← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21582

الآداب الشرعية والمنح المرعية

ابن مفلح

Полный текст (1 529 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الْمَذْكُورَ فِي تَنْقِيصِ أَجْرِ مَنْ غَنِمَ لَا يَصِحُّ، وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْقَصَ ثَوَابُ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ بَعْضُهُمْ وَرَاوِي هَذَا الْخَبَرِ أَبُو هَانِئٍ حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ مَجْهُولٌ؛ وَلِأَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ الْمُجَاهِدَ يَرْجِعُ بِمَا نَالَ مَنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَبَا هَانِئٍ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ رَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ. وَلَيْسَ فِي غَنِيمَةِ بَدْرٍ نَصُّ إنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَغْنَمُوا لَكَانَ أَجْرُهُمْ عَلَى قَدْرِ أَجْرِهِمْ، وَقَدْ غَنِمُوا فَقَطْ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا الْخَبَرِ وَبَيْنَ الْخَبَرِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: إنَّ الْغَنِيمَةَ تَنْقُصُ الْأَجْرَ أَمْ لَا، وَلَا قَالَ: أَجْرُهُ كَأَجْرِ مَنْ لَمْ يَغْنَمْ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الَّذِي تَعَجَّلَ ثُلُثَيْ أَجْرِهِ إنَّمَا هُوَ فِي غَنِيمَةٍ أُخِذَتْ عَلَى غَيْر وَجْهِهَا، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ الَّتِي لَمْ تَغْنَمْ يَكُونُ لَهَا أَجْرٌ بِالْأَسَفِ عَلَى مَا فَاتَهَا مَنْ الْغَنِيمَةِ فَيُضَاعَفُ ثَوَابُهَا كَمَا يُضَاعَفُ ثَوَابُ مَنْ أُصِيبَ فِي مَالِهِ وَأَهْلِهِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ الْغَزْوِ وَالْغَنِيمَةِ مَعًا فَيَنْقُصُ اللَّهُ ثَوَابَهُ وَاَللَّه أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي إبْرَاهِيمَ: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] : قَالَ لَهُ هُنَاكَ جَزَاءُ الصَّالِحِينَ غَيْر مَنْقُوصٍ مِنْ الْآخِرَةِ بِمَا أُعْطِيَ فِي الدُّنْيَا مَنْ الْآخِرَة.

стр. 1122

[فَصْلٌ فِي مُبَاسَطَةِ الضِّيفَانِ وَمُعَامَلَةِ كُلِّ طَبَقَةٍ بِمَا يَلِيقُ بِهَا] ) وَيُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يُبَاسِطَ الْإِخْوَانَ بِالْحَدِيثِ الطَّيِّبِ وَالْحِكَايَاتِ الَّتِي تَلِيقُ بِالْحَالِ إذَا كَانُوا مُنْقَبِضِينَ قَالَ الْمَأْمُونُ سَبْعَةُ أَشْيَاءَ لَا تُمَلُّ أَكْلُ خُبْزِ الْبُرِّ، وَشُرْبُ مَاءِ الْعِنَبِ، وَأَكْلُ لَحْمِ الضَّأْنِ، وَالثَّوْبُ اللَّيِّنُ، وَالرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ، وَالْفِرَاشُ الْوَطِيءُ، وَالنَّظَرُ إلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسَنٍ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ: أَيْنَ مُحَادَثَةُ الْإِخْوَانِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: هُنَّ ثَمَانٍ وَهِيَ أُولَاهُنَّ. وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا بِالْأَدَبِ وَمَعَ الْفُقَرَاءِ بِالْإِيثَارِ وَمَعَ الْإِخْوَانِ بِالِانْبِسَاطِ وَمَعَ الْعُلَمَاءِ بِالتَّعَلُّمِ وَالِاتِّبَاع قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يَأْكُلُ بِالسُّرُورِ مَعَ الْإِخْوَانِ وَبِالْإِيثَارِ مَعَ الْفُقَرَاءِ وَبِالْمُرُوءَةِ مَعَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا. قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ﵁ يَوْمَ عِيدٍ: خُذْ عَلَيْكَ رِدَاءَكَ وَادْخُلْ قَالَ: فَدَخَلْتُ فَإِذَا مَائِدَةٌ وَقَصْعَةٌ عَلَى خِوَانٍ عَلَيْهَا عِرَاقٌ وَقَدْ زَالَ جَانِبُهُ، فَقَالَ لِي: كُلْ فَلَمَّا رَأَى مَا نَزَلَ بِي قَالَ إنَّ الْحَسَنَ كَانَ يَقُولُ: وَاَللَّهِ لَتَأْكُلَنَّ. وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَقُولُ: إنَّمَا وُضِعَ الطَّعَامُ لِيُؤْكَلَ. وَكَانَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ يَبِيعُ ثِيَابَهُ وَيُنْفِقُهَا عَلَى أَصْحَابِهِ وَكَانَتْ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيْهِ مَنْ ذَاكَ، وَأَوْمَأَ إلَى جِذْعٍ مَطْرُوحٍ قَالَ: فَانْبَسَطْت فَأَكَلْتُ لَتَأْكُلَنَّ هَذِهِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُد الْحَرْبِيُّ اشْتَرَى إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ لِأَصْحَابِهِ شَيْئًا وَقَالَ: يَا فِتْيَانُ كُلُوا فِي رَهْنٍ رَوَاهُ الْخَلَّالُ فِي الْأَخْلَاقِ وَغَدَّى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيَّ وَأَبَاهُ قَالَ مُحَمَّدٌ فَجَعَلْتُ آكُلُ وَفِي انْقِبَاضٌ لِمَكَانِ أَحْمَدَ قَالَ: فَقَالَ لِي لَا تَحْتَشِمْ قَالَ: فَجَعَلْتُ آكُلُ قَالَهَا ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لِي فِي الثَّالِثَةِ يَا بُنَيَّ كُلْ فَإِنَّ الطَّعَامَ أَهْوَنُ مِمَّا يُحْلَفُ عَلَيْهِ.

стр. 1123

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْكُتَّابُ فِي بَابِ الِاصْطِلَاحِ الْمُحْدَثِ الَّذِي اسْتِعْمَالُهُ خَطَأٌ وَقَالَ وَاسْتَعْمَلُوا. احْتَشَمَ بِمَعْنَى اسْتَحْيَا وَلَا نَعْرِفُ احْتَشَمَ بِمَعْنَى اسْتَحْيَا وَلَا نَعْرِفُ احْتَشَمَ إلَّا بِمَعْنَى غَضِبَ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ عَنْ أَبِي زَيْدٍ حَشَمْتُ الرَّجُلَ وَأَحْشَمْتُهُ بِمَعْنَى وَهُوَ أَنْ يَجْلِسَ إلَيْك فَتُؤْذِيَهُ وَتُغْضِبهُ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ حَشَمْتُهُ أَخْجَلْتُهُ وَأَحْشَمْتُهُ أَغْضَبْتُهُ، وَالِاسْمُ الْحَشَمُ وَهُوَ الِاسْتِحْيَاءُ وَالْغَضَبُ أَيْضًا وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْحِشْمَةُ إنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْغَضَبِ لَا بِمَعْنَى الِاسْتِحْيَاءِ، وَأَحْشَمْتُهُ وَاحْتَشَمْتُ مِنْهُ بِمَعْنَى وَرَجُلٌ حَشَمٌ أَيْ: مُحْتَشِمٌ، وَحَشَمُ الرَّجُلِ خَدَمُهُ وَمَنْ يَغْضَبُ لَهُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَغْضَبُونَ لَهُ ذَكَرَ ذَلِكَ الْجَوْهَرِيُّ. وَقَالَ ابْنُ بسرى قَدْ جَاءَ الْحِشْمَةُ بِمَعْنَى الْحَيَاءِ قَالَ أَبُو زَيْدٍ الْإِبَةُ الْحَيَاءُ، يُقَالُ: فَاتَّأَبَ أَيْ احْتَشَمَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِكُلِّ دَاخِلٍ دَهْشَةٌ، وَلِكُلِّ طَاعِمٍ حِشْمَةٌ، فَابْدَءُوهُ بِالْيَمِينِ وَقَالَ لِلْمُنْقَبِضِ عَنْ الطَّعَامِ مَا الَّذِي حَشَمَكَ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا لِئَلَّا يَنْسِبُ بَعْضُ مَنْ يَقِفُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ ذَلِكَ إلَى مَا لَا يَنْبَغِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، لَكِنْ قَدْ اُسْتُعْمِلَ ذَلِكَ فِي عُرْفٍ حَادِثٍ عَلَى مَا لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَذُكِرَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ وَأَهْلِ الطَّعَامِ الْأَكْلُ بَعْد طَعَامِ الضِّيفَانِ لِحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ الصَّحِيحِ، وَالْأَوْلَى النَّظَرُ فِي قَرَائِنِ الْحَالِ، وَمَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ وَفِيمَا تَقَدَّمَ إشْعَارٌ بِذَلِكَ، وَحَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ لَا يُخَالِفُهُ. وَذَكَرَ ابْن الْجَوْزِيِّ فِي آدَابِ الْأَكْلِ أَنْ لَا يَسْكُتُوا عَلَى الطَّعَامِ، بَلْ يَتَكَلَّمُوا بِالْمَعْرُوفِ وَيَتَكَلَّمُونَ بِحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ فِي الْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا. وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقْصِدَ كُلٌّ مِنْهُمْ الْإِيثَارَ لِرَفِيقِهِ وَلَا يُحْوِجُ رَفِيقَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ بَلْ يَنْبَسِطُ، وَلَا يَتَصَنَّعُ بِالِانْقِبَاضِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا يَسْتَقْذِرُهُ مَنْ غَيْرِهِ، فَلَا يَنْفُضُ يَدَهُ فِي الْقَصْعَةِ وَلَا يُقَدِّمُ إلَيْهَا رَأْسَهُ عِنْد وَضْعِ اللُّقْمَةِ فِي فِيهِ، وَإِذَا خَرَجَ شَيْءٌ مَنْ فِيهِ لِيَرْمِيَ بِهِ صَرَفَ وَجْهَهُ عَنْ الطَّعَامِ وَأَخَذَهُ بِيَسَارِهِ، وَلَا يَغْمِسُ اللُّقْمَةَ الدَّسِمَةَ فِي الْخَلِّ، وَلَا الْخَلَّ فِي الدَّسَمِ فَقَدْ يَكْرَهُهُ غَيْرُهُ، وَلَا يَغْمِسُ بَقِيَّةَ اللُّقْمَةِ الَّتِي أَكَلَ مِنْهَا فِي الْمَرَقَةِ. وَيُسْتَحَبُّ

стр. 1124

تَقْدِيمُ الطَّعَامِ إلَى الْإِخْوَانِ وَيُقَدِّمُ مَا حَضَرَ مَنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَلَا يَسْتَأْذِنُهُمْ فِي التَّقْدِيمِ بَلْ يُقَدِّمُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ كَذَا ذَكَرَ. وَفِي هَذَا الْأَدَبِ نَظَرٌ قَالَ: وَمِنْ التَّكَلُّفِ أَنْ يُقَدِّمَ جَمِيعَ مَا عِنْدَهُ انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ حَدَّثَنَا عَفَّانَ ثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سالور عَنْ شَقِيقٍ أَوْ نَحْوِهِ شَكَّ قَيْسٌ «أَنَّ سَلْمَانَ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَدَعَا لَهُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَانَا أَوْ قَالَ لَوْلَا أَنَّا نُهِينَا أَنْ يَتَكَلَّفَ أَحَدُنَا لِصَاحِبِهِ لَتَكَلَّفْنَا لَكَ» . هَذَا الْإِسْنَادُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَقَدْ يُحْتَجُّ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَمِنْ آدَابِ الزَّائِرِ أَنْ لَا يَقْتَرِحَ طَعَامًا بِعَيْنِهِ وَإِنْ خُيِّرَ بَيْنَ طَعَامَيْنِ اخْتَارَ الْأَيْسَرَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مُضِيفَهُ يُسَرُّ بِاقْتِرَاحِهِ، وَلَا يُقَصِّرُ عَنْ تَحْصِيلِ ذَلِكَ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْصِدَ بِالْإِجَابَةِ إلَى الدَّعْوَةِ نَفْسَ الْأَكْلِ بَلْ يَنْوِي بِهِ الِاقْتِدَاءَ بِالسُّنَّةِ وَإِكْرَامَ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ وَيَنْوِي صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَمَّنْ يُسِيءُ بِهِ الظَّنَّ، فَرُبَّمَا قِيلَ عَنْهُ إذَا امْتَنَعَ هَذَا مُتَكَبِّرٌ، وَلَا يُكْثِرُ النَّظَرَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الطَّعَامُ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ مِنْهُ عَلَى الشَّرَهِ. وَهَذَا مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي فِعْلُ مَا يَدُلّ عَلَى الشَّرَهِ، وَمِنْهُ الْأَكْلُ الْكَثِيرُ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْت وَلِهَذَا كَانَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ إذَا دُعِيَ أَكَلَ مَا يَكْسِر نَهْمَتَهُ قَبْلَ ذَهَابِهِ وَلَعَلَّهُ تَبِعَ فِي ذَلِكَ مَنْ مَضَى مَنْ السَّلَفِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْد الْبَرّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ إذَا دُعِيَ إلَى طَعَام أَكْل شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ وَيَقُولُ قَبِيحٌ بِالرَّجُلِ أَنْ يُظْهِرَ نَهْمَتَهُ فِي طَعَامِ غَيْرِهِ، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَم يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَال. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀: وَمِنْ آدَابِ إحْضَارِ الطَّعَامِ تَعْجِيلُهُ وَتَقْدِيمُ الْفَاكِهَةِ قَبْلَ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ أَصْلَحُ فِي بَابِ الطِّبِّ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] . انْتَهَى كَلَامُهُ.

