← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21582

الآداب الشرعية والمنح المرعية

ابن مفلح

Полный текст (1 529 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وَقَالَ آخَر: إنَّ الْغَرِيبَ بِأَرْضٍ لَا عَشِيرَ لَهُ ... كَبَائِعِ الرِّيحِ لَا يُعْطَى بِهِ ثَمَنَا وَقَالَ آخَر: تَغَرَّبْتُ عَنْ أَهْلِي أُؤَمِّلُ ثَرْوَةً ... فَلَمْ أُعْطَ آمَالِي وَطَالَ التَّغَرُّبُ فَمَا لِلْفَتَى الْمُحْتَالِ فِي الرِّزْقِ حِيلَةٌ ... وَلَا لِحُدُودٍ حَدَّهَا اللَّهُ مَذْهَبُ وَقَالَ آخَر: لَقُرْبُ الدَّارِ فِي الْإِقْتَارِ خَيْرٌ ... مِنْ الْعَيْشِ الْمُوَسَّعِ فِي اغْتِرَابِ وَقَالَ آخَرُ: إنَّ الْغَرِيبَ وَإِنْ أَقَامَ بِبَلْدَةٍ ... يُهْدَى إلَيْهِ خَرَاجُهَا لَغَرِيبُ وَقَالَ آخَرُ: غَرِيبٌ يُقَاسِي الْهَمَّ فِي أَرْضِ غُرْبَةٍ ... فَيَا رَبِّ قَرِّبْ دَارَ كُلِّ غَرِيبِ وَقَالَ آخَرُ: إنَّ الْغَرِيبَ وَإِنْ أَلَمَّ بِبَلْدَةٍ ... كَتَبَتْ أَنَامِلُهُ عَلَى الْحِيطَانِ فَتَرَاهُ يَكْتُبُ وَالْغَرَامُ يَسُوقُهُ ... وَالشَّوْقُ قَائِدُهُ إلَى الْأَوْطَانِ وَقَالَ آخَرُ: سَلْ اللَّهَ الْأَمَانَ مِنْ الْمَغِيبِ ... فَكَمْ قَدْ رُدَّ مِثْلُك مِنْ غَرِيبِ وَسَلِّ الْهَمَّ عَنْك بِحُسْنِ الظَّنِّ ... وَلَا تَيْأَسْ مِنْ الْفَرَجِ الْقَرِيبِ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِلرُّشْدِ: حَتَّى مَتَى أَنَا فِي حَطٍّ وَتَرْحَالِ ... وَطُولِ سَعْيٍ وَإِدْبَارٍ وَإِقْبَالِ وَنَازِحُ الدَّارِ لَا يَنْفَكُّ مُغْتَرِبًا ... عَنْ الْأَحِبَّةِ لَا يَدْرُونَ مَا حَالِي

стр. 1192

فِي مَشْرِقِ الْأَرْضِ طُرًّا ثُمَّ مَغْرِبِهَا ... لَا يَخْطِرُ الْمَوْتُ مِنْ حِرْصٍ عَلَى بَالِي وَلَوْ قَعَدْتُ أَتَانِي الرِّزْقُ فِي دَعَةٍ ... إنَّ الْقُنُوعَ الْغِنَى لَا كَثْرَةُ الْمَالِ خَرَجَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَضَمَّهُ اللَّيْلُ إلَى مَسْجِدٍ فَبَاتَ فِيهِ وَإِذَا فِي الْمَسْجِدِ أَقْوَامٌ عَوَامُّ يَتَحَدَّثُونَ بِضُرُوبِ مِنْ الْخَنَا وَهَجْرِ الْمَنْطِقِ فَتَمَثَّلَ فَقَالَ: وَأَنْزَلَنِي طُولُ النَّوَى دَارَ غُرْبَةٍ ... إذَا شِئْت لَاقَيْتُ امْرَأً لَا أُشَاكِلُهُ وَقَالَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يُقَال أَنْجَى النَّاسِ مِنْ الْبَلَايَا وَالْفِتَنِ مَنْ انْتَقَلَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ. وَقَالَ يَعْقُوبُ سَمِعْت أَحْمَدَ وَسُئِلَ عَنْ التَّوَكُّلِ فَقَالَ هُوَ قَطْعُ الِاسْتِشْرَافِ بِالْإِيَاسِ مِنْ الْخَلْقِ، فَقِيلَ لَهُ مَا الْحُجَّةُ قَالَ إبْرَاهِيمُ لَمَّا وُضِعَ فِي الْمَنْجَنِيقِ ثُمَّ طُرِحَ إلَى النَّارِ فَاعْتَرَضَهُ جِبْرِيلُ ﵉ فَقَالَ يَا إبْرَاهِيمُ لَك حَاجَةٌ قَالَ أَمَّا إلَيْك فَلَا، فَقَالَ لَهُ سَلْ مَنْ لَك إلَيْهِ حَاجَة، فَقَالَ أَحَبُّ الْأَمْرَيْنِ إلَيْهِ أَحَبُّهُمَا إلَيَّ وَمُرَادُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا وَإِنْ قَدَحَ فِي التَّوَكُّلِ الْكَامِلِ فَلَا يَقْدَحُ فِي التَّوَكُّلِ الْوَاجِبِ وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ السَّابِقَةِ: الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ النَّاسِ بِطَلَبِ الْعَمَلِ أَعْجَبُ إلَيْنَا مِنْ الْجُلُوسِ وَانْتِظَارِ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَلِهَذَا يَذْكُرُ الْأَصْحَابُ كَرَاهَةَ الْحَجِّ لِمَنْ حَجَّ بِلَا زَادٍ وَلَا رَاحِلَةٍ يَسْأَلُ النَّاسَ. وَذَكَرُوا قَوْلَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَسُئِلَ عَمَّنْ يَدْخُلُ الْبَادِيَةَ بِلَا زَادٍ وَلَا رَاحِلَةٍ فَقَالَ لَا أُحِبُّ لَهُ ذَلِكَ هَذَا يَتَوَكَّلُ عَلَى أَزْوَادِ النَّاسِ. وَظَهَرَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ مَنْ تَوَكَّلَ تَوَكُّلًا صَادِقًا فَلَمْ تَسْتَشْرِفْ نَفْسُهُ إلَى مَخْلُوقٍ وَتَرَكَ السَّبَبَ وَاثِقًا بِوَعْدِ اللَّهِ أَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ وَهَلْ يَأْثَمُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَبَقَ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ كَلَامُ الْقَاضِي

стр. 1193

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قِيلَ لِأَحْمَدَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ أَوْ مَسْجِدِهِ وَقَالَ: لَا أَعْمَلُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِي رِزْقِي؟ فَقَالَ أَحْمَدُ هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ الْعِلْمَ أَمَا سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ اللَّهَ جَعَلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي» وَقَالَ حِينَ ذَكَرَ الطَّيْرَ «تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَّجِرُونَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَيَعْمَلُونَ فِي نَخْلِهِمْ، وَالْقُدْوَةُ بِهِمْ وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ ﵀ لَيْسَ الْعِبَادَةُ عِنْدَنَا أَنْ تَصُفَّ قَدَمَيْك وَغَيْرُك يَتْعَبُ لَك وَلَكِنْ ابْدَأْ بِرَغِيفِك فَاحْرُزْهُمَا ثُمَّ تَعَبَّدْ. وَرُوِيَ أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ ﵇ قَالَ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ اسْتَعِنْ بِالْكَسْبِ الْحَلَالِ فَإِنَّهُ مَا افْتَقَرَ أَحَدٌ قَطُّ إلَّا أَصَابَهُ ثَلَاثُ خِصَالٍ: رِقَّةٌ فِي دِينِهِ وَضَعْفٌ فِي عَقْلِهِ وَذَهَابُ مُرُوءَتِهِ، وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِخْفَافُ النَّاسِ بِهِ، وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مَا يُلَيِّنُ الْقَلْبَ؟ فَقَالَ أَكْلُ الْحَلَالِ، فَسَأَلَ السَّائِلُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَعَبْدَ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَقَالَا يَذْكُرُ اللَّهَ، فَذَكَرَ لَهُمَا أَحْمَد فَقَالَا جَاءَ بِالْأَصْلِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَرْبَهَارِيُّ الْحَنْبَلِيُّ الْإِمَامُ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ السُّنَّةِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ وَلَا تَقُلْ أَتْرُك الْمَكَاسِبَ وَآخُذُ مَا أَعْطَوْنِي لَمْ يَقُلْ هَذَا الصَّحَابَةُ وَلَا الْعُلَمَاءُ ﵃ إلَى زَمَانِنَا هَذَا وَقَالَ عُمَرُ ﵁ كَسْبٌ فِيهِ بَعْضُ الدَّنِيَّةِ خَيْرٌ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى النَّاسِ انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ الْمَرْوَزِيُّ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ شَيْءٍ قَالَ لَا تَبْحَثْ عَمَّا لَا تَعْلَمُ فَهُوَ خَيْرٌ. وَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ قَالَ أَمَّا بَيْعٌ فِي السُّوقِ فَهُوَ مُوَسِّعٌ لَك إلَّا أَنْ تَعْلَمَ شَيْئًا حَرَامًا بِعَيْنِهِ، وَلَا أَرَى التَّفْتِيشَ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ» قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ وَكَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ رَوَى عَنْهُ حَدِيثَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ. وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ الْمُحْتَرِفَ» وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ إصْلَاحِ الْمَالِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «طَلَبُ الْحَلَالِ جِهَادٌ وَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ الْمُحْتَرِفَ» . وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ

стр. 1194

أَنَسٍ قَالَ «ذُكِرَ شَابٌّ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِزُهْدٍ وَوَرَعٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنْ كَانَتْ لَهُ حِرْفَةٌ» وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ «أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ قَالَ كَسْبُ الْحَلَالِ وَأَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَرْفُوعًا «تِسْعَةُ أَعْشَارِ الرِّزْقِ فِي التِّجَارَةِ» . وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ قَالَ مَا خَلَقَ اللَّهُ مَوْتَةً أَمُوتُهَا بَعْدَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ بَيْنَ شُعْبَتَيْ رَحْلٍ أَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ أَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللَّهِ. وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ فَقَدْ وَضَحَ الطَّرِيقُ وَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ وَلَا تَكُونُوا عِيَالًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَّجِرُونَ فِي بَحْرِ الرُّومِ. وَسَبَقَ الْكَلَامُ فِي الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَذَمِّهَا قَبْلَ فَصْلِ آدَابِ الْمُصَافَحَةِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِرِزْقِهِ وَإِنَّمَا يُذْهِبُ الدِّينَ الشَّرَهُ وَقِلَّةُ الْقَنَاعَةِ» . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ لَأَنْ أَخْلُفَ عَشْرَةَ آلَاف دِرْهَمٍ يُحَاسِبُنِي اللَّهُ عَلَيْهَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْتَاجَ إلَى النَّاسِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَقَدْ أَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى الشَّاعِرُ فَنَظَمَهُ: لَأَنْ أَمْضِي وَأَتْرُكَ بَعْضَ مَالِي ... يُحَاسِبُنِي بِهِ رَبُّ الْبَرِيَّهْ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ وَقْعِ احْتِيَاجِي ... إلَى نَذْلٍ شَحِيحٍ بِالْعَطِيَّهْ وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ لَا تَكُونَنَّ إنْ اسْتَطَعْت أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي فَضْلِ أُمِّ سَلَمَةَ وَهُوَ عَكْسُ مَا رَأَيْتُهُ فِي التَّارِيخِ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ سَلْمَانَ مَرْفُوعًا وَرَوَى أَيْضًا هَذَا الْمَعْنَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا. وَرَوَى أَبُو بَكْرِ الْبَرْقَانِيُّ فِي صَحِيحِهِ حَدِيثَ سَلْمَانَ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: يَخْرُجُ مِنْهَا فِيهَا بَاضَ الشَّيْطَانُ وَفَرَّخَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ثَنَا هَنَّادٌ ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا تَسْتَقْبِلُوا السُّوقَ

стр. 1195

وَلَا تُحَفِّلُوا وَلَا يُنَفِّقْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْمُحَفَّلَةُ الْمُصَرَّاةُ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: لَا يُنْفِقُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ أَيْ لَا يَقْصِدُ أَنْ يُنْفِقَ سِلْعَتَهُ عَلَى جِهَةِ النَّجْشِ فَإِنَّهُ بِزِيَادَتِهِ فِيهَا يَرِيبُ السَّامِعَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ سَبَبًا لِابْتِيَاعِهَا وَمَنْفَقًا لَهَا. وَالسُّوقُ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقِيَامِ النَّاسِ فِيهَا عَلَى سُوقِهِمْ.

