← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21582

الآداب الشرعية والمنح المرعية

ابن مفلح

Полный текст (1 529 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

[فَصْلٌ فِي أَنْوَاعِ الِاسْتِفْرَاغِ الْقَيْءُ أَسْبَابُهُ وَعِلَاجُهُ] ُ) عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَاءَ فَتَوَضَّأَ فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ فَقَالَ: صَدَقَ أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وُضُوءَهُ» . وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ. الِاسْتِفْرَاغَاتُ خَمْسَةٌ: الْإِسْهَالُ، وَإِخْرَاجُ الدَّمِ، وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ وَالْقَيْءُ، إمَّا بِالْغَلَبَةِ فَلَا يَجُوزُ حَبْسُهُ إلَّا إذَا أَفْرَطَ وَخِيفَ مِنْهُ فَيُقْطَعُ بِمَا يُمْسِكُهُ، وَإِمَّا بِالِاسْتِدْعَاءِ فَأَنْفَعُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَسَبَبُ الْقَيْءِ صَفْرَاءُ أَوْ بَلْغَمٌ أَوْ ضَعْفُ الْمَعِدَةِ فِي ذَاتِهَا فَلَا تَهْضِمُ وَتَقْذِفُ الطَّعَامَ إلَى فَوْقٍ أَوْ يُخَالِطُهَا خَلْطٌ رَدِيءٌ فَيُسِيءُ هَضْمَهَا أَوْ زِيَادَةُ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ لَا تَحْتَمِلُهُ الْمَعِدَةُ، أَوْ كَرَاهَتُهَا لَهُمَا، فَتَطْلُبُ دَفْعَهُ، وَيَحْصُلُ فِيهَا مَا يَثُورُ الطَّعَامُ بِكَيْفِيَّتِهِ وَطَبِيعَتِهِ فَيَقْذِفُ بِهِ، أَوْ قَرَفٌ يَغْثِي النَّفْسَ، أَوْ عَرَضٌ نَفْسَانِيٌّ كَهَمٍّ وَحُزْنٍ يَشْغَلُ الطَّبِيعَةَ عَنْ تَدْبِيرِ الْبَدَنِ بِهِ فَتَقْذِفُهُ الْمَعِدَةُ، وَقَدْ يَكُونُ لِأَجْلِ تَحَرُّكِ الْأَخْلَاطِ عِنْدَ تَخَبُّطِ النَّفْسِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ النَّفْسِ وَالْبَدَنِ يَنْفَعِلُ عَنْ صَاحِبِهِ، أَوْ نَقْلِ الطَّبِيعَةِ بِأَنْ يَرَى مَنْ يَتَقَيَّأُ فَيَغْلِبُ الْقَيْءُ، فَإِنَّ الطَّبِيعَةَ نَقَّالَةٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَيْءَ فِي بَلَدٍ حَارٍّ وَزَمَنٍ حَارٍّ أَنْفَعُ لِرِقَّةِ الْأَخْلَاطِ وَانْجِذَابِهَا إلَى فَوْقٍ، وَبَلَدٍ وَزَمَنٍ بَارِدٍ يَغْلُظُ الْخَلْطُ، وَيَصْعُبُ جَذْبُهُ، وَالْإِسْهَالُ أَنْفَعُ. وَإِزَالَةُ الْخَلْطِ تَكُونُ بِالْجَذْبِ وَالِاسْتِفْرَاغِ، وَالْجَذْبُ يَكُونُ مِنْ أَبْعَدِ الطُّرُقِ وَالِاسْتِفْرَاغُ مِنْ أَقْرَبِهَا؛ لِأَنَّ الْمَادَّةَ إنْ كَانَتْ عَامِلَةً فِي الِانْصِبَابِ أَوْ التَّرَقِّي لَمْ تَسْتَقِرَّ بَعْدُ فَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إلَى الْجَذْبِ، فَإِنْ كَانَتْ مُتَصَاعِدَةً جُذِبَتْ مِنْ أَسْفَلَ، وَإِنْ كَانَتْ مُنْصَبَّةً جُذِبَتْ مِنْ فَوْقٍ، وَأَمَّا إذَا اسْتَقَرَّتْ فِي مَوْضِعِهَا اُسْتُفْرِغَتْ مِنْ أَقْرَبِ الطُّرُقِ إلَيْهَا، فَمَتَى أَضَرَّتْ الْمَادَّةُ بِالْأَعْضَاءِ الْعُلْيَا اُجْتُذِبَتْ مِنْ أَسْفَلَ، وَمَتَى أَضَرَّتْ بِالْأَعْضَاءِ السُّفْلَى اُجْتُذِبَتْ مِنْ فَوْقٍ، وَمَتَى اسْتَقَرَّتْ

стр. 1017

اُسْتُفْرِغَتْ مِنْ أَقْرَبِ مَكَان إلَيْهَا، وَلِهَذَا كَانَ ﵇ يَحْتَجِمُ تَارَةً عَلَى كَاهِلِهِ وَقَدَمِهِ وَفِي رَأْسِهِ، فَالْقَيْءُ يُسْتَفْرَغُ مِنْ أَعْلَى الْمَعِدَةِ وَيُجْذَبُ مِنْ أَسْفَلَ وَالْإِسْهَالُ بِالْعَكْسِ. قَالَ أَبُقْرَاطُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْرَاغُ فِي الصَّيْفِ مِنْ فَوْقُ أَكْثَرَ مِنْ الِاسْتِفْرَاغِ بِالدَّوَاءِ وَفِي الشِّتَاءِ مِنْ أَسْفَلَ. وَالْقَيْءُ يُنَقِّي الْمَعِدَةَ وَيُقَوِّيهَا وَيُحِدُّ الْبَصَرَ وَيُزِيلُ ثِقَلَ الرَّأْسِ وَيَنْفَعُ مِنْ قُرُوحِ الْكُلَى وَالْمَثَانَةِ وَالْيَرَقَانِ وَالْأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ كَرَعْشَةٍ وَفَالِجٍ وَجُذَامٍ وَاسْتِسْقَاءٍ، وَيَسْتَعْمِلُهُ الصَّحِيحُ فِي الشَّهْرِ مَرَّتَيْنِ مِنْ غَيْرِ حِفْظِ دَوْرٍ لِيَتَدَارَكَ الثَّانِي مَا قَصُرَ عَنْهُ الْأَوَّلُ، وَيُنَقِّي فَضْلَةً انْصَبَّتْ بِسَبَبِهِ، وَيَضُرُّ الْإِكْثَارُ مِنْهُ الْمَعِدَةَ وَيَجْعَلُهَا قَلِيلَةَ الْفُضُولِ وَيَضُرُّ بِالْأَسْنَانِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَرُبَّمَا صَدَّعَ، وَيَجِبُ أَنْ يَتَنَبَّهَ مَنْ بِهِ وَرَمٌ فِي الْحَلْقِ أَوْ ضَعْفٌ فِي صَدْرٍ أَوْ دَقِيقَ الرَّقَبَةِ أَوْ مُسْتَعِدٌّ لِنَفْثِ الدَّمِ أَوْ عُسْرِ الْإِجَابَةِ. أَمَّا فِعْلُ بَعْضِ مَنْ يُسِيءُ التَّدْبِيرَ وَهُوَ أَنْ يَمْتَلِئَ طَعَامًا، ثُمَّ يَقْذِفَ بِهِ فَإِنَّهُ يُعَجِّلُ الْهَرَمَ وَيُوقِعُ فِي أَمْرَاضٍ رَدِيئَةٍ وَيَجْعَلُ الْقَيْءَ لَهُ عَادَةً وَالْقَيْءُ مَعَ الْيُبُوسَةِ وَضَعْفِ الْأَحْشَاءِ وَهَزْلِ الْمَرَاقِ أَوْ ضَعْفِ الْمُسْتَقِي خَطَرٌ وَأَحْمَدُ أَوْقَاتِهِ الصَّيْفُ وَالرَّبِيعُ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَرَّضَ فِي الْخَرِيفِ إلَى الْقَيْءِ فَإِنَّهُ يَجْلِبُ الْحُمَّى مِنْ سَاعَتِهِ، وَلْيَكُنْ الْمَيْلُ فِيهِ إلَى تَسْكِينِ الْأَخْلَاطِ مَهْمَا أَمْكَنَ. وَأَمَّا الشِّتَاءُ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ فِي التَّدْبِيرِ وَالْإِكْثَارَ مِنْ الْأَغْذِيَةِ، وَلْيَتَوَقَّ فِيهِ الْإِسْهَالَ الْمُفْرِطَ. وَيَنْبَغِي عِنْدَ الْقَيْءِ عَصْبُ الْعَيْنَيْنِ وَقَمْطُ الْبَطْنِ وَغَسْلُ الْوَجْهِ بِمَاءٍ بَارِدٍ إذَا فَرَغَ، وَأَنْ يَشْرَبَ عَقِبَهُ شَرَابَ التُّفَّاحِ مَعَ يَسِيرٍ مِنْ مُصْطَكَى وَمَاءِ وَرْدٍ، وَذَكَرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الطَّبِيبُ أَنَّهُ إذَا خِيفَ مِنْ الْقَيْءِ بِعَكْسِ الْبُخَارِ إلَى الدِّمَاغِ فَلْيَكُنْ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ قَالَ: وَيَقُومُ مَقَامَهُ شَرَابُ اللَّيْمُونِ بُكْرَةَ النَّهَارِ. (وَالرَّابِعُ) مِنْ الاستفراغات اسْتِفْرَاغُ الْأَبْخِرَةِ

стр. 1018

(الْخَامِسُ) الِاسْتِفْرَاغُ بِالْعَرَقِ لَا يُقْصَدُ غَالِبًا بَلْ الطَّبِيعَةُ تَدْفَعُهُ إلَى ظَاهِرِ الْجَسَدِ فَيُصَادِفُ الْمَسَامَّ مُفَتَّحَةً فَيَخْرُجُ مِنْهَا. وَعَرَقُ الْإِنْسَانِ مَائِيَّةُ الدَّمِ خَالَطَهَا صَدِيدٌ مَرَارِيٌّ وَهُوَ أَنْضَجُ مِنْ الْبَوْلِ إذَا كَانَ مِنْ فَضْلِ رُطُوبَةٍ بَعْدَ الْهَضْمِ الْأَخِيرِ، وَالْبَوْلُ مِنْ فَضْلِ الْهَضْمِ الثَّانِي وَفِيهِ تَحْلِيلٌ، وَعَرَقُ الْمُصَارِعَيْنِ يَنْفَعُ مِنْ وَرَمِ الْأُنْثَيَيْنِ وَيُحَلِّلُهُ وَيَابِسُ عَرَقِهِمْ الَّذِي قَدْ خَالَطَهُ تُرَابُ مَوْضِعِ الصِّرَاعِ مَعَ دُهْنِ الْحِنَّا يُجْعَلُ عَلَى أَوْرَامِ الثَّدْيِ فَيُطْفِئُ لَهِيبَهَا، وَإِذَا ضُمِّدَتْ بِهِ الدُّمُّلَةُ أَنْضَجَهَا.

стр. 1019

[فَصْلٌ الْكَلَامُ فِي الْكَيِّ] فَصْلٌ قَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي الْكَيِّ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ. وَعَنْ عِمْرَانَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْكَيِّ فَاكْتَوَيْنَا فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَقَالَ: فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا. وَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ ثَنَا أَبُو دَاوُد ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ مُطَرِّفٍ. وَعَنْ عِمْرَانَ وَعَنْ جَابِرٍ قَالَا: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا، ثُمَّ كَوَاهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرٍ أَيْضًا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَوَى سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ، ثُمَّ وَرِمَتْ فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ» : حَسَمَهُ أَيْ كَوَاهُ لِيَقْطَعَ دَمَهُ، وَأَصْلُ الْحَسْمِ الْقَطْعُ،، وَالْأَكْحَلُ عِرْقٌ فِي وَسَطِ الذِّرَاعِ يَكْثُرُ فَصْدُهُ. وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَوَى سَعْدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنْ الشَّوْكَةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ الشَّوْكَةُ حُمْرَةٌ تَعْلُو الْوَجْهَ، وَالْجَسَدَ وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ كَوَى مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ حَيٌّ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَكَانُ الْكَيِّ التَّكْمِيدُ، وَمَكَانُ الْعِلَاقِ السَّعُوطُ، وَمَكَانُ النَّفْخِ اللَّدُودُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَادَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ فَكَمَّدَهُ بِخِرْقَةٍ» التَّكْمِيدُ أَنْ تُسَخَّنَ خِرْقَةٌ وَتُوضَعَ عَلَى الْعُضْوِ الْوَجِعِ وَيُتَابَعَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِيَسْكُنَ وَتِلْكَ الْخِرْقَةُ تُسَمَّى الْكِمَادَةُ، وَالْكِمَادُ.

стр. 1020

[فَصْلٌ يَتَعَلَّقُ بِمَا سَبَقَ فِي ذِكْرِ الْحَدِيثِ مِنْ الْمَسَائِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ] رَوَى أَبُو دَاوُد ثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ثَنَا يُونُسُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ،» كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَفِي لَفْظِ بَعْضِهِمْ يَعْنِي السَّمَّ أَظُنُّهُ أَحْمَدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ دَوَاءٍ خَبِيثٍ كَالسَّمِّ وَنَحْوِهِ» . وَرَوَى سَعِيدٌ ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُسْكِرِ «أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مُخَارِقٍ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَسَّانِ بْنِ مُخَارِقٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ «أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ عَنْهَا فَقَالَ: إنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ ، وَذَكَرَ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيُّ ﵀ أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ أَصْحَابِهِمْ الشَّافِعِيَّةِ تَحْرِيمُ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ الشَّارِعُ التَّدَاوِيَ بِالْمُحَرَّمَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْهُ إلَّا لِخُبْثِهِ لَا عُقُوبَةً. وَقَدْ قَالَ فِي بَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ: إنَّهُ دَاءٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ دَوَاءٌ وَلَا نَفْعَ فِيهِ؟ وَإِنْ كَانَ أَعْقَبَ الْبَدَنَ، وَالرُّوحَ، وَالطَّبِيعَةَ، وَالْقَلْبَ خُبْثًا وَضَرَرًا أَكْثَرَ مِمَّا حَصَلَ بِهِ مِنْ النَّفْعِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ وَذَرِيعَةٌ إلَى تَعَاطِيهِ لِغَيْرِ التَّدَاوِي وَهُوَ عِلَّةُ النَّهْيِ عَنْهُ، وَالذَّرَائِعُ مُعْتَبَرَةٌ، وَلِذَلِكَ نَهَى عَنْ إمْسَاكِ الْخَمْرِ لِتُتَّخَذَ خَلًّا، وَلِأَنَّ مِنْهَا مَا تَعَافُهُ النَّفْسُ فَلَا تَنْبَعِثُ الطَّبِيعَةُ لِمُسَاعَدَتِهِ فَيَبْقَى كَلًّا عَلَيْهَا.

