← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21582

الآداب الشرعية والمنح المرعية

ابن مفلح

Полный текст (1 529 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

يَلِيَك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُ عِكْرَاشٍ قَدْ يُعَضِّدُهُ أَنَّهُ ﵇ جَعَلَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَتَبَّعَهُ مِنْ حَوَالَيْ جَانِبِهِ أَوْ أَنَّ الْعِلَّةَ اسْتِقْذَارُ جَلِيسِهِ ذَلِكَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِآثَارِهِ وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ كَوْنِهِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ، وَسَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ حَامِدٍ فِي مُبَاسَطَةِ الْإِخْوَانِ عَلَى الطَّعَامِ.

стр. 1087

[فَصْلٌ فِي الْأَكْلِ مِنْ بُيُوتِ الْأَقْرَبِينَ وَالْأَصْدِقَاءِ بِالْإِذْنِ وَلَوْ عُرْفًا] يُبَاحُ الْأَكْلُ مِنْ بَيْتِ الْقَرِيبِ وَالصَّدِيقِ مِنْ مَالٍ غَيْرِ مُحْرَزٍ عَنْهُ إذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ رِضَا صَاحِبِهِ بِذَلِكَ نَظَرًا إلَى الْعَادَةِ، وَالْعُرْفِ هَذَا هُوَ الْمُتَوَجِّهُ وَمَا يُذْكَرُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ الِاسْتِئْذَانِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الشَّكِّ فِي رِضَا صَاحِبِهِ أَوْ عَلَى الْوَرَعِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبَاحَ الْأَكْلَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرَابَاتِ الْمَذْكُورِينَ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِبَذْلِ طَعَامِهِمْ لَهُمْ فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ وَرَاءَ حِرْزٍ لَمْ يَجُزْ هَتْكُ ذَلِكَ الْحِرْزَ. قَالَ وَكَانَ الْحَسَنُ وَقَتَادَة يَرَيَانِ الْأَكْلَ مِنْ طَعَامِ الصَّدِيقِ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ جَائِزًا وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ فَرْعٌ فِي مَنْعِ الْأَكْلِ مِنْ مَنْزِلِ الْأَهْلِ، وَالْأَصْدِقَاءِ بِغَيْرِ إذْنٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] إلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] . فَقَالَ إذَا أُذِنَ لَك فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَأْكُلُوا فَرَخَّصَ لَهُمْ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ النَّضْرِ سُئِلَ أَحْمَدُ أَيَأْكُلُ الرَّجُلُ مِنْ بُيُوتِ أَهْلِهِ بَيْتِ عَمِّهِ أَوْ خَالِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ قَالَ لَا يَأْكُلُ إلَّا بِإِذْنِهِمْ.

стр. 1088

[فَصْلٌ فِي كَرَاهَةِ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ وَنَحْوِهِ مَعَ شَرِيكٍ أَوْ مُطْلَقًا] وَيُكْرَهُ الْقِرَانُ فِي التَّمْرِ وَقِيلَ مَعَ الشُّرَكَاءِ فِيهِ لَا وَحْدَهُ وَلَا مَعَ أَهْلِهِ وَلَا مَعَ مَنْ أَطْعَمَهُمْ ذَلِكَ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَزَادَ وَتَرْكُهُ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ أَوْلَى وَأَفْضَلُ وَأَحْسَنُ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي التَّرْغِيبِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ وَعَنْ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ لِلْكَرَاهَةِ، وَالْأَدَبِ. وَذَكَرَ النَّوَاوِيُّ أَنَّ الصَّوَابَ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ فَالْقِرَانُ حَرَامٌ إلَّا بِرِضَاهُمْ بِقَوْلٍ أَوْ قَرِينَةٍ يَحْصُلُ بِهَا عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ، وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ لِغَيْرِهِمْ أَوْ لِأَحَدِهِمْ اُشْتُرِطَ رِضَاهُ وَحْدَهُ فَإِنْ قَرَنَ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَحَرَامٌ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الْآكِلِينَ مَعَهُ وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ لِنَفْسِهِ وَقَدْ ضَيَّفَهُمْ بِهِ فَحَسَنٌ أَلَّا يَقْرِنَ لِيُسَاوِيَهُمْ إنْ كَانَ الطَّعَامُ فِيهِ قِلَّةٌ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا بِحَيْثُ يَفْضُلُ عَنْهُمْ فَلَا بَأْسَ لَكِنَّ الْإِذْنَ مُطْلَقًا لِلتَّأَدُّبِ وَتَرْكِ الشَّرَهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْجِلًا وَيُرِيدُ الْإِسْرَاعَ لِشُغْلٍ آخَرَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ إنَّمَا كَانَ هَذَا فِي زَمَنِهِمْ حِينَ كَانَ الطَّعَامُ ضَيِّقًا فَأَمَّا الْيَوْمَ مَعَ اتِّسَاعِ الْحَالِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِذْنِ، وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ، وَالْقِرَانُ فِي غَيْرِ التَّمْرِ مِثْلُهُ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْصَدُ وَلَا تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ إلَّا فِي الْفَوَاكِهِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَعَلَى قِيَاسِهِ قِرَانُ كُلِّ مَا الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِتَنَاوُلِهِ إفْرَادًا. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ الْحَنْبَلِيُّ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَمْرِ هَلْ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ؟ فَإِنْ قِيلَ النَّهْيُ يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ فَالْجَوَابُ إنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] الْآيَةَ. وَنَهَى عَنْ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ، وَالتَّعْرِيسِ عَلَى الطُّرُقَاتِ وَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ فِي أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضِي حُسْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ

стр. 1089

وَلَا النَّهْيَ قُبْحَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ عَقْلًا عِنْدنَا وَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ، نَهَى الشَّرْعُ عَنْ أَشْيَاءَ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهَا لَا لِقُبْحِهَا كَالنَّهْيِ عَنْ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ وَكَنْسِ الْبَيْتِ بِالْخِرْقَةِ، وَالْجُلُوسِ فِي ظِلِّ الْمَنَارَةِ، وَالشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْإِنَاءِ، وَالْأَكْلِ فِي الْمِنْجَلِ أَوْ الْمُنْخُلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. كَذَا قَالَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْقِرَانِ إلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ» قَالَ شُعْبَةُ الْإِذْنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَفِي لَفْظٍ فِيهِمَا «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ» .

стр. 1090

[فَصْلٌ فِي آدَابِ الْآكِل وَالشُّرْبِ] يُسَنُّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَجْلِسَ لِلْأَكْلِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَيَنْصِبَ الْيُمْنَى أَوْ يَتَرَبَّعَ ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ مِنْ آدَابِ، الْأَكْلِ أَنْ يَجْلِسَ مُفْتَرِشًا وَإِنْ تَرَبَّعَ فَلَا بَأْسَ وَسَبَقَ قَبْلَ فُصُولِ آدَابِ، الْأَكْلِ بِفَصْلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فِي كَرَاهَةِ الشُّرْبِ قَائِمًا رِوَايَتَانِ قَطَعَ ابْنُ أَبِي مُوسَى بِالْكَرَاهَةِ، وَالْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ بِعَدَمِهَا. وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَجَرَ وَفِي لَفْظٍ نَهَى عَنْ الشُّرْبِ قَائِمًا» . وَرَوَى أَيْضًا اللَّفْظَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَأَنَّ قَتَادَةَ قَالَ قُلْت لِأَنَسٍ فَالْأَكْلُ قَالَ: ذَاكَ أَشَرُّ وَأَخْبَثُ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «فَإِذَا نَسِيَ فَلْيَسْتَقِ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ مِنْ دَلْوٍ مِنْهَا وَهُوَ قَائِمٌ» . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ «أُتِيَ بِمَاءٍ فَشَرِبَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْت» . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا» ، إسْنَادُهُ جَيِّدٌ إلَى عَمْرٍو وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَيَتَوَجَّهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ ﵇ شَرِبَ قَائِمًا لِيُبَيِّنَ الْجَوَازَ وَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ، وَالنَّهْيِ لِلْكَرَاهَةِ أَوْ لِتَرْكِ الْأَوْلَى قَالَ ابْنُ عُمَرَ «كُنَّا نَأْكُلُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ نَمْشِي وَنَشْرَبُ وَنَحْنُ قِيَامٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَلِأَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي زِيَادٍ الطَّحَّانِ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَشْرَبُ قَائِمًا فَقَالَ لَهُ: قِهْ قَالَ: وَلِمَهْ قَالَ: أَيَسُرُّك أَنْ يَشْرَبَ مَعَك الْهِرُّ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ شَرِبَ مَعَك مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ يَعْنِي الشَّيْطَانَ» أَبُو زِيَادٍ قِيلَ لَا يُعْرَفُ وَقِيلَ شُيُوخُ شُعْبَةَ جِيَادٌ. فَأَمَّا الْأَكْلُ قَائِمًا فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَالشُّرْبِ لِقَوْلِ أَنَسٍ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِتَخْصِيصِ الشَّارِعِ النَّهْيَ بِالشُّرْبِ لِسُرْعَةِ نُفُوذِهِ إلَى أَسَافِلِ الْبَدَنِ بِلَا تَدْرِيجٍ وَإِلَى الْمَعِدَةِ فَيُبَرِّدُهَا وَعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ فِيهَا حَتَّى يَقْسِمَهُ

стр. 1091

الْكَبِدُ عَلَى الْأَعْضَاءِ بِخِلَافِ الْأَكْلِ فِي ذَلِكَ وَلِهَذَا أَمَرَ الشَّارِعُ بِالْقَيْءِ وَلَمْ أَجِدْ مَنْ قَالَ يُؤْمَرُ مَنْ أَكَلَ قَائِمًا بِالْقَيْءِ وَلَا مَعْنَى لِلْقَوْلِ بِهِ بِخِلَافِ الشُّرْبِ قَائِمًا فَدَلَّ عَلَى الْفَرْقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ اتَّفَقُوا عَلَى إبَاحَةِ الْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ فِي غَيْرِ حَالِ الْقِيَامِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ قَائِمًا فَمِنْ مَانِعٍ وَمُبِيحٍ. وَيُسَنُّ أَنْ يَأْكُلَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَيُكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ بِإِصْبَعٍ؛ لِأَنَّهُ مَقْتٌ وَبِإِصْبَعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ كِبْرٌ وَبِأَرْبَعٍ وَخَمْسٍ، لِأَنَّهُ شَرَهٌ وَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْبَنَّا عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَلِأَنَّ بِأُصْبُعَيْنِ يَطُولُ حَتَّى يَشْبَعَ وَلَا تَفْرَحُ الْمَعِدَةُ وَلَا الْأَعْضَاءُ بِذَلِكَ لِقِلَّتِهِ كَمَنْ يَأْخُذُ حَقَّهُ قَلِيلًا قَلِيلًا فَلَا يَسْتَلِذُّ بِهِ وَلَا يُمْرِئُهُ، وَبِأَرْبَعِ أَصَابِعَ قَدْ يَغَصُّ بِهِ لِكَثْرَتِهِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا لَا يُتَنَاوَلُ عَادَةً وَعُرْفًا بِإِصْبَعٍ أَوْ إصْبَعَيْنِ فَإِنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِيهِ وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ مُنْتَفٍ عَنْهُ. وَيُسَنُّ أَنْ يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ قَبْلَ غَسْلِهَا أَوْ مَسْحِهَا قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ فَإِذَا فَرَغَ لَعِقَهَا» وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ» وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «إذَا وَقَعْت لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا وَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ وَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ أَوْ يُلْعِقَهَا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ» . وَعَنْهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَعْقِ الْأَصَابِعِ، وَالصَّحْفَةِ وَقَالَ: إنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مَعْنَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «إنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمْ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى، ثُمَّ لِيَأْكُلهَا وَلَا يَدَعُهَا لِلشَّيْطَانِ فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ» . رَوَى ذَلِكَ مُسْلِمٌ وَالْمِنْدِيلُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّدْلِ وَهُوَ النَّقْلُ وَقِيلَ الْوَسَخُ؛ لِأَنَّهُ يُنْدَلُ بِهِ، يُقَالُ تَنَدَّلْت بِالْمِنْدِيلِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَيُقَالُ أَيْضًا تَمَنْدَلْتُ وَأَنْكَرَهَا الْكِسَائِيُّ، وَيُرْوَى فِي خَبَرٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «الْأَكْلُ بِإِصْبَعٍ وَاحِدٍ

стр. 1092

أَكْلُ الشَّيْطَانِ وَبِاثْنَتَيْنِ أَكْلُ الْجَبَابِرَةِ وَبِثَلَاثٍ أَكْلُ الْأَنْبِيَاءِ» . وَذُكِرَ لِأَحْمَدَ الْحَدِيثُ الَّذِي يَرْوِي «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ بِكَفِّهِ كُلِّهَا» فَلَمْ يُصَحِّحْهُ وَلَمْ يَرَ إلَّا بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُسِنُّ أَنْ يُصَغِّرَ اللُّقَمَ وَيُجِيدُ الْمَضْغَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ إطَالَةِ الْأَكْلِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَمْ أَجِدْهَا مَأْثُورَةً وَلَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ لَكِنْ فِيهَا مُنَاسَبَةٌ. وَقَالَ أَيْضًا: هُوَ نَظِيرُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ اسْتِحْبَابِ تَصْغِيرِ الْأَرْغِفَةِ وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا اسْتِحْبَابَ تَصْغِيرِ الْكِسَرِ كَذَلِكَ عِنْدَ الْخُبْزِ وَعِنْدَ الْوَضْعِ وَعِنْدَ الْأَكْلِ وَيُطِيلُ الْمَضْغَ وَلَا يَأْكُلُ لُقْمَةً حَتَّى يَبْلَعَ مَا قَبْلَهَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَلَا يَمُدُّ يَدَهُ الْأُخْرَى حَتَّى يَبْلُغَ الْأُولَى كَذَا فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ. وَيَنْوِي بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ التَّقَوِّيَ عَلَى التَّقْوَى وَطَاعَةِ الْمَوْلَى وَيَبْدَأُ بِهِمَا الْأَكْبَرُ، وَالْأَعْلَمُ وَقَالَ حُذَيْفَةُ كُنَّا إذَا حَضَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَضَعَ يَدَهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَذَكَرَ صَاحِبُ النَّظْمِ: وَيُكْرَهُ سَبْقُ الْقَوْمِ لِلْأَكْلِ نَهُمَةً ... وَلَكِنَّ رَبَّ الْبَيْتِ إنْ شَاءَ يَبْتَدِي.