стр. 1196

[فَصْلٌ فِي تَحْرِيمِ السُّؤَالِ حَتَّى عَلَى مَنْ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ وَذَمِّهِ وَتَقْبِيحِهِ] ِ) مَنْ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ مِنْ زَكَاةٍ وَصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَهُ طَلَبُهُ وَعَنْهُ يَحْرُمُ الطَّلَبُ دُونَ الْأَخْذِ عَلَى مَنْ لَهُ غَدَاءٌ أَوْ عَشَاءٌ نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ وَابْنُ مَنْصُورٍ، وَعَنْهُ بَلَى عَلَى مَنْ لَهُ غَدَاءٌ أَوْ عَشَاءٌ، نَقَلَهُ عَنْهُ صَالِحٌ وَجَعْفَرٌ، وَعَنْهُ يَحْرُمُ الطَّلَبُ عَلَى مَنْ لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا وَإِنْ جَازَ لَهُ الْأَخْذُ نَقَلَهُ مُهَنَّا، وَعَنْهُ تَحْرُمُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مَنْ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ مُطْلَقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَفِي ذَمِّ السُّؤَالِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ وَأَنَّ الْمَسْأَلَةَ تَجِيءُ فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُدُوشٌ وَأَنَّهُ يَسْتَكْثِرُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ وَنَحْو ذَلِكَ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ. وَقَالَ مُؤْنِسٌ: إنَّ الْوُقُوفَ عَلَى الْأَبْوَابِ حِرْمَانٌ ... وَالْعَجْزُ أَنْ يَرْجُوَ الْإِنْسَانَ إنْسَانُ مَتَى تُؤَمِّلُ مَخْلُوقًا وَتَقْصِدُهُ ... إنْ كَانَ عِنْدَكَ بِالرَّحْمَنِ إيمَانُ ثِقْ بِاَلَّذِي هُوَ يُعْطِي ذَا وَيَمْنَعُ ذَا ... فِي كُلِّ يَوْمٍ لَهُ فِي خَلْقِهِ شَانُ وَقَالَ آخَرُ مَنْ يَسْأَلْ النَّاسَ يَحْرِمُوهُ ... وَسَائِلُ اللَّهِ لَا يَخِيبُ قَالَ آخَرُ: وَمَتَى تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَارْجُ الْغِنَى ... وَإِلَى الَّذِي يَهَبُ الرَّغَائِبَ فَارْغَبْ وَقَالَ آخَرُ: لَا تَحْسَبَنَّ الْمَوْتَ مَوْتَ الْبِلَى ... فَإِنَّمَا الْمَوْتُ سُؤَالُ الرِّجَالِ كِلَاهُمَا مَوْتٌ وَلَكِنَّ ذَا ... أَشَدُّ مِنْ ذَاكَ لِذُلِّ السُّؤَالِ

стр. 1197

وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ سَعْدَ اللَّهِ بْنَ نَصْرِ الدَّجَاجِيَّ الْحَنْبَلِيَّ يُكَنَّى أَبَا الْحَسَنِ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ أَرْبَع وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ تَفَقَّهَ وَنَاظَرَ وَوَعَظَ قَالَ كُنْت خَائِفًا مِنْ الْخَلِيفَةِ لِحَادِثٍ نَزَلَ فَاخْتَفَيْت فَرَأَيْت فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي فِي غُرْفَةٍ أَكْتُبُ شَيْئًا، فَجَاءَ رَجُلٌ فَوَقَفَ بِإِزَائِي وَقَالَ اُكْتُبْ مَا أُمْلِي عَلَيْك: ادْفَعْ بِصَبْرِكَ حَادِثَ الْأَيَّامِ ... وَتَرَجَّ لُطْفَ الْوَاحِدِ الْعَلَّامِ لَا تَيْأَسَنَّ وَإِنْ تَضَايَقَ كَرْبُهَا ... وَرَمَاك رَيْبُ صُرُوفِهَا بِسِهَامِ فَلَهُ تَعَالَى بَيْنَ ذَلِكَ فُرْجَةٌ ... تَخْفَى عَلَى الْأَبْصَارِ وَالْأَفْهَامِ كَمْ مَنْ نَجَا مِنْ بَيْنِ أَطْرَافِ الْقَنَا ... وَفَرِيسَةٍ سَلِمَتْ مِنْ الضِّرْغَامِ وَقَالَ مَحْمُودُ الْوَرَّاقُ: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الذُّلِّ بُدٌّ ... فَالْقَ بِالذُّلِّ إنْ لَقِيت الْكِبَارَا لَيْسَ إجْلَالُك الْكَبِير بِذُلٍّ ... إنَّمَا الذُّلُّ أَنْ تُجِلَّ الصِّغَارَا وَقَالَ أَيْضًا: بَخِلْت وَلَيْسَ الْبُخْلُ مِنِّي سَجِيَّةً ... وَلَكِنْ رَأَيْت الْفَقْرَ شَرُّ سَبِيلِ لَمَوْتُ الْفَتَى خَيْرٌ مِنْ الْبُخْلِ لِلْفَتَى ... وَلَلْبُخْلُ خَيْرٌ مِنْ سُؤَالِ بَخِيلِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «انْتِظَارُ الْفَرَجِ عِبَادَةٌ» . وَيُرْوَى لِأَبِي مِحْجَنٍ الثَّقَفِيِّ: عَسَى فَرَجٌ يَأْتِي مِنْ اللَّهِ إنَّهُ ... لَهُ كُلُّ يَوْمٍ فِي خَلِيقَتِهِ أَمْرُ عَسَى مَا تَرَى أَنْ لَا يَدُومَ وَأَنْ تَرَى ... لَهُ فَرَجًا مِمَّا أَلَحَّ بِهِ الدَّهْرُ إذَا اشْتَدَّ عُسْرٌ فَارْجُ يُسْرًا فَإِنَّهُ ... قَضَى اللَّهُ إنَّ الْعُسْرَ يَتْبَعُهُ الْيُسْرُ وَقَالَ آخَرُ: لَعَمْرُكَ مَا كُلُّ التَّعَطُّلِ ضَائِرٌ ... وَلَا كُلُّ شُغْلٍ فِيهِ لِلْمَرْءِ مَنْفَعَهْ إذَا كَانَتْ الْأَرْزَاقُ فِي الْقُرْبِ وَالنَّوَى ... عَلَيْك سَوَاءٌ فَاغْتَنِمْ لَذَّةَ الدَّعَهْ

стр. 1198

وَإِنْ ضِقْت يَوْمًا يُفْرِجُ اللَّهُ مَا تَرَى ... أَلَا رُبَّ ضِيقٍ فِي عَوَاقِبِهِ سَعَهْ وَقَالَ آخَرُ: اصْبِرْ عَلَى الدَّهْرِ إنْ أَصْبَحْت مُنْغَمِسًا ... بِالضِّيقِ فِي لُجَجٍ تَهْوِي إلَى لُجَجِ فَمَا تَجَرَّعَ كَأْسَ الصَّبْرِ مُعْتَصِمٌ ... بِاَللَّهِ إلَّا آتَاهُ اللَّهُ بِالْفَرَجِ وَقَالَ آخَرُ: هَوِّنْ عَلَيْك فَكُلُّ الْأَمْرِ مُنْقَطِعٌ ... وَخَلِّ عَنْك عَنَانَ الْهَمِّ يَنْدَفِعُ فَكُلُّ هَمٍّ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ فَرَجٌ ... وَكُلُّ أَمْرٍ إذَا مَا ضَاقَ يَتَّسِعُ إنَّ الْبَلَاءَ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ بِهِ ... فَالْمَوْتُ يَقْطَعُهُ أَوْ سَوْفَ يَنْقَطِعُ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ خَرَجْت حَاجًّا فَضَاقَ صَدْرِي فَجَعَلْت أَقُولُ: أَرَى الْمَوْتَ لِمَنْ أَمْسَى ... عَلَى الذُّلِّ لَهُ أَصْلَحُ فَإِذَا بِهَاتِفٍ مِنْ وَرَائِي يَقُولُ: أَلَا أَيُّهَا الْمَرْءُ الَّذِي ... الْهَمُّ بِهِ بَرَّحْ إذَا ضَاقَ بِك الصَّدْرُ ... تَفَكَّرْ فِي أَلَمْ نَشْرَحْ.

стр. 1199

[فِي حُكْمِ مَا يَأْتِي الْمَرْءَ الصِّلَاتِ وَالْهِبَاتِ مِنْ أَخْذٍ وَرَدٍّ] فَصْلٌ (فِي حُكْمِ مَا يَأْتِي الْمَرْءَ الصِّلَاتِ وَالْهِبَاتِ مِنْ أَخْذٍ وَرَدٍّ) وَمَا جَاءَهُ مِنْ مَالٍ بِلَا إشْرَافِ نَفْسٍ وَلَا مَسْأَلَةٍ وَجَبَ أَخْذُهُ نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْأَثْرَمُ وَالْمَرُّوذِيُّ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَم «إذَا جَاءَهُ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إشْرَافٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ خُذْ» ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُضَيِّق عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَشْرَاف أَنْ يَرُدَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ الرَّجُل يَأْتِيه الشَّيْءُ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَة وَلَا اسْتِشْرَاف أَيُّمَا أَفْضَلُ يَأْخُذُهُ أَوْ يَرُدُّهُ قَالَ إذَا لَمْ يَكُنْ اسْتِشْرَافٌ أَخَافُ أَنْ يَضِيقَ عَلَيْهِ رَدُّهُ وَكَذَا نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ وَيُوسُفُ بْنُ مُوسَى وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ مُشَيْشٍ أَخَافُ إذَا جَاءَهُ فَجْأَة فَرَدَّهُ أَنْ يُحْرَجَ. وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ وَرَأَيْت بِخَطِّ الْقَاضِي تَقِي الدِّينِ الزرباني الْبَغْدَادِيِّ الْحَنْبَلِيِّ ﵀ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَة إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ، وَاَلَّذِي وَجَدْت إِسْحَاقَ نَقَلَهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ اسْتِشْرَافٍ أَنْ يَرُدَّ أَوْ يَأْخُذَ هُوَ بِالْخِيَارِ، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ بِإِبَاحَةِ الْأَخْذِ وَهُوَ الَّذِي تَرْجَمَ الْخَلَّالُ أَنَّ الْقَبُولَ مُبَاحٌ مِنْ غَيْرِ اسْتِشْرَافٍ. وَأَمَرَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ مُوسَى بِالْأَخْذِ وَقَالَ لِلسَّائِلِ أَرْجُو أَنْ يَطْلُبَ لَك وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ إلَّا مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ وَإِذَا سَلِمَ مِنْ الشُّبْهَةِ وَالْآفَاتِ فَإِنَّ الْأَفْضَلَ آخِذُهُ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ جَاءَتْهُ هَدِيَّةٌ أَثْوَابٌ مِنْ خُرَاسَانَ فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ قَالَ لِلْمَرُّوذِيِّ اذْهَبْ رُدَّهُ قَالَ فَقُلْت لَهُ أَيُّ شَيْءٍ تَكُونُ الْحُجَّةُ فِي رَدِّهِ؟ أَوْ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُرَدَّ مِثْل هَذَا قَالَ لَيْسَ أَعْلَمُ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَعَوَّدَ لَمْ يَصْبِرْ عَنْهُ، وَاتَّجَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ السَّرَخْسِيُّ

