Полный текст (1 529 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ:
مُنَعَّمَةٌ لَوْ يُصْبِحُ الذَّرُّ سَارِيًا ... عَلَى جِلْدِهَا صَبَّتْ مَدَارِجُهَا دَمَا
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ رَبِيعَةَ:
لَوْ دَبَّ ذَرٌّ فَوْقَ ضَاحِي جِلْدِهَا ... لَأَبَانَ مِنْ آثَارِهِنَّ حُدُودَا
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ هَانِئٍ:
كَأَنَّ مَنْثُورَ رُمَّانٍ بِوَجْنَتِهَا ... لَوْ دَبَّ فِيهَا خَيَالُ الذَّرِّ لَانْجَرَحَا
وَقَالَ آخَرُ
رَقَّ فَلَوْ دَبَّ بِهِ ذَرَّةٌ ... مُنَعَّلَةٌ أَرْجُلُهَا بِالْحَرِيرِ
لَأَثَّرَتْ فِيهِ كَمَا أَثَّرَتْ ... مُدَامَةٌ فِي الْعَارِضِ الْمُسْتَدِيرِ
وَأَنْشَدَ أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْكَاتِبُ لِنَفْسِهِ أَبْيَاتَهُ الَّتِي يَقُولُ فِي أَوَّلِهَا:
لِسَانُكِ يَاقُوتٌ وَثَغْرُكِ لُؤْلُؤٌ ... وَرِيقُكِ شَهْدٌ وَالنَّسِيمُ عَبِيرُ
فَمَا لَكِ فِي الدُّنْيَا عَنْ النَّاسِ مُشْبِهٌ ... وَلَا لَكِ فِي حُورِ الْجِنَانِ نَظِيرُ
لِأَنَّ الْحُورَ لَا نَظِيرَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَصِفَاتُهُمْ مَشْهُورَةٌ فِي الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، نَسْأَلُ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ الْجَنَّةَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ نَظَرَ أَبُو حَازِمٍ إلَى امْرَأَةٍ حَسْنَاءَ تَرْمِي الْجِمَارَ وَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَقَدْ شَغَلَتْ النَّاسَ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا لِبَدَاعَةِ حُسْنِهَا فَقَالَ لَهَا أَمَةَ اللَّهِ خَمِّرِي وَجْهَك فَقَدْ فَتَنْتِ النَّاسَ وَهَذَا مَوْضُوعُ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ، فَقَالَتْ لَهُ إحْرَامِي فِي وَجْهِي أَصْلَحَك اللَّهُ يَا أَبَا حَازِمٍ وَأَنَا مِنْ اللَّوَاتِي قَالَ فِيهِنَّ الْعَرْجِيُّ:
مِنْ اللَّاءِ لَمْ يَحْجُجْنَ يَبْغِينَ جَنَّةً ... وَلَكِنْ لِيَقْتُلْنَ التَّقِيَّ الْمُغَفَّلَا
فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ لِأَصْحَابِهِ تَعَالَوْا نَدْعُ أَنْ لَا يُعَذِّبَ اللَّهُ هَذِهِ الصُّورَةَ الْحَسَنَةَ بِالنَّارِ، فَقِيلَ لَهُ أَفَتَنَتْك يَا أَبَا حَازِمٍ؟ فَقَالَ لَا وَلَكِنَّ الْحُسْنَ مَرْحُومٌ.
стр. 1052
وَذَكَرَ الْمَدَائِنِيُّ عَنْ عَبْد اللَّه بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ قَالَ: خَرَجْت حَاجًّا فَرَأَيْت امْرَأَةً جَمِيلَةً تَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ أَرْفَسَتْ فِيهِ يُقَالُ أَرْفَسَ فِي كَلَامِهِ زَوَّرَهُ وَزَخْرَفَهُ قَالَ: فَأَدْنَيْت نَاقَتِي مِنْهَا وَقُلْت يَا أَمَةَ اللَّهِ أَلَسْتِ حَاجَّةً أَمَا تَخَافِينَ اللَّهَ؟ فَسَفَرَتْ عَنْ وَجْهٍ بَهَرَ الشَّمْسَ حُسْنًا، فَقَالَتْ تَأَمَّلْ يَا عُمَرِيُّ فَإِنِّي مِمَّنْ عَنَاهُ الْعَرْجِيُّ بِقَوْلِهِ:
أَمَاطَتْ كِسَاءَ الْحَجِّ عَنْ حُرِّ وَجْهِهَا ... وَأَبْدَتْ عَلَى الْخَدَّيْنِ وَرْدًا مُهَلَّلَا
مِنْ اللَّاءِ لَمْ يَحْجُجْنَ يَبْغِينَ جَنَّةً ... وَلَكِنْ لِيَقْتُلْنَ الْبَرِيءَ الْمُغَفَّلَا
وَتَرْمِي بِعَيْنَيْهَا الْقُلُوبَ وَلَحْظُهَا ... إذَا مَا رَمَتْ لَمْ تُخْطِ مِنْهُنَّ مَقْتَلَا
قَالَ: فَقُلْت: فَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يُعَذِّبَ هَذَا الْوَجْهَ بِالنَّارِ قَالَ وَبَلَغَ ذَلِكَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَقَالَ أَغْرُبِي قَبَّحَكِ اللَّهُ، وَلَكِنَّهُ أَظْرَفُ عُبَّادِ أَهْل الْحِجَاز قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ:
وَجْهٌ يَدُلُّ النَّاظِرِينَ ... عَلَيْهِ فِي اللَّيْلِ الْبَهِيمِ
فَكَأَنَّهُ رُوحُ الْحَيَاةِ ... تَهُبُّ مِسْكَ نَسِيمِ
فِي خَدِّهِ وَرْدُ الْحَيَاءِ ... يُعَلُّ بِالْمَاءِ النَّعِيمِ
سَقَمُ الصَّحِيحِ الْمُسْتَقِلِّ ... وَصِحَّةُ الرَّجُلِ السَّقِيمِ
نَظَرَ رَجُلَانِ إلَى جَارِيَةٍ حَسْنَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ مَكَّةَ فَمَالَا إلَيْهَا وَاسْتَسْقَيَاهَا فَسَقَتْهُمَا فَجَعَلَا يَشْرَبَانِهِ وَلَا يُسِيغَانِهِ فَعَرَفَتْ مَا بِهِمَا فَجَعَلَتْ تَقُول:
هُمَا اسْتَسْقَيَا مَاءً عَلَى غَيْرِ ظِمْأَةٍ ... لِيَسْتَمْتِعَا بِاللَّحْظِ مِمَّنْ سَقَاهُمَا
فَعَجِبَا مِنْ ذَلِكَ فَدَفَعَا الْإِنَاءَ إلَيْهَا فَمَرَّتْ وَهِيَ تَقُولُ:
وَكُنْتَ مَتَى أَرْسَلْت طَرْفَك رَائِدًا ... لِقَلْبِك يَوْمًا أَتْعَبَتْك الْمَنَاظِرُ
رَأَيْت الَّذِي لَا كُلَّهُ أَنْتَ قَادِرٌ ... عَلَيْهِ وَلَا عَنْ بَعْضِهِ أَنْتَ صَابِرُ
стр. 1053
دَخَلَ الشَّعْبِيُّ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. فَقَالَ يَا شَعْبِيُّ بَلَغَنِي أَنْ اخْتَصَمَ إلَيْك رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فَقَضَيْت لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا فَقَالَ فِيك شِعْرًا فَأَخْبِرْنِي بِقِصَّتِهِمَا وَأَنْشِدْنِي الشِّعْرَ إنْ كُنْتَ سَمِعَتْهُ، فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَسْأَلْنِي عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ عَزَمْت عَلَيْك لَتُخْبِرَنِّي قَالَ نَعَمْ اخْتَصَمَتْ إلَيَّ امْرَأَةٌ وَبَعْلُهَا فَقَضَيْت لِلْمَرْأَةِ إذْ تَوَجَّهَ الْقَضَاءُ لَهَا فَقَامَ بَعْلُهَا أَوْ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ:
فُتِنَ الشَّعْبِيُّ لَمَّا ... رَفَعَ الطَّرْفَ إلَيْهَا
بِفَتَاةٍ حِينَ قَامَتْ ... رَفَعَتْ مَالَتَيْهَا
وَمَشَتْ مَشْيًا رُوَيْدًا ... ثُمَّ هَزَّتْ مَنْكِبَيْهَا
فَتَنَتْهُ بِقَوَامٍ ... وَبِخَطَّيْ حَاجِبَيْهَا
وَبَنَانٍ كَالدَّرَارِي ... وَسَوَادَيْ مُقْلَتَيْهَا
قَالَ لِلزَّوْجِ قَرِّبْ ... هَا وَأَحْضِرْ شَاهِدَيْهَا
فَقَضَى جَوْرًا عَلَيْنَا ... ثُمَّ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهَا
كَيْفَ لَوْ أَبْصَرَ مِنْهَا ... نَحْرَهَا أَوْ سَاعِدَيْهَا
لَصَبَا حَتَّى تَرَاهُ ... سَاجِدًا بَيْنَ يَدَيْهَا
بِنْتُ عِيسَى بْنِ جَرَادٍ ... ظُلِمَ الْخَصْمُ لَدَيْهَا
فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَمَا صَنَعْتَ يَا شَعْبِيُّ قَالَ: أَوْجَعْت ظَهْرَهُ حِينَ جورني فِي شِعْرِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَهُوَ أَصَحُّ إسْنَادٍ لِهَذَا الْخَبَرِ.
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ:
إنِّي امْرُؤٌ مُولَعٌ بِالْحُسْنِ أَتْبَعُهُ ... لَا حَظَّ لِي فِيهِ إلَّا لَذَّةُ النَّظَرِ
كَانَ يُقَالُ أَرْبَعَةٌ تَزِيدُ فِي النَّظَرِ أَوْ فِي الْبَصَرِ.
النَّظَرُ إلَى الْوَجْهِ الْحَسَنِ وَإِلَى الْخُضْرَةِ، وَإِلَى الْمَاءِ، وَالنَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ. دَخَلَ الشَّعْبِيُّ سُوقَ الرَّقِيقِ فَقِيلَ لَهُ: هَلْ مِنْ حَاجَةٍ؟ فَقَالَ: حَاجَتِي صُورَةٌ حَسَنَةٌ يَتَنَعَّمُ بِهَا طَرْفِي، وَيَلْتَذُّ بِهَا قَلْبِي، وَتُعِينُنِي عَلَى عِبَادَةِ رَبِّي
стр. 1054
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَنْبَغِي لِلْوَجْهِ الْحَسَنِ أَنْ لَا يَشِينَ وَجْهَهُ بِقُبْحِ فِعْلِهِ، وَيَنْبَغِي لِقَبِيحِ الْوَجْهِ أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَ قَبِيحَيْنِ قَالَ الشَّاعِرُ:
إنَّ حُسْنَ الْوَجْهِ يَحْتَاجُ ... إلَى حُسْنِ الْفِعَالِ
حَاجَةَ الصَّادِي مِنْ الْمَاءِ ... إلَى الْعَذْبِ الزُّلَالِ
بَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إلَى الْيَمَنِ عَسْكَرًا فَأَقَامُوا سِنِينَ فَقَالَتْ امْرَأَةُ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ:
تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ فَالْعَيْنُ تَدْمَعُ ... وَأَرَّقَنِي حُزْنٌ بِقَلْبِي مُوجِعُ
فَبِتُّ أُقَاسِي اللَّيْلَ أَرْعَى نُجُومَهُ ... وَبَاتَ فُؤَادِي هَائِمًا يَتَفَزَّعُ
إذَا غَابَ مِنْهَا كَوْكَبٌ فِي مَغِيبِهِ ... لَمَحْتُ بِعَيْنِي آخَرًا حِينَ يَطْلُعُ
إذَا مَا تَذَكَّرْت الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا ... وَجَدْت فُؤَادِي لِلْهَوَى يَتَقَطَّعُ
وَكُلُّ حَبِيبٍ ذَاكِرٌ لِحَبِيبِهِ ... يُرَجِّي لِقَاهُ كُلَّ يَوْمٍ وَيَطْمَعُ
فَذَا الْعَرْشِ فَرِّجْ مَا تَرَى مِنْ صَبَابَتِي ... فَأَنْتَ الَّذِي تَرْعَى أُمُورِي وَتَسْمَعُ
دَعَوْتُك فِي السَّرَّاءِ وَالضُّرِّ دَعْوَةً ... عَلَى عِلَّةٍ بَيْنَ الشَّرَاسِيفِ تَلْذَعُ
فَسَأَلَ عَبْدَ الْمَلِكِ كَمْ تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا، قَالُوا سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَأَمَرَ أَنْ لَا يَمْكُثَ الْعَسْكَرُ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ قَالَ الشَّرَاسِيفُ مُقَاطِعُ الْأَضْلَاعِ وَهِيَ أَطْرَافُهَا الَّتِي تُشْرِفُ عَلَى الْبَطْنِ وَيُقَالُ الشرسوف غُضْرُوفٌ مُعَلَّقٌ بِكُلِّ ضِلْعٍ مِثْلُ غُضْرُوفِ الْكَتِفِ.