стр. 1125

[فَصْلٌ مَا وَرَدَ مَنْ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ بَعْد الطَّعَامِ وَالِاجْتِمَاعِ لَهُ وَالتَّسْمِيَةِ قَبْلَهُ] فَصْلٌ (فِيمَا وَرَدَ مَنْ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ بَعْدَ الطَّعَامِ) وَالِاجْتِمَاعِ لَهُ وَالتَّسْمِيَةِ قَبْلَهُ. عَنْ أَبِي أُمَامَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ فِي النِّهَايَةِ " فِي غَيْرَ مَكْفِيٍّ " أَيْ غَيْرَ مَرْدُودٍ وَلَا مَقْلُوبٍ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الطَّعَامِ، وَقِيلَ مَكْفِيٍّ مِنْ الْكِفَايَةِ يَعْنِي أَنَّ اللَّهُ هُوَ الْمُطْعِمُ وَالْكَافِي وَغَيْرُ مُطْعَمٍ وَلَا مَكْفِيٍّ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلَّهِ. وَقَوْلُهُ " وَلَا مُوَدَّعٍ " أَيْ غَيْرُ مَتْرُوكِ الطَّلَبُ إلَيْهِ وَالرَّغْبَةُ فِيمَا عِنْدَهُ. وَقَوْلُهُ " رَبَّنَا " مَنْصُوبٌ عَلَى النِّدَاءِ وَعَلَى الثَّانِي مَرْفُوعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَيْ رَبَّنَا غَيْرَ مَكْفِيِّ وَلَا مُوَدَّعٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ الْكَلَامُ إلَى الْحَمْدِ كَأَنَّهُ قَالَ حَمْدًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ أَيْ عَنْ الْحَمْد. وَلِلْبُخَارِيِّ «كَانَ إذَا فَرَغَ مَنْ طَعَامِهِ قَالَ الْحَمَدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَرْوَانَا غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مَكْفُورٍ» وَعَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ» هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ ضَعْفٌ وَاضْطِرَابٌ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقْنِيهِ مَنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مَنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مَنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مَنْ ذَنْبِهِ» . هَذَا الْحَدِيثُ فِي إسْنَادِهِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مَيْمُونٍ أَبُو مَرْحُومٍ الْمَعَافِرِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ، أَمَّا أَبُو مَرْحُومٍ فَضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمِ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. وَأَمَّا سَهْلٌ فَضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

стр. 1126

قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَغَيْرُهُ يُكْرَهُ الْأَكْلُ عَلَى الطَّرِيقِ قَالَ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْمِلْحِ وَيَخْتِمَ بِهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَقَدْ زَادَ الْمِلْحَ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَمِنْ الْأَدَبِ أَنْ لَا يُكْثِرَ النَّظَرَ إلَى وُجُوهِ الْآكِلِينَ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَحْشِمُهُمْ وَلَا يَتَكَلَّمُ عَلَى الطَّعَامِ بِمَا يُسْتَقْذَرُ مَنْ الْكَلَامِ وَلَا بِمَا يُضْحِكهُمْ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مَنْ الشَّرَقِ وَلَا بِمَا يُحْزِنُهُمْ لِئَلَّا يُنَغِّصَ عَلَى الْآكِلِينَ أَكْلَهُمْ وَيُكْرَهَ أَكْلُ الْبَقْلَةِ الْخَبِيثَةِ وَهِيَ الثُّومِ وَالْبَصَلُ وَالْكُرَّاثُ لِكَرَاهَةِ رِيحِهِ قَالَ: وَيُكْرَهُ إخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ فِيهِ وَرَدُّهُ إلَى الْقَصْعَةِ قَالَ: وَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ بِالْخُبْزِ وَلَا يَسْتَبْدِلُهُ وَلَا يَخْلِطُ طَعَامًا بِطَعَامٍ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَمُّ الطَّعَامِ وَلَا لِصَاحِبِ الطَّعَامِ اسْتِحْسَانُهُ وَمَدْحُهُ وَلَا تَقْوِيمُهُ؛ لِأَنَّهُ دَنَاءَةٌ كَذَا قَالَ. وَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ كَانَ إذَا اشْتَهَى طَعَامًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ» . وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد بَابٌ فِي كَرَاهِيَةِ ذَمِّ الطَّعَامِ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ الطَّعَامِ إلَّا مَا يَشْتَهِيهِ، لَا يُجَاهِدُ نَفْسَهُ عَلَى تَنَاوُلِ مَا لَا يُرِيدُهُ فَإِنَّهُ مِنْ أَضَرِّ شَيْءٍ بِالْبَدَنِ، وَقَدْ جَاءَ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] . قَالَ: وَفِيهِ أَيْضًا رَدٌّ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ تَنَاوُلَ مَا لَا يُشْتَهَى مَكْرُوهٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد (بَابٌ فِي كَرَاهِيَة التَّقَذُّرِ لِلطَّعَامِ) ثَنَا النُّفَيْلِيُّ ثَنَا زُهَيْرٌ ثَنَا سِمَاكٌ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنِي قَبِيصَةُ بْنُ هُلْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ مِنْ الطَّعَامِ طَعَامًا أَتَحَرَّجُ مِنْهُ. فَقَالَ: لَا يَخْتَلِجَنَّ فِي صَدْرِكَ شَيْءٌ ضَارَعْتَ فِيهِ النَّصْرَانِيَّةَ» قَبِيصَةُ تَفَرَّدَ عَنْهُ سِمَاكٌ قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَالنَّسَائِيُّ مَجْهُولٌ. وَقَالَ الْعِجْلِيّ وَغَيْرُهُ ثِقَةٌ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث سِمَاكٍ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ الْمُضَارَعَةُ الْمُشَابَهَةُ وَالْمُقَارَبَةُ

стр. 1127

كَأَنَّهُ أَرَادَ لَا يَتَحَرَّكَنَّ فِي قَلْبِكَ شَكٌّ أَنَّ مَا شَابَهْتَ فِيهِ النَّصَارَى حَرَامٌ أَوْ خَبِيثٌ أَوْ مَكْرُوهٌ وَذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ فِي بَابِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَعَ اللَّامِ ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ نَظِيفٌ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَسِيَاقُ الْأَحَادِيث لَا يُنَاسِبُ هَذَا التَّفْسِيرَ. قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: وَلَا يَرْفَعُ يَدَهُ حَتَّى يَرْفَعُوا أَيْدِيَهُمْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مِنْهُمْ الِانْبِسَاطَ إلَيْهِ وَلَا يَتَكَلَّفُ ذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْعَلَ مَاءُ الْأَيْدِي فِي طَسْتٍ وَاحِدٍ لِمَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ «لَا تُبَدِّدُوا يُبَدِّدْ اللَّهُ شَمْلَكُمْ» وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُرْفَعَ الطَّسْتُ حَتَّى يَطِفَّ» يَعْنِي يَمْتَلِئَ كَذَا قَالَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَدَلِيلُهَا ضَعِيفٌ إلَى أَنْ قَالَ: مِنْ الْأَدَبِ أَنْ لَا يَفْرِشَ الْمَائِدَةَ بِالْخُبْزِ وَيُوضَع فَوْقَهُ الْإِدَامُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُسْتَدَلُّ عَلَى كَرَاهَةِ الِاغْتِسَالِ بِالْأَقْوَاتِ؛ بِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى خَلْطِهَا بِالْأَدْنَاسِ وَالْأَنْجَاسِ فَنَهَى عَنْهُ كَمَا نَهَى عَنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِهَا، وَالْمِلْحُ لَيْسَتْ قُوتًا وَإِنَّمَا يَصْلُحُ بِهَا الْقُوتُ نَعَمْ يَنْهَى فِي الِاسْتِنْجَاءِ عَنْ قُوتِ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ هَذَا لَا يُسْتَنْجَى بِالنُّخَالَةِ وَإِنْ غَسَلَ يَدَهُ بِهَا، فَأَمَّا إنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى اسْتِعْمَالِ الْقُوتِ، مِثْلَ الدَّبْغِ بِدَقِيقِ الشَّعِيرِ أَوْ التَّطَبُّبِ لِلْجَرَبِ بِاللَّبَنِ وَالدَّقِيقِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُرَخَّصَ فِيهِ كَمَا رُخِّصَ فِي قَتْلِ دُودِ الْقَزِّ بِالتَّشْمِيسِ؛ لِأَجَلِ الْحَاجَةِ إذْ لَا تَكُونُ حُرْمَةُ الْقُوتِ أَعْظَمَ مِنْ حُرْمَةِ الْحَيَوَانِ، وَبِهَذَا قَدْ يُجَابُ عَنْ الْمِلْحِ أَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ لِأَجَلِ الْحَاجَةِ. وَعَلَى هَذَا فَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْأَصْلِ الشَّرْعِيِّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ إهَانَتِهَا بِوَضْعِ الْإِدَامِ فَوْقَهَا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَ بِلَعْقِ الْأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ وَأَخْذِ اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ وَإِمَاطَةِ الْأَذَى عَنْهَا» كُلُّ ذَلِكَ؛ لِئَلَّا يَضِيعَ شَيْءٌ مَنْ الْقُوتِ، وَالتَّدَلُّكُ بِهِ إضَاعَةٌ لَهُ لِقِيَامِ غَيْرِهِ مَقَامَهُ وَهُوَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّبْذِيرِ الَّذِي هُوَ مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ. وَسُئِلْت عَنْ مِثْلِ هَذِهِ وَهُوَ غَسْلُ الْأَيْدِي بِالْمِسْكِ فَقُلْتُ: إنَّهُ إسْرَافٌ بِخِلَافِ تَتَبُّعِ الدَّمِ بِالْقَرْصَةِ الْمُمَسَّكَةِ فَإِنَّهُ يَسِيرٌ لِحَاجَةٍ وَهَذَا كَثِيرٌ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَاسْتِعْمَالُ الطِّيبِ فِي غَيْرِ التَّطَيُّبِ وَغَيْرِ

стр. 1128

حَاجَةٍ كَاسْتِعْمَالِ الْقُوتِ فِي غَيْرِ التَّقَوُّتِ وَغَيْرِ حَاجَةٍ، وَحَدِيثُ الْبَقَرَةِ: إنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِلرُّكُوبِ يُسْتَأْنَسُ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا. وَيُسْتَدَلُّ عَلَى مَا فَعَلَهُ أَحْمَدُ مِنْ مَسْحِ الْيَد عِنْدَ كُلِّ لُقْمَةٍ بِأَنَّ وَضْع الْيَدِ فِي الطَّعَامِ يَخْلِطُ أَجْزَاءً مِنْ الرِّيقِ فِي الطَّعَامِ فَهُوَ فِي مَعْنَى مَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاء لَكِنْ يُسَوَّغُ فِيهِ؛ لِمَشَقَّةِ الْمَسْحِ عِنْد كُلِّ لُقْمَةٍ فَمَنْ يَحْشِمْ الْمَسْحَ، فَذَلِكَ حَسَنٌ مِنْهُ، انْتَهَى كَلَامُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ ﵏ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ غَسْلُ الْيَدِ بِطِيبٍ وَلَوْ كَثُرَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَيَتَوَجَّهُ تَحْرِيمُ الِاغْتِسَالِ بِمَطْعُومٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ تَعْلِيلِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ لِمَنْ أَرَادَ الْأَكْلَ أَنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ، وَرَوَى فِيهِ حَدِيثًا قَالَ: وَالْأَكْلُ عَلَى السُّفَر أَوْلَى مِنْ الْأَكْلِ عَلَى الْخِوَانِ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «لَمْ يَأْكُلْ النَّبِيُّ عَلَى خِوَانٍ وَمَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ» . وَلَهُ أَيْضًا عَنْهُ «مَا عَلِمْتُ النَّبِيَّ أَكَلَ عَلَى سُكُرُّجَةٍ قَطُّ وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قَطُّ، وَلَا أَكَلَ عَلَى خِوَانٍ قَطُّ» قِيلَ لِقَتَادَةَ عَلَى مَا كَانُوا يَأْكُلُونَ قَالَ عَلَى السُّفَرِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ حَتَّى مَاتَ. وَمِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِ ابْنِ حَامِدٍ قَالَ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُعَيَّبَ الْأَكْلُ قَالَ: وَإِذَا كَانَ مَعَ الْجَمَاعَةِ فَقُدِّمَ إلَيْهِ لَوْنٌ وَاحِدٌ أَكَلَ مِمَّا يَلِيهِ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَجُولَ يَدُهُ، فَإِنْ بَدَأَ بِالطَّعَامِ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ابْتَدَأَ إلَى الصَّلَاةِ لِحَدِيثِ اللَّحْمِ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَكَلَامُ بَعْضِهِمْ يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ، وَكَرَاهَةُ عَيْبِ الْأَكْلِ أَوْلَى مِمَّا تَقَدَّمَ مَنْ تَحْرِيمِهِ. وَالْخَبَرُ الْمَذْكُورُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا فَدُعِيَ إلَى الصَّلَاةِ، فَقَامَ وَطَرَحَ السِّكِّينَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» . قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ فَإِنَّهُ مَنْ صَنِيعِ الْأَعَاجِمِ وَانْهَشُوهُ نَهْشًا فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ» قَالَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِهَذَا النَّصِّ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ خِلَافُ

