Полный текст (1 529 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
وَقَالَ آخَرُ:
إذَا مَا الْفَتَى لَمْ يَنْعَ إلَّا لِبَاسَهُ ... وَمَطْعَمَهُ فَالْخَيْرُ مِنْهُ بَعِيدُ
يُذَكِّرُنِي صَرْفُ الزَّمَانِ وَلَمْ أَكُنْ ... لِأَهْرُبَ مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ مَحِيدُ
فَلَوْ كُنْت ذَا مَالٍ لَقُرِّبَ مَجْلِسِي ... وَقِيلَ إذَا أَخْطَأْت أَنْتَ رَشِيدُ
وَقَالَ آخَرُ:
ذَهَابُ الْمَالِ فِي أَجْرٍ وَحَمْدٍ ... ذَهَابٌ لَا يُقَالُ لَهُ ذَهَابُ
قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ﵀ مَنْ نَقَلَهُ اللَّهُ مِنْ ذُلِّ الْمَعَاصِي إلَى عِزِّ الطَّاعَةِ أَغْنَاهُ بِلَا مَالٍ وَآنَسَهُ بِلَا مُؤْنِسٍ، وَأَعَزَّهُ بِلَا عَشِيرَةٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ إنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» .
وَعَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَك تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَاعْمَلْ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْك تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَاجْتَنِبْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْك تَكُنْ أَوْرَعَ النَّاسِ» ، وَعَنْهُ أَيْضًا «الْفَقْرُ أَزْيَنُ بِالْمُؤْمِنِ مِنْ الْعِذَارِ عَلَى خَدِّ الْفَرَسِ» .
وَقَالَ أَوْسُ بْنُ حَارِثَةَ خَيْرُ الْغِنَى الْقَنَاعَةُ، وَشَرُّ الْفَقْرِ الْخُضُوعُ.
وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ إنَّمَا الْفَقْرُ، وَالْغِنَى بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللَّهِ :
مَا شِقْوَةُ الْمَرْءِ بِالْإِقْتَارِ مَقْتَرَةً ... وَلَا سَعَادَتُهُ يَوْمًا بِإِيسَارِ
إنَّ الشَّقِيَّ الَّذِي فِي النَّارِ مَنْزِلُهُ ... وَالْفَوْزُ فَوْزُ الَّذِي يَنْجُو مِنْ النَّارِ
كَانَ يُقَالُ الشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى، وَالْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ، وَقَالُوا: حَقُّ اللَّهِ وَاجِبٌ فِي الْغِنَى، وَالْفَقْرِ، فَفِي الْغِنَى الْعَطْفُ، وَالشُّكْرُ، وَفِي الْفَقْرِ الْعَفَافُ، وَالصَّبْرُ وَكَانَ يُقَالُ: الْغِنَى فِي النَّفْسِ، وَالشَّرَفُ فِي التَّوَاضُعِ، وَالْكَرَمُ فِي التَّقْوَى.
وَقَالَ حَمَّادٌ الرَّاوِيَةُ: أَفْضَلُ بَيْتٍ فِي الشِّعْرِ قِيلَ: فِي الْأَمْثَال:
يَقُولُونَ يَسْتَغْنِي وَوَاللَّهِ مَا الْغِنَى ... مِنْ الْمَالِ إلَّا مَا يُعِفُّ وَمَا يَكْفِي
وَكَانَ يُقَالُ: خَصْلَتَانِ مَذْمُومَتَانِ الِاسْتِطَالَةُ مَعَ السَّخَاءِ، وَالْبَطَرُ مَعَ الْغِنَى.
стр. 1227
وَقَالَ آخَرُ:
تَقَنَّعْ بِمَا يَكْفِيك وَالْتَمِسْ الرِّضَا ... فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَتُصْبِحُ أَمْ تُمْسِي
فَلَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْمَالِ إنَّمَا ... يَكُونُ الْغِنَى وَالْفَقْرُ مِنْ قِبَلِ النَّفْسِ
وَقَالَ آخَرُ:
وَلَا تَعِدِينِي الْفَقْرَ يَا أُمَّ مَالِكٍ ... فَإِنَّ الْغِنَى لِلْمُنْفِقِينَ قَرِيبُ
وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «يَقُولُ اللَّهُ ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْك» وَقَالَ آخَرُ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفَقْرَ يُزْرِي بِأَهْلِهِ ... وَأَنَّ الْغِنَى فِيهِ الْعُلَى وَالتَّجَمُّلُ
وَقَالَ آخَرُ:
اسْتَغْنِ عَنْ كُلِّ ذِي قُرْبَى وَذِي رَحِمٍ ... إنَّ الْغَنِيَّ مَنْ اسْتَغْنَى عَنْ النَّاسِ
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَكَانَ يُقَالُ: لَا تَدْعُ عَلَى وَلَدِك الْمَوْتَ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْفَقْرَ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
لَعَمْرُك إنَّ الْقَبْرَ خَيْرٌ لِمَنْ ... كَانَ ذَا يُسْرٍ وَعَادَ إلَى عُسْرِ
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا ثَلَاثٌ صَلُحَ النَّاسُ شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ» وَخَطَبَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَامّ بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَا زُبَيْرُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْك، وَلَا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْك، وَأَوْسِعْ يُوَسِّعْ اللَّهُ عَلَيْك، وَلَا تُضَيِّقْ فَيُضَيَّقْ عَلَيْك، وَاعْلَمْ يَا زُبَيْرُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْإِنْفَاقَ وَلَا يُحِبُّ الْقَتَارَ وَيُحِبُّ السَّمَاحَ وَلَوْ عَلَى تَمْرَةٍ، وَيُحِبُّ الشَّجَاعَةَ وَلَوْ عَلَى قَتْلِ حَيَّةٍ، أَوْ عَقْرَبٍ، وَاعْلَمْ يَا زُبَيْرُ أَنَّ لِلَّهِ فُضُولُ أَمْوَالٍ سِوَى الْأَرْزَاقِ الَّتِي قَسَمَهَا بَيْنَ الْعِبَادِ
стр. 1228
مُحْتَبَسَةٌ عِنْدَهُ لَا يُعْطِي أَحَدًا مِنْهَا شَيْئًا إلَّا مَنْ سَأَلَهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَسَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ» .
وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: الْبُخْلُ جِلْبَابُ الْمَسْكَنَةِ، وَرُبَّمَا دَخَلَ السَّخِيُّ بِسَخَائِهِ الْجَنَّةَ.
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ اللَّهُ أَنَا جَوَادٌ كَرِيمٌ، لَا يُجَاوِرُنِي فِي جَنَّتِي لَئِيمٌ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ: سَمِعْت أُمَّ الْبَنِينَ أُخْتَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَقُولُ أُفٍّ لِلْبُخْلِ، وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ طَرِيقًا مَا سَلَكْته، وَلَوْ ثَوْبًا مَا لَبِسْته.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَا اسْتَقْصَى كَرِيمٌ قَطُّ. أَلَمْ تَسْمَعْ إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣] التَّحْرِيمَ قَالَ بَعْضُهُمْ:
وَإِنِّي لَأَرْثِي لِلْكَرِيمِ إذَا غَدَا ... عَلَى طَمَعٍ عِنْدَ اللَّئِيمِ يُطَالِبُهْ
وَقَالَ مَنْصُورٌ الْفَقِيهُ:
مَا بِالْبَخِيلِ انْتِفَاعٌ ... وَالْكَلْبُ يَنْفَعُ أَهْلَهُ
فَنَزِّهْ الْكَلْبَ عَنْ أَنْ ... تَرَى أَخَا الْبُخْلِ مِثْلَهُ
وَقَالَ ابْنُ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَافِظُ: دَخَلْت عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ سَعْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَنَا ضَيِّقُ الصَّدْرِ مِنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ شِيرَازَ لَا أَذْكُرُهُ ﵀ فَأَخَذْت يَدَهُ فَقَبَّلْتهَا فَقَالَ لِي ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ أُعْلِمَهُ بِمَا أَنَا فِيهِ يَا أَبَا الْفَضْلِ: لَا يَضِيقُ صَدْرُك عِنْدَنَا، فِي بِلَادِ الْعَجَمِ مَثَلٌ يُضْرَبُ يُقَالُ: نَخْلُ أَهْوَازِيٍّ، وَحَمَاقَةُ شِيرَازِيٍّ، وَكَثْرَةُ كَلَامِ رَازِيٍّ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أُصُولُ الشَّرِّ ثَلَاثَةٌ: الْحِرْصُ، وَالْحَسَدُ، وَالْكِبْرُ، فَالْكِبْرُ مَنَعَ إبْلِيسَ مِنْ السُّجُودِ لِآدَمَ، وَبِالْحِرْصِ أُخْرِجَ آدَم مِنْ الْجَنَّةِ، وَالْحَسَدُ حَمَلَ ابْنَ آدَمَ عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ الشَّافِعِيِّ قَالَ:
стр. 1229
السَّخَاءُ، وَالْكَرَمُ يُغَطِّي عُيُوبَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ بَعْدَ أَنْ لَا يَلْحَقَهُ بِدْعَةٌ قَالَ حُبَيْشُ بْنُ مُبَشِّرٍ الثَّقَفِيُّ الْفَقِيهُ وَهُوَ أَخُو جَعْفَرِ بْنِ مُبَشِّرٍ الْمُتَكَلِّمِ فَعُدْت مَعَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَالنَّاسُ مُتَوَافِرُونَ فَأَجْمَعُوا أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ رَجُلًا صَالِحًا بَخِيلًا.
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ الْحَافِي ﵀: لَا تُزَوِّجْ الْبَخِيلَ وَلَا تُعَامِلُهُ مَا أَقْبَحَ الْقَارِئَ أَنْ يَكُونَ بَخِيلًا، رَوَاهُ الْخَلَّالُ فِي الْأَخْلَاقِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ: كَانَ ذَا عَقْلٍ وَدِينٍ وَلِسَانٍ وَبَيَانٍ وَفَهْمٍ وَذَكَاءٍ وَحَزْمٍ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُنْسَبُ إلَى الْبُخْلِ وَهُوَ دَاءٌ دَوِيٌّ يَقْدَحُ فِي الْمُرُوءَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ ".
وَقَالَ حَاتِمٌ الطَّائِيُّ لَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُ الْمُتَلَمِّسِ:
قَلِيلُ الْمَالِ تُصْلِحُهُ فَيَبْقَى ... وَلَا يَبْقَى الْكَثِيرُ عَلَى الْفَسَادِ
وَحِفْظُ الْمَالِ خَيْرٌ مِنْ نَفَادٍ ... وَعَسْفٍ فِي الْبِلَادِ بِغَيْرِ زَادِ
قَالَ قَطَعَ اللَّهُ لِسَانَهُ حَمَلَ النَّاسَ عَلَى الْبُخْلِ فَهَلَّا قَالَ:
فَلَا الْجُودُ يُفْنِي الْمَالَ قَبْلَ فَنَائِهِ ... وَلَا الْبُخْلُ فِي مَالِ الْبَخِيلِ يَزِيدُ
فَلَا تَلْتَمِسْ مَا لَا يَعِيشُ مُقَتِّرًا ... لِكُلِّ غَدٍ رِزْقٌ يَعُودُ جَدِيدُ
وَقَالَ حَاتِمٌ أَيْضًا:
لَعَمْرُك مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنْ الْفَتَى ... إذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ ... وَيَبْقَى مِنْ الْمَالِ الْأَحَادِيثُ وَالذِّكْرُ
وَرَوَى أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيِّ عَنْ هِلَالِ بْنِ سُوَيْدٍ أَبِي الْمُعَلَّى عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «أُهْدِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَوَائِرُ ثَلَاثٌ فَأَكَلَ طَائِرًا وَأَعْطَى خَادِمَهُ طَائِرَيْنِ فَرَدَّهُمَا عَلَيْهِ مِنْ الْغَدِ فَقَالَ
стр. 1230
لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَمْ أَنْهَك أَنْ تَرْفَعَ شَيْئًا لِغَدٍ؟ إنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِرِزْقِ كُلِّ غَدٍ» .
وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ الْحُسَيْنِ الرَّازِيّ الزَّاهِدُ الصُّوفِيُّ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ حَدِّثْنِي فَقَالَ: مَا تَصْنَعُ بِالْحَدِيثِ يَا صُوفِيُّ؟ فَقُلْت: لَا بُدَّ حَدِّثْنِي فَحَدَّثَهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ فِي تَرْجَمَة هِلَالٍ حَرَّمَ أَنْ يَدَّخِرَ رِزْقَ غَدٍ وَقَالَ: لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ. وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْهُ وَقَالَ: غَرِيبٌ وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ مُرْسَلًا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كَشْفِ الْمُشْكِلِ فِيمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث عُمَرَ ﵁: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ نَفَقَةَ سَنَةٍ» قَالَ فِيهِ جَوَازُ ادِّخَارِ قُوتِ سَنَةٍ وَلَا يُقَالُ هَذَا مِنْ طُولِ الْأَمَلِ لِأَنَّ الْإِعْدَادَ لِلْحَاجَةِ مُسْتَحْسَنٌ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَقَدْ اسْتَأْجَرَ شُعَيْبُ مُوسَى ﵉ وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى جَهَلَةِ الْمُتَزَهِّدِينَ فِي إخْرَاجِهِمْ مَنْ يَفْعَلُ هَذَا عَنْ التَّوَكُّلِ، فَإِنْ احْتَجُّوا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَدَّخِرُ لَغَدٍ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ خَلْقٌ مِنْ الْفُقَرَاءِ فَكَانَ يُؤْثِرُهُمْ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ إِسْحَاق بْنُ هَانِئٍ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَلِيلُ الْمَالِ تُصْلِحُهُ الْبَيْتَ الْمُتَقَدِّمَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا يَقِلُّ مَعَ الْإِصْلَاحِ شَيْءٌ، وَلَا يَبْقَى مَعَ الْفَسَادِ شَيْءٌ.
وَقَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الصَّحَابِيُّ ﵁ الْجَوَادُ سَيِّدُ قَوْمِهِ بَنِي تَمِيمٍ الْحَلِيمُ الَّذِي قَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ التَّمِيمِيُّ مِنْهُ تَعَلَّمْت الْحِلْمَ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَقَدْ تَزَوَّجَهَا جَدِيدًا وَأَحْضَرَتْ لَهُ طَعَامًا قَالَ لَهَا: أَيْنَ أَكِيلِي فَلَمْ تَدْرِ مَا يَقُولُ لَهَا فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
إذَا مَا صَنَعْت الزَّادَ فَالْتَمِسِي لَهُ ... أَكِيلًا فَإِنِّي لَسْت آكِلَهُ وَحْدِي
أَخًا طَارِقًا أَوْ جَارَ بَيْتٍ فَإِنَّنِي ... أَخَافُ مَلَامَاتِ الْأَحَادِيثِ مِنْ بَعْدِي
وَإِنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ مِنْ غَيْرِ ذِلَّةٍ ... وَمَا فِي إلَّا ذَاكَ مِنْ شِيمَةِ الْعَبْدِ
فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ وَكَانَ بَخِيلًا فَقَالَ:
لَبَيْنِي وَبَيْنَ الْمَرْءِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ ... بِمَا قَالَ بَوْنٌ فِي الْفِعَالِ بَعِيدُ
وَإِنَّا لَنَجْفُو الضَّيْفَ مِنْ غَيْرِ قِلَّةٍ ... مَخَافَةَ أَنْ يُغْرَى بِنَا فَيَعُودُ
стр. 1231
وَأَنْشَدَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّاشِيُّ:
كُلُّ الْأُمُورِ تَزُولُ عَنْك وَتَنْقَضِي ... إلَّا الثَّنَاءَ فَإِنَّهُ لَك بَاقِ
لَوْ أَنَّنِي خُيِّرْت كُلَّ فَضِيلَةٍ ... مَا اخْتَرْت غَيْرَ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ
وَدَخَلَ جَرِيرٌ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَنْشَدَهُ:
رَأَيْتُك أَمْسِ خَيْرَ بَنِي مَعْدِ ... وَأَنْتَ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْك أَمْسِ
وَنَبْتُكَ فِي الْمَنَابِتِ خَيْرُ نَبْتِ ... وَغَرْسُكَ فِي الْمَغَارِسِ خَيْرُ غَرْسِ
أَنْتَ غَدًا تَزِيدُ الضِّعْفَ ضِعْفًا ... كَذَاك تَزِيدُ سَادَةَ عَبْدِ شَمْسِ
فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَأَنْشَدَ يَحْيَى بْنُ مَعْبَدٍ بَيْتًا فَأَمَرَ لَهُ بِعَشْرَةِ آلَافِ دِرْهَمَ وَهُوَ:
إذَا قِيلَ مَنْ لِلْجُودِ وَالْمَجْدِ وَالنَّدَى ... فَنَادِ بِأَعْلَى الصَّوْتِ يَحْيَى بْنُ مَعْبَدِ
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ:
стр. 1232
إذَا مَا الْمَرْءُ صِرْت إلَى سُؤَالِهْ ... فَمَا تُعْطِيهِ أَكْثَرُ مِنْ نَوَالِهْ
وَمَنْ عَرَفَ الْمَكَارِمَ جَدَّ فِيهَا ... وَحَنَّ إلَى الْمَكَارِمِ بِاحْتِيَالِهْ
وَلَمْ يَسْتَغْلِ مَحْمَدَةً بِمَالٍ ... وَإِنْ كَانَتْ تُحِيطُ بِكُلِّ مَالِهْ
وَلَمَّا وَلَّى الْمَنْصُورُ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ أَذْرَبِيجَانَ قَصَدَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَنَظَرَ إلَيْهِمْ وَهُمْ فِي هَيْئَةٍ رَدِيئَةٍ وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
إذَا نَوْبَةٌ نَابَتْ صَدِيقَك فَاغْتَنِمْ ... مَرَمَّتَهَا فَالدَّهْرُ فِي النَّاسِ قُلَّبُ
فَأَحْسَنُ ثَوْبَيْك الَّذِي هُوَ لَابِسٌ ... وَأَفْرَهُ مُهْرَيْك الَّذِي هُوَ يَرْكَبُ
وَبَادِرْ بِمَعْرُوفٍ إذَا كُنْت قَادِرًا ... زَوَالَ اقْتِدَارٍ فَالْغِنَى عَنْك يَذْهَبُ
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَلَا أُنْشِدُكَ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا لِابْنِ هَرِمَةَ قَالَ هَاتِ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
وَلِلنَّفْسِ تَارَاتٌ يَحِلُّ بِهَا الْعَزَاءُ ... وَتَسْخُو عَنْ الْمَالِ النُّفُوسُ الشَّحَائِحُ
إذَا الْمَرْءُ لَمْ يَنْفَعْك حَيًّا فَنَفْعُهُ ... أَقَلُّ إذَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ الصَّفَائِحُ
لِأَيَّةِ حَالٍ يَمْنَعُ الْمَرْءُ مَالَهُ ... غَدًا فَغَدًا وَالْمَوْتُ غَادٍ وَرَائِحُ
فَقَالَ لَهُ مَعْنُ أَحْسَنْت، وَاَللَّهِ وَإِنْ كَانَ الشِّعْرُ لِغَيْرِك يَا غُلَامُ أَعْطِهِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ فَقَالَ الْغُلَامُ اجْعَلْهَا دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ. فَقَالَ مَعْنُ، وَاَللَّهِ لَا تَكُونُ هِمَّتُك أَرْفَعَ مِنْ هِمَّتِي يَا غُلَامُ صَفِّرْهَا لَهُ.
وَقَالَ هَارُونُ الرَّشِيدُ لِلْأَصْمَعِيِّ ﵀: مَا أَغْفَلَك عَنَّا وَأَجْفَاكَ بِحَضْرَتِنَا. فَقَالَ: وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَلَاقَتْنِي بِلَادٌ بَعْدَك حَتَّى آتِيك فَقَالَ لِلْأَصْمَعِيِّ: مَا أَلَاقَتْنِي قَالَ: أَمْسَكَتْنِي وَأَنْشَدَ:
كَفَّاك كَفٌّ لَا تَلِيقُ دَرَاهِمًا ... جُودًا وَأُخْرَى تَمُطُّ بِالسَّيْفِ الدَّمَا
أَيْ: مَا تُمْسِكُ دِرْهَمًا. فَقَالَ أَحْسَنْت وَهَكَذَا كُنَّ وُقِّرْنَا فِي الْمَلَا، وَعَلِمْنَا فِي الْخَلَا. وَأَمَرَ لِي بِخَمْسَةِ آلَافِ دِينَارٍ.
دَخَلَ الْعَتَّابِي عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ فَأَنْشَدَهُ:
حُسْنُ ظَنِّي حُسْنُ مَا عَوَّدَ اللَّهُ ... سِوَايَ بِك الْغَدَاةَ أَتَا بِي
أَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ أَحْسَنَ مِنْ حُسْنِ ... يَقِينٍ حَدَا إلَيْك رِكَابِي
فَأَمَرَ لَهُ بِجَائِزَةٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى فَأَنْشَدَهُ:
جُودُك يَكْفِيك فِي حَاجَتِي ... وَرُؤْيَتِي تَكْفِيك مِنِّي سُؤَالِي
فَكَيْفَ أَخْشَى الْفَقْرَ مَا عِشْتَ لِي ... وَإِنَّمَا كَفَّاكَ لِي بَيْتُ مَالِي
فَأَجَازَهُ أَيْضًا، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ الثَّالِثَ فَأَنْشَدَهُ:
اُكْسُنِي مَا يَبِيدُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ ... فَإِنِّي أَكْسُوكَ مَا لَا يَبِيدُ
فَأَجَازَهُ وَكَسَاهُ وَحَمَّلَهُ.
وَجَاءَ أَبُو الدِّئْلِ الْمَعْتُوهُ إلَى حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ وَهُوَ قَاضٍ فَكَسَاهُ فَطَلَب مِنْهُ نَفَقَةً فَحَلَفَ حَفْصٌ مَا فِي بَيْتِي ذَهَبٌ وَلَا
стр. 1233
فِضَّةٌ، ثُمَّ اسْتَقْرَضَ لَهُ دِينَارًا فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ فَقَالَ أَبُو الدِّئْلِ أَيّهَا الْقَاضِي، وَاَللَّهِ مَا أَجِدُ لَك مِثْلًا إلَّا قَوْلَ الشَّاعِرِ:
يُعَيِّرُنِي بِالدَّيْنِ قَوْمِي وَإِنَّمَا ... تَقَرَّضْتُ فِي أَشْيَاءَ تُورِثُهُمْ مَجْدَا
وَقَوْلُ صَاحِبِهِ:
وَمَا كُنْت إلَّا كَالْأَصَمِّ بْنِ جَعْفَرٍ ... رَأَى الْمَالَ لَا يَبْقَى فَأَبْقَى بِهِ حَمْدَا
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ فَقَالَ أَصَلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ إنِّي قَدْ امْتَدَحْتُك بِبَيْتَيْنِ وَلَسْت أُنْشِدُهَا إلَّا بِعَشْرَةِ آلَافٍ وَخَادِمٍ فَقَالَ لَهُ خَالِدُ قُلْ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
لَزِمْت نَعَمْ حَتَّى كَأَنَّك لَمْ تَكُنْ ... سَمِعْتَ مِنْ الْأَشْيَاءِ شَيْئًا سِوَى نَعَمِ
وَأَنْكَرْتَ لَا حَتَّى كَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ ... سَمِعْتَ بِهَا فِي سَائِرِ الدَّهْرِ وَالْأُمَمِ
قَالَ وَدَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى خَالِدٍ فِي يَوْمِ مَجْلِسِ الشُّعَرَاءِ عِنْدَهُ وَقَدْ كَانَ قَالَ فِيهِ بَيْتَيْ شِعْرٍ امْتَدَحَهُ فَلَمَّا سَمِعَ قَوْلَ الشُّعَرَاءِ صَغُرَ عِنْدَهُ مَا قَالَ فَلَمَّا انْصَرَفَ الشُّعَرَاءُ بِجَوَائِزِهِمْ بَقِيَ الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ فَأَنْشَدَهُ الْبَيْتَيْنِ وَهُمَا:
تَعَرَّضْتَ لِي بِالْجُودِ حَتَّى نَعَشْتَنِي ... وَأَعْطَيْتَنِي حَتَّى ظَنَنْتُكَ تَلْعَبُ
فَأَنْتَ النَّدَى وَابْنُ النَّدَى وَأَخُو النَّدَى ... حَلِيفُ النَّدَى مَا لِلنَّدَى عَنْكَ مَذْهَبُ
فَقَالَ سَلْ حَاجَتَك فَقَالَ عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ خَمْسُونَ أَلْفًا، فَقَالَ: قَدْ أَمَرْتُ لَك بِهَا وَشَفَعْتُهَا بِمِثْلِهَا، فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ وَهَذَا الْعَطَاءُ وَشِبْهُهُ مِنْ الْمُلُوكِ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّرْعِ وَإِلَّا فَصَاحِبُهُ مَمْدُوحٌ عُرْفًا.
