Полный текст (1 695 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
بَعْدَ تَسْمِيَتِهِ (بِالْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ) تَسْمِيَةً لَهُ بِاسْمِ بَعْضِ فُنُونِهِ، ٩٧ - سَائِلًا اللَّهَ تَعَالَى الْقَبُولَ وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ مُؤَلِّفَهُ ٩٨ - وَمَنْ نَظَرَ فِيهِ ٩٩ - إنَّهُ خَيْرُ مَأْمُولٍ ١٠٠ - وَإِنَّهُ يَدْفَعُ عَنْهُ كَيْدَ الْحَاسِدِينَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
بَعْدَ تَسْمِيَتِهِ بِالْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ تَسْمِيَةً لَهُ بِاسْمِ بَعْضِ فَنُونِهِ: يَعْنِي أَنَّ التَّسْمِيَةَ بِهَذَا الِاسْمِ مَجَازٌ عَلَاقَتُهُ الْكُلِّيَّةُ وَالْجُزْئِيَّةُ وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ بَعْضٌ مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ فَأُطْلِقَ عَلَى كُلِّهِ.
(٩٧) سَائِلًا اللَّهَ تَعَالَى الْقَبُولَ وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ مُؤَلِّفَهُ: سَائِلًا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ نَشْرَعُ وَكَانَ الْأَوْلَى عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ سَائِلِينَ لِوُجُوبِ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ الْحَالِ وَصَاحِبِهَا.
وَالْقَبُولُ الرِّضَاءُ وَالنَّفْعُ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الْخَيْرِ. (٩٨) وَمَنْ نَظَرَ فِيهِ: أَيْ وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ مَنْ نَظَرَ فِيهِ أَيْ تَأَمَّلَ.
قَالَ الرَّاغِبُ النَّظَرَ قَدْ يُرَادُ بِهِ التَّأَمُّلُ وَالتَّفَحُّصُ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْمَعْرِفَةُ الْحَاصِلَةُ بَعْدَ الْفَحْصِ وَاسْتِعْمَالُ النَّظَرِ فِي الْبَصِيرَةِ أَكْثَرُ عِنْدَ الْخَاصَّةِ، وَالْعَامَّةُ بِالْعَكْسِ (انْتَهَى) .
وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ النَّظَرُ يَجِيءُ لُغَةً بِمَعْنَى الِانْتِظَارِ وَيَسْتَعْمِلُ بِغَيْرِ صِلَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] وَبِمَعْنَى الْفِكْرِ وَيُسْتَعْمَلُ بِفِي يُقَالُ نَظَرَ فِي كَذَا وَبِمَعْنَى الرَّأْفَةِ وَيُسْتَعْمَلُ بِاللَّامِ يُقَالُ نَظَرَ الْأَمِيرُ لِفُلَانٍ وَبِمَعْنَى الرُّؤْيَةَ وَيُسْتَعْمَلُ بِإِلَى قَالَ الشَّاعِرُ:
نَظَرْت إلَى مَنْ حَسَّنَ اللَّهُ وَجْهَهُ ... فَيَا نَظْرَةً كَادَتْ عَلَى وَامِقٍ تَقْضِي
ثُمَّ قَالَ وَلَا يَمْتَنِعُ حَمْلُ النَّظَرِ الْمُطْلَقِ يَعْنِي عَنْ الصِّلَةِ عَلَى الرُّؤْيَةِ يَعْنِي بِطَرِيقِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، إنَّمَا الْمُمْتَنِعُ حَمْلُ الْمَوْصُولِ بِإِلَى عَلَى غَيْرِهَا وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ وَهِمَ أَنَّ النَّظَرَ مُطْلَقًا مَوْصُولًا بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ فَقَدْ وَهِمَ، (٩٩)
إنَّهُ خَيْرُ مَأْمُولٍ: أَيْ إنَّمَا سَأَلْته مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مَرْجُوٍّ.
(١٠٠) وَأَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ كَيْدَ الْحَاسِدِينَ: عَطَفَ عَلَى يَنْفَعَ.
وَالدَّفْعُ الْمَنْعُ وَهُوَ لَا يَعْتَمِدُ سَبْقَ الثُّبُوتِ بِخِلَافِ الرَّفْعِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْفُقَهَاءُ الرَّفْعُ أَقْوَى مِنْ الدَّفْعِ كَمَا فِي
стр. 37
وَافْتِرَاءَ الْمُتَعَصِّبِينَ. ١٠٢ -
وَلَعَمْرِي إنَّ هَذَا الْفَنَّ لَا يُدْرَكُ بِالتَّمَنِّي، ١٠٣ - وَلَا يُنَالُ، بِسَوْفَ ١٠٤ - وَلَعَلَّ، ١٠٥ - وَلَوْ أَنِّي، ١٠٦ - وَلَا يَنَالُهُ إلَّا مَنْ كَشَفَ عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ، وَشَمَّرَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْمُسْتَصْفَى وَالْكَيْدُ الْمَكْرُ وَالْخُبْثُ وَالْحَاسِدِينَ جَمْعُ حَاسِدٍ وَهُوَ تَمَنِّي تَحَوُّلِ النِّعْمَةِ مِنْ غَيْرِهِ إلَيْهِ.
(١٠١) وَافْتِرَاءَ الْمُتَعَصِّبِينَ: الِافْتِرَاءُ الْكَذِبُ وَالْمُتَعَصِّبِينَ جَمْعُ مُتَعَصِّبٍ مِنْ تَعَصَّبَ أَتَى بِالْعُصْبَةِ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ.
(١٠٢) وَلَعَمْرِي إنَّ هَذَا الْفَنَّ لَا يُدْرَكُ بِالتَّمَنِّي: الْوَاوُ لِلِاسْتِئْنَافِ وَلَعَمْرِي قَسَمٌ وَاللَّامُ لَامُ الِابْتِدَاءِ وَعَمْرِي مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ مَا أُقْسِمُ بِهِ. وَجَوَابُ الْقَسَمِ قَوْلُهُ إنَّ هَذَا الْفَنَّ إلَى آخِرِهِ سَادٌّ مَسَدَّ الْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ. وَفِي الْقَامُوسِ وَعَمْرُك اللَّهِ مَا فَعَلْت كَذَا وَعَمْرُك اللَّهِ، أَصْلُهُ عَمَّرَك اللَّهُ تَعْمِيرًا وَأَعْمَرَك اللَّهُ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا تُحَلِّفُهُ بِاَللَّهِ وَتَسْأَلُهُ بِطُولِ عُمُرِهِ وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ قَوْلِ لَعَمْرُ اللَّهِ (انْتَهَى) .
(أَقُولُ فَعَلَى هَذَا مَا كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَذَا الْقَسَمِ الْجَاهِلِيِّ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ.
وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْفَنِّ الْفِقْهُ.
وَقَوْلُهُ لَا يُدْرَكُ أَيْ لَا يُلْحَقُ. مِنْ الدَّرَكِ مُحَرَّكَةً اللِّحَاقُ وَالتَّمَنِّي وَهُوَ طَلَبُ الشَّيْءِ الْمَحْبُوبِ وَلَوْ مُسْتَحِيلًا) .
(١٠٣) وَلَا يُنَالُ بِسَوْفَ: أَيْ بِلَفْظِ سَوْفَ بِأَنْ يَقُولَ مَثَلًا سَوْفَ أَقْرَأُ كَذَا وَأَكْتُب كَذَا.
(١٠٤) وَلَعَلَّ: أَيْ وَلَا بِلَفْظِ لَعَلَّ كَأَنْ يَقُولَ لِعَلِّي أَقْرَأُ كَذَا.
(١٠٥) وَلَوْ أَنِّي: أَيْ وَلَا بِلَفْظِ لَوْ أَنِّي كَأَنْ يَقُولَ لَوْ أَنِّي فَعَلْت كَذَا.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «إيَّاكَ وَاللَّوْ فَإِنَّ اللَّوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» . وَقَالَ الشَّاعِرُ:
فَلَسْت بِمُدْرِكٍ مَا فَاتَ عَنِّي ... بِلَهَفٍ وَلَا بِلَيْتَ وَلَا لَوْ أَنِّي
(١٠٦) وَلَا يَنَالُهُ إلَّا مَنْ كَشَفَ عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ وَشَمَّرَ: النَّوَالُ الْعَطَاءُ وَالْكَشْفُ رَفْعُ الْغِطَاءِ عَنْ الشَّيْءِ وَالسَّاعِدُ مِنْ إنْسَانٍ ذِرَاعُهُ وَمِنْ الطَّائِرِ جَنَاحُهُ وَالْجِدُّ بِكَسْرِ الْجِيمِ
стр. 38
وَاعْتَزَلَ أَهْلَهُ، وَشَدَّ الْمِئْزَرَ، ١٠٨ - وَخَاضَ الْبِحَارَ، وَخَالَطَ الْعَجَاجَ، ١٠٩ - يَدْأَبُ فِي التَّكْرَارِ وَالْمُطَالَعَةِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، ١١٠ - وَيُنَصِّبُ نَفْسَهُ لِلتَّأْلِيفِ وَالتَّحْرِيرِ بَيَانًا وَمَقِيلًا،
ــ
[غمز عيون البصائر]
الِاجْتِهَادُ.
الْمُرَادُ بِالتَّشْمِيرِ التَّهَيُّؤُ لِلْأَمْرِ وَفِي قَوْلِهِ سَاعِدُ الْجِدِّ اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وَتَخْيِيلِيَّةٌ وَتَرْشِيحِيَّةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ شَبَّهَ الْجِدَّ بِإِنْسَانٍ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا فِي النَّفْسِ ثُمَّ أَثْبَتَ لِلْمُشَبَّهِ شَيْئًا مِنْ لَوَازِمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَهُوَ السَّاعِدُ ثُمَّ أَثْبَتَ لِلسَّاعِدِ الْكَشْفَ وَالتَّشْمِيرَ عَلَى طَرِيقِ التَّرْشِيحِ ثُمَّ إنَّ هَذَا الْكَلَامَ كِنَايَةٌ عَنْ الِاهْتِمَامِ وَالِاعْتِنَاءِ بِأَمْرِ الْفِقْهِ. وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْكِنَايَةُ مَبْنِيَّةً عَلَى الِاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ فَتَأَمَّلْ.
(١٠٧) وَاعْتَزَلَ أَهْلَهُ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ: الِاعْتِزَالُ مُطَاوِعٌ عَزَلْته فَاعْتَزَلَ أَيْ نَحَّيْته فَتَنَحَّى وَأَهْلُ الرَّجُلِ عَشِيرَتُهُ وَالشَّدُّ التَّقْوِيَةُ لِلْإِيثَاقِ.
(١٠٨) وَخَاضَ الْبِحَارَ وَخَالَطَ الْعَجَاجَ: الْخَوْضُ الدُّخُولُ فِي الْمَاءِ وَخَالَطَ مِنْ الْخَلْطِ وَهُوَ الْمَزْجُ مِنْ خَلَطَهُ فَأَخْلَطَهُ.
وَالْعَجَاجُ الْغُبَارُ وَالْإِبِلُ الْكَثِيرُ وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَنَالُ الْفِقْهَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْعُلُومِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ إلَّا مَنْ رَحَلَ فِي تَحْصِيلِهِ بَرًّا وَبَحْرًا.
(١٠٩) يَدْأَبُ فِي التَّكْرَارِ وَالْمُطَالَعَةِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا: جُمْلَةُ يَدْأَبُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَنَالُ، وَالدَّءُوبُ الْجِدُّ فِي الْعَمَلِ وَالتَّعَبُ.
وَالتَّكْرَارُ قِرَاءَةُ الْمَسَائِلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لِأَجْلِ الْحِفْظِ.
وَالْمُطَالَعَةُ مِنْ اطَّلَعَ عَلَى الْأَمْرِ عَلِمَهُ وَالْبُكْرَةُ بِالضَّمِّ الْغُدُوُّ وَالْأَصِيلُ الْعَشِيُّ وَالْجَمْعُ أُصُلٌ بِضَمَّتَيْنِ وَأُصْلَانٌ وَآصَالٌ وَأَصَائِلُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ بَلْ هَذَا عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ ضَرَبْتُهُ الظَّهْرَ وَالْبَطْنَ أَيْ ضَرَبْت جَمِيعَهُ وَإِنَّمَا خَصَّ الْبُكْرَةَ وَالْأَصِيلَ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَطَايِبِ الْأَوْقَاتِ لِلِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَلِكَوْنِهِمَا مِنْ أَطَايِبِ الْأَوْقَاتِ خَصَّتْهُمَا الْخَنْسَاءُ بِتَذَكُّرِ أَخِيهَا فِيهَا حَيْثُ قَالَتْ:
يُذَكِّرُنِي طُلُوعُ الشَّمْسِ صَخْرًا ... وَأَذْكُرُهُ لِكُلِّ مَغِيبِ شَمْسٍ
(١١٠) وَيُنَصِّبُ نَفْسَهُ لِلتَّأْلِيفِ وَالتَّحْرِيرِ بَيَاتًا وَمَقِيلًا: عَطَفَ عَلَى جُمْلَةِ يَدْأَبُ وَنَصَبَ الشَّيْءَ رَفَعَهُ وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ الَّتِي يُعَبِّرُ عَنْهَا كُلُّ أَحَدٍ بِأَنَا.
وَالتَّأْلِيفُ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ وَتَحْرِيرُ الْكَلَامِ بَيَانُهُ بِالْكِتَابَةِ وَتَقْرِيرُهُ بَيَانُهُ بِالْعِبَارَةِ كَمَا فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ لِلْمُحَقِّقِ التَّفْتَازَانِيِّ إلَّا أَنَّهُ فَسَّرَهُ فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْمِفْتَاحِ بِتَهْذِيبِ
стр. 39
لَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ إلَّا مُعْضِلَةً وَبِحِلِّهَا، ١١٢ - أَوْ مُسْتَصْعَبَةً عَزَّتْ عَلَى الْقَاصِرِينَ إلَّا وَيَرْتَقِي إلَيْهَا وَيَحِلُّهَا، ١١٣ - عَلَى أَنَّ ذَلِكَ ١١٤ - لَيْسَ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ يُؤْتِيه مَنْ يَشَاءُ ١١٥ - وَهَأَنَذَا ١١٦ - أَذْكُرُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْكَلَامِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَالْبَيَاتُ:
فِعْلُ الشَّيْءِ لَيْلًا وَالْمَقِيلُ نِصْفُ النَّهَارِ.
(١١١) لَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ إلَّا مُعْضِلَةً بِحَلِّهَا: الْهِمَّةُ الْأَمْرُ الدَّاعِي إلَى الْفَلَاحِ مِنْ الْهَمِّ وَهُوَ الْقَصْدُ وَالْمُعْضِلَةُ مِنْ أَعْضَلَ الْأَمْرُ إذَا اشْتَدَّ صُعُوبَةً.
وَالْمُرَادُ بِحَلِّهَا بَيَانُهَا بِمَا يُزِيلُ إعْضَالَهَا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ شَبَّهَ الْبَيَانَ الْمُزِيلَ لِلصُّعُوبَةِ بِحَلِّ الرِّبَاطِ ثُمَّ اشْتَقَّ مِنْ الْمَصْدَرِ الْمُشَبَّهِ بِهِ الْفِعْلُ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّبَعِيَّةِ.
(١١٢) أَوْ مُسْتَصْعَبَةٌ عَزَّتْ عَلَى الْقَاصِرِينَ فَيَرْتَقِي إلَيْهَا وَيَحِلُّهَا: الْمُسْتَصْعَبَةُ الصَّعْبَةُ مِنْ صَعُبَ الْأَمْرُ صُعُوبَةً صَارَ صَعْبًا فَالسِّينُ وَالتَّاءُ زَائِدَتَانِ لِلْمُبَالَغَةِ وَالصَّعْبُ نَقِيضُ الذَّلُولِ.
وَعَزَّ الشَّيْءُ صَارَ عَزِيزًا لَا يُوصَلُ إلَيْهِ لِعِزَّتِهِ.
وَالْقَاصِرِينَ جَمْعُ قَاصِرٍ وَالْمُرَادُ الْعَاجِزُ عَنْ إدْرَاكِ الْمَسَائِلِ الدَّقِيقَةِ.
وَقَوْلُهُ يَحِلُّهَا فِيهِ عَيْبٌ مِنْ عُيُوبِ السَّجْعِ وَهُوَ الْإِيطَاءُ وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ وَيُذِلُّهَا أَيْ يَجْعَلُهَا ذَلُولًا.
وَيَحِلُّهَا أَيْ يُنَزِّلُهَا مِنْ حَلَّ بِهِ حُلُولًا إذَا نَزَلَ عَلَى طَرِيقِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ فَمِنْ ضِيقِ الْعَطَنِ وَضَعْفِ الْفِطَنِ.
(١١٣) عَلَى أَنَّ ذَلِكَ: أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ حَلِّ الْمُعْضِلَةِ وَالْمُسْتَصْعَبَةِ.
(١١٤) لَيْسَ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ: أَيْ مِمَّا يَكْتَسِبُهُ بِالتَّعْلِيمِ بَلْ هُوَ بِالْإِلْهَامِ الَّذِي هُوَ إلْقَاءُ مَعْنًى فِي الْقَلْبِ بِطَرِيقِ الْفَيْضِ وَالتَّفْضِيلِ.
(١١٥) وَهَأَنَذَا: يُرْسَمُ بِدُونِ أَلِفٍ قَبْلَ نَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي كُتُبِ الرَّسْمِ وَهَا حَرْفُ تَنْبِيهٍ وَأَنَا ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مُبْتَدَأٌ.
(١١٦) أَذْكُرُ: خَبَرَهُ.
وَفِيهِ إدْخَالُ حَرْفِ التَّنْبِيهِ عَلَى ضَمِيرِ الرَّفْعِ الَّذِي لَمْ يُخْبِرْ عَنْهُ بِاسْمِ إشَارَةٍ وَهُوَ شَاذٌّ كَمَا فِي حَوَاشِي التَّسْهِيلِ لِابْنِ هِشَامٍ حَيْثُ صَرَّحَ بِشُذُوذِ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَنَا حَكَمٌ هَا أَنْتَ نَجْمٌ مُجَالِدٌ
وَالذِّكْرُ بِالْكَسْرِ التَّذْكَارُ وَالشَّيْءُ الَّذِي يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ.
стр. 40
الْكُتُبَ الَّتِي نَقَلْت مِنْهَا ١١٨ - مُؤَلَّفَاتِي الْفِقْهِيَّةَ الَّتِي اجْتَمَعَتْ عِنْدِي ١١٩ - فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَةٍ.
فَمِنْ شُرُوحِ الْهِدَايَةِ: النِّهَايَةُ وَغَايَةُ الْبَيَانِ، وَالْعِنَايَةُ، وَمِعْرَاجُ الدِّرَايَةِ وَالْبِنَايَةُ، وَالْغَايَةُ، وَفَتْحُ الْقَدِيرِ.
وَمِنْ شُرُوحِ الْكَنْزِ: الزَّيْلَعِيُّ وَالْعَيْنِيُّ وَمِسْكِينٌ.
وَمِنْ شُرُوحِ الْقُدُورِيِّ: السِّرَاجُ الْوَهَّاجُ، وَالْجَوْهَرَةُ، وَالْمُجْتَبَى وَالْأَقْطَعُ.
وَمِنْ شُرُوحِ الْمَجْمَعِ:
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْكُتُبَ الَّتِي نَقَلْت مِنْهَا: النَّقْلُ التَّحْوِيلُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْأَخْذُ.