стр. 1093

[فَصْلٌ فِي التَّسْمِيَةِ فِي ابْتِدَاءِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْحَمْدِ بَعْدَهُمَا وَآدَابٌ أُخْرَى] وَيُسَمِّي فِي أَوَّلِهَا وَهِيَ بَرَكَةُ الطَّعَامِ يَكْفِي الْقَلِيلُ بِهَا وَبِدُونِهَا لَا يَكْفِي كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْآتِيَةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمًا فَقَرَّبَ طَعَامًا فَلَمْ أَرَ طَعَامًا كَانَ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْهُ أَوَّلَ مَا أَكَلْنَا وَلَا أَقَلَّ بَرَكَةً فِي أَخِرِهِ فَقُلْنَا كَيْفَ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ:؛ لِأَنَّا ذَكَرْنَا اسْمَ اللَّهِ حِينَ أَكَلْنَا، ثُمَّ قَعَدَ بَعْدُ مَنْ أَكَلَ وَلَمْ يُسَمِّ فَأَكَلَهُ مَعَهُ الشَّيْطَانُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَيَحْمَدُ اللَّهَ إذَا فَرَغَ وَيَقُولُ مَا وَرَدَ، وَيُسَنُّ مَسْحُ الصَّحْفَةِ، وَالْأَكْلُ عِنْدَ حُضُورِ رَبِّ الطَّعَامِ وَإِذْنِهِ وَأَكْلُ مَا تَنَاثَرَ، وَقِيلَ يَحْمَدُ الشَّارِبُ كُلَّ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْمَدُهُ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَالتَّسْمِيَةُ تُرَادُ لِعَدَمِ مُشَارَكَةِ الشَّيْطَانِ وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِالتَّسْمِيَةِ أَوَّلًا وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ أَنَّ الشَّارِبَ يُسَمِّي اللَّهَ عِنْدَ كُلِّ ابْتِدَاءٍ وَيَحْمَدُهُ عِنْدَ كُلِّ قَطْعٍ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ فِعْلٍ كَالْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ آكَدُّ وَإِنَّمَا خَصَّ هَؤُلَاءِ الشَّارِبَ إمَّا لِقِلَّتِهِ فَلَا يَشُقُّ التَّكْرَارُ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَرَّةٍ مَأْمُورٌ بِهَا وَاسْتُحِبَّ فِيهَا مَا اُسْتُحِبَّ فِي الْأُولَى بِخِلَافِ الْأَكْلِ فَإِنَّهُ يَطُولُ فَيَشُقُّ التَّكْرَارُ، وَالْقَطْعُ فِيهِ أَمْرٌ عَادِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ يُقَالُ مِثْلُهُ فِي أَكْلِ كُلِّ لُقْمَةٍ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ تَعَشَّيْت مَرَّةً أَنَا وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَرَابَةٌ لَهُ فَجَعَلْنَا لَا نَتَكَلَّمُ وَهُوَ يَأْكُلُ وَيَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَبِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ أَكْلٌ وَحَمْدٌ خَيْرٌ مِنْ أَكْلٍ وَصَمْتٍ وَلَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ خِلَافَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ صَرِيحًا وَلَمْ أَجِدْهَا فِي كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ،، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَحْمَدَ ﵀ اتَّبَعَ الْأَثَرَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ طَرِيقَتِهِ وَعَادَتِهِ تَحَرِّيَ الِاتِّبَاعِ. وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ قَوْمٍ أَكَلُوا مَعَهُ

стр. 1094

يَا بَنِيَّ لَا تَدَعُوا أَنْ تَأْدِمُوا أَوَّلَ طَعَامِكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَكْلٌ وَحَمْدٌ خَيْرٌ مِنْ أَكْلٍ وَصَمْتٍ، وَكَذَا قَالَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ التَّابِعِيُّ الثِّقَةُ الْفَقِيهُ الصَّالِحُ أَكْلٌ وَحَمْدٌ خَيْرٌ مِنْ أَكْلٍ وَصَمْتٍ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ فَإِنَّهُ اقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى التَّسْمِيَةِ أَوَّلًا، وَالْحَمْدُ آخِرًا، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَنُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا وَلَوْ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، بَلْ ظَاهِرُ مَا نُقِلَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ وَهُوَ ﵇ الْغَايَةُ فِي فِعْلِ الْفَضَائِلِ، وَكَذَلِكَ الْمَعْرُوفُ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ حَالِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ ﵃. وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ﵀ قَالَ مِنْ الْقُرَّاءِ مَنْ يَفْصِلُ بِالْبَسْمَلَةِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَفْصِلُ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ كَلَامُ اللَّهِ فَلَا يَفْصِلُونَ بِهَا بَيْنَ السُّورَتَيْنِ كَمَنْ سَمَّى إذَا أَكَلَ أَنْوَاعًا مِنْ الطَّعَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّي فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ وَهُوَ حَسَنٌ لِمُتَابَعَتِهِ لِخَطِّ الْمُصْحَفِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَفْعِ الطَّعَامِ وَوَضْعِ طَعَامٍ فَالتَّسْمِيَةُ عِنْدَهُ أَفْضَلُ انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَلَا يَشْرَبُ الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ أَجْوَدُ فِي الطِّبِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ، ثَمَّ عَادَةٌ كَمَا سَبَقَ، وَلَا يَعُبُّ الْمَاءَ عَبًّا، وَيَأْخُذُ إنَاءَ الْمَاءِ بِيَمِينِهِ وَيُسَمِّي وَيَنْظُرُ فِيهِ، ثُمَّ يَشْرَبُ مِنْهُ مَصًّا، لِأَنَّهُ ﵇ قَالَ: «إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمُصَّ الْمَاءَ مَصًّا وَلَا يَعُبُّهُ عَبًّا فَإِنَّ مِنْهُ الْكُبَادَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْكُبَادُ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ أَيْ وَجَعُ الْكَبِدِ وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالتَّجْرِبَةِ، وَيَشْرَبُ مُقَطِّعًا ثَلَاثًا، وَيَتَنَفَّسُ دُونَ الْإِنَاءِ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ أَرْوَى وَأَمْرَى وَأَبْرَى رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَلَا يَتَنَفَّسُ فِيهِ كَمَا سَبَقَ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالنَّفْخُ فِي الطَّعَامِ، وَالشَّرَابِ، وَالْكِتَابِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ وَتَأْتِي أَيْضًا، وَقِيلَ تَجِبُ التَّسْمِيَةُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا، وَذَكَرَ وُجُوبَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَحَكَى ابْنُ الْبَنَّا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ قَالَ فِي الْأَكْلِ أَرْبَعَةٌ: فَرِيضَةُ أَكْلِ الْحَلَالِ، وَالرِّضَا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَالتَّسْمِيَةُ عَلَى الطَّعَامِ، وَالشُّكْرُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ، وَيَأْتِي فِي الشُّكْرِ كَلَامٌ فِي فَصْلِ هَلْ يُسْتَحَبُّ تَقْبِيلُ

стр. 1095

الْخُبْزِ وَفِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ أَوْ بِقُرْبِهِ قَالَ ابْنُ الْبَنَّا وَتَحْقِيقُ الْفِقْهِ أَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الْأَكْلِ، وَالْحَمْدَ كِلَيْهِمَا مَسْنُونٌ. وَذَكَرَ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَاوِيُّ ﵀ أَنَّ التَّسْمِيَةَ هُنَا مُجْمَعٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا وَظَاهِرُ مَا ذَكَرُوهُ لَا يُسَمِّي غَيْرُ الشَّارِبِ، وَالْآكِلِ عَنْهُ، وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي مَسْأَلَةِ هَلْ يَحْمَدُ اللَّهَ أَحَدٌ عَنْ الْعَاطِسِ؟ ، ثُمَّ يَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ إنْ شَرَعَ الْحَمْدَ عَنْ تَسْمِيَةِ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَلَا تَمْيِيزَ فَفَعَلَ عَنْهُ كَانَ كَتَسْمِيَةِ نَفْسِهِ فِي امْتِنَاعِ الشَّيْطَانِ مِنْ الطَّعَامِ وَعَدَمِ اسْتِحْلَالِهِ إيَّاهُ لِوُجُودِ التَّسْمِيَةِ مِمَّنْ يَشْرَعُ الْحَمْدَ عَنْهُ فَعَلْت أَمْ لَا وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ اسْتَحَلَّهُ لِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ مِمَّنْ تَشْرَعُ مِنْهُ كَتَرْكِ الْعَاقِلِ لَهَا وَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ الْحَمْدَ عَنْهُ فَفَعَلْتَ أَمْ لَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ الشَّرْعِيَّةَ لَمْ تُتْرَكْ وَهُوَ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ فَعُفِيَ عَنْهُ كَفِعْلِ الْبَهِيمَةِ. فَأَمَّا الْمُمَيِّزُ الْعَاقِلُ فَإِنَّهُ يُسَمِّي وَيَمْتَنِعُ الشَّيْطَانُ بِهَا مِنْهُ مِنْ الطَّعَامِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ اسْتَحَلَّهُ الشَّيْطَانُ، وَإِنْ أَتَى بِهَا فِي أَثْنَائِهِ قَاءَ الشَّيْطَانُ كُلَّ شَيْءٍ أَكَلَهُ فَيَقُولُ " بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ " لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ كَخَبَرِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَقِصَّةُ الْجَارِيَةِ الَّتِي جَاءَ الشَّيْطَانُ يَسْتَحِلُّ بِهَا رَوَاهَا أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَخَبَرُ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيِّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالْخَاءِ، وَالشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَفِي ذَلِكَ أَنَّ الْآكِلَ يُعَلَّمُ آدَابَ الْأَكْلِ إذَا خَالَفَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْعَاقِلُ سَبْعَ سِنِينَ فَيَتَوَجَّهُ إنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَبَيْعُهُ صَحَّتْ مِنْهُ وَاعْتُبِرَتْ وَإِلَّا فَلَا. وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فِي مَوْضِعِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْهَرَ بِهَا لِيُنَبِّهَ غَيْرَهُ عَلَيْهَا وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَصْحَابُ وَلَهُ مُنَاسَبَةٌ. وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ إذَا سَمَّى وَاحِدٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ حَصَلَ أَصْلُ السُّنَّةِ وَلَا يَشْرَبُ مِنْ فِي سِقَاءٍ وَلَا فِي ثُلْمَةِ إنَاءٍ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ أَنْ يُشْرَبَ مِنْ أَفْوَاهِهَا» . وَفِي رِوَايَةٍ «وَاخْتِنَاثُهَا أَنْ يَقْلِبَ رَأْسَهَا، ثُمَّ يَشْرَبَ مِنْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى أَنْ يُشْرَبَ مِنْ فِي السِّقَاءِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ وَزَادَ قَالَ أَبُو أَيُّوبَ فَأُنْبِئْتُ أَنَّ رَجُلًا

стр. 1096

شَرِبَ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ فَهَذِهِ عِلَّةُ النَّهْي أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ شَيْءٌ وَلِأَنَّهُ يُقَذِّرُهُ عَلَى غَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ يُنْتِنُهُ بِتَرَدُّدِ أَنْفَاسِهِ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا غَلَبَهُ الْمَاءُ فَتَضَرَّرَ بِهِ، وَهَذَا نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ اتِّفَاقًا، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ، وَيَتَوَجَّهُ فِي كَرَاهَتِهِ مَا سَبَقَ أَوَّلَ الْفَصْلِ فِي الشُّرْبِ قَائِمًا. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي عُمَرَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ جَدَّتِهِ كَبْشَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَشَرِبَ مِنْ قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ قَائِمًا فَقُمْت إلَيْهَا فَقَطَعْتُهُ» وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وَرَوَاهُ سَعِيدٌ وَابْنُ مَاجَهْ وَلِأَحْمَدَ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ زَيْدِ ابْنِ بِنْتِ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أُمِّهِ أُمِّ سُلَيْمٍ الْبَرَاءُ انْفَرَدَ عَنْهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد ثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «دَعَا بِإِدَاوَةٍ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ اخْنَثَ فَمَ الْإِدَاوَةِ، ثُمَّ شَرِبَ مِنْ فِيهَا» حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَقَالَ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُضَعَّفُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، وَلَا أَدْرِي سَمِعَ مِنْ عِيسَى أَمْ لَا. وَأَمَّا الشُّرْبُ مِنْ ثُلْمَةِ الْإِنَاءِ فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ وَأَنْ يُنْفَخَ فِي الشَّرَابِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الزُّهْرِيِّ ضَعَّفَهُ الْأَكْثَرُ. وَقَالَ أَحْمَدُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ جِدًّا فَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ عِنْدَهُ وَتَرْكُهُ أَوْلَى وَحِكْمَتُهُ أَنْ لَا يَتَمَكَّنَ مِنْ حُسْنِ الشُّرْبِ وَهِيَ مَحَلُّ الْوَسَخِ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ غَسْلِهَا تَامًّا وَخُرُوجُ الْقَذَى وَنَحْوُهُ