стр. 1055
[فَصَلِّ كَمَالِ الشَّرِيعَة يُسْتَلْزَم كَمَالِ مُقِيمهَا حَتَّى فِي الْعُلُوم الطِّبِّيَّة]
ِ قَدْ سَبَقَ جُمْلَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الطِّبِّ مَنْ نَظَرَ فِيهَا وَتَأَمَّلَهَا وَأَنْصَفَ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ نِسْبَةَ طِبِّ غَيْرِ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى طِبِّهِمْ أَقَلُّ مِنْ نِسْبَةِ طِبِّ الْعَجَائِزِ بِالنِّسْبَةِ إلَى طِبِّهِمْ هَذَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْفُقَرَاءِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، فَكَيْفَ لَوْ ظَهَرَ ذَلِكَ وَصَدَرَ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ.
وَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ كَامِلَةٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] .
وَأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ جَمِيعَ الطِّبِّ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ نَصًّا أَوْ ظَاهِرًا أَوْ إيمَاءً أَوْ قِيَاسًا. وَكَيْفَ لَا يَكُونُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَهِيَ شَرِيعَةُ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمَيْنِ وَبَعَثَهُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَالْإِنْسِ، وَالْجِنِّ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ، فَاشْتَمَلَتْ شَرِيعَتُهُ الطَّاهِرَةُ عَلَى مَصَالِحِ الْأَبَدَانِ كَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَى مَصَالِحِ الْقُلُوبِ وَفِيهَا مِنْ الطِّبِّ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهُمْ كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
стр. 1056
أَنَّهُ قَالَ: «إنَّكُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ » إسْنَادٌ جَيِّدٌ وَبَهْزٌ حَدِيثُهُ حَسَنٌ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ بَهْزٍ نَحْوَ هَذَا وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ يَعْنِي الْآيَةَ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَ " تُوفُونَ فَهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ " كَمَا أَنَّ رَسُولَهُمْ أَفْضَلُ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ. وَلِهَذَا تَغْلِبُ الطَّبِيعَةُ الدَّمَوِيَّةُ عَلَيْهِمْ وَكُلُّ وَصْفٍ مَطْلُوبٍ شَرْعًا وَعُرْفًا مِنْ الْعَقْلِ، وَالْفَهْمِ، وَالْعِلْمِ، وَالْحِلْمِ، وَالْكَرَمِ، وَالشَّجَاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَتَغْلِبُ عَلَى النَّصَارَى الطَّبِيعَةُ الْبَلْغَمِيَّةُ، وَالْبَلَادَةُ وَقِلَّةُ الْفَهْمِ وَكَثْرَةُ الْجَهْلِ، وَيَغْلِبُ عَلَى الْيَهُودِ الطَّبِيعَةُ الصَّفْرَاوِيَّةُ، وَالْهَمُّ، وَالْغَمُّ، وَالْحُزْنُ، وَالْحَسَدُ، وَالْمَكْرُ، وَالصَّغَارُ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالسُّنَّةِ وَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَنَا عَلَيْهِمَا وَأَنْ يَتَوَفَّانَا عَلَيْهِمَا بِفَضْلِهِ وَرَحْمَته، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ آمِينَ.
стр. 1057
[فَصْلٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الْوَسْمِ وَلَا سِيَّمَا الْوَجْهُ]
لَا يَسِمُ فِي الْوَجْهِ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي غَيْرِهِ وَقَالَ جَابِرٌ ﵁: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ وَعَنْ وَسْمِ الْوَجْهِ» .
وَفِي لَفْظٍ «مُرَّ عَلَيْهِ بِحِمَارٍ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الَّذِي وَسَمَهُ» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا مَوْسُومًا فِي الْوَجْهِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ فَقَالَ: فَوَاَللَّهِ لَا أَسِمُهُ إلَّا فِي أَقْصَى شَيْءٍ مِنْ الْوَجْهِ وَأَمَرَ بِحِمَارٍ فَكُوِيَ عَلَى جَاعِرَتَيْهِ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَوَى الْجَاعِرَتَيْنِ» ، رَوَى ذَلِكَ مُسْلِمٌ. وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد حَدِيثُ جَابِرٍ «أَمَا بَلَغَكُمْ أَنِّي لَعَنْت مَنْ وَسَمَ الْبَهِيمَةَ فِي وَجْهِهَا وَضَرَبَهَا فِي وَجْهِهَا؟» فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «وَنَهَى عَنْ الْوَسْمِ»
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْجَاعِرَتَانِ مَوْضِعُ الرَّقْمَتَيْنِ مِنْ اسْتِ الْحِمَارِ وَهُوَ مَضْرِبُ الْفَرَسِ بِذَنَبِهِ عَلَى فَخِذَيْهِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ هُمَا حَرْفَا الْوَرِكَيْنِ الْمُشْرِفَانِ عَلَى الْفَخِذَيْنِ.
وَصَرَّحَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ فِي مَوْضِعٍ أَنَّ السِّمَةَ فِي الْوَجْهِ مَكْرُوهَةٌ وَظَاهِر كَلَامِهِ فِي الرِّعَايَةِ أَنَّ السِّمَةَ فِي الْوَجْهِ لَا تَجُوزُ وَهُوَ أَوْلَى وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْغَنَمِ تُوسَمُ قَالَ: تُوسَمُ وَلَا يُعْمَلْ فِي اللَّحْمِ يَعْنِي يَجُزُّ الصُّوفَ نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ.
وَقَالَ النَّوَاوِيُّ الضَّرْبُ فِي الْوَجْهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي كُلِّ حَيَوَانٍ لَكِنَّهُ فِي الْآدَمِيِّ أَشَدُّ قَالَ وَالْوَسْمُ فِي الْوَجْهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إجْمَاعًا فَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَوَسْمُهُ حَرَامٌ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْآدَمِيِّ فَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَقَالَ الْبَغَوِيّ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ وَغَيْرُ الْآدَمِيِّ فَوَسْمُهُ فِي وَجْهِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَأَمَّا غَيْرُ الْوَجْهِ فَمُسْتَحَبٌّ فِي نَعَمِ الزَّكَاةِ، وَالْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّهُ «﵇ -
стр. 1058
وَسَمَهَا فِي آذَانِهَا» ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُذُنَ لَيْسَتْ مِنْ الْوَجْهِ لِنَهْيِهِ عَنْ وَسْمِ الْوَجْهِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِمَا. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُسْتَحَبُّ بَلْ يُكْرَهُ.، وَالْوَسْمُ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ قَالَ عِيَاضٌ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ بِمُهْمَلَةٍ وَبِمُعْجَمَةٍ وَبَعْضُهُمْ قَالَ بِمُهْمَلَةٍ فِي الْوَجْهِ وَبِمُعْجَمَةٍ فِي سَائِر الْجَسَدِ.
стр. 1059
[فَصْلٌ فِي إخْصَاءِ الْبَهَائِمِ وَالنَّاسِ]
وَيُبَاحُ خَصْيُ الْغَنَمِ لِمَا فِيهِ مِنْ إصْلَاحِ لَحْمِهَا وَقِيلَ يُكْرَهُ كَالْخَيْلِ وَغَيْرِهَا، وَالشَّدْخُ أَهْوَنُ مِنْ الْجَبِّ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لَا يُعْجِبُنِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْصِيَ شَيْئًا وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْ إيلَامِ الْحَيَوَانِ. وَرَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إخْصَاءِ الْخَيْلِ، وَالْبَهَائِمِ» قَالَ ابْنُ عُمَر فِيهَا نَمَاءُ الْخَلْقِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَاتَّفَقُوا عَلَى خِصَاءِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْعَبِيدِ وَغَيْرِهِمْ فِي غَيْرِ الْقِصَاصِ، وَالتَّمْثِيلُ بِهِمْ حَرَامٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَلَا يَجُوزُ إخْصَاءُ الْبَهَائِمِ وَلَا كَيُّهَا بِالنَّارِ لِلْوَسْمِ وَتَجُوزُ الْمُدَاوَاةَ حَسَبَ مَا أَجَزْنَا فِي حَقِّ النَّاسِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَر إنَّ ذَلِكَ وَخَزْمَهَا فِي الْأَنْفِ لِقَصْدِ الْمُثْلَةِ إثْمٌ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ جَازَ، وَأَمَّا فِعْلُ ذَلِكَ فِي الْآدَمِيِّينَ فَيَحْصُلُ بِهِ الْفِسْقُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَلَامَ ابْنِ عَقِيلٍ الْأَوَّلَ وَقَالَ فَعَلَى قَوْلِهِ لَا يَجُوزُ وَسْمُهَا بِحَالٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُنَاظَرَاتِهِ: لَا يَمْلِكُ إيقَاعَ الْإِضْرَارِ بِمُثْلَةٍ وَلَا جِرَاحَةٍ وَلَا كَيٍّ وَلَا وَسْمٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ فِي، وَالِي الْحِسْبَةِ: وَيُمْنَعُ مِنْ إخْصَاءِ الْآدَمِيِّينَ، وَالْبَهَائِمِ وَيُؤَدَّبُ عَلَيْهِ قَالَ: وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ خِصَاءِ الدَّوَابِّ، وَالْغَنَمِ لِلسِّمَنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَكَرِهَهُ إلَّا أَنْ يَخَافَ غَضَاضَةً، وَكَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ الْبَوْنِيِّ الْقَاضِي وَقَدْ سُئِلَ عَنْ خِصَاءِ الْخَيْلِ، وَالدَّوَابِّ فَكَرِهَهُ إلَّا مِنْ غِضَاضٍ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَحْرُمُ خِصَاءُ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ وَكَذَا مَا يُؤْكَلُ فِي كِبَرِهِ لَا فِي صِغَرِهِ.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجِهَادِ: وَلَا يَجُوزُ إخْصَاءُ شَيْءٍ مِنْ الْبَهَائِمِ وَيَجُوزُ
стр. 1060
وَسْمُهَا فِي غَيْرِ الْوَجْهِ إذَا لَمْ يَأْخُذْ فِي اللَّحْمِ، وَأَمَّا قَطْعُ قَرْنِ الْحَيَوَانِ أَوْ أُذُنِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَالْخِصَاءِ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَالْخِلَافِ وَسَوَّى صَاحِبُ النَّظْمِ بَيْنَهُمَا وَيَحْتَمِلُ الْمَنْعَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَلَمِ أَوْ تَشْوِيهِ الْخَلْقِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ بَعْدَهُ حُكْمُ إنْزَاءِ حِمَارٍ عَلَى فَرَسٍ.
стр. 1061
[فِي جَزِّ أَعْرَافِ الدَّوَابِّ وَأَذْنَابِهَا وَنَوَاصِيهَا]
فَصْلٌ (فِي جَزِّ أَعْرَافِ الدَّوَابِّ وَأَذْنَابِهَا وَنَوَاصِيهَا)
يُكْرَهُ جَزُّ مَعْرَفَةِ الدَّابَّةِ وَنَحْوِهَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالسَّامِرِيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ، وَهَلْ يُكْرَهُ جَزُّ ذَنَبِهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ نَقَلَ مُهَنَّا الْكَرَاهَةَ ذَكَرَ صَاحِبُ النَّظْمِ أَنَّهَا أَشْهَرُ وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ، وَالْفَضْلُ نَفْيَ الْكَرَاهَةِ جَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ قَالَ فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ إنَّمَا رُخِّصَ فِي جَزِّ الْأَذْنَابِ وَأَمَّا الْأَعْرَافُ فَلَا. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ يُعْمَلُ بِالْمَصْلَحَةِ وَهِيَ مُتَّجِهَةٌ وَسَأَلَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ حَذْفِ الْخَيْلِ فَقَالَ إنْ كَانَ أَبْهَى وَأَجْوَدَ لَهُ (قُلْت) إنَّهُ يَنْفَعُهُ فِي الشِّتَاءِ وَهُوَ أَجْوَدُ لِرَكْضِهِ، فَكَأَنَّهُ سُهِّلَ فِيهِ وَقَالَ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَكْرَهُونَ حَذْفَ الْخَيْلِ.
وَعَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ جَزِّ أَعْرَافِ الْخَيْلِ وَنَتْفِ أَذْنَابِهَا وَجَزِّ نَوَاصِيهَا وَقَالَ أَمَّا أَذْنَابُهَا فَإِنَّهَا مَذَابُّهَا، وَأَمَّا أَعْرَافُهَا فَإِنَّهَا أَدْفَاؤُهَا، وَأَمَّا نَوَاصِيهَا فَإِنَّ الْخَيْرَ مَعْقُودٌ فِيهَا» رَوَاهُ الْإِمَامِ أَحْمَدُ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ نَضْرٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَنْ عُتْبَةَ فَذَكَرَهُ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ ثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنِي نَضْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ قَالَ حَدَّثَنِي رِجَالٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عُبَيْدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَقُصُّوا نَوَاصِي الْخَيْلِ فَإِنَّ فِيهَا الْبَرَكَةَ، وَلَا تَجُزُّوا أَعْرَافَهَا فَإِنَّهَا أَدْفَاؤُهَا، وَلَا تَقُصُّوا أَذْنَابَهَا فَإِنَّهَا مَذَابُّهَا» رِجَالٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ جَمَاعَةٌ يَبْعُدُ أَنْ لَا يَكُون فِيهِمْ مَنْ يُوثَقُ بِقَوْلِهِ لَا سِيَّمَا وَالْمُتَقَدِّمُونَ حَالُهُمْ حَسَنٌ وَبَاقِي الْإِسْنَادِ جَيِّدٌ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِينَ عَنْ ثَوْرٍ فِي إحْدَاهُمَا عَنْ رَجُلٍ، وَفِي الْأُخْرَى عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ فِي بَابِ كَرَاهِيَةِ جَزِّ نَوَاصِي الْخَيْلِ وَأَذْنَابِهَا.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَانَ يُقَالُ «لَا تَقُودُوا الْخَيْلَ بِنَوَاصِيهَا فَتُذِلُّوهَا،
стр. 1062
وَلَا تَجُزُّوا أَعْرَافَهَا فَإِنَّهَا أَدْفَاؤُهَا وَلَا تَجُزُّوا أَذْنَابَهَا فَإِنَّهَا مَذَابُّهَا» . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: عَلَيْكُمْ بِإِنَاثِ الْخَيْلِ فَإِنَّ بُطُونَهَا كَنْزٌ وَظُهُورَهَا حِرْزٌ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا أَيْضًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄:
أَحِبُّوا الْخَيْلَ وَاصْطَبِرُوا عَلَيْهَا ... فَإِنَّ الْعِزَّ فِيهَا وَالْجَمَالَا
إذَا مَا الْخَيْلُ ضَيَّعَهَا رِجَالٌ ... رَبَطْنَاهَا فَشَارَكَتْ الْعِيَالَا
نُقَاسِمُهَا الْمَعِيشَةَ كُلَّ يَوْمٍ ... وَنَكْسُوهَا الْبَرَاقِعَ وَالْجِلَالَا
وَلِلْحَسَنِ بْنِ بَشَّارٍ:
يَا فَارِسًا يَحْذَرُ الْفُرْسَانُ صَوْلَتَهُ ... أَمَا عَلِمْت بِأَنَّ النَّفْسَ تُفْتَرَسُ
يَا رَاكِبَ الْفَرَسِ السَّامِي يَعَزُّ بِهِ ... وَلَابِسَ السَّيْفِ يَحْكِي لَوْنَهُ الْقَبَسُ
لَا أَنْتَ تَبْقَى عَلَى سَيْفٍ وَلَا فَرَسٍ ... وَلَيْسَ يَبْقَى عَلَيْك السَّيْفُ وَالْفَرَسُ
وَأَوَّل هَذَا الشِّعْرِ:
إنَّ الْحَبِيبَ مِنْ الْأَحْبَابِ يُخْتَلَسُ ... لَا يَمْنَعُ الْمَوْتَ حُجَّابٌ وَلَا حَرَسُ
انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَفِي الْخَيْلِ أَخْبَارٌ مِنْهَا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ مَرْفُوعًا «الْخَيْرُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرَجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيلِهَا ذَلِكَ مِنْ الْمَرَجِ، وَالرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ حَبْلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا أَوْ أَرْوَاثُهَا لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ مَرَّتْ بِنَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِمَكَانِهِ ذَلِكَ فَهُوَ لَهُ أَجْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ» رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ
стр. 1063
وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ مَرْفُوعًا «الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ فَرَسٌ رَبَطَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَثَمَنُهُ أَجْرٌ وَرُكُوبُهُ أَجْرٌ، وَرِعَايَتُهُ أَجْرٌ، وَعَلَفُهُ أَجْرٌ، وَفَرَسٌ يُغَالَقُ عَلَيْهِ وَيُرَاهَنُ فَثَمَنُهُ وِزْرٌ، وَعَلَفُهُ وِزْرٌ، وَرُكُوبُهُ وِزْرٌ، وَفَرَسٌ لِلْبِطْنَةِ فَعَسَى أَنْ يَكُونَ سَدَادًا مِنْ الْفَقْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: فَفَرَسُ الرَّحْمَنِ وَفَرَسٌ لِلْإِنْسَانِ، وَفَرَسٌ لِلشَّيْطَانِ، فَأَمَّا فَرَسُ الرَّحْمَنِ فَاَلَّذِي يُرْبَطُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَلَفُهُ وَرَوْثُهُ وَبَوْلُهُ وَذَكَرَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَأَمَّا فَرَسُ الشَّيْطَانِ فَاَلَّذِي يُقَامَرُ بِهِ أَوْ يُرَاهَنُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فَرَسُ الْإِنْسَانِ فَاَلَّذِي يَرْبِطُهُ الْإِنْسَانُ يَلْتَمِسُ بَطْنَهَا فَهِيَ سِتْرُ فَقْرٍ»
يُغَالِقُ عَلَيْهِ أَيْ يُرَاهِنُ.
وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا «خَيْرُ الْخَيْلِ الْأَدْهَمُ الْأَقْدَحُ الْأَرْثَمُ الْمُحَجَّلُ طَلْقُ الْيَمِينِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدْهَمَ فَكُمَيْتٌ عَلَى هَذَا الشَّبَهِ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «يُمْنُ الْخَيْلِ فِي شُقْرِهَا» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ قَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ مَرْفُوعًا «عَلَيْكُمْ بِكُلِّ كُمَيْتٍ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَشْقَرَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَدْهَمَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ عَقِيلِ بْن شَبِيبٍ عَنْ أَبِي وُهَيْبٍ وَعَقِيلٌ تَفَرَّدَ عَنْهُ مُحَمَّدٌ فَلِهَذَا قِيلَ لَا يُعْرَفُ وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ الشِّكَالَ مِنْ الْخَيْلِ.» ، وَالشِّكَالُ أَنْ يَكُونَ الْفَرَسُ فِي رِجْلِهِ الْيُمْنَى بَيَاضٌ وَفِي يَدِهِ الْيُسْرَى أَوْ يَدِهِ الْيُمْنَى وَفِي رِجْلِهِ الْيُسْرَى رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد.
فَأَّمَا إنْزَاءُ الْحُمُرِ عَلَى الْخَيْلِ فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدًا مَأْمُورًا مَا اخْتَصَّنَا بِشَيْءٍ دُونَ النَّاسِ إلَّا بِثَلَاثٍ، أَمَرَنَا أَنْ نُسْبِغَ الْوُضُوءَ، وَأَنْ لَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ، وَأَنْ لَا نُنْزِيَ حِمَارًا عَلَى فَرَسٍ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَأَشُكُّ فِي غَيْرِهِمَا قَالَ مُوسَى بْنُ سَالِمٍ
стр. 1064
يَعْنِي رَاوِيَ الْحَدِيثِ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَسَنٍ يَعْنِي حَسَنَ بْنَ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقُلْت إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَنِي بِكَذَا وَكَذَا فَقَالَ إنَّ الْخَيْلَ كَانَتْ فِي بَنِي هَاشِمٍ قَلِيلَةٌ فَأُحِبُّ أَنْ تُكْثِرَ فِيهِمْ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةٌ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنْزَيْنَا الْحُمُرَ عَلَى خَيْلِنَا فَجَاءَتْنَا بِمِثْلِ هَذِهِ فَقَالَ: إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» إسْنَادُ ثِقَاتٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ قَالَ أَبُو دَاوُد بَابٌ فِي كَرَاهِيَةِ الْحُمُرِ تُنْزِي عَلَى الْخَيْلِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَيْقٍ عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَهُ. وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا عَلِيُّ «أَسْبِغْ الْوُضُوءَ وَإِنْ شَقَّ عَلَيْك وَلَا تَأْكُلْ الصَّدَقَةَ وَلَا تُنْزِ الْحُمُرَ عَلَى الْخَيْلِ وَلَا تُجَالِسْ أَصْحَابَ النُّجُومِ» رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَعَنْ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ قَالَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَحْمِلُ لَكَ حِمَارًا عَلَى فَرَسٍ فَتُنْتِجُ لَك بَغْلًا فَتَرْكَبَهَا قَالَ: إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. ثَنَا مُحَمَّدُ بْن عُبَيْدٍ ثَنَا عُمَرُ مِنْ آلِ حُذَيْفَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ أَيْ عُمَرَ قِيلَ هُوَ ابْنُ حَنْبَلٍ وَقِيلَ ابْنُ أَبِي حَنْبَلِ بْنِ سَعْدِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ كَلَامًا وَحَدِيثُهُ حَسَنٌ إنْ شَاءَ اللَّه وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَفْصٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ النِّسَاءِ مِنْ الْخَيْلِ» إسْنَادٌ جَيِّدٌ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إنْزَاءِ الْحُمُرِ عَلَى الْخَيْلِ فَذَهَبَ أَبُو دَاوُد وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ إلَى الْكَرَاهَةِ وَاحْتَجَّ بِالْخَبَرِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي أَحْكَامِهِ الْمُنْتَقَى وَلِأَصْحَابِنَا خِلَافٌ فِيمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَلَمْ يُخَالِفْهُ هَلْ يَكُونُ مَذْهَبًا لَهُ؟ وَقَدْ رَوَى هَذِهِ الْأَخْبَارَ وَلَمْ أَجِدْ عَنْهُ نَصًّا بِخِلَافِهَا وَقَدْ حَكَى هَذَا عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِيُدَلِّلَ عَلَى ذَلِكَ بِالْأَخْبَارِ الْمَذْكُورَةِ.
