Полный текст (1 695 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الْمُعَامَلَاتُ فَأَنْوَاعٌ: فَالْبَيْعُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا، وَكَذَا الْإِقَالَةُ وَالْإِجَارَةُ، لَكِنْ قَالُوا: إنْ عَقَدَ بِمُضَارِعٍ لَمْ يُصَدَّرْ بِسَوْفَ أَوْ السِّينِ تَوَقَّفَ عَلَى النِّيَّةِ ١٠٠ - فَإِنْ نَوَى بِهِ الْإِيجَابَ لِلْحَالِ كَانَ بَيْعًا، ١٠١ - وَإِلَّا لَا.
بِخِلَافِ صِيغَةِ الْمَاضِي فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ،
١٠٢ - وَأَمَّا الْمُضَارِعُ الْمُتَمَحِّضُ لِلِاسْتِقْبَالِ فَهُوَ كَالْأَمْرِ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِهِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَإِنْ نَوَى بِهِ الْإِيجَابَ لِلْحَالِ كَانَ بَيْعًا فِي الْكِفَايَةِ نَقْلًا عَنْ الطَّحَاوِيِّ إذَا قَالَ أَبِيعُ مِنْك أَوْ أَشْتَرِي مِنْك وَأَرَادَ الْحَالَ يَصِحُّ الْبَيْعُ، هُوَ الصَّحِيحُ (انْتَهَى) .
فَإِنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا تَرَكَ الْمُصَنِّفُ ﵀ بَيَانَهُ، فَإِنْ قُلْتَ النِّيَّةُ إنَّمَا تَعْمَلُ فِي الْمُحْتَمَلَاتِ لَا فِي الْمَوْضُوعَاتِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْفِعْلُ الْمُضَارِعُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ عَلَى مَا عُرِفَ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْأَثَرُ وَهُوَ أَنَّهُ ﵊ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ لَفْظُ الْمَاضِي الَّذِي يَدُلُّ عَلَى تَحَقُّقِ وُجُودِهِ فَكَانَ الِانْعِقَادُ مُفْتَقِرًا إلَيْهِ.
وَلِأَنَّ لَفْظَ الْمُضَارِعِ إنْ كَانَ مِنْ جَانِبِ الْبَائِعِ كَانَ عِدَةً لَا بَيْعًا وَإِنْ كَانَ مِنْ جَانِبِ الْمُشْتَرِي كَانَ مُسَاوَمَةً.
لَا يُقَالُ سَلَّمْنَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ، لَكِنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا هِيَ لِدَفْعِ الْمُحْتَمَلِ وَهُوَ الْعِدَةُ لَا الْإِرَادَةُ الْحَقِيقِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ أَنَّ الْمَجَازَ يَحْتَاجُ إلَى مَا يَنْفِي إرَادَةَ الْحَقِيقَةِ لَا أَنَّ الْحَقِيقَةَ تَحْتَاجُ إلَى مَا يَنْفِي إرَادَةَ الْمَجَازِ عَلَى أَنَّهُ دَافِعٌ لِلْمَعْقُولِ دُونَ الْأَثَرِ فَإِنْ قِيلَ مَا وَجْهُ مَا نُقِلَ عَنْ الطَّحَاوِيِّ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُضَارِعَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ فِي غَيْرِ الْبُيُوعِ وَالْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِيهَا هُوَ لَفْظُ الْمَاضِي، وَالْمُضَارِعُ فِيهَا مَجَازٌ فَيَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ.
فَعَلَى هَذَا ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ وَفِي الْقُنْيَةِ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلُ الْبَلَدِ يَسْتَعْمِلُونَ الْمُضَارِعَ لِلْحَالِ لَا لِلْوَعْدِ وَالِاسْتِقْبَالِ فَإِنْ كَانَ كَأَهْلِ خَوَارِزْمَ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا.
(١٠١) قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا.