стр. 1200

بِدَرَاهِمَ جَعَلَ رِبْحَهَا لِأَحْمَدَ فَرَبِحَتْ عَشْرَةَ آلَافٍ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِأَحْمَدَ. فَقَالَ: جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا لَكِنَّا فِي كِفَايَةٍ فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ دَعْنَا نَكُونُ أَعِزَّةً وَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهَا. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ فِي كَرَاهَةِ الرَّدِّ رِوَايَتَيْنِ وَعَلَّلَ رِوَايَةَ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ بِكَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ لِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ: أَعَلِمْتُمْ أَنِّي كُنْت قَدْ أُوتِيتُ فَهْمَ الْقُرْآنِ فَلَمَّا قَبِلْت مِنْ أَبِي جَعْفَرٍ يَعْنِي مِنْ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيِّ سُلِبْتُهُ وَكَانَ سُفْيَانُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّهُ كَفَانِي أَمْرَ دُنْيَايَ فَاكْفِهِ أَمْرَ آخِرَتِهِ، فَرُئِيَ الْبَرْمَكِيُّ فِي النَّوْمِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقَالَ مَا نَفَعَنِي شَيْءٌ مَا نَفَعَتْنِي دَعْوَةُ سُفْيَانَ أَوْ نَحْو ذَلِكَ. فَإِنْ اسْتَشْرَفَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِ فَنَقَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ لَا بَأْسَ أَنْ يَرُدَّهَا وَكَذَا نَقَلَ الْكَحَّالُ عَنْهُ إنْ شَاءَ رَدَّهُ وَكَذَا نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ فَإِنْ اسْتَشْرَفَتْ نَفْسُهُ رَدَّهَا. وَقَالَ لَهُ الْأَثْرَمُ: فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ كَمَا يَرُدّ الْمَسْأَلَةَ قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرُدَّهَا قَالَ أَبُو دَاوُد وَكَأَنَّهُ اخْتَارَ الرَّدَّ وَنَقَلَ عَنْهُ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ لَا يَأْخُذُهُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ أَنَّهُ لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ؛ لِعَدَمِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ كُرِهَ لَهُ أَخْذُهُ وَلَمْ يَحْرُمْ، وَقِيلَ: لَهُ أَخْذُهُ وَرَدُّهُ أَوْلَى. وَقَدْ عُرِفَ مِنْ نُصُوصِ أَحْمَدَ أَنَّهُ هَلْ يَحْرُمُ أَوْ يُخَيَّرُ أَوْ الرَّدُّ أَوْلَى أَوْ يُكْرَهُ الْأَخْذُ فِيهِ رِوَايَاتٌ مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ إِسْحَاقَ فِيهَا النَّهْي عَنْ الْأَخْذِ وَظَاهِرُ النَّهْي التَّحْرِيمُ وَاسْتِشْرَافُ النَّفْسِ أَنْ تَقُولَ سَيَبْعَثُ لِي فُلَانٌ أَوْ لَعَلَّهُ يَبْعَثُ لِي وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ أَوْ يَعْرِضْ بِقَلْبِك عَسَى أَنْ يَفْعَلَ نَصَّ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ أَحْمَدُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ «إذَا أَتَاكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا اسْتِشْرَافِ نَفْسٍ فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعُهُ نَفْسَك» فَقَالَ هَذَا إذَا كَانَ مِنْ مَالٍ طَيِّبٍ.

стр. 1201

[فَصْلٌ فِي سُؤَالِ الشَّيْءِ التَّافِهِ كَشِسْعِ النَّعْلِ رِوَايَات] ) نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي الرَّجُلِ يَسْأَلُ الرَّجُلَ الْحَذَّاءَ أَوْ الْإِسْكَافَ الشِّسْعَ قَالَ لَقَدْ شَدَّدْتَ وَقَالَ عَبْدُ اللَّه كَأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ مَسْأَلَةً، وَنَقَلَ حَرْبٌ وَيَعْقُوبُ عَنْهُ فِي الرَّجُلِ يَمُرُّ بِالرَّجُلِ فَيَسْأَلُهُ الشِّسْعَ لِنَعْلِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُرَخِّصْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ قَالَ يَعْقُوبُ فَكَأَنَّهُ كَرِهَهُ فَلَمْ يُرَخِّصْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَا يُرَخِّصُ فِي مَسْأَلَةِ الشِّسْعِ، فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَسْأَلَةَ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ كَالشِّسْعِ وَشِبْهِهِ هَلْ يَجُوزُ أَوْ يُكْرَهُ أَوْ يَحْرُمُ؟ فِيهِ رِوَايَاتٌ. وَلَا بَأْسَ بِمَسْأَلَةِ الْمَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ فَاسْتَسْقَى فَشَرِبَ» . وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد عَنْهُ وَسُئِلَ الرَّجُلُ يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ عَطْشَانَا فَلَا يَسْتَسْقِي وَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الْوَرَعِ مَا يَكُونُ قَالَ أَحْمَقُ، نَقَلَ جَعْفَرٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي الرَّجُلِ يَسْتَعِيرُ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ مَسْأَلَةً.

стр. 1202

[فَصْلٌ فِي سُؤَالِ الْأَخِ وَالْوَالِدِ وَالْوَلَدِ وَالْأَخْذِ مِمَّنْ أَعْطَى حَيَاءً] ً) قَالَ حَرْبٌ لِأَحْمَدَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الْأَخُ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَيَرَى عِنْدَهُ الشَّيْءَ يُعْجِبُهُ، الدَّابَّةَ وَنَحْوه ذَلِكَ فَيَقُولُ هَبْ هَذَا لِي وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ يَجْرِي بَيْنَهُمَا وَلَعَلَّ الْمَسْئُولَ يُحِبُّ أَنْ يَسْأَلَهُ أَخُوهُ ذَلِكَ قَالَ أَكْرَهُ الْمَسْأَلَةَ كُلَّهَا وَلَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ بَيْنَ الْأَبِ وَالْوَلَدِ أَيْسَرُ، وَذَلِكَ أَنَّ فَاطِمَةَ قَدْ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ وَسَأَلَتْهُ وَنَقَلَ عَنْهُ يَعْقُوبُ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ وَالْفَضْلُ نَحْوَ ذَلِكَ. وَمِنْ الْمَسْأَلَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَهِيَ وَاقِعَةٌ كَثِيرًا سُؤَال رَبِّ الدَّيْنِ وَضْعَ شَيْءٍ مِنْ دَيْنِهِ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ لَا تُعْجِبُنِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَالَ ﷺ «لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إلَّا لِثَلَاثٍ» قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَإِنْ أَخَذَ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ حَيَاءً لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَخْذُ وَيَجِبُ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا صَرَّحَ بِهَذَا غَيْرُهُ وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّ الْمَقَاصِدَ عِنْدَنَا فِي الْعُقُودِ مُعْتَبَرَةٌ. وَعُمُومُ كَلَامِ غَيْرِهِ يُخَالِفُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1203

قَالَ أَحْمَدُ ثَنَا إسْمَاعِيلُ ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي الدَّهْمَاءِ وَكَانَا يُكْثِرَانِ السَّفَرَ نَحْوَ الْبَيْتِ قَالَا: أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْل الْبَادِيَةِ فَقَالَ الْبَدَوِيُّ أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ وَقَالَ «إنَّك لَنْ تَدَعَ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ إلَّا أَعَطَاك اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ» . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ سُوَيْد بْنِ نَصْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ ثَنَا أَبُو قَتَادَةَ وَأَبُو الدَّهْمَاءِ وَذَكَرَهُ، إسْنَادٌ جَيِّدٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «اُنْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إلَى مَنْ فَوْقَكُمْ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو «خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا» الْحَدِيثُ وَفِيهِ الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ وَهُوَ ضَعِيفٌ.

стр. 1204

[فَصْلٌ فِي سُؤَالِ الْمَرْءِ لِمَنْفَعَةِ غَيْرِهِ وَعَدَمِ اسْتِحْسَانِ أَحْمَدَ لَهُ] ُ) وَأَمَّا مَسْأَلَةُ غَيْرِهِ لِغَيْرِهِ لَا لِنَفْسِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ ﵀ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ كَلِّمْ لِي فُلَانًا فِي صَدَقَةٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ غَزْوٍ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَكَلَّمَ لِنَفْسِهِ فَكَيْفَ لِغَيْرِهِ؟ ثُمَّ قَالَ التَّعْرِيضُ أَعْجَبُ إلَيَّ. وَنَقَلَ غَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ رُبَّمَا يُكَلِّفُهُ قَوْمٌ أَنْ يَجْمَعَ أَمْوَالًا فَيَشْتَرِي أُسَارَى أَوْ يَصْرِفُهُ فِي أَشْبَاهِ ذَلِكَ قَالَ نَفْسُهُ أَوْلَى بِهِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ: وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ امْرَأَةٍ مَاتَ زَوْجُهَا بِالثَّغْرِ وَلَيْسَ لَهَا ثَمَّ أَحَدٌ فَتَرَى أَنْ أُكَلِّمَ قَوْمًا يُعِينُونِي حَتَّى أُجْهِزَ عَلَيْهَا وَأَجِيءَ بِهَا قَالَ لَيْسَ هَذَا عَلَيْكَ وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ. وَنَقَلَ حَرْبٌ عَنْهُ فِي الرَّجُلِ يَقُومُ فِي الْمَسْجِدِ فَيَسْأَلْ الرَّجُلَ فَيَجْمَعُ لَهُ دَرَاهِمَ فَرَخَّصَ فِيهِ، وَنَقَلَ أَنَّ شُعْبَةَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَكَذَا نَقَلَ عَنْهُ إبْرَاهِيمُ وَيَعْقُوبُ. وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَسْأَلُ لِلرَّجُلِ الْمُحْتَاجِ قَالَ لَا وَلَكِنْ يُعَرِّضُ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ «الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَثَّ الصَّدَقَةَ وَلَمْ يَسْأَلْ» وَهَذَا مَعْنَى مَا نَقَلَ الْأَثْرَمُ وَابْنُ مَنْصُورٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْبٍ. وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ رُبَّمَا سَأَلَ رَجُلًا فَمَنَعَهُ فَيَكُونُ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهِ

стр. 1205

وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ جَوَازُ التَّعْرِيضِ وَفِي جَوَازِ السُّؤَالِ رِوَايَتَانِ فَإِنْ أَعْطَاهُ غَيْرُهُ شَيْئًا لِيُفَرِّقَهُ، فَهَلْ الْأَوْلَى أَخْذُهُ أَوْ عَدَمُهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ تَقَدَّمَتَا حَسَّنَ عَدَمَ الْأَخْذِ فِي رِوَايَةٍ وَأَخَذَ هُوَ وَفَرَّقَ فِي رِوَايَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1206

[فَصْلٌ فِي أَفْضَلِ الْمَعَاشِ وَالتِّجَارَةِ وَأَحْسَنِ الْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ] ِ) أَفْضَلُ الْمَعَاشِ التِّجَارَةُ وَأَفْضَلُهَا فِي الْبَزِّ وَالْعِطْرِ وَالزَّرْعِ وَالْغَرْسِ وَالْمَاشِيَةِ وَأَنْقَصُهَا فِي الصَّرْفِ ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَقَالَ فِيهَا فِي مَوْضُوعٍ آخَرُ: أَفْضَلُ الصَّنَائِعِ الْخِيَاطَةُ وَأَدْنَاهَا الْحِيَاكَةُ وَالْحِجَامَةُ وَنَحْوُهُمَا وَأَشَدُّهَا كَرَاهَةُ الصَّبْغِ وَالصِّيَاغَةِ وَالْحِدَادَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الصَّنَائِعِ الدَّنِيَّةِ وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا وَيُكْرَهُ كَسْبُ الْحَجَّامِ وَالْفَاصِدِ وَنَحْوُهُ وَعَسْبُ الْفَحْلِ وَالْمَاشِطَةُ وَنَحْوُهُ النَّائِحَةُ وَالْبَلَّانُ وَالْمُزَيِّنُ وَالْجَرَائِحِيُّ وَالصَّائِغُ وَالصَّبَّاغُ وَالْحَدَّادُ وَقِيلَ وَالْبَيْطَارُ وَنَحْوُهُ ذَلِكَ وَرَوَى الْخَلَّالُ أَنَّ امْرَأَةً مَاشِطَةً جَمَعَتْ مَالًا مِنْ ذَلِكَ فَجَاءَتْ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَتْ أُرِيدُ أَنْ أَحُجَّ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَا تَحُجِّي بِهِ، لَيْسَ هَهُنَا أَحَلّ مِنْ الْغَزْلِ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ كَسْبِ الْمَاشِطَةِ أَتَحُجُّ مِنْهُ قَالَ لَا غَيْرُهُ أَطْيَبُ مِنْهُ وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ سَمِعْت امْرَأَةً تَقُولُ جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُمَشِّطُونَ فَقَالَتْ إنِّي أَصِلُ رَأْسَ الْمَرْأَةِ بِقَرَامِلَ وَأُمَشِّطُهَا أَتَرَى أَنْ أَحُجَّ مِمَّا أَكْتَسِبُ؟ فَقَالَ لَا وَكَرِهَ كَسْبَهَا لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ تَكُونُ مِنْ مَالٍ أَطْيَبَ مِنْهُ، وَكَلَامُهُ فِي الْمُغْنِي يَقْتَضِي أَنَّ الْفَصْدَ وَنَحْوَهُ لَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ وَأَنَّ الْحُكْمَ يَخْتَصُّ بِالْحِجَامَةِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الصَّيْدِ اتَّفَقُوا أَنَّ مَكَاسِبَ الصُّنَّاعِ مِنْ الصِّنَاعَاتِ الْمُبَاحَةِ حَلَالٌ وَاخْتَلَفُوا فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ يُكْرَهُ كَسْبُ الْحَمَّامِيُّ قَالَ وَحَمَّامِيَّةُ النِّسَاءِ أَشَدُّ كَرَاهَةً وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْحَمَّامِيَّ لَا يُكْرَهُ كَسْبُهُ

