامي في القرن السادس: في القرن السادس الهجري منَّ الله على العالم الإسلامي- الذي بدت عليه أمارات الضعف والشيخوخة بعد السلاجقة وتوزعه ملوك وأمراء في الأنحاء- بقادة

стр. 110

كبار حفظ الله بهم شرف الإسلام وعزته، وأعاد بهم الحياة إلى العالم الإسلامي المنهار، بدأت الغزوات الصليبية- التي كانت تهدف أولاً إلى الاستيلاء على الأماكن المقدسة عند المسيحيين- تتحدى الإسلام والمسلمين كلهم، وتهدد الجزيرة العربية ومهد الإسلام والدول المجاورة للشام، واستولى الصليبيون الأوربيون فعلاً على القدس وعلى عامة مدن الشام وقلاعه، وطمعوا في مدينة الرسول ﷺ ، وكانوا أكبر خطر على الإسلام والمسلمين بعد فتنة الردة، هنالك قيض الله للإسلام عماد الدين أتابك زنكي (م ٥٤١هـ) الذي قارع الصليبيين وهزمهم في معارك كثيرة وفتح الرُّها، وقام بعده ولده العظيم الملك العادل نور الدين محمود زنكي (م ٥٦٩هـ) وصمم على إجلاء الصليبيين من الشام واسترداد القدس للمسلمين، ومات رحمة الله عليه قبل أن يكمل مهمته وخلفه في ذلك أحد رجاله ومرشحيه الملك الناصر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ملك مصر، وهو الرجل الذي هيأه الله لهذه المهمة العظيمة وجمع فيه من خصال الحزم والعزم والإخلاص والتجرد للغاية والحرص على الجهاد والتفاني في سبيله وعلو الهمة في نصر الإسلام وقتال أهل الكفر والبغي، وحسن القيادة وقوة التنظيم والصلاح والديانة والفتوة الفائقة والإنسانية السامية ومكارم الأخلاق ما لا يجتمع إلا في أفذاذ الرجال في العالم، فكان بذلك معجزة من معجزات الإسلام ودليلاً على أن الإسلام لم ينته دوره ولم يفقد الحيوية والإنتاج، وقد توحد العالم الإسلامي من بين نهر الفرات وبين النيل للمرة الأولى بعد مدة طويلة ليقاتل أوربا التي تدفقت جيوشها واندفع ملوكها وأمراؤها وقوادها الكبار ليهاجموا العالم الإسلامي، وقد اجتمع تحت لواء صلاح الدين للجهاد أجناس كثيرة من المسلمين لم تجتمع قبل، والتهبت شعلة الجهاد والغيرة الإسلامية بعد مدة طويلة، واستخدم صلاح الدين للجهاد كل ما وصل إليه العالم الإسلامي من العلم والاختراع وصناعة الحرب يومئذ، هو كل ما أوتي من الذكاء والصبر والتفكير وهزم الصليبيين في حطين عام (٥٨٣هـ) هزيمة منكرة وكسر شوكتهم وفتح القدس في العام نفسه واستولى على فلسطين لها وانحصر الصليبيون في " صور" فقط، ألقت أوربا أفلاذ أكبادها، وجاءت بحدها وحديدها واجتمعت جيوشها الكثيفة تحت قيادة القائد الكبير رتشارد Richard ملك انكلترا وكانت الحرب بين الصليبيين والمسلمين سجالاً حتى وقعت الهدنة سنة ٥٨٨هـ (٢ سبتمبر ١١٩٢ المسيحي) وجلا معظم الغزاة الصليبيين عن فلسطين ورجع رتشارد إلى
следующие страницы →