стр. 1021

وَقَدْ قَالَ أَبُقْرَاطُ: ضَرَرُ الْخَمْرِ بِالرَّأْسِ شَدِيدٌ؛ لِأَنَّهُ يُسْرِعُ الِارْتِفَاعَ إلَيْهِ وَتُرْفَعُ بِارْتِفَاعِهِ الْأَخْلَاطُ الَّتِي تَعْلُو فِي الْبَدَنِ وَهُوَ لِذَلِكَ يَضُرُّ بِالذِّهْنِ وَقَالَ صَاحِبُ الْكَامِلِ: إنَّ خَاصِّيَّةَ الشَّرَابِ الْإِضْرَارُ بِالدِّمَاغِ، وَالْعَصَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى سَعِيدٌ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ يَكْرَهُ الْحُقْنَةَ. كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ إلَّا لَيْثًا فَإِنَّهُ مُضَعَّفٌ وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ. وَرَوَى أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ وَإِبْرَاهِيمَ أَنَّهُمْ كَرِهُوا الْحُقْنَةَ. وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادٍ رَوَاهُ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَسُئِلَ عَنْ الْحُقْنَةِ فَقَالَ: هِيَ سُنَّةُ الْمُشْرِكِينَ. وَرَوَى أَيْضًا حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ فِي الْحُقْنَةِ فَقَالَ: إنَّمَا هِيَ دَاءٌ، وَاحْتَجَّ الْقَاضِي لِلْقَوْلِ بِكَرَاهَةِ الْحُقْنَةِ بِمَا رَوَى وَكِيعٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْحُقْنَةِ،» وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ وَرَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ أَحْتَقِنُ قَالَ: لَا تُبْدِي الْعَوْرَةَ وَلَا تَسْتَنَّ بِسُنَّةِ الْمُشْرِكِينَ. وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْحُقْنَةُ كُفْرٌ قَالَ الْقَاضِي: وَرَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْحُقْنَةِ. وَرَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «خَيْرُ دَوَاءٍ الْحِجَامَةُ، وَالْفَصْدُ، وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ» وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «بَعَثَ إلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا فَكَوَاهُ وَفَصَدَهُ فِي الْعِرْقِ» وَقَالَ أَحْمَدُ: أَصْحَابُ الْأَعْمَشِ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ كَوَاهُ وَفَصَدَهُ فِي الْعُرُوقِ وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «قَطْعُ الْعُرُوقِ مَسْقَمَةٌ، الْحِجَامَةُ خَيْرٌ مِنْهُ» قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ. وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَرَيْ بَأْسًا أَنْ تُعَوِّذَ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ يُصَبَّ عَلَى الْمَرِيضِ. وَرَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ

стр. 1022

عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «مَرِضَ الْحَسَنُ بْنَ عَلِيٍّ فَعَادَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَصَابَهُ مَوْعُوكًا فَانْكَبَّ عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ وَيَبْكِي فَهَبَطَ جِبْرِيلُ فَقَالَ: هَذِهِ هَدِيَّةٌ مِنْ اللَّهِ لَك وَلِأَهْلِ بَيْتِك. فَأَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ أَنْ يَكْتُبَ فَدَعَا بِجَامٍ وَعَسَلِ نَحْلٍ فَقَالَ: اُكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] إلَى آخِرِ السُّورَةِ ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١] ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] . ثُمَّ دَعَا بِمَاءِ مَطَرٍ فَغَسَلَهُ وَسَقَاهُ فَبَرِئَ مِنْ سَاعَتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَعَاشِرَ أُمَّتِي هَذِهِ هَدِيَّةُ اللَّهِ فَتَدَاوَوْا بِهَا» وَبِإِسْنَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَبِي مُوسَى أَنْ «يَكْتُبَ لِابْنَتِهِ مِنْ الْحُمَّى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ، ثُمَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ سُورَةَ الْفَلَقِ، ثُمَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ سُورَةَ النَّاسِ، ثُمَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، ثُمَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، ثُمَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ الْحَمْدُ، ثُمَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، ثُمَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، ثُمَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ يَكْتُبُ بَعْدَ هَذَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عِشْرِينَ مَرَّةً، ثُمَّ يَغْسِلُهُ وَيَسْقِيهِ الْمَرِيضَ عَلَى الرِّيقِ فَإِنْ عَادَتْ فَعَاوِدْهَا الثَّانِيَةَ فَإِنَّهَا لَا تَعُودُ الثَّالِثَةَ أَبَدًا» وَقَوْلُهُ، " ثُمَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ الْحَمْدُ، ثُمَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " أَيْ الْفَاتِحَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1023

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا مِنْ الْحُمَّى، وَالْأَوْجَاعِ بِسْمِ اللَّهِ الْكَبِيرِ أَعُوذُ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ مِنْ شَرِّ كُلِّ عِرْقٍ نَعَّارٍ وَمِنْ شَرِّ حَرِّ النَّارِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ: كَانَ يُعَلِّمُهُمْ رُقَى الْحُمَّى وَمِنْ الْأَوْجَاعِ كُلِّهَا، وَذَكَرَهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ إبْرَاهِيمَ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَضَعَّفَهُ أَيْضًا غَيْرُهُ وَوَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَيْسَ بِقَوِيٍّ. نَعَرَ الْعِرْقُ إذَا امْتَلَأَ مِنْ الدَّمِ حَتَّى عَلَا وَخَرَجَ نَعُورَةً وَنَعُورًا إذَا ضُرِّيَ دَمُهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قُرْحَةٌ أَوْ وَجَعٌ قَالَ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَهَا وَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا يُشْفَى سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلِابْنِ مَاجَهْ فِي أَوَّلِهِ كَانَ مِمَّا يَقُولُهُ لِلْمَرِيضِ بِبُزَاقِهِ بِإِصْبَعِهِ وَذَكَرَهُ. وَلِأَبِي دَاوُد كَانَ يَقُولُ لِلْإِنْسَانِ إذَا اشْتَكَى نَفَثَ بِرِيقِهِ، ثُمَّ قَالَ بِهِ فِي التُّرَابِ " تُرْبَةُ أَرْضِنَا " وَذَكَرَهُ، وَالْمُرَادُ جَمِيعُ الْأَرْضِ وَقِيلَ أَرْضُ الْمَدِينَةِ لِبَرَكَتِهَا، وَالرِّيقَةُ أَقَلُّ مِنْ الرِّيقِ. وَهَذَا عِلَاجٌ مُرَكَّبٌ سَهْلٌ فَإِنَّ الْقُرُوحَ، وَالْجِرَاحَ يَتْبَعُهَا غَالِبًا سُوءُ مِزَاجٍ وَرُطُوبَةٌ رَدِيئَةٌ وَسَيَلَانٌ، وَالتُّرَابُ الْخَالِصُ طَبِيعَتُهُ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ فَوْقَ بَرْدِ كُلِّ دَوَاءٍ بَارِدٍ مُفْرَدٍ فَتُقَابِلُ بُرُودَتُهُ تِلْكَ الْحَرَارَةَ وَيُبْسُهُ تِلْكَ الرُّطُوبَةَ وَيَعْدِلُ مِزَاجَ الْعُضْوِ الْعَلِيلِ فَتَقْوَى قُوَّتُهُ الْمُدَبِّرَةُ فَتَدْفَعُ أَلَمَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَنْضَمُّ مَعَ ذَلِكَ. هَذَا الْكَلَامُ الْمُتَضَمِّنُ لِبَرَكَةِ اسْمِ اللَّهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إلَيْهِ. وَلِبَعْضِ التُّرَابِ خَاصِّيَّةٌ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَلِهَذَا قَالَ جَالِينُوسُ: رَأَيْتُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مَطْحُولِينَ وَمُسْتَسْقِينَ كَثِيرًا يَسْتَعْمِلُونَ طِينَ مِصْرَ وَيُطْلُونَ بِهِ عَلَى سُوقِهِمْ وَأَفْخَاذِهِمْ وَسَوَاعِدِهِمْ وَظُهُورِهِمْ وَأَضْلَاعِهِمْ فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ مَنْفَعَةً بَيِّنَةً قَالَ: وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ فَقَدْ يَنْفَعُ هَذَا الطِّلَاءُ لِلْأَوْرَامِ الْعَفِنَةِ وَالْمُتَرَهِّلَةِ، وَالرِّخْوَة قَالَ: وَإِنِّي لَأَعْرِفُ قَوْمًا تَرَهَّلَتْ أَبْدَانُهُمْ كُلُّهَا مِنْ كَثْرَةِ اسْتِفْرَاغِ الدَّمِ مِنْ سُفْلٍ انْتَفَعُوا بِهَذَا الطِّينِ نَفْعًا بَيِّنًا، وَقَوْمًا آخَرِينَ شَفَوْا بِهِ أَوْجَاعًا مُزْمِنَةً

стр. 1024

كَانَتْ مُتَمَكِّنَةً فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ تَمْكِينًا شَدِيدًا فَبَرِئَتْ وَذَهَبَتْ أَصْلًا. وَقَالَ الْمَسِيحِيُّ: قُوَّةُ الطِّينِ الْمَجْلُوبِ مِنْ كُبْرُسَ وَهِيَ جَزِيرَةُ الْمُصْطَكَى قُوَّةٌ تَجْلُو وَتَغْسِلُ وَتُنْبِتُ اللَّحْمَ فِي الْقُرُوحِ وَتَخْتِمُ الْقُرُوحَ فَمَا ظَنُّك بِتُرْبَةِ خَيْرِ الْأَرْضِ خَالَطَتْ رِيقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ الطِّبِّ الْإِلَهِيِّ مِنْهُ. وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ. يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبْ الْبَأْسَ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شَافِيَ إلَّا أَنْتَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقْمًا» وَفِي لَفْظٍ «كَانَ يَرْقِي يَقُول: امْسَحْ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ بِيَدِك الشِّفَاءُ لَا كَاشِفَ لَهُ إلَّا أَنْتَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَلِابْنِ مَاجَهْ كَانَ إذَا أَتَى الْمَرِيضَ دَعَا لَهُ وَذَكَرَ مَعْنَاهُ. وَقَالَ ثَابِتٌ لِأَنَسٍ: اشْتَكَيْت. فَقَالَ: أَلَا أَرْقِيك بِرُقْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ وَذَكَرَ مَعْنَاهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: «وَقَعَتْ الْقِدْرُ عَلَى يَدِي فَأَحْرَقَتْ يَدِي فَانْطَلَقَ بِي أَبِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ يَتْفُلُ عَلَيْهَا وَيَقُولُ ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَاهُ،» وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّ مَيْمُونَةَ قَالَتْ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي أَلَا أَرْقِيَك بِرُقْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ قُلْت بَلَى. قَالَتْ: «بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيك وَاَللَّهُ يَشْفِيكَ مِنْ كُلِّ دَاءٍ فِيكَ، أَذْهِبْ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شَافِيَ إلَّا أَنْتَ» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ. وَدَخَلَ ﵇ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَهُوَ مَرِيضٌ فَقَالَ: «اكْشِفْ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ عَنْ ثَابِتٍ، ثُمَّ أَخَذَ تُرَابًا مِنْ بَطْحَانَ فَجَعَلَهُ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ نَفَثَ عَلَيْهِ، ثُمَّ صَبَّهُ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرَوَى أَيْضًا هُوَ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ، وَاللَّيْلَةِ مِنْ رِوَايَةِ زِيَادَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا «مَنْ اشْتَكَى مِنْكُمْ شَيْئًا أَوْ اشْتَكَى أَخٌ لَهُ فَلْيَقُلْ رَبَّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ تَقَدَّسَ اسْمُك أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ، وَالْأَرْضِ كَمَا رَحْمَتُك فِي السَّمَاءِ، وَالْأَرْضِ

стр. 1025

فَاجْعَلْ رَحْمَتَك فِي الْأَرْضِ، وَاغْفِرْ لَنَا حَوْبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ فَأَنْزِلْ شِفَاءً مِنْ شِفَائِك وَرَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِك عَلَى هَذَا الْوَجَعِ فَيَبْرَأُ» . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْجَانِّ وَمِنْ عَيْنِ الْإِنْسَانِ فَلَمَّا نَزَلَتْ الْمُعَوِّذَتَانِ أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ وَلِأَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ وَمِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ وَعَيْنٍ، بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ وَاَللَّهُ يَشْفِيكَ» . «وَرَقَى رَجُلٌ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ لَدِيغًا عَلَى قَطِيعٍ مِنْ غَنَمٍ فَبَرِئَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيك أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» وَرَقَى بِهَا رَجُلٌ عَلَى مَجْنُونٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غَدْوَةً وَعَشِيَّةً يَجْمَعُ بُزَاقَهُ، ثُمَّ يَتْفُلُ فَبَرَأَ فَأَعْطَوْهُ جُعْلًا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «كُلْ فَلَعَمْرِي مَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ لَقَدْ أَكَلْت بِرُقْيَةِ حَقٍّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، فَفِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ بِسُورَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى كُلِّ وَجَعٍ وَمَرَضٍ. وَفِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﵇ رَخَّصَ فِي الرُّقْيَةِ مِنْ الْعَيْنِ وَالْحُمَّةِ وَالنَّمْلَةِ.» الْحُمَّةُ ذَوَاتُ السَّمُومِ كُلِّهَا،، وَالنَّمْلَةُ قُرُوحٌ تَخْرُجُ فِي الْجَنْبِ سُمِّيَ نَمْلَةً؛ لِأَنَّهُ يُحِسُّ بِهِ كَنَمْلَةٍ تَدِبُّ عَلَيْهِ وَتَعَضُّهُ وَلِأَبِي دَاوُد «لَا رُقْيَةَ إلَّا فِي عَيْنٍ أَوْ حُمَّةٍ» ، وَالْمُرَاد بِهِ إنْ صَحَّ إنَّهُمَا أَوْلَى بِالرُّقْيَةِ مِنْ غَيْرهمَا بِدَلِيلِ مَا سَبَقَ وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ أَنْسَ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ : «لَا رُقْيَة إلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَّةٍ أَوْ دَمٍ يُرْقَأُ» .