وَقَدْ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ الْجَوْزِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ الْأَغْلَاطِ، وَالْأَوْهَامِ الْقَبِيحَةِ الْمَدْحُ بِمَا يُوجِبُ الذَّمَّ فَإِنَّهُمْ إذَا سَمِعُوا عَنْ السَّلَاطِينِ، وَالْوُلَاةِ بِالْعَطَاءِ الْمُسْرِفِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ مَدَحُوهُمْ بِالْكَرَمِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ أَعْطَى حَمَّادًا الرَّاوِيَةَ لِإِنْشَادِ بَيْتٍ جَارِيَتَيْنِ وَعَشْرَ بُدَرٍ، وَقَالَ لَوْ كَانَ مَا أَعْطَاهُ
стр. 1234
مِنْ مَالِ نَفْسِهِ كَانَ تَبْذِيرًا وَتَفْرِيطًا فَكَيْفَ وَلَيْسَ مِنْ مَالِهِ؟ فَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَرْوِي هَذَا عَنْ الْمُلُوكِ فَيُخْرِجُهُ مَخْرَجَ الْمَدْحِ، وَالْكَرَمِ وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي التَّبْذِيرِ، وَالْإِسْرَافِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥] أَيْ: يَنْظُرُونَ أَيْنَ يَضَعُونَ الْأَمْوَالَ وَأَيْنَ الْفُقَرَاءُ عَنْهَا وَإِذَا تَأَمَّلْتَ الْحَالَ وَجَدْت الْأَمْوَالَ أُخِذَتْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا وَصُرِفَتْ فِي غَيْرِ حَقِّهَا، وَخَرَجَتْ عَنْ نِيَّاتٍ فَاسِدَةٍ انْتَهَى كَلَامُهُ وَسَبَقَ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ كَلَامُ شُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ.
وَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: عَجَبًا لِلْبَخِيلِ الْمُتَعَجِّلِ لِلْفَقْرِ الَّذِي مِنْهُ هَرَبَ، وَالْمُؤَخِّرِ لِلسَّعَةِ الَّتِي إيَّاهَا طَلَبَ، وَلَعَلَّهُ يَمُوتُ بَيْنَ هَرَبِهِ وَطَلَبِهِ، فَيَكُونُ عَيْشُهُ فِي الدُّنْيَا عَيْشَ الْفُقَرَاءِ، وَحِسَابُهُ فِي الْآخِرَةِ حِسَابَ الْأَغْنِيَاءِ، مَعَ أَنَّك لَمْ تَرَ بَخِيلًا إلَّا غَيْرُهُ أَسْعَدُ بِمَالِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي الدُّنْيَا مُهْتَمٌّ بِجَمْعِهِ وَفِي الْآخِرَةِ آثِمٌ بِمَنْعِهِ وَغَيْرُهُ آمِنٌ فِي الدُّنْيَا مِنْ هَمِّهِ، وَنَاجٍ فِي الْآخِرَةِ مِنْ إثْمِهِ.
وَمِنْ مَنْثُورِ كَلَامِ ابْنِ الْمُعْتَزِّ بَشِّرْ مَالَ الْبَخِيلِ بِحَادِثٍ أَوْ وَارِثٍ. وَمِنْ مَنْظُومِهِ:
يَا مَالَ كُلِّ جَامِعٍ وَحَارِثِ ... أَبْشِرْ بِرَيْبٍ حَادِثٍ أَوْ وَارِثِ
وَقَالَ غَيْرُهُ:
كَدُودَةِ الْقَزِّ مَا تَبْنِيهِ يَهْدِمُهَا ... وَغَيْرُهَا بِاَلَّذِي تَبْنِيهِ يَنْتَفِعُ
وَأَيْنَ هَذَا مِنْ كَلَامِ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ فِي أَبْيَاتِهِ الَّتِي يَحُثُّ فِيهَا عَلَى جَمْعِ الْمَالِ وَلَا يُضَيِّعُهُ يَوْمًا عَلَى حَالٍ، مِنْهَا:
إنِّي مُقِيمٌ عَلَى الزَّوْرَاءِ أَعْمُرُهَا ... إنَّ الْكَرِيم عَلَى الْأَقْوَامِ ذُو الْمَالِ
كُلُّ النِّدَاءِ إذَا نَادَيْتُ يَخْذُلُنِي ... إلَّا نِدَائِي إذَا نَادَيْتُ يَا مَالِي
стр. 1235
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَإِنِّي لَأَجْتَازُ الْقُرَى طَاوِيَ الْحَشَا ... مُحَاذَرَةً مِنْ أَنْ يُقَالَ لَئِيمُ
الرِّوَايَةُ بِضَمِّ لَامِ يُقَالُ. وَمَدْحُ الْكَرَمِ وَذَمُّ الْبُخْلِ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَيْحَكَ مَا تَصْنَعُ بِادِّخَارِ مَالٍ لَا يُؤَثِّرُ حَسَنَةً فِي صَحِيفَةٍ، وَلَا مَكْرُمَةً فِي تَارِيخٍ؟ أَمَا سَمِعْت بِإِنْفَاقِ أَبِي بَكْرٍ وَبُخْلِ ثَعْلَبَةَ أَمَا رَأَيْتَ مَآثِرَ مَدْحِ حَاتِمٍ وَبُخْلَ الْحَبَابِ وَيْحَك لَوْ ابْتَلَاكَ فِي مَالِكَ بِقِلَّةٍ اسْتَغَثْتَ، أَوْ فِي بَدَنِكَ لَيْلَةً بِمَرَضٍ شَكَوْتَ. إنَّمَا نُرِيدُ كَمَالَ مُرَادِك فَأَنْتَ تَسْتَوْفِي مَطْلُوبَاتِك مِنْهُ وَلَا يَسْتَوْفِي حَقَّهُ عَلَيْك.
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَدْ قِيلَ:
مَاتَ الْكِرَامُ وَمَرُّوا وَانْقَضَوْا وَمَضَوْا ... وَمَاتَتْ مِنْ بَعْدِهِمْ تِلْكَ الْكَرَامَاتُ
وَخَلَّفُونِي فِي قَوْمٍ ذَوِي سَفَهٍ ... لَوْ أَبْصَرُوا طَيْفَ ضَيْفٍ فِي الْكَرَى مَاتُوا
وَقَدْ سَبَقَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ قَبْلَ هَذَا بِنَحْوِ خَمْسِ كَرَارِيسَ أَوْ سِتَّةٍ وَقَبْلَهُ بِيَسِيرٍ طَلَبُ الْحَاجَاتِ مِنْ النَّاسِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَتْ الْحُكَمَاءُ عَلَى أَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: وَهِيَ لَا تُحَمِّلْ قَلْبَكَ مَا لَا يُطِيقُ وَلَا تَعْمَلْ عَمَلًا لَيْسَ لَك فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَلَا تَثِقَنَّ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تَغْتَرَّ بِمَالٍ وَإِنْ كَثُرَ.
стр. 1236
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ تَمَامُ الْمُرُوءَةِ أَنْ تُرَاعِيَ وَرَثَةَ مَنْ كُنْتَ تُرَاعِيهِ وَتَخْلُفُهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَا كُنْت تُرَاعِيهِمْ حَالَ حَيَاتِهِ لِتَكُونَ الزِّيَادَةُ بِإِزَاءِ إرْعَائِهِ وَلَا تُوهِمْهُمْ أَنَّ الْمَنْزِلَةَ سَقَطَتْ بِمَوْتِ كَاسِبِهِمْ، وَفِّرْ الْإِكْرَامَ عَلَى الْأَيْتَامِ لِتَشُوبَ مَرَارَةَ يُتْمِهِمْ حَلَاوَةُ التَّحَنُّنِ. كَانَ السَّلَفُ ﵏ يُذْهِبُونَ حُزْنَ الْأَيْتَامِ، وَالْأَرَامِلِ وَيُزِيلُونَ ذُلَّ الْيَتِيمِ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ حَتَّى صَارُوا كَالْآبَاءِ، وَالْأُمَّهَاتِ لِلْيَتِيمِ لَا يَتْرُكُونَهُ يُضَامُ وَيَتَنَاضَلُونَ عَنْهُ، وَفِي الْجُمْلَةِ الْكِرَامُ لَا يَبِينُ بَيْنَهُمْ يُتْمُ أَوْلَادِ الْجِيرَانِ وَلَا النَّازِلُ مِنْ الْقَاطِنِينَ.
стр. 1237
[فَصْلٌ فِي أَحْكَامٍ وَآدَابٍ تَتَعَلَّقُ بِالْحَمَّامِ] [ فَصْلٌ فِي بَيْعُ الْحَمَّامِ وَشِرَاؤُهُ وَإِجَارَتُهُ وَبِنَاؤُهُ]
فَصْلٌ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي كَسْبِ الْحَمَّامِيِّ وَلْنَذْكُرْ الْآنَ حُكْمَ الْحَمَّامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَنَقُولُ بَيْعُ الْحَمَّامِ وَشِرَاؤُهُ وَإِجَارَتُهُ وَبِنَاؤُهُ مَكْرُوهٌ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ الَّذِي يَبْنِي حَمَّامًا لِلنِّسَاءِ لَيْسَ بِعَدْلٍ لِأَنَّهُ غَالِبًا يَشْتَمِلُ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ وَنَظَرِهَا وَدُخُولِهَا النِّسَاءَ.
وَفِي مَجْمُوعِ أَبِي حَفْصٍ فِي الْإِجَارَةِ نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ لَهُ حَمَّامٌ تُقِيمُهُ غَلَّتُهُ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ قَالَ لَا يَبِيعُهُ عَلَى أَنَّهُ حَمَّامٌ يَبِيعُهُ عَلَى أَنَّهُ عَقَارٌ وَيَهْدِمُ الْحَمَّامَ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَقَالَ: وَكَذَلِكَ الْأَبْنِيَةُ الْمُصَوَّرَةُ كَنَائِسَ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَبْنِيٌّ لِلْمَنْفَعَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَمَا هُوَ مُصَوَّرٌ عَلَى صُورَةِ الْمَنْفَعَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ عَلَى مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ مِثْلُ الْحَرِيرِ الْمُفَصَّلِ لِلرِّجَالِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ لِلرَّجُلِ وَآنِيَةِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَلِلرَّجُلِ دُخُولُهُ بِإِزَارٍ إذَا أَمِنَ النَّظَرَ الْمُحَرَّمَ ذَكَرَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ وَابْنُ تَمِيمٍ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ غَالِبًا، وَإِنْ خَافَ ذَلِكَ كُرِهَ لِأَنَّ مَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ وَإِنْ عَلِمَ وُقُوعَهُ حَرُمَ عَلَيْهِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَيَتَوَجَّهُ التَّحْرِيمُ إنْ ظَنَّ الْوُقُوعَ فِي الْمَحْذُورِ، وَقَدْ قَالَ فِي الشَّرْعِ أَحْمَدُ ﵀ إنْ عَلِمْت أَنَّ كُلَّ مَنْ فِي الْحَمَّامِ عَلَيْهِ إزَارٌ فَادْخُلْهُ وَإِلَّا فَلَا تَدْخُلْ وَكَذَا أَحْوَالُ الْمَرْأَةِ إنْ دَخَلَتْهُ لِحَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ أَوْ مَرَضٍ، أَوْ جَنَابَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ لِخَوْفِ تَغَسُّلِهَا فِي الْبَيْتِ، أَوْ تَعَذُّرِهِ فِيهِ وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْهَا دُخُولُهُ، وَاخْتَارَ أَبُو الْفَرَجِ الْجَوْزِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا اعْتَادَتْ الْحَمَّامَ وَشَقَّ عَلَيْهَا تَرْكُ دُخُولِهِ إلَّا لِعُذْرٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا دُخُولُهُ، وَلَا تَتَعَرَّى مُسْلِمَةٌ بِحَضْرَةِ ذِمِّيَّةٍ فِيهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَقِيلَ: لِلْمَرْأَةِ دُخُولُهُ فِي قَمِيصٍ. خَفِيفٍ تَصُبُّ الْمَاءَ فَوْقَهُ وَقِيلَ: هَذَا فِي حَمَّامِ الزَّبُونِ لَا فِي حَمَّامِ بَيْتِهَا.