стр. 1097

وَرُبَّمَا انْجَرَحَ بِحَدِّهَا، وَيُقَالُ إنَّ الرَّدِيءَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لَا خَيْرَ فِيهِ، يُرْوَى أَنَّ بَعْضَهُمْ رَأَى مَنْ يَشْتَرِي حَاجَةً رَدِيئَةً فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ أَمَا عَلِمْت أَنَّ اللَّهَ نَزَعَ الْبَرَكَةَ مِنْ كُلِّ رَدِيءٍ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَلَا يَشْرَبُ مُحَاذِيًا لِلْعُرْوَةِ وَيَشْرَبُ مِمَّا يَلِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ هَذَا وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الْجَوْزِيُّ وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ ذَكَرَ آدَابَ ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف: ٧١] . وَاحِدُهَا كُوبٌ وَهُوَ إنَاءٌ مُسْتَدِيرٌ لَا عُرْوَةَ لَهُ وَلَا أُذُنَ لَهُ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيُّ قَالَ شَيْخُنَا أَبُو مَنْصُورٍ اللُّغَوِيُّ وَإِنَّمَا كَانَتْ بِغَيْرِ عُرًى لِيَشْرَبَ الشَّارِبُ مِنْ أَيْنَ شَاءَ، لِأَنَّ الْعُرْوَةَ تَرُدُّ الشَّارِبَ عَنْ بَعْضِ الْجِهَاتِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا اتَّصَلَتْ الْعُرْوَةُ بِرَأْسِ الْإِنَاءِ، فَحِينَئِذٍ تَرُدُّ الْعُرْوَةُ الشَّارِبَ مُطْلَقًا أَوْ بَعْضَ الشَّيْءِ فَيَمْتَنِعُ الشُّرْبُ مُطْلَقًا أَوْ يَحْصُلُ قَلِيلًا فَيَتَنَغَّصُ الشُّرْبُ وَرُبَّمَا شَرِقَ أَوْ تَبَذَّرَ الْمَاءُ وَرُبَّمَا رَجَعَ إلَى الْإِنَاءِ فَأَمَّا إذَا لَمْ تَتَّصِلْ الْعُرْوَةُ بِالرَّأْسِ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِسَبَبِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِلْكَرَاهَةِ إذًا وَلِأَنَّهُ مِنْ الْأَدَبِ وَكَلَامُ صَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ وَإِنْ صَدَقَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّمَا أَرَادَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ وَلَوْ لَمْ يُرِدْهُ فَحَمْلُ كَلَامِهِ عَلَيْهِ لِمَا سَبَقَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ أَيْضًا عَلَى مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُسَنُّ أَنْ يَغُضَّ طَرْفَهُ عَنْ جَلِيسِهِ وَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ الْمُحْتَاجَ وَيُخَلِّلَ أَسْنَانَهُ إنْ عَلِقَ بِهَا شَيْءٌ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ تَرْكُ الْخِلَالِ يُوهِنُ الْأَسْنَانَ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ يُكْرَهُ التَّخَلُّلُ عَلَى الطَّعَامِ وَلَا يَتَخَلَّلُ بِقَصَبٍ

стр. 1098

وَرُمَّانٍ وَرَيْحَانٍ وَطُرَفَاءَ وَنَحْوِهَا، وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ يُخَلَّلُ مَا بَيْنَ الْمَوَاضِعِ بَعْدَ الْأَكْلِ قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ، وَالْقِ ذَلِكَ وَهَذَا لِلْخَبَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «مَنْ أَكَلَ فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيَلْفِظْ، وَمَنْ لَاكَ بِلِسَانِهِ فَلْيَبْلَعْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ وَفِي إسْنَادِهِ حُصَيْنُ بْنُ الْحِمْيَرِيِّ الْحُبْرَانِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخَيْرِ وَيُقَالُ أَبُو سَعْدٍ وَهُمَا مَجْهُولَانِ فَلِهَذَا ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ وَضَعْفُهُ أَوْلَى، وَقِيَاسُ قَوْلِ الْأَصْحَابِ الْعَمَلُ بِهِ فِي الِاسْتِحْبَابِ كَمَا قَالُوا بِمَا فِيهِ مِنْ الْمُسْتَجْمِرِ، وَالْمُكْتَحِلِ، وَلَا يَأْكُلُ مَا يُشْرَبُ عَلَيْهِ الْخَمْرُ، وَلَا مُخْتَلِطًا بِحَرَامٍ بِلَا ضَرُورَةٍ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَمِنْ الْآدَابِ أَنْ لَا يَأْكُلَ إلَّا مُطْمَئِنًّا وَهَذَا خِلَافُ أَشْهَرِ التَّفْسِيرَيْنِ فِيمَا رَوَاهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا» أَيْ لَا آكُلُ أَكْلَ رَاغِبٍ فِي الدُّنْيَا مُتَمَكِّنٍ بَلْ آكُلُ مُسْتَوْفِزًا بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَقَدْ فُسِّرَ ذَلِكَ بِالتَّرَبُّعِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّجَبُّرِ. وَعَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ «إنَّمَا أَنَا عَبْدٌ أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ، وَآكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ» وَفُسِّرَ الِاتِّكَاءُ بِالْمَيْلِ عَلَى الْجَنْبِ، وَالِاسْتِنَادِ إلَى شَيْءٍ وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ عُرْفًا وَهُوَ يَضُرُّ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ لِتَغَيُّرِ الْأَعْضَاءِ، وَالْمَعِدَةِ عَنْ الْوَضْعِ الطَّبِيعِيِّ وَلَا يَصِلُ الْغِذَاءُ بِسُهُولَةٍ. وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَكْلُ الرَّجُلِ مُتَّكِئًا يَدُلُّ عَلَى اسْتِخْفَافِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ فِيمَا قَدَّمَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رِزْقِهِ وَفِيمَا يَرَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى تَنَاوُلِهِ، وَيُخَالِفُ عَوَائِدَ النَّاسِ عِنْدَ أَكْلِهِمْ الطَّعَامَ مِنْ الْجُلُوسِ إلَى أَنْ يَتَّكِئَ فَإِنَّ هَذَا يَجْمَعُ بَيْنَ سُوءِ الْأَدَبِ، وَالْجَهْلِ وَاحْتِقَارِ النِّعْمَةِ، وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَّكِئًا لَا يَصِلُ الْغِذَاءُ إلَى قَعْرِ الْمَعِدَةِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْهَضْمِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَنَبَّهَ عَلَى كَرَاهَتِهِ.

стр. 1099

وَعَنْهُ ﵇ «أَنَّهُ أَكَلَ مُقْعِيًا تَمْرًا» وَفِي لَفْظٍ «يَأْكُلُ مِنْهُ أَكْلًا ذَرِيعًا» وَفِي لَفْظٍ «حَثِيثًا» رَوَى ذَلِكَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. " مُقْعِيًا " أَيْ جَالِسًا عَلَى أَلْيَتِهِ نَاصِبًا سَاقَيْهِ، " وَذَرِيعًا " " وَحَثِيثًا " أَيْ مُسْتَعْجِلًا لِشُغْلٍ آخَرَ. وَسَبَقَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ ﵇ جَثَا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ تَكْرَهُ الْأَكْلَ مُتَّكِئًا قَالَ أَلَيْسَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا؟» قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. لَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا فَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ إنَّ مِنْ آدَابِ الْأَكْلِ أَنْ لَا يَأْكُلَ مُتَّكِئًا وَلَا مُنْبَطِحًا وَلَا يَأْكُلُ إلَّا مُطَمْئِنًا. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مَطْعَمَيْنِ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ وَأَنْ يَأْكُلَ وَهُوَ مُنْبَطِحٌ عَلَى بَطْنِهِ» وَقَالَ لَمْ يَسْمَعْهُ جَعْفَرٌ بْنُ بُرْقَانَ مِنْ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ مُنْكَرٌ، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ. وَذَكَرَ مَشَايِخُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ الْأَكْلُ مُتَّكِئًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ يَوْمَ خَيْبَرَ مُتَّكِئًا كَذَا قَالُوا، وَلَا يُلْقِمُ جَلِيسَهُ وَلَا يُفْسِحُ لَهُ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الطَّعَامِ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ الْأَدَبِ أَنْ لَا يُلْقِمَ أَحَدًا يَأْكُلُ مَعَهُ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِ الطَّعَامِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ عَمَلًا بِالْعَادَةِ، وَالْعُرْفِ فِي ذَلِكَ لَكِنَّ الْأَدَبَ، وَالْأَوْلَى الْكَفُّ عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَالْإِقْدَامِ عَلَى طَعَامِهِ بِبَعْضِ التَّصَرُّفِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ صَرِيحٍ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ تَقْدِيمُ بَعْضِ الضِّيفَانِ مَا لَدَيْهِ وَنَقْلُهُ إلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ لَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِفَاعِلِ ذَلِكَ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّ جَلِيسِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَالْقَرِينَةُ تَقُومُ مَقَامَ الْإِذْنِ فِي ذَلِكَ قَالَ أَنَسٌ «دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ فَانْطَلَقْت مَعَهُ فَجِيءَ بِمَرَقٍ فِيهَا دُبَّاءٌ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ الدُّبَّاءِ وَيُعْجِبُهُ فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِكَ جَعَلْت أُلْقِيهِ وَلَا أَطْعَمُهُ قَالَ أَنَسٌ فَمَا زِلْت أُحِبُّ الدُّبَّاءَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَقُلْ وَلَا أَطْعَمُهُ. وَفِيهِ أَنَّ خَادِمَ الْكَبِيرِ يَتْبَعُهُ فِي الدَّعْوَةِ كَمَا هُوَ فِي الْعُرْفِ وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ زَوْجَةٍ وَغَيْرِهَا، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَتَوَقَّفُ حُضُورُ الْكَبِيرِ عَلَيْهِ لِتَعَلُّقِ مَصْلَحَتِهِ وَحَاجَتِهِ بِهِ،، وَالدَّاعِي يَرْضَى بِذَلِكَ وَيَأْذَنُ فِيهِ عَادَةً وَعُرْفًا لَا بِغَيْرِهِ فَاخْتُصَّ

стр. 1100

بِالْجَوَازِ لِذَلِكَ، وَقَدْ يُقَالُ كَأَنَّهُ مَدْعُوٌّ لِهَذَا الْمَعْنَى وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ وَاضِحٌ كَمَا تَرَى وَلَمْ أَجِدْ مَنْ ذَكَرَهُ. فَإِنْ قِيلَ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الدَّاعِيَ يَأْذَنُ فِي ذَلِكَ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِيلَ يَأْذَنُ لِمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ لَا لِمَعْنًى خَاصٍّ وَلِهَذَا اسْتَأْذَنَ ﵇ فِي غَيْرِ خَادِمِهِ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ فِي خَادِمِهِ قَطُّ مَعَ أَنَّهُ خَدَمَهُ مُدَّةَ إقَامَتِهِ ﵇ بِالْمَدِينَةِ لَا زَمَنًا يَسِيرًا وَكَانَ ﵇ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ دَعْوَةٍ بِلَا عُذْرٍ وَخَادِمُهُ مُلَازِمُهُ غَالِبًا أَوْ كَثِيرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ فَقَالَ لِغُلَامِهِ: وَيْحَك اصْنَعْ لَنَا طَعَامًا لِخَمْسَةِ نَفَرٍ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ فَاتَّبَعَهُمْ رَجُلٌ لَمْ يُدْعَ فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّ هَذَا اتَّبَعَنَا فَإِنْ شِئْت أَنْ تَأْذَنَ لَهُ وَإِنْ شِئْت رَجَعَ قَالَ بَلْ آذَنُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي مُسْلِمٍ لَمْ يُدْعَ، فِيهِ أَنَّ مَنْ دُعِيَ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ لَا يَنْهَاهُ وَلَا يَأْذَنُ لَهُ وَيَلْزَمُهُ إعْلَامُ صَاحِبِ الطَّعَامِ وَيُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حُضُورِهِ مَفْسَدَةٌ. وَعَنْ أَنَسٍ (﵁) «أَنَّ جَارًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَارِسِيًّا كَانَ طَيِّبَ الْمَرَقِ صَنَعَ لَهُ طَعَامًا، ثُمَّ جَاءَ يَدْعُوهُ فَقَالَ: وَهَذِهِ لِعَائِشَةَ فَقَالَ: لَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا فَعَادَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَهَذِهِ قَالَ: لَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا، ثُمَّ عَادَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَذِهِ قَالَ نَعَمْ فِي الثَّالِثَةَ، فَقَامَا يَتَدَافَعَانِ حَتَّى أَتَيَا مَنْزِلَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ كَرِهَ ﵇ أَنْ يَخْتَصَّ عَنْ عَائِشَةَ بِالطَّعَامِ فِي هَذِهِ الْحَالِ لِحَاجَتِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الْحَالِ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حُضُورُهَا مَعَهُ فِي ذَلِكَ مُعْتَادًا وَقَوْلُهُ يَتَدَافَعَانِ أَيْ يَمْشِي كُلُّ وَاحِدٍ فِي أَثَرِ الْآخَرِ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مِنْ ذَهَابِهِ هُوَ ﵇ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، وَالْفَاقَةِ إلَى حَدِيقَةِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التِّيهَانِ ﵁ فَلَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ اسْتِتْبَاعِ الْإِنْسَانِ

стр. 1101

إلَى دَارِ مَنْ يَعْلَمُ رِضَاهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ مَدْعُوًّا فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَالْقَضِيَّةُ قَضِيَّةُ عَيْنٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ عَلِمُوا رِضَاهُ بِذَلِكَ وَهَذَا جَائِزٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَضْيَافٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي وَيُحْتَمَلُ أَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى اسْتِتْبَاعِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ قُومَا فَقَامَا فَأَتَى رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ مَرْحَبًا وَأَهْلًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَأَيْنَ فُلَانٌ؟ قَالَتْ ذَهَبَ لِيَسْتَعْذِبَ لَنَا مِنْ الْمَاءِ إذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَنَظَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمُ أَضْيَافًا مِنِّي قَالَ: فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ فَقَالَ كُلُوا وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إيَّاكَ، وَالْحَلُوبَ فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً فَأَكَلُوا مِنْ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ» . وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «هَلْ لَك خَادِمٌ قَالَ: لَا قَالَ: فَإِذَا أَتَانَا شَيْءٌ فَائْتِنَا فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَأْسَيْنِ فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اخْتَرْ مِنْهُمَا قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ اخْتَرْ لِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ خُذْ هَذَا فَإِنِّي رَأَيْته يُصَلِّي وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا. فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ إلَى امْرَأَتِهِ فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ: مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ إلَّا أَنْ نُعْتِقَهُ قَالَ فَهُوَ عَتِيقٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً إلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ» هَذَا حَدِيثٌ تَضَمَّنَ فَوَائِدَ حَسَنَةً يُحْتَاجُ إلَيْهَا مَفْهُومَةً مِنْهُ فَلِهَذَا ذَكَرْتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَكِنْ فِي خَبَرِ جَابِرٍ ﵁ زَمَنَ الْخَنْدَقِ «أَنَّهُ صَنَعَ طَعَامًا، ثُمَّ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَقُلْت طُعَيِّمٌ لِي فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ قَالَ: كَمْ هُوَ؟ فَذَكَرْت لَهُ قَالَ كَثِيرٌ طَيِّبٌ، قُلْ لَهَا لَا تَنْزِعْ الْبُرْمَةَ وَلَا الْخُبْزَ حَتَّى آتِيَ قَالَ قُومُوا فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ، وَالْأَنْصَارُ وَمَنْ مَعَهُمْ قَالَ: فَقَالَ اُدْخُلُوا وَلَا تَضَاغَطُوا فَجَعَلَ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيُجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ وَيُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ، وَالتَّنُّورَ إذَا أَخَذَ مِنْهُ