стр. 1026

[فَصْل فِي الِاسْتِشْفَاءِ بِمَاءِ زَمْزَم وَمَا يَنْفَعُ لِعُسْرِ الْوِلَادَةِ وَالْعَقْرَبِ] فَصْل (فِي الِاسْتِشْفَاءِ بِمَاءِ زَمْزَم وَالْآثَارِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَالتَّبَرُّكِ بِهِمَا وَمَا يَنْفَعُ لِعُسْرِ الْوِلَادَةِ، وَالْعَقْرَبِ) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْتُ أَبِي غَيْرَ مَرَّةٍ يَشْرَبُ زَمْزَمَ يَسْتَشْفِي بِهِ وَيَمْسَحُ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ. وَرَأَيْتُ أَبِي يَأْخُذُ شَعْرَةً مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَضَعُهَا عَلَى فِيهِ فَيُقَبِّلُهَا، وَأَحْسَبُ أَنِّي رَأَيْتُهُ يَضَعُهَا عَلَى عَيْنَيْهِ وَيَغْمِسُهَا فِي الْمَاءِ، ثُمَّ يَشْرَبُ مِنْهَا. وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مَاءً مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فِي الْقَوَارِيرِ، وَتَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ» ، وَبِإِسْنَادِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إلَى سَهْلِ بْنِ عَمْرٍو يَسْتَهْدِيهِ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فَبَعَثَ إلَيْهِ بِرَاوِيَتَيْنِ» وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ «وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَقْعَدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى وَجْهِهِ» . وَرَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إذَا عَسِرَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَدُهَا أُخِذَ إنَاءٌ نَظِيفٌ فَيُكْتَبُ: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وَ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ [النازعات: ٤٦] إلَى آخِرِ الْآيَةِ. وَ ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] إلَى آخِرِهَا، ثُمَّ يُغْسَلُ فَتُسْقَى الْمَرْأَةُ وَيُنْضَحُ عَلَى بَطْنِهَا مِنْهُ وَوَجْهِهَا قَالَ صَالِحٌ: لِأَبِيهِ يُكْتَبُ الشَّيْءُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي قِرْطَاسٍ وَيُدْفَنُ لِلْآبِقِ قَالَ: لَا بَأْسَ» . وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ فَدَعَا بِمِلْحٍ وَمَاءٍ فَجَعَلَهُ فِي إنَاءٍ، ثُمَّ جَعَلَ يَصُبُّهُ عَلَى أُصْبُعِهِ حَيْثُ لَدَغَتْهُ وَيَمْسَحُهَا وَيُعَوِّذُهَا بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ،» وَرَوَى أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إذْ سَجَدَ فَلَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ فِي أُصْبُعِهِ فَانْصَرَفَ

стр. 1027

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْعَقْرَبَ مَا تَدَعُ نَبِيًّا وَلَا غَيْرَهُ قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَمِلْحٌ فَجَعَلَ يَضَعُ مَوْضِعَ اللَّدْغَةِ فِي الْمَاءِ، وَالْمِلْحِ وَيَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حَتَّى سَكَنَتْ» . هَذَا عِلَاجٌ مُرَكَّبٌ مِنْ إلَهِيٍّ وَطَبِيعِيٍّ فَإِنَّ شُهْرَةَ فَضَائِلِ هَذِهِ السُّوَرِ مِنْ التَّوْحِيدِ مَعْرُوفٌ غَيْرُ خَافٍ. وَأَمَّا الْمِلْحُ فَفِيهِ نَفْعُ كَثِيرٍ مِنْ السَّمُومِ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْأَطِبَّاءُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسَخَّنُ، يُوضَعُ عَلَيْهَا مِرَارًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَ بِزْرِ كَتَّانٍ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ وَشَيْءٍ مِنْ لَبَنِ شَجَرِ التِّينِ. وَالْمِلْحُ يَجْذِبُ السَّمَّ وَيُحَلِّلُهُ بِقُوَّتِهِ الْجَاذِبَةِ الْمُحَلِّلَةِ، وَفِي الْمَاءِ تَبْرِيدُ لِنَارِ اللَّدْغَةِ فَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَهَذَا عِلَاجٌ تَامٌّ سَهْلٌ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِلَاجَهُ بِالتَّبْرِيدِ، وَالْجَذْبِ، وَالْإِخْرَاجِ، وَلِهَذَا بَدَأَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ بِشَرْطِ مَوْضِعِ اللَّدْغَةِ وَحَجْمِهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَالْمِلْحُ وَهَذَا يُوَافِقُ مَا قَالَهُ ﵇ مِنْ الْحِجَامَة وَلَعَلَّهَا لَمْ تَتَيَسَّر فِي ذَلِكَ الْوَقْت أَوْ قَصَدَ الْأَسْهَلَ، وَالدَّوَاءُ الْإِلَهِيُّ أَتَمُّ وَأَكْمَلُ وَأَشْرَفُ مِنْ الدَّوَاءِ الطَّبِيعِيِّ. وَلِهَذَا قَدْ يَمْنَعُ الْإِلَهِيُّ وُقُوعَ السَّبَبِ وَإِنْ وَقَعَ لَمْ يَكْمُلْ تَأْثِيرُهُ فَهُوَ يَحْفَظُ الصِّحَّةَ وَيُزِيلُ الْمَرَضَ، وَالدَّوَاءُ الطَّبِيعِيُّ لَا أَثَر لَهُ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ الدَّاءِ وَذَلِكَ مَشْهُورٌ فِي الْأَخْبَارِ وَقَدْ ذَكَرْتُ بَعْضَهُ هُنَا وَفِيمَا يَقُولهُ عِنْدَ الصَّبَاحِ، وَالْمَسَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ الْأَطِبَّاءُ فِي عِلَاجِ الِاحْتِرَاقِ وَالْكَيِّ: يُبَرَّدُ بِخِرْقَةٍ بُلَّتْ بِمَاءِ الْوَرْدِ الْمُبَرَّدِ بِالثَّلْجِ وَمِمَّا يُسَكِّنُ الْوَجَعَ بَيَاضُ الْبَيْضِ الرَّقِيقِ إذَا دُهِنَ بِدُهْنِ الْوَرْدِ وَبُلَّتْ بِهِ خِرْقَةٌ وَوُضِعَتْ عَلَيْهِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ اشْتَكَى ضِرْسَهُ فَلْيَضَعْ أُصْبُعَهُ عَلَيْهِ وَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣] » .

стр. 1028

[فَصْلٌ فِيمَا يُسَكِّنُ الْفَزَعَ] عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا فَلَمَّا قَضَيْت جِوَارِي نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي فَنُودِيت فَنَظَرْت أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيت فَنَظَرْت فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيت فَرَفَعْت رَأْسِي فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ يَعْنِي جِبْرِيلَ ﷺ فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً» رَوَاهُ مُسْلِمُ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعِنْدَهُ «فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] » . إنَّهُ فِيهِ يُسْتَحَبُّ مِثْل هَذَا لِمَنْ حَصَلَ لَهُ فَزَعٌ وَخَوْفٌ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَبَّ عَلَى الْفَزِعِ الْمَاءُ لِيَسْكُنَ فَزَعُهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: ٣٢] . الْمَعْنَى اُضْمُمْ يَدَك إلَى صَدْرِك لِيَذْهَب عَنْك الْخَوْفُ قَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ مَنْ فَزِعَ فَضَمَّ جَنَاحَهُ إلَيْهِ ذَهَبَ عَنْهُ الْفَزَعُ، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي الْفُنُونِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ كَانَ هَارِبًا مِنْ عَدُوِّهِ فَلْيَكْتُبْ بِسَوْطِهِ بَيْنَ أُذُنَيْ دَابَّتِهِ: ﴿لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْخَوْفِ.

стр. 1029

[فَصْلٌ فِي فَائِدَةِ الْمَاءِ الْبَارِدِ فِي الْخُمُودِ وَالْحُمَّى] ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيث مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ «أَنَّ قَوْمًا مَرُّوا بِشَجَرَةٍ فَأَكَلُوا مِنْهَا فَكَأَنَّمَا مَرَّتْ بِهِمْ رِيحٌ فَأَخْمَدَتْهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَرِّسُوا الْمَاءَ فِي الشِّنَانِ وَصُبُّوا عَلَيْهِمْ فِيمَا بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ» قَرِّسُوا الْمَاء يَعْنِي بَرِّدُوا الْمَاءَ، وَالْقَرْسُ الْبَرْدُ الشَّدِيدُ يُقَال لَيْلَةٌ ذَاتُ قَرْسٍ أَيْ بَرْدٍ قَرَسَ يَقْرِسُ قَرْسًا اشْتَدَّ وَفِيهِ لُغَةٌ قَرَسَ الْبَرْدُ قَرَسَا، وَالْبَرْدُ الْيَوْمُ قَارِسٌ وَقَرِيسٌ، وَلَا تَقُلْ قَارِصٌ،، وَالشِّنَانُ الْأَسْقِيَةُ، وَالْقِرَبُ الْخَلِقَاتُ، يُقَال لِلسِّقَاءِ شَنٌّ وَلِلْقِرْبَةِ شَنَّةٌ، وَإِنَّمَا الشِّنَانُ دُونَ الْجُدُدِ؛ لِأَنَّهَا أَشَدّ تَبْرِيدًا لِلْمَاءِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَوْلُهُ " بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ " يَعْنِي أَذَانَ الْفَجْرِ، وَالْإِقَامَةِ. قَالَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ: هَذَا مِنْ أَفْضَلِ عِلَاجِ هَذَا الدَّاءِ إذَا كَانَ وُقُوعُهُ بِالْحِجَازِ وَهِيَ بِلَادٌ حَارَّةٌ يَابِسَةٌ، وَالْحَارُّ الْغَرِيزِيُّ ضَعِيفٌ فِي بَوَاطِنِ سُكَّانِهَا وَصَبُّ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَبْرَدُ أَوْقَاتِ الْيَوْمِ يُوجِبُ جَمْعَ الْحَارِّ الْغَرِيزِيِّ الْمُنْتَشِرِ فِي الْبَدَنِ الْحَامِلِ لِجَمِيعِ قُوَاهُ فَتَقْوَى الْقُوَّةَ الدَّافِعَةَ وَتَجْتَمِعُ مِنْ أَقْطَارِ الْبَدَنِ إلَى بَاطِنِهِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ ذَلِكَ الدَّاءِ وَيَسْتَظْهِرُ بِبَاقِي الْقُوَى عَلَى دَفْعِ الْمَرَضِ الْمَذْكُورِ فَيَدْفَعُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ مَا دَخَلَ إلَى بَيْتِهَا وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ: «أَهْرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ لَعَلِّي أَعْهَدُ إلَى النَّاسِ قَالَتْ: فَأَجْلَسْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْقِرَبِ حَتَّى جَعَلَ يُشِيرُ إلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ، وَخَرَجَ يُشِيرُ إلَى النَّاسِ فَصَلَّى بِهِمْ وَخَطَبَهُمْ» .

стр. 1030

[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ الشُّونِيزِ وَهِيَ الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ] فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إلَّا السَّامَ» السَّامُ الْمَوْتُ،، وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ الشُّونِيزُ. التَّفْسِيرُ عِنْد الْبُخَارِيِّ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مَعْنَى الْخَبَرِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ أَنَّهُ عَادَ مَرِيضًا فَقَالَ: " عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ فَخُذُوا مِنْهَا خَمْسًا أَوْ سَبْعًا فَاسْحَقُوهَا، ثُمَّ اُقْطُرُوهَا فِي أَنْفِهِ بِقَطَرَاتِ زَيْتٍ فِي هَذَا الْجَانِب وَهَذَا الْجَانِبِ ". الْمُرَادُ بِهِ الْعِلَلُ الْبَارِدَةُ وَهُوَ ﵇ قَدْ يَصِفُ وَيَقُولُ بِحَسَبِ حَالِ مَنْ شَاهَدَهُ، وَالشُّونِيزُ حَارٌّ يَابِسٌ فِي الثَّالِثَةِ مُقَطِّعٌ لِلْبَلْغَمِ مُحَلِّلُ الرِّيَاحِ يَقْلَعُ الثَّآلِيلَ، وَالْبَهَقَ، وَالْبَرَصَ وَيَنْفَعُ مِنْ الزُّكَامِ الْبَارِدِ وَخُصُوصًا مَقْلُوًّا مَجْعُولًا فِي خِرْقَةِ كَتَّانٍ وَيُطْلَى عَلَى جَبْهَةِ مَنْ بِهِ صُدَاعٌ بِمَاءِ بَارِدٍ وَيَفْتَحُ سَدَدَ الصَّفَاةِ، وَالسُّعُوطُ بِهِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْمَاءِ وَشُرْبُهُ يَمْنَعُ مِنْ انْتِصَابِ النَّفَسِ وَيَقْتُلُ الدِّيدَانَ لَوْ طُلِيَ عَلَى السُّرَّةِ، وَيُدِرُّ الْحَيْضَ، وَاللَّبَنَ، وَبِالْمَاءِ، وَالْعَسَلِ لِلْحَصَاةِ وَيُحِلُّ الْحُمِّيَّاتِ الْبَلْغَمِيَّةَ، وَالسَّوْدَاوِيَّةَ وَدُخَانُهُ يَهْرُبُ مِنْهُ الْهَوَامُّ، وَإِذَا نُقِعَ مِنْهُ سَبْعُ حَبَّاتٍ عَدَدًا فِي لَبَنِ امْرَأَةٍ وَسَعَطَ بِهِ صَاحِبُ الْيَرَقَانِ نَفَعَهُ نَفْعًا بَلِيغًا. وَإِذَا ضُمِّدَ بِهِ مَعَ الْخَلِّ قَلَعَ الْبُثُورَ، وَالْجَرَبَ الْمُتَقَرِّحَ وَحَلَّلَ الْأَوْرَامَ الْبَلْغَمِيَّةَ الْمُزْمِنَةَ، وَالْأَوْرَامَ الصُّلْبَةَ، وَيَنْفَعُ مِنْ اللِّقْوَةِ، وَالْفَالِجِ إذَا سُعِطَ بِدُهْنِهِ، وَإِنْ شُرِبَ مِنْهُ نِصْفُ مِثْقَالٍ إلَى مِثْقَالٍ نَفَعَ مِنْ لَسْعِ الرُّتَيْلَاءِ، وَإِنْ سُحِقَ وَاسْتُفَّ بِمَاءٍ بَارِدٍ دِرْهَمَانِ مِنْ عَضَّةِ الْكَلْبِ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ الْمَاءِ نَفَعَهُ نَفْعًا بَلِيغًا وَقِيلَ الْإِكْثَارُ مِنْهُ قَاتِلٌ وَإِنْ أُذِيبَ الأنزروت بِمَاءٍ وَلُطِّخَ عَلَى دَاخِلِ الْحَلْقَةِ، ثُمَّ ذُرَّ عَلَيْهَا الشُّونِيزُ كَانَ عَجَبًا فِي النَّفْعِ مِنْ الْبَوَاسِيرِ وَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ تَارَةً مُنْفَرِدًا وَتَارَةً مُرَكَّبًا.

стр. 1031

قَالَ بَعْضُهُمْ: الرَّمَدُ حَارٌّ بِاتِّفَاقِ الْأَطِبَّاءِ وَيُرَكَّبُ السُّكَّرُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ الْحَارَّةِ مَعَ الأنزروت، وَيَنْفَعُ الْكِبْرِيتُ الْحَارُّ جِدًّا مِنْ الْجَرَبِ وَلِهَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْقَانُونِ وَغَيْرُهُ الزَّعْفَرَانَ فِي قُرْصِ الْكَافُورِ لِسُرْعَةِ تَنْفِيذِهِ وَإِيصَالِهِ قُوَّتَهُ وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ هِيَ الشُّونِيزُ فِي لُغَةِ الْفُرْسِ وَهِيَ الْكَمُّونُ الْأَسْوَدُ وَسُمِّيَ الْكَمُّونَ الْهِنْدِيَّ، وَذَكَرَ الْهَرَوِيُّ أَنَّهَا الْحَبَّةُ الْخَضْرَاءُ ثَمَرَةُ الْبُطْمِ، وَذَكَرَ الْحَرْبِيُّ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهَا الْخَرْدَلُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.