أَيْ وَأَنْ لَا يُنْوَى بِهِ الْحَالُ بِأَنْ نَوَى الِاسْتِقْبَالَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَا يَصِحُّ
(١٠٢) قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمُضَارِعُ الْمُتَمَحِّضُ لِلِاسْتِقْبَالِ فَهُوَ كَالْأَمْرِ إلَخْ.
مِثْلُ سَأَبِيعُك أَوْ سَوْفَ أَبِيعُك.
وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ مَا تَمَحَّضَ لِلْحَالِ " كَأَبِيعُكَ " الْآنَ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ.
стр. 72
وَلَا بِالنِّيَّةِ.
وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ.
وَقَالُوا لَا يَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ لِعَدَمِ الرِّضَى بِحُكْمِهِ مَعَهُ.
١٠٤ - وَأَمَّا الْهِبَةُ، فَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ.
قَالُوا لَوْ وَهَبَ مُمَازِحًا صَحَّتْ، كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَلَكِنْ لَوْ لُقِّنَ الْهِبَةَ وَلَمْ يَعْرِفْهَا لَمْ تَصِحَّ، لَا لِأَجْلِ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطُهَا،
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَلَا بِالنِّيَّةِ.
أَيْ نِيَّةِ الْحَالِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَصِحُّ نِيَّةُ الْحَالِ وَهُوَ مُخَالِفٌ، لِمَا يُفْهَمُ مِنْ التُّحْفَةِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا إذَا كَانَا بِلَفْظَيْنِ يُعَبِّرُ بِهِمَا عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ، إمَّا عَلَى سَبِيلِ الْأَمْرِ أَوْ الْخَبَرِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْحَالِ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ؛ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ اشْتَرِ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت (انْتَهَى) .
وَقَدْ أَفْهَمَ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْحَالِ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِالْأَمْرِ إذَا نَوَى الْحَالَ.
وَفِي النَّهْرِ: أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ إلَّا إذَا دَلَّ عَلَى الْمَاضِي: كَخُذْهُ بِكَذَا فَقَالَ أَخَذْته.
فَإِنَّهُ كَالْمَاضِي.
إلَّا أَنَّ اسْتِدْعَاءَ الْمَاضِي الْبَيْعَ بِالْوَضْعِ وَهَذَا بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ
(١٠٤) قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْهِبَةُ فَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ.
قَالُوا لَوْ وَهَبَ مَازِحًا لَصَحَّتْ.
كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
قِيلَ لَيْسَ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ يُفْهَمُ مِنْهُ مَا ذَكَرَ، لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: لَوْ قَالَ هَبْ لِي عَلَى وَجْهِ الْمِزَاحِ، فَوَهَبَ.
وَقِيلَ: وَسَلَّمَ جَازَ إذْ الْمِزَاحُ إنَّمَا وَقَعَ فِي طَلَبِ الْهِبَةِ ثُمَّ وَقَعَتْ هِيَ بِلَا مِزَاحٍ ظَاهِرٍ، أَوْ مُسْتَجْمِعَةٍ لِشَرَائِطِهَا؛ وَالظَّاهِرُ يَكْفِي فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَلَا يُقَالُ إنَّ الْهِبَةَ تَصِحُّ بِلَا نِيَّةٍ بَلْ لَوْ صَدَّقَ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ لَا تَصِحُّ.
فَتَأَمَّلْ.
ثُمَّ إنَّ الْمُؤَلِّفَ ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ كَمَا هُنَا أَيْضًا حَيْثُ قَالَ فِيهِ: أَطْلَقَهَا، أَيْ الْهِبَةَ، فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمِزَاحِ فَإِنَّ الْهِبَةَ صَحِيحَةٌ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَاعْتَرَضَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ الرَّمْزِ شَرْحِ نَظْمِ الْكَنْزِ، فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْخُلَاصَةِ مَا يُفِيدُ دَعْوَاهُ إلَخْ.
إنَّمَا يُفِيدُ أَنَّهُ إنْ طَلَبَ الْهِبَةَ مَزْحًا لَا جِدًّا فَوَهَبَهُ جِدًّا وَسَلَّمَهُ صَحَّتْ الْهِبَةُ.