стр. 1102

وَيُقَرِّبُ إلَى أَصْحَابِهِ حَتَّى شَبِعُوا وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ قَالَ كُلِي هَذَا وَأَهْدِي فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ يَعْنِي يَقُولُ لِامْرَأَةِ جَابِرٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ جَابِرٌ «فَجِئْته فَسَارَرْته فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا قَدْ ذَبَحْنَا بَهِيمَةً لَنَا وَطَحَنْت صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا فَتَعَالَ أَنْتَ فِي نَفَرٍ مَعَك فَصَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُورًا فَحَيَّ هَلًا بِكُمْ وَفِيهِ فَبَصَقَ فِيهِمَا وَبَارَكَ. وَفِيهِ وَهُمْ أَلْفٌ فَأُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لِتَغُطّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ» . وَفِي الْبُخَارِيُّ «أَنَّهُ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ فَجَاءُوا إلَيْهِ فَقَالَ أَنَا نَازِلٌ، ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِعْوَلَ فَضَرَبَ فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ أَوْ أَهْيَمَ» . وَمِثْلُ مَعْنَى هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي اسْتِتْبَاعِ الْمَدْعُوِّ إلَى مَنْ يَعْلَمُ رِضَاهُ حَدِيثُ «أَنَسٍ ﵁ لَمَّا أَرْسَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ يَدْعُوهُ فَقَالَ لِمَنْ عِنْدَهُ: قُومُوا وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ عَصَبَ بَطْنَهُ عَنْ الْجُوعِ: وَفِيهِ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ رَآهُ فِي الْمَسْجِدِ يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ فَظَنَّهُ لَجَائِعًا، وَفِيهِ أَنَّهُ أَذِنَ لِعَشَرَةٍ عَشَرَةٍ» . وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا ثَمَانِينَ رَجُلًا وَفِي مُسْلِمٍ، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلًا أَوْ ثَمَانُونَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ. وَأُخِذَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ السَّابِقِ اسْتِحْبَابُ إيثَارِ الضِّيفَانِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا إذَا لَمْ يَكْرَهْ صَاحِبُ الطَّعَامِ كَذَا قَالَ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ «أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا نَاسًا فُقَرَاءَ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةٍ» كَذَا فِي مُسْلِمٍ أَيْ بِتَمَامِ ثَلَاثَةٍ. وَفِي الْبُخَارِيِّ: " وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ بِسَادِسٍ " أَوْ كَمَا قَالَ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ فَانْطَلَقَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِعَشَرَةٍ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيّ ﷺ ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلَّيْت الْعِشَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ بَعْدَ مَا ذَهَبَ مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَتْ امْرَأَتُهُ: مَا أَحْبَسَكَ عَنْ

стр. 1103

أَضْيَافِك قَالَ أَوَمَا عَشَّيْتِهِمْ؟ قَالَتْ أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ أَنْتَ قَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ فَغَلَبُوهُمْ قَالَ: فَذَهَبْت أَنَا فَاخْتَبَأْت فَقَالَ يَا غُنْثَرُ فَجَدَعَ وَسَبَّ وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا قَالَ: وَاَيْمُ اللَّهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا قَالَ: شَبِعْنَا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَنَظَرَ إلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ، ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مِرَارٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ الشَّيْطَانِ يَعْنِي يَمِينَهُ. وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ «نَزَلَ عَلَيْنَا أَضْيَافٌ لَنَا وَكَانَ أَبِي يَتَحَدَّثُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ فَانْطَلَقَ قَالَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ اُفْرُغْ مِنْ أَضْيَافِك قَالَ فَلَمَّا أَمْسَيْت جِئْنَا بِقِرَاهُمْ قَالَ فَأَبَوْا قَالُوا حَتَّى يَجِيءَ أَبُو مَنْزِلِنَا فَيَطْعَمَ مَعَنَا قَالَ فَقُلْتُ إنَّهُ رَجُلٌ حَدِيدٌ وَإِنَّكُمْ إنْ لَمْ تَفْعَلُوا خِفْت أَنْ يُصِيبَنِي مِنْهُ أَذًى قَالَ فَأَبَوْا فَلَمَّا جَاءَ لَمْ يَبْدَأْ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنْهُمْ فَقَالَ فَرَغْتُمْ مِنْ أَضْيَافِكُمْ؟ قَالُوا لَا وَاَللَّهِ مَا فَرَغْنَا قَالَ أَوَلَمْ آمُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَالَ وَتَنَحَّيْت عَنْهُ فَقَالَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَتَنَحَّيْت، فَقَالَ يَا غُنْثَرُ أَقْسَمْت عَلَيْك إنْ كُنْت تَسْمَعُ صَوْتِي إلَّا أَجَبْت قَالَ فَجِئْت فَقُلْت وَاَللَّهِ مَا لِي ذَنْبٌ، هَؤُلَاءِ أَضْيَافُك فَسَلْهُمْ قَدْ أَتَيْتُهُمْ بِقِرَاهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُطْعَمُوا حَتَّى تَجِيءَ قَالَ فَقَالَ مَا لَكُمْ أَلَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَاَللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ قَالَ فَقَالُوا وَاَللَّهِ لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ قَالَ فَمَا رَأَيْت الشَّرَّ كَاللَّيْلَةِ قَطُّ، وَيْلَكُمْ مَا لَكُمْ أَلَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ، ثُمَّ قَالَ إنَّمَا الْأُولَى فَمِنْ الشَّيْطَانِ هَلُمُّوا قِرَاكُمْ قَالَ فَجِيءَ بِالطَّعَامِ فَسَمَّى فَأَكَلَ وَأَكَلُوا قَالَ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَرُّوا وَحَنِثْتُ، وَأَخْبَرَهُ قَالَ بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَخْيَرُهُمْ قَالَ وَلَمْ تَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ، وَالْبُخَارِيُّ وَلَيْسَ فِيهِ: " بَرُّوا وَحَنِثْتُ إلَى آخِرِهِ ". وَفِيهِ فَحَلَفَتْ الْمَرْأَةُ لَا تَطْعَمُهُ حَتَّى يَطْعَمَهُ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ: حَتَّى نَعَسَ وَهِيَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ إنَّمَا عِنْدَهُ حَتَّى تَعَشَّى.

стр. 1104

فِيهِ الِاشْتِغَالُ عَنْ الضَّيْفِ بِشُغْلٍ وَمَصْلَحَةٍ إذَا كَانَ لَهُ مَنْ يَقُومُ بِهِ. وَفِيهِ أَنَّ الضَّيْفَ لَا يَمْتَنِعُ مِمَّا يُرِيدُ الْمُضِيفُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِقِرَاهُ وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَتَكَلَّفُ مَشَقَّةً حَيَاءً مِنْهُ اعْتَرَضَ بِرِفْقٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْمُضِيفِ غَرَضٌ فِي ذَلِكَ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ إظْهَارُهُ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ مُخَالَفَةُ الضَّيْفِ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَاوِيُّ ذَلِكَ عَنْ الْعُلَمَاءِ. وَفِيهِ السَّمَرُ مَعَ الضَّيْفِ وَالْأَهْلِ كَمَا تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ وَتَرْجَمَ أَيْضًا (بَابٌ فِي قَوْلِ الضَّيْفِ لِصَاحِبِهِ لَا آكُلُ حَتَّى تَأْكُلَ) وَإِنَّمَا امْتَنَعَ أَضْيَافُ أَبِي بَكْرٍ لِمَصْلَحَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَحْصُلُ لَهُ عَشَاءٌ. وَإِنَّمَا اخْتَبَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ خَوْفَ خِصَامٍ وَشَتْمٍ، وَغُنْثَرُ الْأَشْهَرُ أَنَّهُ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَمَضْمُومَةٍ، ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ ثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمَضْمُومَةٍ وَهُوَ الثَّقِيلُ، وَقِيلَ الْجَاهِلُ وَقِيلَ السَّفِيهُ وَقِيلَ اللَّئِيمُ وَقِيلَ هُوَ ذُبَابٌ أَزْرَقُ. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْتَرُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَتَاءٍ مُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَهُوَ الذُّبَابُ الْأَزْرَقُ، وَقَوْلُهُ فَجَدَعَ أَيْ دَعَا بِالْجَدْعِ وَهُوَ قَطْعُ الْأَنْفِ وَغَيْرِهِ، وَالسَّبُّ الشَّتْمُ. وَفِيهِ الِاخْتِبَاءُ خَوْفَ أَذًى وَإِنَّهُ لَا أَذًى بِمِثْلِ هَذَا مِنْ الْوَالِدِ. قَوْلُهُ: لَا هَنِيئًا إنَّمَا قَالَهُ غَيْظًا بِتَرْكِهِمْ الْعَشَاءَ بِسَبَبِهِ، كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ عَمَّا يَحْدُثُ فِي حَالِ الْغَيْظِ. وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ قَالَ أَدَبًا عَلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَلَهُ نَظَائِرُ كَقَوْلِهِ ﵇ لِلْمُمْتَنِعِ مِنْ الْأَكْلِ بِيَمِينِهِ وَقَوْلُهُ لَا أَسْتَطِيعُ قَالَ «لَا اسْتَطَعْتَ مَا مَنَعَهُ إلَّا الْكِبْرُ» . وَقَوْلُهُ «مَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْهِ» وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ لِلْقَائِلِ فِي الْجِنَازَةِ اسْتَغْفِرُوا لَهُ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَك. وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ لَا هَنِيئًا إنَّمَا هُوَ خَبَرٌ أَيْ لَمْ يَتَهَنَّوْا بِهِ فِي وَقْتِهِ، وَفِيهِ إثْبَاتُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَقُرَّةُ الْعَيْنِ يُرَادُ بِهَا الْمَسَرَّةُ فَقِيلَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْقَرَارِ، لِأَنَّ عَيْنَهُ تَقِرُّ لِحُصُولِ مُرَادِهِ فَلَا تَسْتَشْرِفُ لِشَيْءٍ، وَقِيلَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْقُرِّ بِضَمِّ الْقَافِ وَهُوَ الْبَرْدُ أَيْ عَيْنُهُ بَارِدَةٌ لِسُرُورِهَا يُقَالُ أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ أَيْ أَبْرَدَ دَمْعَتَهُ؛ لِأَنَّ دَمْعَةَ الْفَرَحِ بَارِدَةٌ. وَيُقَالُ فِي ضِدِّهِ أَسْخَنَ اللَّهُ عَيْنَهُ، وَفِيهِ الْقَسَمُ بِمَخْلُوقٍ قِيلَ أَرَادَتْ بِقُرَّةِ عَيْنِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَقْسَمَتْ بِهِ، وَقَوْلُهُ لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي لَا زَائِدَةٌ وَقِيلَ نَافِيَةٌ أَيْ لَا شَيْءَ غَيْرُ مَا أَقُولُ وَهُوَ قُرَّةُ عَيْنِي.

стр. 1105

وَقَوْلُهُ رَجُلٌ حَدِيدٌ: أَيْ قَوِيٌّ يَغْضَبُ لِذَلِكَ. قَوْلُهُ أَلَا تَقْبَلُونَ؟ أَلَا بِتَخْفِيفِ اللَّامِ لِلتَّحْضِيضِ وَافْتِتَاحِ الْكَلَامِ، وَقِيلَ مُشَدَّدَةٌ أَيْ مَا لَكُمْ لَا تَقْبَلُونَ؟ وَأَيُّ شَيْءٍ مَنَعَكُمْ؟ قَوْلُهُ أَخْيَرُهُمْ هِيَ لُغَةٌ، وَالْأَشْهَرُ خَيْرُهُمْ، وَفِيهِ تَقْدِيمُ حِنْثِ الْمُضِيفِ لِتَأَكُّدِ حَقِّ الضَّيْفِ، وَقَوْلُهُ لَمْ يَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ أَيْ قَبْلَ الْحِنْثِ، أَمَّا وُجُوبُهَا فَلَا خِلَافَ فِيهِ، كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْأَيْمَانِ مِنْ الْفِقْهِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ إنِّي مَجْهُودٌ فَأَرْسَلَ إلَى نِسَائِهِ قُلْنَ كُلُّهُنَّ: لَا وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إلَّا مَاءٌ قَالَ مَنْ يُضِيفُهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ﵀؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إلَى رَحْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ هَلْ عِنْدَك شَيْءٌ؟ قَالَتْ لَا إلَّا قُوتُ صِبْيَانِنَا قَالَ فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ قَالَ فَقَعَدُوا فَأَكَلَ الضَّيْفُ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَفِيهِمَا «وَقَرِّبِي لِلضَّيْفِ مَا عِنْدَك» قَالَ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ. وَفِي الْبُخَارِيِّ: «ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نَدَّخِرُ بِهِ شَيْئًا» وَفِيهِ «إذَا أَرَادَ الضَّيْفُ الْعَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ» . وَفِيهِ «أَنَّ مَنْ سُئِلَ شَيْئًا قَامَ بِهِ إنْ أَمْكَنَهُ وَإِلَّا سَأَلَ لَهُ» لَكِنْ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ سُؤَالٌ مُعَيَّنٌ، وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ مِنْ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَالتَّقَلُّلِ مِنْهَا، وَفِيهِ الِاحْتِيَالُ، وَالتَّلَطُّفُ بِإِكْرَامِ الضَّيْفِ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْأَنْصَارِيِّ وَأَوْلَادِهِ حَاجَةٌ إلَى الْأَكْلِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ الضَّرَرُ بِتَرْكِهِ وَإِلَّا لَوَجَبَ تَقْدِيمُهُمْ شَرْعًا عَلَى حَقِّ الضَّيْفِ وَفِيهِ الْإِيثَارُ مِمَّنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِأُمُورِ الدُّنْيَا قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى فَضِيلَتِهِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُصُولِ الْكِفَايَةِ مَعَ حِيَازَةِ الْفَضِيلَةِ. وَلِهَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافٍ الثَّلَاثَةَ وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافٍ الْأَرْبَعَةَ» وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» . وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آخَى بَيْنَ سَلْمَانَ