стр. 1032

[فَصْلٌ أَدْوِيَةُ الْأَطِبَّاءِ الطَّبِيعِيَّةُ وَأَدْوِيَةُ الْأَنْبِيَاءِ الرُّوحَانِيَّةُ] قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَدْوِيَةُ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ، وَالدُّعَاءُ، وَالرُّقَى أَعْظَمُ نَوْعَيْ الدَّوَاءِ حَتَّى قَالَ أَبُقْرَاطُ: نِسْبَةُ طِبِّنَا إلَى طِبِّ أَرْبَابِ الْهَيَاكِلِ كَنِسْبَةِ طِبِّ الْعَجَائِزِ إلَى طِبِّنَا. وَقَدْ يَحْصُلُ الشِّفَاءُ بِغَيْرِ سَبَبٍ اخْتِيَارِيٍّ بَلْ بِمَا يَجْعَلُهُ اللَّهُ فِي الْجِسْمِ مِنْ الْقَوَى الطَّبِيعِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَالظَّاهِرُ إنْ لَمْ يَكُنْ يَقِينًا أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِالْهَيَاكِلِ طَائِفَةً مِنْ الْأَطِبَّاءِ لَمْ يُرِدْ بِهِ طِبَّ الْأَنْبِيَاءِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: طِبُّهُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى طِبِّ الْأَنْبِيَاءِ كَطِبِّ الطَّرْقِيَّة بِالنِّسْبَةِ إلَى طِبِّهِمْ وَإِنَّ نِسْبَةَ طِبِّهِمْ إلَى طِبِّ الْأَنْبِيَاءِ كَنِسْبَةِ عُلُومِهِمْ إلَى عُلُومِ الْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّ طِبَّ الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ قَطْعِيٌّ وَطِبُّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ هُوَ قِيَاسٌ وَقِيلَ تَجْرِبَةٌ وَقِيلَ هُمَا وَقِيلَ إلْهَامٌ وَمَنَامٌ وَحَدْسٌ، وَقِيلَ أُخِذَ بَعْضُهُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْبَهِيمِيَّةِ لَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ قَصْدُهُمْ الْأَكْبَرُ غَيْرُ هَذَا وَهَذَا مِنْ بَابِ الْعَرَضِ، وَأَمَّا الْأَطِبَّاءُ فَأَفْنَوْا الْأَعْمَارَ فِي هَذَا الْعَرَضِ مَعَ الِاخْتِلَافِ الشَّدِيدِ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يَحْصُلُوا عَلَى طَائِلٍ وَقَدْ لَا يَنْتَفِعُ بَعْضُ الْمَرْضَى بِطِبِّ النُّبُوَّةِ لِعَدَمِ تَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ وَاعْتِقَادِ الشِّفَاءِ بِهِ أَوْ عَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ الْمُنَاسِبِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقُرْآنَ شِفَاءٌ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلَّا خَسَارًا.

стр. 1033

وَالْعُدُولُ عَنْهُ إلَى بَعْضِ أَدْوِيَةٍ مُعْتَادَةٍ يَحْسُنُ الظَّنُّ بِهَا أَوْجَبَ ذَلِكَ سُوءَ الظَّنِّ أَوْ عَدَمَ التَّلَقِّي بِالْقَبُولِ فَامْتَنَعَ الشِّفَاءُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَعَ شِدَّة قَبُولِ الطَّبِيعَةِ وَفَرَحِ النَّفْسِ تَنْتَعِشُ الْقُوَّةُ وَيَنْبَعِثُ الْحَارُّ الْغَرِيزِيُّ فَيَحْصُلُ التَّسَاعُدُ عَلَى الْمَرَضِ وَهُوَ أَمْرٌ وَاضِحٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلِهَذَا صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ ﵇ «كَانَ يَتَلَطَّف بِالْمَرِيضِ فَتَارَةً يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ لَا بَأْسَ طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَتَارَةً تَوَضَّأُ وَصَبَّ عَلَيْهِ وُضُوءَهُ وَتَارَةً يَسْأَلُهُ عَنْ حَالِهِ وَعَمَّا يَشْتَهِيهِ وَيُعَلِّمُهُ دُعَاءً يُوَافِقُهُ» . وَمِنْ ذَلِكَ مَا يُرْوَى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَانْفُثُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَيُطَيِّبُ نَفْسَ الْمَرِيضِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ مَعَ أَنَّهُ فَقِيهٌ مُحَدِّثٌ لَكِنَّ مَعْنَى الْخَبَرِ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَحْدُثُ أَمْرَاضٌ كَثِيرَةٌ وَتَتَحَيَّرُ الْأَطِبَّاءُ فِي عِلَاجِهَا وَعِلَاجُهَا فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ الْقَطْعِيِّ مَوْجُودًا لَا يُسْتَعْمَلُ لِفَرْطِ الْجَهْلِ وَغَلَبَةِ الْعَوَائِدِ الْحَادِثَةِ وَقَدْ قِيلَ: وَمِنْ الْعَجَائِبِ وَالْعَجَائِبُ جَمَّةٌ ... قُرْبُ الشِّفَاءِ وَمَا إلَيْهِ وُصُولُ كَالْعِيسِ فِي الْبَيْدَاءِ يَقْتُلُهَا الظَّمَا ... وَالْمَاءُ فَوْقَ ظُهُورِهَا مَحْمُولُ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ «خَيْرُ الدَّوَاءِ الْقُرْآنُ» .

стр. 1034

[فَصْلٌ فِي وَصَايَا صِحِّيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ] ٍ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ بَهْجَةُ الْمَجَالِسِ: وَرَوَى النَّزَّالُ بْنُ سَبْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ ابْتَدَأَ غَدَاءَهُ بِالْمِلْحِ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ دَائِهِ، وَمَنْ أَكَلَ إحْدَى وَعُشْرِينَ زَبِيبَةً كُلَّ يَوْمٍ لَمْ يَرَ فِي جَوْفِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ، وَاللَّحْمُ يُنْبِتُ اللَّحْمَ، وَالثَّرِيدُ طَعَامُ الْعَرَبِ، وَلَحْمُ الْبَقَرِ دَاءٌ، وَلَبَنُهَا شِفَاءٌ، وَسَمْنُهَا شِفَاءٌ، وَالشَّحْمُ يُخْرِجُ مِثْلَهُ مِنْ الدَّاءِ قَالَ النَّزَّالُ: أَظُنُّهُ يُرِيدُ شَحْمَ الْبَقَرِ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁: مَا اُسْتُشْفِيَ بِأَفْضَلَ مِنْ السَّمْنِ، وَالسَّمَكِ يُذِيبُ الْبَدَنَ أَوْ قَالَ الْجَسَدَ وَلَمْ تَسْتَشْفِ النُّفَسَاءُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ الرُّطَبِ، وَالسِّوَاكِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ يُذْهِبَانِ الْبَلْغَمَ، وَمَنْ أَرَادَ الْبَقَاءَ وَالْإِبْقَاءَ، فَلْيُبَاكِرْ الْغَدَاءَ، وَلِيُخَفِّفْ الرِّدَاءَ، وَلْيُقْلِلْ غَشَيَانَ النِّسَاءِ قِيلَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا خِفَّةُ الرِّدَاءِ قَالَ: قِلَّةُ الدَّيْن. وَسُئِلَ الْحَارِثُ بْنُ كِلْدَةَ طَبِيبُ الْعَرَبِ مَا الدَّوَاءُ الَّذِي لَا دَاءَ فِيهِ قَالَ: هُوَ أَنْ لَا تُدْخِلَ بَطْنَك طَعَامًا وَفِيهِ طَعَامٌ وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ أَنْ يُقَدَّمَ الطَّعَامُ إلَيْك وَأَنْتَ تَشْتَهِيهِ وَيُرْفَعَ عَنْك وَأَنْتَ تَشْتَهِيهِ قَالَ: ثَلَاثَةٌ تَقْتُلُ الْحَمَّامُ عَلَى الْكِظَّةِ، وَالْجِمَاعُ عَلَى الْبِطْنَةِ، وَالْإِكْثَارُ مِنْ أَكْلِ الْقَدِيدِ الْيَابِسِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي مَكَان آخَر وَلَمْ يَعْزُهُ إلَى أَحَدٍ: ثَلَاثَةٌ تُهْرِمُ وَرُبَّمَا قَتَلَتْ، الْجِمَاعُ عَلَى الِامْتِلَاءِ، وَدُخُولُ الْحَمَّامِ عَلَى الْبِطْنَةِ، وَأَكْلُ الْقَدِيدِ الْيَابِسِ، وَثَلَاثَةٌ تُفْسِدُ الذِّهْنَ: الْهَمُّ، وَالْوَحْدَةُ، وَالْفِكْرَةُ، وَثَلَاثَةٌ يَفْرَحُ بِهِنَّ الْجَسَدُ وَيَرْبُو، الطِّيبُ، وَالثَّوْبُ اللَّيِّنُ وَشُرْبُ الْعَسَلِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: ذَكَرْت عَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا كَانَتْ فِيهِمْ الْأَدْوَاءُ، وَكَانَتْ فِيهِمْ الْأَطِبَّاءُ

стр. 1035

فَلَا الْمُدَاوَى بَقِيَ وَلَا الْمُدَاوِي وَقِيلَ لِلرَّبِيعِ فِي عِلَّتِهِ: أَلَا نَدْعُو لَك طَبِيبًا؟ فَقَالَ الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. وَأَنْشَدَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ: إنَّ الطَّبِيب بِطِبِّهِ وَدَوَائِهِ ... لَا يَسْتَطِيعُ دِفَاعَ مَكْرُوهٍ أَتَى مَا لِلطَّبِيبِ يَمُوتُ بِالدَّاءِ الَّذِي ... قَدْ كَانَ يُبْرِئُ مِثْلَهُ فِيمَا مَضَى وَقَالَ آخِرٌ: كَمْ مِنْ عَلِيلٍ قَدْ تَخَطَّاهُ الرَّدَى ... فَنَجَا وَمَاتَ طَبِيبُهُ وَالْعُوَّدُ وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ: نَعَى لَك ظِلَّ الشَّبَابِ الْمَشِيبُ ... وَنَادَتْك بِاسْمِ سِوَاك الْخُطُوبُ وَقَبْلَك دَاوَى الْمَرِيضَ الطَّبِيبُ ... يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مَنْ يَتُوبُ فَكَيْفَ تُرَى حَالُ مَنْ لَا يَتُوبُ

стр. 1036

[فَصْلٌ فِي كَرَاهَة سَبِّ الْحُمَّى وَتَكْفِيرِهَا لِلذُّنُوبِ كَغَيْرِهَا وَأَنْوَاعِهَا وَعِلَاجِهَا] ) عَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ: مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيِّبِ تُزَفْزِفِينَ؟ فَقَالَتْ: الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا فَقَالَ لَا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ " تُزَفْزِفِينَ " تَتَحَرَّكِينَ حَرَكَةً سَرِيعَةً وَمَعْنَاهُ تَرْتَعِدُ وَهُوَ بِضَمِّ التَّاءِ، وَالرَّاءِ الْمُكَرَّرَةِ، وَالْفَاءِ الْمُكَرَّرَةِ، وَرُوِيَ أَيْضًا بِالرَّاءِ الْمُكَرَّرَةِ، وَالْقَافَيْنِ وَلَمْ يُصِبْ مَنْ قَالَ: زَارَتْ مُكَفِّرَةُ الذُّنُوبِ وَوَدَّعَتْ ... تَبًّا لَهَا مِنْ زَائِرٍ وَمُوَدِّعِ قَالَتْ وَقَدْ عَزَمَتْ عَلَى تَرْحَالِهَا ... مَاذَا تُرِيدُ فَقُلْت أَلَّا تَرْجِعِي وَلَا مَنْ قَالَ: زَارَتْ مُكَفِّرَةُ الذُّنُوبِ لِصَبِّهَا ... أَهْلًا بِهَا مِنْ زَائِرٍ وَمُوَدِّعِ قَالَتْ وَقَدْ عَزَمَتْ عَلَى تَرْحَالِهَا ... مَاذَا تُرِيدُ فَقُلْت أَلَّا تُقْلِعِي لِأَنَّ الْأَوَّلَ ارْتَكَبَ النَّهْيَ عَنْ سَبِّهَا، وَالثَّانِي تَرَكَ الْأَمْرَ بِسُؤَالِ الْعَفْوِ، وَالْعَافِيَةِ وَأَرَادَ بَقَاءَ الْمَرَضِ. وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ اكْشِفْ عَنَّا الرِّجْزَ وَلِأَحْمَدَ، وَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ إلَّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» . وَلِأَحْمَدَ عَنْ شَدَّادٍ أَنَّهُ عَادَ مَرِيضًا فَقَالَ: اُشْكُرْ كَفَّارَاتِ السَّيِّئَاتِ وَحَطَّ الْخَطَايَا فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «يَقُولُ اللَّهُ إنِّي إذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنًا فَحَمِدَنِي عَلَى مَا ابْتَلَيْتُهُ فَإِنَّهُ يَقُومُ مِنْ مَضْجَعِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنْ الْخَطَايَا» وَفِيهِ رَاشِدُ بْنُ دَاوُد الصَّنْعَانِيُّ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ

стр. 1037

بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكَيْنِ فَقَالَ اُنْظُرُوا مَاذَا يَقُولُ لِعُوَّادِهِ؟ فَإِذَا هُوَ إذَا جَاءَهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ رَفَعَا ذَلِكَ إلَى اللَّهِ وَهُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ: إنَّ لِعَبْدِي عَلَيَّ إنْ تَوَفَّيْتُهُ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ أَنَا شَفَيْتُهُ أَنْ أُبَدِّلَهُ لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمِهِ وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمِهِ، وَأَنْ أُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ» وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ «الْحُمَّى كِيرُ جَهَنَّمَ مَا أَصَابَ الْمُؤْمِنَ مِنْهَا كَانَ حَظُّهُ مِنْ النَّارِ» وَلِأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَلِمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ بِشَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا حَسَنَةٌ وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَر أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إنَّ الْحُمَّى أَوْ شِدَّةُ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ» فَيْحُ جَهَنَّمَ شِدَّة لَهَبِهَا وَانْتِشَارِهَا وَكَذَا قَالَ ﵊ «أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شَدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» قِيلَ هُوَ دَقِيقَةٌ وَأُنْمُوذَجٌ مِنْ جَهَنَّمَ لِيَعْتَبِرَ بِهِ الْعِبَادُ وَقَدَّرَ اللَّهُ ظُهُورَهُ بِأَسْبَابٍ تَقْتَضِيهِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَلِهَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ فِي مُسْلِمٍ «اشْتَكَتْ النَّارُ إلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقِيلَ الْمُرَادُ التَّشْبِيهُ فَشَبَّهَ هَذَا بِفَيْحِ جَهَنَّمَ تَنْبِيهًا عَلَى عَذَابِ جَهَنَّمَ أَجَارَنَا اللَّهُ، وَالْمُسْلِمِينَ مِنْهَا. وَقَوْلُهُ " أَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ " الْأَفْصَحُ أَنَّهُ ثُلَاثِيٌّ هَمْزَةِ وَصْلٍ مِنْ بَرُدَ الشَّيْءُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَيُقَالُ بَرَدْتُهُ أَنَا فَهُوَ مَبْرُودٌ وَبَرَّدْتُهُ تَبْرِيدًا يُقَالُ بَرَدْتُ الْحُمَّى أَبْرُدُهَا بَرْدًا كَقَتَلْتُهَا قَتْلًا أَيْ أَسْكَنْتُ حَرَارَتهَا، وَقِيلَ هُوَ رُبَاعِيٌّ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ مَفْتُوحَةً وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنْ أَبْرَدَ الشَّيْء إذَا صَيَّرَهُ بَارِدًا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ هِيَ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ. ثُمَّ قِيلَ الْمُرَادُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، وَالْأَصَحُّ كُلُّ مَاءٍ وَأَنَّ الْمُرَادَ اسْتِعْمَالُهُ. وَلِهَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ أَسْمَاءَ كَانَتْ تَفْعَلُهُ بِالنِّسَاءِ وَتَحْتَجُّ بِالْخَبَرِ. وَعَنْ سَعِيدٍ الشَّامِيِّ هُوَ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا «إذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ الْحُمَّى فَإِنَّ الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيُطْفِئْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ وَلِيَسْتَقْبِلْ نَهْرًا جَارِيًا يَسْتَقْبِلُ جَرْيَةَ الْمَاءِ فَيَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ وَصَدِّقْ رَسُولَك، بَعْدَ