(١١٨) مُؤَلَّفَاتِي الْفِقْهِيَّةَ الَّتِي اجْتَمَعَتْ عِنْدِي: أَيْ حُصِّلَتْ بَعْدَ مَا كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً سَوَاءٌ كَانَتْ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
(١١٩) فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَةٍ فَمِنْ شُرُوحِ الْهِدَايَةِ النِّهَايَةِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ وَالْعِنَايَةُ وَمِعْرَاجُ الدِّرَايَةِ وَالْبِنَايَةُ وَفَتْحُ الْقَدِيرِ وَمِنْ شُرُوحِ الْكَنْزِ الزَّيْلَعِيُّ وَالْعَيْنِيُّ وَمِسْكِينٌ وَمَنْ شُرُوحِ الْقُدُورِيِّ السِّرَاجُ الْوَهَّاجُ وَالْجَوْهَرَةُ وَالْمُجْتَبَى وَالْأَقْطَعُ وَمِنْ شُرُوحِ الْجَمْعِ لِلْمُصَنِّفِ وَابْنِ الْمَلَكِ وَرَأَيْت شَرْحًا لِلْعَيْنِيِّ وَقْفًا وَشَرْحِ مُنْيَةَ الْمُصَلِّي لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ وَشَرْحُ الْوَافِي لِلْكَافِي وَشَرْحُ الْوُقَايَةِ وَالنُّقَايَةِ وَإِيضَاحُ الْإِصْلَاحِ وَشَرْحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْعَلَّامَةِ الْفَارِسِيِّ وَتَلْخِيصِ الْجَامِعِ لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَالْبَدَائِعُ لِلْكَاسَانِيِّ وَشَرْحُ التُّحْفَةِ وَالْمَبْسُوطِ شَرْحُ الْكَافِي: قَالَ فِي أَعْلَامِ الْأَخْبَارِ حِينَ ذُكِرَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ صَنَّفَ الْكَثِيرَ الْمُخْتَصَرَ وَالْمُنْتَقَى وَالْكَافِي وَالْإِشَارَاتِ وَغَيْرَهَا ثُمَّ قَالَ أَمَّا الْكَافِي فَقَدْ شَرَحَهُ الْمَشَايِخُ مِنْهُمْ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ بِالْمَبْسُوطِ (انْتَهَى) .
وَهُوَ يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَكِنْ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ فَرَأَيْت الصَّوَابَ فِي تَأْلِيفِ شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَهُوَ كَمَا تَرَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شَرْحُ الْمُخْتَصَرِ لَا شَرْحُ الْكَافِي كَذَا قِيلَ. أَقُولُ لَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِ السَّرَخْسِيِّ أَطْلَقَ عَلَى الْكَافِي مُخْتَصَرًا وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ بِالْمُخْتَصَرِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْحَاكِمَ الشَّهِيدَ جَمَعَ كُتُبَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الَّتِي صَنَّفَهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْكَافِي عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ بِحَذْفِ الْمُكَرَّرِ وَذِكْرِ الْمُقَرَّرِ فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ السَّرَخْسِيُّ مُخْتَصَرًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
стр. 41
لِلْمُصَنِّفِ وَابْنِ الْمَلِكِ، وَرَأَيْت شَرْحًا لِلْعَيْنِيِّ وَقْفًا، وَشَرْحُ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لِابْنِ أَمِيرِ الْحَاجِّ، وَشَرْحُ الْوَافِي لِلْكَافِي، وَشَرْحُ الْوُقَايَةِ وَالنُّقَايَةِ، وَإِيضَاحُ الْإِصْلَاحِ، وَشَرْحُ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْعَلَّامَةِ الْفَارِسِيِّ، وَتَلْخِيصُ الْجَامِعِ لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَالْبَدَائِعُ لِلْكَاسَانِيِّ، وَشَرْحُ التُّحْفَةِ وَالْمَبْسُوطُ شَرْحُ الْكَافِي، ١٢٠ - وَالْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ وَشَرْحُ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ لِمُلَّا خُسْرو وَالْهِدَايَةُ، وَشَرْحُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ، وَشَرْحُ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ وَالِاخْتِيَارُ. وَمِنْ الْفَتَاوَى: الْخَانِيَّةُ، وَالْخُلَاصَةُ، وَالْبَزَّازِيَّةُ، وَالظَّهِيرِيَّةُ، وَالْوَلْوالِجِيَّة، وَالْعُمْدَةُ، وَالْعُدَّةُ، وَالصُّغْرَى، وَالْوَاقِعَاتُ لِلْحُسَامِ الشَّهِيدِ، وَالْقُنْيَةُ، وَالْمُنْيَةُ وَالْغُنْيَةُ، وَمَآلُ الْفَتَاوَى، وَالتَّلْقِيحُ لِلْمَحْبُوبِيِّ، وَالتَّهْذِيبُ لِلْقَلَانِسِيِّ، وَفَتَاوَى قَارِي الْهِدَايَةِ، وَالْقَاسِمِيَّةُ وَالْعِمَادِيَّةُ، وَجَامِعُ الْفُصُولَيْنِ وَالْخَرَاجُ لِأَبِي يُوسُفَ، وَأَوْقَافُ الْخَصَّافِ، وَالْإِسْعَافُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَالْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ وَشَرْحُ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ لِمُلَّا خُسْرو وَالْهِدَايَةُ وَشَرْحُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانَ وَشَرْحُ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ وَالِاخْتِيَارُ وَمِنْ الْفَتَاوَى الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةُ وَالْبَزَّازِيَّةُ وَالظَّهِيرِيَّةُ وَالْوَلْوالِجِيَّة وَالْعُمْدَةُ وَالصُّغْرَى وَالْوَاقِعَاتُ لِلْحُسَامِ الشَّهِيدِ وَالْقُنْيَةُ وَالْمُنْيَةُ وَالْغُنْيَةُ وَمَآلُ الْفَتَاوَى وَالتَّلْقِيحُ لِلْمَحْبُوبِيِّ وَالتَّهْذِيبُ لِلْقَلَانِسِيِّ وَفَتَاوَى قَارِي الْهِدَايَةِ وَالْقَاسِمِيَّةُ وَالْعِمَادِيَّةُ وَجَامِعُ الْفُصُولَيْنِ وَالْخَرَاجُ لِأَبِي يُوسُفَ وَأَوْقَافُ الْخَصَّافِ وَالْإِسْعَافُ: قِيلَ لَمْ يَذْكُرْ أَوْقَافَ هِلَالٍ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ كَثِيرٌ شَائِعٌ وَيَنْقُلُ عَنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَشْيَاءَ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَيِّ شَيْءٍ تَرَكَهُ أَقُولُ دَعْوَى أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْكُتُبِ الَّتِي اجْتَمَعَتْ عِنْدَهُ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ نَقْلُهُ عَنْهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بِالْوَاسِطَةِ.
стр. 42
وَالْحَاوِي الْقُدْسِيُّ، ١٢٢ - وَالْيَتِيمَةُ وَالْمُحِيطُ الرَّضَوِيُّ، ١٢٣ - وَالذَّخِيرَةُ وَشَرْحُ مَنْظُومَةِ النَّسَفِيِّ، وَشَرْحُ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ لَهُ وَلِابْنِ الشِّحْنَةِ، وَالصَّيْرَفِيَّةُ، وَخِزَانَةُ الْفَتَاوَى، وَبَعْضُ خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ، وَبَعْضُ السِّرَاجِيَّةِ وَالتَّتَارْخَانِيَّة، وَالتَّجْنِيسُ، وَخِزَانَةُ الْفِقْهِ، وَحَيْرَةُ الْفُقَهَاءِ، وَمَنَاقِبُ الْكَرْدَرِيِّ، وَطَبَقَاتُ عَبْدِ الْقَادِرِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَالْحَاوِي الْقُدْسِيُّ: قِيلَ وَالْحَاوِي لِأَصْحَابِنَا اثْنَانِ الْحَاوِي الْقُدْسِيُّ وَأَظُنُّهُ لِرَجُلٍ مُتَأَخِّرٍ كَانَ يُسَمَّى قَاضِيَ الْقُدْسِ وَلَا أَعْرِفُ تَفْصِيلَ تَرْجَمَتِهِ وَالْحَاوِي الْحَصِيرِيُّ وَهُوَ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ أَنْوَشَ الْحَصِيرِيِّ كَانَ مِنْ تَلَامِذَةِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَتَرْجَمَتُهُ بِذَيْلِ تَارِيخِ بَغْدَادَ لِلسَّمْعَانِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ عَبْدُ الْقَادِرِ فِي طَبَقَاتِهِ وَلَا الشَّيْخُ قَاسِمُ بْنُ قُطُلُوبُغَا (انْتَهَى)
أَقُولُ بَقِيَ حَاوٍ ثَالِثٌ وَهُوَ حَاوِي الزَّاهِدِي مُؤَلِّفُهُ صَاحِبُ الْقَنِيَّةِ وَهُوَ عَزِيزُ الْوُجُودِ وَرَأَيْتُ عِنْدَ بَعْضِ شُيُوخِنَا مِنْهُ نُسْخَةً (١٢٢)
وَالْيَتِيمَةُ وَالْمُحِيطُ الرَّضَوِيُّ قِيلَ لَمْ يَقِفْ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ وَلَا عَلَى الذَّخِيرَةِ الْبُرْهَانِيَّةِ الَّتِي هِيَ مُخْتَصَرُ الْمُحِيطِ وَهُمَا لِمُصَنِّفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْإِمَامُ بُرْهَانُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ تَاجِ الدِّينِ بْنِ مَاذَةْ وَهُوَ ابْنُ أَخِ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ عَمْرِو بْنِ بُرْهَانِ الدِّينِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَاذَهْ وَأَبُوهُ أَيْضًا إمَامٌ كَبِيرٌ يُعْرَفُ بِتَاجِ السَّعِيدِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُؤَلَّفٌ مَشْهُورٌ وَكَثِيرًا مَا يَغْلُطُ الطَّلَبَةُ فَيَظُنُّونَ أَنَّهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ الْكَبِيرِ أَعْنِي بُرْهَانَ الدِّينِ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدِ السَّرَخْسِيِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ (انْتَهَى) .
أَقُولُ سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ النَّقَلُ عَنْ الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ فَإِنْ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ يَكُونُ نَقْلُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِالْوَاسِطَةِ (١٢٣)
وَالذَّخِيرَةِ وَشَرْحُ مَنْظُومَةِ النَّسَفِيِّ لِلْمُصَفَّى وَشَرْحَيْ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ لَهُ وَلِابْنِ الشِّحْنَةِ وَالصَّيْرَفِيَّةُ وَخِزَانَةُ الْفَتَاوَى وَبَعْضِ خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ وَبَعْضِ السِّرَاجِيَّةِ والتتارخانية وَالتَّجْنِيسِ وَخِزَانَةُ الْفِقْهِ وَحَيْرَةُ الْفُقَهَاءِ وَمَنَاقِبُ الْكَرْدَرِيِّ وَطَبَقَاتُ عَبْدِ الْقَادِرِ
стр. 43
الْفَنُّ الْأَوَّلُ قَوْلٌ فِي الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ ١ - الْقَاعِدَةُ الْأُولَى لَا ثَوَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ ٢ - صَرَّحَ بِهِ الْمَشَايِخُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْفِقْهِ أَوَّلُهَا فِي الْوُضُوءِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
[الْفَنُّ الْأَوَّلُ قَوْلٌ فِي الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ] [الْقَاعِدَةُ الْأُولَى لَا ثَوَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ]
الْمُرَادُ بِالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ الْقَوَاعِدُ الَّتِي لَمْ تَدْخُلْ قَاعِدَةٌ مِنْهَا تَحْتَ قَاعِدَةٍ أُخْرَى وَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا بَعْضُ الْأَفْرَادِ.
قِيلَ الْقَوَاعِدُ جَمْعُ قَاعِدَةٍ وَهِيَ لُغَةً الْأَسَاسُ وَاصْطِلَاحًا حُكْمٌ كُلِّيٌّ يَنْطَبِقُ عَلَى جَمِيعِ جُزْئِيَّاتِهِ لِتُعْرَفَ أَحْكَامُهَا مِنْهُ.
قَالَهُ فِي شَرْحِ التَّوْضِيحِ النَّحْوِيِّ وَمِثْلَهُ فِي شَرْحِ التَّنْقِيحِ الْأُصُولِيِّ وَكَانَ حَقَّ الْمُصَنِّفِ بَيَانُهَا وَلَاءَمَ الْخَوْضُ فِيهَا لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ فَرْعُ تَصَوُّرِهِ (انْتَهَى) .
أَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مَا فَسَّرَ بِهِ الْقَاعِدَةَ نَقْلًا مِنْ شَرْحِ التَّوْضِيحِ وَشَرْحِ التَّنْقِيحِ غَيْرُ صَحِيحٍ هُنَا لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ غَيْرُهَا عِنْدَ النُّحَاةِ وَالْأُصُولِيِّينَ إذْ هِيَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ حُكْمٌ أَكْثَرِيٌّ لَا كُلِّيٌّ يَنْطَبِقُ عَلَى أَكْثَرِ جُزْئِيَّاتِهِ لِتُعْرَفَ أَحْكَامُهَا مِنْهُ وَأَمَانًا لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ حَقَّ الْمُصَنِّفِ بَيَانُهَا مِمَّا يُتِمُّ لَوْ كَانَ هَذَا التَّأْلِيفُ مَوْضُوعًا لِلْمُبْتَدِئِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى تَصَوُّرِهِ فِي الْقَاعِدَةِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ مَوْضُوعًا لَهُ بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ لِمَنْ يَعْرِفُ مَعْنَى الْقَاعِدَةِ وَيَحْتَاجُ إلَى فُرُوعِهَا كَفُضَلَاءِ الْمُدَرِّسِينَ وَالْقُضَاةِ وَالْمُفْتِينَ كَمَا يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا سَبَقَ وَأَرْجُو مِنْ كَرَمِ الْفَتَّاحِ إلَى آخِرِهِ.
(١) الْأُولَى لَا ثَوَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ: هِيَ بِالتَّشْدِيدِ، وَقَدْ تُخَفَّفُ. لُغَةً عَزْمُ الْقَلْبِ عَلَى الشَّيْءِ، وَاصْطِلَاحًا قَصْدُ الطَّاعَةِ وَالتَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إيجَادِ فِعْلٍ. وَفِيهِ إنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِي عِبَادَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ثَوَابٌ، وَالْمَنْهِيَّاتُ الْمُتَرَتَّبُ عَلَيْهَا عِقَابٌ فَالصَّوَابُ تَفْسِيرُهَا بِتَوَجُّهِ الْقَلْبِ نَحْوَ إيجَادِ فِعْلٍ أَوْ تَرْكِهِ، مُوَافِقٌ لِغَرَضِ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، حَالًا أَوْ مَآلًا؛ وَالْمُرَادُ مِنْ الْعَزْمِ إرَادَةُ الْفِعْلِ.
(٢) صَرَّحَ بِهِ الْمَشَايِخُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْفِقْهِ أَوَّلُهَا فِي الْوُضُوءِ: يَعْنِي بِغَيْرِ نَبِيذِ التَّمْرِ وَسُؤْرِ الْحِمَارِ. أَمَّا فِيهِمَا فَالنِّيَّةُ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ، كَمَا فِي الْبَحْرِ لِلْمُصَنِّفِ وَكَلَامُهُ فِيهِ مُقَيَّدٌ لِإِطْلَاقِهِ هُنَا.
стр. 44
سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهَا شَرْطُ الصِّحَّةِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ أَوْ لَا كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ. ٤ -
وَعَلَى هَذَا ٥ - قَرَّرُوا حَدِيثَ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُقْتَضَى،
ــ
[غمز عيون البصائر]
سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهُ: شَرَطَ الصِّحَّةَ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْجَمْعِ.
أَوْ لَا كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ: تَعْمِيمٌ فِي قَوْلِهِ: صَرَّحُوا بِهِ الْمَشَايِخُ.
(٤) وَعَلَى هَذَا: أَيْ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّهُ لَا ثَوَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ فَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ وَقُدِّمَ عَلَيْهِ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ.
(٥) قَرَّرُوا حَدِيثَ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُقْتَضَى: أَيْ مِنْ قَبِيلِ الدَّلَالَةِ فِيهِ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ لَا بِعِبَارَتِهِ وَالْمُقْتَضَى بِفَتْحِ الضَّادِ اللَّازِمُ الْمُتَقَدِّمُ الَّذِي اقْتَضَى النَّصُّ تَقْدِيرَهُ، لِتَوَقُّفِ صِدْقِ الْمَنْطُوقِ عَلَيْهِ وَصِحَّتِهِ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَأَمَّا عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ، كَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ، فَمِنْ بَابِ الْمُضْمَرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُقْتَضَى عِنْدَهُمْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَنْطُوقُ شَرْعًا فَقَطْ؛ وَالْمُتَوَقَّف عَلَيْهِ هُنَا إنَّمَا هُوَ صِدْقُ الْمُتَكَلِّمِ لَا الصِّحَّةُ الشَّرْعِيَّةُ، فَيَكُونَ مُضْمَرًا لَا مُقْتَضًى.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُقْتَضَى ثَابِتٌ شَرْعًا وَالْمُضْمَرُ ثَابِتٌ لُغَةً.
وَفَرْقٌ آخَرُ هُوَ أَنَّ الْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ عِنْدَنَا وَالْمُضْمَرُ لَهُ عُمُومٌ بِالْإِجْمَاعِ، يَعْنِي مَا عَدَا صَدْرَ الْإِسْلَامِ.
وَثَمَّ فُرُوقٌ أُخَرُ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ.
لَا يُقَالُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ ذَلِكَ الْمُقَدَّرُ عَلَى جِهَةِ الْإِضْمَارِ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَلَمَّا لَمْ يَعُمَّ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُقْتَضَى لِأَنَّا نَقُولُ إنَّ عَدَمَ الْعُمُومِ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ لِأَجْلِ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُقْتَضَى، بَلْ لِأَنَّ الْمُضْمَرَ وَإِنْ جَازَ عُمُومُهُ كَمَا مَرَّ، لَكِنَّ الْأَعْمَالَ لَمَّا أُضِيفَتْ إلَى غَيْرِ مَحِلِّهَا، وَهُوَ النِّيَّةُ لِتَحَقُّقِ الْأَعْمَالِ بِدُونِهَا كَثِيرًا؛ فَاحْتِيجَ إلَى إضْمَارِ مَحِلٍّ يَحْتَمِلُ النِّيَّةَ.
وَمَا أُضْمِرَ هُنَا هُوَ الْحُكْمُ فَإِنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْحُكْمَ الدُّنْيَوِيَّ وَهُوَ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَالْأُخْرَوِيَّ وَهُوَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ فَلَمَّا كَانَ مُحْتَمِلًا لَهُمَا لَمْ يَكُنْ إطْلَاقُهُ دَالًّا عَلَى أَحَدِهِمَا عَلَى التَّعْيِينِ فَكَانَ مُشْتَرِكًا وَالْمُشْتَرِكُ لَا عُمُومَ لَهُ عِنْدَنَا بَلْ حُكْمُهُ التَّوَقُّفُ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ لَكِنْ قَامَ الدَّلِيلُ هُنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُكْمِ الْحُكْمُ الْأُخْرَوِيُّ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنْ لَا ثَوَابَ وَلَا عِقَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْعَجَبُ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يُخْرِجْهُ
стр. 45
إذْ لَا يَصِحُّ بِدُونِ التَّقْدِيرِ لِكَثْرَةِ وُجُودِ الْأَعْمَالِ بِدُونِهَا، فَقَدَّرُوا مُضَافًا أَيْ حُكْمَ الْأَعْمَالِ. ٧ - وَهُوَ نَوْعَانِ ٨ - أُخْرَوِيٌّ، وَهُوَ الثَّوَابُ وَاسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ، وَدُنْيَوِيٌّ، وَهُوَ الصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ. ٩ -
وَقَدْ أُرِيدَ الْأُخْرَوِيُّ بِالْإِجْمَاعِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
فِي الْمُوَطَّإِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى رَأْيِ مَنْ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْمُضْمَرِ وَالْمُقْتَضَى بَلْ جَعَلَ الْمُضْمَرَ قِسْمًا مِنْهُ كَعَامَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَمِنْهُمْ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ عَلَى قَوْلِهِ.