стр. 1129

هَذَا وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ وَهَذَا الْخَبَرُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مَنْ رِوَايَةِ أَبِي مَعْشَرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا وَعَدَّهُ النَّسَائِيُّ مِنْ مَنَاكِيرِ أَبِي مَعْشَرٍ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ إنْ صَحَّ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنْ إذَا نَهَشَهُ كَانَ أَطْيَبَ كَالْخَبَرِ الْأَوَّلِ يَعْنِي مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ «كُنْتُ آكُلُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخَذَ اللَّحْمَ مَنْ الْعَظْمِ فَقَالَ: أَدْنِ الْعَظْمَ مِنْ فِيكَ فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ» . وَهَذَا الْخَبَرُ فِيهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاعٌ وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ضَعِيفَةٍ بِمَعْنَاهُ وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. لَكِنْ قَالَ الْأَصْحَابُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ رَأَيْت بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَقُولُ: لَعَلَّ كَلَامَ أَبِي دَاوُد يَدُلُّ عَلَيْهِ وَكَلَامُ أَحْمَدَ لَا يُخَالِفُهُ وَلَمْ أَجِدْ مَنْ صَرَّحَ بِأَنَّ النَّهْشَ مِنْهُ لَيْسَ بِأَوْلَى، وَقَدْ أَخَذَ الذِّرَاعَ الْمَسْمُومَةَ فَنَهَشَ مِنْهَا نَهْشَةً. وَاسْتِعْمَالُهُ السِّكِّينَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِقُوَّةِ اللَّحْمِ وَصُعُوبَتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ؛ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَلَا يَمْنَعُ أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى لَكِنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَظْهَرُ، وَفِي شَرْح مُسْلِمٍ قَالُوا: وَيُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ كَذَا قَالَ. وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَالْإِسْنَادُ صَحِيحٌ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ «ضِفْتُ النَّبِيَّ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ قَالَ فَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَجُزُّ لِي بِهَا مِنْهُ» . وَأَمَّا تَقْطِيعُ الْخُبْزِ بِالسِّكِّينِ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ كَلَامًا وَيُتَوَجَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِحَاجَةٍ وَإِلَّا احْتَمَلَ أَنْ يُكْرَهَ؛ لِعَدَمِ نَقْلِهِ وَفِعْلِهِ شَرْعًا بِخِلَافِ اللَّحْمِ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى فَقَطْ وَهُوَ نَظِيرُ الْأَكْلِ عَلَى الْخِوَانِ، وَالْأَكْلِ بِالْمِلْعَقَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِعَدَمِ النَّهْيِ وَمَا يُرْوَى مِنْ النَّهْي عَنْ قَطْعِ الْخُبْزِ بِالسِّكِّينِ فَلَا أَصْلَ لَهُ عَنْ النَّبِيّ ﷺ وَلِأَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيّ ﷺ أُتِيَ بِجُبْنَةٍ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهَا بِالْعِصِيِّ فَقَالُوا ضَعُوا السِّكِّينَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَكُلُوا» .

стр. 1130

وَيَفْسُد الْغِذَاءُ بِأَكْلِ الْفَاكِهَةِ بَعْدَهُ قَبْلَ هَضْمِهِ كَذَا أَطْلَقَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ وَمُرَادُهُمْ فِي الْجُمْلَةِ مِمَّا لَا يَقْبِضُ وَقَدْ قَالَ الْأَطِبَّاءُ: أَكْلُ الْكُمَّثْرَى عَلَى الطَّعَامِ جَيِّدٌ يَمْنَعُ الْبُخَارَ أَنْ يَرْتَقِيَ مِنْ الْمَعِدَةِ إلَى الدِّمَاغِ وَمِثْلُهُ السَّفَرْجَلُ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي السَّفَرْجَلِ لِشِدَّةِ قَبْضِهِ وَكَثْرَةِ أَرْضِيَّتِهِ، وَفِي الْكُمَّثْرَى لِخَاصِّيَّةٍ فِيهِ وَمِنْ خَاصِّيَّتِهِ مَنْعُ فَسَادِ الطَّعَامِ فِي الْمَعِدَةِ لَكِنْ لَا يُكْثِرُ مِنْ أَكْلِهَا وَلَا يُدْمِنُهُ فَإِنَّهُ يُحْدِثُ الْقُولَنْجَ، فَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُؤْكَلُ الْكُمَّثْرَى عَلَى طَعَامٍ غَلِيظٍ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالرُّمَّانُ الْحَامِضُ يُسْتَعْمَلُ بَعْدَ الْغِذَاءِ لِمَنْعِ الْبُخَارِ. وَيَأْتِي حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ «أَنَّهُ ﵇ أَكَلَ التَّمْرَ بَعْدَ الطَّعَامِ» ، وَفِي مُسْلِمٍ فِي قِصَّةِ أَبِي الْهَيْثَمِ أَنَّهُ ﵇ أَكَلَ التَّمْرَ أَوَّلًا لَكِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرَهُ إذًا. قَالَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ الْفَوَاكِهُ الرَّطْبَةُ تُقَدَّمُ قَبْلَ الطَّعَامِ إلَّا مَا كَانَ مِنْهَا أَبْطَأَ وُقُوفًا فِي الْمَعِدَةِ وَفِيهِ قَبْضٌ أَوْ حُمُوضَةٌ كَالسَّفَرْجَلِ وَالتُّفَّاحِ وَالرُّمَّانِ، وَتَفْسُدُ الْفَاكِهَةُ بِشُرْبِ الْمَاءِ عَلَيْهَا، وَقَدْ سَبَقَ فِي الطِّبِّ قَالَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ: مُصَابَرَةُ الْعَطَشِ بَعْدَ جَمِيعَ الْفَوَاكِهِ نِعْمَ الدَّوَاءُ لَهَا، وَرَأَيْتُ بَعْضَ النَّاسِ يَشْرَبُ الْمَاءَ بَعْدَ التُّوتِ الْحُلْوِ غَيْرِ الشَّامِيِّ وَبَعْد التِّينِ وَيَقُولُ: إنَّهُ نَافِعٌ يَهْضِمُهُ وَيَحْكِيهِ عَنْ بَعْضِ الْأَطِبَّاءِ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُمْ نَهَوْا عَنْ شُرْبِ الْمَاءِ بَعْدَ الْفَوَاكِهِ مُطْلَقًا وَيَقُولُونَ: إنَّهُ مُضِرٌّ، وَذَكَرَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّهُ يَشْرَبُ بَعْدَ التُّوتِ وَالتِّينِ السَّكَنْجَبِينَ وَأَنَّهُ يَدْفَعُ ضَرَرَهُ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَلَا يُتَنَاوَلُ الْغِذَاءُ بَعْد التَّمَلُّؤِ مِنْهَا فَإِنَّ الْقُولَنْجَ يَحْدُثُ عَنْ ذَلِكَ كَثِيرًا وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ وَلَا يُخَالِفُ هَذَا قَوْلَ الْأَطِبَّاءِ: إنَّ الْبِطِّيخَ الْأَصْفَرَ يُؤْكَلُ بَيْنَ طَعَامَيْنِ. قَالَ أَحْمَدُ ﵀ أَكْرَهُ النَّفْخَ فِي الطَّعَامِ، وَإِدْمَانَ اللَّحْمِ وَالْخُبْزِ الْكِبَارِ. وَظَاهِرُهُ لَا يُكْرَهُ النَّفْخُ فِي الْكَبَابِ كَمَا سَبَقَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْكَرَاهَةُ تَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ مَعَ أَنْ ظَاهِرَ الْخَبَرِ كَقَوْلِ أَحْمَدَ. وَرَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ» وَقَدْ سَبَقَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي أَكْلِ اللَّحْمِ فِي حِفْظِ الصِّحَّةِ مِنْ فُصُولِ الطِّبِّ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ أَنَّ إِسْحَاقَ قَالَ: تَعَشَّيْتُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ فَرُبَّمَا مَسَحَ يَدَهُ عِنْدَ كُلِّ لَقْمَةٍ.

стр. 1131

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْلِسَ غُلَامُهُ مَعَهُ عَلَى الطَّعَامِ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ لَقَمَهُ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْآكِلِ مَعَ الْجَمَاعَة أَنْ لَا يَرْفَعَ يَدَهُ قَبْلَهُمْ قَالَ الْآمِدِيُّ لَا يَجُوز أَنْ يُتْرَكَ تَحْتَ الصَّحْفَةِ شَيْءٌ مِنْ الْخُبْزِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَقَالَ: السُّنَّةُ أَنْ يَأْكُلَ بِيَدِهِ وَأَلَّا يَأْكُل بِمِلْعَقَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَمَنْ أَكَلَ بِمِلْعَقَةٍ وَغَيْرِهَا أُحِلَّ بِالْمُسْتَحَبِّ وَجَازَ انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إنَّ أَبَا مَعْمَرٍ قَالَ إنَّ أَبَا أُسَامَةَ قَدَّمَ إلَيْهِمْ خُبْزًا فَكَسَرَهُ قَالَ: هَذَا لِئَلَّا يَعْرِفُوا كَمْ يَأْكُلُونَ. وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَأَبُو دَاوُد وَزَادَ فِي آخِرِهِ فِي الْكِسْوَةِ وَمَا تَأَخَّرَ ". وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ فَإِنْ نَسِيَ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «مَنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ عَلَى طَعَامِهِ فَلْيَقْرَأْ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ زَادَ بَعْضُهُمْ إذَا فَرَغَ» وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخَبَر مَوْضُوعٌ فَإِنَّ فِيهِ حَمْزَةَ بْنَ أَبِي حَمْزَةَ وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ «فَإِنْ نَسِيَ فِي الْأَوَّلِ فَلْيَقُلْ فِي الْآخِرِ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» . وَأَوَّلُ الْخَبَرِ عَنْهَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ طَعَامًا فِي سِتَّةِ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ أَمَا إنَّهُ لَوْ سَمَّى لَكَفَاكُمْ» . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَعَنْ وَحْشِيٍّ «أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ قَالَ: لَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: اجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّه يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» إسْنَادٌ لَيِّنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَعَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا «كُلُوا جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَامًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَنًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرُ اللَّبَنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَفِي هَذَا فَضِيلَةُ اللَّبَنِ وَكَثْرَةُ خَيْرِهِ وَنَفْعِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْفَعُ مَشْرُوبٍ لِلْآدَمِيِّ لِمُوَافَقَتِهِ لِلْفِطْرَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَاعْتِيَادِهِ فِي الصِّغَرِ، وَلِاجْتِمَاعِ التَّغْذِيَةِ وَالدَّمَوِيَّةِ فِيهِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:

стр. 1132

﴿لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] . وَقَالَ عَنْ الْجَنَّةِ: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد: ١٥] . وَقَدْ قَالَ الْأَطِبَّاءُ: اللَّبَنُ مُرَكَّبٌ مِنْ مَائِيَّةٍ وَجُبْنِيَّةٍ وَدُسُومَةٍ وَهِيَ الزُّبْدِيَّةُ، وَأَجْوَدُهُ الشَّدِيدُ الْبَيَاضِ الْمُعْتَدِلُ الْقِوَامِ فِي الرِّقَّةِ وَالْغِلَظِ، وَالْمَحْلُوبُ مِنْ حَيَوَانٍ صَحِيحٍ مُعْتَدِلِ اللَّحْمِ مَحْمُودِ الْمَرْعَى وَالْمَشْرَبِ، وَيُسْتَعْمَلُ عَقِبَ مَا يُحْلَبُ، وَأَصْلَحُ الْأَلْبَانِ لِلْإِنْسَانِ لَبَنُ النِّسَاءِ وَمَا يُشْرَبُ مِنْ الضَّرْعِ، وَأَفْضَلُهُ مَا يَثْبُتُ عَلَى الظُّفْرِ فَلَا يَسِيلُ وَلَا يَكُونُ فِيهِ طَعْمٌ غَرِيبٌ إلَى حُمُوضَةٍ أَوْ مَرَارَةٍ أَوْ حَرَافَةٍ أَوْ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ قَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ غَرِيبَةٌ وَهُوَ بَارِدٌ رَطْبٌ، وَالْحَلِيبُ أَقَلُّ بَرْدًا مِنْ غَيْرِهِ وَقِيلَ مَائِيَّتُهُ حَارَّةٌ مُلَطِّفَةٌ غَسَّالَةٌ بِغَيْرِ لَدْغٍ، وَجَزَمَ بَعْض الْأَطِبَّاءِ بِهَذَا الْقَوْلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اللَّبَنُ عِنْدَ حَلْبِهِ مُعْتَدِلٌ فِي الْحَرَارَةِ وَالرُّطُوبَةِ وَزُبْدِيَّتُهُ إلَى الِاعْتِدَالِ وَإِنْ مَالَتْ إلَى حَرَارَةِ جُمْلَتِهِ، مُعْتَدِلٌ يُقَوِّي الْبَدَنَ، وَهُوَ مَحْمُودٌ يُولَدُ دَمًا جَيِّدًا وَيَغْذُو غِذَاءٌ جَيِّدًا وَيَزِيدُ فِي الدِّمَاغِ لَا سِيَّمَا لَبَنُ النِّسَاءِ، وَاللَّبَنُ يَنْهَضِمُ قَرِيبًا لِتَوَلُّدِهِ مِنْ دَمٍ فِي غَايَةِ الِانْهِضَامِ طَرَأَ عَلَيْهِ هَضْمٌ آخَرُ وَيَنْبَغِي إذَا شُرِبَ اللَّبَنُ أَنْ يُسْكَنَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَفْسُدَ وَلَا يُنَامُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَنَاوَلَ عَلَيْهِ غِذَاءً آخَرَ إلَى أَنْ يَنْحَدِرَ، وَيَنْفَعُ مَنْ الْوَسْوَاسِ وَالْغَمِّ وَالْأَمْرَاضِ السَّوْدَاوِيَّةِ، وَهُوَ أَنْفَعُ شَيْءٍ لِأَصْحَابِ الْمِزَاجِ الْحَارِّ الْيَابِسِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مِعَدِهِمْ صَفْرَاءُ وَيُزِيلُ الْحَكَّةَ الَّتِي بِالْمَشَايِخِ وَيُعَانُونَ عَلَى هَضْمِهِ بِالْعَسَلِ أَوْ بِالسُّكَّرِ، وَأَجْوَدُ أَوْقَاتِ أَخْذِهِ وَسَطَ الصَّيْفِ لِاعْتِدَالِ الْأَلْبَانِ فِي الْغِلَظِ وَاللَّطَافَةِ وَلَكِنْ يَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يُحَلِّيَهُ الْحَرُّ بَعْد الشُّرْبِ وَلَا يُخَافُ ذَلِكَ فِي الرَّبِيعِ، وَيَجْلُو الْآثَارَ الْقَبِيحَةَ فِي الْجِلْد طِلَاءً، وَشُرْبُهُ بِالسُّكَّرِ يَحْسُنُ جِدًّا لَا سِيَّمَا لِلنِّسَاءِ وَيُسْمِنُ حَتَّى أَنَّ مَاءَ الْجُبْنِ يُسْمِنُ أَصْحَابَ الْمِزَاجِ الْحَارّ الْيَابِسِ إذَا جَلَسُوا فِيهِ وَيَنْفَعُ مِنْ الْحَكَّةِ وَالْجَرَبِ وَيُهَيِّجُ الْجِمَاعَ وَإِذَا شُرِبَ مَعَ الْعَسَلِ نَقَّى الْقُرُوحَ الْبَاطِنَةَ فِي الْأَخْلَاطِ الْغَلِيظَةِ وَأَنْضَجَهَا. وَاللَّبَنُ يَنْفَعُ مِنْ السَّجْحِ وَشُرْبِ الْأَدْوِيَةِ الْقَتَّالَةِ وَيَرُدُّ عَقْلَ مَنْ سُقِيَ الْبَنْجَ وَيَسْتَحِيلُ فِي الْمَعِدَةِ الصَّفْرَاوِيَّةِ إلَى الصَّفْرَاءِ وَيُورِثُ السَّدَدَ فِي الْكَبِدِ وَيَضُرُّ أَصْحَابَ سَيَلَانِ الدَّمِ وَالْحَلِيبُ يَتَدَارَكُ ضَرَرَ الْجِمَاعِ، وَيُوَافِقُ الصَّدْرَ وَالرِّئَةَ جَيِّدًا لِأَصْحَابِ السُّلّ رَدِيءٌ لِلرَّأْسِ وَالْمَعِدَةِ وَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ.