стр. 1238
فَصْلٌ فِي أَحْكَامٍ وَآدَابٍ تَتَعَلَّقُ بِالْحَمَّامِ)
وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ اللَّهِ فِي الْحَمَّامِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ وَعَنْهُ التَّوَقُّفُ وَقِيلَ: يُكْرَهُ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ ﵀ وَيُكْرَهُ لَهُ الْكَلَامُ فِي مَوَاضِعِ الْمِهَنِ الْمُسْتَقْذَرَةِ كَالْحَمَّامِ وَالْخَلَاءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَا يُسَلِّمُ وَلَا يَرُدُّ عَلَى مُسْلِمٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ الْقِرَاءَةِ فِيهِ، وَيُجْزِئُ الْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ بِمَاءِ الْحَمَّامِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ تَارَةً يَغْتَسِلُ مِنْ الْأُنْبُوبِ، فَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ نَجِسَةٌ وَلَا إنَاءَ مَعَهُ أَخَذَ الْمَاءَ بِفِيهِ وَغَسَلَهَا.
وَقَالَ فِي الشَّرْحِ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْأُنْبُوبَةِ وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ عِنْدِي مَاءُ الْحَمَّامِ طَاهِرٌ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجَارِي وَهَلْ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ يُبَاشِرُهُ مَنْ يَتَحَرَّى وَمَنْ لَا يَتَحَرَّى وَحَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ
(وَالثَّانِي) لَا يُكْرَهُ لِكَوْنِ الْأَصْلُ طَهَارَتُهُ فَهُوَ كَالْمَاءِ الَّذِي شَكَكْنَا فِي نَجَاسَتِهِ كَذَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ هَذَا مَاءٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَمُقْتَضَى الْخِلَافِ فِيهِ أَنْ يَجْرِيَ فِي كُلِّ مَاءٍ مَشْكُوكٍ فِي نَجَاسَتِهِ.
وَيُكْرَهُ الِاغْتِسَالُ فِي الْمُسْتَحَمِّ وَدُخُولُ الْمَاءِ بِلَا مِئْزَرٍ وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ.
وَهَلْ يَحْرُمُ كَشْفُ عَوْرَتِهِ خَلْوَةً لِغَيْرِ حَاجَةٍ أَوْ يُكْرَهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ قَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ، وَيُبَاحُ كَشْفُهَا لِخِتَانٍ وَتَدَاوٍ وَمَعْرِفَةِ بُلُوغٍ وَبَكَارَةٍ وَوِلَادَةٍ وَعَيْبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْن الْجَوْزِيِّ فِي مِنْهَاجِ الْقَاصِدِينَ وَيُكْرَهُ دُخُولُ الْحَمَّامِ قَرِيبًا مِنْ الْغُرُوبِ وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ فَإِنَّهُ وَقْتُ انْتِشَارِ الشَّيَاطِينِ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ قَالَ صَالِحٌ كَانَ أَبِي يَتَنَوَّرُ فِي الْبَيْتِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ لِي يَوْمًا أُرِيدُ أَنْ أَدْخُلَ الْحَمَّامَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَكَانَ يَوْمًا شَتْوِيًّا قُلْ لِصَاحِبِ الْحَمَّامِ فَقُلْت لَهُ فَلَمَّا كَانَ الْمَغْرِبُ قَالَ: ابْعَثْ إلَيْهِ فَقَالَ لَهُ إنِّي قَدْ صُرِفَتْ عَنْ الدُّخُولِ، وَتَنَوَّرَ فِي الْبَيْتِ.
стр. 1239
[فَصْلٌ دُخُولُ الْحَمَّامِ وَالْخُرُوجُ مِنْهُ وَالطِّلَاءُ بِالنُّورَةِ فِيهِ وَفِي الْبَيْتِ]
ِ) يُسَنُّ فِي الْجَنَابَةِ وَقِيلَ فِي الْوُضُوءِ كَذَا فِي الرِّعَايَةِ تَقْدِيمُ يُسْرَاهُ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ وَالْمُغْتَسَلِ وَنَحْوِهِمَا، وَالْأَوْلَى فِي الْحَمَّامِ أَنْ يَغْسِلَ إبِطَيْهِ وَقَدَمَيْهِ بِمَاءٍ بَارِدٍ عِنْدَ دُخُولِهِ، وَيَلْزَمَ الْحَائِطَ وَيَقْصِدَ مَوْضِعًا خَالِيًا وَلَا يَدْخُلَ فِي الْبَيْتِ الْحَارِّ حَتَّى يَعْرَقَ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَيُقَلِّلَ الِالْتِفَاتَ. وَلَا يُطِيلَ الْمُقَامَ إلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَيَغْسِلَ قَدَمَيْهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ بِمَاءٍ بَارِدٍ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الصُّدَاعَ.
وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْلِقَ عَانَتَهُ وَيَنْتِفَ إبِطَيْهِ، وَإِنْ اسْتَعْمَلَ النُّورَةَ فِي ذَلِكَ فَحَسَنٌ قَدْ رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأَنَسٌ وَغَيْرُهُمَا ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَنَوَّرُ وَكَانَ إذَا بَلَغَ عَانَتَهُ نَوَّرَهَا بِنَفْسِهِ» .
وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ إذَا بَلَغَ مُرَاقَهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَنَوَّرَ فِي الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ بَدَنِهِ قَمِيصًا، أَوْ دُونَهُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَطْلِيَهُ غَيْرَهُ فِيمَا عَدَا الْعَوْرَةِ. وَقَدْ عَمِلَ أَحْمَدُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، نَوَّرْنَا أَبَا عَبْدَ اللَّهِ فَلَمَّا بَلَغَ عَانَتَهُ نَوَّرَهَا بِنَفْسِهِ.
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: أَصْلَحْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ النُّورَةَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَاشْتَرَيْت لَهُ جِلْدًا لِيَدِهِ فَكَانَ يَدْخُلُ فِيهِ وَيُنَوِّرُ نَفْسَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ ﵃ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَوَّرُونَ فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَطْلِي جَمِيعَ جَسَدِهِ قَمِيصًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَسَرْوَلُ، وَأَوَّلُ مَنْ صُنِعَتْ لَهُ النُّورَةُ وَدَخَلَ الْحَمَّامَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد ﵉، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا تَزَوَّجَ بِلْقِيسَ قَالَتْ: لَهُ لَمْ يَمَسَّنِي حَدِيدٌ قَطُّ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ لِلشَّيَاطِينِ اُنْظُرُوا إلَى شَيْءٍ يُذْهِبُ الشَّعْرَ فَقَالُوا: النُّورَةُ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صُنِعَتْ لَهُ.
وَذَكَرَ عُلَمَاءُ الطِّبِّ أَنَّ فِي الِاطِّلَاءِ بِالنُّورَةِ فَوَائِدَ مِنْهَا أَنَّهَا تَثُورُ الْأَخْلَاطَ وَتَجْذِبُهَا وَذَكَرُوا أَيْضًا أَنَّ مَنْ أُطْلِيَ بِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي إزَارٍ فِي كُلِّ
стр. 1240
أُسْبُوعٍ مَرَّةً اسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ الْفَصْدِ، وَالْحِجَامَةِ وَشُرْبِ الْمُسَهِّلِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُخْلَطَ بِالنُّورَةِ يَسِيرٌ مِنْ شَحْمِ الْحَنْظَلِ لِيَأْمَنَ الْحَكَّةَ فِي مَوَاضِعِهَا وَيَطْلِيَ بَعْدَهَا بِالْحِنَّاءِ، وَالْعُصْفُرِ لِتَبْرِيدِ الْبَدَنِ وَإِذْهَابِ الْكَلَفِ الْحَادِثِ بِإِبْرَازِهَا الْأَخْلَاطَ إلَى ظَاهِرِ الْجِلْدِ وَذَكَرَ هَذَا كُلَّهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَذَكَرَ بَعْضَهُ غَيْرُهُ. وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ الْخَلَّالُ فِي الْعِلَلِ قَالَ مُهَنَّا سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ كَامِلِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ الْحَدِيثَ فَقَالَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ قَتَادَةَ قَالَ «مَا أَطْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » . ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَطْلِي وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ.» رَوَاهُ الْخَلَّالُ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَسْنَدَهُ كَامِلُ بْنُ الْعَلَاءِ وَأَرْسَلَهُ مِنْ نَاسٍ أَوْثَقَ مِنْهُ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيَّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ وَيَتَنَوَّرُ» قَالَ وَلَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ بَعْضُ رِجَالِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ النُّورَةِ، وَالْمُوسَى فِي حَلْقِ الشَّعْرِ، فَأَمَّا أَحْمَدُ فَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَوَّرُ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَنَسٌ «لَمْ يَتَنَوَّرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَطُّ وَكَانَ إذَا كَثُرَ عَلَيْهِ الشَّعْرُ حَلَقَهُ» . وَقَدْ رَوَى مَنْصُورٌ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَطْلَى وَوَلِيَ عَانَتَهُ بِيَدِهِ» كَذَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي النُّورَةِ فِي الْمُفْرَدَاتِ فِي فُصُولِ الطِّبِّ.
стр. 1241
[فَصْلٌ فِي أَقْوَالِ الْأَطِبَّاءِ فِي الْحَمَّامِ]
قَالَ الْأَطِبَّاءُ الْحَمَّامُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ أَهْوِيَتِهِ وَمَبَانِيهِ وَمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ مِنْ الدُّهْنِ والنمريخ. وَسَبَقَ فِي فُصُولِ الطِّبِّ الْكَلَامُ فِي الدُّهْنِ، وَالْمَاءِ وَأَمَّا الدَّلْكُ فِي الْحَمَّامِ فَإِنَّهُ يَفْتَحُ الْمَسَامَّ وَيُحَلِّلُ الْبُخَارَ وَيُذَوِّبُ الْخَلْطَ فَإِنْ أَفْرَطَ أَحْدَثَ الْبُثُورَ.
قَالَهُ ابْنُ جَزْلَةَ وَقَالَ ابْنُ جُمَيْعٍ الصَّيْدَاوِيُّ يُصَلِّبُ الْأَعْضَاءَ وَيُحَلِّلُ الرُّطُوبَةَ، وَالْمُعْتَدِلُ يَجْلِبُ الدَّمَ ظَاهِرَ الْجَسَدِ قَالَ والنمريخ بِالدُّهْنِ يَسُدُّ الْمَسَامَّ قَالَ ابْنُ جَزْلَةَ فَإِنَّ بَعْدَ الِاسْتِحْمَامِ بِالْمَاءِ الْحَارِّ حِفْظُ الْحَرَارَةِ، وَالرُّطُوبَةِ، وَأَجْوَدُ الْحَمَّامَاتِ مَا كَانَ شَاهِقًا عَذْبَ الْمَاءِ مُعْتَدِلَ الْحَرَارَةِ مُعْتَدِلَ الْبُيُوتِ. وَالْحَمَّامُ قَدْ جَمَعَ الْكَيْفِيَّاتِ الْأَرْبَعَةِ وَهُوَ يُوَسِّعُ الْمَسَامَّ وَيَسْتَفْرِغُ الْفَضَلَاتِ وَيُحَلِّلُ الرِّيَاحَ وَيَحْبِسُ الطَّبْعَ إذَا كَانَتْ سُهُولَتُهُ عَنْ هَيْضَةٍ وَيُنَظِّفُ الْوَسَخَ، وَالْعُرُوقَ وَيُذْهِبُ الْحَكَّةَ، وَالْجَرَبَ، وَيُذْهِبُ الْإِعْيَاءَ وَيُرَطِّبُ الْبَدَنَ وَيُجَوِّدُ الْهَضْمَ وَيُنْضِجُ النَّزَلَاتِ، وَالزُّكَامَ، وَيَنْفَعُ مِنْ حُمَّى يَوْمٍ، وَالدَّقِّ، وَالرَّبْعِ، وَيُسَمِّنُ الْمَهْزُولَ وَيُهَزِّلُ السَّمِينَ، وَيَنْفَعُ جَمِيعَ الْأَمْزِجَةِ. وَفِيهِ مَضَارُّ، يُسَهِّلُ انْصِبَابَ الْفَضَلَاتِ إلَى الْأَعْضَاءِ الضَّعِيفَةِ وَيُرْخِي الْجَسَدَ وَيُضَعِّفُ الْحَرَارَةَ عِنْدَ طُولِ الْمُقَامِ فِيهِ، وَيُسْقِطُ شَهْوَةَ الطَّعَامِ وَيُضْعِفُ الْبَاهَ، وَالْعَصَبَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَمْتَشِطَ فِيهِ فَإِنَّهُ يُقَوِّي الْبَصَرَ، وَمَنْ قَصَدَ تَسْمِينَ بَدَنِهِ دَخَلَ عَلَى الِامْتِلَاءِ وَلَا يُطِيلُ اللُّبْثَ وَبِالضِّدِّ، وَمَنْ قَصَدَ حِفْظَ الصِّحَّةِ دَخَلَ عِنْدَ آخِرِ الْهَضْمِ بِحَيْثُ إذَا خَرَجَ يَأْكُلُ، وَيَجْتَنِبُ الْجِمَاعَ فِي الْحَمَّامِ وَأَنْ يَسْتَعْمِلَ بَعْدَهُ الْأَشْيَاءَ الْبَارِدَةَ بِالْفِعْلِ، وَالْحَارَّةَ بِالْفِعْلِ فَفِي ذَلِكَ خَطَرٌ، وَالْمُقَامُ الْكَثِيرُ فِي الْحَمَّامِ يُجَفِّفُ وَرُبَّمَا بَرَّدَ، وَالْقَلِيلُ يُسَخِّنُ وَيُرَطِّبُ.