стр. 1207

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ أَشْرَفَ الْكَسْبِ الْغَنَائِمُ وَمَا أُوجِفَ عَلَيْهِ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ إذَا سَلِمَ مِنْ الْغُلُولِ وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْجِهَادَ تِجَارَةً مُنْجِيَةً مِنْ عَذَابِ اللَّهِ الْأَلِيمِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَفْضَلُ الْكَسْبِ عَمَلُ الْيَدِ وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ» وَعَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أَفْضَلُ الْكَسْبِ كَسْبُ الصَّانِعِ بِيَدِهِ إذَا صَحَّ» . وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَعْرَابِيٍّ وَهُوَ يَبِيعُ شَيْئًا فَقَالَ عَلَيْك بِأَوَّلِ سَوْمَةٍ أَوْ قَالَ أَوَّلَ السَّوْمِ فَإِنَّ الرِّبْحَ مَعَ السَّمَاحِ» وَقِيلَ لِلزُّبَيْرِ ﵁ بِمَ بَلَغْتَ هَذَا الْمَالَ قَالَ إنِّي لَمْ أَرُدُّ رِبْحًا وَلَمْ أَسْتُرْ عَيْبًا. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ ﵁ لِقَوْمٍ مَا تِجَارَتُكُمْ؟ قَالُوا بَيْعُ الرَّقِيقِ قَالَ بِئْسَ التِّجَارَةُ، ضَمَانُ نَفْسٍ، وَمُؤْنَةُ ضِرْسٍ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَحْسَن مَا يَكُونُ فِي عَيْنِك وَقَالَ أَيْضًا إذَا اشْتَرَيْت بَعِيرًا فَاشْتَرِهِ ضَخْمًا فَإِنْ لَمْ تُوَافِقْ كَرَمًا وَافَقْت لَحْمًا، وَأَنْشَدَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ﵀: أَلَا كُلُّ مَنْ يُهْدَى لَهُ الْبَيْعُ يُرْزَقُ ... وَقَدْ يُصْلِحُ الْمَالَ الْقَلِيلَ التَّرَفُّقُ وَلِمَنْصُورٍ الْفَقِيهِ: بُنَيَّةُ لَا تَجْزَعِي وَاصْبِرِي ... عَسَاك بِصَبْرِك أَنْ تَظْفَرِي فَلَوْ نَالَ يَوْمًا أَبُوكِ الْغِنَى ... كَسَاكِ الدِّبَيْقَى وَالتُّسْتَرِيّ وَلَكِنْ أَبُوك اُبْتُلِيَ بِالْعُلُومِ ... فَمَا أَنْ يَبِيعَ وَلَا يَشْتَرِي وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عُمَرَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «قَدْ أَعْطَيْت خَالَتِي غُلَامًا وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُبَارِكَ اللَّهُ لَهَا فِيهِ، وَقَدْ نَهَيْتهَا أَنْ تَجْعَلَهُ حَجَّامًا أَوْ قَصَّابًا أَوْ صَائِغًا» . قَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ ثَنَا هَمَّامٌ عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «أَكْذَبُ النَّاسِ الصَّبَّاغُونَ وَالصَّوَّاغُونَ» فِيهِ ضَعْفٌ، وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ وَابْنُ عَدِيٍّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ

стр. 1208

- ﵀ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمْ يَعِدُ وَيُخْلِفُ قَالَ وَقِيلَ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ مِنْ الْأَصْبَاغِ مَا لَا يُمْكِنُهُ صَبْغُهُ فَإِذَا تَحَرَّى الْوَاحِدُ مِنْهُمْ الصِّدْقَ وَالثِّقَةَ فَلَا طَعْنَ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَيُكْرَهُ تَعَمُّدُ الصَّنَائِعِ الرَّدِيئَةِ مَعَ إمْكَانِ مَا هُوَ أَصْلَحُ مِنْهَا وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ جَزَّارًا؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ قَسَاوَةَ الْقَلْبِ أَوْ حَجَّامًا أَوْ كَنَّاسًا لِمَا فِيهِ مِنْ مُبَاشَرَةِ النَّجَاسَةِ، وَفِي مَعْنَاهُ الدَّبَّاغُ انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ الْمَرْوَزِيُّ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ فَكَرِهَهُ وَقَالَ لَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ مَا أَعْطَيْنَاهُ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ ﵀ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ بَلَدٍ طَبِيبٌ وَكَحَّالٌ وَجَرَائِحِيٌّ وَطَحَّانٌ وَخَبَّازٌ وَلَحَّامٌ وَطَبَّاخٌ وَشَوَّاءٌ وَبَيْطَارٌ وَإِسْكَافٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصَّنَائِعِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا غَالِبًا كَتِجَارَةٍ وَقَصَّارَةٍ وَمُكَارَاةٍ وَوَارِقَةٍ. قَالَ الْقَاضِي يُسْتَحَبُّ إذَا وَجَدَ الْخَيْرَ فِي نَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ أَنْ يَلْزَمَهُ وَإِنْ قَصَدَ إلَى جِهَةٍ مِنْ التِّجَارَةِ فَلَمْ يُقْسَمْ لَهُ فِيهِ رِزْقٌ عَدَلَ إلَى غَيْرِهِ لِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مَرْفُوعًا «إذَا رُزِقَ أَحَدُكُمْ فِي الْوَجْهِ مِنْ التِّجَارَةِ فَلْيَلْزَمْهُ» . وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ مَنْ اتَّجَرَ فِي شَيْءٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَانَ يُقَالُ إذَا لَمْ يُرْزَقْ الْإِنْسَانُ بِبَلْدَةٍ فَلْيَتَحَوَّلْ إلَى أُخْرَى قَالَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَنْ كَانَ لَهُ رِزْقٌ فِي شَيْءٍ فَلْيَلْزَمْهُ قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ سَمِعْت أَهْلَ مَكَّةَ يَقُولُونَ مَا مِنْ أَهْل بَيْتٍ فِيهِمْ مَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ إلَّا رُزِقُوا وَرُزِقَ خَيْرًا.

стр. 1209

قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَالْمُسْتَحَبُّ مِنْهَا الْبَزُّ لِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَشَارَهُ رَجُلٌ فِي الْبُيُوعِ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْبَزِّ وَقَالَ إنَّك إذَا عَالَجْت الْبَزَّ أَحْبَبْت الْخِصْبَ لِلْمُسْلِمِينَ وَكَذَا وَكَذَا» وَعَدَّ أَشْيَاء وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَوْ تَبَايَعُوا وَلَا يَتَبَايَعُونَ مَا تَبَايَعُوا إلَّا الْبَزَّ» قَالَ وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ لَوْ كُنْت تَاجِرًا مَا اخْتَرْت غَيْرَ الْعِطْرِ إنْ فَأْتِنِي رِبْحُهُ لَمْ يَفُتْنِي رِيحُهُ. وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ مَرْفُوعًا «أَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا فَإِنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ الْمَدَنِيِّ وَهُوَ عَنْ غَيْرِ الشَّامِيِّينَ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَلِابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» . وَرَوَى ابْن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ خَالِد بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ مِنْ عَمَلٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ إلَّا قَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَا عَمَلٍ يُقَرِّبُ مِنْ النَّارِ إلَّا قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، وَلَا يَسْتَبْطِئَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَلْقَى فِي رَوْعِي أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَخْرُجَ مِنْ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاس وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنْ اسْتَبْطَأَ أَحَدُكُمْ رِزْقَهُ فَلَا يَطْلُبُهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُنَالُ فَضْلُهُ بِمَعْصِيَتِهِ» . وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُرْسَلًا وَأَظُنُّ ابْنَ مَاجَهْ رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَوْلُهُ ﵇ «مَنْ بُورِكَ لَهُ فِي شَيْءٍ فَلْيَلْزَمْهُ» أَوْ هَذَا الْمَعْنَى. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا» . إسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الضَّيْعَةُ فِي الْأَصْلِ الْمَرَّةُ مِنْ الضَّيَاعِ وَضَيْعَةُ الرَّجُلِ فِي هَذَا مَا يَكُونُ مِنْهُ مَعَاشُهُ كَالصَّنْعَةِ

стр. 1210

وَالتِّجَارَةِ وَالزِّرَاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَفْشَى اللَّهُ ضَيْعَتَهُ» أَيْ أَكْثَرَ عَلَيْهِ مَعَاشَهُ. وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا» . وَقَالَ الشَّيْخُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْأَزَجِيُّ الْحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي كِتَابِ النِّهَايَةِ لَهُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَطْيَبِ الِاكْتِسَابِ فَقَالَ قَوْمٌ الزِّرَاعَةُ وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَهُوَ الْأَشْبَهُ عِنْدِي لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِسْلَامِ لِقَضَاءِ اللَّهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ بَرَكَةِ الْأَرْضِ فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ الشُّبْهَةِ وَقَالَ قَوْمٌ التِّجَارَةُ أَطْيَبُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَرَّحَ بِإِحْلَالِ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَتَعَاطَوْنَ التَّكَسُّبَ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ غَالِبًا وَقَالَ قَوْمٌ الْكَسْبُ بِالصِّنَاعَةِ أَطْيَبُ لِقَوْلِهِ ﵇ «أَحَلُّ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ» وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُبَاشِرُ الْعَمَلَ فِيهَا بِكَدِّ يَدِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَالَ عَبَّاسُ الدَّوْرِيُّ سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَل ﵀ يَقُولُ وَسُئِلَ عَنْ الدَّقَّاقِينَ فَقَالَ: إنَّ أَمْوَالًا جُمِعَتْ مِنْ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ إنَّهَا لَأَمْوَالُ سَوْءٍ، وَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّقَّاقِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الَّذِينَ يَتَّجِرُونَ فِي الدَّقِيقِ وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ احْتِكَارِ الْأَقْوَاتِ وَإِرَادَةِ غَلَائِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ سَبَبٌ فِي إضْرَارِ الْمَعْصُومِينَ وَهُوَ ضَرَرٌ عَامٌّ فَالْأَمْوَالُ الْمَجْمُوعَةُ مِنْ التِّجَارَةِ فِي ذَلِكَ أَمْوَالُ سَوْءٍ وَاحْتَجَّ بِهِ الْقَاضِي عَلَى كَرَاهَةِ التِّجَارَةِ فِي الْقُوتِ وَالطَّعَامِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِي الدِّين يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُحِبَّ غُلُوَّ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ وَيُكْرَهُ الرُّخْصُ وَيُكْرَهُ الْمَالُ الْمَكْسُوبُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ الْأَئِمَّةِ إنَّ مَالًا جُمِعَ مِنْ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ لَمَالُ سَوْءٍ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ جُنْدَبٍ مَرْفُوعًا «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يُشَاقِقْ يُشْقِقْ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالُوا أَوْصِنَا قَالَ إنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنْ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُل إلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِلْءَ كَفٍّ مِنْ دَمٍ أَهْرَاقَهُ فَلْيَفْعَلْ» .

стр. 1211

[فَصْلٌ إشَارَاتٌ نَبَوِيَّةٌ إلَى مَا يَقَعُ مِنْ شَرْقِ الْمَدِينَةِ وَيُمْنِهَا وَنَجْدِهَا] ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «رَأْسُ الْكَفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْفَدَّادِينَ مِنْ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ» . وَفِي رِوَايَةِ «الْإِيمَانُ يَمَانِي» وَلِلْبُخَارِيِّ «وَالْفِتْنَةُ مِنْ هَهُنَا حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» وَلِمُسْلِمٍ «وَالْفَخْرُ وَالرِّيَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْوَبَرِ» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْمَشْرِقِ «هَا إنَّ الْفِتْنَةَ هُنَا ثَلَاثًا» وَلِلْبُخَارِيِّ «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَمِنْهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمُ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَفِي صَاعِنَا، وَفِي مُدِّنَا وَيَمَنِنَا وِشَامِنَا ثُمَّ اسْتَقْبَلَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ فَقَالَ مِنْ هَهُنَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ وَقَالَ وَمِنْ هَهُنَا الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ» . الْفَدَّادُونَ بِالتَّشْدِيدِ الَّذِينَ تَعْلُوا أَصْوَاتُهُمْ فِي حُرُوبِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ وَاحِدُهُمْ فَدَّادٌ يُقَالُ فَدَّ الرَّجُلُ يَفِدُّ فَدِيدًا إذَا اشْتَدَّ صَوْتُهُ. وَقِيلَ بِالتَّخْفِيفِ وَهِيَ الْبَقَرُ الَّتِي تَحْرُثُ وَاحِدُهَا فَدَّانٌ بِالتَّشْدِيدِ وَإِنَّمَا أَضَافَ الْيَمَان إلَى الْيَمِينِ لِأَنَّهُ ظَهَرَ مِنْ مَكَّةَ وَهِيَ تُسَمَّى الْكَعْبَةَ الْيَمَانِيَّةَ.