стр. 1038

صَلَاةِ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيَنْغَمِسُ فِيهِ ثَلَاثَ غَمَسَاتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي ثَلَاثٍ فَخَمْسٌ فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي خَمْسٍ فَسَبْعٌ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي سَبْعٍ فَتِسْعٌ، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يُجَاوِزُ التِّسْعَ بِإِذْنِ اللَّهِ» سَعِيدٌ رَوَاهُ عَنْهُ اثْنَانِ وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَقِيلَ مَجْهُولٌ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ضَعِيفٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ. وَقِيلَ الصَّدَقَةُ بِالْمَاءِ، وَيَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَبَرِ أَهْلُ الْحِجَازِ وَمَا، وَالَاهُمْ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحُمَّى الْعَارِضَةُ لَهُمْ عَنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فَيَنْفَعُهَا الْمَاءُ الْبَارِدُ غَسْلًا وَشُرْبًا، لِأَنَّهَا بِمُجَرَّدِ كَيْفِيَّةٍ حَارَّةٍ فَتَزُولُ بِكَيْفِيَّةٍ بَارِدَةٍ تُسَكِّنُهَا بِلَا حَاجَةٍ إلَى اسْتِفْرَاغِ مَادَّةٍ أَوْ انْتِظَارِ نُضْجٍ، فَإِنَّ الْحُمَّى عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأَطِبَّاءُ حَرَارَةٌ غَرِيبَةٌ تَشْتَعِلُ فِي الْقَلْبِ وَتُبَثُّ مِنْهُ بِتَوَسُّطِ الرُّوحِ، وَالدَّمِ فِي الشَّرَايِين، وَالْعُرُوقِ إلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ فَتَشْتَعِلُ فِيهِ اشْتِعَالًا يُضِرُّ بِالْأَفْعَالِ الطَّبِيعِيَّةِ. ثُمَّ الْحُمَّى عَرَضِيَّةٌ وَمَرَضِيَّةٌ، فَالْعَرَضِيَّةُ حَادِثَةٌ عَنْ حَرَارَةِ الشَّمْسِ أَوْ شِدَّةِ غَيْظٍ أَوْ وَرَمٍ أَوْ حَرَكَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْمَرَضِيَّةُ لَا تَكُونُ إلَّا فِي مَادَّةٍ أُولَى مِنْهَا تُسَخِّنُ جَمِيعَ الْبَدَنِ فَإِنْ كَانَ مَبْدَأُ تَعَلُّقِهَا بِالرُّوحِ سُمِّيَتْ حُمَّى يَوْمٍ لِزَوَالِهَا غَالِبًا فِي يَوْمٍ وَغَايَتُهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. وَإِنْ كَانَ مَبْدَأُ تَعَلُّقِهَا بِالْأَخْلَاطِ سُمِّيَتْ عَفِنَةً وَهِيَ صَفْرَاوِيَّةٌ وَسَوْدَاوِيَّةٌ وَبَلْغَمِيَّةٌ وَدَمَوِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُهَا بِالْأَعْضَاءِ الصُّلْبَةِ الْأَصْلِيَّةِ سُمِّيَتْ حُمَّى دَقٍّ، وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَادَ بِالْخَبَرِ أَنْوَاعُ الْحُمَّى. وَقَدْ ذَكَرَ جَالِينُوسُ أَنَّ الشَّابَّ الْحَسَنَ اللَّحْمِ الْخِصْبِ الْبَدَنِ وَلَا وَرَمَ فِي أَحْشَائِهِ إنْ اسْتَحَمَّ بِمَاءٍ بَارِدٍ أَوْ سَبَحَ فِيهِ انْتَفَعَ بِهِ وَقَالَ وَنَحْنُ نَأْمُرُ بِذَلِكَ وَقَالَ غَيْرُهُ إذَا كَانَتْ الْقَوَى قَوِيَّةً، وَالْحُمَّى حَارَّةً جِدًّا، وَالنَّضْجُ بَيِّنٌ وَلَا وَرَمَ فِي الْجَوْفِ وَلَا فَتْقَ يَنْفَعُ الْمَاءُ الْبَارِدُ شُرْبًا، وَإِنْ كَانَ خِصْبَ الْبَدَنِ، وَالزَّمَانُ حَارٌّ وَكَانَ مُعْتَادًا لِاسْتِعْمَالِ الْبَارِدِ مِنْ خَارِجٍ فَلْيُؤْذَنْ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ يَنْتَفِعُ الْبَدَنُ بِالْحُمَّى انْتِفَاعًا لَا يَبْلُغُهُ الدَّوَاءُ فَتَكُونُ حُمَّى يَوْمٍ وَحُمَّى الْعَفِنَةِ سَبَبًا لِإِنْضَاجِ مَوَادَّ غَلِيظَةٍ لَا تَنْضَجُ بِدُونِهَا، وَسَبَبًا لِتَفَتُّحِ سُدَدٍ لَا تَصِلُ إلَيْهَا

стр. 1039

الْأَدْوِيَةُ وَتُبْرِئُ أَكْثَرَ أَنْوَاعِ الرَّمَدِ وَتَنْفَعُ مِنْ الْفَالِجِ، وَاللَّقْوَةِ، وَالشَّنَجِ الِامْتِلَائِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْقَادِرِ الرَّهَاوِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْمَادِحِ، وَالْمَمْدُوحِ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الصغاني عَنْ مُعَاوِيَةَ يَعْنِي بْنَ عُمَرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ يَعْنِي الْفَزَارِيِّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّ طَارِقٍ مَوْلَاةِ سَعْدٍ قَالَتْ: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَ مِرَارًا فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَرَجَعَ فَقَالَ سَعْدٌ ائْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاقْرَئِي ﵇ وَأَخْبِرِيهِ إنَّمَا سَكَتْنَا عَنْك رَجَاءَ أَنْ تَزِيدَنَا فَأَتَيْتُهُ، فَبَيْنَا أَنَا قَاعِدَةٌ عِنْدَهُ إذْ جَاءَ شَيْءٌ فَاسْتَأْذَنَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَتْ أَنَا أُمُّ مِلْدَمٍ قَالَ لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا أَتَنْهَدِينَ إلَى أَهْلِ قُبَاءَ؟ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَاذْهَبِي إلَيْهِمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ يَعْلَى بْن عُبَيْدٍ عَنْ الْأَعْمَشِ وَفِيهِ أَنَّ أُمَّ طَارِقٍ قَالَتْ سَمِعْت صَوْتًا عَلَى الْبَابِ يَسْتَأْذِنُ فَقَالَ مَنْ أَنْتِ؟ وَلَيْسَ فِيهِ فَاقْرَئِي ﵇. وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ جَعْفَرَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا وَذَكَرَ مَعْنَى أَوَّلِ الْخَبَرِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَسَلَّمَ ثَلَاثًا» فَهَذَا الْخَبَرُ إنْ صَحَّ فَلَا يُعَارِضُ الْخَبَرَ السَّابِقَ، لِأَنَّ السَّابِقَ أَصَحُّ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا وَأُمُّ مِلْدَمٍ كُنْيَةُ الْحُمَّى، وَالْمِيمُ الْأُولَى مَكْسُورَةٌ زَائِدَةٌ وَأَلْدَمَتْ عَلَيْهِ الْحُمَّى دَامَتْ. وَلِأَحْمَدَ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ الْحُمَّى اسْتَأْذَنَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ أَمَرَ بِهَا إلَى أَهْلِ قُبَاءَ فَلَقُوا مِنْهَا مَا يَعْلَمُ اللَّهُ فَأَتَوْهُ فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَيْهِ فَقَالَ مَا شِئْتُمْ إنْ شِئْتُمْ أَنْ أَدْعُوَ اللَّهَ فَيَكْشِفَهَا عَنْكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَكُونَ لَكُمْ طَهُورًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَتَفْعَلُ قَالَ نَعَمْ قَالُوا فَدَعْهَا» .

стр. 1040

[فَصْلٌ فِي مَرَضِ الْقُلُوبِ وَعِلَاجِهِ] الْقُلُوبُ تَمْرَضُ كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَعْضَاءِ وَعِلَاجُهَا فِي كُتُبِ الْأَطِبَّاءِ وَتَمْرَضُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالشُّكُوكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المدثر: ٣١] تَمْرَضُ الْقُلُوبُ بِالشَّهَوَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] . أَيْ فُجُورٌ وَهُوَ شَهْوَةُ الزِّنَا، وَعِلَاجُ ذَلِكَ اتِّبَاعُ كِتَابِ اللَّهِ وَسَنَةِ رَسُولِهِ ﷺ وَالِاجْتِهَادُ فِي الطَّاعَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَالْبَاطِنَةِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَالْبَاطِنَةِ فَالْقُلُوبُ كَثِيرَةُ التَّقَلُّبِ «وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» . وَقَالَ «مَا مِنْ قَلْبٍ إلَّا وَهُوَ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشَاءُ إنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ، وَصَلَاحُ الْقُلُوبِ رَأْسُ كُلِّ خَيْرٍ، وَفَسَادُهَا رَأْسُ كُلِّ شَرٍّ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﵇ «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ فَسَادَ قُلُوبِنَا وَقُلُوبِ إخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ مِنْ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ، وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الشِّفَاءِ مَا لَا يَحْصُلُ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَقْوَى بِذَلِكَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّفْسَ مَتَى قَوِيَتْ وَقَوِيَتْ الطَّبِيعَةُ تَعَاوَنَا عَلَى فِعْلِ الدَّاءِ وَأَوْجَبَ ذَلِكَ زَوَالَهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَمِثْلُ هَذَا مَعْلُومٌ مُجَرَّبٌ مَشْهُورٌ، وَلَا يُنْكِرهُ إلَّا جَاهِلٌ أَوْ بَعِيدٌ عَنْ اللَّهِ.

стр. 1041

[فَصْلٌ فِي الْعِشْقِ وَأَسْبَابِهِ وَعِلَاجِهِ] الْعِشْقُ دَاءٌ صَعْبٌ وَمَرَضٌ لَيْسَ بِالْهَيِّنِ وَهُوَ فَرْطُ الْحُبِّ وَقَدْ عَشِقَهُ عِشْقًا مِثْل عَلِمَهُ عِلْمًا وَعَشَقًا أَيْضًا عَنْ الْفَرَّاءِ، وَالْعَشَقَةُ نَبْتٌ يَصْفَرُّ كُلُّهُ وَيَذْبُلُ بِهِ شُبِّهَ الْعَاشِقُ وَرَجُلٌ عَشَقٌ مِثْلُ فَسَقٍ أَيْ كَثِيرُ الْعِشْقِ عَنْ يَعْقُوبَ. وَالتَّعَشُّقُ تُكَلَّفُ الْعِشْقِ قَالَ الْفَرَّاءُ يَقُولُونَ امْرَأَةٌ مُحِبٌّ لِزَوْجِهَا وَعَاشِقٌ. وَالْعِشْقُ الطَّوِيلُ الَّذِي لَيْسَ بِمُثْقَلٍ وَلَا ضَخْمٍ مِنْ قَوْمٍ عَانِقَةٌ، وَالْمَرْأَةُ عِشْقَةٌ وَقَدْ يَقْتُلُ الْعِشْقُ صَاحِبَهُ. وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مَصَارِعَ الْعُشَّاقِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَنْ مَاتَ بِهِ مِنْ الشُّهَدَاءِ. وَذَكَرُوا الْخَبَرَ الضَّعِيفَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ عَشِقَ فَكَتَمَ فَمَاتَ مَاتَ شَهِيدًا» لَكِنْ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ فِي عَدَدِ الشُّهَدَاءِ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] . إنَّهُ الْمَحَبَّةُ، وَالْعِشْقُ، وَمَاتَ بِهِ بَعْضُ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ أَظُنُّهُ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ قَالَ ثَعْلَبُ أَنْشَدَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثَلَاثَةُ أَحْبَابٍ فَحُبُّ عَلَاقَةٍ ... وَحُبُّ تِمْلَاقٍ وَحَبٌّ هُوَ الْقَتْلُ وَيُقَالُ تَمَلَّقَهُ وَتَمَلَّقَ لَهُ تَمْلِيقًا وَتَمَلُّقًا أَيْ تَوَدَّدَ إلَيْهِ وَتَلَطَّفَ لَهُ، وَلَا يُبْتَلَى بِالْعِشْقِ غَالِبًا إلَّا مَنْ غَفَلَ قَلْبُهُ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ ذِكْرِهِ وَعَنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ يُوسُفَ ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِخْلَاصَ سَبَبٌ لِدَفْعِ السُّوءِ، وَالْفَحْشَاءِ فَالْقَلْبُ إذَا امْتَلَأَ مِنْ ذَلِكَ اسْتَحْلَاهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَتَغَذَّى بِهِ وَاسْتَغْنَى بِهِ عَمَّا سِوَاهُ. قَالَ فِي الْفُنُونِ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ لَيْسَ الْعِشْقُ مِنْ أَدْوَاءِ الْحُكَمَاءِ إنَّمَا هُوَ