стр. 1133

وَلَيْسَ شَيْءٌ أَضَرَّ لِلْبَدَنِ مِنْ لَبَنٍ فَاسِدٍ رَدِيءٍ وَاللَّبَنُ إذَا أُكْثِرَ مِنْهُ تَوَلَّدَ مِنْهُ الْقَمْلُ وَالْبَرَصُ إلَّا لَبَنَ الْإِبِلِ فَإِنَّهُ قَلَّ مَا يُخَافُ مِنْهُ الْبَرَصُ. وَاللَّبَنُ رَدِيءٌ لِلْمَحْمُومِينَ وَأَصْحَابِ الصُّدَاعِ مُؤْذٍ لِلدِّمَاغِ وَالرَّأْسِ الضَّعِيفِ ضَارٌّ لِلْأَوْرَامِ الْبَاطِنَةِ وَالْأَعْصَابِ وَالْأَمْرَاضِ الْبَلْغَمِيَّةِ وَبِاللِّثَةِ وَالْأَسْنَانِ، قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَمَضْمَضَ بَعْدَهُ لِأَجْلِ اللِّثَةِ بِالْعَسَلِ، وَيُظْلِمُ الْبَصَرَ وَيَضُرُّ بِالْغِشَاءِ وَالْخَفَقَانِ وَالْحَصَاةِ وَوَجَعِ الْمَفَاصِلِ وَالْأَحْشَاءِ وَيَنْفُخُ الْمَعِدَةَ وَيَذْهَبُ بِنَفْخِهِ أَنْ يُغْلَى وَيُؤْكَلَ بَعْدَهُ الْمِشْمِشُ قَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ عَسَلٌ أَوْ زَنْجَبِيلٌ وَمَنْ اعْتَادَهُ فَلَيْسَ كَمَنْ لَمْ يَعْتَدْهُ. وَإِنْ جَمَدَ اللَّبَنُ لِإِنْفَحَةٍ شُرِبَتْ فِيهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ عَرَضَ عَنْهُ عِرْقٌ بَارِدٌ وَغَثًى وَحُمَّى نَافِضٌ وَجُمُودُهُ مَعَ إنْفَحَةٍ أَرْدَأُ وَأَسْرَعُ إلَى الْحَنَقِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَنِبَ الْمَلُوحَاتِ فَإِنَّهَا تُزِيدُهُ تَجَبُّنًا وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُسْقَى خَلًّا مَمْزُوجًا بِمَاءٍ وَيُسْقَى مِنْ الْإِنْفَحَةِ إلَى مِثْقَالٍ فَإِنَّهَا تُرَقِّقُهُ وَتُخْرِجُهُ بِقَيْءٍ أَوْ إسْهَالٍ. وَاللَّبَنُ الْمَطْبُوخُ وَالْمُلْقَى فِيهِ الْحَصَا الْمَحْمِيُّ وَالْحَدِيدُ يَعْقِلُ الْبَطْنَ وَاللَّبَنُ الْحَامِضُ أَجْوَدُهُ الْكَثِيرُ الزُّبْدِ فَإِنْ أُخِذَ زُبْدُهُ وَحَمُضَ فَهُوَ الْمَخِيضُ، وَإِنْ نُزِعَ زُبْدُهُ وَمَائِيَّتُهُ فَهُوَ اللَّدُوغُ وَهُوَ بَارِدٌ يَابِسٌ وَقِيلَ رَطْبٌ وَهُوَ يُوَافِقُ الْأَمْزِجَةَ الْحَارَّةَ وَلَكِنَّهُ جَامُّ الْخَلْطِ بَطِيءُ الِاسْتِمْرَاءِ مُضِرٌّ بِاللِّثَةِ وَالْأَسْنَانِ وَلِلدِّمَاغِ يَنْفَعُ الْمَعِدَةَ الْحَارَّةَ، وَالْمَخِيضُ لَا يُجَشِّئُ جُشَاءً دُخَّانِيًّا لِانْتِزَاعِ زُبْدِهِ وَيَحْبِسُ الْإِسْهَالَ الصَّفْرَاوِيَّ وَالدَّمَوِيَّ وَيُسْكِنُ الْعَطَشَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَمَضْمَضَ بِمَاءِ الْعَسَل حَتَّى لَا يَضُرَّ بِاللِّثَةِ فَإِنْ اسْتَحَالَ اللَّبَنُ الْحَامِضُ إلَى كَيْفِيَّةٍ عَفِنَةٍ أُخْرَى مَعَ الْحُمُوضَةِ تَوَلَّدَ عَنْهُ دُوَارٌ وَغَشَيَانٌ وَمَغَصٌ فِي فَمِ الْمَعِدَةِ وَرُبَّمَا عَرَضَتْ عَنْهُ هَيْضَةٌ قَاتِلَةٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُدَاوَى بِالْقَيْءِ وَتَنْظِيفِ الْمَعِدَةِ مِنْهُ بِمَاءِ الْعَسَلِ

стр. 1134

فَأَمَّا أَنْوَاعُ اللَّبَنِ فَلَبَنُ اللِّقَاحِ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي فَصْل التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمَاتِ مِنْ فُصُول الطِّبِّ وَلَبَنُ الْبَقَرِ أَكْثَرُ الْأَلْبَانِ دُسُومَةً وَغِلَظًا وَأَكْثَرُ غِذَاءً مِنْ سَائِرِ الْأَلْبَانِ وَأَبْطَأُ انْحِدَارًا ذَكَرَهُ ابْنُ جَزْلَةَ وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُ يُلَيِّنُ الْبَدَنَ وَيُطْلِقُهُ بِاعْتِدَالٍ وَإِنَّهُ مِنْ أَعْدَلِ الْأَلْبَانِ وَأَفْضَلِهَا بَيْنَ لَبَنِ الضَّأْنِ وَلَبَنِ الْمَعْزِ فِي الرِّقَّةِ وَالْغِلَظِ وَالدَّسَمِ وَقَدْ سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيهِ فِي فَصْلِ حِفْظِ الصِّحَّةِ مِنْ الطِّبِّ. وَلَبَنُ الْمَعْزِ مُعْتَدِلٌ لِاعْتِدَالِ الْمَائِيَّةِ وَالْجُبْنِيَّةِ وَالزُّبْدِيَّةِ فِيهِ يَنْفَعُ مِنْ النَّوَازِلِ وَيَحْبِسُهَا مِنْ قُرُوحِ الْحَلْقِ وَاللِّسَانِ عَنْ الْيَبَسِ وَالْغَمِّ وَالْوَسْوَاسِ وَالسُّعَالِ وَنَفْثِ الدَّمِ وَالسِّلِّ بِكَسْرِ السِّين وَهُوَ السِّلَالُ يُقَالُ أَسَلَّهُ اللَّه فَهُوَ مَسْلُولٌ وَهُوَ مِنْ الشَّوَاذِّ. وَالْغَرْغَرَةُ بِهِ تَنْفَعُ مِنْ الْخَوَانِيقِ وَأَوْرَامِ اللَّهَاةِ وَقُرُوحِ الْمَثَانَةِ وَقِيلَ: إنَّهُ مُضِرٌّ بِالْأَحْشَاءِ. وَلَبَنُ الضَّأْنِ دَسِمٌ غَلِيظٌ كَثِيرُ الْجُبْنِيَّةِ وَالزُّبْدِيَّةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَغْلَظُ الْأَلْبَانِ وَأَرْطَبُهَا يَنْفَعُ مِنْ نَفْثِ الدَّمِ وَقُرُوحِ الرِّئَةِ وَيَتَدَارَكُ ضَرَرَ الْجِمَاعِ وَيُقَوِّي عَلَى الْبَاهِ وَيَنْفَعُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الْقَتَّالَةِ وَالزَّحِيرِ وَقُرُوحِ الْأَمْعَاءِ لَيْسَ مَحْمُودًا كَلَبَنِ الْمَعْزِ وَفِيهِ تَهْيِيجٌ لِلْقُولَنْجِ وَيُوَلِّدُ فُضُولًا بَلْغَمِيَّةً وَيُحْدِثُ فِي جِلْدِ مَنْ أَدْمَنَهُ بَيَاضًا قَالَ بَعْضهمْ: يَنْبَغِي أَنْ يُشَابَ بِالْمَاءِ لِيُقِلَّ الْبَدَنُ مَا نَالَهُ وَيَكْثُرُ تَبْرِيدُهُ وَيُسْرِعُ تَسْكِينُهُ لِلْعَطَشِ. لَبَنُ الْخَيْل قَلِيلُ الْجُبْنِيَّةِ وَالزُّبْدِيَّةِ يَعْدِلُ لَبَنَ اللِّقَاحِ فِي ذَلِكَ لَبَنَ النِّسَاءِ يُدِرُّ الْبَوْلَ وَهُوَ تِرْيَاقُ الْأَرْنَبِ الْبَحْرِيّ وَيَنْفَعُ مِنْ الرَّمَدِ إذَا حُلِبَ فِي الْعَيْنِ وَمِنْ خُشُونَةِ الْعَيْنِ خَاصَّةً مَعَ بَيَاضِ الْبَيْضِ وَيَنْفَعُ مِنْ السِّلِّ إذَا شُرِبَ حِينَ يَخْرُجُ مَنْ الثَّدْيِ أَوْ يُمَصُّ مِنْ الثَّدْيِ وَلَكِنْ مِنْ امْرَأَةٍ صَحِيحَةِ الْبَدَنِ مُعْتَدِلَةِ الْبَدَنِ وَيَنْفَعُ مِنْ أَوْرَامِ الْآذَانِ وَقُرُوحِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَبَقَ الْكَلَامُ فِي الْجُبْنِ فِي ذِكْرِ الْمُفْرَدَاتِ.