стр. 1212

[فَصْلٌ حَدِيثُ الْحَثِّ عَلَى تَعْلِيمِ الْمَرْأَةِ الْكِتَابَةَ وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْهُ مَوْضُوعٌ] ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ كَالرَّجُلِ وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَنْقُولِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ قَالَ فِي مُسْنَدِهِ ثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ فَقَالَ أَلَا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتهَا الْكِتَابَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ حَفْصَةَ مِنْ مُسْنَدِهَا وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ الْأَثْرَمُ قَالَ إبْرَاهِيمُ بِهَذَا حَدَّثَ أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَقَالَ: هَذَا رُخْصَةٌ فِي تَعْلِيمِ النِّسَاءِ الْكِتَابَةَ ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي الْأَدَبِ. وَقَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ فِي الْمُنْتَقَى وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعَلُّمِ النِّسَاءِ الْكِتَابَةَ، وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الشَّامِيِّ ثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : «لَا تُسْكِنُوهُنَّ الْغُرَفَ وَلَا تُعَلِّمُونَهُنَّ الْكِتَابَةَ وَعَلِمُوهُنَّ الْغَزْلَ وَسُورَةَ النُّورِ» وَهُوَ خَبَرٌ ضَعِيفٌ فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إبْرَاهِيمَ كَذَّبَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ عَامَّةُ أَحَادِيثِهِ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ يَضَع الْحَدِيثَ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا تُعَلِّمُوا نِسَاءَكُمْ الْكِتَابَةَ وَلَا تُسْكِنُوهُنَّ الْعَلَالِيَّ» وَقَالَ «خَيْرُ لَهْوِ الْمُؤْمِنِ النِّسَاجَةُ، وَخَيْرُ لَهْوِ الْمَرْأَةِ الْغَزْلُ» فِي سَنَدِهِ جَعْفَرُ بْنُ نَصْرٍ وَهُوَ مُتَّهَمٌ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَذَكَرَ خَبَرَ عَائِشَةَ فِي تَفْسِيرِهِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ النُّورِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا تُسْكِنُوا نِسَاءَكُمْ الْغُرَفَ وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَةَ وَاسْتَعِينُوا عَلَيْهِنَّ بِالْعُرَى وَقَالَ أَيْضًا، اسْتَعِيذُوا بِاَللَّهِ مِنْ شِرَارِ النِّسَاءِ وَكُونُوا مِنْ خِيَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ.

стр. 1213

[فَصْلٌ رَجُلٌ اكْتَسَبَ مَالًا مِنْ شُبْهَةٍ] (فَصْلٌ) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَد رَحِمَهُمَا اللَّهُ سَأَلْت أَبِي عَنْ رَجُلٍ اكْتَسَبَ مَالًا مِنْ شُبْهَةٍ: صَلَاتُهُ وَتَسْبِيحُهُ تَحُطُّ عَنْهُ مِنْ مَأْثَمِ ذَلِكَ؟ فَقَالَ إنْ صَلَّى وَسَبَّحَ يُرِيدُهُ بِذَلِكَ، فَأَرْجُو، قَالَ اللَّهُ ﴿خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] . [فَصْلٌ فِتَنِ الْمَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْبَدَاوَةِ وَالْأُمَرَاءِ الْمُضِلِّينَ وَالْعُلَمَاءِ الْمُنَافِقِينَ] (فِي فِتَنِ الْمَالِ وَالثَّرَاءِ وَالنِّسَاءِ وَالْبَدَاوَةِ وَالْأُمَرَاءِ الْمُضِلِّينَ وَالْعُلَمَاءِ الْمُنَافِقِينَ) قَدْ صَحَّ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةٌ، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ» وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ ﷺ : «إنَّ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ أَهْلَكَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَإِنَّهُمَا مُهْلِكَاكُمْ» . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لِكُلِّ أُمَّةٍ صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ وَصَنَمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ عُقْبَةَ مَرْفُوعًا «وَاَللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا فَتَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» . وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا قَالُوا وَمَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا قَالَ بَرَكَاتُ الْأَرْضِ فَقَالَ رَجُلٌ أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ قَالَ أَوَخَيْرٌ هُوَ؟ ثَلَاثًا إنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إلَّا بِالْخَيْرِ وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ إلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ فَإِنَّهَا أَكَلَتْ حَتَّى إذَا امْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ اجْتَرَّتْ فَعَادَتْ فَأَكَلَتْ، وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ لِمَنْ أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ

стр. 1214

وَابْنَ السَّبِيلِ أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ وَيَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . قَوْلُهُ اجْتَرَّتْ أَيْ مَضَغَتْ جِرَّتَهَا بِكَسْرِ الْجِيمِ مَا يُخْرِجُهُ الْبَعِيرُ مِنْ بَطْنِهِ فَيَمْضُغُهُ ثُمَّ يَبْلَعُهُ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» . وَرَوَى أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَقِيلٍ وَحَدِيثُهُ حَسَنٌ عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ» : وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَصَحَّ أَيْضًا عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: «مَا تَرَكْت فِتْنَةً أَضُرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. وَعَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا «لَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي إلَّا اللَّبَنَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ بَيْنَ الرَّغْوَةِ وَالصَّرِيحِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ الصَّرِيحُ الْخَالِصُ مِنْ اللَّبَنِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالْمُرَادُ أَنَّ الشَّيْطَانَ يُحَبِّبُ إلَيْهِمْ اللَّبَنَ فَيَخْرُجُونَ إلَى الْبَادِيَةِ وَيَتْرُكُونَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ مُحْتَجًّا بِهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي قُنْبُلٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا «هَلَاكُ أُمَّتِي فِي الْكِتَابِ وَاللَّبَنِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكِتَابُ وَاللَّبَنُ قَالَ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَيُحِبُّونَ اللَّبَنَ وَيَتْرُكُونَ الْجَمَاعَاتِ وَالْجُمَعَ وَيَبْدُونَ» احْتَجَّ بِهِ الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ لِكِتَابِ الشَّافِعِيِّ ﵁ إنَّ الْعَامَّ عَلَى عُمُومِهِ وَالظَّاهِرَ عَلَى ظَاهِرِهِ حَتَّى يَرِدَ دَلِيلٌ. وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكَ الْأَصْغَرَ قَالُوا وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ قَالَ: الرِّيَاءُ» . وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ شَيْءٍ أَخْوَفُ عَلَى أُمَّتِك مِنْ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ قَالَ: الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهَيْعَةَ. وَرَوَى أَيْضًا ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ

стр. 1215

الرَّحَبِيِّ عَنْ شَدَّادٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنِّي لَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي إلَّا الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ فَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» إسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَلِأَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ. وَلِأَحْمَدَ عَنْ يَزِيدَ وَأَبِي سَعِيدٍ عَنْ دَيْلَمِ بْنِ غَزْوَانَ ثَنَا مَيْمُونُ الْكُرْدِيُّ حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ» حَدِيثٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ مَوْقُوفٌ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ وَزَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ " يَتَكَلَّمُ بِالْحِكْمَةِ وَيَعْمَلُ بِالْجَوْرِ ". وَعَنْ عُمَرَ أَيْضًا قَالَ كُنَّا نَتَحَدَّثُ إنَّمَا يُهْلِكُ هَذِهِ الْأُمَّةَ كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمُ اللِّسَانِ. رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ رِوَايَةِ مُؤَمَّلِ بْنِ إسْمَاعِيلَ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَلِأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنْ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قُلْنَا بَلَى قَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» . وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَرْزَمِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي كَاهِلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ فَقَالَ لَهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ فَكَيْفَ نَتَّقِيهِ وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ قَالَ فَقُولُوا اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِك أَنْ نُشْرِكَ بِك شَيْئًا نَعْلَمُهُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُ» رَوَاهُ أَحْمَد.

стр. 1216

[فَصْلٌ التَّعَامُلُ فِيمَا يَخْتَلِفُ الِاعْتِقَادُ فِيهِ مِنْ حَلَالِ الْمَالِ وَحَرَامِهِ كَالنَّجَاسَاتِ] ِ) إذَا اكْتَسَبَ الرَّجُلُ مَالًا بِوَجْهٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ مِثْلِ بَعْضِ الْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا فَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ اعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ أَنْ يُعَامِلَهُ بِذَلِكَ الْمَالِ؟ الْأَشْبَهُ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ فِيمَا لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَهُ إذْ هَذِهِ الْعُقُودُ لَيْسَتْ بِدُونِ بَيْعِ الْكُفَّارِ لِلْخَمْرِ وَقَدْ جَازَ لَنَا مُعَامَلَتُهُمْ بِأَثْمَانِهَا لِلْإِقْرَارِ عَلَيْهَا، فَإِقْرَارُ الْمُسْلِمِ عَلَى اجْتِهَادِهِ أَوْ تَقْلِيدِهِ أَجْوَزُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا اعْتَقَدَ الْجَوَازَ وَاشْتَرَى فَالْمَالُ فِي حَقِّهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ انْتَقَلَ هَذَا الْمَالُ إلَى غَيْرِهِ بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ هَدِيَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: لَك مَهْنَؤُهُ وَعَلَيْهِ مَأْثَمُهُ، وَبِذَلِكَ أَفْتَيْتُ فِي الْمَالِ الْمَوْرُوثِ، وَكَذَلِكَ قَبُولُ الْعَطَاءِ الْمَوْرُوثِ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ يُعَامِلُ الْمُعَامَلَاتِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ قَبُولُ الْعَطَاءِ مِنْ السُّلْطَانِ الْمُتَأَوِّلِ فِي بَعْضِ مَجْنَاهُ وَآخِذُهُ الْمُكْتَسِبُ إذَا قَبَضَ يَبِيعُ تِجَارَةً بِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ التَّحْرِيمُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ قَبْلَ بُلُوغِ الْخِطَابِ. وَعَلَى إعَادَةِ مَنْ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ أَوْ صَلَّى فِي أَعْطَانِهَا وَرَجَّحْت فِي هَذَا كُلِّهِ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ وَعَدَمِ التَّحْرِيمِ فَقَدْ يُقَالُ إقْرَارُ مَا اكْتَسَبَهُ لَهُ كَأَخْذِهِ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا أَنَّ إقْرَارَ الْحَاكِمِ لِحُكْمِ نَفْسِهِ كَإِقْرَارِهِ لِحُكْمِ غَيْرِهِ وَنَقْضِهِ كَنَقْضِهِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يَتَبَيَّنُ لَهُ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ وَفِعْلِ غَيْرِهِ فَيُخَرَّجُ فِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَانِ وَيُشْبِهُ هَذَا مِنْ وَجْهٍ إذَا ائْتَمَّ الْمَأْمُومُ بِإِمَامٍ أَخَلَّ بِرُكْنٍ أَوْ فَعَلَ مُبْطِلًا فِي مَذْهَبِ الْمَأْمُومِ دُونَ الْإِمَامِ وَأَصْحَابُنَا مِنْهُمْ مِنْ يَحْكِي رِوَايَتَيْنِ وَمِنْهُمْ مِنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا لَمْ يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ. وَالصَّوَابُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ فَإِنَّ بِنَاءَ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ كَبِنَاءِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، هَذَا كُلُّهُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ﵀ قَالَ: وَمِنْ ذَلِكَ مَا اسْتَحَلَّهُ الْإِنْسَانُ مِمَّا يَعْتَقِدُهُ غَيْرُهُ