فَإِنْ قِيلَ النَّهْيُ خَاصٌّ لِبَنِي هَاشِمٍ لِقِلَّةِ الْخَيْلِ بِدَلِيلِ مَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ
стр. 1065
ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ قِيلَ قَوْلُهُ: ﵇ «إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخَيْرَ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَفِي ارْتِبَاطِهَا وَاقْتِنَائِهَا كَمَا سَبَقَ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ، وَالْفَضْلُ الْعَظِيمُ وَيَحْصُلُ بِهَا مِنْ النَّفْعِ فِي جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ أَوْ أَفْضَلُهَا مِنْ الْكَرِّ، وَالْفَرِّ وَإِدْرَاكِ الْعَدُوِّ، وَالنَّجَاةِ عَلَيْهَا مِنْهُ وَيُسَمَّ لَهَا فِي الْجِهَادِ وَلَحْمُهَا مَأْكُولٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْعُدُولَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْمَنَافِعِ، وَالْفَضَائِلِ مَعَ عَدَمِ النَّسْلِ، وَالنَّمَاءِ إنَّمَا يَفْعَلُهُ مَنْ لَا يَعْلَمُ كَمَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . أَمَّا مَنْ يَعْلَمُ هَذِهِ الْفَضَائِلَ، وَالْمَنَافِعَ وَمَا هُوَ الرَّاجِحُ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ فَلَا يَعْدِل عَنْ ذَلِكَ بِلَا شَكٍّ وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ ذَلِكَ مُسْتَقِرًّا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَالْعُقَلَاءِ لَمْ يَعْدِلُوا عَنْهُ غَالِبًا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عَادَةً وَعُرْفًا تَرْجِيحًا مِنْهُمْ لِلْفَضَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْمَنَافِعِ الْعُرْفِيَّةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ فَفِيهِ إسْبَاغُ الْوُضُوءِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ سَوَاءٌ، وَمَهْمَا كَانَ الْجَوَابُ عَنْهُ كَانَ هُوَ الْجَوَابَ عَنْ إنْزَاءِ الْحُمُرِ عَلَى الْخَيْلِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الشَّارِعَ ﵊ خَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ شِفَاهًا اتِّفَاقًا أَوْ لِسَبَبٍ اقْتَضَى ذَلِكَ بِحَسَبِ الْحَالِ أَوْ أَنَّهُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ لِشَرَفِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنْهُ ﷺ إطْلَاقُ مَنْ أَطْلَقَ اخْتِصَاصَهُمْ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا وَغَيْرُهُمْ فِي الْحُكْمِ سَوَاءً، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِيهِ «لَا تُجَالِسْ أَصْحَابَ النُّجُومِ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ عَامٌّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ فَهُوَ اجْتِهَادٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشَاهِدْ الْحَالَ وَلَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ الزَّمَانَ فَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ خِلَافُهُ وَهِيَ قَوْلُهُ ﵇: " إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ " فَهَذَا يَقْتَضِي عُمُومَ النَّهْي بِلَا شَكٍّ فَكَيْفَ يُخَالِفْ كَلَامَ الشَّارِعِ وَيَتْبَعُ رَأْيَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَنِي هَاشِمٍ لَمْ يَكُونُوا أَقَلَّ خَيْلًا مِنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ ﵃؟ بَلْ كَانَ فِيهِمْ مِثْلُهُمْ فِي ذَلِكَ وَدُونَهُمْ عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ
стр. 1066
بِبَنِي هَاشِمٍ بَلْ أَرَادَ بَيَانَ وَجْهِ إطْلَاقِ الِاخْتِصَاصِ وَأَنَّهُ لِهَذَا السَّبَبِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ مِثْلَهُمْ فِي ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِهَذَا الْحُكْمِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَرَادَ تَكْثِيرَ الْخَيْلِ فِي بَنِي هَاشِمٍ لِقِلَّتِهَا فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ مِثْلَهُمْ فِي قِلَّتِهَا كَانُوا مِثْلَهُمْ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْهُمْ كَانُوا أَوْلَى بِهَذَا الْحُكْمِ أَوْ مِثْلَهُمْ.
وَلِهَذَا لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ ﵃ أَنَّهُ قَالَ يَخْتَصُّ هَذَا الْحُكْمُ بِبَنِي هَاشِمٍ، وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا وَأَمْثَالَهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلتَّعَلُّقِ بِهَذَا فِي صَرْفِ دَلَالَةِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ، وَالْعُدُولِ عَنْهَا، فَعَلَى هَذَا ظَاهِرُ مَا سَبَقَ عَنْ إمَامِنَا وَأَصْحَابِنَا ﵏ اخْتِصَاصُ الْكَرَاهَةِ بِإِنْزَاءِ الْحَمِيرِ عَلَى الْخَيْلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ، وَلَا يُقَالُ عَدُّوا الْحُكْمَ نَظَرًا إلَى عَدَمِ النَّسْلِ، وَالنَّمَاءِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ سَبَقَتْ أَوْصَافٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ قَدْ رَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى مَجْمُوعِهَا، وَالْحُكْمُ الْمُرَتَّبُ عَلَى أَوْصَافٍ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِمَجْمُوعِهَا فَلَا تَصِحُّ التَّعْدِيَةُ.
، وَقَدْ يَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ نَظَرًا إلَى عَدَمِ النَّمَاءِ فَإِنَّهُ الْمَقْصُودُ أَوْ مُعْظَمُهُ،، وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَاتِ الْمُتَوَلِّدَةَ مِنْ جِنْسَيْنِ أَخْبَثُ طَبْعًا مِنْ أُصُولِهَا الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْهَا كَمَا مَعْرُوفٌ مِنْ الْبِغَالِ وَغَيْرِهَا فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ مِنْ مُلَابَسَتِهِ وَاقْتِنَائِهِ تَعَبٌ وَمَشَقَّةٌ لَا تَحْصُلُ بِالْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَهَذَا مَعْنًى مُنَاسِبٌ لِعَدَمِ فِعْلِهِ وَيَصْلُحُ ذِكْرُهُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْأَخْبَارُ خَرَجَتْ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ أَوْ جَوَابًا لِسُؤَالٍ وَيَكُونُ الْمُرَادُ صِيَانَةَ الْخَيْلِ عَنْ مُزَاوَجَةِ الْحُمُرِ وَحِفْظِ مَائِهَا لِمَا فِيهَا مِنْ الْفَضَائِلِ، وَالْمَنَافِعِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ ﵏ إلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِإِنْزَاءِ الْحُمُرِ عَلَى الْخَيْلِ، وَالْخَيْلِ عَلَى الْحُمُرِ وَاخْتَارَهُ الْخَطَّابِيُّ ﵀ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عِلَّةَ الْكَرَاهَةِ وَقَالَ عَنْ إنْزَاءِ الْخَيْلِ عَلَى الْحُمُرُ يُحْتَمَل أَنْ لَا يَكُونَ دَاخِلًا فِي النَّهْيِ إلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ مُتَأَوِّلٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ صِيَانَةُ الْخَيْلِ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] .
ذَكَرَ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ فَدَلَّ عَلَى إبَاحَةِ أَسْبَابِ اتِّخَاذِ هَذِهِ
стр. 1067
الْأَشْيَاءِ وَإِلَّا كَانَتْ مَكْرُوهَةً لَا يُمْتَنُّ بِهَا. وَمِنْ الْمُتَوَاتِرِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ رَكِبَ بَغْلَةً وَاقْتَنَاهَا» فَدَلَّ عَلَى إبَاحَةِ السَّبَبِ وَإِلَّا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُتَأَسَّى بِهِ فِي فِعْلِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَتْحِ هَذَا الْبَابِ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، وَلِأَنَّهُ اسْتِيلَادُ حَيَوَانٍ لَهُمْ مُنْتَفَعٌ بِهِ شَرْعًا فَلَمْ يُكْرَهْ كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ.
وَلِمَنْ اخْتَارَ الْأَوَّلَ أَنْ يُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ: أَمَّا الْآيَةُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الِامْتِنَانِ هُنَا إبَاحَةُ السَّبَبِ وَمَنْ ادَّعَاهُ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَإِنْ أَبْدَى دَلِيلًا تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ.
ثُمَّ نَقُولُ قَدْ يَكُونُ هَذَا السَّبَبُ مُحَرَّمًا، وَالِامْتِنَانُ حَاصِلٌ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَطَفَ بِنَا وَرَحِمَنَا إذْ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنَا هَذَا الْحَيَوَانَ كَمَا أَنَّ بَعْضَ أَفْرَادِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ قَدْ يَكُونُ مُحَرَّمًا إجْمَاعًا بِغَصْبٍ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ مَا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْنَا بِلَا شَكٍّ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي السَّبَبِ الْمُحَرَّمِ فَكَيْفَ بِهَذَا السَّبَبِ الْمَكْرُوهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ، ثُمَّ لَوْ سَلِمَ هَذَا فِي السَّبَبِ الْمُحَرَّمِ هُنَا فَلَا نُسَلِّمُهُ فِي الْمَكْرُوهِ.
وَيَحْسُنُ الِامْتِنَانُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَذِنَ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ فَلَمْ يَفْعَلْ الْمُكَلَّفُ إلَّا مَا وَسَّعَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ فِيهِ، ثُمَّ لَوْ سَلِمَ ذَلِكَ فَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ غَيْرُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ جَمْعًا بَيْنَ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ التَّعَارُضِ، وَالْإِلْغَاءِ.
وَهَذَا إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْجِنْسُ فَلَا يَلْزَمُ كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ كَقَوْلِهِمْ الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنْ الْمَرْأَةِ فَيَصِحُّ إنْ أُرِيدَ الْجِنْسُ لَا عَلَى تَقْدِيرِ إرَادَةِ عُمُومِ الْجِنْسِ فَكُلُّ رَجُلٍ لَيْسَ هُوَ خَيْرًا مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ.
وَأَمَّا رُكُوبُهُ ﷺ الْبَغْلَةَ فَأَضْعَفُ فِي الدَّلَالَةِ لِعَدَمِ الِامْتِنَانِ فِيهِ وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلسَّبَبِ بِوَجْهٍ وَقَدْ يَكُونُ فَعَلَ ذَلِكَ لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ غَيْرُهَا وَقَدْ يَكُونُ فَعَلَهُ بَيَانًا وَتَعْلِيمًا لِمَنْ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ حُكْمُ هَذَا الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَيَوَانَ لَيْسَ وُقُوعُ مِثْلِهِ كَثِيرًا عِنْدَهُمْ لِيَكُونَ حُكْمُهُ مَشْهُورًا لَا يَخْفَى وَقَدْ يَكُونُ فِعْلُهُ بَيَانًا لِجَوَازِ قَبُولِ هَدَايَا الْمُشْرِكِينَ، وَالِانْتِفَاعِ بِأَمْوَالِهِمْ وَدَوَامِ ذَلِكَ لِيَشْتَهِرَ فَيَبْلُغَهُمْ يَتَأَلَّفَهُمْ بِذَلِكَ رَجَاءَ خَيْرِهِمْ وَكَفًّا لِشَرِّهِمْ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ
стр. 1068
لِيَتَبَيَّنَ بِهِ غَايَةَ الشَّجَاعَةِ إذَا حَضَرَ بِهِ الْجِهَادَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَيَوَانَ لَا يَكِرُّ وَلَا يَفِرُّ إنْ طَلَبَ لَمْ يُدْرِكْ وَإِنْ طُلِبَ أَدْرَكَ كَمَا جَرَى لَهُ ﷺ يَوْمَ هَوَازِنَ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ وَقَدْ انْكَشَفَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ ﷺ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهُوَ يَقُولُ «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» وَهَذَا غَايَةُ الشَّجَاعَةِ، وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ وَغَيْرِهَا فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِهَذَا الْفِعْلِ لَا سِيَّمَا مَعَ مَا سَبَقَ عَنْهُ مِنْ الْبَيَانِ الْخَاصِّ فِي هَذَا الْفِعْلِ الْخَاصِّ، وَالْجَمْعُ أَوْلَى مِنْ التَّعَارُضِ، وَالْإِلْغَاءِ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَالْكَلَامُ عَلَيْهِ وَعَلَى فَسَادِهِ وَاضِحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1069
[فَصْلٌ كَرَاهَةِ تَعْلِيقِ الْأَجْرَاسِ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْبَهَائِمِ وَمَا تَبْعُدُ عَنْهُ الْمَلَائِكَةُ]
فَصْلٌ وَيُكْرَهُ تَعْلِيقُ جَرَسٍ أَوْ وَتَرٍ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْبَهَائِمِ وَالْجِمَالِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَنَحْوِهَا لِلْخَبَرِ وَهُوَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ مَرْفُوعًا «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ أَوْ جَرَسٌ» . وَعَنْهُ أَيْضًا مَرْفُوعًا «الْجَرَسُ مِنْ مَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ قَالَ الْقَاضِي: وَيُكْرَهُ لِلْمُسَافِرِ اتِّخَاذُ الْأَجْرَاسِ فِي الرَّكْبِ، وَيُكْرَهُ تَرْكُ الْأَوْتَارِ فِي أَعْنَاقِ الْخَيْلِ، وَالرِّكَابِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يُكْرَهُ اتِّخَاذُ الْأَجْرَاسِ فِي الرَّكْبِ وَيُكْرَهُ تَرْكُ الْأَوْتَارِ فِي أَعْنَاقِ الْخَيْلِ، وَالرِّكَابِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يُكْرَهُ اتِّخَاذُ الْأَجْرَاسِ فِي مَرْكَبٍ وَيُكْرَهُ تَرْكُ الْأَوْتَارِ فِي أَعْنَاقِ الْخَيْلِ.
وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ عُبَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَلَ رَسُولًا لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادَةٌ إلَّا قُطِعَتْ» .
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي قَوْلِهِ ﵇ «قَلِّدُوا الْخَيْلَ وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ» أَيْ قَلِّدُوهَا طَلَبَ أَعْدَاءِ الدِّينِ، وَالدِّفَاعَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُقَلِّدُوهَا طَلَبَ أَوْتَارِ الْجَاهِلِيَّةِ وَدُخُولَهَا الَّتِي كَانَتْ بَيْنَكُمْ، وَالْأَوْتَارُ جَمْعُ وِتْرٍ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الدَّمُ وَطَلَبُ الثَّأْرِ، يُرِيدُ اجْعَلُوا ذَلِكَ لَازِمًا لَهَا فِي أَعْنَاقِهَا لُزُومَ الْقَلَائِدِ لِلْأَعْنَاقِ.
وَقِيلَ أَرَادَ بِالْأَوْتَارِ جَمْعَ وَتَرٍ وَتَرَ الْقَوْسِ أَيْ لَا تَجْعَلُوا فِي أَعْنَاقِهَا الْأَوْتَارَ فَتَخْتَنِقَ؛ لِأَنَّ الْخَيْلَ رُبَّمَا رَعَتْ الْأَشْجَارَ فَنَشِبَتْ الْأَوْتَارُ بِبَعْضِ شُعَبِهَا فَخَنَقَتْهَا، وَقِيلَ إنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْهَا، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ تَقْلِيدَ الْخَيْلِ بِالْأَوْتَارِ يَدْفَعُ عَنْهَا الْعَيْنَ، وَالْأَذَى فَيَكُونُ كَالْعُوذَةِ لَهَا فَنَهَاهُمْ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهَا لَا تَدْفَعُ ضَرَرًا انْتَهَى كَلَامُهُ، وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ الْأَوَّلَ قَوْلًا، وَالثَّانِي احْتِمَالًا وَقَالَ أَمَرَهُ ﵇ بِقَطْعِ قَلَائِدِ الْخَيْلِ قَالَ مَالِكٌ أَرَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْعَيْنِ قَالَ وَقَالَ غَيْرُهُ إنَّمَا أَمَرَ بِقَطْعِهَا، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعَلِّقُونَ فِي الْقَلَائِدِ الْأَجْرَاسَ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ ثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعِيدٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ حَدَّثَنِي عَقِيلُ بْنُ شَبِيبٍ عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 1070
الْحَدِيثَ وَفِيهِ «وَارْتَبِطُوا الْخَيْلَ وَامْسَحُوا بِنَوَاصِيهَا وَأَعْجَازِهَا أَوْ قَالَ وَأَكْفَالِهَا، وَقَلِّدُوهَا وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعِيدٍ وَعَقِيلٌ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ مُحَمَّدٍ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُعْرَفُ وَبَاقِي الْإِسْنَادِ جَيِّدٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا ابْنُ مُوسَى الْأَشْنَبُ ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ثَنَا عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ عَنْ شُيَيْمِ بْنِ بَيْتَانِ ثَنَا رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ «كَانَ أَحَدُنَا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُ جَمَلَ أَخِيهِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ النِّصْفَ مِمَّا يَغْنَمُ وَلَهُ النِّصْفُ حَتَّى إنَّ أَحَدَنَا لَيَطِيرُ لَهُ النِّصَالُ، وَالرِّيشُ، وَالْآخَرَ الْقَدَحُ، ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا رُوَيْفِعُ لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِك فَأَخْبِرْ النَّاسَ أَنَّهُ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِيِّ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ يَعْنِي بْنَ فَضَالَةَ الْمِصْرِيَّ عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيِّ أَنَّ شُيَيْمَ بْنَ بَيْتَانِ أَخْبَرَهُ عَنْ شَيْبَانَ الْعَنَانِيِّ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ مَخْلَدٍ اسْتَعْمَلَ رُوَيْفِعَ بْنَ ثَابِتٍ عَلَى أَسْفَلِ الْأَرْضِ قَالَ شَيْبَانُ فَسِرْنَا مَعَهُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. ثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ ثَنَا مُفَضَّلٌ عَنْ عَيَّاشِ بْنِ شُيَيْمِ أَنَّ بَيْتَانِ أَخْبَرَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سَالِمٍ الْجَيَشَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ وَهْبٍ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ وَذَكَرَ آخَرُ قَبْلَهُ عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ شُيَيْمَ بْنَ بَيْتَانِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رُوَيْفِعَ بْنَ ثَابِتٍ بِبَعْضِ الْحَدِيثِ وَأَوَّلُهُ «يَا رُوَيْفِعُ لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِك بَعْدِي» . وَمَتْنُ هَذَا الْحَدِيثِ صَحِيحٌ وَهَذِهِ الْأَسَانِيدُ الثَّلَاثَةُ جَيِّدَةٌ وَفِي ابْنِ لَهِيعَةَ كَلَامٌ مَشْهُورٌ وَلَيْسَ بِالْعُمْدَةِ هُنَا وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَمْ يُخَالِفْهُ
وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ تَقْلِيدِ الْوَتَرِ لَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ الْأَثِيرِ فِي الْمُرَادِ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ قِيلَ هُوَ مُعَالَجَتُهَا حَتَّى تَتَعَقَّدَ وَتَتَجَعَّدَ وَقِيلَ كَانُوا يَعْقِدُونَهَا فِي الْحُرُوبِ فَأَمَرَهُمْ بِإِرْسَالِهَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ تَكَبُّرًا وَعَجَبًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 1071
وَلَوْ اجْتَمَعَ فِي الطَّرِيقِ اتِّفَاقًا بِمَنْ مَعَهُ كَلْبٌ أَوْ جَرَسٌ فَلَمْ يَقْصِدْ رُفْقَتَهُ يَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ صُحْبَةِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ أَمْ لَا أَمْ إنْ أَمْكَنَهُ الِانْفِرَادُ فَلَمْ يَفْعَلْ كَانَ سَبَبًا وَإِلَّا فَلَا؟ يَتَوَجَّهُ احْتِمَالَاتُ. يُشْبِهُ هَذَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ، وَالْإِسْنَادُ حَسَنٌ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ وَلَا جُنُبٌ» فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى كُلِّ صُورَةٍ أَمْ صُورَةٍ مَنْهِيٍّ عَنْهَا؟ وَهَلْ يُحْمَلُ الْكَلْبُ عَلَى كَلْبٍ يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ كَمَا لَا يَنْقُصُ أَجْرَهُ بِغَيْرِهِ أَمْ مُطْلَقًا؟
وَهَلْ الْمُرَادُ بِالْجُنُبِ مَنْ يَتْرُكهُ عَادَةً وَتَهَاوُنًا أَمْ مُطْلَقًا؟ يَتَوَجَّهُ الْخِلَافُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ ذُكِرَ هَذَا الْخَبَرُ فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جَرَسٌ وَلَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ» سُلَيْمَانُ تَفَرَّدَ عَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تُمْنَعُ مِنْ دُخُولِ بَيْتٍ لَمْ يَرْتَكِبْ صَاحِبُهُ نَهْيًا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵁ فِي الْمَسَائِلِ الْوَرْعِيَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الْجُنُبَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ النَّوْمِ وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَرَاهَةَ أَنْ تُقْبَضَ رُوحُهُ وَهُوَ نَائِمٌ فَلَا تَشْهَدُ الْمَلَائِكَةُ جِنَازَتَهُ فَإِنَّ فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جُنُبٌ» وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِنَهْيِهِ عَنْ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ بُيُوتُ الْمَلَائِكَةِ كَمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ مَنْ أَكَلَ الثُّومَ وَالْبَصَلَ عَنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَقَدْ قَالَ «إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» فَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْجُنُبَ بِالْوُضُوءِ وَعِنْدَ النَّوْمِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ يَرْفَعُ الْجَنَابَةَ الْغَلِيظَةَ يَبْقَى مَرْتَبَةً بَيْنَ الْمُحْدِثِ وَبَيْنَ الْجُنُبِ لَمْ يُرَخَّصْ فِيمَا تُرُخِّصَ فِيهِ لِلْمُحْدِثِ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يُمْنَعْ مِمَّا يُمْنَعُ مِنْهُ الْجُنُبُ مِنْ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ وُضُوءٌ عِنْدَ النَّوْمِ يَقْتَضِي شُهُودَ الْمَلَائِكَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَدْخُلُ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ إذَا تَوَضَّأَ قَالَ وَإِذَا كَانَ الْجُنُبُ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ النَّوْمِ فَتَشْهَدُ الْمَلَائِكَةُ جِنَازَتَهُ، حِينَئِذٍ عُلِمَ أَنَّ النَّوْمَ لَا يُبْطِلُ الطَّهَارَةَ الْحَاصِلَةَ بِذَلِكَ وَهُوَ تَخْفِيفُ الْجَنَابَةِ وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ يَنَامُ
стр. 1072
غَيْرُهُ وَإِنْ كَانَ النَّوْمُ الْكَثِيرُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَذَلِكَ الْوُضُوءُ هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ، وَوُضُوءُ الْجُنُبِ هُوَ لِيُخَفِّفَ الْجَنَابَةَ وَإِلَّا فَهَذَا الْوُضُوءُ لَا يُبِيحُ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ مِنْ الصَّلَاةِ، وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
стр. 1073
[فَصْلٌ اسْتِعْمَالُ الْيَدِ الْيُمْنَى وَمَا يُكْرَهُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْيُسْرَى]
وَيُكْرَهُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَنْتَثِرَ وَيُنَقِّي أَنْفَهُ وَوَسَخَهُ وَدَرَنَهُ وَيَخْلَعَ نَعْلَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ بِيَسَارِهِ مُطْلَقًا وَيَتَنَاوَلُ الشَّيْءَ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ بِالْيُمْنَى، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَقَالَ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُنَاوِلَ إنْسَانًا تَوْقِيعًا أَوْ كِتَابًا فَلْيَقْصِدْ يَمِينَهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لِيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ وَلْيَشْرَبْ وَلْيُعْطِ بِيَمِينِهِ وَلْيَأْخُذْ بِيَمِينِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ وَيَأْخُذُ بِشِمَالِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ " وَلْيَأْخُذْ بِيَمِينِهِ ".
[فَصْلٌ فِي الْإِرْدَاف عَلَى الدَّابَّةِ وَرُكُوبُ ثَلَاثَةٍ]
فَصْلٌ يَجُوزُ الْإِرْدَافُ عَلَى الدَّابَّةِ وَرُكُوبُ ثَلَاثَةٍ، «أَرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ عَلَى حِمَارٍ» وَقَالَ أَيُّوبُ ذُكِرَ أَشَرُّ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ عِكْرِمَةَ فَقَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ حَمَلَ قُثَمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالْفَضْلَ خَلْفَهُ أَوْ قُثَمَ خَلْفَهُ، وَالْفَضْلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَيُّهُمْ أَشَرُّ وَأَيُّهُمْ أَخْيَرُ؟» رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ.
стр. 1074
[فَصْلٌ يُكْرَهُ أَنْ يَبْصُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِ الصَّلَاةِ]
فَصْلٌ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ لَا يَبْصُقُ الرَّجُلُ إلَّا عَنْ يَسَارِهِ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَيَبْصُقُ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِ الصَّلَاةِ عَنْ يَسَارِهِ وَقَالَ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَسَارِهِ وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لِأَيِّ شَيْءٍ كُرِهَ الرُّكُوبُ فِي الْمَحْمَلِ فِي الشِّقِّ الْأَيْمَنِ قَالَ لِمَوْضِعِ الْبُصَاقِ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا يُكْرَهُ أَنْ يَبْصُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِ الصَّلَاةِ وَقَالَ أَلَيْسَ عَنْ يَمِينِهِ الْمَلَكُ؟ فَقُلْت وَعَنْ يَسَارِهِ أَيْضًا مَلَكٌ قَالَ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ وَاَلَّذِي عَنْ يَسَارِهِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ.