стр. 1106

وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَنَّ سَلْمَانَ زَارَهُ فَصَنَعَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَهُ طَعَامًا وَقَالَ لَهُ كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ سَلْمَانُ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ فَأَكَلَ» . قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ آدَابِ الضَّيْفِ وَلَكِنَّهُ قَصَدَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِفْرَاطِ فِي كَثْرَةِ الْعِبَادَةِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ النِّسَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ زِيَارَةِ الْأَخِ أَخَاهُ فَإِنْ رَآهُ عَلَى خَيْرٍ أَعَانَهُ، وَإِنْ رَآهُ مُحْتَاجًا إلَى تَقْوِيمٍ قَوَّمَهُ، قَالَ وَفِيهِ جَوَازُ أَنْ يُؤَاخَى بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إخْوَةٌ إلَّا أَنَّ هَذَا الْإِخَاءَ لِمَعْنًى وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ نَظَرَ بِنُورِ الْأَيْمَانِ إلَى خُشُونَةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ يَصْلُحُ أَنْ يُضَافَ إلَيْهَا عِلْمُ سَلْمَانَ وَفِقْهُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ فِي الْغُنْيَةِ وَإِنْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ إنْسَانٌ قَائِمٌ أَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ فَإِنْ أَبَى عَلَيْهِ أَوْ قَامَ مَمْلُوكُهُ أَوْ غُلَامُهُ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ وَسَقْيِهِ الْمَاءَ أَخَذَ مِنْ أَطَايِبِ الطَّعَامِ فَلَقَمَهُ، وَإِذَا أَكَلَ مَعَ ضَرِيرٍ أَعَلَمَهُ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَرُبَّمَا فَاتَهُ أَطَايِبُ الطَّعَامِ لِعَمَاهُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْمُغْنِي فِي مَسْأَلَةِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ هَلْ لَهُ الصَّدَقَةُ مِنْ قُوتِهِ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِ: إنَّ الضَّيْفَ لَا يَمْلِكُ الصَّدَقَةَ بِمَا أُذِنَ لَهُ فِي أَكْلِهِ وَقَالَ إنْ حَلَفَ لَا يَهَبُهُ فَأَضَافَهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ شَيْئًا وَإِنَّمَا أَبَاحَهُ الْأَكْلَ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، خُولِفَ فِي أَكْلِهِ مِنْهُ لِإِذْنِهِ فِيهِ يَبْقَى مَا سِوَاهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِذْنِ فِي الْأَدْنَى الْإِذْنُ فِي الْأَعْلَى وَحَقُّ الْآدَمِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ، وَالضِّيقِ. وَمُقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلِ التَّحْرِيمُ. وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ إنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُلْقِمَ مَنْ حَضَرَ مَعَهُ قَالَ، لِأَنَّهُ يَأْكُلُ مِلْكَ صَاحِبِهِ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِتَمْلِيكٍ، وَوُجِّهَتْ رِوَايَةَ الْجَوَازِ فِي مَسْأَلَةِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ بِأَنَّهُ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْمُسَامَحَةِ فِيهِ، وَالْإِذْنِ عُرْفًا فَجَازَ كَصَدَقَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ بَيْت زَوْجِهَا، وَهَذَا التَّعْلِيلُ جَارٍ فِي مَسْأَلَةِ الضَّيْفِ فَيَتَوَجَّهُ الْقَوْلُ بِهِ فِيهَا حَيْثُ جَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَلْخِيصُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الضَّيْفَ لَا يَمْلِكُ مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِفِعْلِهِ، وَالْمُسَامَحَةُ فِيهِ وَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَلَمْ تُخَالِفْهُ قَرِينَةٌ كَتَلْقِيمِ بَعْضٍ بَعْضًا وَتَقْدِيمِ طَعَامٍ

стр. 1107

وَإِطْعَامِ سِنَّوْرٍ وَكَلْبٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنْ عَلِمَ رِضَا صَاحِبِهِ بِذَلِكَ جَازَ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَالْأَوْلَى جَوَازُهُ. وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ بَابُ مَنْ نَاوَلَ أَوْ قَدَّمَ إلَى صَاحِبِهِ عَلَى الْمَائِدَةِ شَيْئًا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ لَا بَأْسَ أَنْ يُنَاوِلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلَا يُنَاوِلُ مِنْ هَذِهِ الْمَائِدَةِ إلَى مَائِدَةٍ أُخْرَى. ثُمَّ رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِيَّ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ فَذَهَبَ أَنَسٌ مَعَهُ فَقَرَّبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ قَالَ أَنَسٌ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيْ الصَّحْفَةِ فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمَئِذٍ فَجَعَلْت أَجْمَعُ الدُّبَّاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ» . وَذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ وَفِيهَا قَالَ فَاقْبَلْ الْغُلَامُ عَلَى عَمَلِهِ وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ بَابُ مَنْ أَضَافَ رَجُلًا إلَى طَعَامٍ وَأَقْبَلَ عَلَى عَمَلِهِ وَمَا ذَكَرَهُ حَسَنٌ إذَا لَمْ يُخَالِفْ عَادَةً أَوْ قَرِينَةً مُؤْذِيَةً لِلضَّيْفِ وَتَمْنَعُ إكْرَامَهُ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمَنْ مَنَعَ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى أَنْ يَحْمِلَ خَبَرَ أَنَسٍ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ رَبَّ الطَّعَامِ رَاضٍ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ سَأَلَ سَائِلٌ حَنْبَلِيًّا فَقَالَ هَلْ يَجُوزُ لِلْقَوْمِ يُقَدَّمُ لَهُمْ الطَّعَامُ أَنْ يُقَرِّبَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ قَدْ كُنْت أَقُولُ لَا يَجُوزُ وَلَا لِسِنَّوْرٍ حَتَّى وَجَدْتُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ الْمَذْكُورَ. وَلِرَبِّ الطَّعَامِ أَوْ بَعْضِ أَهْلِهِ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ الضِّيفَانِ بِشَيْءٍ طَيِّبٍ إذَا لَمْ يَتَأَذَّ غَيْرُهُ وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَخْصُوصِ أَوْ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَنَاوُلُهُ وَأَنَّهُ لَا يَفْضُلُ مِنْهُ شَيْئًا بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ مِنْ ذَلِكَ لِمَا سَبَقَ فِي حِفْظِ الصِّحَّةِ فِي قِصَّةِ أَبِي أَسِيدٍ مَعَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلضَّيْفِ أَنْ يُفْضِلَ شَيْئًا لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَبَرَّكُ بِفَضْلَتِهِ أَوْ كَانَ، ثَمَّ حَاجَةٌ. قَالَ أَبُو أَيُّوبَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ أَكَلَ وَبَعَثَ بِفَضْلِهِ إلَيَّ» فَيَسْأَلُ أَبُو أَيُّوبَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ وَقَدْ سَبَقَ حَدِيثُ جَابِرٍ «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» فِي حِفْظِ الصِّحَّةِ. وَفِيهِ أَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ يَبْدَأُ بِالضَّيْفِ قَبْلَ نَفْسِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ وَإِنَّهُ

стр. 1108

لَا بَأْسَ أَنْ يَخُصَّ الضَّيْفَ بِشَيْءٍ وَيَخْتَصَّ بِشَيْءٍ وَيَشْتَرِكَانِ فِي شَيْءٍ حَتَّى فِي الْخُبْزِ لَا سِيَّمَا مَعَ الْحَاجَةِ وَأَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ إنْ شَاءَ أَبْقَى الْأَرْغِفَةَ صِحَاحًا وَإِنْ شَاءَ كَسَرَهَا أَوْ بَعْضَهَا وَإِنَّ الضَّيْفَ يُبْقِي ذَلِكَ، وَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ تَسَاوِيَ الضِّيفَانِ فِيمَا حَضَرَ أَوْلَى بَلْ قَدْ يَتَوَجَّهُ أَنْ لَوْ بَادَرَ أَحَدُهُمْ إلَى أَكْلِ مَا حَضَرَ مُخْتَصًّا بِهِ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَأْذَنُ فِيهِ صَاحِبُ الطَّعَامِ وَلَا يُعْجِبُهُ وَيَتَسَخَّطُ بِهِ عَادَةً وَعُرْفًا. وَفِيهِ أَخْذُ الْإِنْسَانِ بِيَدِ صَاحِبِهِ فِي تَمَاشِيهِمَا وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ يَحْرُمُ رَفْعُ الْمَائِدَةِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهَا؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ بِالْأَكْلِ لَا بِالرَّفْعِ وَلَوْ نَاوَلَ الضَّيْفَ لُقْمَةً مِنْ طَعَامِ ضَيْفٍ آخَرَ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْآخِذِ أَنْ يَأْكُلَ بَلْ يَضَعُ، ثُمَّ يَأْكُلُ مِنْ الْمَائِدَةِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ بِالْأَكْلِ لَا بِالْإِعْطَاءِ. وَقَالَ عَامَّةُ مَشَايِخِهِمْ يَحِلُّ لَهُ لِلْعَادَةِ، وَكَذَا لَوْ نَاوَلَ بَعْضُ الْخَدَمِ الَّذِي هُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ الْمَائِدَةِ جَازَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ سَائِلًا وَلَا إنْسَانًا دَخَلَ هُنَاكَ لِحَاجَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا إذْنَ فِيهِ عَادَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ نَاوَلَ شَيْئًا مِنْ الْخُبْزِ، وَاللَّحْمِ كَلْبَ صَاحِبِ الْبَيْتِ أَوْ غَيْرَهُ لَا يَسَعُهُ، وَلَوْ نَاوَلَهُ الطَّعَامَ، وَالْخُبْزَ الْمُحْتَرِقِ وَسِعَهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عَادَةً انْتَهَى كَلَامُهُمْ وَيَنْبَغِي أَنْ يُطْعِمَ رَبُّ الطَّعَامِ مِنْ حَضَرَهُ شَيْئًا مِنْهُ ذَكَرَ ابْنُ عَبْد الْبَرِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَبَعْضُهُمْ يَرْفَعُهُ قَالَ الْكِلَابُ ضَعَفَةُ الْجِنِّ فَإِذَا حَضَرَ طَعَامُكُمْ فَاطْرُدُوهُمْ وَأَطْعِمُوهُمْ شَيْئًا فَإِنَّ لَهَا أَنْفُسَ سُوءٍ يَعْنِي أَعْيُنَ سُوءٍ.

стр. 1109

[فَصْلٌ فِي تَنَاهُدِ الرِّفَاقِ وَاشْتِرَاكِهِمْ فِي الطَّعَامِ] ِ) قِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ أَيُّهُمَا أَحَبُّ إلَيْك يَعْتَزِلُ الرَّجُلُ فِي الطَّعَامِ أَوْ يُرَافِقُ قَالَ يُرَافِقُ هَذَا أَرْفَقُ يَتَعَاوَنُونَ إذَا كُنْت وَحْدَك لَمْ يُمْكِنْك الطَّبْخُ وَلَا غَيْرُهُ، وَلَا بَأْسَ بِالنَّهْدِ قَدْ تَنَاهَدَ الصَّالِحُونَ. كَانَ الْحَسَنُ إذَا سَافَرَ أَلْقَى مَعَهُمْ وَيَزِيدُ أَيْضًا بِقَدْرِ مَا يَلْقَى يَعْنِي فِي السِّرِّ، وَمَعْنَى النَّهْدِ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرُّفْقَةِ شَيْئًا مِنْ النَّفَقَةِ يَدْفَعُونَهُ إلَى رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ وَيَأْكُلُونَ جَمِيعًا، وَإِنْ أَكَلَ بَعْضُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ فَلَا بَأْسَ، وَكَذَلِكَ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ أَحْمَدَ السَّابِقِ وَيُفَارَقُ النِّثَارُ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِنَهْبٍ وَتَسَالُبٍ وَتَجَاذُبٍ بِخِلَافِ هَذَا، فَعَلَى هَذَا لَوْ وُجِدَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ فِي التَّنَاهُدِ كُرِهَ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ كَالنِّثَارِ وَهَلْ تَجُوزُ الصَّدَقَةُ مِنْهُ قَالَ أَبُو دَاوُد سَمِعْت أَحْمَدَ قِيلَ لَهُ يُتَنَاهَدُ فِي الطَّعَامِ فَيُتَصَدَّقُ مِنْهُ. قَالَ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ أَوْ قَالَ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ لَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَنَظَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إلَى الْعُرْفِ، وَالْعَادَةِ فِي ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا يَتَوَجَّهُ صَدَقَةُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بِمَا يُتَسَامَحُ بِهِ عَادَةً وَعُرْفًا، وَالْمُضَارِبِ، وَالضَّيْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

стр. 1110

[فَصْلٌ فِي آدَابِ الْأَكْلِ] فَصْلٌ وَمِنْ آدَابِ الْأَكْلِ أَنْ تَجْعَلَ بَطْنَك ثَلَاثًا، ثُلُثًا لِلطَّعَامِ وَثُلُثًا لِلشَّرَابِ وَثُلُثًا لِلنَّفَسِ، وَلَوْ أَكَلْت كَثِيرًا لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ قَالَ الْحَسَنُ لَيْسَ فِي الطَّعَامِ إسْرَافٌ، وَالْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ فِي ذَلِكَ وَرَدَ بِالْأَكْلِ تَأْدِيبًا لَا تَحْدِيدًا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ. قَالَ أَحْمَدُ ثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمٍ ثَنَا يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ الطَّائِيُّ سَمِعْت الْمِقْدَادَ بْنَ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيَّ سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثُ طَعَامٍ وَثُلُثُ شَرَابٍ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَهُ طُرُقٌ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحٌ. وَرَوَى الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ وَقِيلَ لَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُونَ مِنْ طَعَامِهِمْ قَالَ مَا يُعْجِبُنِي سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ فَعَلَ قَوْمٌ هَكَذَا فَقَطَعَهُمْ عَنْ الْفَرْضِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَتَى بَالَغَ فِي تَقْلِيلِ الْغِذَاءِ أَوْ الشَّرَابِ فَأَضَرَّ بِبَدَنَةِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ أَوْ قَصَرَ عَنْ فِعْلِ وَاجِبٍ لِحَقِّ اللَّهِ أَوْ لِحَقِّ آدَمِيٍّ كَالتَّكَسُّبِ لِمَنْ يَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ وَإِلَّا كُرِهَ ذَلِكَ إذَا خَرَجَ عَنْ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ. وَقَدْ ذَكَرَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي التَّأْخِيرُ عَنْ تُنَاوِل ذَلِكَ إذَا تَاقَتْ إلَيْهِ النَّفْسُ وَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْغِذَاءَ، ثُمَّ لَمْ تَطْلُبْهُ نَفْسُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَنَاوَلُهُ إذًا، بَلْ يُنْهِضُهَا بِالرِّيَاضَةِ أَوْ بِالْقَيْءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَنَقَلْت مِنْ غَيْرِ الْجَامِعِ وَهُوَ مِنْ كِتَابِ الْوَرَعِ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُؤْجَرُ الرَّجُلُ فِي تَرْكِ الشَّهَوَاتِ قَالَ كَيْفَ لَا يُؤْجَرُ وَابْنُ عُمَرَ يَقُولُ مَا شَبِعْت مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَقُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَجِدُ الرَّجُلُ مِنْ قَلْبِهِ رِقَّةً