قَالَ ابْنُ سِينَا: لَا يُطِيلُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُخَافُ مِنْهُ الدَّقُّ، وَالِاسْتِسْقَاءُ، أَمَّا الدَّقُّ فَلِاشْتِدَادِ سُخُونَةِ الْقَلْبِ وَأَمَّا الِاسْتِسْقَاءُ فَلِكَثْرَةِ تَحَلُّلِ الْحَارِّ الْغَرِيزِيِّ فَيُبَرَّدُ مِزَاجُ الْأَعْضَاءِ، وَكَذَلِكَ شُرْبُ الْأَشْيَاءِ الْبَارِدَةِ فِيهِ مِثْلُ النُّقَاعِ، وَالْمَاءُ الْبَارِدُ فِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ جِدًّا لِأَنَّهُ قَدْ يُبَرِّدُ الْكَبِدَ، وَالْقَلْبَ بِهُجُومِهِ عَلَيْهِمَا، وَيُبَرِّدُ
стр. 1242
الْأَحْشَاءَ وَيُضْعِفُهَا وَيُهَيِّئُهَا لِلِاسْتِسْقَاءِ، وَصَبُّ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الرِّجْلَيْنِ بَعْدَ الْحَمَّامِ يُنْعِشُ الْقُوَّةَ الْمُسْتَرْخِيَةَ مِنْ الْكَرْبِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْبَارِدِ بَعْدَ الْحَارِّ مَنَافِعُ عَظِيمَةٌ فِي تَقْوِيَةِ الْأَعْضَاءِ وَلَكِنْ لَا تَكُونُ بَغْتَةً بَلْ يَنْتَقِلُ إلَى الْفَاتِرِ، ثُمَّ إلَى الْبَارِدِ قَالَ ابْنُ ماسويه مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ فَأَصَابَهُ الْفَالِجُ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ شَمْسُ الْمَعَالِي:
أَنْتَ فِي الْحَمَّامِ مَوْقُوفٌ ... عَلَى بَصَرِي وَسَمْعِي
فَتَأَمَّلْهَا تَجِدْهَا ... كُوِّنَتْ مِنْ بَعْضِ طَبْعِي
حَرُّهَا مِنْ حَرِّ أَنْفَاسِي ... وَفَيْضُ الْمَاءِ دَمْعِي
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ قَالَ: أَدْخُلُ الْحَمَّامَ وَأَنَا شَيْخٌ وَأَخْرُجُ وَأَنَا شَابٌّ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ كَانَ إذَا دَخَلَ الْحَمَّامَ، ثُمَّ خَرَجَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَاسْتَغْفَرَ لِمَا رُئِيَ مِنْهُ، أَوْ رَأَى مِنْ نَفْسِهِ.
стр. 1243
[فَصْلٌ الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ وَمِنْهَا نَهْيُ النِّسَاءِ عَنْهُ]
ُ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ ذُكُورِ أُمَّتِي فَلَا يَدْخُلْ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ إنَاثِ أُمَّتِي فَلَا يَدْخُلْ الْحَمَّامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى الرِّجَالَ، وَالنِّسَاءَ عَنْ الْحَمَّامَاتِ، ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا فِي الْمِئْزَرِ وَلَمْ يُرَخِّصْ لِلنِّسَاءِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَائِمِ. وَعَنْهَا أَيْضًا مَرْفُوعًا «أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَضَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا إلَّا هَتَكَتْ السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ أَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدْخُلْ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ» حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَالَ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «احْذَرُوا بَيْتًا يُقَالُ لَهُ الْحَمَّامُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّهُ يُنَقِّي مِنْ الْوَسَخِ، وَالْأَذَى قَالَ: فَمَنْ دَخَلَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ مَوْصُولًا يَذْكُرُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيهِ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ هَذَا أَصَحُّ إسْنَادِ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى أَنَّ النَّاسَ يُرْسِلُونَهُ عَنْ طَاوُسٍ وَأَمَّا مَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد فِي هَذَا مِنْ الْحَظْرِ، وَالْإِبَاحَةِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ لِضَعْفِ الْأَسَانِيدِ وَكَذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَرَوَى حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ نِعْمَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يُنَقِّي مِنْ الدَّرَنِ وَيُذَكِّرُ بِالنَّارِ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَعْنَاهُ وَكَانَ يَدْخُلُهُ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ نَزَعَ مِنْ أَهْلِهِ الْحَيَاءَ، وَلَا يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ لَا تَدْخُلُوا هَذِهِ الْحَمَّامَاتِ فَإِنَّهَا مِمَّا أَحْدَثُوا مِنْ النَّعِيمِ
стр. 1244
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَدْخُلُهُ وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: لَا تَدْخُلْ الْحَمَّامَ إلَّا أَنْ تَشْتَكِيَ. وَعَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لَا يَدْخُلَنَّ أَحَدٌ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ وَلَا يَذْكُرْ اللَّهَ فِيهِ حَتَّى يَخْرُجَ وَلَا يَغْتَسِلْ اثْنَانِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ رَوَى هَذِهِ الْآثَارَ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يَكْشِفُ الْعَوْرَةَ وَيُذْهِبُ الْحَيَاءَ. وَعَنْهُ أَيْضًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «نِعْمَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يَدْخُلُهُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهِ الْجَنَّةَ وَيَسْتَعِيذُ بِهِ مِنْ النَّارِ» قَالَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ فَيَقُولُ: نِعْمَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يُذْهِبُ الْوَسَخَ وَيُذَكِّرُ النَّارَ، وَيَقُولُ: بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ إنَّهُ يَكْشِفُ عَنْ أَهْلِهِ الْحَيَاءَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَدْ رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ نِعْمَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يَذْهَبُ بِالْوَسَخِ وَيُذَكِّرُ بِالنَّارِ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا «إنَّهَا سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامَاتُ فَلَا يَدْخُلْهَا الرِّجَالُ إلَّا بِإِزَارٍ وَامْنَعُوا النِّسَاءَ إلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ» إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الْإِفْرِيقِيُّ وَغَيْرُهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ قَالَ مَا رَأَيْت أَبِي دَخَلَ الْحَمَّامَ قَطُّ وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ دَخَلَ الْحَمَّامَ فَقَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
стр. 1245
[فَصْلٌ فِيمَا يُسَنُّ مِنْ اتِّخَاذِ الشَّعْرِ وَتَسْرِيحِهِ وَفَرْقِهِ وَمِنْ إعْفَاءِ اللِّحْيَةِ]
ِ) يُسَنُّ أَنْ يَغْسِلَ شَعْرَهُ وَيُسَرِّحَهُ وَيَفْرُقَهُ وَيَجْعَلَهُ الرَّجُلُ إلَى مَنْكِبَيْهِ، أَوْ إلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ، أَوْ شَحْمَتَيْهِمَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَهُ ذُؤَابَةً وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَى شُهْرَةٍ، أَوْ نَقْصِ مُرُوءَةٍ، أَوْ إزْرَاءٍ بِصَاحِبِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا قَالُوا: فِي اللِّبَاسِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ لَمَّا قِيلَ: لَهُ إنَّ فِي فَرْقِ الشَّعْرِ شُهْرَةٌ أَجَابَ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ وَبِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ.
وَيُسَنُّ أَنْ يُعْفِيَ لِحْيَتَهُ وَقِيلَ: قَدْرَ قَبْضَةٍ وَلَهُ أَخْذُ مَا زَادَ عَنْهَا وَتَرْكُهُ نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: تَرْكُهُ أَوْلَى.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ الْبُخَارِيُّ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا حَجَّ وَاعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ.
وَيُسَنُّ أَنْ يَنْتِفَ إبِطَيْهِ فَإِنْ شَقَّ؛ حَلَقَهُمَا أَوْ نَوَّرَهُمَا وَقِيلَ: يُكْرَهُ إكْثَارُ التَّنْوِيرِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَسُئِلَ عَنْ اتِّخَاذِ الشَّعْرِ قَالَ: سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَوْ أَمْكَنَنَا اتَّخَذْنَاهُ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَوْ كُنَّا نَقْوَى عَلَيْهِ لَاتَّخَذْنَاهُ وَلَكِنْ لَهُ كُلْفَةٌ وَمُؤْنَةٌ. وَسَأَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ عَنْ الرَّجُلِ يَتَّخِذُ الشَّعْرَ وَيُطَوِّلُهُ فَقَالَ فِي الْفَرْقِ سُنَّةٌ، فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُشَهِّرُ نَفْسَهُ فَقَالَ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَقَ شَعْرَهُ وَأَمَرَ بِالْفَرْقِ،» وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ» .
стр. 1246
[فَصْلٌ فِي تَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ وَسَائِرِ خِصَالِ الْفِطْرَةِ]
ِ) وَيُسَنُّ أَنْ يُقَلِّمَ أَظَافِرَهُ مُخَالِفًا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ زَادَ بَعْضُهُمْ قَبْلَ الزَّوَالِ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «إنَّ مَنْ قَصَّ أَظَافِرَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَخَلَ فِيهِ شِفَاءٌ وَخَرَجَ مِنْهُ دَاءٌ» رَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ، وَالِاسْتِحْبَابُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ وَاَلَّذِي فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَلِّمَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ لِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمْرِهِ عَلِيًّا بِذَلِكَ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ عِنْدَ سُفْيَانَ وَكَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ لَوْ تَرَكْته إلَى غَدٍ الْجُمُعَةِ فَقَالَ سُفْيَانُ لَا تُؤَخِّرْ السُّنَّةُ لِشَيْءٍ، وَيُسَنُّ أَنْ يُقَلِّمَهَا كُلَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَأَقَلَّ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ وَقِيلَ: الْمُقِيمُ كُلَّ عِشْرِينَ يَوْمًا، وَالْمُسَافِرُ كُلَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَقِيلَ: عَكْسُهُ
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَهُوَ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ يُسْتَحَبُّ كَذَلِكَ كُلَّ أُسْبُوعٍ إنْ شَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ شَاءَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَقُصُّ شَارِبَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ.
وَيُسَنُّ أَنْ يُقَلِّمَهَا مُخَالِفًا. وَصِفَتُهُ عَلَى مَا فَسَّرَهُ ابْنُ بَطَّةَ أَنْ يَبْدَأَ بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى، ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ الْإِبْهَامِ، ثُمَّ الْبِنْصِرِ، ثُمَّ السَّبَّابَةِ، ثُمَّ إبْهَامِ الْيُسْرَى، ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ الْخِنْصَرِ، ثُمَّ السَّبَّاحَةِ، ثُمَّ الْبِنْصِرِ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ يَبْدَأُ بِإِبْهَامِ الْيُمْنَى، ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ الْخِنْصَرِ، ثُمَّ السَّبَّاحَةِ، ثُمَّ الْبِنْصِرِ، ثُمَّ الْيُسْرَى كَذَلِكَ، وَقِيلَ: يَبْدَأُ بِالسَّبَّاحَةِ مِنْ يَدِهِ الْيُمْنَى مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ إلَى خِنْصَرِهَا، ثُمَّ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى وَيَخْتِمُ بِإِبْهَامِ الْيُمْنَى قَالَ الْقَاضِي.
وَقَدْ رَوَى وَكِيعٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَنْتِ قَلَّمْت أَظْفَارَكِ فَابْدَئِي بِالْخِنْصَرِ، ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ الْإِبْهَامِ، ثُمَّ الْبِنْصِرِ، ثُمَّ السَّبَّابَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْغِنَى» وَهَذَا قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ مُخَالِفًا لَمْ يَرَ فِي عَيْنَيْهِ رَمَدًا
стр. 1247
» رَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ وَيُجْتَنَبُ الِاسْتِقْصَاءُ فِي الظُّفْرِ فِي الْغَزْوِ.
وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ بَعْدَ التَّقْلِيمِ، وَيَدْفِنُ الْقُلَامَةَ نَصَّ عَلَيْهِ لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ وَكَذَا الشَّعْرُ وَدَمُ الْحِجَامَةِ، وَالْفَصْدُ، وَالتَّشْرِيطُ. وَيُسْتَحَبُّ نَتْفُ الْإِبِطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِنْ أَزَالَ بِمِقْرَاضٍ، أَوْ نُورَةٍ وَنَحْوِهِ فَلَا بَأْسَ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] .
قَالَ يُلْقُونَ الْأَحْيَاءُ فِيهَا الدَّمَ، وَالشَّعْرَ، وَالْأَظَافِيرَ وَتَدْفِنُونَ فِيهَا مَوْتَاكُمْ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ، ثُمَّ قَالَ لِرَجُلٍ ادْفِنْهُ لَا يَبْحَثُ عَلَيْهِ كَلْبٌ» وَرَوَى الْخَلَّالُ وَابْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِمَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَدْفِنُهَا» وَرَوَى وَكِيعٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ كَانَ يَسْتَحِبُّ دَفْنَهَا وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ أَمَرَ بِدَفْنِ الدَّمِ، وَالشَّعْرِ» قَالَ مُهَنَّا سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ أَيَدْفِنُهُ أَمْ يُلْقِيهِ؟ قَالَ يَدْفِنُهُ قُلْت بَلَغَك فِيهِ شَيْءٌ قَالَ ابْنُ عُمَرَ يَدْفِنُهُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ تَنْظِيفَ الْعَانَةِ، وَالْإِبِطِ وَحَفَّ الشَّارِبِ أَكْثَرَ مِنْ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ
стр. 1248
وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
وَقَالُوا وَقَّتَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي الْغُنْيَةِ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي تَصْحِيحِ هَذَا الْحَدِيثِ فَرُوِيَ عَنْهُ إنْكَارُهُ، وَرُوِيَ عَنْهُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي التَّوْقِيتِ بِهَذَا الْمِقْدَارِ.
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْمِرْآةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَاجِبَيْهِ إذَا طَالَا بِالْمِقْرَاضِ، وَيَتَطَيَّبَ فِي بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ بِمَا لَا لَوْنَ فِيهِ، وَالْمَرْأَةُ قِيلَ: الْبَرْزَةُ بِمَا لَهُ لَوْنٌ لَا رَائِحَةَ مِنْ بَعِيدٍ نَصَّ عَلَيْهِ كَذَا فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا.
стр. 1249
[فَصْلٌ الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ فِي الْحِجَامَةِ وَاخْتِيَارِ يَوْمٍ لَهَا]
) رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «اسْتَعِينُوا بِالْحِجَامَةِ عَلَى شِدَّةِ الْحَرِّ» قَالَ مُهَنَّا لِأَحْمَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ عَنْ عَوْفٍ إلَّا مُرْسَلًا وَتُكْرَهُ الْحِجَامَةِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ وَيَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَجَمَاعَةٍ وَزَادَ أَحْمَدُ رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ حَسَّانَ وَيَقُولُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهَذَا الَّذِي قَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَحْتَجِمُ يَوْمَ الْأَحَدِ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ قَالَ الْقَاضِي فَقَدْ بَيَّنَ اخْتِيَارَ يَوْمِ الْأَحَدِ، وَالثُّلَاثَاءِ وَكَرِهَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَالْأَرْبِعَاءِ وَتَوَقَّفَ فِي الْجُمُعَةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّهُ إذَا تَوَقَّفَ فِي شَيْءٍ خَرَجَ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا «مَنْ احْتَجَمَ يَوْمَ السَّبْتِ، أَوْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَأَصَابَهُ وَضَحٌ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ.» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ قَالَ أَبُو دَاوُد وَقَدْ أُسْنِدَ وَلَا يَصِحُّ. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ أَنَّهُ وَصَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَضَعَّفَ ذَلِكَ، وَالْمَحْفُوظُ مُنْقَطِعٌ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَكْحُولٍ مُرْسَلًا.، وَالْوَضَحُ الْبَرَصُ وَحُكِيَ لِأَحْمَدَ أَنَّ رَجُلًا احْتَجَمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَاسْتَخَفَّ بِالْحَدِيثِ وَقَالَ مَا هَذَا الْحَدِيثُ؟ فَأَصَابَهُ وَضَحٌ، فَقَالَ أَحْمَدُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَخِفَّ بِالْحَدِيثِ رَوَاهُ الْخَلَّالُ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «أَنَّ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لَا يَحْتَجِمُ فِيهَا مُحْتَجِمٌ إلَّا عَرَضَ لَهُ دَاءٌ لَا يُشْفَى مِنْهُ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَفِيهِ عَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ وَفِيهِ ضَعْفٌ قَالَ الْعُلَمَاءُ بِالطِّبِّ يَنْبَغِي أَنْ يَجْتَنِبَ الْمُحْتَجِمُ أَكْلَ الْمِلْحِ، وَالْمَمْلُوحِ ثَلَاثِينَ سَاعَةً لِأَنَّهُ يُورِثُ الْجَرَبَ، قَالُوا وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْكُلَ فِي الشِّتَاءِ الطباهجات وَفِي الصَّيْفِ السِّكْبَاجَ، ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. الْبَاهَجُ بِفَتْحِ الْهَاءِ طَعَامٌ مِنْ بَيْضٍ وَلَحْمٍ.
стр. 1250
[فَصْلٌ فِي كَرَاهَةِ حَلْقِ الرَّأْسِ فِي غَيْرِ النُّسُكِ وَكَرَاهَةِ الْقَزَعِ فِي الْحَلْقِ]
ِ) وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ حَلْقُ رَأْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ الْمَرُّوذِيُّ تَكْرَهُهُ قَالَ أَشَدَّ الْكَرَاهَةِ، ثُمَّ قَالَ كَانَ مَعْمَرٌ يَكْرَهُ الْحَلْقَ وَأَنَا أَكْرَهُهُ وَاحْتَجَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ لَوْ وَجَدْتُك مَحْلُوقًا لَضَرَبْت الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك، وَالرَّجُلُ هُوَ صَبِيغٌ السَّائِلُ لَهُ عَنْ الذَّارِيَاتِ وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْخَوَارِجِ «سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ» .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْإِفْرَادِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُوضَحُ النَّوَاصِي إلَّا فِي حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ» ، وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْحَلْقِ مَكْرُوهَةٌ.
قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّيَالِسِيُّ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ فَذَكَرَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَوَارِجِ «سِيمَاهُمْ التَّحَلُّقُ، وَالتَّسْبِيتُ» قَالَ جَعْفَرٌ قُلْت لِأَحْمَدَ مَا التَّسْبِيتُ قَالَ الْحَلْقُ الشَّدِيدُ لِيُشْبِهَ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ لَا يُكْرَهُ الْحَلْقُ زَادَ فِي الشَّرْحِ لَكِنَّ تَرْكَهُ أَفْضَلُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ الْقَزَعِ وَقَالَ احْلِقْهُ كُلَّهُ، أَوْ دَعْهُ كُلَّهُ» إسْنَادُهُ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ إلَى مُسْلِمٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ عَلَى إبَاحَةِ الْحَلْقِ فَأَمَّا أَخْذُهُ بِالْمِقْرَاضِ وَاسْتِئْصَالُهُ فَلَا يُكْرَهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ دَلَالَةَ الْكَرَاهَةِ تَخْتَصُّ بِالْحَلْقِ، وَيُكْرَهُ، لِلْمَرْأَةِ حَلْقُ رَأْسِهَا زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَقَصَّهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَقِيلَ يَحْرُمَانِ عَلَيْهَا.
стр. 1251
وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ خَلَاصٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَيُكْرَهُ حَلْقُ الْقَفَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ أَيْضًا هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ «وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» وَهَذَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَقَيَّدَ فِي الشَّرْحِ كَرَاهِيَةَ حَلْقِهِ لِمَنْ لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ.
стр. 1252
[فَصْلٌ فِي كَوْنِ تَغْيِيرِ الشَّيْبِ بِصَبْغِهِ سُنَّةً]
ً) وَيُسَنُّ تَغْيِيرُ الشَّيْبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: مَا يَسْتَحْيِي أَنْ يُخَضِّبَ؟ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنِّي لَأَرَى الشَّيْخَ الْمَخْضُوبَ فَأَفْرَحُ بِهِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «إنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيُسْتَحَبُّ بِحِنَّاءٍ وَكَتَمٍ لِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَلِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَلَا بَأْسَ بِالْوَرْسِ، وَالزَّعْفَرَانِ قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَفِي التَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ وَقَدَّمَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ أَنَّ خِضَابَهُ بِغَيْرِ السَّوَادِ سُنَّةٌ وَقَالَ نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو دَاوُد ثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَيُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ، وَالزَّعْفَرَانِ» .
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ «كَانَ خِضَابُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْوَرْسِ، وَالزَّعْفَرَانِ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَيُكْرَهُ بِالسَّوَادِ نَصَّ عَلَيْهِ قِيلَ: لَهُ تَكْرَهُ الْخِضَابَ بِالسَّوَادِ قَالَ إي وَاَللَّهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ وَالِدِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ «وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا أَبُو ثَوْبَةَ ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 1253
«يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَعَبْدُ الْكَرِيمِ هُوَ ابْنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيُّ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَالْكَرَاهَةُ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ هَلْ هِيَ لِلتَّحْرِيمِ، أَوْ التَّنْزِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ وَرَخَّصَ فِيهِ إِسْحَاقُ بْن رَاهْوَيْهِ لِلْمَرْأَةِ تَتَزَيَّنُ بِهِ لِزَوْجِهَا.
وَذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِلْحَرْبِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «اخْضِبُوا بِالسَّوَادِ فَإِنَّهُ آنَسُ لِلزَّوْجَةِ وَمَكِيدَةٌ لِلْعَدُوِّ» وَهَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ.
وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ أَنَّ الْمُحْتَسِبَ يَمْنَعُ مَنْ يَخْضِبُ بِهِ فِي الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُسْتَحَبُّ خِضَابُ الشَّيْبِ لِلرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ بِصُفْرَةٍ، أَوْ حُمْرَةٍ وَيَحْرُمُ بِالسَّوَادِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَهُمْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ، وَالْخَلَفِ تَرْكُ الْخِضَابِ أَفْضَلُ رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَآخَرِينَ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَآخَرُونَ يَخْضِبُونَ بِالصُّفْرَةِ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَخَضَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ بِالْحِنَّاءِ، وَالْكَتَمِ وَبَعْضُهُمْ بِالزَّعْفَرَانِ، وَخَضَبَ جَمَاعَةٌ بِالسَّوَادِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَالْحَسَنِ ابْنَيْ عَلِيٍّ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵃ وَابْن سِيرِينَ وَأَبِي بُرْدَةَ وَآخَرِينَ وَيُقَالُ: صَبَغَ يَصْبُغُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا وَكَانَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ﵁ يَخْضِبُ لِحْيَتَهُ وَيَقُولُ:
نُسَوِّدُ أَعْلَاهَا وَتَأْبَى أُصُولُهَا ... وَلَا خَيْرَ فِي الْأَعْلَى إذَا فَسَدَ الْأَصْلُ.
وَكَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ يَخْضِبُ بِالسَّوَادِ وَيَتَمَثَّلُ:
نُسَوِّدُ أَعْلَاهَا وَتَأْبَى أُصُولُهَا ... فَيَا لَيْتَ مَا يُسَوَّدُ مِنْهَا هُوَ الْأَصْلُ
стр. 1254
وَقَالَ آخَرُ
يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُسَوِّدُ شَيْبَهُ ... كَيْمَا يُعَدَّ بِهِ مِنْ الشُّبَّانِ
أَقْصِرْ فَلَوْ سَوَّدْتَ كُلَّ حَمَامَةٍ ... بَيْضَاءَ مَا عُدَّتْ مِنْ الْغِرْبَانِ
وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ «رَأَيْتُك تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَرَأَيْتُك تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ فَقَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا. وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَيُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ وَقَالَ «إنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ» رَوَى ذَلِكَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ نَظَرَ كِسْرَى إلَى رَجُلَيْنِ مِنْ مَرَازِبَتِهِ شَابَ رَأْسُ أَحَدِهِمَا قَبْلَ لِحْيَتِهِ، وَالْآخَرُ لِحْيَتُهُ قَبْلَ رَأْسِهِ فَسَأَلَهُمَا فَقَالَ الْأَوَّلُ لِأَنَّ شَعْرَ رَأْسِي خُلِقَ قَبْلَ شَعْرِ لِحْيَتِي، وَالْكَبِيرُ يَشِيبُ قَبْلَ الصَّغِيرِ وَقَالَ الْآخَرُ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الصَّدْرِ مَوْضِعَ الْهَمِّ، وَالْغَمِّ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ شَيْبُ النَّاصِيَةِ مِنْ الْكَرَمِ وَشَيْبُ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الْوَرَعِ، وَشَيْبُ الشَّارِبَيْنِ مِنْ الْفُحْشِ، وَشَيْبُ الْقَفَا مِنْ اللُّؤْمِ.
стр. 1255
[فَصْلٌ فِي نَتْفِ الشَّعْرِ وَحَفِّهِ وَتَخْفِيفِهِ وَوَصْلِهِ وَالْوَشْمِ]
ِ) وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ نَتْفُ شَعْرِ وَجْهِهِ وَلَوْ بِمِنْقَاشٍ وَنَحْوِهِ وَحَفُّهُ، وَالتَّخْفِيفُ قَالَ أَحْمَدُ فِي الْحَفِّ: أَكْرَهُهُ لِلرِّجَالِ، وَلِلْمَرْأَةِ حَلْقُهُ وَحَفُّهُ، وَالتَّخْفِيفُ نَصَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهَا حَفُّهُ، وَيُكْرَهُ نَتْفُهُ سَوَاءٌ كَانَ لَهَا زَوْجٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَ أَحْمَدُ أَكْرَهُ النَّتْفَ وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ وَكَرِهَ يَعْنِي أَحْمَدَ أَنْ يُؤْخَذَ الشَّعْرُ بِمِنْقَاشٍ مِنْ الْوَجْهِ وَقَالَ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُتَنَمِّصَاتِ» .
وَقَطَعَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِالْكَرَاهَةِ، وَمَنْصُوصُ أَحْمَدَ التَّحْرِيمُ، وَهَلْ تُعَدُّ الْكَرَاهَةُ رِوَايَةً عَنْهُ؟ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ فَمَنْ أَثْبَتَ رِوَايَةً فِي نَقْلِ الْمِلْكِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ، وَالْمُتْعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهُنَا مِثْلُهُ، أَوْ أَوْلَى وَقَطَعَ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ نَتْفَ الشَّعْرِ مِنْ الْوَجْهِ لَا يَجُوزُ.
وَيُكْرَهُ لَهَا وَصْلُ شَعْرِهَا بِشَعْرٍ آخَرَ ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَعَنْهُ يَحْرُمُ قَطَعَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ.
وَلَا بَأْسَ بِالْقَرَامِلِ وَنَحْوِهَا زَادَ بَعْضُهُمْ لَكِنَّ تَرْكَهُ أَفْضَلُ، وَعَنْهُ هِيَ كَالْوَصْلِ بِالشَّعْرِ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَرْأَةِ تَصِلُ رَأْسَهَا بِقَرَامِلَ فَكَرِهَهُ وَقَالَ لَهُ أَيْضًا فَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ تَصِلُ رَأْسَهَا بِقَرَامِلَ؟ فَلَمْ يُرَخِّصْ لَهَا، وَيُبَاحُ مَا تَشُدُّ بِهِ شَعْرَهَا لِلْحَاجَةِ.
وَيُكْرَهُ غَرْزُ جِلْدِهَا بِإِبْرَةٍ وَحَشْوُهُ كُحْلًا وَتَحْسِينُ أَسْنَانِهَا وَتَفْلِيجُهَا وَتَحْدِيدُهَا، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ وَهُوَ أَوْلَى. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَة، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَة، وَالْمُتَنَمِّصَةَ وَالْمُتَفَلِّجَات لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ» .
وَرَوَى أَيْضًا أَنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ -
стр. 1256
تَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ وَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ وَيَقُولُ: «إنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ» وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئًا» قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَالظَّاهِرُ إنَّمَا الْمُحَرَّمُ وَصْلُ الشَّعْرِ بِالشَّعْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّدْلِيسِ وَاسْتِعْمَالِ الشَّعْرِ الْمُخْتَلَفِ فِي نَجَاسَتِهِ.
стр. 1257
[فَصْلٌ فِي جَوَازِ ثَقْبِ آذَانِ الْبَنَاتِ]
ِ) وَيَجُوزُ ثَقْبُ أُذُنِ الْبِنْتِ لِلزِّينَةِ وَيُكْرَهُ ثَقْبُ أُذُنِ الصَّبِيِّ نَصَّ عَلَيْهِمَا قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا أَكْرَهُ ذَلِكَ لِلْغُلَامِ إنَّمَا هُوَ لِلْبَنَاتِ قَالَ مُهَنَّا قُلْت مَنْ كَرِهَهُ قَالَ جَرِيرُ بْنُ عُثْمَانَ وَقَطَعَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مِنْهَاجِ الْقَاصِدِينَ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ثَقْبُ أُذُنِ الْبِنْتِ لِأَنَّهُ جَرْحٌ مُؤْلِمٌ وَفِي الْمَخَانِقِ، وَالْأَسْوِرَةِ كِفَايَةٌ، وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَالْأُجْرَةُ الْمَأْخُوذَةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَأَفْضَلُ الْأَدْهَانِ لِلرَّأْسِ دُهْنُ الْبَنَفْسَجِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «فَضْلُ دُهْنِ الْبَنَفْسَجِ عَلَى سَائِرِ الْأَدْهَانِ كَفَضْلِي عَلَى سَائِرِ النَّاسِ» وَضَعَّفَ غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْخَبَرَ وَهُوَ كَمَا قَالُوا.
стр. 1258
[فَصْلٌ مَا يُقَالُ عِنْدَ سَمَاعِ نَهِيقٍ وَنُبَاحٍ وَصِيَاحِ دِيكٍ وَكَرَاهَةِ التَّحْرِيشِ]
ِ) مَنْ سَمِعَ نَهِيقَ حِمَارٍ، أَوْ نُبَاحَ كَلْبٍ اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا سَمِعْتُمْ نَهَاقَ الْحَمِيرِ فَتَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الْكَلْبِ وَنَهِيقَ الْحَمِيرِ بِاللَّيْلِ فَتَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْهُنَّ فَإِنَّهُنَّ يَرَوْنَ مَا لَا تَرَوْنَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَعِنْدَهُ «فَتَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ مِنْهُنَّ» وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَيُسْتَحَبُّ قَطْعُ الْقِرَاءَةِ لِذَلِكَ كَمَا ذَكَرُوا أَنَّهُ يَقْطَعُهَا لِلْأَذَانِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ وَلِلنَّسَائِيِّ رِوَايَةُ «إذَا سَمِعْتُمْ الدِّيَكَةَ بِاللَّيْلِ» وَذَكَرَهُ.
وَيُكْرَهُ التَّحْرِيشُ بَيْنَ النَّاسِ وَكُلِّ حَيَوَانٍ بَهِيمٍ كَكِبَاشٍ وَدِيَكَةٍ وَغَيْرِهِمَا ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحْرِيشُ بَيْنَ الْبَهَائِمِ انْتَهَى كَلَامُهُ فَهَذَانِ وَجْهَانِ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ يَحْتَمِلُهُمَا قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ يُكْرَهُ التَّحْرِيشُ بَيْنَ الْبَهَائِمِ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ إي لَعَمْرِي، وَالْأَوْلَى الْقَطْعُ بِتَحْرِيمِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ النَّاسِ.
وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّاتِ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَبَاقِيهِ ثِقَاتٌ.
стр. 1259
[فَصْلٌ فِي اتِّخَاذِ الطُّيُورِ]
ِ) قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى يُكْرَهُ اتِّخَاذُ طُيُورٍ طَيَّارَةٍ تَأْكُلُ زُرُوعَ النَّاسِ وَتُكْرَهُ فِرَاخُهَا وَبَيْضُهَا، وَلَا تُكْرَهُ الْمُتَّخَذَةُ لِتَبْلِيغِ الْأَخْبَارِ فَقَطْ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي طَيْرِ أُنْثَى جَاءَتْ إلَى قَوْمٍ فَأَزْوَجَتْ عِنْدَهُمْ وَفَرَّخَتْ لِمَنْ الْفِرَاخُ قَالَ: يَتْبَعُونَ الْأُمَّ، وَأَظُنُّ أَنِّي سَمِعْته يَقُولُ فِي الْحَمَامِ الَّذِي يَرْعَى الصَّحْرَاءَ أَكْرَهُ أَكْلَ فِرَاخِهَا، وَكَرِهَ أَنْ تَرْعَى فِي الصَّحْرَاءِ وَقَالَ تَأْكُلُ طَعَامَ النَّاسِ.
وَقَالَ حَرْبٌ: سَمِعْت أَحْمَدَ قَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَّخِذَ الرَّجُلُ الطَّيْرَ فِي مَنْزِلِهِ إذَا كَانَتْ مَقْصُوصَةً لِيَسْتَأْنِسَ إلَيْهَا فَإِنْ تَلَهَّى بِهَا فَإِنِّي أَكْرَهُهُ قُلْت لِأَحْمَدَ إنْ اتَّخَذَ قَطِيعًا مِنْ الْحَمَامِ تَطِيرُ؟ فَكَرِهَ ذَلِكَ كَرَاهَةً شَدِيدَةً وَلَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ إذَا كَانَتْ تَطِيرُ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَأْكُلُ أَمْوَالَ النَّاسِ وَزُرُوعَهُمْ.
وَقَالَ مُهَنَّا سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ بُرُوجِ الْحَمَامِ الَّتِي تَكُونُ بِالشَّامِّ؟ فَكَرِهَهَا وَقَالَ تَأْكُلُ زُرُوعَ النَّاسِ. فَقُلْت لَهُ وَإِنَّمَا كَرِهْتهَا لِأَجْلِ أَنَّهَا تَأْكُلُ زُرُوعَ النَّاسِ؟ فَقَالَ أَكْرَهُهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَمَامِ فَقُلْت لَهُ تُقْتَلَ قَالَ: تُذْبَحُ.
وَرَوَى مُهَنَّا وَغَيْرُهُ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَالْحَمَامِ وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْحَمَامِ الْمَقْصُوصِ قَالَ: عُثْمَانُ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَمَامِ، وَالْكِلَابِ قُلْت الْمَقَاصِيصُ هِيَ أَهْوَنُ عِنْدَك مِنْ الطَّيَّارَةِ قَالَ نَعَمْ وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِتَرْكِ الْمَقَاصِيصِ وَأَمَرَ بِقَتْلِ الطَّيَّارَةِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَ بِالْمُقَصَّصَةِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ بَأْسًا فَقَدْ كَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ اتِّخَاذَ الْحَمَامِ لِلتَّلَهِّي بِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لِلْأَصْحَابِ فِي كَرَاهَتِهِ لِشَيْءٍ هَلْ يُحْمَلُ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوْ التَّنْزِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ قَالَ الْأَصْحَابُ ﵏ مَنْ اتَّخَذَ الْحَمَامَ لَعِبًا وَلَهْوًا فَهُوَ دَنَاءَةٌ وَسَفَهٌ قَالَ أَحْمَدُ ﵀ مَنْ لَعِبَ بِالْحَمَامِ الطَّيَّارَةِ يُرَاهِنُ عَلَيْهَا وَيُسَرِّحهُنَّ مِنْ الْمَوَاضِعِ لَعِبًا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا.
وَقَدْ «رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَتْبَعُ حَمَامَةً فَقَالَ شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً»
стр. 1260
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ وَأَنَسٍ.