стр. 1042

مِنْ أَمْرَاضِ الْخُلَفَاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا دَأْبَهُمْ وَلَهْجَتَهُمْ مُتَابَعَةَ النَّفْسِ وَإِرْخَاءً عَنْ الشَّهْوَةِ وَإِفْرَاطَ النَّظَرِ فِي الْمُسْتَحْسَنَاتِ مِنْ الصُّوَرِ، فَهُنَالِكَ تَتَقَيَّدُ النَّفْسُ بِبَعْضِ الصُّوَرِ فَتَأْنَسُ، ثُمَّ تَأْلَفُ، ثُمَّ تَتُوقُ، ثُمَّ تَتَشَوَّقُ، ثُمَّ تَلْهَجُ فَيُقَالُ عَشِقَ، وَالْحَكِيمُ مَنْ اسْتَطَالَ رَأْيُهُ عَلَى هَوَاهُ وَتَسَلَّطَتْ حِكْمَتُهُ أَوْ تَقْوَاهُ عَلَى شَهْوَتِهِ، فِرْعُونَاتُ نَفْسِهِ مُقَيَّدَةٌ أَبَدًا، كَصَبِيٍّ بَيْنَ يَدَيْ مُعَلِّمِهِ أَوْ عَبْدٍ بِمَرْأَى سَيِّدِهِ وَمَا كَانَ الْعِشْقُ إلَّا لِأَرْعَنَ بَطَّالٍ، وَقَلَّ أَنْ يَكُونَ فِي مَشْغُولٍ وَلَوْ بِصِنَاعَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ فَكَيْفَ بِعُلُومٍ شَرْعِيَّةٍ أَوْ حُكْمِيَّةٍ؟ فَإِنَّهَا صَارِفَةٌ عَنْ ذَلِكَ. وَقَالَ أَيْضًا الْأَبْدَانُ الْمُدَلَّلَةُ تَسْتَحِيلُ تُرَابًا وَفِي تَدَرُّجِهَا تَسْتَحِيلُ دَمًا وَقَيْحًا وَمِدَّةً، فَلَوْ فَكَّرَ الْعَاشِقُ فِي حَالِ الْمَعْشُوقِ فَتَرَ عِشْقُهُ وَقَالَ أَيْضًا قَوْلُهُمْ أَوْحَشَنَا فُلَانُ، الْوَحْشَةُ انْقِبَاضٌ فِي الْقَلْبِ لِفَقْدِ الْمَأْلُوفِ، وَحَدُّ الْأُنْسِ انْبِسَاطُ الْقَلْبِ وَطُمَأْنِينَتِهِ إلَى مَحْسُوسٍ، وَحَدُّ الْقَلَقِ تَتَابُعُ حَرَكَةِ الْقَلْبِ لِمُزْعِجٍ،، وَالْوَجِيبُ أَشَدُّ حَرَكَاتِ الْقَلْبِ،، وَالطُّمَأْنِينَةُ سُكُونُ الْقَلْبِ وَدَعَتُهُ، وَالتَّشَفِّي دَرْكُ الْقَلْبِ غَرَضَهُ مِنْ الِانْتِقَامِ، وَالْغَيْظُ أَخْفَاهُ طَلَبُ الِانْتِقَامِ لِلْعَجْزِ عَنْ إيقَاعِهِ،، وَالْمُؤَاخَذَةُ الْمُجَازَاةُ عَلَى الْإِسَاءَةِ،، وَالْهَيَمَانُ الذَّهَاب فِي طَلَب غَرَضٍ لَا غَايَةَ لَهُ،، وَالْكَلَفُ الشَّغَفُ، وَاللَّهَجُ تَطَلُّبُ الْغَرَضِ، وَالْحَمَاقَةُ إهْمَالُ قَوَانِينِ الْحِكْمَةِ،، وَالتَّمَنِّي تَطَوُّحٌ بِالْأَمَلِ،، وَالشَّرَهُ إسْرَافُ الطَّبْعِ فِي الْمَطْلُوبِ. وَذَكَرَ أَيْضًا قَوْلَ الصَّابِئِ الْكَاتِبِ: وَقَالُوا أَفِقْ مِنْ لَذَّةِ السُّكْرِ وَالصِّبَا ... فَقَدْ بَانَ صُبْحٌ فِي دُجَاك عَجِيبُ فَقُلْت أَخِلَّائِي دَعُونِي وَلَذَّتِي ... فَإِنَّ الْكَرَى عِنْدَ الصَّبَاحِ يَطِيبُ وَطَرِيقُ عِلَاجِهِ الْبُعْدُ عَنْ الْمَعْشُوقِ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ وَلَا يَسْمَعُ كَلَامَهُ فَإِنَّ الْبُعْدَ جَفَاءٌ وَقَدْ قَالَ الشَّاعِر: تَزَوَّدْت مِنْ لَيْلَى بِتَكْلِيمِ سَاعَةٍ ... فَمَا زَادَ إلَّا ضِعْفَ مَا بِي كَلَامُهَا وَالتَّفَكُّرُ فِي مَسَاوِيهِ وَقَبِيحِ صِفَاتِهِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مَا قَالَهُ غَيْرُهُ: الِاطِّلَاعُ عَلَى بَعْضِ الْعُيُوبِ يَقْدَحُ فِي الْمَحَبَّةِ. وَالنَّظَرُ فِي عَاقِبَةِ الْمَعَاصِي وَمَا يَقْتَرِنُ بِهَا مِنْ الذُّلِّ، وَالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّ عَاقِلًا لَا يُؤْثِرُ

стр. 1043

لَذَّةَ سَاعَةٍ بِعُقُوبَةِ سَنَةٍ، كَمَا لَا يُؤْثِرُ مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا عَلَى مَا يُسَاوِي دِينَارًا، بَلْ إيثَارُ مَا يُسَاوِي دِينَارًا عَلَى مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا شَأْنُ الْعُقَلَاءِ الْعَارِفِينَ، وَكَيْفَ يُؤْثِرُ عَاقِلٌ لَذَّةَ سَاعَةٍ عَلَى فَوَاتِ نَعِيمٍ مِنْ صِفَتِهِ " مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ "؟ نَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْتَهُ فَاتَ حَسْبُ بَلْ مَعَ فَوَاتِهِ يَحْصُلُ لَهُ ضَعْفٌ فِي الْقَلْبِ وَوَهَنٌ فِي الْبَدَن وَسَوَادٌ فِي الْوَجْهِ وَضِيقٌ فِي الرِّزْقِ وَبَغْضَةٌ فِي قُلُوبِ النَّاسِ كَمَا قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَلَوْ تَرَكَ هَذِهِ اللَّذَّةَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ كَانَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَاسْتَحَقَّ عَكْسَ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَتَحْصُلُ لَهُ لَذَّةٌ يَجِدُ حَلَاوَتَهَا كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَيَسْتَحِقُّ مَنْ فَعَلَ هَذِهِ اللَّذَّة مَعَ مَا سَبَقَ مِنْ الصِّفَاتِ سَخَطَ الرَّحْمَنِ وَغَضَبَ الْجَبَّارِ وَدُخُولَ دَارِ الذُّلِّ، وَالْهَوَانِ وَهِيَ جَهَنَّمُ أَعَاذَنَا اللَّهُ وَإِخْوَانَنَا الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا، وَقَدْ قَالَ ﵊ وَقَدْ «سُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ فَقَالَ الْفَمُ، وَالْفَرْجُ» . وَقَالَ حَاتِمٌ الطَّائِيُّ: وَإِنَّكَ مَهْمَا تُعْطِ بَطْنَكَ سُؤْلَهُ ... وَفَرْجَك نَالَا مُنْتَهَى الذَّمِّ أَجْمَعَا وَالنَّظَرُ فِي حَقِّ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ وَنِعَمِهِ الَّتِي لَا تُحْصَى وَأَنَّ مَعَ هَذَا كَيْفَ يُعْصَى وَيُخَالَفُ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى؟ ، وَالنَّظَرُ فِي هَذِهِ الْمَحَبَّةِ لَيْسَ لَهَا سَبَبٌ صَحِيحٌ، وَأَنَّ هَذَا الْمَحْبُوبَ كَغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ بَلْ رُبَّمَا كَانَ دُونَهُمْ كَمَا قَدْ شَاعَ عَنْ قُبْحِ لَيْلَى وَصَاحِبهَا الْمَجْنُونِ الْمَفْتُونِ بِهَا، وَجِمَاعُ الْحَلَالِ مِنْ زَوْجَةٍ وَجَارِيَةٍ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى امْرَأَةً فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ إنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُبْرِدُ مَا فِي نَفْسِهِ» . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ «إذَا أَحَدُكُمْ

стр. 1044

أَعْجَبَتْهُ الْمَرْأَةُ فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ فَلْيَعْمِدْ إلَى امْرَأَتِهِ فَلْيُوَاقِعْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُبْرِدُ نَفْسَهُ» قَوْلُهُ: " تَمْعَسُ " بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة الدَّلْك،، وَالْمَنِيئَةُ بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ، ثُمَّ نُونٍ مَكْسُورَةٍ، ثُمَّ هَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ، ثُمَّ تَاءٍ تُكْتَبُ هَاءً وَهِيَ الْجِلْدُ فِي الدِّبَاغِ قَالَ الْكِسَائِيُّ يُسَمَّى مَنِيئَةً مَا دَامَ فِي الدِّبَاغِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ فِي أَوَّلِ الدِّبَاغِ. مَنِيئَةٌ، ثُمَّ أَفِيقٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْرِ الْفَاءِ وَجَمْعُهُ فُيُقٌ كَقَفِيزٍ وَقُفُزٌ، ثُمَّ أَدِيمٌ وَقَوْلُهُ " تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ " أَيْ إنَّ الْمَرْأَةَ شَبِيهَةٌ بِهِ فِي دُعَائِهِ إلَى الشَّرِّ بِتَزْيِينِهِ وَوَسْوَسَتِهِ، وَالْمُرَادُ الْإِشَارَةُ إلَى الْهَوَى، وَالدُّعَاءُ إلَى الْفِتْنَةِ بِالْمَرْأَةِ لِمَيْلِ الْقُلُوبِ إلَى النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا أَتَى ﵇ مَا فَعَلَ بَيَانًا وَإِرْشَادًا إلَى مَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ فَعَلَّمَ النَّاسَ بِفِعْلِهِ ﷺ . وَقَدْ قَالَ الْأَطِبَّاءُ " مِنْ فَوَائِدِ الْجِمَاعِ أَنَّهُ يُزِيلُ دَاءَ الْعِشْقِ وَلَوْ كَانَ مَعَ غَيْرِ مَنْ يَهْوَى ". وَمِنْ أَكْبَرِ الدَّوَاءِ التَّضَرُّعُ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَا سِيَّمَا فِي أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ، وَالْأَمَاكِنِ الْمُعَظَّمَةِ فِي كَشْفِ ذَلِكَ وَإِزَالَتِهِ، وَالْعَافِيَةِ مِنْهُ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَقَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. وَمِنْ الدَّوَاءِ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْمَحْبُوبِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَعَذَّرُ الِاجْتِمَاعُ بِهِ فَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ إنَّ الطَّمَعَ فِي ذَلِكَ جُنُونٌ كَالطَّمَعِ بِالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ وَنَحْوِهِمَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُمْكِنُ الِاجْتِمَاعُ بِهِ كَالْمُمْتَنِعِ قَدَرًا بِالنَّظَرِ فِيمَا سَبَقَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُدَاوَاةِ يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهَا. وَإِنْ اعْتَنَى مَعَ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ مِمَّا يُبَاحُ شَرْعًا فَحَسَنٌ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ وَأَظُنُّهُ ابْنَ الْمَالِكِيِّ: الْمُدَاوَاةُ لِلْعِشْقِ، تُدْبِرُ بِالتَّدْبِيرِ الْمُرَطِّبِ كَالِاسْتِحْمَامِ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ، وَالرُّكُوبِ، وَالرِّيَاضَةِ الْمُعْتَدِلَةِ، وَالتَّمْرِيخِ بِدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ وَشُرْبِ الشَّرَابِ، وَالنَّظَرِ إلَى الْبَسَاتِينِ، وَالْمَزَارِعِ النَّضِرَةِ وَسَمَاعِ الصَّوْتِ الْمُطْرِبِ، وَالْحَدِيثِ، وَالْمُسَامَرَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1045

وَلَا يَنْبَغِي التَّمَادِي مَعَ الْهَوَى وَتَرْكِ السَّعْيِ فِي أَسْبَابِ إزَالَتِهِ وَكَشْفِهِ فَإِنَّ الْأَمْرَ فِي أَوَّلِهِ سَهْلٌ فَزَوَالُهُ قَرِيبٌ سَهْلٌ وَقَدْ قِيلَ وَمَا النَّفْسُ إلَّا حَيْثُ يَجْعَلُهَا الْفَتَى ... فَإِنْ أُطْمِعَتْ تَاقَتْ وَإِلَّا تَسَلَّتْ وَقَدْ يَعْظُمُ وَيَتَفَاقَمُ فَتَبْعُدُ إزَالَتُهُ جِدًّا وَيَبْعُدُ السَّعْيُ فِي سَبَبهَا لِغَلَبَةِ الْهَوَى، وَالْمَحَبَّةِ. وَسَبَقَ فِي أَوَائِل الْكِتَاب مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «حُبُّك الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ» وَيَحْصُلُ مَعَ التَّمَادِي فِي ذَلِكَ مِنْ الذُّلِّ، وَالشَّرِّ، وَالْفَسَادِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعِبَادِ وَيَصِيرُ ذَلِكَ عَادَةً وَطَبِيعَةً وَجِبِلَّةً فَيَسْتَمِرُّ ذَلِكَ مَعَ الشَّيْخُوخَةِ وَعُلُوِّ السِّنِّ وَيَنْتَقِلُ مِنْ صُورَةٍ إلَى صُورَةٍ وَلَا يَنْفَعُ مَعَ ذَلِكَ وَعْظٌ وَلَا زَجْرٌ وَيُضْعِفُ الطَّعَامَ عَنْهُ جِدًّا وَقَدْ قَالَ الْأَطِبَّاءُ مَا قَالَ غَيْرهمْ: الْعَادَةُ طَبِيعَةٌ ثَانِيَةٌ. وَفِي فُنُونِ ابْنِ عَقِيلٍ قَالَ حَنْبَلٌ الْخَيْرُ بِالتَّعَوُّدِ، وَالشَّرُّ طَبْعِيٌّ، وَانْظُرْ إلَى وَضْعِ الشَّرْعِ «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ» فَلَمَّا جَاءَ إلَى الشَّرِّ «فَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» لِعِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ أَكْثَر فِي الْمُجْتَمِعِينَ. وَقَدْ نَظَمَ الْوَزِيرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ الْحَنْبَلِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا. تَعَوَّدْ فِعَالَ الْخَيْرِ جَمْعًا فَكُلُّ مَا ... تَعَوَّدَ الْإِنْسَانُ صَارَ لَهُ خُلُقَا قَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ: مَا يَسُرُّنِي أَنِّي مُكْتَفٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا قِيلَ لَهُ وَلِمَ قَالَ أَخَافُ عَادَةَ الْعَجْزِ. وَقَالَتْ الْعَرَبُ، الْعَادَةُ أَمْلَكُ بِالْإِنْسَانِ مِنْ الْأَدَبِ. وَقَالُوا الْعَادَةُ طَبِيعَةٌ ثَانِيَةٌ، وَقَالُوا الْخَيْرُ عَادَةٌ، وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ وَكَانَ يُقَالُ وَاَللَّهِ لَا أَنْسَاك حَتَّى أَنْسَى الْعَوْمَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا تَعَلَّمَ السِّبَاحَةَ لَمْ يَنْسَهَا، وَقَدْ قِيلَ لِي عَنْ بَعْضِ مَنْ تَوَلَّعَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَأَلِفَهَا وَعَشِقَهَا وَأَرَادَ الْكَفَّ عَنْ ذَلِكَ وَزَجَرَ نَفْسَهُ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّهُ مَا بَقِيَ يَشْرَبُهَا فَغَلَبَتْهُ عَادَتُهُ وَطَبِيعَتُهُ عَلَى أَنْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ وَشَرِبَهَا وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مَعْرُوفٌ لِمَنْ نَظَرَ فِي أَحْوَالِ النَّاسِ.