لِأَنَّ الْوَاهِبَ غَيْرُ مَازِحٍ، وَقَدْ قَبِلَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبُولًا صَحِيحًا.
وَقَدْ وَقَعَ لِلْمُؤَلِّفِ مِثْلُ هَذَا فِي كِتَابِ الْأَشْبَاهِ.
وَأَزَلْنَا هَذَا الِاشْتِبَاهَ فِي حَاشِيَته.
لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ مَا يُؤَيِّدُ مَا فَهِمَهُ الْمُؤَلِّفُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ حِكَايَةَ الشَّيْخِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، لَمَّا مَرَّ بِقَوْمٍ يَضْرِبُونَ الطُّنْبُورَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ هَبُوهُ مِنِّي حَتَّى تَرَوْا كَيْفَ أَضْرِبُ فَدَفَعُوهُ إلَيْهِ فَضَرَبَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَكَسَرَهُ وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ كَيْفَ أَضْرِبُ؟ قَالُوا: أَيُّهَا الشَّيْخُ خَدَعْتَنَا.
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ
стр. 73
وَإِنَّمَا هُوَ لِفَقْدِ شَرْطِهَا وَهُوَ الرِّضَى.
وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهَا لَمْ تَصِحَّ،
١٠٦ - بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ؛ فَإِنَّهُمَا يَقَعَانِ بِالتَّلْقِينِ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُهُمَا، لِأَنَّ الرِّضَى لَيْسَ شَرْطَهُمَا وَلِذَا ١٠٧ - لَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِمَا يَقَعَانِ.
وَأَمَّا الطَّلَاقُ، فَصَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي كَسْرِ الْمَلَاهِي، أَنَّهُ يُوجِبُ الضَّمَانَ وَهَذَا دَلِيلُ مَا مَرَّ أَنَّ هِبَةَ الْمَازِحِ جَائِزَةٌ (انْتَهَى) .
قِيلَ وَفِيهِ بَحْثٌ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُمْ مَزَحُوا بِالْهِبَةِ بَلْ ظَاهِرُ طَلَبِهِ الْهِبَةُ الْجَدِّيَّةُ فَأَجَابُوهُ بِهَا.
غَايَتُهُ أَنَّهُ وَعَدَهُمْ أَنْ يَضْرِبَ وَأَرَادَ الْكَسْرَ وَأَفْهَمهُمْ أَنَّهُ أَرَادَ مِثْلَ ضَرْبِهِمْ فَلَمَّا وَهَبُوهُ وَمَلَك تَصَرَّفَ بِمَا أَرَادَ مِنْ ضَرْبِهَا عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ إمَامٌ جَلِيلُ الْقَدْرِ فِي الزُّهْدِ وَالْعِلْمِ، لَهُ فِي ذَلِكَ مُؤَلَّفَاتٌ مَا يُظَنُّ بِهِ الِاكْتِفَاءُ بِالْمِزَاحِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم.
وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الْهِبَةَ جِدِّيَّةٌ قَوْلُ صَاحِبِ الْخِزَانَةِ فِيهَا: جَازَتْ الْهِبَةُ لِاسْتِجْمَاعِ الشَّرَائِطِ.
وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّ دَلِيلَ الْهِبَةِ الْمَقَامَ هِيَ هِبَةُ الْمُلَاهِي لِلْمَشْهُورِ بِالْعِلْمِ وَالزُّهْدِ كَمَا ذَكَرَتْ غَيْرُ مُنَاسَبَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ مَزْحًا وَنَقْلُهُ عَنْ الْخِزَانَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعِي إذْ الْمُرَادُ بِالشَّرَائِطِ التَّكْلِيفُ (١٠٥)
قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا هُوَ لِفَقْدِ شَرْطِهَا.