(٦) إذْ لَا يَصِحُّ بِدُونِ التَّقْدِيرِ لِكَثْرَةِ وُجُودِ الْأَعْمَالِ بِدُونِهَا فَقَدَّرُوا مُضَافًا أَيْ حُكْمُ الْأَعْمَالِ: يَعْنِي أَنَّ حَقِيقَةَ هَذَا التَّرْكِيبِ مَتْرُوكَةٌ، بِدَلَالَةِ مَحِلِّ الْكَلَامِ لِأَنَّ كَلِمَةَ إنَّمَا لِلْحَصْرِ وَقَدْ دَخَلَتْ عَلَى الْمُعَرَّفِ فَاللَّامُ الِاسْتِغْرَاقِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُوجَدَ عَمَلٌ بِلَا نِيَّةٍ وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَعْمَالِ تُوجَدُ بِلَا نِيَّةٍ فَصَارَ مَجَازًا عَنْ حُكْمِهِ، فَالتَّقْدِيرُ حُكْمُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ أَوْ مِنْ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ.
(٧) وَهُوَ نَوْعَانِ: أَقُولُ فِي الْمُسْتَصْفَى وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْحُكْمِ إمَّا جَوَازُ الْأَعْمَالِ أَوْ فَضِيلَتُهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مُرَادًا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ مُطْلَقًا وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ الْوُضُوءَ وَلَمْ يَذْكُرْ النِّيَّةَ فَلَوْ كَانَتْ شَرْطًا لِلْجَوَازِ وَالصِّحَّةِ لَبَيَّنَهَا، فَتَعِينَ الثَّانِي.
(٨) أُخْرَوِيٌّ وَهُوَ الثَّوَابُ وَاسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ وَدُنْيَوِيٌّ وَهُوَ الصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ: قِيلَ أَقْحَمَ لَفْظَ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَمْ يَقُلْ وَالْعِقَابُ كَمَا فِي الثَّوَابِ لِأَنَّ الْعِقَابَ مَوْكُولٌ إلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
عَلَى أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْعِقَابِ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْمُخَالَفَةِ لِلنَّهْيِ.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا عَلَى أَنَّهُ إنْ فَعَلَ بِنِيَّةِ الْمُخَالَفَةِ وَقَصَدَهَا يُكَفَّرُ فَإِنْ ارْتَكَبَ وَلَمْ يَقْصِدْ الْمُخَالَفَةَ لِلنَّهْيِ يَكُونُ آثِمًا.
(٩) وَقَدْ أُرِيدَ الْأُخْرَوِيُّ بِالْإِجْمَاعِ: يَعْنِي لَمَّا اخْتَلَفَ الْحُكْمَانِ صَارَ الِاسْمُ بَعْدَ كَوْنِهِ مَجَازًا مُشْتَرَكًا.
وَيَكْفِي فِي تَصْحِيحِهِ مَا هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْحُكْمُ الْأُخْرَوِيُّ.
وَلَا
стр. 46
لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا ثَوَابَ وَلَا عِقَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ، فَانْتَفَى الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا، ١١ - إمَّا لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ وَلَا عُمُومَ لَهُ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
دَلِيلَ عَلَى مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَلَا يَصْلُحُ تَقْدِيرُهُ حُجَّةً عَلَيْنَا وَقَدْ انْدَفَعَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ مَا أَوْرَدَهُ فِي الْكَشْفِ وَشَرْحِ الْمُغْنِي وَشَرْحِ الْمَنَارِ: أَنَّ قَوْلَهُمْ الْحُكْمُ مُشْتَرَكٌ وَلَا عُمُومَ لَهُ مَمْنُوعٌ، بَلْ هَذَا فِي الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ أَمَّا الْمُشْتَرَكُ الْمَعْنَوِيُّ فَلَهُ عُمُومٌ كَالشَّيْءِ، وَالْحُكْمُ مِنْهُ، فَيَتَنَاوَلُ الْكُلَّ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْأَعَمَّ إذْ تَفْسِيرُ الْحُكْمِ: الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِالشَّيْءِ مَعَ أَنَّ الْأَكْمَلَ فِي تَقْرِيرِهِ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ مَقُولًا عَلَيْهِمَا بِالتَّوَاطُؤِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْجَوَازَ وَالْفَسَادَ وَإِنْ كَانَا أَثَرَيْنِ ثَابِتَيْنِ بِالْأَعْمَالِ مُوجِبَيْنِ لَهُمَا، لَكِنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَيْسَا كَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ (انْتَهَى) .
يَعْنِي لِتَخَلُّفِهِمَا فِي الْأَوَّلِ بِعَدَمِ الْقَبُولِ بَعْدَ الصِّحَّةِ وَفِي الثَّانِي بِالْعَفْوِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. بَقِيَ أَنْ يُقَالَ كَوْنُ الْأُخْرَوِيِّ مُرَادًا بِالْإِجْمَاعِ فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأَنَّ النِّزَاعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ إلَّا فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنْ لَا ثَوَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنْ يُرَادَ بِالْحُكْمِ الْمُقَدَّرِ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ الْحُكْمُ الْأُخْرَوِيُّ عَلَى أَنْ لَا ثَوَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنْ يُرَادَ بِالْحُكْمِ الْمُقَدَّرِ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ الْحُكْمُ الْأُخْرَوِيُّ الَّذِي هُوَ الثَّوَابُ.
(١٠) لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا ثَوَابَ وَلَا عِقَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ فَانْتَفَى الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا: أَقُولُ فِيهِ إنَّهُ ذَكَرَ فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ نَقْلًا عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّ الْوُضُوءَ غَيْرَ الْمَنْوِيِّ مُثَابٌ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ غَيْرُ مُثَابٍ عَلَيْهِ؛ وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ كَمَا فِي الْبَحْرِ لِلْمُصَنِّفِ فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ هُنَا لِلْإِجْمَاعِ أَيْ إجْمَاعُ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا الْإِجْمَاعُ مُطْلَقًا.
(١١) أَمَّا لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ وَلَا عُمُومَ لَهُ: قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى: أَوْ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِهَذَا الطَّرِيقِ يَكُونُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ، إذْ هُوَ جَعَلَ غَيْرَ الْمَذْكُورِ مَذْكُورًا تَصْحِيحًا لِلْمَذْكُورِ وَلَا عُمُومَ لَهُ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ النَّظْمِ، وَهُوَ غَيْرُ مَنْظُومٍ، وَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الثَّوَابُ إجْمَاعًا فَيَنْتِجُ الْآخَرُ.
وَإِذَا ثَبَتَ بِمَا ذَكَرنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِلْجَوَازِ بَلْ هُوَ مُتَعَرِّضٌ لِلثَّوَابِ، ثَبَتَ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ إنَّمَا ثَوَابُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ (انْتَهَى) .
وَفِي حَوَاشِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ الْمَلَكِيِّ لِلْعَلَّامَةِ قَاسِمِ بْنِ قُطْلُوبُغَا: يُمْكِنُ أَنْ يُقَرِّرَ الْحَدِيثُ بِوَجْهٍ غَيْرِ هَذَا
стр. 47
أَوْ لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ بِهِ مِنْ صِحَّةِ الْكَلَامِ بِهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الْآخَرِ. ١٣ -
وَالثَّانِي أَوْجَهُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُسَلِّمُهُ الْخَصْمُ لِأَنَّهُ قَائِلٌ بِعُمُومِ الْمُشْتَرَكِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَهُوَ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِالْأَعْمَالِ الْعِبَادَاتُ، وَبِهِ نَقُولُ أَنَّهُ لَا عِبَادَةَ إلَّا بِالنِّيَّةِ أَمَّا إذَا أَتَى بِالْوُضُوءِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِغَيْرِ نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فَالْحَدِيثُ سَاكِتٌ عَنْهُ.
(١٢) أَوْ لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ بِهِ مِنْ صِحَّةِ الْكَلَامِ بِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْآخَرِ: يَعْنِي أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي قُدِّرَ فِي الْحَدِيثِ بِدَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا فَالْمُشْتَرَكُ اللَّفْظِيُّ لَا عُمُومَ لَهُ عِنْدَنَا، أَوْ مَعْنَوِيًّا، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ لَهُ عُمُومٌ، لَكِنَّ الضَّرُورَةَ الَّتِي أَوْجَبَتْ تَقْدِيرَ الْحُكْمِ تَنْدَفِعُ بِإِرَادَةِ أَحَدِ فَرْدَيْهِ وَهُوَ الْأُخْرَوِيُّ.
هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وَالثَّانِي أَوْجُهُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُسَلِّمُهُ الْخَصْمُ لِأَنَّهُ قَائِلٌ بِعُمُومِ الْمُشْتَرَكِ؛ لَكِنَّ فِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْأَكْمَلِ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكًا مَعْنَوِيًّا أَنْ لَوْ كَانَ مَقُولًا عَلَيْهِمَا بِالتَّوَاطُؤِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ.
(١٣) وَالثَّانِي أَوْجُهُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُسَلِّمُهُ الْخَصْمُ لِأَنَّهُ قَائِلٌ بِعُمُومِ الْمُشْتَرَكِ: قِيلَ وَإِنَّمَا جَازَ الْأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَوْجُهَ لِأَنَّ بِنَاءَ الْمُخْتَلِفِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ جَائِزٌ فِي التَّحْقِيقِ، بِنَاءً عَلَى مَا أَثْبَتَ الْمَعْنَى كَمَا فِي كِتَابِ الْأُصُولِ (انْتَهَى) .
قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى شَرْحِ النَّافِعِ فِي آخِرِ بَابِ جِنَايَاتِ الْحَجِّ: يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ لِلْإِيضَاحِ.
وَقَالَ الْفَاضِلُ حَسَنُ جَلَبِي فِي حَوَاشِيهِ عَلَى التَّلْوِيحِ فِي بَحْثِ الْمُطْلَقِ: أَنَّهُ يَجُوزُ رَدُّ الْمُخْتَلِفِ إلَى الْمُخْتَلَفِ فِي طَرِيقِ الِاحْتِجَاجِ إذَا كَانَ الْخَصْمُ مُلْزَمًا (انْتَهَى) .
بَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا اشْتَرَكَ مُحْرِمَانِ فِي قَتْلِ صَيْدٍ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءٌ كَامِلٌ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ جَنَى عَلَى إحْرَامِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْإِتْلَافِ فَوْقَ الدَّلَالَةِ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى الصَّيْدِ تُوجِبُ الْجَزَاءَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِمَا جَزَاءٌ وَاحِدٌ.
وَحَاصِلُ الْخِلَافِ يَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْجَزَاءِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ بَدَلٌ مَحْضٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْكَفَّارَةِ. وَعِنْدَنَا كَفَّارَةٌ وَبَدَلٌ.
وَإِذَا كَانَ بَدَلًا مَحْضًا عِنْدَهُ يَتَّحِدُ بِاتِّحَادِ الْمَحِلِّ وَيَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهِ وَلَا اعْتِبَارَ لِتَعَدُّدِ الْفَاعِلِ وَلَا لِاتِّحَادِهِ.
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا الِاسْتِدْلَال عَلَى الشَّافِعِيِّ وَعِنْدَهُ لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى الدَّالِ؟ قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ لِلْإِيضَاحِ فَإِنَّ الشَّرِكَةَ لِمَا
стр. 48
فَحِينَئِذٍ ١٥ - لَا يَدُلُّ ١٦ - عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي الْوَسَائِلِ لِلصِّحَّةِ ١٧ - وَلَا عَلَى الْمَقَاصِدِ أَيْضًا
١٨ - وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ الْوُضُوءَ الَّذِي لَيْسَ بِمَنْوِيٍّ، لَيْسَ بِمَأْمُورٍ بِهِ وَلَكِنَّهُ مِفْتَاحٌ لِلصَّلَاةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
كَانَ أَحَقَّ لِوُجُوبِ الْجَزَاءِ مِنْ الدَّلَالَةِ، وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي الدَّلَالَةِ، فَيَجِبُ فِي الشَّرِكَةِ.
وَهَذَا لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَنْ عَلِيٍّ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ قَالُوا: عَلَى الدَّالِ الْجَزَاءُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ ﵀ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ الْجَزَاءَ عَلَى الدَّالِ.
فَكَأَنَّهُ عَدَّ مَسْأَلَةَ الدَّلَالَةِ كَالْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا وَلَمْ يَعْتَبِرْ خِلَافَ الشَّافِعِيِّ (انْتَهَى) .
(١٤) فَحِينَئِذٍ: أَيْ حِينَ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ الدُّنْيَوِيُّ مُرَادًا لِمَا ذَكَرَ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنْ لَا ثَوَابَ وَلَا عِقَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ.
(١٥) لَا يَدُلُّ: قِيلَ: أَيْ انْدِفَاعُ الضَّرُورَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي يَدُلُّ يَرْجِعُ إلَى الْحَدِيثِ.
(١٦) عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي الْوَسَائِلِ لِلصِّحَّةِ: أَيْ وَلَا يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي الْمَقَاصِدِ لِلصِّحَّةِ، وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ.
وَالْمُرَادُ بِالْمَقَاصِدِ مَا لَا يَكُونُ فِي ضِمْنِ شَيْءٍ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ.
قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى: وَمَنْ هُنَا نَشَأَ إشْكَالٌ عَلَى مَنْ اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي الْعِبَادَاتِ، كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ مَعَ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّ حَدِيثَ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» مِنْ قَبِيلِ ظَنِّيِّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ.
وَهُوَ يُفِيدُ السُّنِّيَّةَ وَالِاسْتِحْبَابَ دُونَ الْوُجُوبِ وَالِافْتِرَاضِ (انْتَهَى) .
قِيلَ: كَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ وَلَا فِي الْمَقَاصِدِ (انْتَهَى) .
يَعْنِي لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ اشْتَرَطَ عَلَى كَذَا بَلْ فِي كَذَا وَجَعَلَ عَلَى بِمَعْنَى فِي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ [القصص: ١٥] خِلَافُ الظَّاهِرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ
(١٨) وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ الْوُضُوءَ الَّذِي لَيْسَ بِمَنْوِيٍّ لَيْسَ بِمَأْمُورٍ بِهِ وَلَكِنَّهُ
стр. 49
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[غمز عيون البصائر]
مِفْتَاحٌ لِلصَّلَاةِ: قِيلَ عَلَيْهِ أَنَّ كَوْنَهُ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ كَيْفَ ثَبَتَ بِغَيْرِ الْأَمْرِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ (انْتَهَى) .
وَالْجَوَابُ إنَّهُ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ ﵊ «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ» وَكَوْنُهُ مِفْتَاحًا لَهَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ طَهَارَةً عَلَى مَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي آخِرِ آيَةِ الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فَإِنَّهُ وَإِنْ ذُكِرَ لِبَيَانِ حَالِ التَّيَمُّمِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ الْإِشَارَةِ إلَى حَالِ الْوُضُوءِ كَمَا لَا يَخْفَى.
لَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْوُضُوءَ الْمَأْمُورَ بِهِ يَتَأَدَّى بِغَيْرِ النِّيَّةِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ ﵀ وَمَنْ وَافَقَهُ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ.
لِأَنَّ مَعْنَاهُ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ لِلصَّلَاةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور: ٢] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] أَيْ لِلزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَكَقَوْلِهِ إذَا جَاءَ الشِّتَاءُ فَتَأَهَّبْ أَيْ لِلشِّتَاءِ وَهَذَا لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْجَزَاءِ لِلشَّرْطِ فَيَتَقَيَّدُ بِهِ. وَهَذَا مَعْنَى النِّيَّةِ؛ فَلَوْ تَوَضَّأَ لِلتَّبَرُّدِ وَغَيْرِهِ لَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَصَارَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ التَّحْرِيرُ بِنِيَّةِ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ وَلَا يَجُوزُ بِدُونِهَا لِتَعَلُّقِ الْجَزَاءِ بِالشَّرْطِ فَكَذَا هُنَا وَجَوَابُنَا عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ النَّقْضُ وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] أَيْ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ السَّعْيَ وَوُجُوبَ أَخْذِ الزِّينَةِ أَيْ سِتْرِ الْعَوْرَةِ لِلصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ التَّوْلِيَةَ إلَى الْقِبْلَةِ وَتَطْهِيرَ الثَّوْبِ لَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ النِّيَّةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ.
فَكَذَا فِي الْوُضُوءِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيهَا فَمَا هُوَ جَوَابُكُمْ عَنْهَا؟ فَهَلْ جَوَابُنَا عَنْ الْوُضُوءِ عَلَى أَنَّهُمْ تَرَكُوا مَفْهُومَ الْآيَةِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا لَوْ نَوَى كُلَّمَا يَحْتَاجُ إلَى الطَّهَارَةِ غَيْرَ
стр. 50
وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَتْ فِي الْعِبَادَاتِ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بِآيَةِ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] ٢٠ - وَالْأَوَّلُ أَوْجُهُ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
الصَّلَاةِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَتَمَّ وُضُوءُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الصَّلَاةَ وَالثَّانِي الْحِلُّ وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ مَا ذُكِرَ فَهُوَ فِيمَا إذَا كَانَ حُكْمًا غَيْرَ شَرْطٍ لِحُكْمٍ آخَرَ.
أَمَّا إذَا كَانَ شَرْطًا لِحُكْمٍ لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ.
وَهُنَا شَرْطٌ لِأَنَّ الشَّرْطَ يُرَاعَى وُجُودُهُ مُطْلَقًا لَا وُجُودُهُ قَصْدًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ﴾ [الجمعة: ٩] الْآيَةَ.
لَمَّا كَانَ السَّعْيُ شَرْطًا لِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي السَّعْيِ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ الْجُمُعَةِ حَتَّى إذَا سَعَى لِغَيْرِ قَصْدِ الْجُمُعَةِ، لِقَصْدِ حَاجَةٍ أَوْ لِزِيَارَةِ إنْسَانٍ وَحَضَرَتْ الْجُمُعَةُ فَأَدَّى، يَجُوزُ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ اشْتِرَاطَ الْقَصْدِ لِلْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ وَفِعْلُ الْعَبْدِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْبَابِ، لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَوْ سَالَ عَلَيْهِ الْمَطَرُ فَغَسَلَ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ أَوْ جَمِيعَ الْبَدَنِ أَجْزَأَهُ عَنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ بِمَا أَوْضَحْنَاهُ لَك أَنَّ مَا قِيلَ لَا نِزَاعَ لِأَصْحَابِنَا فِي أَنَّ الْوُضُوءَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي النَّصِّ الْمَذْكُورِ لَا يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ وَأَنَّ مَا يَظُنُّهُ كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا أَنَّ الْوُضُوءَ الْمَأْمُورَ بِهِ يَتَأَدَّى بِغَيْرِ نِيَّةٍ غَلَطٌ لَيْسَ كَذَلِكَ يَعْنِي بَلْ يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ الظَّنُّ الَّذِي يَظُنُّهُ كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا غَلَطًا كَذَا حَقَّقَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْكَمَالِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَهُوَ تَحْقِيقٌ وَبِالْقَبُولِ حَقِيقٌ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْكِتَابِ وَلَا يُورَدُ عَلَيْهِ فِي مَنْهَلٍ غَيْرِ مَنَاهِلِهِ الْعِذَابِ
(١٩) قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَتْ إلَخْ.
جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: إذَا لَمْ يَدُلَّ الْحَدِيثُ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي الْمَقَاصِدِ لِلصِّحَّةِ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَتْ.
إلَى آخِرِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَقْوَالَ تَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ: أَحَدُهَا التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِرَارًا مِنْ الرِّيَاءِ، الثَّانِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ الْمُحْتَمَلَةِ لِغَيْرِ الْمَقْصُودِ، وَالثَّالِثُ قَصْدُ الْإِنْشَاءِ لِيَخْرُجَ سَبْقُ اللِّسَانِ.
يَعْنِي فِي غَيْرِ الْأَيْمَانِ وَالطَّلَاقِ.
(٢٠) قَوْلُهُ: أَوْجُهُ إلَى آخِرِهِ.
قِيلَ لِأَنَّ عَطْفَ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ وَالِاهْتِمَامِ جَائِزٌ وَاقِعٌ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ؛ أَعْنِي الْعِبَادَةَ إنَّمَا تُطْلَقُ عَلَى الْعَمَلِ لَا الْعِلْمِ (انْتَهَى) .
وَفِيهِ تَأَمَّلْ.
стр. 51
لِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهَا بِمَعْنَى التَّوْحِيدِ بِقَرِينَةِ عَطْفِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ،
٢٢ - فَلَا تُشْتَرَطُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَمَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْخَفِيفَةِ عَنْ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ وَالْأَوَانِي لِلصِّحَّةِ. ٢٣ -
وَأَمَّا اشْتِرَاطُهَا فِي التَّيَمُّمِ فَلِدَلَالَةِ آيَتِهِ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ الْقَصْدُ،
٢٤ - وَأَمَّا غَسْلُ الْمَيِّتِ، فَقَالُوا لَا تُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَتَحْصِيلِ طَهَارَتِهِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعِبَادَةَ إلَى آخِرِهِ.
أَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ وَالثَّانِي أَوْجُهُ يَقْتَضِي صِحَّةَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ عَلَى شَرْطِيَّةِ النِّيَّةِ لِصِحَّةِ الْعِبَادَاتِ.
وَقَوْلُهُ فِي تَعْلِيلِ الْأَوْجُهِ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهَا بِمَعْنَى التَّوْحِيدِ يَقْتَضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ عَلَى تَسْلِيمِ بَقَاءِ الْعِبَادَةِ عَلَى مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيِّ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْمُخْلِصِينَ بِمَعْنَى النَّاوِينَ، وَنَوَى يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ لَا بِحَرْفِ الْجَرِّ.
إلَّا أَنْ يُقَالَ اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ وَلَيْسَ مُتَعَدِّيَةً. وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ (أُمِرُوا) الْأَمْرُ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ فِي كُتُبِهِمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَيْضَاوِيُّ.
عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ فَتَأَمَّلْ
(٢٢) قَوْلُهُ: فَلَا تُشْتَرَطُ إلَخْ أَيْ النِّيَّةَ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا يَدُلُّ.
(٢٣) قَوْلُهُ: وَأَمَّا اشْتِرَاطُهَا إلَخْ.
جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ الْوُضُوءَ عَلَى التَّيَمُّمِ بِإِبْدَاءِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْمَقِيسِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ.
وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ فَفِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فَشَرَطْنَاهَا فِيهِ. وَلَا كَذَلِكَ الْوُضُوءُ فَإِنَّهُ غَسْلٌ وَمَسْحٌ وَذَا يَتَحَقَّقُ بِلَا نِيَّةٍ، فَاشْتِرَاطُهَا فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ، وَهِيَ نَسْخٌ؛ وَإِنَّمَا قَالَ يُنْبِئُ دُونَ يَدُلُّ وَلَا دَلَالَتَهُ عَلَى الْقَصْدِ اللُّغَوِيِّ وَالِانْتِقَالُ مِنْهُ إلَى الْقَصْدِ الْخَاصِّ وَهُوَ قَصْدُ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ الْمُعْتَبَرُ هُنَا بِقَرِينَةِ أَنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْإِنْبَاءِ
(٢٤) قَوْلُهُ: وَأَمَّا غَسْلُ الْمَيِّتِ إلَخْ.
قَالَ فِي الْأَكْمَلِ قِيلَ النِّيَّةُ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي غَسْلِ الْمَيِّتِ حَتَّى لَوْ أُخْرِجَ الْغَرِيقُ وَجَبَ غَسْلُهُ.
إلَّا إذَا حُرِّكَ عِنْدَ الْإِخْرَاجِ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ لِأَنَّ الْخِطَابَ بِالْغُسْلِ تَوَجَّهَ عَلَى بَنِي آدَمَ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ شَيْءٌ عِنْدَ عَدَمِ التَّحْرِيكِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْمَاءَ مُزِيلٌ بِطَبْعِهِ.
فَكَمَا لَا تَجِبُ النِّيَّةُ فِي غَسْلِ الْحَيِّ فَكَذَا لَا تَجِبُ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ وَلِهَذَا قَالَ قَاضِي خَانَ فِي فَتَاوَاهُ: مَيِّتٌ غَسَّلَهُ أَهْلُهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ أَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ.
стр. 52
وَإِنَّمَا هِيَ شَرْطٌ لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ مِنْ ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِينَ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ: أَنَّ الْغَرِيقَ ٢٦ - يُغَسَّلُ ثَلَاثًا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إنْ نُوِيَ عِنْدَ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْمَاءِ يُغَسَّلْ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُنْوَ فَثَلَاثًا، وَعَنْهُ يُغَسَّلُ مَرَّةً وَاحِدَةً، كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا هِيَ إلَخْ قِيلَ يُشَكَّلُ عَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانَ فِي فَتَاوَاهُ حَيْثُ قَالَ: مَيِّتٌ غَسَّلَهُ أَهْلُهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْغُسْلِ أَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ (انْتَهَى) .
فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ فِي كَوْنِهِ مُجْزِيًا عَنْهُمْ النِّيَّةَ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَالنِّيَّةُ فِي غَسْلِهِ أَيْ الْمَيِّتَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ (انْتَهَى) .
أَقُولُ لَا صَرَاحَةَ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ قَاضِي خَانْ وَعَنْ التَّتَارْخَانِيَّة لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ قَاضِي خَانْ أَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ فِي حَقِّ طَهَارَتِهِ، بِمَعْنَى أَنَّ الطَّهَارَةَ وَقَعَتْ صَحِيحَةً حَتَّى تَصِحَّ فِي أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ.
وَمَعْنَى قَوْلِ التَّتَارْخَانِيَّة لَيْسَتْ بِشَرْطٍ أَيْ فِي صِحَّةِ الْغُسْلِ وَهَذَا لَا يُنَافِي بَقَاءَ الْفَرْضِ فِي ذِمَّتِهِمْ مِنْ حَيْثُ عَدَمِ النِّيَّةِ؛ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمُحَقِّقُ فِي الْفَتْحِ الظَّاهِرِ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ فِيهِ لِإِسْقَاطِ وُجُوبِهِ عَنْ الْمُكَلَّفِ لَا لِتَحْصِيلِ طَهَارَتِهِ؛ وَهِيَ شَرْطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (انْتَهَى) .
قِيلَ وَهَلْ يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْغُسْلِ بِخُصُوصِهِ أَوْ يَكْفِي صُدُورُهَا مِنْ أَحَدِ الْمُكَلَّفِينَ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ إلَخْ.
قِيلَ إذَا كَانَ ظَاهِرًا لِوُقُوعِهِ فِي الْمَاءِ لَا تَشْتَغِلُ ذِمَّةُ الْمُكَلَّفِينَ بِغُسْلِهِ؛ كَمَا لَوْ وَقَعَ جُنُبٌ فِي الْمَاءِ وَخَرَجَ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ: يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْ ذِمَّتِهِ بِالْغُسْلِ بَعْدَ مَا وَقَعَ لِخُرُوجِهِ طَاهِرًا (انْتَهَى) .
قِيلَ وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنهمَا بِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ جَانِبِ الشَّارِعِ وَلَمْ يُوجَدْ.
وَأَمَّا وُقُوعُ الْجُنُبِ فَبِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ (انْتَهَى) .
وَفِيهِ تَأَمَّلْ.
(٢٦) قَوْلُهُ: يُغَسَّلُ ثَلَاثًا إلَخْ. يَعْنِي قِيَاسًا عَلَى الْغِسْلَاتِ الثَّلَاثِ الْمُزِيلَةِ لِلْمُحْدَثِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ. وَوَجْهُ غَسْلِهِ مَرَّتَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الثَّوْبِ النَّجِسِ بِالنَّجَاسَةِ غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ. إذَا غُسِلَ مَرَّةً ثُمَّ أُضِيفَ إلَيْهِ ثَوْبٌ آخَرُ طَاهِرٌ، فَإِنَّهُ يُغْسَلُ مَا بَقِيَ.
وَوَجْهُ غَسْلِهِ مَرَّةً قِيَاسًا عَلَى إزَالَةِ الْحَدَثِ بِمَرَّةٍ.
كَذَا قِيلَ.
وَقِيلَ يُغْسَلُ ثَلَاثًا لِيَكُونَ مُؤَدًّى عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فَرْضًا وَسُنَّةً فَالْأُولَى فَرْضٌ وَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ سُنَّةٌ، أَوْ الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ وَالثَّالِثَةُ تَكْمِيلٌ لَهَا، أَوْ الثَّالِثَةُ تَقَعُ فَرْضًا عَلَى مَا نَصُّوا عَلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مِنْ الِاخْتِلَافِ فَلْيُتَأَمَّلْ
стр. 53
وَأَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا فَهِيَ شَرْطُ صِحَّتِهَا إلَّا الْإِسْلَامَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِدُونِهَا ٢٨ - بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: إنَّ إسْلَامَ الْمُكْرَهِ صَحِيحٌ.
٢٩ - وَلَا يَكُونُ مُسْلِمًا بِمُجَرَّدِ نِيَّةِ الْإِسْلَامِ ٣٠ - بِخِلَافِ الْكُفْرِ، ٣١ - كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي بَحْثِ التُّرُوكِ
٣٢ - وَأَمَّا الْكُفْرُ فَيُشْتَرَطُ لَهُ النِّيَّةُ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ كُفْرَ الْمُكْرَهِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ هَازِلًا
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ وَأَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ إلَخْ أَقُولُ: وَكَذَا الِانْتِقَالُ مِنْ عِبَادَةٍ إلَى غَيْرِهَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ السَّادِسِ مِنْ الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ.
(٢٨) قَوْلُهُ: بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ إلَخْ أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَقَيَّدَهُ فِي الْبَحْرِ بِالْحَرْبِيِّ نَقْلًا عَنْ سِيَرِ الْخَانِيَّةِ.
وَذَكَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْحَرْبِيِّ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْخَانِيَّةِ وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَأَمَّا مَذْهَبُنَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَرْبِيِّ وَالذِّمِّيِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَشْفِ وَالتَّلْوِيحِ وَالِاخْتِيَارِ وَحِينَئِذٍ فَالْإِطْلَاقُ هُنَا فِي مَحِلِّهِ
(٢٩) قَوْلُهُ: وَلَا يَكُونُ مُسْلِمًا إلَخْ.
اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ وَلَيْسَ مِنْ تَتِمَّةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ " وَلَا يَكُونُ " يَرْجِعُ لِلْكَافِرِ الْمَعْلُومِ مِنْ مَسَاقِ الْكَلَامِ، لَا لِلْمُكْرَهِ.
بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بِمُجَرَّدِ نِيَّةِ الْإِسْلَامِ لَوْ كَانَتْ شَرْطًا فِيهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الِانْقِيَادُ لِلْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَهُوَ فِعْلٌ وَالْفِعْلُ لَا يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ دُونَ فِعْلٍ.
(٣٠) قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْكُفْرِ إلَخْ.
فَإِنَّهُ تُرِكَ.
فَإِذَا حُكِمَ بِإِسْلَامِ الْمُكْرَهِ بِدُونِهَا عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهِ، إذْ لَا وُجُودَ لِلْمَشْرُوطِ بِدُونِ الشَّرْطِ.
(٣١) قَوْلُهُ: كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إلَخْ.
فِي آخِرِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ
(٣٢) قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْكُفْرُ إلَخْ.
لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا بَعْدَ قَوْلِهِ بِخِلَافِ الْكُفْرِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ مُفَادَهُ.
стр. 54
يُكَفَّرُ.
إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ عَيْنَهُ كُفْرٌ، كَمَا عُلِمَ فِي الْأُصُولِ مِنْ بَحْثِ الْهَزْلِ.
٣٤ - فَلَا تَصِحُّ صَلَاةٌ مُطْلَقًا، وَلَوْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ، إلَّا بِهَا، فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ سُنَّةً أَوْ نَفْلًا.
وَإِذَا نَوَى قَطَعَهَا لَا يَخْرُجُ عَنْهَا إلَّا بِمُنَافٍ، وَلَوْ نَوَى الِانْتِقَالَ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا، فَإِنْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ غَيْرَ الْأُولَى وَشَرَعَ بِالتَّكْبِيرِ، صَارَ مُنْتَقِلًا وَإِلَّا فَلَا ٣٥ -
وَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِإِمَامٍ إلَّا بِنِيَّةٍ وَتَصِحُّ الْإِمَامَةُ بِدُونِ نِيَّتِهَا خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَأَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ، كَمَا فِي الْبِنَايَةِ ٣٦ -
إلَّا إذَا صَلَّى خَلْفَهُ نِسَاءٌ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ إلَخْ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْهَزْلُ بِالرِّدَّةِ كُفْرٌ لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ فَيَكُونَ مُرْتَدًّا بِعَيْنِ الْهَزْلِ، لَا بِمَا هَزَلَ بِهِ أَيْ لَيْسَ كُفْرُهُ بِمَا هَزَلَ بِهِ، وَهُوَ اعْتِقَادُ مَعْنَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا هَازِلًا فَإِنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدِ مَعْنَاهَا بَلْ كُفْرُهُ بِعَيْنِ الْهَزْلِ فَإِنَّهُ اسْتِخْفَافٌ بِالدِّينِ فَهُوَ كُفْرٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] (انْتَهَى) .
وَبِهِ يَظْهَرُ فَسَادُ مَا قِيلَ أَنَّ عَيْنَهُ كُفْرٌ، أَيْ عَيْنَ الْهَزْلِ بِمَعْنَى أَنَّهُ قَصَدَ الْهَزْلَ فَتَحْصُلُ النِّيَّةُ بِهَذَا الْقَصْدِ.
(٣٤) قَوْلُهُ: فَلَا تَصِحُّ إلَخْ.
تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَأَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا (٣٥) قَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ إلَخْ.
الِاقْتِدَاءُ رَبْطُ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي بِصَلَاةِ إمَامِهِ وَقَدْ وَهِمَ الْمُصَنَّفُ فِي الْبَحْرِ فَجَعَلَهُ تَعْرِيفًا لِلْإِمَامَةِ وَقَدْ عَرَّفَ الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ الْإِمَامَةَ فِي حُدُودٍ بِأَنَّهَا اتِّبَاعُ الْمُصَلِّي فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ (انْتَهَى) .
وَالِاتِّبَاعُ فِي التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ مَصْدَرُ الْفِعْلِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ لَا الْمَعْلُومِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَتَصِحُّ الْإِمَامَةُ إلَخْ.
إلَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُثَابًا عَلَيْهَا لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا ثَوَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ.
(٣٦) قَوْلُهُ: إلَّا إذَا صَلَّى إلَخْ.
اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَتَصِحُّ الْإِمَامَةُ بِدُونِ نِيَّتِهَا.
стр. 55
فَإِنَّ اقْتِدَاءَهُنَّ بِهِ بِلَا نِيَّةِ الْإِمَامِ لِلْإِمَامَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ. ٣٨ -
وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَؤُمَّ أَحَدًا فَاقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ
٣٩ - صَحَّ الِاقْتِدَاءُ. وَهَلْ يَحْنَثُ؟ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: ٤٠ - يَحْنَثُ قَضَاءً لَا دِيَانَةً
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَإِنَّ اقْتِدَاءَهُنَّ إلَخْ قِيلَ هَذَا بِنَاءٌ عَلَى الرَّاجِحِ إلَّا أَنَّ عُمُومَ كَلَامِهِ مُتَنَاوِلٌ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَعَ أَنَّ نِيَّةَ إمَامَتِهَا فِيهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ اقْتِدَائِهَا إجْمَاعًا كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ الصَّلَاةُ الْكَامِلَةُ وَهِيَ ذَاتُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَخْذًا مِنْ أَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْفَرْدِ الْكَامِلِ. (٣٨) قَوْلُهُ: وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ إلَخْ.
أَقُولُ: فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا فِي إمَامَةِ النِّسَاءِ لِقِلَّةِ الْفِتْنَةِ عِنْدَ كَثْرَةِ الْجَمْعِ.
وَقَالَ فِي السِّرَاجِ وَأَمَّا فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ فَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ قَالُوا لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ إمَامَتَهَا كَسَائِرِ الصَّلَاةِ.
وَقَوْلُ مِنْ قَالَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ اعْتِمَادٌ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ.
قَالَ فِي جَامِعِ الْمُضْمَرَاتِ وَالْمُشْكَلَاتِ وَيَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمَرْأَةِ بِالرَّجُلِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهَا وَكَذَلِكَ الْعِيدَيْنِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ فِتْنَةَ الْمَرْأَةِ تَقِلُّ عِنْدَ كَثْرَةِ الْجَمْعِ (انْتَهَى) .
وَفِيهِ بَحْثٌ لِنَقْلِ الْمُصَنِّفِ تَصْحِيحَ مَا اسْتَثْنَاهُ بَعْضُهُمْ وَإِنَّ فَهْمَ ذَلِكَ مِنْ التَّصْحِيحِ الثَّانِي الْمَذْكُورِ فِي جَامِعِ الْمُضْمَرَاتِ فَمَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ بِعَيْنِهِ تَصْحِيحُ مَا اسْتَثْنَاهُ بَعْضُهُمْ.
أَقُولُ: يُحْتَمَلُ أَنَّ نُسْخَةَ الْقَائِلِ سَقَطَ مِنْهَا لَفْظُ " وَصُحِّحَ " الْمَوْجُودُ فِي نُسْخَةِ الْمُؤَلَّفِ الْمُتَدَاوَلَةِ عِنْدَنَا فَذَكَرَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ اعْتِمَادُ قَوْلِ الْأَكْثَرِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ: أَوَّلًا أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا وَبَعْضُهُمْ اسْتَثْنَى الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ فَحَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ الصَّحِيحَ دَلَّ عَلَى الِاخْتِيَارِ الْأَوَّلِ، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ سُقُوطِهَا لَكِنْ سَقَطَ مِنْ كَلَامِ الْقَائِلِ لَفْظُ عَدَمِ قَبْلَ قَوْلِهِ اعْتِمَادَ
(٣٩) قَوْلُهُ: صَحَّ الِاقْتِدَاءُ إلَخْ.
قَالَ الْحَصِيرِيُّ فِي الْحَاوِي عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
(٤٠) قَوْلُهُ: يَحْنَثُ قَضَاءً إلَخْ.