стр. 1046

وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي مَيْلِ الْقُلُوبِ إلَى الْمَعَاصِي فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِلُّهَا كُلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا أَوْ كَثِيرًا مِنْهَا أَوْ مَعْصِيَةً وَاحِدَةً وَرُبَّمَا كَانَ الْمُفْتَتَنُ بِذَلِكَ عَالِمًا أَوْ عَابِدًا فَرُبَّمَا فَتَنَ بِعِلْمِهِ وَعِبَادَتِهِ قُلُوبَ بَعْضِ الْعَوَامّ وَرُبَّمَا اسْتَمَالَ النَّاسَ وَقُلُوبَهُمْ إلَيْهِ بِبَعْضِ أَغْرَاضِ الدُّنْيَا فَرُبَّمَا تَرَخَّصُوا بِفِعْلِهِ وَرُبَّمَا عَذَرُوهُ فِيهِ، وَرُبَّمَا حَمَلَهُمْ عَرَضُ الدُّنْيَا عَلَى ذِكْرِ مَحَاسِنِهِ، وَالْكَفِّ عَنْ مَسَاوِيهِ، فَتَحْصُلُ الْفِتْنَةُ، وَالْمَعْصِيَةُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَبَدَ هَوَاهُ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وَلَمْ يُحِبَّ فِي اللَّهِ وَلَمْ يُبْغِضْ فِي اللَّهِ، بَلْ أَحَبَّ لِعَرَضِ الدُّنْيَا وَأَبْغَضَ لِلدُّنْيَا وَقَدْ قَالَ ﵊ «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» وَعَنْهُ أَيْضًا ﵊ «أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ» بَلْ رُبَّمَا حَمَلَهُمْ عَرَضُ الدُّنْيَا مَعَ ذَلِكَ عَلَى مُعَادَاة مَنْ أَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَتَتَكَرَّرَ الْمَعْصِيَةُ عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاتِبِهَا وَصِفَاتِهَا عَلَى مَا لَا يَخْفَى وَقَدْ يَصِيرُ هَذَا الْمِسْكِينُ لِأَجْلِ هَذَا الْعَرَضِ الْقَلِيلِ الزَّائِلِ عَنْ قَلِيلٍ مُعَادِيًا لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ مُوَالِيًا لِأَهْلِ الْفُسُوقِ، وَالْمَعَاصِي، وَلَا يَخْفَى مَا يَعْمَلُ الْمُعَادِي لِقَوْمٍ حَسْبَ مَا يُمْكِنُهُ وَمَا يَعْمَلُ الْمُوَالِي لِقَوْمٍ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ» وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] . وَمَنْ نَظَرَ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ عَلِمَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمَعْصِيَةَ قَدْ فُتِنَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ وَحَصَلَ بِهَا مِنْ الضَّرَر مَا لَمْ يَحْصُل بِغَيْرِهَا، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ وَحُسْنَ الْعَاقِبَةِ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُصْلِحَ أَحْوَالَنَا وَأَحْوَالَهُمْ آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1047

قَالَ وَهْبُ بْن مُنَبِّهٍ: الْعَقْلُ، وَالْهَوَى يَصْطَرِعَانِ فَأَيُّهُمَا غَلَبَ مَالَ بِصَاحِبِهِ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَآفَةُ الْعَقْلِ الْهَوَى فَمَنْ عَلَا ... عَلَى هَوَاهُ عَقْلُهُ فَقَدْ نَجَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَفْضَلُ الْجِهَادِ جِهَادُ الْهَوَى وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَشْجَعُ النَّاسِ أَشَدُّهُمْ مِنْ الْهَوَى امْتِنَاعًا قَالَ وَمِنْ الْمُحَقَّرَاتِ تَنْتُجُ الْمُوبِقَاتُ، وَيَقُولُونَ إنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمْ يَقُلْ بَيْتَ شِعْرٍ قَطُّ إلَّا هَذَا الْبَيْتَ: إذَا أَنْتَ لَمْ تَعْصِ الْهَوَى قَادَك الْهَوَى ... إلَى بَعْضِ مَا فِيهِ عَلَيْك مَقَالُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَوْ قَالَ إلَى كُلِّ مَا فِيهِ عَلَيْك مَقَالُ كَانَ أَبْلَغَ وَأَحْسَنَ وَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مُتَوَجِّهٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ. إنَّمَا يَحْتَاج اللَّبِيبُ ذُو الرَّأْي، وَالتَّجْرِبَةِ إلَى الْمُشَاوَرَةِ لِيَتَجَرَّدَ لَهُ رَأْيُهُ مِنْ هَوَاهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ اعْصِ النِّسَاءَ وَهَوَاك وَاصْنَعْ مَا شِئْتَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَوْ قَالَ اعْصِ الْهَوَى لَاكْتَفَى وَصَدَقَ ابْنُ عَبْد الْبَرِّ وَكَانَ أَوْجَزَ قِيلَ لِلْمُهَلَّبِ بِمَ ظَفِرْت قَالَ بِطَاعَةِ الْحَزْمِ وَعِصْيَانِ الْهَوَى. قَالُوا مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْهَوَى فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا ذَمَّهُ وَقَالَ بَزَرْجَمْهَرْ الْهَوَى غَالِبٌ، وَالْقَلْبُ مُعَلَّقٌ بِهِ، وَقَدْ امْتَدَحَ بِتَرْكِ الْهَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُكَمَاءِ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: وَأَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ حَيْثُ كَانَتْ ... وَأَتْرُكُ مَا هَوِيتُ لِمَا خَشِيتُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِث ثَنَا قَاسِمٌ نَصْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ ثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ الْمِصِّيصِيّ ثَنَا مَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ ثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (﵁) يَحْرُسُ ذَاتَ لَيْلَةٍ إذْ سَمِعَ امْرَأَةً وَهِيَ تَقُولُ:

стр. 1048

هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبَهَا ... أَمْ مِنْ سَبِيلٍ إلَى نَصْرِ بْنِ حَجَّاجِ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ عَلَيَّ بِنَصْرٍ فَجِيءَ بِهِ فَإِذَا هُوَ أَجْمَلُ النَّاسِ فَقَالَ: إنَّهَا الْمَدِينَةُ لَا تُسَاكِنِّي فِيهَا فَخَرَجَ إلَى الْبَصْرَةِ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ عَمٍّ لَهُ هُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ وَامْرَأَتِهِ إذْ كَتَبَتْ فِي الْأَرْضِ إنِّي لَأُحِبّكَ حُبًّا لَوْ كَانَ فَوْقَكَ لَأَظَلَّكَ، وَلَوْ كَانَ تَحْتَكَ لَأَقَلَّكَ، فَقَرَأَهُ وَكَتَبَ تَحْتَهُ وَأَنَا كَذَلِكَ. وَكَانَ الْأَمِيرُ لَا يَقْرَأُ فَعَلِمَ أَنَّهُ جَوَابُ كَلَامٍ فَأَكْفَأَ عَلَيْهِ إنَاءً وَقَامَ فَبَعَثَ إلَى مَنْ يَقْرَؤُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَصْرًا فَلَمْ يَجِئْ إلَيْهِ وَمَرِضَ حَتَّى سُلَّ وَصَارَ شِبْهَ الْفَرْخِ وَأُخْبِرَ الْأَمِيرُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهَا اذْهَبِي إلَيْهِ وَأَسْنِدِيهِ إلَى صَدْرِكِ وَأَطْعِمِيهِ، فَلَمَّا أَتَتْ الْبَابَ قِيلَ لَهُ هَذِهِ فُلَانَةُ فَكَأَنَّهُ انْتَعَشَ فَصَعِدَتْ إلَيْهِ وَأَسْنَدَتْهُ إلَى صَدْرِهَا وَأَطْعَمَتْهُ فَأَفَاقَ، فَخَرَجَ مِنْ الْبَصْرَةِ وَاسْتَحْيَا مِنْ ابْنِ عَمِّهِ فَلَمْ يَلْقَهُ بَعْدَهَا قَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَمِيرُ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ وَامْرَأَتُهُ الْخَضْرَاءُ. وَلِلشَّافِعِيِّ أَوْ لِسَهْلٍ الْوَرَّاقِ: إذَا حَارَ وَهْمُكَ فِي مَعْنَيَيْنِ ... وَأَعْيَاكَ حَيْثُ الْهَوَى وَالصَّوَابْ فَدَعْ مَا هَوِيت فَإِنَّ الْهَوَى ... يَقُودُ النُّفُوسَ إلَى مَا يُعَابْ كَانَ يُقَالُ إذَا غَلَبَ عَلَيْك عَقْلُك فَهُوَ لَك، وَإِنْ غَلَبَ هَوَاك فَهُوَ لِعَدُوِّكَ قَالَ عُمَرُ لِمُعَاوِيَةَ ﵄ مَنْ أَصْبَرُ النَّاسِ قَالَ مَنْ كَانَ رَأْيُهُ رَادًّا لِهَوَاهُ قَالَ أَعْرَابِيٌّ أَشَدُّ جَوْلَةِ الرَّأْيِ عِنْدَ الْهَوَى، وَأَشَدُّ فِطَامِ النَّفْسِ عِنْد الصَّبْرِ. قَالَ نِفْطَوَيْهِ إنَّ الْمِرْآةَ لَا تُرِيَك خُدُوشَ وَجْهِك فِي صَدَاهَا، وَكَذَلِكَ نَفْسُك لَا تُرِيك عُيُوبَ نَفْسِك فِي هَوَاهَا. فَهَذِهِ نُبْذَةٌ يَسِيرَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْهَوَى.

стр. 1049

وَلِلْحُكَمَاءِ كَجَالِينُوسَ وَغَيْرِهِ فِي الْعِشْقِ كَلَامٌ اخْتَصَرَتْهُ. وَسُئِلَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ عَنْهُ فَقَالَ شُغْلُ قَلْبٍ فَارِغٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَطْنٌ فَرَقَّ، وَظَهْرٌ فَكُثِّفَ، وَامْتَنَعَ وَصْفُهُ عَلَى اللِّسَانِ، فَهُوَ بَيْنَ السِّحْرِ، وَالْجُنُونِ، لَطِيفُ الْمَسْلَكِ، وَالْكُمُونِ. وُجِدَ فِي صَحِيفَةٍ لِبَعْضِ أَهْلِ الْهِنْدِ: الْعِشْقُ ارْتِيَاحٌ جُعِلَ فِي الرُّوحِ، وَهُوَ مَعْنَى تُنْتِجُهُ النُّجُومُ بِمَطَارِحِ شُعَاعِهَا، وَتُوَلِّدُهُ الطَّبَائِعُ بِوَصْلِهِ أَشْكَالَهَا، وَتَقْبَلُهُ النُّفُوسُ بِلُطْفِ خَوَاطِرهَا، وَهُوَ يُعَدُّ جَلَاءً لِلْقُلُوبِ، وَصَيْقَلًا لِلْأَذْهَانِ، مَا لَمْ يُفْرِطْ، فَإِذَا أَفْرَطَ عَادَ سَقْمًا قَاتِلًا، وَمَرَضًا مُنْهِكًا، لَا تَنْفُذُ فِيهِ الْآرَاءُ، وَلَا تَنْجَعُ فِيهِ الْحِيَلُ، الْعِلَاجُ مِنْهُ زِيَادَةٌ فِيهِ. حَضَرَ عِنْدَ الْمَأْمُونِ يَوْمًا يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ الْقَاضِي وَثُمَامَةُ بْنُ أَشْرَسَ فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِيَحْيَى خَبِّرْنِي عَنْ حَدِّ الْعِشْقِ؟ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَوَانِحُ تَسْنَحُ لِلْعَاشِقِ يُؤْثِرُهَا وَيَهْتَمُّ بِهَا تُسَمَّى عِشْقًا. فَقَالَ ثُمَامَةُ اُسْكُتْ يَا يَحْيَى فَإِنَّمَا عَلَيْك أَنْ تُجِيبَ فِي مَسْأَلَةِ الْفِقْهِ وَهَذِهِ صِنَاعَتُنَا. فَقَالَ الْمَأْمُونُ: أَجِبْ يَا ثُمَامَةُ. فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إذَا تَقَادَحَتْ جَوَاهِرُ النُّفُوسِ بِوَصْلِ الْمُشَاكَلَةِ أَثْبَتَتْ لَمْحَ نُورٍ سَاطِعٍ تَسْتَضِيءُ بِهِ نَوَاظِرُ الْعَقْلِ فَتَهْتَزُّ لِإِشْرَاقِهِ طَبَائِعُ وَيُتَصَوَّرُ مِنْ ذَلِكَ نُورٌ خَاطِرٌ بِالنَّفْسِ مُتَّصِلٌ بِجَوْهَرِهَا فَيُسَمَّى عِشْقًا قَالَ عَبَّاسُ بْنُ الْأَحْنَفِ فِيمَا أَنْشَدَهُ إِسْحَاقُ الْمُوصِلِيُّ: فَلَوْ كَانَ لِي قَلْبَانِ عِشْتُ بِوَاحِدٍ ... وَخَلَّيْت قَلْبًا فِي هَوَاك يُعَذَّبُ وَلَكِنَّمَا أَحْيَا بِقَلْبٍ مُرَوَّعٍ ... فَلَا الْعَيْشُ يَصْفُو لِي وَلَا الْمَوْتُ يَقْرُبُ تَعَلَّمْتُ أَلْوَانَ الرِّضَى خَوْفَ سُخْطِهَا ... وَعَلَّمَهَا حُبِّي لَهَا كَيْفَ تَغْضَبُ وَلِي أَلْفُ وَجْهٍ قَدْ عَرَفْتُ مَكَانَهُ ... وَلَكِنْ بِلَا قَلْبٍ إلَى أَيْنَ يَذْهَبُ وَقَالَ أَيْضًا: أَرَى الطَّرِيقَ قَرِيبًا حِينَ أَسْلُكُهُ ... إلَى الْحَبِيبِ بَعِيدًا حِينَ أَنْصَرِفُ وَلَهُ: يُقَرِّبُ الشَّوْقُ دَارًا وَهْيَ نَازِحَةٌ ... مَنْ عَالَجَ الشَّوْقَ لَمْ يَسْتَبْعِدْ الدَّارَا

стр. 1050

وَقَالَ آخَرُ: فَلَوْ أَنَّ شَرْقَ الشَّمْسِ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ... وَأَهْلِي وَرَاءَ الشَّمْسِ حَيْثُ تَغِيبُ لَحَاوَلْتُ قَطْعَ الْأَرْضِ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ... وَقَالَ الْهَوَى لِي إنَّهُ لَقَرِيبُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعِشْقِ إلَّا أَنَّهُ يُشَجِّعُ قَلْبَ الْجَبَانِ، وَيُسَخِّي قَلْبَ الْبَخِيلِ، وَيُصَفِّي الْغَبِيَّ، وَيَبْعَثُ حَزْمَ الْعَاقِل، وَيَخْضَعُ لَهُ عِزُّ الْمُلُوكِ، وَتَضْرَعُ لَهُ صَوْلَةُ الشُّجَاعِ، وَيَنْقَادُ لَهُ كُلُّ مُمْتَنِعٍ، لَكَفَى بِهِ شَرَفًا. قَالَ أَعْرَابِيٌّ مِنْ فَزَارَة عَشِقْت امْرَأَةً مِنْ طَيِّئٍ فَكَانَتْ تُظْهِرُ لِي مَوَدَّةً فَوَاَللَّهِ مَا جَرَى بَيْنِي وَبَيْنَهَا شَيْءٌ مِنْ رِيبَةٍ غَيْرَ أَنِّي رَأَيْتُ بَيَاضَ كَفِّهَا فَوَضَعْت كَفِّي عَلَى كَفِّهَا فَقَالَتْ: مَهْ لَا تُفْسِدْ مَا صَلَحَ. فَارْفَضَضْتُ عَرَقًا مِنْ قَوْلِهَا فَمَا عُدْتُ لِذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الرَّجُلُ يَكْتُمُ بُغْضَ الْمَرْأَةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَكْتُمَ حُبَّهَا يَوْمًا وَالْمَرْأَةُ تَكْتُمُ حُبَّ الرَّجُلِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَكْتُمَ بُغْضَهُ يَوْمًا وَاحِدًا. قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ: يَا سَائِلِي مَا الْهَوَى اسْمَعْ إلَى صِفَتِي ... الْحُبُّ أَعْظَمُ مِنْ وَصْفِي وَمِقْدَارِي مَاءُ الْمَدَامِعِ نَارُ الشَّوْقِ تَحْدُرُهُ ... فَهَلْ سَمِعْت بِمَاءٍ فَاضَ مِنْ نَارِ وَقَالَ آخَر: أُسِرُّ الَّذِي بِي وَالدُّمُوعُ تَبُوحُ ... وَجِسْمِي سَقِيمٌ وَالْفُؤَادُ جَرِيحُ وَبَيْنَ ضُلُوعِي لَوْعَةٌ لَمْ أَزَلْ بِهَا ... أَذُوبُ اشْتِيَاقًا وَالْفُؤَادُ صَحِيحُ وَقَالَ عَلِيُّ بْن عَبَّاسٍ الرُّومِيُّ: وَحَدِيثُهَا السِّحْرُ الْحَلَالُ لَوْ أَنَّهُ ... لَمْ يَجْنِ قَتْلَ الْمُسْلِمِ الْمُتَحَرِّزِ إنْ طَالَ لَمْ يُمْلَلْ وَإِنْ هِيَ أَوْجَزَتْ ... وَدَّ الْمُحَدَّثُ أَنَّهَا لَمْ تُوجِزْ شِرْكُ الْعُقُولِ وَنُزْهَةٌ مَا مِثْلُهَا ... لِلْمُطْمَئِنِّ وَعُقْلَةُ الْمُسْتَوْفِزِ