стр. 1111

وَهُوَ يَشْبَعُ؟ قَالَ مَا أَرَى.، وَالْمُرَادُ بِهَذَا النَّصِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الشِّبَعُ الْكَثِيرُ، وَالْمُرَادُ بِالنَّصِّ الْأَوَّلِ مَنْ يَأْكُلُ يَسِيرًا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ أَدْنَى شِبَعٍ. وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ ﵏ وَلَوْ أَكَلْت كَثِيرًا لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ أَيْ زِيَادَةٌ عَلَى الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ لَا مُطْلَقًا، فَإِنَّ أَكْلَ الْمَتْخُومِ أَوْ الْأَكْلَ الْمُفْضِيَ إلَى تُخَمَةٍ سَبَبٌ لِمَرَضِهِ وَإِفْسَادِ بَدَنِهِ وَهُوَ تَضْيِيعٌ لِلْمَالِ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ فِي مَضَرَّةٍ بَلْ وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَكْلِ فَوْقَ مُطْلَقِ الشِّبَع فَإِنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ الْأَكْلَ مِنْ الْمَيْتَةِ فَوْقَ الشِّبَعِ لَا يَجُوزُ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَكْلَ فَوْقَ مُطْلَقِ الشِّبَعِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ يَجُوزُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ هَذِهِ الصُّورَةِ فَائِدَةٌ، وَقَدْ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَلَوْ أَكَلَ كَثِيرًا بِحَيْثُ لَا يُؤْذِيهِ جَازَ وَقَالَ فِي الْغُنْيَةِ وَكَثْرَةُ الْأَكْلِ مِنْ حَيْثُ يُخَافُ مِنْهُ التُّخَمَةُ مَكْرُوهٌ. وَذَكَرَ صَاحِبُ النَّظْمِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشِّبَعِ وَإِنَّهُ يُكْرَهُ الْإِسْرَافُ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ يَقُولُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ لَمَّا جَاءَهُ قَدَحٌ مِنْ لَبَنٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ أَهْلَ الصُّفَّةِ فَسَقَاهُمْ، ثُمَّ قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ اشْرَبْ فَشَرِبَ، ثُمَّ أَمَرَهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا حَتَّى قَالَ وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مَسَاغًا» . وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ أَنَّ عُمَرَ ﵁ خَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ: إيَّاكُمْ، وَالْبِطْنَةَ فَإِنَّهَا مُكْسِلَةٌ عَنْ الصَّلَاةِ مُؤْذِيَةٌ لِلْجِسْمِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي قُوتِكُمْ فَإِنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الْأَشَرِ وَأَصَحُّ لِلْبَدَنِ وَأَقْوَى عَلَى الْعِبَادَةِ، وَإِنَّ امْرَأً لَنْ يَهْلِكَ حَتَّى يُؤْثِرَ شَهْوَتَهُ عَلَى دِينِهِ. وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: الْمَعِدَةُ حَوْضُ الْبَدَنِ، وَالْعُرُوقُ وَارِدَةٌ عَلَيْهَا وَصَادِرَةٌ عَنْهَا فَإِذَا صَحَّتْ صَدَرَتْ الْعُرُوقُ عَنْهَا بِالصِّحَّةِ، وَإِذَا سَقِمَتْ صَدَرَتْ الْعُرُوقُ بِالسَّقَمِ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ اثْنَتَانِ يُقَسِّيَانِ الْقَلْبَ كَثْرَةُ الْكَلَامِ وَكَثْرَةُ الْأَكْلِ وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ لَا تَأْكُلْ شَيْئًا عَلَى شِبَعٍ فَإِنَّك إنْ تَتْرُكَهُ لِلْكَلْبِ خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ تَأْكُلَهُ. وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ

стр. 1112

الْمَآكِلُ الَّتِي الْغَالِبُ فِيهَا الْأَذَى، وَالْإِفْرَاطُ فِي الشِّبَعِ وَإِدْخَالُ الطَّعَامِ عَلَى الطَّعَامِ وَمُطَاوَعَةُ الشَّرَهِ، وَالتَّعْرِيضُ بِالنَّفْسِ فِيمَا الْغَالِبُ فِيهِ الْأَذَى، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَلْقِيَ تَحْتَ حَائِطٍ مَائِلٍ أَوْ يَنَامَ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ لَهُ حِجَارٌ، أَوْ يَرْكَبُ الْبَحْرَ عِنْدَ ارْتِجَاجِهِ أَوْ يَتَعَرَّضَ مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَا يُطِيقُهُ كَذَا قَالَ فِي النَّوْمِ عَلَى السَّطْحِ وَلَيْسَتْ نَظِيرَ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي. وَقَالَ أَيْضًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَنَاوَلَ فَوْقَ حَاجَتِهِ؛ لِأَنَّهُ قُوتُهُ وَقُوتُ غَيْرِهِ فَالْقِسْمَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لَمْ يُمْكِنْ تَقْدِيرُهَا إلَّا بِالْإِشَارَةِ بِحَسَبِ الِاحْتِيَاجِ فَإِذَا أَخَذَ مِنْ شَيْءٍ هُوَ مُشَاعٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ ظَلَمَ غَيْرَهُ بِمِقْدَارِ التَّفَاوُتِ. وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ إنَّ ابْنَك بَاتَ الْبَارِحَةَ بَشَمًا قَالَ أَمَا لَوْ مَاتَ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ يَعْنِي أَنَّهُ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ فَيَكُونُ كَقَاتِلِ نَفْسِهِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يُكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ حَتَّى يَتْخَمَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا سَبَقَ عَنْ سَمُرَةَ. وَاعْلَمْ أَنَّ كَثْرَةَ الْأَكْلِ تُنَوِّمُ وَإِنَّهُ يَنْبَغِي النَّفْرَةُ مِمَّنْ عُرِفَ بِذَلِكَ وَاشْتُهِرَ بِهِ وَاِتَّخَذَهُ عَادَةً وَلِهَذَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ نَافِعٍ رَأَى ابْنُ عُمَرَ مِسْكِينًا فَجَعَلَ يَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ كَثِيرًا قَالَ لَا تُدْخِلُنَّ هَذَا عَلَيَّ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «الْمُؤْمِن يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» . وَرَوَى أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ كَانَ أَبُو نَهِيكٍ رَجُلًا أَكُولًا فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «إنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ قَالَ فَأَنَا أُومِنُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ» وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى «الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَافَهُ ضَيْفٌ وَهُوَ كَافِرٌ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ لَهُ فَشَرِبَ حِلَابَهَا حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمَّ إنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ

стр. 1113

بِأُخْرَى فَلَمْ يُتِمَّهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا فَأَسْلَمَ فَكَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا قَلِيلًا فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ إنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعَاءٍ وَاحِدٍ، وَالْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» . قِيلَ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلِهَذَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ عُمَرَ فَقِيلَ الْمُؤْمِنُ يَقْصِدُ فِي أَكْلِهِ وَقِيلَ إنَّهُ يُسَمِّي اللَّهَ فَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ الشَّيْطَانُ، وَالْكَافِرُ بِالْعَكْسِ قَالَ الْأَطِبَّاءُ لِكُلِّ إنْسَانٍ سَبْعَةُ أَمْعَاءٍ الْمَعِدَةُ، ثُمَّ ثَلَاثَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِهَا رِقَاقٌ، ثُمَّ ثَلَاثَةٌ غِلَاظٌ فَالْمُؤْمِنُ لِاقْتِصَادِهِ وَتَسْمِيَتِهِ يَكْفِيهِ مِلْءُ أَحَدِهَا، وَالْكَافِرُ بِالْعَكْسِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ الْجِنْسُ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ وَقِيلَ الْمُرَادُ سَبْعُ صِفَاتٍ الْحِرْصُ، وَالشَّرَهُ وَطُولُ الْأَمَلِ، وَالطَّمَعُ وَسُوءُ الطَّبْعِ، وَالْحَسَدُ، وَالسِّمَنُ، وَقِيلَ هَذَا فِي رَجُلٍ بِعَيْنِهِ قِيلَ لَهُ عَلَى وَجْهِ التَّمْثِيلِ وَإِنَّمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ مَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْكُفَّارَ وَمَنْ أَشْبَهَ الْكُفَّارَ كُرِهَتْ مُخَالَطَتُهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَمَا يَأْكُلُهُ هَذَا يَسُدُّ خَلَّةَ جَمَاعَةٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ الْإِسْرَافُ فِي الْمُبَاحَاتِ هُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَهُوَ مِنْ الْعُدْوَانِ الْمُحَرَّمِ وَتَرْكُ فُضُولِهَا هُوَ مِنْ الزُّهْدِ الْمُبَاحِ وَأَمَّا الِامْتِنَاعُ مِنْ فِعْلِ الْمُبَاحَاتِ مُطْلَقًا كَاَلَّذِي يَمْتَنِعُ مِنْ أَكْلِ اللَّحْمِ أَوْ أَكْلِ الْخُبْزِ أَوْ شُرْبِ الْمَاءِ أَوْ مِنْ لِبْسِ الْكَتَّانِ، وَالْقُطْنِ وَلَا يَلْبَسُ إلَّا الصُّوفَ وَيَمْتَنِعُ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاءِ وَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا مِنْ الزُّهْدِ الْمُسْتَحَبِّ، فَهَذَا جَاهِلٌ ضَالٌّ إلَى أَنْ ذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالْأَكْلِ مِنْ الطَّيِّبَاتِ، وَالشُّكْرِ لَهُ، وَالطَّيِّبُ هُوَ مَا يَنْفَعُ الْإِنْسَانَ وَيُعِينُهُ عَلَى الطَّاعَةِ وَحَرَّمَ الْخَبَائِثَ وَهُوَ مَا يَضُرُّهُ فِي دِينِهِ وَأَمَرَ بِشُكْرِهِ وَهُوَ الْعَمَلُ بِطَاعَتِهِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ قَالَ فَمَنْ أَكَلَ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَلَمْ يَشْكُرْ رَبَّهُ وَلَمْ يَعْمَلْ صَالِحًا كَانَ مُعَاقَبًا عَلَى تَرْكِهِ مِنْ فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ وَلَمْ يُحِلَّ لَهُ الطَّيِّبَاتِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَحَلَّهَا لِمَنْ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى طَاعَتِهِ. وَلَمْ يَحِلّهَا لِمَنْ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى مَعْصِيَتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:

стр. 1114

﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الْآيَةَ قَالَ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَانَ الْإِنْسَانُ بِالْمُبَاحَاتِ عَلَى الْمَعَاصِي مِثْلَ مَنْ يُعْطِيَ اللَّحْمَ، وَالْخُبْزَ لِمَنْ يَشْرَبُ عَلَيْهِ الْخَمْرَ وَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْفَوَاحِشِ قَالَ وقَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] أَيْ عَنْ الشُّكْرِ عَلَى النَّعِيمِ فَيُطَالَبُ الْعَبْدُ بِأَدَاءِ شُكْرِ اللَّهِ عَلَى النَّعِيمِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَاقِبُ عَلَى مَا أَبَاحَ وَإِنَّمَا يُعَاقِبُ عَلَى تَرْكِ مَأْمُورٍ وَفِعْلِ مَحْذُورٍ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَآيَةُ الْمَائِدَةِ ذَكَرَ مَعْنَى كَلَامِهِ فِيهَا بَعْضُ الْمُفَسَّرَيْنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهَا. فَأَمَّا السُّؤَالُ عَنْ النَّعِيمِ فَقِيلَ يَخْتَصُّ بِالْكُفَّارِ وَيُعَذَّبُونَ عَلَى تَرْكِ الشُّكْرِ وَقِيلَ عَامٌّ، ثُمَّ النَّعِيمُ هَلْ هُوَ عَامٌّ أَوْ خَاصٌّ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، ثُمَّ فِي تَعْيِينِهِ نَحْوُ عَشَرَةِ أَقْوَالٍ، وَظَاهِرُ اللَّفْظِ الْعُمُومُ فِيهَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ قَالَ فَالْكَافِرُ يُسْأَلُ تَوْبِيخًا لَهُ إذَا لَمْ يَشْكُرْ الْمُنْعِمَ وَلَمْ يُوَحِّدْهُ، وَالْمُؤْمِنُ يُسْأَلُ عَنْ شُكْرِهَا كَذَا قَالَ فَظَاهِرُهُ لَا يُسْأَلُ تَوْبِيخًا وَتَعْذِيبًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بَعْد كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ: وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «يَقُولُ اللَّهُ ثَلَاثٌ لَا أَسْأَلُ عَبْدِي عَنْ شُكْرِهِنَّ وَأَسْأَلُهُ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ بَيْتٌ يَسْكُنُهُ وَمَا يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ مِنْ الطَّعَامِ وَمَا يُوَارِي بِهِ عَوْرَتَهُ مِنْ اللِّبَاسِ» وَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا فِي فَصْلِ تَقْبِيلِ الْخُبْزِ، وَيُوَافِقُ كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ مَا ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١] وَسَبَقَ فِي الْفَصْلِ قَوْلُهُ