стр. 1135

[فَصْلٌ اسْتِحْبَابُ الْمَضْمَضَةِ مِنْ شُرْبِ اللَّبَنِ وَكُلِّ دَسِمٍ] ٍ) وَتُسَنُّ الْمَضْمَضَةُ مِنْ شُرْبِهِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «تَمَضْمَضَ بَعْدَهُ بِمَاءٍ وَقَالَ إنَّ لَهُ دَسَمًا وَشِيبَ لَهُ بِمَاءٍ فَشَرِبَ» وَذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِيهِ «أَنَّهُ لَمَّا شَرِبَ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ وَعُمَرُ وِجَاهَهُ وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ قَالَ عُمَرُ هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ يُرِيهِ إيَّاهُ فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ الْأَعْرَابِيَّ وَقَالَ الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ» قَالَ أَنَسٌ فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ، وَلِلْبُخَارِيِّ " الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ أَلَا فَيَمِّنُوا " وَتَخْصِيصُهُ فِي الرِّعَايَةِ الْمَضْمَضَةُ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُسْتَحَبُّ مِنْ غَيْرِهِ. وَذَكَرَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَطِبَّاء أَنَّ الْإِكْثَارَ مِنْهُ يَضُرُّ بِالْأَسْنَانِ وَاللِّثَةِ وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَمَضْمَضَ بَعْدَهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ ذَكَرَ الْخَبَر «أَنَّهُ ﵇ تَمَضْمَضَ وَقَالَ إنَّ لَهُ دَسَمًا» كَذَا قَالَ وَسَبَقَ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ كَلَامُ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ يَتَمَضْمَضُ بَعْدَهُ بِالْعَسَلِ؛ لِأَجْلِ اللِّثَةِ وَيُتَوَجَّهُ أَنْ تُسْتَحَبَّ الْمَضْمَضَةُ مِنْ كُلِّ مَا لَهُ دَسَمٌ لِتَعْلِيلِهِ ﵇، وَأَمَّا الْمَضْمَضَةُ مِمَّا لَا دَسَمَ لَهُ فَفِيهِ نَظَرٌ وَظَاهِرُ الْخَبَرِ لَا يُسْتَحَبُّ. وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا «مَضْمِضُوا مِنْ اللَّبَنِ فَإِنَّ لَهُ دَسَمًا» وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا «إذَا شَرِبْتُمْ اللَّبَنَ فَمَضْمِضُوا فَإِنَّ لَهُ دَسَمًا» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَاوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ: تُسْتَحَبُّ الْمَضْمَضَةُ مِنْ غَيْرِ اللَّبَنِ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ؛ لِئَلَّا يَبْقَى مِنْهُ بَقَايَا يَبْتَلِعُهَا فِي الصَّلَاة وَلِتَنْقَطِعَ لُزُوجَتُهُ

стр. 1136

وَدَسَمُهُ وَيَتَطَهَّرُ فَمُهُ كَذَا قَالَ، وَقَدْ «أَكَلَ ﵇ لَحْمًا وَغَيْرَهُ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَمَضْمَضْ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَهْلٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ فَقَالَ لِلْغُلَامِ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ» . وَفِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَقَوْلُهُ فَتَلَّهُ أَيْ وَضَعَهُ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَيْمَنَ فِي مِثْلِ هَذَا يُقَدَّمُ وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا أَوْ صَغِيرًا. وَاسْتَأْذَنَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِإِدْلَالِهِ عَلَيْهِ يَتَأَلَّفُ الْأَشْيَاخِ وَفِيهِ بَيَانُ هَذِهِ السُّنَّةِ تَقْدِيمُ الْأَيْمَنِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِئْذَانُهُ فِي تَرْكِ حَقِّهِ وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِذْنُ وَهَلْ يَجُوزُ؟ يَخْرُجُ فِيهِ الْخِلَافُ فِي الْإِيثَارِ بِالْقُرَبِ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ الْأَعْرَابِيَّ لِمَخَافَةِ إيحَاشِهِ فِي صَرْفِهِ إلَى أَصْحَابِهِ وَلِتَوَهُّمِهِ شَيْئًا يَهْلَكُ بِهِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْجَاهِلِيَّةِ وَفِيهِ التَّذْكِيرُ بِبَعْضِ الْحَاضِرِينَ مَخَافَةَ نِسْيَانِهِ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَفِيهِ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ أَوْ مَجْلِسِ عَالِمٍ أَوْ كَبِيرٍ فَهُوَ أَحَقُّ مِمَّنْ يَجِيءُ بَعْدَهُ، وَمُرَادُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي الْجُمْلَةِ. فَأَمَّا إنْ عُرِفَ كُلُّ إنْسَانٍ بِمَكَانٍ وَمَنْزِلَةٍ وَصَارَ ذَلِكَ عَادَةً وَعُرْفًا لَهُمْ فَلَا يَتَعَدَّاهُ فِيهِ مِنْ الشَّرِّ.

стр. 1137

[فَصْلٌ اسْتِحْبَابُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ] ُ) يُسْتَحَبُّ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ وَعَنْهُ يُكْرَهُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي كَذَا ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَعَنْهُ يُكْرَهُ قَبْلَهُ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُ الْيَدِ لِلطَّعَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْيَدِ أَوَّلًا قَذَرٌ أَوْ يَبْقَى عَلَيْهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ رَائِحَةٌ وَذَكَرَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ أَقْوَالًا ثُمَّ ذَكَرَ الْأَظْهَرَ تَفْصِيلًا وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ مَالِكٍ. وَقَدْ رَوَى قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ وَقَدْ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ وَوَثَّقَهُ آخَرُونَ عَنْ أَبِي هَاشِمِ عَنْ زَاذَانَ عَنْ سَلْمَانَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ» . قَالَ مُهَنَّا ذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِأَحْمَدَ فَقَالَ مَا حَدَّثَ بِهِ إلَّا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ قُلْتُ بَلَغَنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ كَانَ سُفْيَانُ يَكْرَهُ غَسْلَ الْيَدِ عِنْدَ الطَّعَامِ، لِمَ يَكْرَهُ سُفْيَانُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْعُجْمِ قَالَ مُهَنَّا: وَذَكَرْتُهُ لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ فَقَالَ لِي يَحْيَى: مَا أَحْسَنَ الْوُضُوءَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ. وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكْثُرَ خَيْرُ بَيْتِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ إذَا حَضَرَ غِذَاؤُهُ وَإِذَا رُفِعَ» إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مَنْ كَرِهَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ فَيُكْرَهُ التَّشَبُّهُ بِهِمْ وَأَمَّا حَدِيثُ سَلْمَانَ فَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ قَالَ كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَر فِيهِ بِشَيْءٍ وَلِهَذَا كَانَ يُسْدِلُ شَعْرَهُ مُوَافَقَةً

стр. 1138

لَهُمْ ثُمَّ فَرَّقَ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ صَامَ عَاشُورَاءَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ ثُمَّ إنَّهُ قَالَ قَبْلَ مَوْتِهِ «لَئِنْ عِشْتُ إلَى قَابِلَ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» يَعْنِي مَعَ الْعَاشِرِ؛ لِأَجْلِ مُخَالِفَةِ الْيَهُودِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ فَقُرِّبَ إلَيْهِ الطَّعَامُ فَقَالُوا: أَلَا نَأْتِيَكَ بِوَضُوءٍ قَالَ إنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ» رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ هَذَا يَنْفِي وُجُوبَ الْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ حَدَثٍ وَإِنَّ قَوْلَهُ ﵇ لِبِلَالٍ «مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ إلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي» الْحَدِيثَ قَالَ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ الْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ حَدَثٍ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ الْحَدِيثُ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ بَعْدَ الطَّعَامِ حَسَنٌ وَلَمْ يَثْبُت فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ حَدِيثٌ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ لَا الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ وَقَالَ الشَّيْخُ: تَقِيُّ الدِّينِ وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا اسْتَحَبَّ الْوُضُوءَ لِلْأَكْلِ إلَّا إذَا كَانَ الرَّجُلُ جُنُبًا انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَالَ سَعِيدٌ ثَنَا فُضَيْلُ بْن عِيَاضٍ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ كَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ عِنْدَ النَّوْمِ وَالطَّعَامِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيُسَنُّ غَسْلُ يَدِهِ وَفَمِهِ مِنْ ثُومٍ وَبَصَلٍ وَرَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ غَيْرِهِمَا.

стр. 1139

[فَصْلٌ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي أُكِلَ فِيهِ] فَصْلٌ قَالَ فِي اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ) قَالَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ وَغَيْرُهُمْ مِنْهُمْ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ وَأَظُنُّهُ نَقَلَهُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ وَلَا يُكْرَهُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي أُكِلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ: وَلَمْ يَزَلْ الْعُلَمَاءُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ وَإِنَّمَا يُنْكِرُهُ الْعَامَّةُ وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ بَعْدَ الطَّعَامِ مَسْنُونٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِذَا قُدِّمَ مَا يُغْسَلُ فِيهِ الْيَدُ فَلَا يُرْفَعُ حَتَّى يَغْسِلَ الْجَمَاعَةُ أَيْدِيَهُمْ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ مِنْ زِيِّ الْأَعَاجِمِ. [فَصْلٌ لَا يُؤْكَلُ طَعَامٌ حَتَّى يَذْهَبَ بُخَارُهُ] فَصْلٌ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ «أَنَّهَا كَانَتْ إذَا ثَرَدَتْ شَيْئًا غَطَّتْهُ حَتَّى يَذْهَبَ فَوْرُهُ ثُمَّ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقُرَّةُ فِيهِ ضَعْفٌ وَقَدْ وُثِّقَ وَهُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِالزُّهْرِيِّ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا بِطَعَامٍ سُخْنٍ فَقَالَ مَا دَخَلَ بَطْنِي طَعَامٌ سُخْنٌ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ» رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَا يُؤْكَلُ طَعَامٌ حَتَّى يَذْهَبَ بُخَارُهُ.

стр. 1140

[فَصْلٌ فِي انْتِظَارِ الْآكِلِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا حَتَّى تُرْفَعَ الْمَائِدَةُ] ُ) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى أَنْ يُقَامَ عَنْ الطَّعَامِ حَتَّى يُرْفَعَ» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ مَرْفُوعًا «إذَا وُضِعَتْ الْمَائِدَةُ فَلَا يَقُمْ أَحَدُكُمْ حَتَّى تُرْفَعَ الْمَائِدَةُ، وَلَا يَرْفَعُ يَدًا وَإِنْ شَبِعَ حَتَّى يَفْرُغَ الْقَوْمُ، وَلْيُعْذِرْ فَإِنَّ الرَّجُلَ يُخْجِلُ جَلِيسَهُ فَيَقْبِضُ يَدَهُ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ الطَّعَامِ حَاجَةٌ» وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «إنَّ مِنْ السَّرَفِ أَنْ تَأْكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَيْت» رَوَاهُنَّ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ وَفِيهِنَّ ضَعْفٌ.

стр. 1141

[فَصْلٌ فِي آدَابِ أَكْلِ التَّمْرِ وَمِنْهَا تَفْتِيشُهُ لِتَنْقِيَتِهِ] ِ) عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرٍ عَتِيقٍ فَجَعَلَ يُفَتِّشُهُ يُخْرِجُ السُّوسَ مِنْهُ» إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: وَرُوِيَ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ فِي النَّهْيِ عَنْ شَقِّ التَّمْرِ عَمَّا فِي جَوْفِهَا» فَإِنْ صَحَّ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إذَا كَانَ التَّمْرُ جَدِيدًا وَاَلَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي الْعَتِيقِ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ وَلَا بَأْسَ بِتَفْتِيشِ التَّمْرِ وَتَنْقِيَتِهِ وَكَلَامُهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَا فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ الْعَتِيقُ مَعَ أَنَّهُ صَادِقٌ عَلَى مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ مَعَهُ شَرْعًا وَعُرْفًا. وَمِثْلُهُ فِي الْحُكْمِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ فَاكِهَةٍ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ دَلَّ الْخَبَرَانِ الْمَذْكُورَانِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُتَحَرَّى، وَيُقْصَدُ غَالِبًا بَلْ إنْ ظَهَرَ شَيْءٌ أَوْ ظَنَّهُ أَزَالَهُ، وَإِلَّا بُنِيَ الْأَمْرُ عَلَى الْأَصْلِ وَالسَّلَامَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَضَعَ النَّوَى مَعَ التَّمْرِ عَلَى الطَّبَقِ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي آدَابِ الْأَكْلِ: وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ النَّوَى وَالتَّمْرِ فِي طَبَقٍ وَلَا يَجْمَعُهُ فِي كَفِّهِ بَلْ يَضَعُهُ مِنْ فِيهِ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ ثُمَّ يُلْقِيهِ وَكَذَا كُلُّ مَا لَهُ عَجَمٌ وَثُفْلٌ، وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْآمِدِيِّ وَالْعَجَمُ بِالتَّحْرِيكِ النَّوَى وَكُلُّ مَا كَانَ فِي جَوْفِ مَأْكُولٍ كَالزَّبِيبِ وَمَا أَشْبَهَهُ وَالْوَاحِدَةُ عَجَمَةٌ مِثْلُ قَصَبَةٍ وَقَصَبٍ، يُقَالُ لَيْسَ لِهَذَا الرُّمَّانِ عَجَمٌ قَالَ يَعْقُوبُ وَالْعَامَّةُ يَقُولُونَ عَجْمُ بِالتَّسْكِينِ وَالثُّفْلُ بِضَمِّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ مَا يَثْقُلُ مَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَوْلُهُمْ: تَرَكْتُ بَنِي فُلَانٍ مُثَافِلِينَ أَيْ يَأْكُلُونَ الثُّفْلَ يَعْنُونَ الْحَبَّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ لَبَنٌ وَكَانَ طَعَامُهُمْ الْحَبَّ وَذَلِكَ أَشَدُّ مَا يَكُونُ حَالُ الْبَدْوِيِّ. وَهَذَا الْأَدَبُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِسَبَبِ مُبَاشَرَةِ الرُّطُوبَةِ الْمُنْفَصِلَةِ وَالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ لَكِنَّ الْحُكْمَ لِلشَّرْعِ لَا لِعُرْفٍ حَادِثٍ.