стр. 1217

خَبِيثًا مِنْ النَّجَاسَاتِ وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي مَائِعٍ مِثْلُ أَنْ يَغْمِسَ الْمَالِكِيُّ يَدَهُ فِي مَائِعٍ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ، ثُمَّ يَضَعهَا فِي مَائِعِ الْإِنْسَانِ، أَوْ يَضَعَ يَدَهُ الرَّطْبَةَ عَلَى فَرْوَةٍ مَدْبُوغَةٍ، ثُمَّ يَضَعَهَا فِي مَائِعٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِحَيْثُ تَكُونُ يَدُ الْإِنْسَانِ، أَوْ ثَوْبُهُ وَإِنَاؤُهُ طَاهِرًا فِي اعْتِقَادِهِ فَيُلَاقِي مَائِعًا لِغَيْرِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1218

[فَصْلٌ فِي الْكَذِبِ فِي الْمَالِ وَالسِّنِّ وَافْتِخَارِ الضَّرَّةِ وَنَحْوِهِ] ِ) وَمِنْ النَّاسِ مَنْ إذَا سُئِلَ عَنْ مِقْدَارِ مَا يَمْلِكُ مِنْ الْمَالِ يُخْبِرُ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُ كَذِبٌ، وَقَدْ (قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَابُ الْمُتَشَبِّعِ، بِمَا لَمْ يَنَلْ وَمَا يُنْهَى مِنْ افْتِخَارِ الضَّرَّةِ) ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي ضَرَّةً فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِينِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» وَلِمَا فِيهِ مِنْ جَحْدِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ إنْ كَانَ إخْبَارُهُ بِأَنْقَصَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ فِي الْإِخْبَارِ وَعَدَمِهِ وَالْإِخْبَارِ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ وَالتَّوْرِيَةِ فَيَعْمَلُ بِذَلِكَ. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الْبَاقِي الْحَنْبَلِيُّ الْإِمَامُ يَقُولُ مَا مِنْ عِلْمٍ إلَّا وَقَدْ نَظَرْت فِيهِ وَحَصَّلْت مِنْهُ الْكُلَّ أَوْ الْبَعْضَ وَمَا أَعْرِفُ أَنِّي ضَيَّعْت سَاعَةً مِنْ عُمْرَى فِي لَهْوٍ أَوْ لَعِبٍ، وَانْفَرَدَ بِعِلْمِ الْحِسَابِ وَالْفَرَائِضِ وَتَفَقَّهَ عَلَى الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَتُوُفِّيَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائَةِ وَقَدْ تَمَّ لَهُ ثَلَاثٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً وَلَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ حَوَاسِّهِ شَيْءٌ وَيَقْرَأُ الْخَطَّ الدَّقِيقَ مِنْ بُعْدٍ سُئِلَ مَرَّةً عَنْ عُمْرِهِ فَأَنْشَدَ: احْفَظْ لِسَانَك لَا تَبُحْ بِثَلَاثَةٍ ... سِنٍّ وَمَالٍ مَا عَلِمْت وَمَذْهَبِ فَعَلَى الثَّلَاثَةِ تُبْتَلَى بِثَلَاثَةٍ ... بِمُكَفِّرٍ وَبِحَاسِدٍ وَمُكَذِّبِ وَمِنْ كَلَامِهِ قَالَ يَجِبُ عَلَى الْمُعَلِّمِ أَنْ لَا يُعَنِّفَ، وَعَلَى الْمُتَعَلِّمِ أَنْ لَا يَأْنَفَ وَقَالَ مَنْ خَدَمَ الْمَحَابِرَ، خَدَمَتْهُ الْمَنَابِرُ.

стр. 1219

[فَصْلٌ فِي حَدِّ الْبُخْلِ وَالشُّحِّ وَالسَّخَاءِ] ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي حَدِّ الْبُخْلِ أَقْوَالًا وَذَكَرَ الْقَاضِي أَيْضًا فِي كِتَابِهِ الْمُعْتَمَدِ فِي حَدِّ الْبُخْلِ أَقْوَالًا: (أَحَدُهَا) مَنْعُ الزَّكَاةِ فَمَنْ أَدَّاهَا خَرَجَ مِنْ جَوَازِ إطْلَاقِ الْبُخْلِ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ ابْن عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ فَلَيْسَ بِبَخِيلِ قَالَهُ رَدًّا عَلَى الْحَجَّاجِ حِينَ نَسَبَهُ إلَى ذَلِكَ (وَالثَّانِي) مَنْعُ الْوَاجِبَاتِ مِنْ الزَّكَاةِ، وَالنَّفَقَةِ فَعَلَى هَذَا لَوْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ وَمَنَعَ غَيْرَهَا مِنْ الْوَاجِبَات عُدَّ بَخِيلًا (وَالثَّالِثُ) فِعْلُ الْوَاجِبَات، وَالْمَكْرُمَاتِ فَلَوْ أَخَلَّ بِالثَّانِي وَحْدَهُ كَانَ بَخِيلًا وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بَرِئَ مِنْ الشُّحِّ مَنْ أَدَّى الزَّكَاةَ وَقَرَى الضَّيْفَ وَأَعْطَى فِي النَّائِبَةِ» فَلَمْ يَنْفِ عَنْهُ وَصْفَ الشُّحِّ إلَّا عِنْدَ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّينِ فِي الْمُخْتَارَةِ مِنْ طَرِيقِهِمَا مِنْ حَدِيثِ مُجَمِّعِ بْنِ يَحْيَى عَنْ عُمَيْرٍ أَيْ: الْأَنْصَارِيِّ مَرْفُوعًا. قَالَ الْقَاضِي وَلِأَنَّ هَذَا حَدُّهُ فِي اللُّغَةِ قَالَ وَقِيلَ هُوَ مَعْنًى فِي النَّفْسِ وَهُوَ خَشْيَةُ الْفَقْرِ، وَالْحَاجَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ الْبُخْلُ يُورِثُ التَّمَسُّكَ بِالْمَوْجُودِ، وَالْمَنْعَ مِنْ إخْرَاجِهِ لِأَلَمٍ يَجِدُهُ عِنْدَ تَصَوُّرِ قِلَّةِ مَا حَصَلَ وَعَدَمِ الظَّفَرِ بِخَلَفِهِ، وَالشُّحُّ يُفَوِّتُ النَّفْسَ كُلَّ لَذَّةٍ، وَيُجَرِّعُهَا كُلَّ غُصَّةٍ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْقَاضِي أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الشُّحَّ يَحْمِلُ عَلَى الْبُخْلِ فَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵁ قَالَ «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إيَّاكُمْ، وَالشُّحَّ إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ ﵀ الشُّحُّ مِنْ الْبُخْلِ، وَكَأَنَّ الشُّحَّ

стр. 1220

جِنْسٌ، وَالْبُخْلَ نَوْعٌ، وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ الْبُخْلُ فِي أَفْرَادِ الْأُمُورِ، وَالشُّحُّ عَامٌ كَالْوَصْفِ اللَّازِمِ وَمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الطَّبْعِ وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي بَابِ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ قَالَ جَمَاعَةٌ الشُّحُّ أَشَدُّ الْبُخْلِ وَأَبْلَغُ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْبُخْلِ، وَقِيلَ هُوَ الْبُخْلُ مَعَ الْحِرْصِ وَقِيلَ: الْبُخْلُ فِي أَفْرَادِ الْأُمُورِ، وَالشُّحُّ عَامٌّ، وَقِيلَ الْبُخْلُ بِالْمَالِ خَاصَّةً، وَالشُّحُّ بِالْمَالِ، وَالْمَعْرُوفِ، وَقِيلَ: الشُّحُّ الْحِرْصُ عَلَى مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَالْبُخْلُ بِمَا عِنْدَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قِيلَ: لِلْأَحْنَفِ مَا الْجُودُ قَالَ: بَذْلُ النَّدَى وَكَفُّ الْأَذَى قِيلَ: فَمَا الْبُخْلُ قَالَ: طَلَبُ الْيَسِيرِ وَمَنْعُ الْحَقِيرِ. وَقِيلَ: إنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ أَكْثَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ وَقَالَ شُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ لَيْسَ السَّخِيُّ مَنْ أَخَذَ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ فَبَذَرَهُ وَإِنَّمَا السَّخِيُّ مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَالُ فَتَرَكَهُ، أَوْ جُمِعَ مِنْ حَقٍّ وَوُضِعَ فِي حَقٍّ. سُئِلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ عَنْ الْبُخْلِ فَقَالَ: هُوَ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ مَا يُنْفِقُهُ تَلَفًا وَمَا يُمْسِكُهُ شَرَفًا وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ: وَإِنَّ امْرَأً لَمْ يَرْتَجِ النَّاسُ نَفْعَهُ ... وَلَمْ يَأْمَنُوا مِنْهُ الْأَذَى لَلَئِيمُ وَإِنْ امْرَأً لَمْ يَجْعَلْ الْبِرَّ كَنْزَهُ ... وَلَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا لَهُ لَعَدِيمُ.

стр. 1221

[فَصْلٌ أَحَادِيثُ فِي ذَمِّ الْبُخْلِ وَالشُّحِّ وَالْحِرْصِ وَمَدْحِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] ِ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» وَعَنْهُ أَيْضًا يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُ ﵎ يَا بْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْك» وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا يَأْتِي عَلَيَّ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إلَّا دِينَارًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ عَلَيَّ» رَوَاهُنَّ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي قِصَّةِ الْبَحْرَيْنِ حَدِيثُ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَعَدَهُ لَيُعْطِيَهُ مِنْ مَالِ الْبَحْرَيْنِ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَاتَ فَذَكَرَ لِأَبِي بَكْرٍ ثَلَاثًا فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَالَ إمَّا أَنْ تُعْطِيَنِي وَإِمَّا أَنْ تَبْخَلَ عَنِّي، فَقَالَ: قُلْتَ تَبْخَلَ عَنِّي وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنْ الْبُخْلِ؟ قَالَهَا ثَلَاثًا مَا مَنَعْتُك مِنْ مَرَّةٍ إلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَك» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَقَالَ عُمَرُ «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَسْمًا فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَغَيْرُ هَؤُلَاءِ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُمَّ خَيَّرُونِي بَيْنَ أَنْ يَسْأَلُونِي بِالْفُحْشِ أَوْ يُبْخِلُونِي وَلَسْت بِبَاخِلٍ» . وَقَالَ أَنَسٌ «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ» وَقَالَ جَابِرٌ «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ لَا» ، رَوَاهُنَّ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. وَرَوَى الثَّالِثَ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنْ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنْ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنْ النَّارِ، وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ عَالِمٍ بَخِيلٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ. وَرَوَى أَيْضًا وَقَالَ: غَرِيبٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ» وَرَوَى أَيْضًا وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مَرْفُوعًا «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خِبٌّ وَلَا بَخِيلٌ وَلَا مَنَّانٌ» وَأَسَانِيدُ الثَّلَاثَةِ ضَعِيفَةٌ. وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ «انْتَهَيْت إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَلَمَّا رَآنِي

стр. 1222

قَالَ هُمْ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَ: فَجِئْت حَتَّى جَلَسْت فَلَمْ أَتَقَارَّ أَنْ قُمْت فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي مَنْ هُمْ قَالَ: الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا إلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمْ. وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي زَرِيبَةِ غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ، وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِيبُ فِيهِ اثْنَتَانِ الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمْرِ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ فِي حُبِّ اثْنَيْنِ» وَذَكَرَ مَعْنَاهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هَذَا مَجَازٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ قَلْبَ الشَّيْخِ كَامِلُ الْحُبِّ لِلْمَالِ مُحْتَكِمٌ فِي ذَلِكَ كَاحْتِكَامِ قُوَّةِ الشَّابِّ فِي شَبَابِهِ هَذَا صَوَابُهُ قَالَ وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ غَيْرُ هَذَا مِمَّا لَا يُرْتَضَى. وَرَوَى أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ أَصْلُ الْهَلَعِ الْجَزَعُ، وَالْهَالِعُ هُنَا ذُو الْهَلَعِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا اُسْتُخْرِجَ مِنْهُ الْحَقُّ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ هَلِعَ وَجَزِعَ مِنْهُ،، وَالْجُبْنُ الْخَالِعُ هُوَ الشَّدِيدُ الَّذِي يَخْلَعُ فُؤَادَهُ مِنْ شِدَّتِهِ. وَرَوَى: ثَنَا يُونُسُ ثَنَا لَيْثٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ الْإِيمَانُ، وَالشُّحُّ» حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ الْخَبَرَ الْمَرْوِيَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ، وَثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ فَأَمَّا الْمُنْجِيَاتُ فَالْعَدْلُ فِي الرِّضَا، وَالْغَضَبِ وَخَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى، وَالْفَقْرِ وَأَمَّا الْمُهْلِكَاتُ فَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَانَ يُقَالُ شِدَّةُ الْحِرْصِ مِنْ سُبُلِ الْمَتَالِفِ. وَقَالَ الْأَحْنَفُ: آفَةُ الْحِرْصِ الْحِرْمَانُ وَلَا يَنَالُ الْحَرِيصُ إلَّا حَظَّهُ، كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ

стр. 1223

يَقُولُ: مَا بَعُدَ أَمَلٌ إلَّا سَاءَ عَمَلٌ. وَمِنْ كَلَامِ الْحُكَمَاءِ: الرِّزْقُ مَقْسُومٌ، وَالْحَرِيصُ مَحْرُومٌ، وَالْحَسُودُ مَغْمُومٌ، وَالْبَخِيلُ مَذْمُومٌ وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدُ: الْحِرْصُ مِنْ شَرِّ أَدَاةِ الْفَتَى ... لَا خَيْرَ فِي الْحِرْصِ عَلَى حَالِ مَنْ بَاتَ مُحْتَاجًا إلَى أَهْلِهِ ... هَانَ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ وَالْخَالِ وَقَالَ آخَرُ: لَا تَحْسُدَنَّ أَخَا حِرْصٍ عَلَى سَعَةٍ ... وَانْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ الْمَاقِتِ الْقَالِي إنَّ الْحَرِيصَ لَمَشْغُولٌ بِشِقْوَتِهِ ... عَلَى السُّرُورِ بِمَا يَحْوِي مِنْ الْمَالِ قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ يُخَاطِبُ سَلْمَ بْنَ عَمْرٍو: نَعَى نَفْسِي إلَيَّ مِنْ اللَّيَالِي ... تَصَرُّفُهُنَّ حَالًا بَعْدَ حَالِ فَمَا لِي لَسْت مَشْغُولًا بِنَفْسِي ... وَمَا لِي لَا أَخَافُ الْمَوْتَ مَا لِي لَقَدْ أَيْقَنْت أَنِّي غَيْرُ بَاقٍ ... وَلَكِنِّي أَرَانِي لَا أُبَالِي تَعَالَى اللَّهُ يَا سَلْمُ بْنَ عَمْرٍو ... أَذَلَّ الْحِرْصُ أَعْنَاقَ الرِّجَالِ هَبْ الدُّنْيَا تُسَاقُ إلَيْك عَفْوًا ... أَلَيْسَ مَصِيرُ ذَاكَ إلَى زَوَالِ فَمَا تَرْجُو بِشَيْءٍ لَيْسَ يَبْقَى ... وَشِيكًا مَا تُغَيِّرُهُ اللَّيَالِي فَلَمَّا أُبْلِغَ سَلْمُ بْنُ عَمْرٍو وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِسَلْمٍ الْخَاسِرِ كَتَبَ إلَيْهِ: مَا أَقْبَحَ التَّزْهِيدَ مِنْ وَاعِظٍ ... يُزَهِّدُ النَّاسَ وَلَا يَزْهَدُ لَوْ كَانَ فِي تَزْهِيدِهِ صَادِقًا ... أَضْحَى وَأَمْسَى بَيْتُهُ الْمَسْجِدُ إنْ رَفَضَ الدُّنْيَا فَمَا بَالُهُ ... يَكْتَنِزُ الْمَالَ وَيَسْتَرْفِدُ يَخَافُ أَنْ تَنْفَدَ أَرْزَاقُهُ ... وَالرِّزْقُ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَنْفَدُ الرِّزْقُ مَقْسُومٌ عَلَى مَنْ تَرَى ... يَسْعَى لَهُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ قَالَ زِيَادُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ اثْنَانِ يَتَعَجَّلَانِ النَّصَبَ وَلَا يَظْفَرَانِ بِالْبُغْيَةِ، الْحَرِيصُ فِي حِرْصِهِ، وَمُعَلِّمُ الْبَلِيدِ مَا يَنْبُو عَنْهُ فَهْمُهُ. وَأَنْشَدَ مَحْمُودٌ الْوَرَّاقُ:

стр. 1224

أَرَاك يَزِيدُك الْإِثْرَاءُ حِرْصًا ... عَلَى الدُّنْيَا كَأَنَّك لَا تَمُوتُ فَهَلْ لَك غَايَةٌ إنْ صِرْت يَوْمًا ... إلَيْهَا قُلْت حَسْبِي قَدْ رَضِيتُ وَقَالَ آخَرُ: الْحِرْصُ دَاءٌ قَدْ أَضَرَّ ... بِمَنْ تَرَى إلَّا قَلِيلَا كَمْ مِنْ عَزِيزٍ قَدْ رَأَيْتَ ... الْحِرْصَ صَيَّرَهُ ذَلِيلَا فَتَجَنَّبْ الشَّهَوَاتِ وَاحْذَرْ ... أَنْ تَكُونَ لَهُ قَتِيلَا فَلَرُبَّ شَهْوَةِ سَاعَةٍ ... قَدْ أَوْرَثَتْ حُزْنًا طَوِيلَا وَقَالَ آخَرُ: الْحِرْصُ عَوْنٌ لِلزَّمَانِ عَلَى الْفَتَى ... وَالصَّبْرُ نِعْمَ الْعَوْنُ لِلْأَزْمَانِ لَا تَخْضَعَنَّ فَإِنَّ دَهْرَك إنْ يَرَى ... مِنْك الْخُضُوعَ أَمَدَّهُ بِهَوَانِ وَلِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّورِيِّ: لَمَّا رَأَيْت النَّاسَ قَدْ أَصْبَحُوا ... وَهِمَّةُ الْإِنْسَانِ مَا يَجْمَعُ قَنَعْت بِالْقُوتِ فَنِلْت الْمُنَى ... وَالْفَاضِلُ الْعَاقِلُ مَنْ يَقْنَعُ وَلَمْ أُنَافِسْ فِي طِلَابِ الْغِنَى ... عِلْمًا بِأَنَّ الْحِرْصَ لَا يَنْفَعُ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْخَبَرَ الْمَشْهُورَ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ فَإِنْ غَلَبَك أَمْرٌ فَقُلْ قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، وَلَا تَقُلْ لَوْ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» وَلِلنَّسَائِيِّ فِي رِوَايَةٍ " فَإِنَّ اللَّوَّ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ " قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ طَمَعٍ فِي غَيْرِ مَطْمَعٍ وَمِنْ طَمَعٍ يَقُودُ إلَى طَمَعٍ» وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَا شَيْءٌ أَذْهَبُ لِعُقُولِ الرِّجَالِ مِنْ الطَّمَعِ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ لِكَعْبٍ مَا يُذْهِبُ الْعِلْمَ مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ بَعْدَ أَنْ عَلِمُوهُ قَالَ: الطَّمَعُ وَطَلَبُ الْحَاجَاتِ إلَى النَّاسِ. وَقَالَ كَعْبٌ أَيْضًا الصَّفَا الزُّلْزُلُ الَّذِي لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ أَقْدَامُ الْعُلَمَاءِ الطَّمَعُ

стр. 1225

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فِي الْيَأْسِ غِنًى، وَفِي الطَّمَعِ الْفَقْرُ، وَفِي الْعُزْلَةِ رَاحَةٌ مِنْ خُلَطَاءِ السُّوءِ. وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ: أَطَعْت مَطَامِعِي فَاسْتَعْبَدَتْنِي ... وَلَوْ أَنِّي قَنَعْت لَصِرْت حُرَّا وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَا الذُّلُّ إلَّا فِي الطَّمَعِ. وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْمَطَامِعَ مَا عَلِمْت مَذَلَّةٌ ... لِلطَّامِعِينَ وَأَيْنَ مَنْ لَا يَطْمَعُ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: قُلُوبُ الْجُهَّالِ تُسْتَعْبَدُ بِالْأَطْمَاعِ وَتُسْتَرَقُّ بِالْمُنَى وَتُعَلَّلُ بِالْخَدَائِعِ. وَقَالَ آخَرُ: لَا تَجْزَعَنَّ عَلَى مَا فَاتَ مَطْلَبُهُ ... هَا قَدْ جَزِعْت فَمَاذَا يَنْفَعُ الْجَزَعُ إنَّ السَّعَادَةَ يَأْسٌ إنْ ظَفِرْت بِهِ ... بَعْضُ الْمِرَارِ وَإِنَّ الشِّقْوَةَ الطَّمَعُ وَقَالَ آخَرُ: اللَّهَ أَحْمَدُ شَاكِرًا ... فَبَلَاؤُهُ حَسَنٌ جَمِيلُ أَصْبَحْت مَسْرُورًا مُعَافًى ... بَيْنَ أَنْعُمِهِ أَجُولُ خَلْوًا مِنْ الْأَحْزَانِ خِفَّ ... الظَّهْرِ يُغْنِينِي الْقَلِيلُ وَنَفَيْتُ بِالْيَأْسِ الْمُنَى ... عَنِّي فَطَابَ لِي الْمَقِيلُ وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ لِمَنْ ... خَفَّتْ مَئُونَتُهُ خَلِيلُ قَالُوا لِلْمَسِيحِ يَا رُوحَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا عَنْ الْمَالِ فَقَالَ: الْمَالُ لَا يَخْلُو صَاحِبُهُ مِنْ ثَلَاثِ خِلَالٍ، إمَّا أَنْ يَكْسِبَهُ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، وَإِمَّا أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ حَقِّهِ، وَإِمَّا أَنْ يَشْغَلَهُ إصْلَاحُهُ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ. قَالَ الْحُطَيْئَةُ: وَلَسْت أَرَى السَّعَادَةَ جَمْعَ مَالٍ ... وَلَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ

стр. 1226

وَقَالَ آخَرُ: إذَا مَا الْفَتَى لَمْ يَنْعَ إلَّا لِبَاسَهُ ... وَمَطْعَمَهُ فَالْخَيْرُ مِنْهُ بَعِيدُ يُذَكِّرُنِي صَرْفُ الزَّمَانِ وَلَمْ أَكُنْ ... لِأَهْرُبَ مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ مَحِيدُ فَلَوْ كُنْت ذَا مَالٍ لَقُرِّبَ مَجْلِسِي ... وَقِيلَ إذَا أَخْطَأْت أَنْتَ رَشِيدُ وَقَالَ آخَرُ: ذَهَابُ الْمَالِ فِي أَجْرٍ وَحَمْدٍ ... ذَهَابٌ لَا يُقَالُ لَهُ ذَهَابُ قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ﵀ مَنْ نَقَلَهُ اللَّهُ مِنْ ذُلِّ الْمَعَاصِي إلَى عِزِّ الطَّاعَةِ أَغْنَاهُ بِلَا مَالٍ وَآنَسَهُ بِلَا مُؤْنِسٍ، وَأَعَزَّهُ بِلَا عَشِيرَةٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ إنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» . وَعَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَك تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَاعْمَلْ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْك تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَاجْتَنِبْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْك تَكُنْ أَوْرَعَ النَّاسِ» ، وَعَنْهُ أَيْضًا «الْفَقْرُ أَزْيَنُ بِالْمُؤْمِنِ مِنْ الْعِذَارِ عَلَى خَدِّ الْفَرَسِ» . وَقَالَ أَوْسُ بْنُ حَارِثَةَ خَيْرُ الْغِنَى الْقَنَاعَةُ، وَشَرُّ الْفَقْرِ الْخُضُوعُ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ إنَّمَا الْفَقْرُ، وَالْغِنَى بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللَّهِ : مَا شِقْوَةُ الْمَرْءِ بِالْإِقْتَارِ مَقْتَرَةً ... وَلَا سَعَادَتُهُ يَوْمًا بِإِيسَارِ إنَّ الشَّقِيَّ الَّذِي فِي النَّارِ مَنْزِلُهُ ... وَالْفَوْزُ فَوْزُ الَّذِي يَنْجُو مِنْ النَّارِ كَانَ يُقَالُ الشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى، وَالْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ، وَقَالُوا: حَقُّ اللَّهِ وَاجِبٌ فِي الْغِنَى، وَالْفَقْرِ، فَفِي الْغِنَى الْعَطْفُ، وَالشُّكْرُ، وَفِي الْفَقْرِ الْعَفَافُ، وَالصَّبْرُ وَكَانَ يُقَالُ: الْغِنَى فِي النَّفْسِ، وَالشَّرَفُ فِي التَّوَاضُعِ، وَالْكَرَمُ فِي التَّقْوَى. وَقَالَ حَمَّادٌ الرَّاوِيَةُ: أَفْضَلُ بَيْتٍ فِي الشِّعْرِ قِيلَ: فِي الْأَمْثَال: يَقُولُونَ يَسْتَغْنِي وَوَاللَّهِ مَا الْغِنَى ... مِنْ الْمَالِ إلَّا مَا يُعِفُّ وَمَا يَكْفِي وَكَانَ يُقَالُ: خَصْلَتَانِ مَذْمُومَتَانِ الِاسْتِطَالَةُ مَعَ السَّخَاءِ، وَالْبَطَرُ مَعَ الْغِنَى.