стр. 1051

وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ: مُنَعَّمَةٌ لَوْ يُصْبِحُ الذَّرُّ سَارِيًا ... عَلَى جِلْدِهَا صَبَّتْ مَدَارِجُهَا دَمَا وَقَالَ عَمْرُو بْنُ رَبِيعَةَ: لَوْ دَبَّ ذَرٌّ فَوْقَ ضَاحِي جِلْدِهَا ... لَأَبَانَ مِنْ آثَارِهِنَّ حُدُودَا وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ هَانِئٍ: كَأَنَّ مَنْثُورَ رُمَّانٍ بِوَجْنَتِهَا ... لَوْ دَبَّ فِيهَا خَيَالُ الذَّرِّ لَانْجَرَحَا وَقَالَ آخَرُ رَقَّ فَلَوْ دَبَّ بِهِ ذَرَّةٌ ... مُنَعَّلَةٌ أَرْجُلُهَا بِالْحَرِيرِ لَأَثَّرَتْ فِيهِ كَمَا أَثَّرَتْ ... مُدَامَةٌ فِي الْعَارِضِ الْمُسْتَدِيرِ وَأَنْشَدَ أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْكَاتِبُ لِنَفْسِهِ أَبْيَاتَهُ الَّتِي يَقُولُ فِي أَوَّلِهَا: لِسَانُكِ يَاقُوتٌ وَثَغْرُكِ لُؤْلُؤٌ ... وَرِيقُكِ شَهْدٌ وَالنَّسِيمُ عَبِيرُ فَمَا لَكِ فِي الدُّنْيَا عَنْ النَّاسِ مُشْبِهٌ ... وَلَا لَكِ فِي حُورِ الْجِنَانِ نَظِيرُ لِأَنَّ الْحُورَ لَا نَظِيرَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَصِفَاتُهُمْ مَشْهُورَةٌ فِي الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، نَسْأَلُ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ الْجَنَّةَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ نَظَرَ أَبُو حَازِمٍ إلَى امْرَأَةٍ حَسْنَاءَ تَرْمِي الْجِمَارَ وَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَقَدْ شَغَلَتْ النَّاسَ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا لِبَدَاعَةِ حُسْنِهَا فَقَالَ لَهَا أَمَةَ اللَّهِ خَمِّرِي وَجْهَك فَقَدْ فَتَنْتِ النَّاسَ وَهَذَا مَوْضُوعُ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ، فَقَالَتْ لَهُ إحْرَامِي فِي وَجْهِي أَصْلَحَك اللَّهُ يَا أَبَا حَازِمٍ وَأَنَا مِنْ اللَّوَاتِي قَالَ فِيهِنَّ الْعَرْجِيُّ: مِنْ اللَّاءِ لَمْ يَحْجُجْنَ يَبْغِينَ جَنَّةً ... وَلَكِنْ لِيَقْتُلْنَ التَّقِيَّ الْمُغَفَّلَا فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ لِأَصْحَابِهِ تَعَالَوْا نَدْعُ أَنْ لَا يُعَذِّبَ اللَّهُ هَذِهِ الصُّورَةَ الْحَسَنَةَ بِالنَّارِ، فَقِيلَ لَهُ أَفَتَنَتْك يَا أَبَا حَازِمٍ؟ فَقَالَ لَا وَلَكِنَّ الْحُسْنَ مَرْحُومٌ.

стр. 1052

وَذَكَرَ الْمَدَائِنِيُّ عَنْ عَبْد اللَّه بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ قَالَ: خَرَجْت حَاجًّا فَرَأَيْت امْرَأَةً جَمِيلَةً تَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ أَرْفَسَتْ فِيهِ يُقَالُ أَرْفَسَ فِي كَلَامِهِ زَوَّرَهُ وَزَخْرَفَهُ قَالَ: فَأَدْنَيْت نَاقَتِي مِنْهَا وَقُلْت يَا أَمَةَ اللَّهِ أَلَسْتِ حَاجَّةً أَمَا تَخَافِينَ اللَّهَ؟ فَسَفَرَتْ عَنْ وَجْهٍ بَهَرَ الشَّمْسَ حُسْنًا، فَقَالَتْ تَأَمَّلْ يَا عُمَرِيُّ فَإِنِّي مِمَّنْ عَنَاهُ الْعَرْجِيُّ بِقَوْلِهِ: أَمَاطَتْ كِسَاءَ الْحَجِّ عَنْ حُرِّ وَجْهِهَا ... وَأَبْدَتْ عَلَى الْخَدَّيْنِ وَرْدًا مُهَلَّلَا مِنْ اللَّاءِ لَمْ يَحْجُجْنَ يَبْغِينَ جَنَّةً ... وَلَكِنْ لِيَقْتُلْنَ الْبَرِيءَ الْمُغَفَّلَا وَتَرْمِي بِعَيْنَيْهَا الْقُلُوبَ وَلَحْظُهَا ... إذَا مَا رَمَتْ لَمْ تُخْطِ مِنْهُنَّ مَقْتَلَا قَالَ: فَقُلْت: فَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يُعَذِّبَ هَذَا الْوَجْهَ بِالنَّارِ قَالَ وَبَلَغَ ذَلِكَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَقَالَ أَغْرُبِي قَبَّحَكِ اللَّهُ، وَلَكِنَّهُ أَظْرَفُ عُبَّادِ أَهْل الْحِجَاز قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ: وَجْهٌ يَدُلُّ النَّاظِرِينَ ... عَلَيْهِ فِي اللَّيْلِ الْبَهِيمِ فَكَأَنَّهُ رُوحُ الْحَيَاةِ ... تَهُبُّ مِسْكَ نَسِيمِ فِي خَدِّهِ وَرْدُ الْحَيَاءِ ... يُعَلُّ بِالْمَاءِ النَّعِيمِ سَقَمُ الصَّحِيحِ الْمُسْتَقِلِّ ... وَصِحَّةُ الرَّجُلِ السَّقِيمِ نَظَرَ رَجُلَانِ إلَى جَارِيَةٍ حَسْنَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ مَكَّةَ فَمَالَا إلَيْهَا وَاسْتَسْقَيَاهَا فَسَقَتْهُمَا فَجَعَلَا يَشْرَبَانِهِ وَلَا يُسِيغَانِهِ فَعَرَفَتْ مَا بِهِمَا فَجَعَلَتْ تَقُول: هُمَا اسْتَسْقَيَا مَاءً عَلَى غَيْرِ ظِمْأَةٍ ... لِيَسْتَمْتِعَا بِاللَّحْظِ مِمَّنْ سَقَاهُمَا فَعَجِبَا مِنْ ذَلِكَ فَدَفَعَا الْإِنَاءَ إلَيْهَا فَمَرَّتْ وَهِيَ تَقُولُ: وَكُنْتَ مَتَى أَرْسَلْت طَرْفَك رَائِدًا ... لِقَلْبِك يَوْمًا أَتْعَبَتْك الْمَنَاظِرُ رَأَيْت الَّذِي لَا كُلَّهُ أَنْتَ قَادِرٌ ... عَلَيْهِ وَلَا عَنْ بَعْضِهِ أَنْتَ صَابِرُ

стр. 1053

دَخَلَ الشَّعْبِيُّ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. فَقَالَ يَا شَعْبِيُّ بَلَغَنِي أَنْ اخْتَصَمَ إلَيْك رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فَقَضَيْت لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا فَقَالَ فِيك شِعْرًا فَأَخْبِرْنِي بِقِصَّتِهِمَا وَأَنْشِدْنِي الشِّعْرَ إنْ كُنْتَ سَمِعَتْهُ، فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَسْأَلْنِي عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ عَزَمْت عَلَيْك لَتُخْبِرَنِّي قَالَ نَعَمْ اخْتَصَمَتْ إلَيَّ امْرَأَةٌ وَبَعْلُهَا فَقَضَيْت لِلْمَرْأَةِ إذْ تَوَجَّهَ الْقَضَاءُ لَهَا فَقَامَ بَعْلُهَا أَوْ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: فُتِنَ الشَّعْبِيُّ لَمَّا ... رَفَعَ الطَّرْفَ إلَيْهَا بِفَتَاةٍ حِينَ قَامَتْ ... رَفَعَتْ مَالَتَيْهَا وَمَشَتْ مَشْيًا رُوَيْدًا ... ثُمَّ هَزَّتْ مَنْكِبَيْهَا فَتَنَتْهُ بِقَوَامٍ ... وَبِخَطَّيْ حَاجِبَيْهَا وَبَنَانٍ كَالدَّرَارِي ... وَسَوَادَيْ مُقْلَتَيْهَا قَالَ لِلزَّوْجِ قَرِّبْ ... هَا وَأَحْضِرْ شَاهِدَيْهَا فَقَضَى جَوْرًا عَلَيْنَا ... ثُمَّ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهَا كَيْفَ لَوْ أَبْصَرَ مِنْهَا ... نَحْرَهَا أَوْ سَاعِدَيْهَا لَصَبَا حَتَّى تَرَاهُ ... سَاجِدًا بَيْنَ يَدَيْهَا بِنْتُ عِيسَى بْنِ جَرَادٍ ... ظُلِمَ الْخَصْمُ لَدَيْهَا فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَمَا صَنَعْتَ يَا شَعْبِيُّ قَالَ: أَوْجَعْت ظَهْرَهُ حِينَ جورني فِي شِعْرِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَهُوَ أَصَحُّ إسْنَادٍ لِهَذَا الْخَبَرِ. قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ: إنِّي امْرُؤٌ مُولَعٌ بِالْحُسْنِ أَتْبَعُهُ ... لَا حَظَّ لِي فِيهِ إلَّا لَذَّةُ النَّظَرِ كَانَ يُقَالُ أَرْبَعَةٌ تَزِيدُ فِي النَّظَرِ أَوْ فِي الْبَصَرِ. النَّظَرُ إلَى الْوَجْهِ الْحَسَنِ وَإِلَى الْخُضْرَةِ، وَإِلَى الْمَاءِ، وَالنَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ. دَخَلَ الشَّعْبِيُّ سُوقَ الرَّقِيقِ فَقِيلَ لَهُ: هَلْ مِنْ حَاجَةٍ؟ فَقَالَ: حَاجَتِي صُورَةٌ حَسَنَةٌ يَتَنَعَّمُ بِهَا طَرْفِي، وَيَلْتَذُّ بِهَا قَلْبِي، وَتُعِينُنِي عَلَى عِبَادَةِ رَبِّي

стр. 1054

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَنْبَغِي لِلْوَجْهِ الْحَسَنِ أَنْ لَا يَشِينَ وَجْهَهُ بِقُبْحِ فِعْلِهِ، وَيَنْبَغِي لِقَبِيحِ الْوَجْهِ أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَ قَبِيحَيْنِ قَالَ الشَّاعِرُ: إنَّ حُسْنَ الْوَجْهِ يَحْتَاجُ ... إلَى حُسْنِ الْفِعَالِ حَاجَةَ الصَّادِي مِنْ الْمَاءِ ... إلَى الْعَذْبِ الزُّلَالِ بَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إلَى الْيَمَنِ عَسْكَرًا فَأَقَامُوا سِنِينَ فَقَالَتْ امْرَأَةُ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ: تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ فَالْعَيْنُ تَدْمَعُ ... وَأَرَّقَنِي حُزْنٌ بِقَلْبِي مُوجِعُ فَبِتُّ أُقَاسِي اللَّيْلَ أَرْعَى نُجُومَهُ ... وَبَاتَ فُؤَادِي هَائِمًا يَتَفَزَّعُ إذَا غَابَ مِنْهَا كَوْكَبٌ فِي مَغِيبِهِ ... لَمَحْتُ بِعَيْنِي آخَرًا حِينَ يَطْلُعُ إذَا مَا تَذَكَّرْت الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا ... وَجَدْت فُؤَادِي لِلْهَوَى يَتَقَطَّعُ وَكُلُّ حَبِيبٍ ذَاكِرٌ لِحَبِيبِهِ ... يُرَجِّي لِقَاهُ كُلَّ يَوْمٍ وَيَطْمَعُ فَذَا الْعَرْشِ فَرِّجْ مَا تَرَى مِنْ صَبَابَتِي ... فَأَنْتَ الَّذِي تَرْعَى أُمُورِي وَتَسْمَعُ دَعَوْتُك فِي السَّرَّاءِ وَالضُّرِّ دَعْوَةً ... عَلَى عِلَّةٍ بَيْنَ الشَّرَاسِيفِ تَلْذَعُ فَسَأَلَ عَبْدَ الْمَلِكِ كَمْ تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا، قَالُوا سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَأَمَرَ أَنْ لَا يَمْكُثَ الْعَسْكَرُ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ قَالَ الشَّرَاسِيفُ مُقَاطِعُ الْأَضْلَاعِ وَهِيَ أَطْرَافُهَا الَّتِي تُشْرِفُ عَلَى الْبَطْنِ وَيُقَالُ الشرسوف غُضْرُوفٌ مُعَلَّقٌ بِكُلِّ ضِلْعٍ مِثْلُ غُضْرُوفِ الْكَتِفِ.

стр. 1055

[فَصَلِّ كَمَالِ الشَّرِيعَة يُسْتَلْزَم كَمَالِ مُقِيمهَا حَتَّى فِي الْعُلُوم الطِّبِّيَّة] ِ قَدْ سَبَقَ جُمْلَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الطِّبِّ مَنْ نَظَرَ فِيهَا وَتَأَمَّلَهَا وَأَنْصَفَ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ نِسْبَةَ طِبِّ غَيْرِ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى طِبِّهِمْ أَقَلُّ مِنْ نِسْبَةِ طِبِّ الْعَجَائِزِ بِالنِّسْبَةِ إلَى طِبِّهِمْ هَذَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْفُقَرَاءِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، فَكَيْفَ لَوْ ظَهَرَ ذَلِكَ وَصَدَرَ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ. وَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ كَامِلَةٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] . وَأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ جَمِيعَ الطِّبِّ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ نَصًّا أَوْ ظَاهِرًا أَوْ إيمَاءً أَوْ قِيَاسًا. وَكَيْفَ لَا يَكُونُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَهِيَ شَرِيعَةُ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمَيْنِ وَبَعَثَهُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَالْإِنْسِ، وَالْجِنِّ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ، فَاشْتَمَلَتْ شَرِيعَتُهُ الطَّاهِرَةُ عَلَى مَصَالِحِ الْأَبَدَانِ كَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَى مَصَالِحِ الْقُلُوبِ وَفِيهَا مِنْ الطِّبِّ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهُمْ كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
следующие страницы →