стр. 1142

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَمَّادٍ وَعَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْهَيْثَمِ لَا أَعْلَمُ بِتَفْتِيشِ التَّمْرِ إذَا كَانَ فِيهِ الدُّودُ بَأْسًا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَمَّادٍ رَأَيْتُ أَحْمَدَ يَأْكُلُ التَّمْرَ وَيَأْخُذُ النَّوَى عَلَى ظَهْرِ إصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَرَأَيْتُهُ يَكْرَهُ أَنْ يَجْعَلَ النَّوَى مَعَ التَّمْرِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ «نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي فَقَرَّبْنَا إلَيْهِ طَعَامًا وَوَطْبَةً فَأَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ أُتِيَ بِتَمْرٍ فَكَانَ يَأْكُلُهُ وَيُلْقِي النَّوَى بَيْنَ إصْبَعَيْهِ وَيَجْمَعُ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى ثُمَّ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ ثُمَّ نَاوَلَهُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ قَالَ فَقَالَ أَبِي وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتَهُ: اُدْعُ اللَّهَ لَنَا فَقَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقَتْهُمْ وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الْوَطْبَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مَفْتُوحَةٌ وَهِيَ الْحَيْسُ، يَجْمَعُ التَّمْرَ الْبَرْنِيَّ وَالْأَقِطَ الْمَدْقُوقَ وَالسَّمْنَ، وَضَبَطَهَا بَعْضُهُمْ وَطِئَةٌ بِفَتْحِ الْوَاو وَكَسْرِ الطَّاء وَبَعْدهَا هَمْزَةٌ قِيلَ كَانَ ﵇ يُلْقِي النَّوَى بَيْنَ إصْبَعَيْهِ أَيْ: يَجْعَلُهُ بَيْنَهُمَا لِقِلَّتِهِ وَقِيلَ كَانَ يَجْمَعُهُ عَلَى ظَهْرِ إصْبَعَيْهِ ثُمَّ يُرْمَى بِهِ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَعِنْدَهُ فَكَانَ يَأْكُلُ التَّمْرَ وَيُلْقِي النَّوَى، وَصَفَ يَعْنِي شُعْبَةً بِأُصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ بِظَهْرِهِمَا مِنْ فِيهِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعِنْدَهُ فَجَعَلَ يُلْقِي النَّوَى عَلَى ظَهْرِ إصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. وَفِيهِ طَلَبُ الدُّعَاءِ مِنْ الضَّيْفِ وَإِجَابَتُهُ إلَى ذَلِكَ. وَيُبَاحُ أَكْلُ فَاكِهَةٍ مُسَوَّسَةٍ وَمُدَوِّدَةً بِدُودِهَا أَوْ بَاقِلَّا بِذُبَابِهِ وَخِيَارٍ

стр. 1143

وَقِثَّاءٍ وَحُبُوبٍ وَخَلٍّ ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ أَكْلُهُ مُنْفَرِدًا، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ فِيهِ وَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلِ الْإِبَاحَةِ وَعَدَمِهَا، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي بَحْثِ مَسْأَلَةِ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ.

стр. 1144

[فَصْلٌ فِي اسْتِحْبَابِ دُعَاءِ الْمَرْءِ لِمَنْ يَأْكُلُ طَعَامَهُ] عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ» . وَكَلَامُهُ فِي التَّرْغِيبِ يَقْتَضِي أَنَّهُ جَعَلَ هَذَا الْكَلَامَ دُعَاءً وَاسْتُحِبَّ الدُّعَاءُ بِهِ لِكُلِّ مَنْ أُكِلَ طَعَامُهُ وَعَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ إنَّمَا يُقَالُ هَذَا إذَا أَفْطَرَ عِنْدَهُ فَيَكُونُ خَبَرًا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ انْتَهَى كَلَامُهُ وَكَلَامُ غَيْرِ وَاحِدٍ يُوَافِقُ مَا فِي التَّرْغِيبِ. وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «صَنَعَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا فَدَعَا النَّبِيَّ وَأَصْحَابَهُ فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ أَثِيبُوا أَخَاكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا إثَابَتُهُ قَالَ إنَّ الرَّجُلَ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ وَأَكْلَ طَعَامَهُ وَشَرِبَ شَرَابَهُ فَدَعَوْا لَهُ فَذَلِكَ إثَابَتُهُ» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد: الْأَوَّلُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَالثَّانِي مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ عَنْ يَزِيدَ الدَّالَانِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ الْآمِدِيُّ وَجَمَاعَةٌ: يُسْتَحَبُّ إذَا أَكَلَ عِنْدَ الرَّجُلِ طَعَامًا أَنْ يَدْعُوَ لَهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ الْخَبَرُ الْمَشْهُورُ «مَنْ أَسْدَى إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ» . فَأَمَّا الدُّعَاءُ لِلْآكِلِ وَالشَّارِبِ فَلَمْ أَجِدْ الْأَصْحَابَ ذَكَرُوهُ، وَلَا ذِكْرَ لَهُ فِي الْأَخْبَارِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ. وَقَدْ سَبَقَ عِنْدَ إجَابَةِ الْعَاطِسِ أَنَّ الْمُتَجَشِّئُ لَا يُجَابُ بِشَيْءٍ فَإِنْ حَمِدَ اللَّهَ دَعَا لَهُ، وَقَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ لَا يُعْرَفُ فِيهِ سُنَّةٌ بَلْ هُوَ عَادَةٌ مَوْضُوعَةٌ وَهَذَا أَيْضًا يُوَافِقُ مَا سَبَقَ فِي أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ، لَكِنَّ ذِكْرَهُمْ أَنَّ الْحَامِدَ يُدْعَى لَهُ مَعَ قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ لَا نَعْرِفُ، فِيهِ سُنَّةً بَلْ هُوَ عَادَةٌ مَوْضُوعَةٌ يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ يُدْعَى لِلْآكِلِ وَالشَّارِبِ بِمَا يُنَاسِبُ الْحَالَ لَكِنْ إذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَمُقْتَضَى الِاعْتِمَادِ عَلَى الْعَادَةِ أَنَّهُ يُقَالُ لِلشَّارِبِ مُطْلَقًا، وَعَكْسُهُ الْآكِلُ وَيُتَوَجَّهُ فِيهِ مِثْلُ الشَّارِبِ؛ لِعَدَمِ الْفَرْقِ فَظَهَرَ أَنَّهُ هَلْ يُدْعَى

стр. 1145

لِلْآكِلِ وَالشَّارِبِ أَمْ لَا إنْ حَمِدَ اللَّهَ أَمْ لِلشَّارِبِ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ مُتَوَجَّهَةٌ كَمَا يُتَوَجَّهُ فِي الْمُتَجَشِّئُ مِثْلُهُمَا. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ تَحَرِّيَ طَرِيقَ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ ﵃ هُوَ الصَّوَابُ. وَالْقَوْلُ بِالِاسْتِحْبَابِ مُطْلَقًا مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْقِيَامِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ لَمَّا صَارَ تَرْكُ الْقِيَامِ كَالْإِهْوَانِ بِالشَّخْصِ اُسْتُحِبَّ لِمَنْ يَصْلُحُ لَهُ الْقِيَامُ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ هُنَا، فَأَمَّا إنْ أَفْضَى ذَلِكَ إلَى عَدَاوَةٍ وَغِشٍّ وَحِقْدٍ أَوْ وَحْشَةٍ وَشَنَآنٍ فَيُتَوَجَّهُ حِينَئِذٍ الِائْتِلَافُ وَعَمَلُ مَا يَقْتَضِيهِ بِحَسَبِ الْحَالِ. وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ فِي قَوْلِهِ لِغَيْرِ يَوْمِ الْعِيدِ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْك، فَعَنْهُ لَا بَأْسَ وَهِيَ أَشْهَرُ كَالْجَوَابِ: وَاحْتَجَّ بِأَبِي أُمَامَةَ قِيلَ لَهُ وَوَائِلَةَ؟ قَالَ نَعَمْ. وَقَالَ: لَا أَبْتَدِي بِهِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ وَعَنْهُ الْكُلُّ حَسَنٌ، وَعَنْهُ مَا أَحْسَنَهُ إلَّا أَنْ يَخَافَ الشُّهْرَةَ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الْخِلَافُ مَعَ الْأَثَرِ فِيهِ لَكِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ فَمَا ظَنُّكَ بِمَسْأَلَتِنَا عِنْدَ أَحْمَدَ ﵀ وَنَظِيرُ ذَلِكَ الدُّعَاءُ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ حَمَّامٍ بِمَا يُنَاسِبُ الْحَالَ. وَرَدُّ الْجَوَابِ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى حُكْمِ الِابْتِدَاءِ وَإِنَّهُ أَسْهَلُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رَدِّ الْجَوَابِ لَلدَّاعِي يَوْمَ الْعِيدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا الْخِلَافُ يُتَوَجَّهُ فِي التَّهْنِئَةِ بِالْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَفِي كِتَابِ الْهَدْيِ لِبَعْضِ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا يَجُوزُ، فَأَمَّا التَّهْنِئَةُ بِنِعَمٍ دِينِيَّةٍ تَجَدَّدَتْ فَتُسْتَحَبُّ لِقِصَّةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ لَمَّا أُنْزِلَ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ هَنِيئًا مَرِيئًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1146

[فَصْلٌ إطْعَامِ الْمَرْءِ غَيْرَهُ مِنْ طَعَامِ مُضِيفِهِ إذَا عَلِمَ رِضَاهُ وَهَلْ تُقَاسُ الدَّرَاهِمُ عَلَى الطَّعَامِ] فَصْلٌ (فِي إطْعَامِ الْمَرْءِ غَيْرَهُ مِنْ طَعَامِ مُضِيفِهِ إذَا عَلِمَ رِضَاهُ وَهَلْ تُقَاسُ الدَّرَاهِمُ عَلَى الطَّعَامِ) قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَمَنْ قَدَّمَ طَعَامَهُ لِزَيْدٍ فَلَهُ أَخْذُ مَا عَلِمَ رِضَاءَ صَاحِبِهِ بِهِ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ وَإِطْعَامُ الْحَاضِرِينَ مَعَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ: فَلَهُ أَخْذُ مَا ظَنَّ رِضَاءَ رَبِّهِ بِهِ وَيَكْتَفِي بِالظَّنِّ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمِ: وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَصَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ الطَّعَامَ وَأَشْبَاهَهُ إلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَأَشْبَاهِهِمَا. قَالَ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَاوِيُّ وَفِي ثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ فِي حَقِّ مَنْ يَقْطَعُ بِطِيبِ نَفْسِ صَاحِبِهِ بِذَلِكَ نَظَرٌ، وَلَعَلَّ هَذَا يَكُونُ عَنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي لَا شَكَّ فِي رِضَاهُ بِهَا فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا تَشَكَّكَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ مُطْلَقًا فِيمَا تَشَكَّكَ فِي رِضَاهُ انْتَهَى كَلَامُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِذْنُ فِي الطَّعَامِ وَشَبَهِهِ لَا يَكُون إذْنًا فِيمَا هُوَ أَعْلَى مِنْ الدَّنَانِيرِ وَشَبَهِهَا وَيَكُونُ إذْنًا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْهُ؛ لِحُصُولِ الظَّنِّ الْمُسْتَنِدِ إلَى إذْنِهِ فِيمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ.

стр. 1147

[فَصْلٌ فِي اسْتِحْبَابِ إكْرَامِ الْخُبْزِ دُونَ تَقْبِيلِهِ وَشُكْرُ النِّعَمِ] هَلْ يُسْتَحَبُّ تَقْبِيلُ الْخُبْزِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ فِي مَسْأَلَةِ تَقْبِيلِ الْمُصْحَفِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّقْبِيلِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ تَقْبِيلُ الْجَمَادَاتِ، إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ أَنَّهُ هَلْ يُسْتَحَبُّ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْقَبْرِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مُصَافَحَةِ الْحَيِّ صَحَّحَهُمَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَوْ لَا يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ مَا طَرِيقُهُ الْقُرْبَةُ يَقِفُ عَلَى التَّوْقِيفِ بِدَلِيلِ قَوْلِ عُمَرَ فِي الْحَجَر الْأَسْوَدِ «لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» ، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَوْقِيفٌ؟ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ وَالِدِهِ فِي تَقْبِيلِ الْمُصْحَفِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الشُّكْرِ لَهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَأَى كِسْرَةً مُلْقَاةً فَقَالَ «يَا عَائِشَةُ أَحْسَنِي جِوَارَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكَ فَإِنَّهَا قَلَّ إنْ نَفَرَتْ عَنْ قَوْمٍ فَكَادَتْ تَرْجِعُ إلَيْهِمْ» وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ فَدَخَلَ عَلَيَّ، فَرَأَى كِسْرَةً مُلْقَاةً فَأَخَذَهَا فَمَسَحَهَا ثُمَّ أَكَلَهَا وَقَالَ «يَا عَائِشَةُ أَكْرَمِي كَرِيمَكَ فَإِنَّهَا مَا نَفَرَتْ عَنْ قَوْمٍ فَعَادَتْ إلَيْهِمْ» فَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّقْبِيلِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَحَلُّهُ كَمَا يُفْعَلُ فِي هَذَا الزَّمَانِ. وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الِاعْتِرَافَ بِالنِّعَمِ وَمَنْ أَنْعَمَ بِهَا وَشُكْرَهُ سَبَبٌ لِبَقَائِهَا وَزِيَادَتِهَا كَمَا قَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: قَيِّدُوا النِّعَمَ بِالشُّكْرِ فَإِنَّهَا كَالنَّعَمِ لَهَا أَوَابِدُ، أَيْ تَشْرُدُ وَتَنْفِرُ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ» ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] .