يَعْنِي إذَا رَكَعَ وَسَجَدَ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَهَذِهِ النُّسْخَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ لِأَنَّ مَا فِي الْخَانِيَّةِ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيهِ نَاوِيًا أَنْ لَا يَؤُمَّ
стр. 56
إلَّا إنْ أَشْهَدَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فَلَا يَحْنَثُ قَضَاءً، وَكَذَا لَوْ أَمَّ النَّاسَ هَذَا الْحَالِفُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ صَحَّتْ وَحَنِثَ قَضَاءً، ٤٢ - وَلَا يَحْنَثُ أَصْلًا إذَا أَمَّهُمْ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ
وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَؤُمَّ فُلَانًا فَأَمَّ النَّاسَ ٤٣ - نَاوِيًا أَنْ لَا يَؤُمَّهُ وَيَؤُمَّ غَيْرَهُ ٤٤ - فَاقْتَدَى بِهِ فُلَانٌ حَنِثَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ (انْتَهَى) .
وَلَكِنْ ٤٥ - لَا ثَوَابَ لَهُ عَلَى الْإِمَامَةِ.
٤٦ - وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ كَالصَّلَاةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: إلَّا إذَا أَشْهَدَ إلَخْ بِأَنْ أَشْهَدَ أَنَّهُ يُصَلِّي صَلَاةَ نَفْسِهِ وَلَا يَؤُمُّ أَحَدًا
(٤٢) قَوْلُهُ: وَلَا يَحْنَثُ أَصْلًا إلَخْ.
قَالَ قَاضِي خَانَ فِي فَتَاوِيهِ: لِأَنَّ يَمِينَهُ يَنْصَرِفُ إلَى الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ وَهِيَ الْمَكْتُوبَةُ وَالنَّافِلَةُ.
وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ (انْتَهَى) .
وَأَصْلًا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِانْتِفَاءِ الْحِنْثِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ الْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْفِعْلِ أَيْ انْتَفَى الْحِنْثُ انْتِفَاءً كُلِّيًّا أَوْ انْتِفَاءً مُتَلَبِّسًا بِالْكُلِّيَّةِ.
كَذَا قَرَّرَهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ فِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ.
(٤٣) قَوْلُهُ: نَاوِيًا أَنْ لَا يَؤُمَّهُ بِتَعْيِينِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَيَؤُمَّ مَعْطُوفًا عَلَى النَّفْيِ لَا عَلَى الْمَنْفِيِّ: قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَؤُمَّ فُلَانًا بِعَيْنِهِ فَصَلَّى وَنَوَى أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ فَصَلَّى ذَلِكَ الرَّجُلُ مَعَ النَّاسِ خَلْفَهُ حَنِثَ الْحَالِفُ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا نَوَى أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ دَخَلَ فِيهِمْ هَذَا الْوَاحِدُ (انْتَهَى) .
وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ وَيَؤُمَّ مَعْطُوفٌ عَلَى النَّفْيِ لَا عَلَى الْمَنْفِيِّ.
(٤٤) قَوْلُهُ: فَاقْتَدَى بِهِ فُلَانٌ إلَخْ.
لِأَنَّهُ لَمَّا نَوَى أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ دَخَلَ فِيهِمْ فُلَانٌ وَغَيْرُهُ، فَإِذَا اقْتَدَى بِهِ فُلَانٌ حَنِثَ لِوُجُودِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ.
(٤٥) قَوْلُهُ: لَا ثَوَابَ لَهُ إلَخْ.
أَيْ عَلَى إمَامَةِ مَنْ لَمْ يَنْوِ الصَّلَاةَ بِهِ أَمَّا مَنْ نَوَى الصَّلَاةَ بِهِمْ فَيُثَابُ عَلَى إمَامَتِهِمْ
(٤٦) قَوْلُهُ: وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ كَالصَّلَاةِ، أَيْ مِنْ جِهَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَى النِّيَّةِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ
стр. 57
وَكَذَا سَجْدَةُ الشُّكْرِ عَلَى قَوْلِ مِنْ يَرَاهَا ٤٨ - مَشْرُوعَةً. ٤٩ -
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي نِيَّتِهَا لَا فِي الْجَوَازِ
٥٠ - وَكَذَا سُجُودُ السَّهْوِ، ٥١ - وَلَا تَضُرُّهُ نِيَّةُ عَدَمِهِ وَقْتَ السَّلَامِ.
٥٢ - وَأَمَّا النِّيَّةُ لِلْخُطْبَةِ فِي الْجُمُعَةِ فَشَرْطٌ لِصِحَّتِهَا، حَتَّى لَوْ عَطَسَ بَعْدَ صُعُودِ الْمِنْبَرِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ لِلْعُطَاسِ غَيْرُ قَاصِدٍ لَهَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
مَقْصُودَةٌ، فَسَقَطَ مَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ نَظَرٌ.
لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ كَالصَّلَاةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، لِتَخَالُفِهِمَا فِي لُزُومِ الْحِنْثِ، كَمَا مَرَّ قَرِيبًا وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ مِثْلُهَا فِي اشْتِرَاطِ مَا يُشْتَرَطُ لَهَا مِنْ الْوُضُوءِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهِمَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ أَجْنَبِيَّةً عَنْ الْمَقَامِ
(٤٧) قَوْلُهُ: وَكَذَا سَجْدَةُ الشُّكْرِ إلَخْ.
يَعْنِي لَا بُدَّ فِي صِحَّتهَا مِنْ النِّيَّةِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ.
(٤٨) قَوْلُهُ: مَشْرُوعَةً أَيْ جَائِزَةً كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي فَنِّ الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ حَيْثُ قَالَ: إنَّ سَجْدَةَ الشُّكْرِ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا وَاجِبَةٌ وَهُوَ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً أَيْ وُجُوبًا (انْتَهَى) .
(٤٩) قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ إلَخْ.
أَقُولُ فَعَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَنِّ الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ خِلَافَ الْمُعْتَمَدِ
(٥٠) قَوْلُهُ: وَكَذَا سُجُودُ السَّهْوِ يَعْنِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْ النِّيَّةِ.
(٥١) قَوْلُهُ: وَلَا تَضُرُّهُ إلَخْ أَيْ لَا تَضُرُّ مَرِيدَ السُّجُودِ نِيَّةُ عَدَمِ السُّجُودِ وَقْتَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ أَيْ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِتْيَانِ بِهِ.
قِيلَ يَنْبَغِي ذِكْرُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: وَإِذَا نَوَى قَطَعَهَا لَا يَخْرُجُ عَنْهَا (انْتَهَى)
(٥٢) قَوْلُهُ: أَمَّا النِّيَّةُ إلَخْ.
فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَأَمَّا خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ فَفِي اشْتِرَاطِ نِيَّتِهَا خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهَا بِمَثَابَةِ رَكْعَتَيْنِ؛ وَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يَقْصِدَ غَيْرَهَا (انْتَهَى) .
أَقُولُ: ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهَا.
وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْعِنَايَةِ.
стр. 58
لَمْ تَصِحُّ، كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ
٥٤ - وَخُطْبَةُ الْعِيدَيْنِ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: يُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، ٥٥ - سِوَى تَقْدِيمِ الْخُطْبَةِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: لَمْ تَصِحَّ إلَخْ.
قِيلَ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
وَفِي رِوَايَةٍ يُجْزِيه ذَلِكَ
١ -
وَفِي الْخَانِيَّة وَلَوْ عَطَسَ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ يُرِيدُ التَّحْمِيدَ عَلَى الْعُطَاسِ، فَذَبَحَ لَا يَحِلُّ لِأَنَّ الشَّرْطَ ذِكْرُ اللَّهِ عَلَى الذَّبْحِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْقَصْدِ بِخِلَافِ الْخَطِيبِ إذَا عَطَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِهِ الْجُمُعَةُ (انْتَهَى) .
لَكِنَّ الْمَذْهَبَ مَا تَقَدَّمَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالذَّبْحِ عَلَى الرِّوَايَةِ الْقَائِلَةِ بِالْإِجْزَاءِ فِي الْخُطْبَةِ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الْخُطْبَةِ الذِّكْرُ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَقَدْ وُجِدَ.
وَفِي الذَّبِيحَةِ الْمَأْمُورُ بِهِ الذِّكْرُ عَلَيْهَا وَذَلِكَ بِأَنْ يَقْصِدَهُ (انْتَهَى) .
قُلْت هَذَا الْفَرْقُ يُومِئُ إلَيْهِ كَلَامُ قَاضِي خَانْ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي فُرُوقِ الْمَحْبُوبِي وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ آخِرُ الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ قُبَيْلَ قَوْلِهِ: تَكْمِيلٌ
(٥٤) قَوْلُهُ: خُطْبَةُ الْعِيدَيْنِ إلَخْ.
يُنْظَرُ حُكْمُ بَاقِي الْخُطَبِ، وَهِيَ خُطْبَةُ النِّكَاحِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ وَالْخُطَبِ الثَّلَاثَةِ فِي الْمَوْسِمِ هَلْ هِيَ كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ؟ هَكَذَا تَوَقَّفْت ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْعَلَّامَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْمَتْنِ: وَيُنْصِتُ الْمُؤْتَمُّ. وَكَذَا فِي الْخُطْبَةِ مَا نَصَّهُ: وَالْخُطْبَةُ شَامِلَةٌ لِخُطْبَةِ النِّكَاحِ وَالْمَوْسِمِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا مَرَّ.
وَاَلَّذِي مَرَّ فِي بَحْثِ الْأَوْقَاتِ، عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْمَتْنِ، وَيُكْرَهُ إذَا خَرَجَ لِلْخُطْبَةِ النَّفَلُ مَا نَصُّهُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَيُكْرَهُ عِنْدَ الْخُطْبَةِ النَّفَلُ لِيَشْتَمِلَ خُطْبَةَ النِّكَاحِ وَالْخُطَبَ الثَّلَاثَةَ فِي الْمَوْسِمِ؛ فَإِنَّ الِاسْتِمَاعَ وَاجِبٌ فِيهَا كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ (انْتَهَى) .
أَقُولُ وَيُخَالِفُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي خُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ نَقْلًا عَنْ الْمُنْيَةِ أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَكْرَهُ فِيهِ كَمَا يَكْرَهُ فِي الْجُمُعَةِ (انْتَهَى) .
وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَكْرَهُ فِيهِ إلَى آخِرِهِ أَيْ كَرَاهَةٌ كَالْكَرَاهَةِ فِي الْجُمُعَةِ وَحِينَئِذٍ لَا يَنْتَفِي أَصْلُ الْكَرَاهَةِ (٥٥)
قَوْلُهُ: سِوَى تَقْدِيمِ إلَخْ قِيلَ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْخُطْبَةَ شَرْطٌ.
لَكِنَّ تَقْدِيمَهَا لَيْسَ
стр. 59
وَأَمَّا الْأَذَانُ فَلَا تُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ ٥٧ - وَإِنَّمَا هِيَ شَرْطٌ لِلثَّوَابِ عَلَيْهِ
٥٨ - وَأَمَّا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، فَشَرْطُ الْجُرْجَانِيِّ لِصِحَّتِهِ النِّيَّةَ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ الْأَوَّلَ عَلَى مَا إذَا كَانَ يُصَلِّي فِي الصَّحْرَاءِ، وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا كَانَ يُصَلِّي إلَى مِحْرَابٍ، كَذَا فِي الْبِنَايَةِ.
وَأَمَّا سِتْرُ الْعَوْرَةِ فَلَا تُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ وَلَمْ أَرَ فِيهِ خِلَافًا.
٥٩ - وَلَا تُشْتَرَطُ لِلثَّوَابِ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ، بَلْ يُثَابُ عَلَى نِيَّتِهِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
بِشَرْطٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْخُطْبَةُ نَفْسُهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِيهِمَا أَصْلًا
(٥٦) قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْآذَانُ إلَى آخِرِهِ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَأَمَّا الْآذَانُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ (انْتَهَى) .
وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ فِي غَيْرِ الْمَشْهُورِ يُشْتَرَطُ لَهُ النِّيَّةُ.
(٥٧) قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا هِيَ شَرْطٌ إلَخْ.
أَقُولُ: يُخَالِفُ هَذَا مَا سَيَأْتِي فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ حَيْثُ نُقِلَ عَنْ الْعَيْنِيِّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ فَإِنَّ النِّيَّةَ فِي كَلَامِهِ نَكِرَةٌ وَقَعَتْ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ فَتَعُمَّ النَّفْيَ النِّيَّةُ لِلصِّحَّةِ وَالثَّوَابِ؛ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تُخَصَّ بِنَفْيِ النِّيَّةِ لِلصِّحَّةِ
(٥٨) قَوْلُهُ: وَأَمَّا اسْتِقْبَالُ إلَخْ.
قِيلَ: عَلَيْهِ عِبَارَتُهُ تُفِيدُ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ.
وَفِي الْقَرْمَانِيِّ مَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا نِيَّةُ الْكَعْبَةِ بَعْدَ مَا تَوَجَّهَ إلَيْهَا هَلْ تُشْتَرَط أَوْ لَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ تُشْتَرَطُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَامِدٍ لَا تُشْتَرَطُ، وَقَالَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ فِي تَجْنِيسِهِ لَا تُشْتَرَطُ فِي الصَّحِيحِ وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنْ كَانَ يُصَلِّي إلَى الْمَحَارِيبِ فَكَمَا قَالَ الْحَامِدِيُّ وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي فِي الصَّحْرَاءِ فَكَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ (انْتَهَى) .
وَفِيهِ تَأَمَّلْ
(٥٩) قَوْلُهُ: وَلَا تُشْتَرَطُ إلَخْ.
لِأَنَّهُ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ تَكُونُ بِوُجُودِ شَرَائِطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَالثَّوَابُ عَلَيْهَا بِوُجُودِ الْعَزِيمَةِ وَهُوَ الْإِخْلَاصُ فَإِنَّ مِنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجَسٍ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى صَلَّى، وَمَضَى عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ مُقَصِّرًا.
لَمْ يَجُزْ فِي الْحُكْمِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَيَسْتَحِقُّ
стр. 60
وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً بِغَيْرِ تَعَمُّدِهِ كَمَا لَوْ صَلَّى مُحْدِثًا عَلَى ظَنِّ طَهَارَتِهِ، ٦١ - وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ
وَأَمَّا الزَّكَاةُ؛ فَلَا يَصِحُّ أَدَاؤُهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَعَلَى هَذَا فَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ: أَنَّ مَنْ امْتَنَعَ عَنْ أَدَائِهَا أَخَذَهَا الْإِمَامُ كَرْهًا وَوَضَعَهَا فِي أَهْلِهَا، وَتُجْزِيهِ لِأَنَّهُ لِلْإِمَامِ وِلَايَةَ أَخْذِهَا، فَقَامَ أَخْذُهُ مَقَامَ دَفْعِ الْمَالِكِ بِاخْتِيَارِهِ. ٦٢ -
فَهُوَ ضَعِيفٌ. ٦٣ -
وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ كَرْهًا.
قَالَ فِي الْمُحِيطِ:
ــ
[غمز عيون البصائر]
الثَّوَابَ لِصِحَّةِ عَزِيمَتِهِ.
وَإِذَا صَلَّى رِيَاءً وَسُمْعَةً تَصِحُّ فِي الْحُكْمِ يَعْنِي لِوُجُودِ شَرَائِطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الثَّوَابَ لِفَقْدِ الْإِخْلَاصِ.
يَعْنِي لِعَدَمِ صِحَّةِ عَزِيمَتِهِ.
كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى شَرْحِ النَّافِعِ (٦٠) قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً إلَخْ.
أَيْ الْعِبَادَةُ لَا النِّيَّةُ وَإِنْ كَانَتْ أَقْرَبَ مَذْكُورًا وَلَوْ أَظْهَرَ الضَّمِيرَ لَكَانَ أُولَى.
(٦١) قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ حِوَالَةٌ غَيْرُ رَائِجَةٍ وَإِنَّا لَمْ نَعْثِرْ فِيمَا سَيَأْتِي عَلَى تَحْقِيقِ مَا ذَكَرَهُ هُنَا
(٦٢) قَوْلُهُ: ضَعِيفٌ إلَخْ.
قِيلَ: يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا نَوَى عِنْدَ أَخْذِهِ مِنْهُ أَوْ عَقِبَهُ، لِأَنَّ دِينَهُ وَنَتِيجَةَ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ كَيْ لَا يَضِيعُ مَالُهُ مَجَّانًا مَعَ إمْكَانِ تَحْصِيلِ الثَّوَابِ.
فَتَدَبَّرْ (انْتَهَى) .
وَقِيلَ عَلَيْهِ: الْمُصَرَّحُ بِهِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ؛ وَإِنْ نَوَى قَالَ فِي الصُّوفِيَّةِ: إذَا أَخَذَ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ وَنَوَى أَدَاءَ الزَّكَاةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
وَفِي الْوَاقِعَاتِ: السُّلْطَانُ إذَا أَخَذَ الصَّدَقَاتِ وَنَوَى بِأَدَائِهَا إلَيْهِ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِ، الْأَحْوَطُ أَنْ يُفْتَى بِالْأَدَاءِ.
ثَانِيًا كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ لِانْعِدَامِ الْفَقِيرِ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ الصَّحِيحُ (انْتَهَى) .
عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: أَوْ عَقِبَهُ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ لِمَا سَيَأْتِي فِي الْبَحْثِ السَّابِعِ مِنْ النِّيَّةِ: أَنَّهُ هَلْ تَجُوزُ الزَّكَاةُ بِنِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْ الْأَدَاءِ؟ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لَوْ دَفَعَهَا بِلَا نِيَّةٍ ثُمَّ نَوَى بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا فِي يَدِ الْفَقِيرِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا.
(٦٣) قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ عَدَمُ الْأَخْذِ كَرْهًا، أَيْ عَدَمُ إجْزَاءِ الزَّكَاةِ
стр. 61
وَمَنْ امْتَنَعَ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ فَالسَّاعِي لَا يَأْخُذُ مِنْهُ الزَّكَاةَ كَرْهًا، وَلَوْ أَخَذَ لَا يَقَعُ عَنْ الزَّكَاةِ لِكَوْنِهَا بِلَا اخْتِيَارٍ، ٦٤ - وَلَكِنْ يُجْبِرُهُ بِالْحَبْسِ لِيُؤَدِّيَ بِنَفْسِهِ (انْتَهَى) وَخَرَجَ عَنْ اشْتِرَاطِهَا لَهَا.
، ٦٥ - مَا إذَا تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ النِّصَابِ بِلَا نِيَّةٍ فَإِنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ عَنْهُ.
٦٦ - وَاخْتَلَفُوا فِي سُقُوطِ زَكَاةِ الْبَعْضِ إذَا تَصَدَّقَ بِهِ، وَقَالُوا وَتُشْتَرَطُ نِيَّةُ التِّجَارَةِ فِي الْعُرُوضِ
٦٧ - وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً لِلتِّجَارَةِ، فَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا لِلْقَنِيَّةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
كَرْهًا أَقُولُ.
كَلَامُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
فَإِنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ فِي الْبَاطِنَةِ دُونَ الظَّاهِرَةِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْمُضْمَرَاتِ.
وَحَمْلُهُ عَلَى زَكَاةِ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ يَمْنَعُ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَمَنْ امْتَنَعَ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ فَالسَّاعِي لَا يَأْخُذُهَا مِنْهُ كَرْهًا.
فَإِنَّ السَّاعِيَ لَا يَأْخُذُ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ لِأَنَّ الدَّفْعَ فِيهَا إلَى الْفُقَرَاءِ مُفَوَّضٌ إلَى أَرْبَابِهَا.
(٦٤) قَوْلُهُ: وَلَكِنْ يَجْبُرُهُ إلَخْ.
قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ: ثُمَّ الزَّكَاةُ تَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي فِي رِوَايَةِ ابْنِ شُجَاعٍ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ عَلَى الْفَوْرِ، وَعَنْهُ إذَا حَالَ عَلَيْهِ حَوْلَانِ وَلَمْ يُؤَدِّ أَثِمَ وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ.