стр. 1075
[فَصْلٌ فِي الِانْتِعَالُ وَالشُّرْبُ وَالْبَوْلُ قَائِمًا]
فَصْلٌ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى لَا يُكْرَهُ عَلَى الْأَصَحِّ الِانْتِعَالُ وَالشُّرْبُ وَالْبَوْلُ قَائِمًا مَعَ التَّحَرُّزِ وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى الْكَرَاهَةَ وَقَطَعَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ بِعَدَمِهَا وَيَأْتِي بَعْدَ فُصُولٍ فِي هَيْئَةِ الْجُلُوسِ لِلْأَكْلِ مَسْأَلَةُ الشُّرْبِ قَائِمًا.
وَيُكْرَهُ الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ زَادَ فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْفُصُولِ، وَالْغُنْيَةِ مَا مَعْنَاهُ إلَّا الْيَسِيرَ بِمِقْدَارِ مَا يُصْلِحُ الْأُخْرَى قَالَ فِي الْمُجَرَّدِ وَإِنْ كَانَ الِاخْتِيَارُ أَنْ يَقِفَ إلَى الْفَرَاغِ مِنْهَا وَيَأْتِي ذَلِكَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي اللِّبَاسِ قَبْلَ ذِكْرِ الْأَخْبَارِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ.
وَيُكْرَهُ النَّوْمُ بَعْدَ الْعَصْرِ لِلْخَبَرِ أَنَّهُ يُخْتَلَسُ عَقْلُهُ فِي إسْنَادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ مَذْكُورٌ فِي تَرْجَمَتِهِ وَلَمْ يَعْتَدَّ بِهِ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَنَامَ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنَامَ بَعْدَ الْعَصْرِ يُخَافُ عَلَى عَقْلِهِ.
وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالظِّلِّ قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ يُكْرَهُ الْجُلُوسُ بَيْنَ الظِّلِّ، وَالشَّمْسِ قَالَ هَذَا مَكْرُوهٌ أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ ذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: صَحَّ النَّهْيُ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ سَعِيدٌ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبِي فِي الشَّمْسِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى الظِّلِّ» وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادِهِ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي بَابِ الْجُلُوسِ بَيْنَ الظِّلِّ، وَالشَّمْسِ عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ إسْمَاعِيلَ حَدَّثَنِي قَيْسٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ «جَاءَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ فَقَامَ فِي الشَّمْسِ فَأَمَرَ بِهِ فَحَوَّلَ إلَى الظِّلِّ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ غَيْرُ الْمَعْنَى الْمُقْتَضَيْ لِذِكْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَهُوَ خَلَلُ فَهْمِ الْخُطْبَةِ بِتَشْوِيشِ الذِّهْنِ بِالشَّمْسِ أَوْ تَضَرُّرِهِ بِالشَّمْسِ بِلَا حَاجَةٍ إلَيْهَا أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ.
стр. 1076
وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا فِي الشَّمْسِ فَقَالَ تَحَوَّلْ إلَى الظِّلِّ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ» وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ قَالَ " اسْتَقْبِلُوا الشَّمْسَ بِجِبَاهِكُمْ فَإِنَّهَا حَمَّامُ الْعَرَبِ ". وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى أَنْ يُقْعَدَ بَيْنَ الظِّلِّ، وَالشَّمْسِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَفِيهِ أَبُو الْمُنِيبِ الْعَتَكِيُّ وَقَدْ ضُعِّفَ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ، هَذَا وَلِأَحْمَدَ الْمَعْنَى مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الشَّمْسِ وَفِي لَفْظٍ فِي الْفَيْءِ فَقَلَصَ عَنْهُ الظِّلُّ وَصَارَ بَعْضُهُ فِي الشَّمْسِ وَبَعْضُهُ فِي الظِّلِّ فَلْيَقُمْ»
وَفِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ اخْتِيَارُ الظِّلِّ، وَالْفَيْءِ فَلَا يُكْثِرُ الْجُلُوسَ فِي الشَّمْسِ وَلَا يَنَامُ فِيهَا كَمَا قِيلَ يُثِيرُ الدَّاءَ الدَّفِينَ وَلَا بَيْنَهُمَا، وَيُحْمَلُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ عَلَى الْحَاجَةِ لِدَفْعِ بَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ جَالِينُوسُ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ السَّهَرِ أَوْ التَّعَرُّضِ لِلشَّمْسِ الْحَارَّةِ وَقَعَ فِي الْبِرْسَامِ سَرِيعًا، وَالْبِرْسَامُ وَرَمٌ حَارٌّ فِي الدِّمَاغِ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَّكِئَ أَحَدٌ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ قَالَ أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جَالِسٌ هَكَذَا أَيْ وَقَدْ وَضَعْت يَدِي الْيُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي وَاتَّكَأْتُ عَلَى أَلْيَةِ يَدِي فَقَالَ: «لَا تَقْعُدْ قَعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَيَأْتِي الْجُلُوسُ مُتَّكِئًا وَمُحْتَبِيًا وَمُتَرَبِّعًا وَغَيْرَ ذَلِكَ فِي آدَابِ الْمَجَالِسِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ فِي ظِلِّ الْمَنَارَةِ وَكَنْسُ الْبَيْتِ بِالْخِرْقَةِ.
стр. 1077
[فَصْلٌ فِي اسْتِحْبَابِ الْقَيْلُولَةِ، وَالْكَلَامِ فِي سَائِرِ نَوْمِ النَّهَارِ]
قَالَ الْخَلَّالُ اسْتِحْبَابُ الْقَائِلَةِ نِصْفَ النَّهَارِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ كَانَ أَبِي يَنَامُ نِصْفَ النَّهَارِ شِتَاءً كَانَ أَوْ صَيْفًا لَا يَدَعُهَا وَيَأْخُذُنِي بِهَا وَيَقُولُ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ.
وَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: ثَلَاثٌ مَنْ ضَبَطَهُنَّ ضَبَطَ الصَّوْمَ مَنْ قَالَ وَتَسَحَّرَ وَأَكَلَ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبَ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَوْمَةُ نِصْفِ النَّهَارِ تَزِيدُ فِي الْعَقْلِ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «اسْتَعِينُوا بِطَعَامِ السَّحَرِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ، وَالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْأَكْثَرُ وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ وَرَوَاهُ فِي الْمُخْتَارَةِ مِنْ حَدِيثِهِ.
ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ نَوْمَ النَّهَارِ لَا يُكْرَهُ شَرْعًا لِعَدَمِ دَلِيلِ الْكَرَاهَةِ إلَّا بَعْدَ الْعَصْرِ وَإِنَّهُ تُسْتَحَبُّ الْقَائِلَةُ. وَالْقَائِلَةُ النَّوْمُ فِي الظَّهِيرَةِ، ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَظَاهِرُهُ شِتَاءً وَصَيْفًا، وَإِنْ كَانَ الصَّيْفُ أَوْلَى بِهَا وَهُوَ ظَاهِرُ مَا سَبَقَ وَسَبَقَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ، وَجَزَمَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ أَظُنُّهُ صَاحِبَ النَّظْمِ بِكَرَاهَةِ، النَّوْمِ بَعْدَ الْفَجْرِ.
وَعَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّ الْأَرْضَ تَعِجُّ مِنْ نَوْمِ الْعَالَمِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ رَأَى مُعَاوِيَةَ حَمَلَ اللَّحْمَ فَقَالَ يَا مُعَاوِيَةُ مَا هَذَا لَعَلَّك تَنَامُ نَوْمَةَ الضُّحَى؟ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَك اللَّهُ.
وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ابْنًا لَهُ نَائِمًا نَوْمَةَ الضُّحَى فَقَالَ لَهُ قُمْ أَتَنَامُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي تُقَسَّمُ فِيهَا الْأَرْزَاقُ؟ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ طَلَبِ الرِّزْقِ، وَالسَّعْيِ فِيهِ شَرْعًا وَعُرْفًا عِنْدَ الْعُقَلَاءِ وَقَدْ قَالَ ﵊ «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا» وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا إنَّ نَوْمَاتِ الضُّحَى تُورِثُ الْفَتَى ... خَبَالًا وَنَوْمَاتِ الْعَصِيرِ جُنُونُ
стр. 1078
وَاقْتَصَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأَطِبَّاءُ أَنَّ نَوْمَ النَّهَارِ رَدِيءٌ يُورِثُ الْأَمْرَاضَ الرُّطُوبِيَّةَ، وَالنَّوَازِلَ وَيُفْسِدُ اللَّوْنَ وَيُورِثُ الطِّحَالَ وَيُرْخِي الْعَصَبَ وَيُكْسِلُ وَيُضْعِفُ الشَّهْوَةَ إلَّا فِي الصَّيْفِ وَقْتَ الْهَاجِرَةِ وَأَرْدَؤُهُ النَّوْمَ أَوَّلَ النَّهَارِ وَأَرْدَأُ مِنْهُ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَنَوْمُ الصُّبْحَةِ مُضِرٌّ جِدًّا بِالْبَدَنِ؛ لِأَنَّهُ يُرْخِيهِ وَيُفْسِدُ الْعَضَلَاتِ الَّتِي يَنْبَغِي تَحْلِيلُهَا بِالرِّيَاضَةِ فَتُحْدِثُ تَكَسُّرًا وَعَنَاءً أَوْ ضَعْفًا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْبِرَازِ، وَالرِّيَاضَةِ وَإِشْغَالِ الْمَعِدَةِ بِشَيْءِ فَهُوَ الدَّاءُ الْعُضَالُ الْمُوَلِّدُ لِأَنْوَاعٍ مِنْ الْأَدْوَاءِ وَرُوِيَ أَنَّ الْمَسِيحَ ﵇ قَالَ خُلُقَانِ أَكْرَهُهُمَا: النَّوْمُ مِنْ غَيْرِ سَهَرٍ، وَالضَّحِكِ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ.
وَالثَّالِثَةُ وَهِيَ الْعُظْمَى إعْجَابُ الرَّجُلِ بِعَمَلِهِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ دَاوُد لِابْنِهِ سُلَيْمَانَ ﵉: إيَّاكَ وَكَثْرَةَ النَّوْمِ فَإِنَّهُ يُفْقِرُك إذَا احْتَاجَ النَّاسُ إلَى أَعْمَالِهِمْ وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ إيَّاكَ وَكَثْرَةَ النَّوْمِ، وَالْكَسَلَ، وَالضَّجَرَ فَإِنَّك إذَا كَسِلْت لَمْ تُؤَدِّ حَقًّا، وَإِذَا ضَجِرْت لَمْ تَصْبِرْ عَلَى حَقٍّ وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ مِنْ الْجَهْلِ النَّوْمُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَالضَّحِكُ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ، وَالْقَائِلَةُ تَزِيدُ فِي الْعَقْلِ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: النَّوْمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ نَوْمُ خُرْقٍ، وَنَوْمُ خَلْقٍ، وَنَوْمُ حُمْقٍ. فَأَمَّا النَّوْمُ الْخُرْقُ فَنَوْمَةُ الضُّحَى يَقْضِي النَّاسُ حَوَائِجَهُمْ وَهُوَ نَائِمٌ، وَأَمَّا النَّوْمُ الْخَلْقُ فَنَوْمُ الْقَائِلَةِ نِصْفَ النَّهَارِ، وَأَمَّا نَوْمُ الْحُمْقِ فَنَوْمٌ حِينَ تَحْضُرُ الصَّلَاةُ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُبْرُمَةَ نَوْمُ نِصْفَ النَّهَارِ يَعْدِلُ شَرْبَةَ دَوَاءٍ يَعْنِي فِي الصَّيْفِ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ النُّعَاسُ يُذْهِبُ الْعَقْلَ، وَالنَّوْمُ يَزِيدُ فِيهِ.