стр. 1227

وَقَالَ آخَرُ: تَقَنَّعْ بِمَا يَكْفِيك وَالْتَمِسْ الرِّضَا ... فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَتُصْبِحُ أَمْ تُمْسِي فَلَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْمَالِ إنَّمَا ... يَكُونُ الْغِنَى وَالْفَقْرُ مِنْ قِبَلِ النَّفْسِ وَقَالَ آخَرُ: وَلَا تَعِدِينِي الْفَقْرَ يَا أُمَّ مَالِكٍ ... فَإِنَّ الْغِنَى لِلْمُنْفِقِينَ قَرِيبُ وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «يَقُولُ اللَّهُ ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْك» وَقَالَ آخَرُ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفَقْرَ يُزْرِي بِأَهْلِهِ ... وَأَنَّ الْغِنَى فِيهِ الْعُلَى وَالتَّجَمُّلُ وَقَالَ آخَرُ: اسْتَغْنِ عَنْ كُلِّ ذِي قُرْبَى وَذِي رَحِمٍ ... إنَّ الْغَنِيَّ مَنْ اسْتَغْنَى عَنْ النَّاسِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَكَانَ يُقَالُ: لَا تَدْعُ عَلَى وَلَدِك الْمَوْتَ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْفَقْرَ. قَالَ الشَّاعِرُ: لَعَمْرُك إنَّ الْقَبْرَ خَيْرٌ لِمَنْ ... كَانَ ذَا يُسْرٍ وَعَادَ إلَى عُسْرِ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا ثَلَاثٌ صَلُحَ النَّاسُ شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ» وَخَطَبَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَامّ بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَا زُبَيْرُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْك، وَلَا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْك، وَأَوْسِعْ يُوَسِّعْ اللَّهُ عَلَيْك، وَلَا تُضَيِّقْ فَيُضَيَّقْ عَلَيْك، وَاعْلَمْ يَا زُبَيْرُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْإِنْفَاقَ وَلَا يُحِبُّ الْقَتَارَ وَيُحِبُّ السَّمَاحَ وَلَوْ عَلَى تَمْرَةٍ، وَيُحِبُّ الشَّجَاعَةَ وَلَوْ عَلَى قَتْلِ حَيَّةٍ، أَوْ عَقْرَبٍ، وَاعْلَمْ يَا زُبَيْرُ أَنَّ لِلَّهِ فُضُولُ أَمْوَالٍ سِوَى الْأَرْزَاقِ الَّتِي قَسَمَهَا بَيْنَ الْعِبَادِ

стр. 1228

مُحْتَبَسَةٌ عِنْدَهُ لَا يُعْطِي أَحَدًا مِنْهَا شَيْئًا إلَّا مَنْ سَأَلَهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَسَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ» . وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: الْبُخْلُ جِلْبَابُ الْمَسْكَنَةِ، وَرُبَّمَا دَخَلَ السَّخِيُّ بِسَخَائِهِ الْجَنَّةَ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ اللَّهُ أَنَا جَوَادٌ كَرِيمٌ، لَا يُجَاوِرُنِي فِي جَنَّتِي لَئِيمٌ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ: سَمِعْت أُمَّ الْبَنِينَ أُخْتَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَقُولُ أُفٍّ لِلْبُخْلِ، وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ طَرِيقًا مَا سَلَكْته، وَلَوْ ثَوْبًا مَا لَبِسْته. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَا اسْتَقْصَى كَرِيمٌ قَطُّ. أَلَمْ تَسْمَعْ إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣] التَّحْرِيمَ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِنِّي لَأَرْثِي لِلْكَرِيمِ إذَا غَدَا ... عَلَى طَمَعٍ عِنْدَ اللَّئِيمِ يُطَالِبُهْ وَقَالَ مَنْصُورٌ الْفَقِيهُ: مَا بِالْبَخِيلِ انْتِفَاعٌ ... وَالْكَلْبُ يَنْفَعُ أَهْلَهُ فَنَزِّهْ الْكَلْبَ عَنْ أَنْ ... تَرَى أَخَا الْبُخْلِ مِثْلَهُ وَقَالَ ابْنُ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَافِظُ: دَخَلْت عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ سَعْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَنَا ضَيِّقُ الصَّدْرِ مِنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ شِيرَازَ لَا أَذْكُرُهُ ﵀ فَأَخَذْت يَدَهُ فَقَبَّلْتهَا فَقَالَ لِي ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ أُعْلِمَهُ بِمَا أَنَا فِيهِ يَا أَبَا الْفَضْلِ: لَا يَضِيقُ صَدْرُك عِنْدَنَا، فِي بِلَادِ الْعَجَمِ مَثَلٌ يُضْرَبُ يُقَالُ: نَخْلُ أَهْوَازِيٍّ، وَحَمَاقَةُ شِيرَازِيٍّ، وَكَثْرَةُ كَلَامِ رَازِيٍّ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أُصُولُ الشَّرِّ ثَلَاثَةٌ: الْحِرْصُ، وَالْحَسَدُ، وَالْكِبْرُ، فَالْكِبْرُ مَنَعَ إبْلِيسَ مِنْ السُّجُودِ لِآدَمَ، وَبِالْحِرْصِ أُخْرِجَ آدَم مِنْ الْجَنَّةِ، وَالْحَسَدُ حَمَلَ ابْنَ آدَمَ عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ الشَّافِعِيِّ قَالَ:

стр. 1229

السَّخَاءُ، وَالْكَرَمُ يُغَطِّي عُيُوبَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ بَعْدَ أَنْ لَا يَلْحَقَهُ بِدْعَةٌ قَالَ حُبَيْشُ بْنُ مُبَشِّرٍ الثَّقَفِيُّ الْفَقِيهُ وَهُوَ أَخُو جَعْفَرِ بْنِ مُبَشِّرٍ الْمُتَكَلِّمِ فَعُدْت مَعَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَالنَّاسُ مُتَوَافِرُونَ فَأَجْمَعُوا أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ رَجُلًا صَالِحًا بَخِيلًا. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ الْحَافِي ﵀: لَا تُزَوِّجْ الْبَخِيلَ وَلَا تُعَامِلُهُ مَا أَقْبَحَ الْقَارِئَ أَنْ يَكُونَ بَخِيلًا، رَوَاهُ الْخَلَّالُ فِي الْأَخْلَاقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ: كَانَ ذَا عَقْلٍ وَدِينٍ وَلِسَانٍ وَبَيَانٍ وَفَهْمٍ وَذَكَاءٍ وَحَزْمٍ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُنْسَبُ إلَى الْبُخْلِ وَهُوَ دَاءٌ دَوِيٌّ يَقْدَحُ فِي الْمُرُوءَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ ". وَقَالَ حَاتِمٌ الطَّائِيُّ لَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُ الْمُتَلَمِّسِ: قَلِيلُ الْمَالِ تُصْلِحُهُ فَيَبْقَى ... وَلَا يَبْقَى الْكَثِيرُ عَلَى الْفَسَادِ وَحِفْظُ الْمَالِ خَيْرٌ مِنْ نَفَادٍ ... وَعَسْفٍ فِي الْبِلَادِ بِغَيْرِ زَادِ قَالَ قَطَعَ اللَّهُ لِسَانَهُ حَمَلَ النَّاسَ عَلَى الْبُخْلِ فَهَلَّا قَالَ: فَلَا الْجُودُ يُفْنِي الْمَالَ قَبْلَ فَنَائِهِ ... وَلَا الْبُخْلُ فِي مَالِ الْبَخِيلِ يَزِيدُ فَلَا تَلْتَمِسْ مَا لَا يَعِيشُ مُقَتِّرًا ... لِكُلِّ غَدٍ رِزْقٌ يَعُودُ جَدِيدُ وَقَالَ حَاتِمٌ أَيْضًا: لَعَمْرُك مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنْ الْفَتَى ... إذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ ... وَيَبْقَى مِنْ الْمَالِ الْأَحَادِيثُ وَالذِّكْرُ وَرَوَى أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيِّ عَنْ هِلَالِ بْنِ سُوَيْدٍ أَبِي الْمُعَلَّى عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «أُهْدِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَوَائِرُ ثَلَاثٌ فَأَكَلَ طَائِرًا وَأَعْطَى خَادِمَهُ طَائِرَيْنِ فَرَدَّهُمَا عَلَيْهِ مِنْ الْغَدِ فَقَالَ

стр. 1230

لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَمْ أَنْهَك أَنْ تَرْفَعَ شَيْئًا لِغَدٍ؟ إنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِرِزْقِ كُلِّ غَدٍ» . وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ الْحُسَيْنِ الرَّازِيّ الزَّاهِدُ الصُّوفِيُّ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ حَدِّثْنِي فَقَالَ: مَا تَصْنَعُ بِالْحَدِيثِ يَا صُوفِيُّ؟ فَقُلْت: لَا بُدَّ حَدِّثْنِي فَحَدَّثَهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ فِي تَرْجَمَة هِلَالٍ حَرَّمَ أَنْ يَدَّخِرَ رِزْقَ غَدٍ وَقَالَ: لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ. وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْهُ وَقَالَ: غَرِيبٌ وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ مُرْسَلًا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كَشْفِ الْمُشْكِلِ فِيمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث عُمَرَ ﵁: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ نَفَقَةَ سَنَةٍ» قَالَ فِيهِ جَوَازُ ادِّخَارِ قُوتِ سَنَةٍ وَلَا يُقَالُ هَذَا مِنْ طُولِ الْأَمَلِ لِأَنَّ الْإِعْدَادَ لِلْحَاجَةِ مُسْتَحْسَنٌ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَقَدْ اسْتَأْجَرَ شُعَيْبُ مُوسَى ﵉ وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى جَهَلَةِ الْمُتَزَهِّدِينَ فِي إخْرَاجِهِمْ مَنْ يَفْعَلُ هَذَا عَنْ التَّوَكُّلِ، فَإِنْ احْتَجُّوا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَدَّخِرُ لَغَدٍ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ خَلْقٌ مِنْ الْفُقَرَاءِ فَكَانَ يُؤْثِرُهُمْ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَالَ إِسْحَاق بْنُ هَانِئٍ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَلِيلُ الْمَالِ تُصْلِحُهُ الْبَيْتَ الْمُتَقَدِّمَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا يَقِلُّ مَعَ الْإِصْلَاحِ شَيْءٌ، وَلَا يَبْقَى مَعَ الْفَسَادِ شَيْءٌ. وَقَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الصَّحَابِيُّ ﵁ الْجَوَادُ سَيِّدُ قَوْمِهِ بَنِي تَمِيمٍ الْحَلِيمُ الَّذِي قَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ التَّمِيمِيُّ مِنْهُ تَعَلَّمْت الْحِلْمَ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَقَدْ تَزَوَّجَهَا جَدِيدًا وَأَحْضَرَتْ لَهُ طَعَامًا قَالَ لَهَا: أَيْنَ أَكِيلِي فَلَمْ تَدْرِ مَا يَقُولُ لَهَا فَأَنْشَأَ يَقُولُ: إذَا مَا صَنَعْت الزَّادَ فَالْتَمِسِي لَهُ ... أَكِيلًا فَإِنِّي لَسْت آكِلَهُ وَحْدِي أَخًا طَارِقًا أَوْ جَارَ بَيْتٍ فَإِنَّنِي ... أَخَافُ مَلَامَاتِ الْأَحَادِيثِ مِنْ بَعْدِي وَإِنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ مِنْ غَيْرِ ذِلَّةٍ ... وَمَا فِي إلَّا ذَاكَ مِنْ شِيمَةِ الْعَبْدِ فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ وَكَانَ بَخِيلًا فَقَالَ: لَبَيْنِي وَبَيْنَ الْمَرْءِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ ... بِمَا قَالَ بَوْنٌ فِي الْفِعَالِ بَعِيدُ وَإِنَّا لَنَجْفُو الضَّيْفَ مِنْ غَيْرِ قِلَّةٍ ... مَخَافَةَ أَنْ يُغْرَى بِنَا فَيَعُودُ
следующие страницы →