وَإِذَا وَقَفَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ عَزَّرَهُ وَحَبَسَهُ وَطَالَبَهُ (انْتَهَى) .
وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا أَعْنِي التَّعْزِيرَ وَالْحَبْسَ فِي زَكَاةِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ لَا الْبَاطِنَةِ، إذْ الدَّفْعُ فِيهَا إلَى الْفُقَرَاءِ مُفَوَّضٌ إلَى أَرْبَابِهَا فَلَا مُطَالَبَةَ لِلْإِمَامِ فِيهَا
(٦٥) قَوْلُهُ: مَا إذَا تَصَدَّقَ إلَخْ: قِيلَ لَفْظُ التَّصَدُّقِ يُشْعِرُ بِأَنَّ نِيَّةَ أَصْلِ الْعِبَادَةِ وُجِدَتْ، وَهِيَ كَافِيَةٌ، وَنِيَّةُ الْفَرْضِ إنَّمَا تُشْتَرَطُ لِلْمُزَاحَمَةِ بَيْنَ الْجُزْءِ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ وَسَائِرِ أَجْزَائِهِ.
وَفِي أَدَاءِ الْكُلِّ تَحَقُّقُ أَدَاءِ الْوَاجِبِ، فَلَا يُحْتَاجُ إلَى التَّعْيِينِ لِصَيْرُورَةِ الْوَاجِبِ مُتَعَيَّنًا بِدَفْعِهِ بِخِلَافِ التَّصَدُّقِ بِالْبَعْضِ
(٦٦) قَوْلُهُ: وَاخْتَلَفُوا إلَخْ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَسْقُطُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَسْقُطُ لِأَنَّ الْوَاجِبَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ وَمُحَمَّدٌ ﵀ اعْتَبَرَ الْجُزْءَ بِالْكُلِّ
(٦٧) قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ إلَخْ: لَكِنْ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ إلَّا إذَا اتَّجَرَ لِأَنَّ التِّجَارَةَ
стр. 62
نَاوِيًا أَنَّهُ إنْ وَجَدَ رِبْحًا بَاعَهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ نَوَى التِّجَارَةَ فِيمَا خَرَجَ مِنْ أَرْضِهِ الْعُشْرِيَّةُ أَوْ الْخَرَاجِيَّةُ أَوْ الْمُسْتَأْجَرَةُ أَوْ الْمُسْتَعَارَةُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
فِعْلٌ لَا يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَتَحْقِيقُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ الزَّكَاةَ قَدْ اُعْتُبِرَ فِي نِصَابِهَا النَّمَاءُ وَالنَّمَاءُ عَلَى قِسْمَيْنِ: خِلْقِيٌّ وَفِعْلِيٌّ.
فَالْأَوَّلُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالثَّانِي مَا يَكُونُ بِإِعْدَادِ الْعَبْدِ كَالْعُرُوضِ.
فَالْأَوَّلُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ التِّجَارَةِ وَالثَّانِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا.
غَيْرَ أَنَّ التِّجَارَةَ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ فَلَا يَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِهَا بِعَمَلٍ هُوَ تِجَارَةٌ.
حَتَّى لَوْ اشْتَرَى ثِيَابًا لِلْبِذْلَةِ ثُمَّ نَوَى بِهَا التِّجَارَةَ لَا تَكُونُ لَهَا مَا لَمْ يَبِعْهَا لِيَكُونَ بَذْلُهَا لِلتِّجَارَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى فِيمَا هُوَ لِلتِّجَارَةِ أَنْ يَكُونَ لِلْخِدْمَةِ حَيْثُ يَصِحُّ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لِأَنَّ التُّرُوكَ يُكْتَفَى فِيهَا بِمُجَرَّدِهَا.
وَنَظِيرُهَا السَّفَرُ وَالْفِطْرُ وَالْإِسْلَامُ.
زَادَ الشَّارِحُ وَكَوْنُهُ عَلُوفَةً لَا يَثْبُتُ وَاحِدٌ مِنْهَا إلَّا بِالْعَمَلِ، وَتَثْبُتُ أَضْدَادُهَا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ.
وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الْفَتْحِ أَنَّ السَّائِمَةَ تَصِيرُ عَلُوفَةً بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ.
وَوَقَفَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَحْرِ بِحَمْلِ مَا فِي الشَّرْحِ عَلَى مَا إذَا وَقَعَتْ النِّيَّةُ وَهِيَ فِي الْمَرْعَى، وَمَا فِي الْفَتْحِ عَلَى مَا إذَا وَقَعَتْ النِّيَّةُ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ.
قَالَ فِي النَّهْرِ: وَفِي الدِّرَايَةِ مَا يُخَالِفُهُمَا ثُمَّ نِيَّةُ التِّجَارَةِ قَدْ تَكُونُ صَرِيحَةً وَقَدْ تَكُونُ دَلَالَةً.
فَالْأَوْلَى أَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ عَقْدِ التِّجَارَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَمْلُوكُ بِهِ لِلتِّجَارَةِ، سَوَاءً كَانَ الْعَقْدُ شِرَاءً أَوْ إجَارَةً لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الثَّمَنِ نَقْدًا أَوْ عَرْضًا.
أَمَّا الْعَرْضُ الْمَمْلُوكُ بِالْإِرْثِ فَلَا تَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ التِّجَارَةِ إجْمَاعًا إلَّا إذَا تَصَرَّفَ فِيهِ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ؛ يَعْنِي وَنَوَى وَقْتَ التَّصَرُّفِ أَنْ يَكُونَ بَذْلَةً لِلتِّجَارَةِ، وَلَا تَكْفِيهِ النِّيَّةُ السَّابِقَةُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْبَحْرِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ وَرِثَ سَائِمَةً كَانَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ إذَا حَالَ الْحَوْلُ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ.
وَيَلْحَقُ بِالْإِرْثِ مَا دَخَلَهُ مِنْ حُبُوبِ أَرْضِهِ فَنَوَى إمْسَاكَهَا لِلتِّجَارَةِ فَلَا تَجِبُ لَوْ بَاعَهَا بَعْدَ حَوْلٍ.
وَأَمَّا الدَّلَالَةُ فَهِيَ أَنْ يَشْتَرِيَ عَيْنًا مِنْ الْأَعْيَانِ بِغَرَضِ التِّجَارَةِ أَوْ يُؤَاجِرَ دَارِهِ الَّتِي لِلتِّجَارَةِ بِعَرْضٍ مِنْ الْعُرُوضِ فَتَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ التِّجَارَةَ صَرِيحًا.
لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ: الِاخْتِلَافُ فِي بَدَلِ مَنَافِعِ عَيْنٍ مُعَدٍّ لِلتِّجَارَةِ فَفِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ الْأَصْلِ أَنَّهُ لِلتِّجَارَةِ بِلَا نِيَّةٍ.
وَفِي الْجَامِعِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّوَقُّفِ عَلَى النِّيَّةِ فَكَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ وَمَشَايِخُ بَلْخِي كَانُوا
стр. 63
وَلَوْ قَارَنَتْ مَا لَيْسَ بَدَلَ مَالٍ بِمَالِ، كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْخَلْعِ وَالْمَهْرِ وَالْوَصِيَّةِ، ٦٩ - لَا تَصِحُّ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَفِي السَّائِمَةِ لَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ إسَامَتِهَا لِلدَّرِّ وَالنَّسْلِ أَكْثَرُ الْحَوْلِ، فَإِنْ قُصِدَ بِهِ التِّجَارَةُ فَفِيهَا زَكَاةُ التِّجَارَةِ إنْ قَارَنَتْ الشِّرَاءَ وَإِنْ قُصِدَ بِهِ الْحَمْلُ وَالرُّكُوبُ أَوْ الْأَكْلُ فَلَا زَكَاةَ أَصْلًا.
وَأَمَّا النِّيَّةُ فِي الصَّوْمِ فَشَرْطُ صِحَّتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ ٧٠ - وَلَوْ عَلَّقَهَا بِالْمَشِيئَةِ صَحَّتْ ٧١ - لِأَنَّهَا إنَّمَا تُبْطِلُ الْأَقْوَالَ، وَالنِّيَّةُ لَيْسَتْ مِنْهَا، وَالْفَرْضُ وَالسُّنَّةُ وَالنَّفَلُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
يُصَحِّحُونَ رِوَايَةَ الْجَامِعِ
(٦٨) قَوْلُهُ: وَلَوْ قَارَنَتْ مَا لَيْسَ إلَخْ.
قِيلَ: لَكِنْ إذَا اتَّجَرَ فِيهَا هَلْ يُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ وَقْتِ نِيَّةِ التِّجَارَةِ؟ أَوْ مِنْ وَقْتِ التِّجَارَةِ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ (انْتَهَى) .
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ وَقْتِ التِّجَارَةِ لِأَنَّهُ وَقْتُ تَعَلُّقِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ بِالذِّمَّةِ.
(٦٩) قَوْلُهُ: لَا تَصِحُّ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَصِحُّ؛ وَقِيلَ الْخِلَافُ عَلَى الْعَكْسِ وَرَجَّحَ الصِّحَّةَ فِي الْفَتْحِ، وَصَحَّحَ عَدَمَهَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِيهَا: لَوْ اسْتَقْرَضَ عَرَضًا وَنَوَى أَنْ يَكُونَ لِلتِّجَارَةِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ.
وَإِلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْجَامِعِ.
كَذَا فِي النَّهْرِ
(٧٠) قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلَّقَهَا بِالْمَشِيئَةِ صَحَّتْ إلَخْ. أَيْ وَلَوْ عَلَّقَ النِّيَّةَ بِالْمَشِيئَةِ صَحَّتْ، سَوَاءٌ كَانَتْ نِيَّةَ صَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَا نِيَّةَ الصَّوْمِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ.
فَإِنَّ التَّعْلِيلَ يَدْفَعُهُ وَمَسْأَلَةُ صِحَّةِ تَعْلِيقِ النِّيَّةِ بِالْمَشِيئَةِ صَرَّحَ بِهَا فِي الْخُلَاصَةِ وَصَحَّحَهَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ (٧١) قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا إنَّمَا تُبْطِلُ.
قِيلَ: يُشَكَّلُ عَلَى هَذَا مَا فِي الْفَوَائِدِ التَّاجِيَّةِ: لَوْ وَكَّلَهُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ صَحَّ التَّوْكِيلُ وَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ.
وَلَوْ قَالَ أَمْرُكِ بِيَدِك إنْ شَاءَ اللَّهُ صَحَّ وَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا لِأَنَّهُ تَفْوِيضٌ بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ (انْتَهَى) .
стр. 64
فِي أَصْلِهَا سَوَاءٌ.
وَأَمَّا النِّيَّةُ فِي الْحَجِّ فَهِيَ شَرْطُ صِحَّتِهِ أَيْضًا فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا وَالْعُمْرَةُ كَذَلِكَ، ٧٣ - وَلَا تَكُونُ إلَّا سُنَّةً
٧٤ - وَالْمَنْذُورُ كَالْفَرْضِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَقْوَالِ يَشْتَمِلُ الْأَوَامِرَ.
وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ.
قَالَ فِي الْعِمَادِيَّةِ: الِاسْتِثْنَاءُ هَلْ يُعْمَلُ فِي الْأَوَامِرِ؟ قِيلَ: يُعْمَلُ وَقِيلَ: لَا.
وَصَرَّحَ بِأَنَّ: إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الصَّوْمِ لِطَلَبِ التَّوْفِيقِ.
فَظَهَرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِيهِ لِلِاسْتِثْنَاءِ حَتَّى يُقَالُ أَنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ مِنْ الْأَقْوَالِ فَلَا تَبْطُلُ بِالِاسْتِثْنَاءِ (٧٢)
قَوْلُهُ: فِي أَصْلِهَا سَوَاءٌ
أَيْ النِّيَّةُ فَتَكُونَ شَرْطًا لِصِحَّةِ مَا ذَكَرَهُ عَلَى السَّوَاءِ وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ التَّعْيِينِ وَعَدَمِهِ فَتَخْتَلِفُ وَكَذَا النِّيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى فَرْضِ الصَّلَاةِ وَوَاجِبِهَا وَسُنَّتِهَا وَنَفْلِهَا.
سَوَاءٌ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِنْ جِهَةِ التَّعْيِينِ وَعَدَمِهِ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ.
(٧٣) قَوْلُهُ: وَلَا تَكُونُ إلَّا سُنَّةً.
يَعْنِي مُؤَكَّدَةً وَهُوَ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ بَلْ صَرَّحَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ يَعْنِي بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَّا فَقَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً بِالنَّذْرِ.
وَقَدْ حَكَى ابْن وَهْبَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَنْظُومَتِهِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ فَقَالَ
وَمِنْ اعْتِمَارٍ وَافْتَرَضَهُ كِفَايَةً ... وَأَكَّدُوا وَجَبَ وَالْجَمِيعُ مُقَرَّرٌ
(٧٤) قَوْلُهُ: وَالْمَنْذُورُ كَالْفَرْضِ. يَعْنِي فِي الِاحْتِيَاجِ إلَى النِّيَّةِ لِلصِّحَّةِ، وَفِي التَّعْيِينِ وَالتَّشْبِيهِ مَبْنِيٌّ أَنَّ الْمَنْذُورَ وَاجِبٌ لَا فَرْضٌ.
وَفِيهِ كَلَامٌ يُعْلَمُ بِمُرَاجَعَةٍ إلَى فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ كِتَابِ الصَّوْمِ.
قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ كِتَابِ الصَّوْمِ مَا نَصُّهُ: فَإِنْ قِيلَ لِمَ كَانَ الْمَنْذُورُ وَاجِبًا مَعَ أَنَّ ثُبُوتَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ عَامٌّ دَخَلَهُ الْخُصُوصُ فَإِنَّهُ خَصَّ مِنْهُ النَّذْرَ بِالْمَعْصِيَةِ، وَبِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ كَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ لَوْ كَانَ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِنَفْسِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ، حَتَّى لَوْ نَذَرَ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَمْ يَلْزَمْ.
فَصَارَتْ النِّيَّةُ كَالْآيَةِ الْمُؤَوَّلَةِ فَيُفِيدُ الْوُجُوبَ
стр. 65
وَلَوْ نَذَرَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لَا تَلْزَمُهُ إلَّا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ كَمَا لَوْ نَذَرَ الْأُضْحِيَّةَ.
وَالْقَضَاءُ فِي الْكُلِّ كَالْأَدَاءِ مِنْ جِهَةِ أَصْلِ النِّيَّةِ.
٧٦ - وَأَمَّا الِاعْتِكَافُ فَهِيَ شَرْطُ صِحَّتِهِ وَاجِبًا كَانَ أَوْ سُنَّةً أَوْ نَفْلًا.
٧٧ - أَمَّا الْكَفَّارَاتُ فَالنِّيَّةُ شَرْطُ صِحَّتِهَا عِتْقًا أَوْ صِيَامًا أَوْ إطْعَامًا.
٧٨ - وَأَمَّا الضَّحَايَا فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ النِّيَّةِ، لَكِنْ عِنْدَ الشِّرَاءِ لَا عِنْدَ الذَّبْحِ.
وَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهَا بِنِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ فَذَبَحَهَا غَيْرُهُ بِلَا إذْنٍ، فَإِنْ أَخَذَهَا مَذْبُوحَةً وَلَمْ يَضْمَنْهُ أَجْزَأَتْهُ، وَإِنْ ضَمِنَهُ لَا تُجْزِيهِ كَمَا فِي أُضْحِيَّةِ الذَّخِيرَةِ، وَهَذَا إذَا ذَبَحَهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا إذَا ذَبَحَهَا عَنْ مَالِكِهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. .
وَهَلْ تَتَعَيَّنُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَلَوْ نَذَرَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ إلَخْ.
يَعْنِي لِعَدَمِ صِحَّةِ النَّذْرِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَنْذُورُ وَاجِبًا.
وَفِي خُلَاصَةِ الْفَتَاوَى: وَلَوْ قَالَ الْمَرِيضُ إنْ عَافَانِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَرَضِي هَذَا فَعَلَيَّ حَجَّةٌ، فَبَرَأَ فَلَزِمَتْهُ حَجَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِلَّهِ لِأَنَّ الْحَجَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِلَّهِ وَلَوْ بَرَأَ وَحَجَّ جَازَ ذَلِكَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
يَعْنِي وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى لِلنَّذْرِ.
وَلَوْ نَوَى غَيْرَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ (انْتَهَى) .
قَوْلُهُ: مِنْ جِهَةِ أَصْلِ النِّيَّةِ وَالتَّعْيِينِ إلَّا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي أَدَائِهِ
(٧٦) قَوْلُهُ: وَأَمَّا الِاعْتِكَافُ إلَخْ.
فِيهِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ لَا يَكُونُ إلَّا سُنَّةً أَوْ نَفْلًا.
فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا إلَّا أَنْ يُرَادَ الْوُجُوبُ بِطَرِيقِ النَّذْرِ لَا بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى
(٧٧) قَوْلُهُ: أَمَّا الْكَفَّارَاتُ إلَخْ.
لَكِنَّ الْكَفَّارَاتِ إذَا كَانَتْ بِالصَّوْمِ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُبَيَّتَةً
(٧٨) قَوْلُهُ: وَأَمَّا الضَّحَايَا إلَخْ.
قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ قَدْ تَكْفِي النِّيَّةُ عِنْدَ الشِّرَاءِ عَنْ النِّيَّةِ وَقْتَ الذَّبْحِ.
وَكَوْنُهَا شَرْطًا عِنْدَ الشِّرَاءِ مَمْنُوعٌ، لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهَا لِلتِّجَارَةِ مَثَلًا فِي يَوْمِ الْأُضْحِيَّةِ وَذَبَحَهَا وَنَوَى الْأُضْحِيَّةَ تُجْزِيهِ بِلَا شَكٍّ.
وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الذَّخِيرَةِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا عِنْدَ الذَّبْحِ، لَا عَلَى اشْتِرَاطِهَا عِنْدَ الشِّرَاءِ
стр. 66
الْأُضْحِيَّةُ بِالنِّيَّةِ؟ قَالُوا: إنْ كَانَ فَقِيرًا وَقَدْ اشْتَرَاهَا بِنِيَّتِهَا ٧٩ - تَعَيَّنَتْ فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهَا وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا لَمْ تَتَعَيَّنْ. ٨٠ -
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ مُطْلَقًا فَيَتَصَدَّقُ بِهَا الْغَنِيُّ بَعْدَ أَيَّامِهَا حَيَّةً. ٨١ -
وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهَا مَقَامَهَا، كَمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ. قَالُوا: وَالْهَدَايَا كَالضَّحَايَا
٨٢ - وَأَمَّا الْعِتْقُ فَعِنْدَنَا لَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَضْعًا بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ مِنْ الْكَافِرِ وَلَا عِبَادَةَ لَهُ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: تَعَيَّنَتْ إلَخْ.
بِشَرْطِ أَنْ يَتَلَفَّظَ الْفَقِيرُ بِلِسَانٍ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَلَفَّظْ فَلَا تَتَعَيَّنُ.
(٨٠) قَوْلُهُ: وَلِلصَّحِيحِ إلَخْ.
قِيلَ لَا يَلْزَمُ إذَا نَوَى بِهِ أَنْ يُضَحِّيَ. وَلَمْ يَتَلَفَّظْ وَقْتَ شِرَائِهَا.
لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي غَنِيًّا لَا تَجِبُ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ فَلَهُ بَيْعُهَا وَإِنْ فَقِيرًا، ذَكَرَ فِي الشَّافِي أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالنِّيَّةِ وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا.
إلَّا أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَا.
(٨١) قَوْلُهُ: وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهَا مَقَامَهَا إلَخْ.