قَالُوا تَنَامُ فَقُلْت الشَّوْقُ يَمْنَعُنِي ... مِنْ أَنْ أَنَامَ وَعَيْنِي حَشْوُهَا السَّهَدُ
أَبْكِي الَّذِينَ أَذَاقُونِي مَوَدَّتَهُمْ ... حَتَّى إذَا أَيْقَظُونِي لِلْهَوَى رَقَدُوا
هُمُو دَعَوْنِي فَلَمَّا قُمْت مُقْتَضِيًا ... لِلْحُبِّ نَحْوَهُمْ مِنْ قُرْبِهِمْ بَعُدُوا
لَأَخْرُجَنَّ مِنْ الدُّنْيَا وَحُبُّهُمْ ... بَيْنَ الْجَوَانِحِ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدُ
стр. 1079
وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ:
يَقُولُونَ طَالَ اللَّيْلُ وَاللَّيْلُ لَمْ يَطُلْ ... وَلَكِنَّ مَنْ يَبْكِي مِنْ الشَّوْقِ يَسْهَرُ
وَقَالَ آخَرُ:
أَبِيتُ أُرَاعِي النَّجْمَ حَتَّى كَأَنَّنِي ... بِنَاصِيَتِي حَبْلٌ إلَى النَّجْمِ مُوثَقُ
وَمَا طَالَ لَيْلِي غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّهَا ... أُعَلِّلُ نَفْسِي بِالْأَمَانِي فَتَقْلَقُ
ذَكَرَ هَذِهِ الْآثَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ. فَأَمَّا النَّوْمُ عِنْدَ سَمَاعِ الْخَيْرِ فَهُوَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: النَّوْمُ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ مِنْ الشَّيْطَانِ، كَانَ يُقَالُ لِإِبْلِيسِ لَعَنَهُ اللَّهُ لَعُوقٌ وَكُحْلٌ وَسَعُوطٌ، فَلُعُوقُهُ الْكَذِبُ وَكُحْلُهُ النُّعَاسُ عِنْدَ سَمَاعِ الْخَيْرِ وَسُعُوطُهُ الْغَضَبُ. وَسَبَقَ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ حُكْمُ النَّوْمِ فِي الشَّمْسِ.
стр. 1080
[فَصْلٌ فِي التَّكَنِّي مَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ وَمَا يُكْرَهُ]
يُكْرَهُ أَنْ يَتَكَنَّى بِأَبِي يَحْيَى وَأَبِي عِيسَى ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ دَلِيلًا.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ عَمَّنْ كَرِهَ أَنْ يُكَنَّى بِأَبِي عِيسَى قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَإِنَّمَا كَرِهَ أَبَا عِيسَى دُونَ أَبِي يَحْيَى، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد ثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ ثَنَا أَبُو هِشَامِ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ ضَرَبَ ابْنًا لَهُ يُكْنَى أَبَا عِيسَى. وَأَنَّ الْمُغِيرَةَ تَكَنَّى بِأَبِي عِيسَى فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَمَا يَكْفِيك أَنْ تُكْنَى بِأَبِي عَبْدِ اللَّه. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " كَنَّانِي " فَقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَإِنَّا فِي جَلَجِنَا فَلَمْ يَزَلْ يُكْنَى بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى هَلَكَ، كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ: ثَنَا أَبُو بَكْرٍ ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ صُهَيْبٍ «أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِصُهَيْبٍ مَا لَك تُكَنَّى بِأَبِي يَحْيَى وَلَيْسَ لَك وَلَدٌ قَالَ كَنَّانِي رَسُولُ اللَّهِ بِأَبِي يَحْيَى» إسْنَادُهُ حَسَنٌ
وَعَنْ أَبِي الْقَاسِمِ رِوَايَاتٌ الْكَرَاهَةُ وَعَدَمُهَا، وَالثَّالِثَةُ إنْ اكْتَنَى بِهَا مَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ كُرِهَ وَإِلَّا فَلَا ذَكَرَهُنَّ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ» . وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «نَادَى رَجُلٌ بِالْبَقِيعِ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَالْتَفَتَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ أَعْنِك إنَّمَا عَنَيْت فُلَانًا فَقَالَ سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ وُلِدَ لِي مِنْ بَعْدِك وَلَدٌ أُسَمِّيهِ بِاسْمِك وَأُكَنِّيهِ بِكُنْيَتِك قَالَ نَعَمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَفِيهِ فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ.
وَرَوَى
стр. 1081
الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ كَانَتْ رُخْصَةً لِعَلِيٍّ رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَرَوَى أَبُو دَاوُد ثَنَا النُّفَيْلِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْحَجَبِيُّ عَنْ جَدَّتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي وَلَدْت غُلَامًا فَسَمَّيْته مُحَمَّدًا وَكَنَّيْته أَبَا الْقَاسِمِ فَذُكِرَ لِي أَنَّك تَكْرَهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي؟ أَوْ مَا الَّذِي حَرَّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلَّ اسْمِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ ثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِي فَلَا يَتَكَنَّى بِكُنْيَتِي وَمَنْ تَكَنَّى بِكُنْيَتِي فَلَا يَتَسَمَّى بِاسْمِي» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ هِشَامٍ.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرُوِيَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَقُولُ إنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُدْعَى أَحَدٌ بِاسْمِهِ أَوْ كُنْيَتِهِ فَيَلْتَفِتَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
رَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ سَمِعْت أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ يَعْقُوبَ سَمِعْت الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْتَنِيَ بِأَبِي الْقَاسِمِ كَانَ اسْمُهُ مُحَمَّدًا أَوْ غَيْرَهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَوَيْنَا مَعْنَى هَذَا عَنْ طَاوُسٍ قَالَ وَأَحَادِيثُ النَّهْي عَلَى الْإِطْلَاقِ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ فَالْحُكْمُ لَهَا، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ نَهْيًا حَتَّى سَأَلَ الرُّخْصَةَ لَهُ وَحْدَهُ وَقَدْ يَحْتَمِلُ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ إنْ صَحَّ طَرِيقُهُ أَنْ يَكُونَ نَهْيُهُ وَقَعَ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَالتَّنْزِيهِ لَا عَلَى غَيْرِ التَّحْرِيمِ فَحِينَ تَوَهَّمَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ عَلَى التَّحْرِيمِ بَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ التَّحَرُّمِ قَالَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا أَنَّ التَّكَنِّي بِغَيْرِ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ يُكْنَى أَبَا الْحَكَمِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَكَنَّاهُ بِأَبِي شُرَيْحٍ» قَالَ وَإِنَّمَا كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ لِئَلَّا يُشَارِكَ اللَّهَ تَعَالَى فِي صِفَتِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُكْتَنَى بِوَلَدٍ قَبْلَ حُصُولِهِ وَبِحَيَوَانٍ صَغِيرٍ
стр. 1082
لِلْأَثَرِ ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُكْنَى الصَّبِيُّ «قَالَ النَّبِيُّ لِأَبِي عُمَيْرٍ وَكَانَ صَغِيرًا يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» .
وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ قُلْت لِأَحْمَدَ تُكَنَّى الْمَرْأَةُ قَالَ نَعَمْ عَائِشَة كَنَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ بِأُمِّ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ إِسْحَاقُ كَمَا قَالَ صَحَّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّ صَوَاحِبِي لَهُنَّ كُنًى قَالَ فَاكْتَنِي بِابْنِ أُخْتِك عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ مُسَدِّدٌ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ فَكَانَتْ تُكَنَّى أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ وَقَالَ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ وَأَنْتِ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ» .
وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ سَأَلْتُهُ يَكْنِي الرَّجُلُ أَهْلَ الذِّمَّةِ قَالَ قَدْ كَنَّى النَّبِيُّ ﷺ أُسْقُفَ نَجْرَانَ وَعُمَرُ قَالَ يَا أَبَا حَسَّانٍ أَيْ: كَنَّى رَجُلًا أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِهِ بَأْسٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي زَادِ الْمُسَافِرِ رَوَى مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مُرْسَلًا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأُسْقُفِ نَجْرَانَ يَا أَبَا الْحَارِثِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ» .
стр. 1083
[فَصْلٌ فِي آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَمُرَاعَاةِ الصِّحَّةِ فِيهَا]
يُكْرَهُ نَفْخُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ ﵏ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ وَلِذَلِكَ سَوَّى الشَّارِعُ بَيْنَ النَّفْخِ، وَالتَّنَفُّسِ فِيهِ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ لَا بَأْسَ بِنَفْخِ الطَّعَامِ إذَا كَانَ حَارًّا وَيُكْرَهُ أَكْلُهُ حَارًّا وَسَيَأْتِي ذَلِكَ.
وَالتَّنَفُّسُ فِي إنَائِهِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ ﵇ «نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ» ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ» . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ فَقَالَ رَجُلٌ الْقَذَاةُ أَرَاهَا فِي الْإِنَاءِ؟ فَقَالَ أَهْرِقْهَا قَالَ فَإِنِّي لَا أُرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ وَقَالَ فَأَبِنْ الْقَدَحَ إذًا عَنْ فِيك» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُمَا.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَيُكْرَهُ أَكْلُهُ مِمَّا يَلِي غَيْرَهُ، وَالطَّعَامُ نَوْعٌ وَاحِدٌ ذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا هَذَا الْقَيْدَ وَمِنْ وَسَطِ الْقَصْعَةِ، وَالصَّحْفَةِ وَأَعْلَاهَا وَكَذَلِكَ الْكَيْلُ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ وَلَكِنْ لِيَأْكُلْ مِنْ أَسْفَلِهَا فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا» عَطَاءٌ حَسَنُ الْحَدِيثِ اخْتَلَطَ قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ مَا سَمِعَ مِنْهُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ فَصَحِيحٌ إلَّا حَدِيثَيْنِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ فُضَيْلٍ عَنْ عَطَاءٍ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ إنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ قَالَ وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، وَالثَّوْرِيُّ عَنْ عَطَاءٍ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَفْظُ بَعْضِهِمْ «الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ فِي وَسَطِ الطَّعَامِ فَكُلُوا مِنْ حَافَّتَيْهِ وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ» وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْخَبَرِ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ ثَنَا أَبِي ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ قَالَ «كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَصْعَةٌ يُقَالُ
стр. 1084
لَهَا الْغَرَّاءُ يَحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ فَلَمَّا أَضْحَوْا وَسَجَدُوا الضُّحَى أُتِيَ بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ يَعْنِي وَقَدْ ثُرِدَ فِيهَا فَالْتَفُّوا عَلَيْهَا فَلَمَّا كَثُرُوا جَثَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا شَكُورًا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا وَدَعُوا ذُرْوَتَهَا يُبَارَكْ فِيهَا» إسْنَادٌ جَيِّدٌ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا.
وَيُكْرَهُ أَكْلُهُ مُتَّكِئًا أَوْ مُضْطَجِعًا، وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ بِشِمَالِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْأَكْلَ بِالشِّمَالِ مُحَرَّمٌ لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَإِذَا أَكَلْت أَوْ شَرِبْت فَوَاجِبٌ عَلَيْك أَنْ تَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ وَتَتَنَاوَلَ بِيَمِينِك قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَلَامُ ابْنِ أَبِي مُوسَى فِيهِ وُجُوبُ التَّسْمِيَةِ، وَالتَّنَاوُلِ بِالْيَمِينِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيُسْرَى وَمَسُّ الْفَرْجِ بِهَا دُونَ الْيُمْنَى رُبَّمَا لِينَ النَّهْيُ فِي كِلَيْهِمَا.
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ أَكَلَ بِشِمَالِهِ أَكَلَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ وَمَنْ شَرِبَ بِشِمَالِهِ شَرِبَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ» وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ بِيَمِينِهِ خُبْزًا وَبِشِمَالِهِ شَيْئًا يَأْتَدِمُ بِهِ وَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا وَمِنْ هَذِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ بِشِمَالِهِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الشَّرَهِ وَغَيْرِهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَرِهَ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ لُقْمَةً حَتَّى يَبْلَعُ مَا قَبْلَهَا وَقَدْ سَبَقَ فِي آخِرِ فُصُولِ الطِّبِّ قَوْلُ أَبِي نُعَيْمٍ إنَّ الرُّطَبَ يُؤْكَلُ بِأَشْيَاءَ لِيَقِلَّ ضَرَرُهُ، ثُمَّ رَوَى حَدِيثَ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يَأْخُذُ الرُّطَبَ بِيَمِينِهِ، وَالْبِطِّيخَ بِيَسَارِهِ فَيَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْبِطِّيخِ» . فَهَذَا الْخَبَرُ غَرِيبٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَإِنْ صَحَّ خُصَّ الْعُمُومُ بِهِ وَمَعَ ضَعْفِهِ يُعْمَلُ بِالْعُمُومِ، وَقَدْ يُقَالُ الْمَقَامُ مَقَامُ اسْتِحْبَابٍ وَكَرَاهَةٍ، وَالْخَبَرُ الضَّعِيفُ يُعْمَلُ بِهِ فِي ذَلِكَ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ شَيْءٌ يُسْتَأْنَسُ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى هَنَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّسَفِيُّ وَهُوَ رِوَايَةٌ لِلْمَوْضُوعَاتِ الْوَاهِيَاتِ مَعَ أَنَّ الْإِسْنَادَ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ التَّمْرَ بِيَمِينِهِ وَبَعْضَ الْبِطِّيخِ بِشِمَالِهِ» .