стр. 1148

وَقَدْ قَالَ أَبُو حَازِمٍ الْأَعْرَجُ التَّابِعِيُّ الْجَلِيلُ ﵀: كُلُّ نِعْمَةٍ لَمْ يُشْكَرْ اللَّهُ عَلَيْهَا فَهِيَ بَلِيَّةٌ وَقَالَ أَيْضًا: إذَا رَأَيْت اللَّهَ يُتَابِعُ نِعَمَهُ عَلَيْكِ وَأَنْتَ تَعْصِيهِ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاج فَاحْذَرْهُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] . وَقَدْ سَبَقَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا قَرِيبًا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [سبأ: ١٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الْمَعْنَى وَقُلْنَا: اعْمَلُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ شُكْرًا عَلَى مَا آتَاكُمْ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ بَعْضُهُمْ الطَّاعَاتُ كُلُّهَا شُكْرٌ وَأَفْضَلُ الشُّكْرِ الْحَمْدُ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ بَهْجَةُ الْمَجَالِسِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَعَلِمَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ شُكْرَهَا وَمَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ عَبْدٍ نَدَامَةً عَلَى ذَنْبٍ إلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْبَسُ الثَّوْبَ فَيَحْمَدُ اللَّهِ فَمَا يَبْلُغُ رُكْبَتَيْهِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ» وَمَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ اُشْكُرْ لِمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْك وَأَنْعِمْ عَلَى مَنْ شَكَرَكَ فَإِنَّهُ لَا زَوَالَ لِلنِّعَمِ إذَا شُكِرَتْ، وَلَا مُقَامَ لَهَا إذَا كُفِرَتْ وَالشُّكْرُ زِيَادَةٌ فِي النِّعَمِ وَأَمَانٌ مِنْ الْغِيَر قَالَ أَبُو بُجَيْلَةَ: شَكَرْتُك إنَّ الشُّكْرَ حَبْلٌ مِنْ التُّقَى ... وَمَا كُلُّ مَنْ أَوَلَيْتَهُ نِعْمَةً يَقْضِي وَأَحْيَيْت مِنْ ذِكْرِي وَمَا كُنْت خَامِلًا ... وَلَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أَنْبَهُ مِنْ بَعْضِ

стр. 1149

وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ مَا عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَى حَدٍّ إلَّا زَادَ حَقُّ اللَّهِ عِظَمًا قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ سُوءَ مَا يُبْلَى، لَمْ يَعْرِفْ خَيْرَ مَا يُولَى وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَعَرَفَهَا بِقَلْبِهِ وَشَكَرَهَا بِلِسَانِهِ فَيَبْرَحُ حَتَّى يَزْدَادَ.

стр. 1150

[فَصْلٌ فِي الِانْتِشَارِ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ الطَّعَامِ] ِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣] أَيْ فَاخْرُجُوا ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أَيْ طَالِبِينَ الْأُنْسَ لِحَدِيثٍ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ كَانُوا يَجْلِسُونَ بَعْدَ الْأَكْلِ فَيَتَحَدَّثُونَ طَوِيلًا وَكَانَ ذَلِكَ يُؤْذِي النَّبِيَّ ﷺ وَيَسْتَحْيِ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: قُومُوا فَعَلَّمَهُمْ اللَّهُ الْأَدَبَ ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . أَيْ لَا يَتْرُكُ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا هُوَ الْحَقُّ فَأَمَّا إنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى الْإِذْنِ فِي الْجُلُوسِ جَازَ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا لِمَيْلِ صَاحِبِ الطَّعَامِ إلَى ذَلِكَ وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الثُّقَلَاءِ وَقَالَ السُّدِّيُّ ذَكَرَ اللَّهُ الثُّقَلَاءَ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣] . وَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي أَنْ لَا يَسْتَثْقِلَ فَإِنَّ ذَلِكَ أَذًى لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَالْمُؤْمِنُ سَهْلٌ لَيِّنٌ هَيِّنٌ كَمَا سَبَقَ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ سُئِلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ الْمُؤْمِنِ يَكُونُ بَغِيضًا قَالَ لَا يَكُونُ بَغِيضًا وَلَكِنْ يَكُونُ ثَقِيلًا. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قُلْت لِأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ مَا لَكَ لَمْ تَكْتُبْ عَنْ طَاوُوسَ قَالَ أَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ بَيْنَ ثَقِيلَيْنِ وَسَمَّاهُمَا كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ إذَا اسْتَثْقَلَ

стр. 1151

رَجُلًا قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُ وَأَرِحْنَا مِنْهُ وَكَانَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ إذَا رَأَى مَنْ يَسْتَثْقِلُهُ قَالَ ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] . وَعَنْ حَمَّادِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ فِي الصَّوْمِ فِي الْبُسْتَانِ مِنْ الثِّقَلِ كَذَا قَالَ وَلَيْسَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ بَلْ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْحَالِ كَانَ يُقَالُ: مُجَالَسَةُ الثَّقِيلِ حُمَّى الرُّوحِ قِيلَ لِأَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ لِأَيِّ شَيْءٍ يَكُونُ الثَّقِيلُ أَثْقَلَ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ الْحِمْلِ الثَّقِيلِ فَقَالَ: لِأَنَّ الثَّقِيلَ يَعْقِدُ عَلَى الْقَلْبِ، وَالْقَلْبُ لَا يَحْتَمِلُ مَا يَحْتَمِلُ الرَّأْسُ وَالْبَدَنُ مِنْ الثِّقَلِ كَانَ فَلَاسِفَةُ الْهِنْدِ يَقُولُونَ: النَّظَرُ إلَى الثَّقِيلِ يُورِثُ مَوْتَ الْفَجْأَةِ قَالَ ثَقِيلٌ لِمَرِيضٍ مَا تَشْتَهِي قَالَ أَشْتَهِي أَنْ لَا أَرَاك. وَقَالَ مَعْمَرٌ مَا بَقِيَ مِنْ لَذَّاتِ الدُّنْيَا إلَّا ثَلَاثٌ مُحَادَثَةُ الْإِخْوَانِ وَحَكُّ الْجَرَبِ وَالْوَقِيعَةُ فِي الثُّقَلَاءِ وَهِيَ أَفْضَلُ الثَّلَاثِ وَقَالَ آخَرُ: إذَا جَلَسَ الثَّقِيلُ إلَيْك يَوْمًا ... أَتَتْكَ عُقُوبَةٌ مِنْ كُلِّ بَابِ فَهَلْ لَك يَا ثَقِيلُ إلَى خِصَالٍ ... تَنَالُ بِبَعْضِهَا كَرْمَ الْمَآبِ إلَى مَالِي فَتَأْخُذَهُ جَمِيعًا ... أَحَلُّ لَدَيْكَ مِنْ مَاءِ السَّحَابِ وَتَنْتِفُ لِحْيَتِي وَتَدُقُّ أَنْفِي ... وَمَا فِي فِي مِنْ ضِرْسٍ وَنَابِ عَلَى أَنْ لَا أَرَاك وَلَا تَرَانِي ... مُقَاطَعَةً إلَى يَوْمِ الْحِسَابِ وَكَانَ يُقَالُ مُجَالَسَةُ الثَّقِيلِ، عَذَابٌ وَبِيلٌ، وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ: لَيْتَنِي كُنْتُ سَاعَةً مَلَكَ الْمَوْتِ ... فَأُفْنِيَ الثِّقَالَ حَتَّى يَبِيدُوا سَلَّمَ ثَقِيلٌ عَلَى إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَارِيّ صَاحِبِ هَارُونَ فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا: قَدْ وَاَللَّهِ بَلَغْتُ مِنْكَ غَايَةَ الْأَذَى أَسْلِفْنِي سَلَامَ شَهْرٍ وَأَرِحْنِي مِنْك. قَالَ الشَّاعِرُ: أَنْتَ يَا هَذَا ثَقِيلٌ وَثَقِيلٌ وَثَقِيلُ ... أَنْتَ فِي الْمَنْظَرِ إنْسَانٌ وَفِي الْمِيزَانِ فِيلُ قَالَ أَبُو حَازِمٍ عَوِّدْ نَفْسَك الصَّبْرَ عَلَى السُّوءِ فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ يُخْطِئُك.

стр. 1152

[فَصْلٌ فِي تَمَسُّكِ النَّاسِ بِالْخُرَافَاتِ وَتَهَاوُنِهِمْ بِالشَّرْعِيَّاتِ] ِ) قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ لَوْ تَمَسَّكَ النَّاسُ بِالشَّرْعِيَّاتِ تَمَسُّكَهُمْ بِالْخُرَافَاتِ لَاسْتَقَامَتْ أُمُورُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُقَدِّمُونَ إدْخَالَ مُسَافِرٍ عَلَى مَرِيضٍ، وَلَا يُنَقَّبُ الرَّغِيفَ مِنْ غَيْرِ قَطْعِ حَرْفِهِ، وَلَا يُكَبُّ الرَّغِيفَ عَلَى وَجْهِهِ، وَلَا يُتَزَوَّجُ فِي صَفَرٍ، وَلَا يَتْرُكُ يَدَيْهِ مُشَبَّكَةً فِي رُكْنَيْ الْبَابِ وَلَا يَخِيطُ قَمِيصَهُ عَلَيْهِ إلَّا وَيَضَعُ فِيهِ لِيطَةً، وَلَعَلَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ لَوْ عُوتِبَ عَلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ أَوْ الْجَمَاعَاتِ أَوْ لُبْسِ الْحَرِيرِ لَأَهْوَنُ بِالْعُتْبَةِ. فَهَذَا قَدْرُ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِهِ وَلَعَلَّ أَحَدَهُمْ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ طَرْحُ الرَّغِيفِ عَلَى وَجْهِهِ ثِقَةً بِمَا يَسْمَعُ مِنْ النِّسَاءِ الْبُلْهِ وَالسَّفْسَافِ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَمِنْ هَذَا تَرْكُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ يَوْمَ السَّبْتِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَمِنْهُ تَخْصِيصُ بَعْضِ الْأَيَّامِ بِشَيْءٍ كَتَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ بِدُخُولِ الْحَمَّامِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، وَبَعْضِهِمْ لَهُ بِالدُّعَاءِ وَزِيَارَةِ الْقُبُورِ. وَقَدْ قَالَ فِي الْفُنُونِ: كُنْت أَرَى النَّاسَ يُكْثِرُونَ الدُّعَاءَ وَزِيَارَةَ الْقُبُورِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَلَا أَعْلَمُ هَلْ يَرْجِعُونَ إلَى شَيْءٍ فَوَجَدْتُ فِي سَمَاعِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ عَنْ الْغِطْرِيفِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَسْجِدِ الْأَحْزَابِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ فَاسْتُجِيبَ لَهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَعَرَفْنَا السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ» قَالَ جَابِرٌ فَمَا نَزَلَ بِي أَمْرٌ مُهِمٌّ عَارِضٌ إلَّا تَوَخَّيْتُ تِلْكَ السَّاعَةَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَدَعَوْتُ فَعَرَفْتُ الْإِجَابَةَ.

стр. 1153

[فَصْلٌ بَابُ مَا يُكْرَهُ أَنْ تُطْعَمَ الْبَهَائِمُ الْخُبْزَ] فَصْلٌ قَالَ الْخَلَّالُ فِي الْجَامِعِ (بَابُ مَا يُكْرَهُ أَنْ تُطْعَمَ الْبَهَائِمُ الْخُبْزَ) ثَنَا حَرْبٌ قُلْتُ لِإِسْحَاقَ نُطْعِمُ الْبَهِيمَةَ الْخُبْزَ قَالَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَإِذَا أَمَرْت بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ، فَأَمَّا أَنْ يُتَّخَذَ طَعَامَ الْبَهِيمَةِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ انْتَهَى كَلَامُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَعَدَمُ اعْتِيَادِهِ وَفِعْلِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي تَكَلُّفِ الْإِحَاطَةِ بِأَسْرَارِ حِكَمِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ] فَصْلٌ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ أُمَّ مَالِكٍ كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي عُكَّةٍ لَهَا فَيَأْتِيهَا بَنُو عَمِّهَا فَيَسْأَلُونَ الْأُدْمَ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ فَتَعْمِدُ إلَى الَّذِي كَانَتْ تُهْدِي فِيهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَتَجِدُ فِيهِ سَمْنًا قَالَ فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدْمَ بَيْتِهَا حَتَّى عَصَرَتْهُ فَأَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ عَصَرْتِهَا؟ فَقَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ لَوْ تَرَكْتِهَا مَا زَالَ قَائِمًا» . وَعَنْهُ أَيْضًا «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَطْعِمُهُ فَأَطْعَمَهُ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ وَضَيْفُهُمَا حَتَّى كَالَهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ وَلَقَامَ لَكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَمِثْلُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ حِينَ كَالَتْ الشَّعِيرَ فَفَنِيَ. قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ عَصْرَهَا وَكَيْلَهُ مُضَادٌّ لِلتَّسْلِيمِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى رِزْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَتَضَمَّنُ التَّدْبِيرَ وَالْأَخْذَ بِالْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ وَتَكَلُّفِ الْإِحَاطَةِ بِأَسْرَارِ حِكَمِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ فَعُوقِبَ فَاعِلُهُ بِزَوَالِهِ.