كَذَا فِي النُّسَخِ وَقِيلَ: عَلَيْهِ يَتَأَمَّلُ فِي هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ فَإِنَّهُ مُنَافٍ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَلَعَلَّ مُرَادَهُ إذَا هَلَكَتْ (انْتَهَى) .
أَقُولُ: فَعَلَى هَذَا فَتَكُونُ الْإِقَامَةُ عَلَى الْغَنِيِّ إذَا هَلَكَتْ لَيْسَ بِوَاجِبَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعَيْنِيِّ وَغَيْرُهُ بِخِلَافِ الْفَقِيرِ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ اللَّامُ فِي لِقَوْلِهِ لَهُ بِمَعْنَى " عَلَى " عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]
(٨٢) قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْعِتْقُ.
فَعِنْدَنَا لَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَضْعًا، يَعْنِي وَإِنْ كَانَ قُرْبَةً، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ مَا تَعَبَّدَ بِهِ بِشَرْطِ النِّيَّةِ وَمَعْرِفَةِ الْمَعْبُودِ، وَالْقُرْبَةُ مَا تَقَرَّبَ بِهِ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ الْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ وَهِيَ تُوجَدُ بِدُونِ الْعِبَادَةِ فِي الْقُرْبَةِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ مِنْ الْقُرُبَاتِ
стр. 67
فَإِنْ نَوَى وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ عِبَادَةً مُثَابًا عَلَيْهَا، وَإِنْ أَعْتَقَ بِلَا نِيَّةٍ صَحَّ وَلَا ثَوَابَ لَهُ ٨٤ - إنْ كَانَ صَرِيحًا.
٨٥ - وَأَمَّا الْكِنَايَاتُ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ النِّيَّةِ ٨٦ - فَإِنْ أَعْتَقَ لِلصَّنَمِ أَوْ لِلشَّيْطَانِ صَحَّ وَأَثِمَ.
وَإِنْ أَعْتَقَ لِأَجْلِ مَخْلُوقٍ صَحَّ، وَكَانَ مُبَاحًا لَا ثَوَابَ وَلَا إثْمَ. ٨٧ -
وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّصَ الْإِعْتَاقُ لِلصَّنَمِ بِمَا إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ كَافِرًا، أَمَّا الْمُسْلِمُ إذَا أَعْتَقَ لَهُ قَاصِدًا تَعْظِيمَهُ كَفَرَ، كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِعْتَاقُ لِمَخْلُوقٍ مَكْرُوهًا.
وَالتَّدْبِيرُ وَالْكِنَايَةُ كَالْعِتْقِ.
وَأَمَّا الْجِهَادُ، فَمِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ، ٨٨ - فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ خُلُوصِ النِّيَّةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَإِنْ نَوَى إلَخْ.
أَيْ الْمُعْتِقُ الْمُسْلِمُ وَلَا يَصِحُّ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى الْكَافِرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ.
(٨٤) قَوْلُهُ: إنْ كَانَ صَرِيحًا قُيِّدَ فِي قَوْلِهِ صَحَّ.
وَلَوْ ذَكَرَهُ عَقِبَهُ لَكَانَ أَوْلَى.
وَمِمَّا أُلْحِقَ بِالصَّرِيحِ: وَهَبْت لَك نَفْسَك أَوْ نَفْسُك مِنْك، فَيُعْتَقُ.
قِيلَ أَوْ لَمْ يُقْبَلُ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ وَلَوْ تَلَفَّظَ بِالْعِتْقِ مُهَجِّيًا بِأَنْ قَالَ أَنْتَ حِينَئِذٍ وَكَانَ كِنَايَةً يَعْتِقُ بِالنِّيَّةِ كَذَا قِيلَ وَفِيهِ تَأَمَّلْ
(٨٥) قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْكِنَايَةُ أَيْ كِنَايَةُ الْعِتْقِ.
(٨٦) قَوْلُهُ: وَإِنْ أَعْتَقَ لِلصَّنَمِ إلَخْ وَإِنَّمَا صَحَّ الْإِعْتَاقُ لِوُجُودِ رُكْنِهِ الْمُؤَثِّرِ فِي إزَالَةِ الرِّقِّ وَصِفَةُ الْقُرْبَةِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا.
(٨٧) قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّصَ إلَخْ.
مِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ لِلْمُصَنِّفِ.
قِيلَ لَيْسَ لَفْظُ يَنْبَغِي هُنَا لِلْحَثِّ بَلْ بِمَعْنَى يَجِبُ؛ كَمَا فِي قَوْلِ الْقُدُورِيِّ: وَيَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَلْتَمِسُوا الْهِلَالَ فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ
(٨٨) قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ خُلُوصِ النِّيَّةِ، أَيْ النِّيَّةِ الْخَالِصَةِ ظَاهِرَةً فِي حُصُولِ
стр. 68
وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ فَكَالْعِتْقِ إنْ قَصَدَ التَّقَرُّبَ فَلَهُ الثَّوَابُ، وَإِلَّا فَهِيَ صَحِيحَةٌ فَقَطْ.
وَأَمَّا الْوَقْفُ فَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَضْعًا بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ مِنْ الْكَافِرِ، ٩٠ - فَإِنْ نَوَى الْقُرْبَةَ فَلَهُ الثَّوَابُ، وَإِلَّا فَلَا
٩١ - وَأَمَّا النِّكَاحُ فَقَالُوا إنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْعِبَادَاتِ حَتَّى أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي لِمَحْضِ الْعِبَادَةِ، وَهُوَ عِنْدَ الِاعْتِدَالِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، فَيَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ ٩٢ - لِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ إعْفَافَ نَفْسِهِ وَتُحْصِينَهَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
الثَّوَابِ لَا الصِّحَّةِ، لِأَنَّ الثَّوَابَ بُنِيَ عَلَى وُجُودِ الْعَزِيمَةِ وَهُوَ الْإِخْلَاصُ وَأَمَّا الصِّحَّةُ فَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِخْلَاصِ، بَلْ عَلَى أَصْلِ النِّيَّةِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ صَلَّى رِيَاءً صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَكَانَ غَيْرَ مُثَابٍ عَلَيْهَا فَكَذَلِكَ الْجِهَادُ
(٨٩) قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ فَكَالْعِتْقِ إلَخْ.
يَعْنِي فِي الِاحْتِيَاجِ إلَى النِّيَّةِ لِحُصُولِ الثَّوَابِ.
قَوْلُهُ: فَإِنْ نَوَى الْقُرْبَةَ يَعْنِي الْوَاقِفُ الْمُسْلِمُ لَا الْكَافِرُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلنِّيَّةِ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِهَا الْإِسْلَامَ
(٩١) قَوْلُهُ: وَأَمَّا النِّكَاحُ.
الْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ هُنَا الْوَطْءُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْعَقْدِ الصَّحِيحِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: حَتَّى أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي لِمَحْضِ الْعِبَادَةِ.
وَقَدْ اسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ عَلَى ذَلِكَ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ السُّنَنَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى النَّوَافِلِ بِالْإِجْمَاعِ، الثَّانِي أَنَّهُ أَوْعَدَ عَلَى تَرْكِ السَّنَةِ وَلَا وَعِيدَ عَلَى تَرْكِ النَّافِلَةِ، الثَّالِثُ أَنَّهُ فَعَلَهُ ﷺ وَوَاظَبَ عَلَيْهِ وَثَبَتَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَمْ يَتَخَلَّ عَنْهُ بَلْ كَانَ يَزِيدُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ التَّخَلِّي لِلنَّوَافِلِ أَفْضَلَ لَفَعَلَهُ وَإِذَا ثَبَتَ أَفْضَلِيَّةٌ فِي حَقِّهِ ثَبَتَ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّرَائِعِ هُوَ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ وَالرَّابِعُ أَنَّهُ سَبَبٌ مُوَصِّلٌ إلَى مَا هُوَ مُفَضَّلٌ عَلَى النَّوَافِلِ، لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِصِيَانَةِ النَّفْسِ عَنْ الْفَاحِشَةِ وَلِصِيَانَةِ نَفْسِهَا عَنْ الْهَلَاكِ بِالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى وَاللِّبَاسِ وَلِحُصُولِ الْوَلَدِ الْمُوَحِّدِ.
وَأَمَّا مَدْحُهُ يَحْيَى ﵊ بِكَوْنِهِ سَيِّدًا وَحَصُورًا وَهُوَ مَنْ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ مَعَ الْقُدْرَةِ فَهُوَ مِنْ شَرِيعَتِهِمْ لَا فِي شَرِيعَتِنَا.
(٩٢) قَوْلُهُ: لِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ يَعْنِي لَا لِلصِّحَّةِ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ قَرِيبًا لِأَنَّهُ لَيْسَ
стр. 69
وَحُصُولَ وَلَدٍ.
وَفَسَّرْنَا الِاعْتِدَالَ ٩٣ - فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ شَرْحِ الْكَنْزِ، لَمْ تَكُنْ النِّيَّةُ فِيهِ شَرْطُ صِحَّتِهِ،
قَالُوا: يَصِحُّ النِّكَاحُ مَعَ الْهَزْلِ، لَكِنْ ٩٤ - قَالُوا حَتَّى لَوْ عَقَدَ بِلَفْظٍ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ فَفِيهِ خِلَافٌ.
وَالْفَتْوَى عَلَى صِحَّتِهِ، ٩٥ - عَلِمَ الشُّهُودُ أَوْ لَا، كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ. ٩٦ -
وَعَلَى هَذَا سَائِرُ الْقُرُبِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ النِّيَّةِ، بِمَعْنَى تَوَقُّفِ حُصُولِ الثَّوَابِ عَلَى قَصْدِ التَّقَرُّبِ بِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَشْرِ الْعِلْمِ تَعْلِيمًا وَإِفْتَاءً وَتَصْنِيفًا.
ــ
[غمز عيون البصائر]
عِبَادَةً بَلْ قَرِيبًا مِنْهَا وَإِنَّمَا يَصِيرُ عِبَادَةً بِالنِّيَّةِ (٩٣)
قَوْلُهُ: فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ إلَخْ.
وَصَفَ الشَّرْحَ بِكَوْنِهِ كَبِيرًا لِلْكَشْفِ وَبَيَانِ الْوَاقِعِ لَا لِلِاحْتِرَازِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرْحٌ صَغِيرٌ وَعِبَارَتُهُ فِي الشَّرْحِ الَّتِي أَحَالَ عَلَيْهَا نَصَّهَا حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَالْمُرَادُ بِهِ حَالَةُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوَطْءِ وَالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ مَعَ عَدَمِ الْخَوْفِ مِنْ الزِّنَا وَالْجَوْرِ وَتَرْكِ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ.
فَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ أَوْ خَافَ وَاحِدًا مِنْ الثَّلَاثَةِ فَلَيْسَ مُعْتَدِلًا فَلَمْ يَكُنْ سُنَّةً فِي حَقِّهِ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْبَدَائِعِ.
(٩٤) قَوْلُهُ: قَالُوا: لَوْ عَقَدَ بِلَفْظٍ إلَخْ.
أَقُولُ: هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ فَهْمَ الشَّاهِدَيْنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ شَرْطٌ كَمَا اخْتَارَهُ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ سَمَاعُهُمَا مَعًا مَعَ الْفَهْمِ.
(٩٥) قَوْلُهُ: عَلِمَ الشُّهُودُ أَوْ لَا إلَخْ.
أَقُولُ: فِيهِ إيذَانٌ بِأَنَّ فَهْمَ الشَّاهِدَيْنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ: يُشْتَرَطُ السَّمَاعُ وَالْفَهْمُ وَهُوَ الصَّحِيحُ (انْتَهَى) .
فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي ذَلِكَ.
(٩٦) قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا سَائِرُ الْقُرَبِ إلَخْ: أَيْ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ النِّكَاحَ يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ لِتَحْصِيلِ ثَوَابِ بَاقِي الْقُرَبِ، الْقُرَبُ جَمْعُ قُرْبَةٍ وَهِيَ مَا كَانَ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنْهُ رَجَاءَ الثَّوَابِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ الْقُرْبَةُ مَا يَصِيرُ بِهِ الْمُتَقَرِّبُ مَثُوبًا وَقِيلَ هِيَ الطَّاعَةُ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ طَاعَةً وَلَا يَكُونُ قُرْبَةً، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقُرْبَةِ
стр. 70
وَأَمَّا الْقَضَاءُ، فَقَالُوا إنَّهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ، فَالثَّوَابُ عَلَيْهِ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهَا
٩٨ - وَكَذَلِكَ إقَامَةُ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ، وَكُلِّ مَا يَتَعَاطَاهُ الْحُكَّامُ وَالْوُلَاةُ، وَكَذَا تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا
٩٩ - وَأَمَّا الْمُبَاحَاتُ فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ صِفَتُهَا بِاعْتِبَارِ مَا قُصِدَتْ لِأَجْلِهِ.
فَإِذَا قُصِدَ بِهَا التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَاتِ أَوْ التَّوَصُّلُ إلَيْهَا كَانَتْ عِبَادَةً، كَالْأَكْلِ وَالنَّوْمِ وَاكْتِسَابِ الْمَالِ وَالْوَطْءِ
وَأَمَّا
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْعِلْمَ بِالْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ، فَمُحَالٌ وُجُودُ الْقُرْبَةِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْمَعْبُودِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ الْمُؤَدِّيَيْنِ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى. فَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي إطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ. فَكُلُّ قُرْبَةٍ طَاعَةٌ وَلَا تَنْعَكِسُ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ وَاجِبَةٌ وَطَاعَةٌ وَلَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ لِأَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ.
كَذَا فِي قَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيّ.
وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا أَنَّ الطَّاعَةَ فِعْلُ مَا يُثَابُ عَلَيْهِ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ نِيَّةٌ أَوْ لَا عَرَفَ مَا يَفْعَلُهُ لِأَجْلِهِ أَوْ لَا. وَالْقُرْبَةُ فِعْلُ مَا يُثَابُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَنْ يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى نِيَّةٍ.
وَالْعِبَادَةُ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَمَا يُتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ فَنَحْوُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ مِنْ كُلِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ وَعِبَادَةٌ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَالْوَقْفُ وَالْعِتْقُ وَالصَّدَقَةُ وَنَحْوُهَا مِمَّا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ لَا عِبَادَةٌ.
وَالنَّظَرُ الْمُؤَدِّي إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى طَاعَةٌ لَا قِرْبَةٌ وَلَا عِبَادَةٌ (انْتَهَى) .
وَقَوَاعِدُ مَذْهَبِنَا لَا تَأْبَاهُ
(٩٧) قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْقَضَاءُ فَقَالُوا إنَّهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَالْقَضَاءُ بِالْحَقِّ مِنْ أَقْوَى الْفَرَائِضِ وَأَشْرَفِ الْعِبَادَاتِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، أَمَرَ اللَّهُ بِهِ كُلَّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ
(٩٨) قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إقَامَةُ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ إلَخْ: يَعْنِي الثَّوَابَ عَلَيْهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ كَالْقَضَاءِ
(٩٩) قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمُبَاحَاتُ إلَخْ أَقُولُ: حَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ: وَأَمَّا الْمُبَاحَاتُ فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ إلَّا إذَا أُرِيدَ الثَّوَابُ عَلَيْهَا فَتَفْتَقِرُ إلَيْهَا وَأَمَّا الْمَسْنُونَاتُ وَالْمَنْدُوبَاتُ فَتَفْتَقِرُ إلَيْهَا فِي إيقَاعِهَا طَاعَةً لِيُثَابَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ فَمَا كَانَ مِنْهَا عِبَادَةً يَفْتَقِرُ إلَيْهَا وَمَا لَمْ يَكُنْ عِبَادَةً لَا يَفْتَقِرُ إلَيْهَا، كَقَضَاءِ الدُّيُونِ وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا وَمِنْ سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ إيصَالُ النَّفْعِ إلَى الْآدَمِيِّ
стр. 71
الْمُعَامَلَاتُ فَأَنْوَاعٌ: فَالْبَيْعُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا، وَكَذَا الْإِقَالَةُ وَالْإِجَارَةُ، لَكِنْ قَالُوا: إنْ عَقَدَ بِمُضَارِعٍ لَمْ يُصَدَّرْ بِسَوْفَ أَوْ السِّينِ تَوَقَّفَ عَلَى النِّيَّةِ ١٠٠ - فَإِنْ نَوَى بِهِ الْإِيجَابَ لِلْحَالِ كَانَ بَيْعًا، ١٠١ - وَإِلَّا لَا.
بِخِلَافِ صِيغَةِ الْمَاضِي فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ،
١٠٢ - وَأَمَّا الْمُضَارِعُ الْمُتَمَحِّضُ لِلِاسْتِقْبَالِ فَهُوَ كَالْأَمْرِ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَإِنْ نَوَى بِهِ الْإِيجَابَ لِلْحَالِ كَانَ بَيْعًا فِي الْكِفَايَةِ نَقْلًا عَنْ الطَّحَاوِيِّ إذَا قَالَ أَبِيعُ مِنْك أَوْ أَشْتَرِي مِنْك وَأَرَادَ الْحَالَ يَصِحُّ الْبَيْعُ، هُوَ الصَّحِيحُ (انْتَهَى) .
فَإِنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا تَرَكَ الْمُصَنِّفُ ﵀ بَيَانَهُ، فَإِنْ قُلْتَ النِّيَّةُ إنَّمَا تَعْمَلُ فِي الْمُحْتَمَلَاتِ لَا فِي الْمَوْضُوعَاتِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْفِعْلُ الْمُضَارِعُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ عَلَى مَا عُرِفَ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْأَثَرُ وَهُوَ أَنَّهُ ﵊ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ لَفْظُ الْمَاضِي الَّذِي يَدُلُّ عَلَى تَحَقُّقِ وُجُودِهِ فَكَانَ الِانْعِقَادُ مُفْتَقِرًا إلَيْهِ.
وَلِأَنَّ لَفْظَ الْمُضَارِعِ إنْ كَانَ مِنْ جَانِبِ الْبَائِعِ كَانَ عِدَةً لَا بَيْعًا وَإِنْ كَانَ مِنْ جَانِبِ الْمُشْتَرِي كَانَ مُسَاوَمَةً.
لَا يُقَالُ سَلَّمْنَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ، لَكِنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا هِيَ لِدَفْعِ الْمُحْتَمَلِ وَهُوَ الْعِدَةُ لَا الْإِرَادَةُ الْحَقِيقِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ أَنَّ الْمَجَازَ يَحْتَاجُ إلَى مَا يَنْفِي إرَادَةَ الْحَقِيقَةِ لَا أَنَّ الْحَقِيقَةَ تَحْتَاجُ إلَى مَا يَنْفِي إرَادَةَ الْمَجَازِ عَلَى أَنَّهُ دَافِعٌ لِلْمَعْقُولِ دُونَ الْأَثَرِ فَإِنْ قِيلَ مَا وَجْهُ مَا نُقِلَ عَنْ الطَّحَاوِيِّ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُضَارِعَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ فِي غَيْرِ الْبُيُوعِ وَالْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِيهَا هُوَ لَفْظُ الْمَاضِي، وَالْمُضَارِعُ فِيهَا مَجَازٌ فَيَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ.
فَعَلَى هَذَا ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ وَفِي الْقُنْيَةِ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلُ الْبَلَدِ يَسْتَعْمِلُونَ الْمُضَارِعَ لِلْحَالِ لَا لِلْوَعْدِ وَالِاسْتِقْبَالِ فَإِنْ كَانَ كَأَهْلِ خَوَارِزْمَ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا.
(١٠١) قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا.