وَأَمَّا اتِّخَاذُ حَمَامٍ طَيَّارَةٍ لِأَجْلِ فِرَاخِهَا فَنَقَلَ حَرْبٌ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً وَلَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ لِأَجْلِ أَكْلِهَا أَمْوَالَ النَّاسِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ إنْ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا، وَنَقَلَ غَيْرُهُ عَنْهُ الْكَرَاهِيَةَ وَهَلْ يُعَدُّ هَذَا رِوَايَةً بِالتَّنْزِيهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ تَقَدَّمَ مَا يُشْبِهُهُ فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى يَضْمَنُ وَعَلَى الثَّانِيَةِ فِيهِ نَظَرٌ يُتَوَجَّهُ فِيهِ الرِّوَايَتَانِ فِي الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَقَدْ يُتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ وَفِي تَضْمِينِ مُقْتَنِيهِ مَا أَتْلَفَهُ رِوَايَتَانِ وَجَّهَ الْقَاضِي التَّضْمِينَ كَإِمْسَاكِ الْحَيَّاتِ، وَالسِّبَاعِ، وَوَجَّهَ عَدَمَهُ كَمَا لَوْ شَدَّ حَرْثَهُ عَقُورًا فِي مِلْكِهِ فَعَطِبَ بِهَا إنْسَانٌ وَوَجَّهَ فِي الْمُغْنِي التَّضْمِينَ بِأَنَّ اقْتِنَاءَهُ سَبَبٌ لِلْعَقْرِ، وَالْأَذَى كَمَنْ رَبَطَ دَابَّةً فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ، وَوَجَّهَ عَدَمَهُ بِقَوْلِهِ ﵇ «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» وَكَسَائِرِ الْبَهَائِمِ فَقَدْ يُتَوَجَّهُ عَلَى هَذَا أَنَّ اقْتِنَاءَ طَيْرٍ يَأْكُلُ زُرُوعَ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا هَلْ يَضْمَنُ مُقْتَنِيهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ كَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّهُ هَلْ يَضْمَنُ مَقَتَنِي الْكَلْبِ مَا أَتْلَفَهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ فِي تَحْرِيمِ الِاقْتِنَاءِ فَكَذَا مَقَتَنِي الطَّيْرَ فَهَذِهِ مَسَالِكُ مُحْتَمَلَةٌ، أَمَّا الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ فَبَعِيدٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَبَاحَ أَحْمَدُ اتِّخَاذَ الْحَمَامِ لِلْأُنْسِ وَاعْتَبَرَ أَنْ تَكُونَ مَقْصُوصَةً لِئَلَّا تَطِيرَ فَتَأْكُلَ زُرُوعَ النَّاسِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ احْتَجَّ بِالْخَبَرِ فِي ذَلِكَ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ السُّنِّيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلْوَانَ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ «أَنَّ عَلِيًّا ﵁ شَكَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَحْشَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ زَوْجَ حَمَامٍ وَيَذْكُرَ اللَّهَ عِنْدَ هَدِيرِهِ» . وَهَذَا الْخَبَرُ
стр. 1261
ضَعِيفٌ أَوْ مَوْضُوعٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَإِنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلْوَانَ كَذَّابٌ قَالَهُ ابْنُ مَعِينٍ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ وَخَالِدٌ لَمْ يُدْرِكْ مُعَاذًا.
قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَقَدْ رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَشَكَا إلَيْهِ الْوَحْشَةَ فَقَالَ اتَّخِذْ زَوْجًا مِنْ حَمَامٍ» .
وَلَمْ أَجِدْ فِي كَلَامِهِ اتِّخَاذَ الْحَمَامِ لِتَبْلِيغِ الْأَخْبَارِ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ ﵏ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، وَالْحَاجَةِ إلَيْهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَطِيرَ فَيَأْكُلَ طَعَامَ النَّاسِ وَيَتَعَدَّى الضَّرَرُ إلَى النَّاسِ، وَأَبَاحُوا أَيْضًا اتِّخَاذَهَا لِاسْتِفْرَاخِهَا بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَرِوَايَةُ مُهَنَّا السَّابِقَةُ تَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ اتِّخَاذِ الْحَمَامِ مُطْلَقًا لِلْأَمْرِ بِقَتْلِهِ، وَأَمَّا إنْ قَصَدَ بِاِتِّخَاذِ الْحَمَامِ الْقِمَارَ، أَوْ أَنْ يَصِيدَ بِهِ حَمَامَ غَيْرِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ حَرُمَ وَتَقَدَّمَ فَمَا يَنْبَغِي عِنْدَ الصَّبَاحِ، وَالْمَسَاءِ كَلَامُهُ فِي الْمُغْنِي فِيهِ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً لَا تَأْكُلُ زُرُوعَ النَّاسِ فَقَدْ كَرِهَهُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَاحْتَجَّ بِالْأَمْرِ بِقَتْلِهِ وَرِوَايَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُد أَنَّهُ قِيلَ: لَهُ الرَّجُلُ يَدْخُلُ بَيْتَهُ حَمَامُ غَيْرِهِ فَيُفْرِخُ يَأْكُلُ مِنْ فِرَاخِهِ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي هَذَا طَيْرُ جَارِهِ.
стр. 1262
[فَصْلٌ اتِّخَاذُ الْأَطْيَارِ فِي الْأَقْفَاصِ لِلتَّسَلِّي بِأَصْوَاتِهَا]
) فَأَمَّا حَبْسُ الْمُتَرَنِّمَاتِ مِنْ الْأَطْيَارِ كَالْقَمَارِيِّ، وَالْبَلَابِلِ لِتَرَنُّمِهَا فِي الْأَقْفَاصِ فَقَدْ كَرِهَهُ أَصْحَابُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَاجَاتِ لَكِنَّهُ مِنْ الْبَطَرِ، وَالْأَشَرِ وَرَقِيقِ الْعَيْشِ وَحَبْسُهَا تَعْذِيبٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تُرَدَّ الشَّهَادَةُ بِاسْتِدَامَتِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تُرَدَّ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَدْ مَنَعَ مِنْ هَذَا أَصْحَابُنَا وَسَمَّوْهُ سَفَهًا.
стр. 1263
[فَصْلٌ فِي جَوَازِ اتِّخَاذِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ]
ِ) يَجُوزُ اقْتِنَاءُ كَلْبٍ لِصَيْدٍ يَعِيشُ بِهِ، أَوْ حِفْظِ مَاشِيَةٍ يَرُوحُ مَعَهَا إلَى الْمَرْعَى وَيَتْبَعُهَا، أَوْ لِحِفْظِ زَرْعٍ وَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا إلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقِيلَ: يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ لِحِفْظِ الْبُيُوتِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ: وَلِبُسْتَانٍ.
فَإِنْ اقْتَنَى كَلْبَ الصَّيْدِ مَنْ لَا يَصِيدُ بِهِ اُحْتُمِلَ الْجَوَازُ، وَالْمَنْعُ، وَهَكَذَا الِاحْتِمَالَانِ فِيمَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لِيَحْفَظَ لَهُ حَرْثًا، أَوْ مَاشِيَةً إنْ حَصَلَتْ، أَوْ يَصِيدَ بِهِ إنْ احْتَاجَ إلَى الصَّيْدِ وَيَجُوزُ تَرْبِيَةُ الْجَرْوِ الصَّغِيرِ لِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ، وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ لَا يُكْرَهُ فِي الْأَصَحِّ اقْتِنَاءُ جَرْوٍ صَغِيرٍ حَيْثُ يُقْتَنَى الْكَبِيرُ.
стр. 1264
[فَصْلٌ فِيمَا يُبَاحُ أَوْ يُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ مِنْ الْبَهَائِمِ وَالْحَشَرَاتِ الضَّارَّةِ]
ِ) وَيُبَاحُ قَتْلُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ، وَالْوَزَغِ كَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ حَقِيقَةَ الْإِبَاحَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالِاسْتِحْبَابِ أَوْلَى وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ فِي مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، وَكَذَا قَالَ فِي كُلِّ مَا فِيهِ أَذًى وَكَذَا فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ قَالَتْ: عَائِشَةُ ﵂ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ خَمْسِ فَوَاسِقَ فِي الْحِلِّ، وَالْحَرَمِ: الْغُرَابِ، وَالْحِدَأَةِ، وَالْعَقْرَبِ، وَالْفَأْرَةِ، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ،» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «لَا جُنَاحَ عَلَى قَتْلِهِنَّ فِي الْحَرَمِ، وَالْإِحْرَامِ» .
وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا عَنْ إحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ ﵊ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِنَّ وَفِيهِ، وَالْحَيَّةِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ شَرِيكٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَوْزَاغِ» وَفِيهِمَا، أَوْ فِي مُسْلِمٍ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «مَنْ قَتَلَ وَزَغًا فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ كُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَفِي الثَّانِيَةَ دُونَ ذَلِكَ، وَفِي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ» .
وَعَبَّرَ بِالِاسْتِحْبَابِ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْأَحَادِيثِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ إبَاحَةِ قَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَصَرَّحَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ وَغَيْرُهُ وَإِنْ كَانَا مُعَلَّمَيْنِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا قَتْلُ مَا لَا يُبَاحُ إمْسَاكُهُ مِنْ الْكِلَابِ فَإِنْ كَانَ أَسْوَدَ بَهِيمًا، أَوْ عَقُورًا أُبِيحَ قَتْلُهُ وَإِنْ كَانَا مُعَلَّمَيْنِ قَالَ وَعَلَى قِيَاسِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ كُلُّ مَا أَذَى النَّاسَ وَضَرَّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يُبَاحُ قَتْلُهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ سَعِيدٍ فِي الْكَلْبِ سِتُّ خِصَالٍ: ثَمَنُهُ وَسُؤْرُهُ وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهَا وَتَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَيُقْتَلُ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ وَإِنْ كَانَ لِصَاحِبِ مَاشِيَةٍ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ صَيْدُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ وَعَلَّلَهُ الْأَصْحَابُ أَوْ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ اقْتِنَاءَهُ مُحَرَّمٌ وَذَلِكَ لِلْأَمْرِ
стр. 1265
بِقَتْلِهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ بِقَتْلِهِ لِلْوُجُوبِ وَإِلَّا لَمَا لَزِمَ مِنْهُ تَحْرِيمُ الِاقْتِنَاءِ. وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ وَحْدَهُ فِيمَا وَجَدْت فِي بَحْثِ الْمَسْأَلَةِ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ الْأَمْرُ بِالْقَتْلِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ إمْسَاكِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَالِاصْطِيَادِ بِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَعَلَى مُقْتَضَى هَذَا إلْحَاقُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ بِالْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَكَّدَ قَتْلَهُ فَأَبَاحَهُ فِي الْحَرَمِ وَعَلَى قِيَاسِ وُجُوبِ قَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ مَا نَصَّ الشَّارِع عَلَى قَتْلِهِ فِي الْحَرَمِ وَكَذَا مَا كَانَ فِيهِ أَذًى وَمَضَرَّةٌ.
قَالَ فِي الْغُنْيَةِ الْكَلْبُ الْعَقُورُ يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَيَجِبُ قَتْلُهُ لِيُدْفَعَ شَرُّهُ عَنْ النَّاسِ وَقَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ يَتَمَيَّزُ عَنْ سَائِرَ الْكِلَابِ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ:
(أَحَدُهَا) قَطْعُ الصَّلَاةِ بِمُرُورِهِ.
(وَالثَّانِي) تَحْرِيمُ صَيْدِهِ وَاقْتِنَائِهِ.
(وَالثَّالِثُ) جَوَازُ قَتْلِهِ.
وَالْبَهِيمُ هُوَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ سَوَادَهُ شَيْءٌ مِنْ الْبَيَاضِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ حَتَّى لَوْ كَانَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ فَلَيْسَ بِبَهِيمٍ وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ هَذِهِ الْأَحْكَامُ وَهَذَا قَوْلُ ثَعْلَبٍ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَنَّهُ بَهِيمٌ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ فَيَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ وَهُوَ صَحِيحٌ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ عَنْهُ ﵊ «عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي الطُّفْيَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» ، وَالطُّفْيَةُ خُوصُ الْمُقْلِ شَبَّهَ الْخَطَّيْنِ الْأَبْيَضَيْنِ مِنْهُ بِالْخُوصَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ مِنْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَضْعِ فَلَيْسَ بِبَهِيمٍ رِوَايَةً وَاحِدَةً لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الِاشْتِقَاقِ اللُّغَوِيِّ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ بِخِلَافِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ إذَا أَسْلَمَ وَلَهُ خَمْرٌ، أَوْ خَنَازِيرُ يُصَبُّ الْخَمْرُ وَتُسَرَّحُ الْخَنَازِيرُ قَدْ حَرُمَا عَلَيْهِ وَإِنْ قَتَلَهَا فَلَا بَأْسَ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَتْلُهَا وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي تَسْرِيحِهِنَّ ضَرَرٌ عَلَى النَّاسِ وَأَمْوَالِهِمْ فَإِنْ كَانَ وَجَبَ قَتْلُهَا.
следующие страницы →