стр. 1085
وَيُكْرَهُ غَسْلُ يَدَيْهِ بِمَطْعُومٍ غَيْرِ نُخَالَةٍ مَحْضَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ وَمِلْحٍ، كَذَا فِي الرِّعَايَةِ وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ النَّظْمِ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ يُكْرَهُ غَسْلُ الْيَدِ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَطْعُومِ وَلَا بَأْسَ بِالنُّخَالَةِ.
قَالَ فِي الْمُغْنِي وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْمِلْحِ، وَالْمِلْحُ طَعَامٌ فَفِي مَعْنَاهُ مَا أَشْبَهَهُ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهَذَا مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ يَقْتَضِي جَوَازَ غَسْلِهَا بِالْمَطْعُومِ، وَهَذَا خِلَافُ الْمَشْهُورِ.
وَيَأْتِي كَلَامُهُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ فُصُولٍ: وَعَنْ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ التَّمِيمِيِّ ﵁ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَخَذَ بِيَدِهِ فَانْطَلَقَ بِهِ إلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ فَقَالَ: هَلْ مِنْ طَعَامٍ فَأُتِينَا بِجَفْنَةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ، وَالْوَدَكِ فَأَقْبَلْنَا نَأْكُلُ مِنْهَا فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَجَعَلْت أَخْبِطُ فِي نَوَاحِيهَا فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى، ثُمَّ قَالَ يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانُ رُطَبٌ أَوْ تَمْرٌ شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْرَاشٍ فَجَعَلْت آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ، ثُمَّ قَالَ يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْت فَإِنَّهُ مِنْ غَيْرِ لَوْنٍ وَاحِدٍ. ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ فَغَسَلَ رَسُولُ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِبَلَلِ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ قَالَ يَا عِكْرَاشُ هَكَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتْ النَّارُ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ ثَنَا إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي ثَنَا أَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ الْمُنْقِرِيُّ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْرَاشٍ حَدَّثَنِي أَبِي فَذَكَرَهُ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ وَكَذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ وَقَدْ تَفَرَّدَ الْعَلَاءُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ يَنْفَرِدُ بِأَشْيَاءَ مَنَاكِيرَ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ فِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عِكْرَاشٍ شَيْخٌ مَجْهُولٌ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: لَا يَثْبُتُ.
وَالْقَوْلُ بِحُكْمِ هَذَا الْحَدِيثِ قَدْ سَبَقَ كَلَامُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرْهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَظَاهِرُهُ الْأَكْلُ مِمَّا يَلِيهِ وَاخْتَارَهُ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيُّ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ «يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِك وَكُلْ مِمَّا
стр. 1086
يَلِيَك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحَدِيثُ عِكْرَاشٍ قَدْ يُعَضِّدُهُ أَنَّهُ ﵇ جَعَلَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَتَبَّعَهُ مِنْ حَوَالَيْ جَانِبِهِ أَوْ أَنَّ الْعِلَّةَ اسْتِقْذَارُ جَلِيسِهِ ذَلِكَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِآثَارِهِ وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ كَوْنِهِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ، وَسَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ حَامِدٍ فِي مُبَاسَطَةِ الْإِخْوَانِ عَلَى الطَّعَامِ.
стр. 1087
[فَصْلٌ فِي الْأَكْلِ مِنْ بُيُوتِ الْأَقْرَبِينَ وَالْأَصْدِقَاءِ بِالْإِذْنِ وَلَوْ عُرْفًا]
يُبَاحُ الْأَكْلُ مِنْ بَيْتِ الْقَرِيبِ وَالصَّدِيقِ مِنْ مَالٍ غَيْرِ مُحْرَزٍ عَنْهُ إذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ رِضَا صَاحِبِهِ بِذَلِكَ نَظَرًا إلَى الْعَادَةِ، وَالْعُرْفِ هَذَا هُوَ الْمُتَوَجِّهُ وَمَا يُذْكَرُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ الِاسْتِئْذَانِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الشَّكِّ فِي رِضَا صَاحِبِهِ أَوْ عَلَى الْوَرَعِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبَاحَ الْأَكْلَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرَابَاتِ الْمَذْكُورِينَ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِبَذْلِ طَعَامِهِمْ لَهُمْ فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ وَرَاءَ حِرْزٍ لَمْ يَجُزْ هَتْكُ ذَلِكَ الْحِرْزَ.
قَالَ وَكَانَ الْحَسَنُ وَقَتَادَة يَرَيَانِ الْأَكْلَ مِنْ طَعَامِ الصَّدِيقِ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ جَائِزًا وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ فَرْعٌ فِي مَنْعِ الْأَكْلِ مِنْ مَنْزِلِ الْأَهْلِ، وَالْأَصْدِقَاءِ بِغَيْرِ إذْنٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] إلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] .
فَقَالَ إذَا أُذِنَ لَك فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَأْكُلُوا فَرَخَّصَ لَهُمْ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ النَّضْرِ سُئِلَ أَحْمَدُ أَيَأْكُلُ الرَّجُلُ مِنْ بُيُوتِ أَهْلِهِ بَيْتِ عَمِّهِ أَوْ خَالِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ قَالَ لَا يَأْكُلُ إلَّا بِإِذْنِهِمْ.
стр. 1088
[فَصْلٌ فِي كَرَاهَةِ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ وَنَحْوِهِ مَعَ شَرِيكٍ أَوْ مُطْلَقًا]
وَيُكْرَهُ الْقِرَانُ فِي التَّمْرِ وَقِيلَ مَعَ الشُّرَكَاءِ فِيهِ لَا وَحْدَهُ وَلَا مَعَ أَهْلِهِ وَلَا مَعَ مَنْ أَطْعَمَهُمْ ذَلِكَ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَزَادَ وَتَرْكُهُ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ أَوْلَى وَأَفْضَلُ وَأَحْسَنُ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي التَّرْغِيبِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ وَعَنْ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ لِلْكَرَاهَةِ، وَالْأَدَبِ.
وَذَكَرَ النَّوَاوِيُّ أَنَّ الصَّوَابَ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ فَالْقِرَانُ حَرَامٌ إلَّا بِرِضَاهُمْ بِقَوْلٍ أَوْ قَرِينَةٍ يَحْصُلُ بِهَا عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ، وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ لِغَيْرِهِمْ أَوْ لِأَحَدِهِمْ اُشْتُرِطَ رِضَاهُ وَحْدَهُ فَإِنْ قَرَنَ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَحَرَامٌ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الْآكِلِينَ مَعَهُ وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ لِنَفْسِهِ وَقَدْ ضَيَّفَهُمْ بِهِ فَحَسَنٌ أَلَّا يَقْرِنَ لِيُسَاوِيَهُمْ إنْ كَانَ الطَّعَامُ فِيهِ قِلَّةٌ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا بِحَيْثُ يَفْضُلُ عَنْهُمْ فَلَا بَأْسَ لَكِنَّ الْإِذْنَ مُطْلَقًا لِلتَّأَدُّبِ وَتَرْكِ الشَّرَهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْجِلًا وَيُرِيدُ الْإِسْرَاعَ لِشُغْلٍ آخَرَ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ إنَّمَا كَانَ هَذَا فِي زَمَنِهِمْ حِينَ كَانَ الطَّعَامُ ضَيِّقًا فَأَمَّا الْيَوْمَ مَعَ اتِّسَاعِ الْحَالِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِذْنِ، وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ، وَالْقِرَانُ فِي غَيْرِ التَّمْرِ مِثْلُهُ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْصَدُ وَلَا تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ إلَّا فِي الْفَوَاكِهِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَعَلَى قِيَاسِهِ قِرَانُ كُلِّ مَا الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِتَنَاوُلِهِ إفْرَادًا.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ الْحَنْبَلِيُّ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَمْرِ هَلْ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ؟ فَإِنْ قِيلَ النَّهْيُ يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ فَالْجَوَابُ إنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] الْآيَةَ.
وَنَهَى عَنْ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ، وَالتَّعْرِيسِ عَلَى الطُّرُقَاتِ وَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ فِي أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضِي حُسْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ
стр. 1089
وَلَا النَّهْيَ قُبْحَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ عَقْلًا عِنْدنَا وَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ، نَهَى الشَّرْعُ عَنْ أَشْيَاءَ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهَا لَا لِقُبْحِهَا كَالنَّهْيِ عَنْ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ وَكَنْسِ الْبَيْتِ بِالْخِرْقَةِ، وَالْجُلُوسِ فِي ظِلِّ الْمَنَارَةِ، وَالشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْإِنَاءِ، وَالْأَكْلِ فِي الْمِنْجَلِ أَوْ الْمُنْخُلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
كَذَا قَالَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْقِرَانِ إلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ» قَالَ شُعْبَةُ الْإِذْنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَفِي لَفْظٍ فِيهِمَا «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ» .
стр. 1090
[فَصْلٌ فِي آدَابِ الْآكِل وَالشُّرْبِ]
يُسَنُّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَجْلِسَ لِلْأَكْلِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَيَنْصِبَ الْيُمْنَى أَوْ يَتَرَبَّعَ ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ مِنْ آدَابِ، الْأَكْلِ أَنْ يَجْلِسَ مُفْتَرِشًا وَإِنْ تَرَبَّعَ فَلَا بَأْسَ وَسَبَقَ قَبْلَ فُصُولِ آدَابِ، الْأَكْلِ بِفَصْلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فِي كَرَاهَةِ الشُّرْبِ قَائِمًا رِوَايَتَانِ قَطَعَ ابْنُ أَبِي مُوسَى بِالْكَرَاهَةِ، وَالْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ بِعَدَمِهَا. وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَجَرَ وَفِي لَفْظٍ نَهَى عَنْ الشُّرْبِ قَائِمًا» .
وَرَوَى أَيْضًا اللَّفْظَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَأَنَّ قَتَادَةَ قَالَ قُلْت لِأَنَسٍ فَالْأَكْلُ قَالَ: ذَاكَ أَشَرُّ وَأَخْبَثُ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «فَإِذَا نَسِيَ فَلْيَسْتَقِ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ مِنْ دَلْوٍ مِنْهَا وَهُوَ قَائِمٌ» .
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ «أُتِيَ بِمَاءٍ فَشَرِبَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْت» . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا» ، إسْنَادُهُ جَيِّدٌ إلَى عَمْرٍو وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ
وَيَتَوَجَّهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ ﵇ شَرِبَ قَائِمًا لِيُبَيِّنَ الْجَوَازَ وَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ، وَالنَّهْيِ لِلْكَرَاهَةِ أَوْ لِتَرْكِ الْأَوْلَى قَالَ ابْنُ عُمَرَ «كُنَّا نَأْكُلُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ نَمْشِي وَنَشْرَبُ وَنَحْنُ قِيَامٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَلِأَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي زِيَادٍ الطَّحَّانِ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَشْرَبُ قَائِمًا فَقَالَ لَهُ: قِهْ قَالَ: وَلِمَهْ قَالَ: أَيَسُرُّك أَنْ يَشْرَبَ مَعَك الْهِرُّ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ شَرِبَ مَعَك مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ يَعْنِي الشَّيْطَانَ» أَبُو زِيَادٍ قِيلَ لَا يُعْرَفُ وَقِيلَ شُيُوخُ شُعْبَةَ جِيَادٌ.
فَأَمَّا الْأَكْلُ قَائِمًا فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَالشُّرْبِ لِقَوْلِ أَنَسٍ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِتَخْصِيصِ الشَّارِعِ النَّهْيَ بِالشُّرْبِ لِسُرْعَةِ نُفُوذِهِ إلَى أَسَافِلِ الْبَدَنِ بِلَا تَدْرِيجٍ وَإِلَى الْمَعِدَةِ فَيُبَرِّدُهَا وَعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ فِيهَا حَتَّى يَقْسِمَهُ
следующие страницы →