стр. 1115

﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] قَالَ الْقَاضِي أَيْ عَنْ الْقِيَامِ بِحَقِّ شُكْرِهِ. وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَاوِيُّ سُؤَالُ تَعْدَادِ النِّعَمِ وَإِعْلَامٍ بِالِامْتِنَانِ بِهَا لَا سُؤَالُ تَوْبِيخٍ وَمُحَاسَبَةٍ، وَقَوْلُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ إنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الْمُبَاحِ رَأْسًا جَهْلٌ كَذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ فِعْلِ الرَّسُولِ ﷺ وَطَرِيقِهِ فَمَنْ اتَّخَذَ طَرِيقًا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ خِلَافَ طَرِيقِهِ فَإِنَّمَا يَرُومُ ذَلِكَ وَيَظُنُّ أَنَّهَا أَوْصَلُ إلَى الْمَقْصُودِ وَأَبْلَغُ فِي حُصُولِ الْمَطْلُوبِ لَا سِيَّمَا مَعَ شِدَّةِ طَرِيقِهِ وَضِيقِهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِنْ الْجَهْلِ، وَالضَّلَالِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو شَامَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيُّ ﵀ فِي كِتَابِ الْبَاعِثِ عَلَى إنْكَارِ الْبِدَعِ، وَالْحَوَادِثِ مَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ مِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ﵁ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ أُحْرِمُ قَالَ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَحْرَمَ فَقَالَ الرَّجُلُ فَإِنِّي أَوْ فَإِنْ أَحْرَمْت مِنْ أَبْعَدَ مِنْهُ قَالَ مَالِكٌ لَا أَرَى ذَلِكَ، فَقَالَ مَا تَكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ أَكْرَهُ عَلَيْك الْفِتْنَةَ قَالَ وَأَيُّ فِتْنَةٍ فِي ازْدِيَادِ الْخَيْرِ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] . وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَكْبَرُ مِنْ أَنَّك خُصِصْتَ بِفِعْلٍ لَمْ يُخْصَصْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مِنْ أَيْنَ أُحْرِمُ قَالَ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَعَادَ عَلَيْهِ مِرَارًا قَالَ فَإِنْ زِدْتُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ فَلَا تَفْعَلْ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْك الْفِتْنَةَ قَالَ وَمَا فِي هَذَا مِنْ الْفِتْنَةِ إنَّمَا هِيَ أَمْيَالٌ أَزِيدُهَا

стр. 1116

قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] . قَالَ وَأَيُّ فِتْنَةٍ فِي هَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَرَيْ اخْتِيَارَك لِنَفْسِك خَيْرًا مِنْ اخْتِيَارِ اللَّهِ تَعَالَى وَاخْتِيَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا آكُلُ اللَّحْمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا، لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَآكُلُ اللَّحْمَ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» . وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا» وَهُمْ الْمُبَالِغُونَ فِي الْأُمُورِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ وَهُوَ مِنْ التَّابِعِينَ الصُّلَحَاءِ أَنَّهُ عَاهَدَ اللَّهَ أَنْ لَا يَضَعَ جَنْبَهُ إلَى الْأَرْضِ مَا بَقِيَ فِي الدُّنْيَا وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَوَفَّى بِذَلِكَ. وَعَنْ دَاوُد الطَّائِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَسَفُّ السَّوِيقَ لِئَلَّا يَشْتَغِلُ بِمَضْغِ الْخُبْزِ وَغَيْرِهِ عَنْ الذِّكْرِ، وَعَنْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْعُبَّادِ مَعْنَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ عَنْ عَابِدٍ عَالِمٍ، وَعَابِدٌ جَاهِلٌ لَا عِبْرَةَ بِرَأْيِهِ فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَحْجُوجٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ ﵁ الْكَلَامَ الْمَشْهُورَ: كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فِي صَيْدِ الْخَاطِرِ بَعْضَ ذَلِكَ وَغَيْرَهُ عَنْ بَعْضِ الْعُبَّادِ ﵏ قَالَ وَلَعَمْرِي إنَّ هَذِهِ خَيْرَاتٌ وَلَكِنْ عَلَيْك بِالْجَادَّةِ طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أَوْ كَمَا قَالَ، وَأَمَّا إنْ أَسْرَفَ فِي تَنَاوُلِ ذَلِكَ

стр. 1117

فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجَمَاعَةٌ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّ التَّبْذِيرَ وَالْإِسْرَافَ مَا أَخْرَجَهُ فِي الْحَرَامِ لِقَوْلِهِ: لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا لُقْمَةٌ فَوَضَعَهَا فِي فِي أَخِيهِ لَمْ يَكُنْ إسْرَافًا. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى إنْ لَمْ يَخَفْ الْفَقْرَ لَمْ يَكُنْ مُسْرِفًا، وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ السَّرَفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّبْذِيرِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إنْفَاقُ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقٍّ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي غَيْرِ طَاعَةٍ. (وَالثَّانِي) الْإِسْرَافُ الْمُتْلِفُ الْمَالَ ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] . يُوَافِقُونَهُمْ فِيمَا يَدْعُونَهُمْ إلَيْهِ وَيُشَاكِلُونَهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧] أَيْ جَاحِدًا لِنِعَمِهِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَهَذَا يَتَضَمَّنُ أَنَّ الْمُسْرِفَ كَفُورٌ لِلنِّعَمِ وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ التَّبْذِيرَ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي حَرَامٍ أَوْ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْفِقْهِ فِي بَابِ الْحَجْرِ، وَسَبَقَ كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ أَنَّ الْإِسْرَافَ فِي الْمُبَاحَاتِ مُحَرَّمٌ وَقَدْ يُحْتَجُّ لِعَدَمِ التَّحْرِيمِ بِعُمُومِ الْقُرْآنِ وَإِطْلَاقِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى السَّبَبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] . وَكَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] . وَبِأَنَّهُ إجْمَاعٌ سَابِقٌ فِي الْبِنَاءِ وَالْعِمَارَةِ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ حَزْمٍ فَهَذَا أَوْلَى، وَمِنْ قَالَ بِخِلَافِ ذَلِكَ يَحْتَجُّ بِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى:

стр. 1118

﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] . وَيُحْمَلُ مَا سَبَقَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْإِبَاحَةُ فِي الْجُمْلَةِ لَا مَعَ السَّرَفِ؛ لِأَنَّهُ أَخَصُّ وَحَيْثُ لَمْ يُحَرَّمْ فَمَعْلُومُ أَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى، وَهَلْ يُكْرَهُ؟ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ وَعَدَمُ دَلِيلِهَا وَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي فُصُولِ التَّكَسُّبِ: أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَوْ عَبَسَ الزَّمَانُ فِي وَجْهِكَ مَرَّةً لَعَبَسَ فِي وَجْهِكَ أَهْلُكَ وَجِيرَانُكَ ثُمَّ حَثّ عَلَى الْإِمْسَاكِ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ فِي الْكَرَمِ وَالْبُخْلِ مُتَمَثِّلًا: قَلِيلُ الْمَالِ تُصْلِحُهُ فَيَبْقَى ... وَلَا يَبْقَى الْكَثِيرُ عَلَى الْفَسَادِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَامَةِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ فِي الشَّاهِدِ وَالْغَائِبِ، افْتَقَرَ خَلْقٌ كَثِيرٌ بِالْإِسْرَافِ فِي اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ الْكَرَاهَةُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ الْمُرَادُ بِطَيِّبَاتِهِمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ اللَّذَّاتِ مُشْتَغِلِينَ بِهَا عَنْ الْآخِرَةِ مُعْرِضِينَ عَنْ شُكْرِهَا، وَلَمَّا وَبَّخَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ آثَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَالصَّالِحُونَ بَعْدَهُمْ اجْتِنَابَ نَعِيمِ الْعَيْشِ وَلَذَّتِهِ لِيَتَكَامَلَ أَجْرُهُمْ وَلِئَلَّا يُلْهِيهِمْ عَنْ مَعَادِهِمْ. رَوَى جَابِرٌ قَالَ رَأَى عُمَرُ لَحْمًا مُعَلَّقًا فِي يَدِي فَقَالَ: مَا هَذَا يَا جَابِرُ؟ فَقُلْتُ: اشْتَهَيْتُ لَحْمًا فَاشْتَرَيْتُهُ، فَقَالَ أَوَ كُلَّمَا اشْتَهَيْتَ اشْتَرَيْتَ يَا جَابِرُ؟ أَمَا تَخَافُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] . وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ لَوْ أَمَرْتَ أَنْ يُصْنَعَ لَكَ طَعَامٌ أَلْيَنُ

стр. 1119

مِنْ هَذَا فَقَالَ: إنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ عَيَّرَ أَقْوَامًا فَقَالَ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] انْتَهَى كَلَامُهُ. الْأَثَرُ عَنْ جَابِرٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَفِيهِ أَنَّهُ اشْتَرَى لَحْمًا بِدِرْهَمٍ، وَأَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ: مَا يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَطْوِيَ بَطْنَهُ عَنْ جَارِهِ وَابْنِ عَمِّهِ أَيْنَ يَذْهَبُ عَنْكُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] . وَمَا يُرْوَى عَنْ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْخَلَفِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ مَا يَدُلَّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ إسْرَافٌ وَالْكَلَام فِيهِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو حَازِمٍ لِسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ هَلْ أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النِّقْيَ؟ فَقَالَ: مَا رَأَى النِّقْيَ مَنْ حِينِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، فَقُلْتُ هَلْ كَانَ لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنَاخِلُ؟ قَالَ: مَا رَأَى مُنْخُلًا مَنْ حَيْثُ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ وَنَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مَا طَارَ وَمَا بَقِيَ ثَرَيْنَاهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ بَعْد قَوْلِهِ: النِّقْيَ يَعْنِي الْحَوَارِيَّ ثَرَيْنَا عَجَنَّاهُ وَسَيَأْتِي فِي آدَابِ الْمَسَاجِدِ حُكْمُ إنْفَاقِ الْمَالِ فِي الْبِنَاء وَالْعِمَارَةِ، وَكَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَأَمَّا إنْفَاقُهُ فِي الصَّدَقَةِ فَمَذْكُورٌ فِي الْفِقْهِ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَيَأْتِي فِي فُصُولِ التَّكَسُّبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْحَنَفِيَّةُ الْأَكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ حَرَامٌ قَالَ الْمَشَايِخُ مِنْهُمْ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ. (أَحَدُهُمَا) : أَنْ يَأْكُل فَوْقَ الشِّبَعِ لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى صَوْمِ الْغَدِ. (وَالثَّانِي) : إذَا نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ وَقَدْ تَنَاهَى أَكْلُهُ وَلَمْ يَشْبَعْ ضَيْفُهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَتَى أَمْسَكَ عَنْ الْأَكْلِ أَمْسَكَ الضَّيْفُ عَنْهُ حَيَاءً وَخَجَلًا فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ

стр. 1120

فَوْقَ الشِّبَعِ؛ لِكَيْ لَا يَكُونَ دَاخِلًا فِي جُمْلَةِ مَنْ أَسَاءَ الْقِرَى وَإِسَاءَةُ الْقِرَى مَذْمُومَةٌ شَرْعًا، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَقَالَ الْمَشَايِخَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: وَمِنْ السَّرَفِ أَنْ يُلْقَى عَلَى الْمَائِدَة مِنْ الْخُبْزِ أَضْعَافُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْآكِلُونَ. وَمِنْ السَّرَف أَنْ يَضَعَ لِنَفْسِهِ أَلْوَانَ الطَّعَامِ، وَيُكْرَهُ تَعْلِيقُ الْخُبْزِ عَلَى الْخِوَانِ بَلْ يُوضَعُ بِحَيْثُ لَا يَتَعَلَّقُ، وَيُكْرَهُ وَضْعُ الْخُبْزِ فِي جَنْبِ الْقَصْعَةِ لِتَسْتَوِيَ الْقَصْعَةُ وَيُكْرَهُ مَسْحُ الْأَصَابِعِ وَالسِّكِّينِ فِي الْخُبْزِ، وَيُكْرَهُ وَضْعُ الْمَمْلَحَةِ عَلَى الْخُبْزِ بَلْ يُوضَعُ الْمِلْحُ وَحْدَهُ عَلَى الْخُبْزِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ مَا انْتَفَخَ مِنْ الْخُبْزِ وَوَجْهَهُ وَيَتْرُكَ الْبَاقِيَ، وَمَتَى أَذْهَبَ طَيِّبَاتِهِ فِي حَيَاتِهِ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعَ بِهَا ذَهَبَتْ دَرَجَاتُهُ فِي الْآخِرَةِ انْتَهَى كَلَامُهُمْ. وَقَدْ وَرَدَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مَا ظَاهِرُهُ مُوَافِقٌ لِمَا ذُكِرَ فِي الْمَسْأَلَة الْأَخِيرَةِ. وَرَوَى مُسْلِمُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ الْكَافِرَ إذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ» قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْمُؤْمِنُ يُدَّخَرُ لَهُ حَسَنَاتُهُ وَثَوَابُ أَعْمَالِهِ إلَى الْآخِرَةِ وَيُجْزَى بِهَا مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الدُّنْيَا وَلَا مَانِعَ مَنْ جَزَائِهِ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فَيَجِبُ اعْتِقَادُهُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمِ عَنْهُ ﵊ قَالَ: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنْ الْآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمْ الثُّلُثُ وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ الْأَجْرُ» حَمَلَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَالَ: وَتَكُونُ هَذِهِ الْغَنِيمَةُ مَنْ جُمْلَةِ الْأَجْرِ قَالَ: وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ كَقَوْلِهِمْ: مِنَّا مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَأْكُلْ مَنْ أَجْرِهِ شَيْئًا وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدُبُهَا أَيْ يَجْتَنِيهَا. وَذَكَرَ فِيهِ أَقْوَالًا وَضَعَّفَهَا وَقَالَ: إنَّ هَذَا الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ وَاخْتَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مَعْنَاهُ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْخَبَرَ

стр. 1121

الْمَذْكُورَ فِي تَنْقِيصِ أَجْرِ مَنْ غَنِمَ لَا يَصِحُّ، وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْقَصَ ثَوَابُ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ بَعْضُهُمْ وَرَاوِي هَذَا الْخَبَرِ أَبُو هَانِئٍ حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ مَجْهُولٌ؛ وَلِأَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ الْمُجَاهِدَ يَرْجِعُ بِمَا نَالَ مَنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَبَا هَانِئٍ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ رَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ. وَلَيْسَ فِي غَنِيمَةِ بَدْرٍ نَصُّ إنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَغْنَمُوا لَكَانَ أَجْرُهُمْ عَلَى قَدْرِ أَجْرِهِمْ، وَقَدْ غَنِمُوا فَقَطْ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا الْخَبَرِ وَبَيْنَ الْخَبَرِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: إنَّ الْغَنِيمَةَ تَنْقُصُ الْأَجْرَ أَمْ لَا، وَلَا قَالَ: أَجْرُهُ كَأَجْرِ مَنْ لَمْ يَغْنَمْ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الَّذِي تَعَجَّلَ ثُلُثَيْ أَجْرِهِ إنَّمَا هُوَ فِي غَنِيمَةٍ أُخِذَتْ عَلَى غَيْر وَجْهِهَا، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ الَّتِي لَمْ تَغْنَمْ يَكُونُ لَهَا أَجْرٌ بِالْأَسَفِ عَلَى مَا فَاتَهَا مَنْ الْغَنِيمَةِ فَيُضَاعَفُ ثَوَابُهَا كَمَا يُضَاعَفُ ثَوَابُ مَنْ أُصِيبَ فِي مَالِهِ وَأَهْلِهِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ الْغَزْوِ وَالْغَنِيمَةِ مَعًا فَيَنْقُصُ اللَّهُ ثَوَابَهُ وَاَللَّه أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي إبْرَاهِيمَ: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] : قَالَ لَهُ هُنَاكَ جَزَاءُ الصَّالِحِينَ غَيْر مَنْقُوصٍ مِنْ الْآخِرَةِ بِمَا أُعْطِيَ فِي الدُّنْيَا مَنْ الْآخِرَة.