أَيْ وَأَنْ لَا يُنْوَى بِهِ الْحَالُ بِأَنْ نَوَى الِاسْتِقْبَالَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَا يَصِحُّ
(١٠٢) قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمُضَارِعُ الْمُتَمَحِّضُ لِلِاسْتِقْبَالِ فَهُوَ كَالْأَمْرِ إلَخْ.
مِثْلُ سَأَبِيعُك أَوْ سَوْفَ أَبِيعُك.
وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ مَا تَمَحَّضَ لِلْحَالِ " كَأَبِيعُكَ " الْآنَ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ.
стр. 72
وَلَا بِالنِّيَّةِ.
وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ.
وَقَالُوا لَا يَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ لِعَدَمِ الرِّضَى بِحُكْمِهِ مَعَهُ.
١٠٤ - وَأَمَّا الْهِبَةُ، فَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ.
قَالُوا لَوْ وَهَبَ مُمَازِحًا صَحَّتْ، كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَلَكِنْ لَوْ لُقِّنَ الْهِبَةَ وَلَمْ يَعْرِفْهَا لَمْ تَصِحَّ، لَا لِأَجْلِ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطُهَا،
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَلَا بِالنِّيَّةِ.
أَيْ نِيَّةِ الْحَالِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَصِحُّ نِيَّةُ الْحَالِ وَهُوَ مُخَالِفٌ، لِمَا يُفْهَمُ مِنْ التُّحْفَةِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا إذَا كَانَا بِلَفْظَيْنِ يُعَبِّرُ بِهِمَا عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ، إمَّا عَلَى سَبِيلِ الْأَمْرِ أَوْ الْخَبَرِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْحَالِ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ؛ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ اشْتَرِ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت (انْتَهَى) .
وَقَدْ أَفْهَمَ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْحَالِ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِالْأَمْرِ إذَا نَوَى الْحَالَ.
وَفِي النَّهْرِ: أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ إلَّا إذَا دَلَّ عَلَى الْمَاضِي: كَخُذْهُ بِكَذَا فَقَالَ أَخَذْته.
فَإِنَّهُ كَالْمَاضِي.
إلَّا أَنَّ اسْتِدْعَاءَ الْمَاضِي الْبَيْعَ بِالْوَضْعِ وَهَذَا بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ
(١٠٤) قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْهِبَةُ فَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ.
قَالُوا لَوْ وَهَبَ مَازِحًا لَصَحَّتْ.
كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
قِيلَ لَيْسَ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ يُفْهَمُ مِنْهُ مَا ذَكَرَ، لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: لَوْ قَالَ هَبْ لِي عَلَى وَجْهِ الْمِزَاحِ، فَوَهَبَ.
وَقِيلَ: وَسَلَّمَ جَازَ إذْ الْمِزَاحُ إنَّمَا وَقَعَ فِي طَلَبِ الْهِبَةِ ثُمَّ وَقَعَتْ هِيَ بِلَا مِزَاحٍ ظَاهِرٍ، أَوْ مُسْتَجْمِعَةٍ لِشَرَائِطِهَا؛ وَالظَّاهِرُ يَكْفِي فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَلَا يُقَالُ إنَّ الْهِبَةَ تَصِحُّ بِلَا نِيَّةٍ بَلْ لَوْ صَدَّقَ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ لَا تَصِحُّ.
فَتَأَمَّلْ.
ثُمَّ إنَّ الْمُؤَلِّفَ ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ كَمَا هُنَا أَيْضًا حَيْثُ قَالَ فِيهِ: أَطْلَقَهَا، أَيْ الْهِبَةَ، فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمِزَاحِ فَإِنَّ الْهِبَةَ صَحِيحَةٌ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَاعْتَرَضَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ الرَّمْزِ شَرْحِ نَظْمِ الْكَنْزِ، فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْخُلَاصَةِ مَا يُفِيدُ دَعْوَاهُ إلَخْ.
إنَّمَا يُفِيدُ أَنَّهُ إنْ طَلَبَ الْهِبَةَ مَزْحًا لَا جِدًّا فَوَهَبَهُ جِدًّا وَسَلَّمَهُ صَحَّتْ الْهِبَةُ.
لِأَنَّ الْوَاهِبَ غَيْرُ مَازِحٍ، وَقَدْ قَبِلَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبُولًا صَحِيحًا.
وَقَدْ وَقَعَ لِلْمُؤَلِّفِ مِثْلُ هَذَا فِي كِتَابِ الْأَشْبَاهِ.
وَأَزَلْنَا هَذَا الِاشْتِبَاهَ فِي حَاشِيَته.
لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ مَا يُؤَيِّدُ مَا فَهِمَهُ الْمُؤَلِّفُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ حِكَايَةَ الشَّيْخِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، لَمَّا مَرَّ بِقَوْمٍ يَضْرِبُونَ الطُّنْبُورَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ هَبُوهُ مِنِّي حَتَّى تَرَوْا كَيْفَ أَضْرِبُ فَدَفَعُوهُ إلَيْهِ فَضَرَبَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَكَسَرَهُ وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ كَيْفَ أَضْرِبُ؟ قَالُوا: أَيُّهَا الشَّيْخُ خَدَعْتَنَا.
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ
стр. 73
وَإِنَّمَا هُوَ لِفَقْدِ شَرْطِهَا وَهُوَ الرِّضَى.
وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهَا لَمْ تَصِحَّ،
١٠٦ - بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ؛ فَإِنَّهُمَا يَقَعَانِ بِالتَّلْقِينِ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُهُمَا، لِأَنَّ الرِّضَى لَيْسَ شَرْطَهُمَا وَلِذَا ١٠٧ - لَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِمَا يَقَعَانِ.
وَأَمَّا الطَّلَاقُ، فَصَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي كَسْرِ الْمَلَاهِي، أَنَّهُ يُوجِبُ الضَّمَانَ وَهَذَا دَلِيلُ مَا مَرَّ أَنَّ هِبَةَ الْمَازِحِ جَائِزَةٌ (انْتَهَى) .
قِيلَ وَفِيهِ بَحْثٌ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُمْ مَزَحُوا بِالْهِبَةِ بَلْ ظَاهِرُ طَلَبِهِ الْهِبَةُ الْجَدِّيَّةُ فَأَجَابُوهُ بِهَا.
غَايَتُهُ أَنَّهُ وَعَدَهُمْ أَنْ يَضْرِبَ وَأَرَادَ الْكَسْرَ وَأَفْهَمهُمْ أَنَّهُ أَرَادَ مِثْلَ ضَرْبِهِمْ فَلَمَّا وَهَبُوهُ وَمَلَك تَصَرَّفَ بِمَا أَرَادَ مِنْ ضَرْبِهَا عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ إمَامٌ جَلِيلُ الْقَدْرِ فِي الزُّهْدِ وَالْعِلْمِ، لَهُ فِي ذَلِكَ مُؤَلَّفَاتٌ مَا يُظَنُّ بِهِ الِاكْتِفَاءُ بِالْمِزَاحِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم.
وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الْهِبَةَ جِدِّيَّةٌ قَوْلُ صَاحِبِ الْخِزَانَةِ فِيهَا: جَازَتْ الْهِبَةُ لِاسْتِجْمَاعِ الشَّرَائِطِ.
وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّ دَلِيلَ الْهِبَةِ الْمَقَامَ هِيَ هِبَةُ الْمُلَاهِي لِلْمَشْهُورِ بِالْعِلْمِ وَالزُّهْدِ كَمَا ذَكَرَتْ غَيْرُ مُنَاسَبَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ مَزْحًا وَنَقْلُهُ عَنْ الْخِزَانَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعِي إذْ الْمُرَادُ بِالشَّرَائِطِ التَّكْلِيفُ (١٠٥)
قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا هُوَ لِفَقْدِ شَرْطِهَا.
قِيلَ: فِيهِ أَنَّ الْهِبَةَ مَعَ الْهَزْلِ تَصِحُّ وَرَضِيَ مَعَهُ بِدَلِيلِ تَعْلِيلِ عَدَمِ صِحَّةِ الْبَيْعِ مَعَ الْهَزْلِ بِعَدَمِ الرِّضَى مَعَهُ وَهَذَا تَدَافُعٌ
(١٠٦) قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَإِنَّهُمَا يَقَعَانِ إلَخْ.
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ لَقَّنَهُ الطَّلَاقَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَوْ الْعَتَاقَ أَوْ التَّدْبِيرَ أَوْ لَقَّنَهَا الزَّوْجُ الْإِبْرَاءَ عَنْ الْمَهْرِ وَنَفَقَةِ الْعِدَّةِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَهِيَ لَا تَعْلَمُ.
قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: لَا تَقَعُ دِيَانَةً وَقَالَ مَشَايِخُ أُوزْجَنْدَ لَا تَقَعُ أَصْلًا صِيَانَةً لِأَمْلَاكِ النَّاسِ عَنْ الْإِبْطَالِ بِالتَّلْبِيسِ.
وَكَمَا لَوْ بَاعَ وَاشْتَرَى بِالْعَرَبِيِّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ.
وَالْبَعْضُ فَرَّقُوا بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْخُلْعِ وَالْهِبَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ لِلرِّضَى أَثَرًا فِي وُجُودِ الْبَيْعِ لَا الطَّلَاقِ وَالْهِبَةِ وَتَمَامُهَا بِالْقَبْضِ.
وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ وَكَذَا لَوْ لُقِّنَتْ الْخُلْعَ، وَهِيَ لَا تَعْلَمُ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ الْخُلْعُ بِقَبُولِهَا.
وَالْمُخْتَارُ مَا ذَكَرْنَا (انْتَهَى) .
فَتَأَمَّلْهُ مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ.
(١٠٧) قَوْلُهُ: وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِمَا يَقَعَانِ.
أَقُولُ: الْمُرَادُ الْإِكْرَاهُ عَلَى إنْشَاءِ لَفْظِ الطَّلَاقِ فَيَقَعُ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ لِمَا صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلَاقُ
стр. 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَالْعَتَاقُ وَالْيَمِينُ» وَلَا يَصِيرُ بِهَذَا الطَّلَاقُ
فَلَا تَرِثُ مِنْهُ.
كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ لَا يَقَعُ قَضَاءً وَدِيَانَةً، بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ بِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ هَازِلًا أَوْ كَاذِبًا حَيْثُ يَقَعُ قَضَاءً إلَّا إذَا أُشْهِدَ قَبْلَ ذَلِكَ، لِزَوَالِ التُّهْمَةِ بِهِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ.
وَقَيَّدَهُ الْبَزَّازِيُّ بِالْمَظْلُومِ.
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى كِتَابَةٍ فَكَتَبَ: فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانَةِ طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ.
وَعَلَّلَهُ قَاضِي خَانْ بِأَنَّ الْكِتَابَةَ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْعِبَارَةِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ، وَلَا حَاجَةَ.
هُنَا وَحَصَرَ بَعْضُهُمْ مَا يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ فِي عَشَرَةٍ فَقَالَ:
يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ عِتْقٌ وَرَجْعَةُ ... نِكَاحٍ وَإِيلَاءُ طَلَاقِ مُفَارِقٍ
وَفَيْءِ ظِهَارٍ وَالْيَمِينِ وَنَذْرِهِ ... وَعَفْوٍ لِقَتْلِ شَابٍّ مِنْهُ مُفَارِقِي
وَحَصَرَهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي الْخِزَانَةِ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْفَيْءَ، فَصَارَتْ تِسْعَةَ عَشَرَ وَزَادَ الْمُصَنِّفُ فِي بَحْرِهِ الْإِكْرَاهَ عَلَى قَبُولِ الْوَدِيعَةِ.
قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: أُكْرِهَ عَلَى قَبُولِ الْوَدِيعَةِ فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ فَلِمُسْتَحِقِّهَا تَضْمِينُ الْمُودَعِ إنْ كَانَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَهِيَ عِشْرُونَ نَظَمَهَا أَخُو الْمُصَنِّفِ فِي أَبْيَاتٍ ذَكَرَهَا فِي النَّهْرِ فَقَالَ:
طَلَاقٌ وَإِيلَاءٌ ظِهَارٌ وَرَجْعَةٌ ... نِكَاحٌ مَعَ اسْتِيلَادٍ عَفْوٌ عَنْ الْعَمْدِ
رَضَاعٌ وَأَيْمَانٌ وَفَيْءٌ وَنَذْرُهُ ... قَبُولُ الْإِيدَاعِ كَذَا الصُّلْحُ عَنْ عَمْدِ
طَلَاقٌ عَلَى جُعْلٍ يَمِينٌ بِهِ أَتَتْ ... كَذَا الْعِتْقُ وَالْإِسْلَامُ تَدْبِيرٌ لِلْعَبْدِ
وَإِيجَابٌ إحْسَانٌ وَعِتْقٌ فَهَذِهِ ... تَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ عِشْرُونَ فِي عَدِّ
ثُمَّ قَالَ: ظَهَرَ لِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ مَا فِي الْقُنْيَةِ هُوَ بِكَسْرِ الدَّالِ لَا بِالْفَتْحِ، فَلَيْسَ مِنْ الْمَوَاضِعِ فِي شَيْءٍ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ: أُكْرِهَ بِالْحَبْسِ عَلَى إيدَاعِ مَالِهِ عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ وَأُكْرِهَ الْمُودَعُ أَيْضًا عَلَى قَبُولِهِ فَضَاعَ.
لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكْرَهِ وَالْقَابِضِ، لِأَنَّهُ مَا قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ كَمَا لَوْ هَبَّتْ الرِّيحُ فَأَلْقَته فِي حِجْرِهِ فَأَخَذَهُ لِيَرُدَّهُ فَضَاعَ فِي يَدِهِ لَا يُضْمَنُ (انْتَهَى) .
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيُّ: وَجَدْنَا نُسْخَةً صَحِيحَةً مِنْ الْقُنْيَةِ بِكَسْرِ الدَّالِ.
وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى هَذِهِ شَخْصٌ أَوْدَعَ عِنْدَهُ رَجُلٌ شَيْئًا مُكْرَهًا عَلَى قَبُولِهِ فَاسْتَحَقَّهُ آخَرُ، فَلَهُ أَنْ يَضْمَنَ الْمُودِعَ الْمُكْرِهَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَالرَّاءِ، فَانْحَزَمَ الْحِسَابُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
أَقُولُ: قَالَ فِي الْمُحِيطِ: مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِالسَّرِقَةِ مُكْرَهًا (انْتَهَى) .
وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْعَلَّامَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ كِتَابِ الْإِكْرَاهِ: يَصِحُّ إقْرَارُهَا بِاسْتِيفَاءِ الْمَهْرِ مُكْرَهَةً.
إنْ أُكْرِهَتْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالضَّرْبِ، عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ فَصَارَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ مَسْأَلَةً
стр. 75
فَالْأَوَّلُ لَا يَحْتَاجُ فِي وُقُوعِهِ إلَيْهَا؛ فَلَوْ طَلَّقَ ١٠٩ - غَافِلًا أَوْ سَاهِيًا
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَالْأَوَّلُ لَا يَحْتَاجُ فِي وُقُوعِهِ عَلَيْهَا إلَيْهَا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْبَحْرِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُمْ الصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَضَاءِ.
أَمَّا فِي الدِّيَانَةِ فَيَحْتَاجُ لَكِنَّ وُقُوعَهُ فِي الْقَضَاءِ بِلَا نِيَّةٍ إنَّمَا هُوَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَقْصِدَهَا بِالْخِطَابِ، بِدَلِيلِ مَا قَالُوا: لَوْ كَرَّرَ مَسَائِلَ الطَّلَاقِ بِحَضْرَةِ زَوْجَتِهِ وَيَقُول أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَنْوِ، لَا تَطْلُقُ.
وَفِي مُتَعَلِّمٍ يَكْتُبُ نَاقِلًا كِتَابَ رَجُلٍ. قَالَ: ثُمَّ يَقِفُ وَيَكْتُبُ امْرَأَتِي طَالِقٌ.
وَكَمَا كَتَبَ قَرَنَ الْكِتَابَةَ بِالتَّلَفُّظِ بِقَصْدِ الْحِكَايَةِ، لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ.
وَفِي الْقُنْيَةِ امْرَأَةٌ كَتَبَتْ: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَتْ لِزَوْجِهَا اقْرَأْ عَلَيَّ هَذَا، فَقَرَأَ لَا تَطْلُقُ.
وَمَا فِي الْفَتْحِ الْقَدِيرِ: وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَصْدِ بِالْخِطَابِ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ عَالَمًا بِمَعْنَاهُ أَوْ النِّيَّةِ كَمَا يُفِيدُهُ فُرُوعٌ.
وَذَكَرَ مَا ذَكَرْنَا فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ.
لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْوُقُوعِ قَضَاءً فِيمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ، وَإِنْ كَانَ شَرْطًا لِلْوُقُوعِ دِيَانَةً لَا قَضَاءً فَكَذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْوُقُوعَ قَضَاءً فِيمَا لَوْ كَرَّرَ مَسَائِلَ الطَّلَاقِ بِحَضْرَتِهَا.
وَفِي الْمُتَعَلِّمِ: فَالْحَقُّ مَا اقْتَصَرْنَا عَلَيْهِ (انْتَهَى كَلَامُهُ) .
قِيلَ وَهَذَا وَهْمٌ ظَاهِرٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ شَرْطُ الْوُقُوعِ قَضَاءً وَدِيَانَةً فَخَرَجَ مَا لَا يَقَعُ فِيهِ لَا قَضَاءً وَلَا دِيَانَةً.
كَمَنْ كَرَّرَ مَسَائِلَ الطَّلَاقِ وَمَا يَقَعُ فِيهِ قَضَاءً فَقَطْ كَمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِالطَّلَاقِ.
وَبِهِ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يَرِدُ عَلَى مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ فِيهِ دِيَانَةً كَمَا أَفْصَحَ بِهِ ابْنُ الْهُمَامِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ، حَيْثُ قَالَ: وَهُوَ يُشِيرُ إلَيْهِ، أَيْ إلَى الْوُقُوعِ قَضَاءً فَقَطْ.
أَقُول: فِي الْخُلَاصَةِ بَعْدَ ذِكْرِ مَا لَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِالطَّلَاقِ وَلَوْ كَانَ بِالْعَتَاقِ يَدِينُ (انْتَهَى) .
يَعْنِي لَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَبِهَذَا يَبْطُلُ قَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ: أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْقَضَاءِ بِشَرْطِ أَنْ يَقْصِدَ خِطَابَهَا الظُّهُورُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ اسْقِنِي فَسَبَقَ لِسَانُهُ بِالْخِطَابِ لَمْ يَقْصِدْهُ خِطَابَهَا.
(١٠٩) قَوْلُهُ: غَافِلًا أَوْ سَاهِيًا.
الْغَفْلَةُ سَهْوٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ قِلَّةِ التَّحَفُّظِ وَالتَّيَقُّظِ كَمَا فِي عُمْدَةِ الْحُفَّاظِ فِي تَفْسِيرِ أَشْرَفِ الْأَلْفَاظِ، لِلْعَلَّامَةِ الشِّهَابِ السَّمِينِ؛ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ السَّهْوَ مُرَادِفٌ لِلْغَفْلَةِ وَحِينَئِذٍ يُشْكِلُ عَطْفُهُ بِأَوْ.
وَفِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ أَنَّ النِّسْيَانَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ التَّرْكِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: النِّسْيَانُ تَرْكُ الْإِنْسَانِ ضَبْطَ مَا اسْتَوْدَعَ عَلَى حِفْظِهِ إمَّا لِضَعْفِ قَلْبِهِ وَإِمَّا عَنْ غَفْلَةٍ وَإِمَّا عَنْ قَصْدٍ، حَتَّى يَنْحَذِفَ عَنْ قَلْبِهِ ذِكْرُهُ (انْتَهَى) .
وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ النِّسْيَانَ غَيْرُ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ.
следующие страницы →