стр. 1154

[فَصْلٌ فِي الْخُرُوجِ مَعَ الضَّيْفِ إلَى بَابِ الدَّارِ وَالْأَخَذِ بِرِكَابِهِ] ِ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ مَعَ ضَيْفِهِ إلَى بَابِ الدَّارِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ " إنَّ مِنْ السُّنَّةِ إذَا دَعَوْتَ أَحَدًا إلَى مَنْزِلِكَ أَنْ تَخْرُجَ مَعَهُ حَتَّى يَخْرُجَ " ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ زُرْتَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ بَيْتَهُ قَامَ فَاعْتَنَقَنِي وَأَجْلَسَنِي فِي صَدْرِ مَجْلِسِهِ فَقُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَلَيْسَ يُقَالُ صَاحِبُ الْبَيْتِ وَالْمَجْلِسِ أَحَقُّ بِصَدْرِ بَيْتِهِ أَوْ مَجْلِسِهِ قَالَ نَعَمْ يَقْعُدُ، وَيُقْعِدُ مَنْ يُرِيدُ قَالَ قُلْتُ فِي نَفْسِي خُذْ يَا أَبَا عُبَيْدٍ إلَيْكَ فَائِدَةً. ثُمَّ قُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَوْ كُنْتُ آتِيكَ عَلَى حَقِّ مَا تَسْتَحِقُّ لَأَتَيْتُكَ كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ لَا تَقُلْ ذَلِكَ فَإِنَّ لِي إخْوَانًا مَا أَلْقَاهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ إلَّا مَرَّةً أَنَا أَوْثَقُ فِي مَوَدَّتِهِمْ مِمَّنْ أَلْقَى كُلَّ يَوْمٍ قُلْتُ هَذِهِ أُخْرَى يَا أَبَا عُبَيْدٍ فَلَمَّا أَرَدْت الْقِيَامَ قَامَ مَعِي قُلْتُ: لَا تَفْعَلْ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: فَقَالَ قَالَ الشَّعْبِيُّ مِنْ تَمَامِ زِيَارَةِ الزَّائِرِ أَنْ تَمْشِيَ مَعَهُ إلَى بَابِ الدَّارِ وَتَأْخُذَ بِرِكَابِهِ قَالَ قُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَنْ عَنْ الشَّعْبِيِّ؟ قَالَ ابْنُ زَائِدَةَ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ قُلْتُ يَا أَبَا عُبَيْدٍ هَذِهِ ثَالِثَةٌ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «أَنَّ مَنْ أَخَذَ بِرِكَابِ رَجُلٍ لَا يَرْجُوهُ وَلَا يَخَافُهُ غُفِرَ لَهُ» وَمَسَكَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرِكَابِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵄ فَقَالَ أَتَمْسِكُ لِي وَأَنْتَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ إنَّا هَكَذَا نَصْنَعُ بِالْعُلَمَاءِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَاضَعَ فِي مَجْلِسِهِ إذَا حَضَرَ، وَأَنْ لَا يَتَصَدَّرَ، وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ صَاحِبُ الدَّارِ مَكَانًا لَمْ يَتَعَدَّهُ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ طَرَحَ لِحُلَيْسٍ لَهُ وِسَادَةً فَرَدَّهَا فَقَالَ أَمَا سَمِعْتَ الْحَدِيثَ «لَا تَرُدَّنَّ عَلَى أَخِيك كَرَامَتَهُ.»

стр. 1155

[فَصْلٌ فِي اسْتِحْبَابِ الِانْبِسَاطِ وَالْمُدَاعَبَةِ وَالْمُزَاحِ مَعَ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ] ِ) قَالَ فِي الْفُنُونِ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ يَعْنِي نَفْسَهُ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ فِي هَؤُلَاءِ الْمُتَشَدِّقِينَ فِي شَرِيعَةٍ بِمَا لَا يَقْتَضِيه شَرْعٌ وَلَا عَقْلٌ يُقَبِّحُونَ أَكْثَرَ الْمُبَاحَاتِ وَيُبَجِّلُونَ تَارِكَهَا حَتَّى تَارِكَ التَّأَهُّلِ وَالنِّكَاحِ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ إعْطَاءُ الْعَقْلِ حَقَّهُ مِنْ التَّدَبُّرِ، وَالتَّفَكُّرِ، وَالِاسْتِدْلَالِ، وَالنَّظَرِ، وَالْوَقَارِ، وَالتَّمَسُّكِ، وَبِالْإِعْدَادِ لِلْعَوَاقِبِ: وَالِاحْتِيَاطِ بِطَرِيقَةٍ هِيَ الْعُلْيَا يَخُصُّ بِهَا الْأَعْلَى الْأَعَزَّ الْأَكْرَمَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ كَانَ لَهُ صَبِيٌّ فَلْيَتَصَابَ لَهُ» . وَكَانَ ﵇ يُرْقِصُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيُدَاعِبُهُمَا وَسَابَقَ عَائِشَةَ، وَيُدَارِي زَوْجَاتِهِ إلَى أَنْ قَالَ وَالْعَاقِلُ إذَا خَلَا بِزَوْجَاتِهِ وَإِمَائِهِ تَرَكَ الْعَقْلَ فِي زَاوِيَةٍ كَالشَّيْخِ الْمُوَقَّرِ وَدَاعَبَ وَمَازَحَ وَهَازَلَ لِيُعْطِيَ الزَّوْجَةَ وَالنَّفْسَ حَقَّهُمَا، وَإِنْ خَلَا بِأَطْفَالِهِ خَرَجَ فِي صُورَةِ طِفْلٍ، وَيُهْجِرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَالْخَبَرُ الْأَوَّلُ لَا يَصِحُّ وَكَانَ ﵊ يَكُونُ فِي بَيْتِهِ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ تَوَاضُعِهِ وَمَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ وَسِيرَتِهِ الْعَالِيَةِ ﷺ بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّوَامِيسِ وَالْحَمْقَى وَالْمُتَكَبِّرِينَ مَعَ اشْتِمَالِ بَعْضِهِمْ مَعَ ذَلِكَ عَلَى سُوءِ قَصْدٍ وَجَهْلٍ مُفْرِطٍ، فَيَتَكَبَّرُ عَلَى مَنْ خَالَفَ طَرِيقَتَهُ، وَيَصِيرُ عِنْدَهُ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا، وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يَهْدِيَنَا وَالْمُسْلِمِينَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ الْمَغْصُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.

стр. 1156

[فَصْلٌ فِي تَحَسُّرِ النَّاسِ عَلَى مَا فَاتَ مِنْ الدُّنْيَا دُونَ مَا حَلَّ بِالدِّينِ] ِ) قَالَ فِي الْفُنُونِ مِنْ عَجِيبِ مَا نَقَدْت مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ كَثْرَةُ مَا نَاحُوا عَلَى خَرَابِ الدِّيَارِ، وَمَوْتِ الْأَقَارِبِ وَالْأَسْلَافِ، وَالتَّحَسُّر عَلَى الْأَرْزَاقِ بِذَمِّ الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ وَذِكْرِ نَكَدِ الْعَيْشِ فِيهِ، وَقَدْ رَأَوْا مِنْ انْهِدَامِ الْإِسْلَامِ، وَشَعَثِ الْأَدْيَانِ، وَمَوْتِ السُّنَنِ، وَظُهُورِ الْبِدَعِ، وَارْتِكَابِ الْمَعَاصِي وَقَضٍّ فِي الْفَارِغِ الَّذِي لَا يُجْدِي، وَالْقَبِيحِ الَّذِي يُوبِقُ وَيُؤْذِي، فَلَا أَجِدُ مِنْهُمْ مَنْ نَاحَ عَلَى دِينِهِ، وَلَا بَكَى عَلَى فَارِطِ عُمْرِهِ، وَلَا آسَى عَلَى فَائِتِ دَهْرِهِ وَمَا أَرَى لِذَلِكَ سَبَبًا إلَّا قِلَّةَ مُبَالَاتِهِمْ بِالْأَدْيَانِ وَعِظَمَ الدُّنْيَا فِي عُيُونِهِمْ ضِدَّ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَرْضَوْنَ بِالْبَلَاغِ وَيَنُوحُونَ عَلَى الدِّينِ.

стр. 1157

[فَصْلٌ فِيمَا يُسَنُّ مِنْ الذِّكْرِ عِنْدَ النَّوْمِ وَالِاسْتِيقَاظِ] ِ) وَيَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَالنَّوْمِ وَالِانْتِبَاهِ مَا وَرَدَ فَمِنْ ذَلِكَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إلَّا إلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ وَقُلْ وَذَكَرَ نَحْوَهُ وَفِيهِ وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ النَّوْمِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْ حَفْصَةَ ﵂ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْقُدَ وَضْعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» . حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَالْبَرَاءِ مَعْنَاهُ وَكَذَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُود. وَرَوَى حَدِيثَ حَفْصَةَ وَعِنْدَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَيَضَعُ يَدَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ. وَقَالَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: كَانَ يَتَوَسَّدُ يَمِينَهُ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إلَى فِرَاشِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا إلَه إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ رَمْلٍ عَالِجٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ. وَعَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا كَلِمَاتٍ نَقُولُهُنَّ عِنْدَ النَّوْمِ مِنْ الْفَزَعِ بِاسْمِ اللَّهِ أَعُوذُ

стр. 1158

بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونَ» وَكَانَ عَبْد اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يُعَلِّمُهَا مَنْ بَلَغَ مِنْ وَلَدِهِ، وَمَنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ أَنْ يَحْفَظَهَا كَتَبَهَا لَهُ فَعَلَّقَهَا عَلَيْهِ فِي عُنُقِهِ. رَوَاهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَعِنْدَهُ " إذَا فَزِعَ أَحَدُكُمْ مِنْ النَّوْمِ فَلْيَقُلْ " وَذَكَرَهُ. وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَأَبُو دَاوُد لَمْ يَذْكُرْ " النَّوْمَ " وَعِنْدَهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ مِنْ الْفَزَعِ وَذَكَرَهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَجِدُ وَحْشَةً فَقَالَ: " إذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَقُلْ أَعُوذُ " وَذَكَرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي آخِرِهِ " فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّك " وَبِالْحَرِيِّ أَنْ لَا يَقْرَبَكَ، الْوَلِيدُ هُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ وَمُحَمَّدٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ الْوَلِيدِ. وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: شَكَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَامُ اللَّيْلَ مِنْ الْأَرَقِ قَالَ «إذَا أَوَيْتَ إلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَمَا أَظَلَّتْ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ وَمَا أَقَلَّتْ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضَلَّتْ، كُنْ لِي جَارًا مِنْ خَلْقِكَ كُلِّهِمْ جَمِيعًا أَنْ يَفْرُطَ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَوْ يَبْغِيَ عَلَيَّ، عَزَّ جَارُكَ وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ وَلَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ» فِيهِ الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ وَلَيْسَ بِثِقَةٍ عِنْدَهُمْ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ تَرَكُوهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ وَيُرْوَى مُرْسَلًا، الْأَرَقُ السَّهَرُ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ الْجَانِّ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ حَتَّى أُنْزِلَتْ الْمُعَوِّذَتَانِ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتْ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ» يُرَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ. وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «كُنْتُ

стр. 1159

أَقُودُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاقَتَهُ فِي السَّفَرِ فَقَالَ لِي يَا عُقْبَةُ أَلَا أُعَلِّمُكَ خَيْرَ سُورَتَيْنِ قُرِئَتَا؟ فَعَلَّمَنِي قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ قَالَ فَلَمْ يَرَنِي سُرِرْتُ بِهِمَا جِدًّا، فَلَمَّا نَزَلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ صَلَّى بِهِمَا صَلَاةَ الصُّبْحِ لِلنَّاسِ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الصَّلَاةِ الْتَفَتَ إلَيَّ فَقَالَ يَا عُقْبَةُ رَأَيْتَ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اقْرَأْ يَا جَابِرُ فَقُلْتُ وَمَا أَقْرَأُ بِأَبِي وَأُمِّي قَالَ: اقْرَأْ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ فَقَرَأْتُهُمَا فَقَالَ اقْرَأْ بِهِمَا فَإِنَّكَ لَمْ تَقْرَأْ بِمِثْلِهِمَا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَعَنْ عُقْبَةَ قَالَ «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأُ مِنْ سُورَةِ يُوسُفَ وَمِنْ سُورَةِ هُودٍ قَالَ يَا عُقْبَةُ اقْرَأْ بِ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ فَإِنَّكَ لَنْ تَقْرَأَ بِسُورَةٍ أَحَبَّ إلَى اللَّهِ مِنْهَا، وَأَبْلَغَ عِنْدَهُ مِنْهَا فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَفُوتَكَ فَافْعَلْ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ وَأَظُنُّ فِي النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَعَنْ عُقْبَةَ مَرْفُوعًا «مَا سَأَلَ سَائِلٌ بِمِثْلِهِمَا وَلَا اسْتَعَاذَ مُسْتَعِيذٌ بِمِثْلِهِمَا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عُقْبَةَ، إسْنَادٌ جَيِّدٌ وَابْنُ عَجْلَانَ حَدِيثُهُ حَسَنٌ. وَقَالَ عُقْبَةُ «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ الْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» حَدِيثٌ حَسَنٌ لَهُ طُرُقٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَفِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. وَعَنْ عُقْبَةَ قَالَ «بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْجُحْفَةِ وَالْأَبْوَاءِ إذْ غَشِيَتْنَا رِيحٌ وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ بِ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَأَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس وَيَقُولُ: يَا عُقْبَةُ تَعَوَّذْ بِهِمَا فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا قَالَ وَسَمِعْتُهُ يَؤُمُّنَا بِهِمَا فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ. وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «إذَا هَاجَتْ رِيحٌ مُظْلِمَةٌ فَعَلَيْكُمْ بِالتَّكْبِيرِ فَإِنَّهُ يُجْلِي الْعَجَاجَ الْأَسْوَدَ» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ رِوَايَةٍ عَنْبَسَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ

стр. 1160

«خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ فَطَلَبْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ لَنَا فَأَدْرَكْنَاهُ فَقَالَ: قُلْ فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: قُلْ فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا فَقَالَ قُلْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَقُولُ قَالَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ قَالَ كَانَ أَبُو صَالِحٍ يَأْمُرُنَا إذَا أَرَادَ أَحَدُنَا أَنْ يَنَامَ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ يَقُولُ «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنْ الْفَقْرِ» وَكَانَ يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إذَا أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا أَنْ نَقُولَ بِمِثْلِهِ وَقَالَ مِنْ شَرِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا» وَعَنْهُ قَالَ «أَتَتْ فَاطِمَةُ النَّبِيَّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا فَقَالَ: قُولِي اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ» بِمِثْلِ حَدِيثِ سَهْلٍ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إلَى فِرَاشِهِ فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إزَارِهِ فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ وَلِيُسَمِّ اللَّهَ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَلْيَقُلْ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ وَفِي رِوَايَةٍ فَلْيَقُلْ بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي فَإِنْ أَحْيَيْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا» . وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ» رَوَى ذَلِكَ مُسْلِمٌ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ
следующие страницы →