стр. 1122

[فَصْلٌ فِي مُبَاسَطَةِ الضِّيفَانِ وَمُعَامَلَةِ كُلِّ طَبَقَةٍ بِمَا يَلِيقُ بِهَا] ) وَيُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يُبَاسِطَ الْإِخْوَانَ بِالْحَدِيثِ الطَّيِّبِ وَالْحِكَايَاتِ الَّتِي تَلِيقُ بِالْحَالِ إذَا كَانُوا مُنْقَبِضِينَ قَالَ الْمَأْمُونُ سَبْعَةُ أَشْيَاءَ لَا تُمَلُّ أَكْلُ خُبْزِ الْبُرِّ، وَشُرْبُ مَاءِ الْعِنَبِ، وَأَكْلُ لَحْمِ الضَّأْنِ، وَالثَّوْبُ اللَّيِّنُ، وَالرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ، وَالْفِرَاشُ الْوَطِيءُ، وَالنَّظَرُ إلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسَنٍ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ: أَيْنَ مُحَادَثَةُ الْإِخْوَانِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: هُنَّ ثَمَانٍ وَهِيَ أُولَاهُنَّ. وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا بِالْأَدَبِ وَمَعَ الْفُقَرَاءِ بِالْإِيثَارِ وَمَعَ الْإِخْوَانِ بِالِانْبِسَاطِ وَمَعَ الْعُلَمَاءِ بِالتَّعَلُّمِ وَالِاتِّبَاع قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يَأْكُلُ بِالسُّرُورِ مَعَ الْإِخْوَانِ وَبِالْإِيثَارِ مَعَ الْفُقَرَاءِ وَبِالْمُرُوءَةِ مَعَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا. قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ﵁ يَوْمَ عِيدٍ: خُذْ عَلَيْكَ رِدَاءَكَ وَادْخُلْ قَالَ: فَدَخَلْتُ فَإِذَا مَائِدَةٌ وَقَصْعَةٌ عَلَى خِوَانٍ عَلَيْهَا عِرَاقٌ وَقَدْ زَالَ جَانِبُهُ، فَقَالَ لِي: كُلْ فَلَمَّا رَأَى مَا نَزَلَ بِي قَالَ إنَّ الْحَسَنَ كَانَ يَقُولُ: وَاَللَّهِ لَتَأْكُلَنَّ. وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَقُولُ: إنَّمَا وُضِعَ الطَّعَامُ لِيُؤْكَلَ. وَكَانَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ يَبِيعُ ثِيَابَهُ وَيُنْفِقُهَا عَلَى أَصْحَابِهِ وَكَانَتْ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيْهِ مَنْ ذَاكَ، وَأَوْمَأَ إلَى جِذْعٍ مَطْرُوحٍ قَالَ: فَانْبَسَطْت فَأَكَلْتُ لَتَأْكُلَنَّ هَذِهِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُد الْحَرْبِيُّ اشْتَرَى إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ لِأَصْحَابِهِ شَيْئًا وَقَالَ: يَا فِتْيَانُ كُلُوا فِي رَهْنٍ رَوَاهُ الْخَلَّالُ فِي الْأَخْلَاقِ وَغَدَّى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيَّ وَأَبَاهُ قَالَ مُحَمَّدٌ فَجَعَلْتُ آكُلُ وَفِي انْقِبَاضٌ لِمَكَانِ أَحْمَدَ قَالَ: فَقَالَ لِي لَا تَحْتَشِمْ قَالَ: فَجَعَلْتُ آكُلُ قَالَهَا ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لِي فِي الثَّالِثَةِ يَا بُنَيَّ كُلْ فَإِنَّ الطَّعَامَ أَهْوَنُ مِمَّا يُحْلَفُ عَلَيْهِ.

стр. 1123

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْكُتَّابُ فِي بَابِ الِاصْطِلَاحِ الْمُحْدَثِ الَّذِي اسْتِعْمَالُهُ خَطَأٌ وَقَالَ وَاسْتَعْمَلُوا. احْتَشَمَ بِمَعْنَى اسْتَحْيَا وَلَا نَعْرِفُ احْتَشَمَ بِمَعْنَى اسْتَحْيَا وَلَا نَعْرِفُ احْتَشَمَ إلَّا بِمَعْنَى غَضِبَ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ عَنْ أَبِي زَيْدٍ حَشَمْتُ الرَّجُلَ وَأَحْشَمْتُهُ بِمَعْنَى وَهُوَ أَنْ يَجْلِسَ إلَيْك فَتُؤْذِيَهُ وَتُغْضِبهُ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ حَشَمْتُهُ أَخْجَلْتُهُ وَأَحْشَمْتُهُ أَغْضَبْتُهُ، وَالِاسْمُ الْحَشَمُ وَهُوَ الِاسْتِحْيَاءُ وَالْغَضَبُ أَيْضًا وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْحِشْمَةُ إنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْغَضَبِ لَا بِمَعْنَى الِاسْتِحْيَاءِ، وَأَحْشَمْتُهُ وَاحْتَشَمْتُ مِنْهُ بِمَعْنَى وَرَجُلٌ حَشَمٌ أَيْ: مُحْتَشِمٌ، وَحَشَمُ الرَّجُلِ خَدَمُهُ وَمَنْ يَغْضَبُ لَهُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَغْضَبُونَ لَهُ ذَكَرَ ذَلِكَ الْجَوْهَرِيُّ. وَقَالَ ابْنُ بسرى قَدْ جَاءَ الْحِشْمَةُ بِمَعْنَى الْحَيَاءِ قَالَ أَبُو زَيْدٍ الْإِبَةُ الْحَيَاءُ، يُقَالُ: فَاتَّأَبَ أَيْ احْتَشَمَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِكُلِّ دَاخِلٍ دَهْشَةٌ، وَلِكُلِّ طَاعِمٍ حِشْمَةٌ، فَابْدَءُوهُ بِالْيَمِينِ وَقَالَ لِلْمُنْقَبِضِ عَنْ الطَّعَامِ مَا الَّذِي حَشَمَكَ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا لِئَلَّا يَنْسِبُ بَعْضُ مَنْ يَقِفُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ ذَلِكَ إلَى مَا لَا يَنْبَغِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، لَكِنْ قَدْ اُسْتُعْمِلَ ذَلِكَ فِي عُرْفٍ حَادِثٍ عَلَى مَا لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَذُكِرَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ وَأَهْلِ الطَّعَامِ الْأَكْلُ بَعْد طَعَامِ الضِّيفَانِ لِحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ الصَّحِيحِ، وَالْأَوْلَى النَّظَرُ فِي قَرَائِنِ الْحَالِ، وَمَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ وَفِيمَا تَقَدَّمَ إشْعَارٌ بِذَلِكَ، وَحَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ لَا يُخَالِفُهُ. وَذَكَرَ ابْن الْجَوْزِيِّ فِي آدَابِ الْأَكْلِ أَنْ لَا يَسْكُتُوا عَلَى الطَّعَامِ، بَلْ يَتَكَلَّمُوا بِالْمَعْرُوفِ وَيَتَكَلَّمُونَ بِحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ فِي الْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا. وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقْصِدَ كُلٌّ مِنْهُمْ الْإِيثَارَ لِرَفِيقِهِ وَلَا يُحْوِجُ رَفِيقَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ بَلْ يَنْبَسِطُ، وَلَا يَتَصَنَّعُ بِالِانْقِبَاضِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا يَسْتَقْذِرُهُ مَنْ غَيْرِهِ، فَلَا يَنْفُضُ يَدَهُ فِي الْقَصْعَةِ وَلَا يُقَدِّمُ إلَيْهَا رَأْسَهُ عِنْد وَضْعِ اللُّقْمَةِ فِي فِيهِ، وَإِذَا خَرَجَ شَيْءٌ مَنْ فِيهِ لِيَرْمِيَ بِهِ صَرَفَ وَجْهَهُ عَنْ الطَّعَامِ وَأَخَذَهُ بِيَسَارِهِ، وَلَا يَغْمِسُ اللُّقْمَةَ الدَّسِمَةَ فِي الْخَلِّ، وَلَا الْخَلَّ فِي الدَّسَمِ فَقَدْ يَكْرَهُهُ غَيْرُهُ، وَلَا يَغْمِسُ بَقِيَّةَ اللُّقْمَةِ الَّتِي أَكَلَ مِنْهَا فِي الْمَرَقَةِ. وَيُسْتَحَبُّ

стр. 1124

تَقْدِيمُ الطَّعَامِ إلَى الْإِخْوَانِ وَيُقَدِّمُ مَا حَضَرَ مَنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَلَا يَسْتَأْذِنُهُمْ فِي التَّقْدِيمِ بَلْ يُقَدِّمُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ كَذَا ذَكَرَ. وَفِي هَذَا الْأَدَبِ نَظَرٌ قَالَ: وَمِنْ التَّكَلُّفِ أَنْ يُقَدِّمَ جَمِيعَ مَا عِنْدَهُ انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ حَدَّثَنَا عَفَّانَ ثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سالور عَنْ شَقِيقٍ أَوْ نَحْوِهِ شَكَّ قَيْسٌ «أَنَّ سَلْمَانَ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَدَعَا لَهُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَانَا أَوْ قَالَ لَوْلَا أَنَّا نُهِينَا أَنْ يَتَكَلَّفَ أَحَدُنَا لِصَاحِبِهِ لَتَكَلَّفْنَا لَكَ» . هَذَا الْإِسْنَادُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَقَدْ يُحْتَجُّ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَمِنْ آدَابِ الزَّائِرِ أَنْ لَا يَقْتَرِحَ طَعَامًا بِعَيْنِهِ وَإِنْ خُيِّرَ بَيْنَ طَعَامَيْنِ اخْتَارَ الْأَيْسَرَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مُضِيفَهُ يُسَرُّ بِاقْتِرَاحِهِ، وَلَا يُقَصِّرُ عَنْ تَحْصِيلِ ذَلِكَ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْصِدَ بِالْإِجَابَةِ إلَى الدَّعْوَةِ نَفْسَ الْأَكْلِ بَلْ يَنْوِي بِهِ الِاقْتِدَاءَ بِالسُّنَّةِ وَإِكْرَامَ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ وَيَنْوِي صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَمَّنْ يُسِيءُ بِهِ الظَّنَّ، فَرُبَّمَا قِيلَ عَنْهُ إذَا امْتَنَعَ هَذَا مُتَكَبِّرٌ، وَلَا يُكْثِرُ النَّظَرَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الطَّعَامُ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ مِنْهُ عَلَى الشَّرَهِ. وَهَذَا مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي فِعْلُ مَا يَدُلّ عَلَى الشَّرَهِ، وَمِنْهُ الْأَكْلُ الْكَثِيرُ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْت وَلِهَذَا كَانَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ إذَا دُعِيَ أَكَلَ مَا يَكْسِر نَهْمَتَهُ قَبْلَ ذَهَابِهِ وَلَعَلَّهُ تَبِعَ فِي ذَلِكَ مَنْ مَضَى مَنْ السَّلَفِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْد الْبَرّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ إذَا دُعِيَ إلَى طَعَام أَكْل شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ وَيَقُولُ قَبِيحٌ بِالرَّجُلِ أَنْ يُظْهِرَ نَهْمَتَهُ فِي طَعَامِ غَيْرِهِ، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَم يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَال. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀: وَمِنْ آدَابِ إحْضَارِ الطَّعَامِ تَعْجِيلُهُ وَتَقْدِيمُ الْفَاكِهَةِ قَبْلَ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ أَصْلَحُ فِي بَابِ الطِّبِّ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] . انْتَهَى كَلَامُهُ.

стр. 1125

[فَصْلٌ مَا وَرَدَ مَنْ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ بَعْد الطَّعَامِ وَالِاجْتِمَاعِ لَهُ وَالتَّسْمِيَةِ قَبْلَهُ] فَصْلٌ (فِيمَا وَرَدَ مَنْ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ بَعْدَ الطَّعَامِ) وَالِاجْتِمَاعِ لَهُ وَالتَّسْمِيَةِ قَبْلَهُ. عَنْ أَبِي أُمَامَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ فِي النِّهَايَةِ " فِي غَيْرَ مَكْفِيٍّ " أَيْ غَيْرَ مَرْدُودٍ وَلَا مَقْلُوبٍ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الطَّعَامِ، وَقِيلَ مَكْفِيٍّ مِنْ الْكِفَايَةِ يَعْنِي أَنَّ اللَّهُ هُوَ الْمُطْعِمُ وَالْكَافِي وَغَيْرُ مُطْعَمٍ وَلَا مَكْفِيٍّ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلَّهِ. وَقَوْلُهُ " وَلَا مُوَدَّعٍ " أَيْ غَيْرُ مَتْرُوكِ الطَّلَبُ إلَيْهِ وَالرَّغْبَةُ فِيمَا عِنْدَهُ. وَقَوْلُهُ " رَبَّنَا " مَنْصُوبٌ عَلَى النِّدَاءِ وَعَلَى الثَّانِي مَرْفُوعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَيْ رَبَّنَا غَيْرَ مَكْفِيِّ وَلَا مُوَدَّعٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ الْكَلَامُ إلَى الْحَمْدِ كَأَنَّهُ قَالَ حَمْدًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ أَيْ عَنْ الْحَمْد. وَلِلْبُخَارِيِّ «كَانَ إذَا فَرَغَ مَنْ طَعَامِهِ قَالَ الْحَمَدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَرْوَانَا غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مَكْفُورٍ» وَعَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ» هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ ضَعْفٌ وَاضْطِرَابٌ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقْنِيهِ مَنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مَنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مَنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مَنْ ذَنْبِهِ» . هَذَا الْحَدِيثُ فِي إسْنَادِهِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مَيْمُونٍ أَبُو مَرْحُومٍ الْمَعَافِرِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ، أَمَّا أَبُو مَرْحُومٍ فَضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمِ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. وَأَمَّا سَهْلٌ فَضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
следующие страницы →