قِيلَ: فِيهِ أَنَّ الْهِبَةَ مَعَ الْهَزْلِ تَصِحُّ وَرَضِيَ مَعَهُ بِدَلِيلِ تَعْلِيلِ عَدَمِ صِحَّةِ الْبَيْعِ مَعَ الْهَزْلِ بِعَدَمِ الرِّضَى مَعَهُ وَهَذَا تَدَافُعٌ
(١٠٦) قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَإِنَّهُمَا يَقَعَانِ إلَخْ.
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ لَقَّنَهُ الطَّلَاقَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَوْ الْعَتَاقَ أَوْ التَّدْبِيرَ أَوْ لَقَّنَهَا الزَّوْجُ الْإِبْرَاءَ عَنْ الْمَهْرِ وَنَفَقَةِ الْعِدَّةِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَهِيَ لَا تَعْلَمُ.
قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: لَا تَقَعُ دِيَانَةً وَقَالَ مَشَايِخُ أُوزْجَنْدَ لَا تَقَعُ أَصْلًا صِيَانَةً لِأَمْلَاكِ النَّاسِ عَنْ الْإِبْطَالِ بِالتَّلْبِيسِ.
وَكَمَا لَوْ بَاعَ وَاشْتَرَى بِالْعَرَبِيِّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ.
وَالْبَعْضُ فَرَّقُوا بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْخُلْعِ وَالْهِبَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ لِلرِّضَى أَثَرًا فِي وُجُودِ الْبَيْعِ لَا الطَّلَاقِ وَالْهِبَةِ وَتَمَامُهَا بِالْقَبْضِ.
وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ وَكَذَا لَوْ لُقِّنَتْ الْخُلْعَ، وَهِيَ لَا تَعْلَمُ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ الْخُلْعُ بِقَبُولِهَا.
وَالْمُخْتَارُ مَا ذَكَرْنَا (انْتَهَى) .
فَتَأَمَّلْهُ مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ.
(١٠٧) قَوْلُهُ: وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِمَا يَقَعَانِ.
أَقُولُ: الْمُرَادُ الْإِكْرَاهُ عَلَى إنْشَاءِ لَفْظِ الطَّلَاقِ فَيَقَعُ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ لِمَا صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلَاقُ
стр. 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَالْعَتَاقُ وَالْيَمِينُ» وَلَا يَصِيرُ بِهَذَا الطَّلَاقُ
فَلَا تَرِثُ مِنْهُ.
كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ لَا يَقَعُ قَضَاءً وَدِيَانَةً، بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ بِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ هَازِلًا أَوْ كَاذِبًا حَيْثُ يَقَعُ قَضَاءً إلَّا إذَا أُشْهِدَ قَبْلَ ذَلِكَ، لِزَوَالِ التُّهْمَةِ بِهِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ.
وَقَيَّدَهُ الْبَزَّازِيُّ بِالْمَظْلُومِ.
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى كِتَابَةٍ فَكَتَبَ: فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانَةِ طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ.
وَعَلَّلَهُ قَاضِي خَانْ بِأَنَّ الْكِتَابَةَ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْعِبَارَةِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ، وَلَا حَاجَةَ.
هُنَا وَحَصَرَ بَعْضُهُمْ مَا يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ فِي عَشَرَةٍ فَقَالَ:
يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ عِتْقٌ وَرَجْعَةُ ... نِكَاحٍ وَإِيلَاءُ طَلَاقِ مُفَارِقٍ
وَفَيْءِ ظِهَارٍ وَالْيَمِينِ وَنَذْرِهِ ... وَعَفْوٍ لِقَتْلِ شَابٍّ مِنْهُ مُفَارِقِي
وَحَصَرَهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي الْخِزَانَةِ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْفَيْءَ، فَصَارَتْ تِسْعَةَ عَشَرَ وَزَادَ الْمُصَنِّفُ فِي بَحْرِهِ الْإِكْرَاهَ عَلَى قَبُولِ الْوَدِيعَةِ.
قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: أُكْرِهَ عَلَى قَبُولِ الْوَدِيعَةِ فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ فَلِمُسْتَحِقِّهَا تَضْمِينُ الْمُودَعِ إنْ كَانَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَهِيَ عِشْرُونَ نَظَمَهَا أَخُو الْمُصَنِّفِ فِي أَبْيَاتٍ ذَكَرَهَا فِي النَّهْرِ فَقَالَ:
طَلَاقٌ وَإِيلَاءٌ ظِهَارٌ وَرَجْعَةٌ ... نِكَاحٌ مَعَ اسْتِيلَادٍ عَفْوٌ عَنْ الْعَمْدِ
رَضَاعٌ وَأَيْمَانٌ وَفَيْءٌ وَنَذْرُهُ ... قَبُولُ الْإِيدَاعِ كَذَا الصُّلْحُ عَنْ عَمْدِ
طَلَاقٌ عَلَى جُعْلٍ يَمِينٌ بِهِ أَتَتْ ... كَذَا الْعِتْقُ وَالْإِسْلَامُ تَدْبِيرٌ لِلْعَبْدِ
وَإِيجَابٌ إحْسَانٌ وَعِتْقٌ فَهَذِهِ ... تَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ عِشْرُونَ فِي عَدِّ
ثُمَّ قَالَ: ظَهَرَ لِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ مَا فِي الْقُنْيَةِ هُوَ بِكَسْرِ الدَّالِ لَا بِالْفَتْحِ، فَلَيْسَ مِنْ الْمَوَاضِعِ فِي شَيْءٍ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ: أُكْرِهَ بِالْحَبْسِ عَلَى إيدَاعِ مَالِهِ عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ وَأُكْرِهَ الْمُودَعُ أَيْضًا عَلَى قَبُولِهِ فَضَاعَ.
لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكْرَهِ وَالْقَابِضِ، لِأَنَّهُ مَا قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ كَمَا لَوْ هَبَّتْ الرِّيحُ فَأَلْقَته فِي حِجْرِهِ فَأَخَذَهُ لِيَرُدَّهُ فَضَاعَ فِي يَدِهِ لَا يُضْمَنُ (انْتَهَى) .
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيُّ: وَجَدْنَا نُسْخَةً صَحِيحَةً مِنْ الْقُنْيَةِ بِكَسْرِ الدَّالِ.
وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى هَذِهِ شَخْصٌ أَوْدَعَ عِنْدَهُ رَجُلٌ شَيْئًا مُكْرَهًا عَلَى قَبُولِهِ فَاسْتَحَقَّهُ آخَرُ، فَلَهُ أَنْ يَضْمَنَ الْمُودِعَ الْمُكْرِهَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَالرَّاءِ، فَانْحَزَمَ الْحِسَابُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
أَقُولُ: قَالَ فِي الْمُحِيطِ: مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِالسَّرِقَةِ مُكْرَهًا (انْتَهَى) .
وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْعَلَّامَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ كِتَابِ الْإِكْرَاهِ: يَصِحُّ إقْرَارُهَا بِاسْتِيفَاءِ الْمَهْرِ مُكْرَهَةً.
إنْ أُكْرِهَتْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالضَّرْبِ، عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ فَصَارَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ مَسْأَلَةً
стр. 75
فَالْأَوَّلُ لَا يَحْتَاجُ فِي وُقُوعِهِ إلَيْهَا؛ فَلَوْ طَلَّقَ ١٠٩ - غَافِلًا أَوْ سَاهِيًا
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَالْأَوَّلُ لَا يَحْتَاجُ فِي وُقُوعِهِ عَلَيْهَا إلَيْهَا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْبَحْرِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُمْ الصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَضَاءِ.
أَمَّا فِي الدِّيَانَةِ فَيَحْتَاجُ لَكِنَّ وُقُوعَهُ فِي الْقَضَاءِ بِلَا نِيَّةٍ إنَّمَا هُوَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَقْصِدَهَا بِالْخِطَابِ، بِدَلِيلِ مَا قَالُوا: لَوْ كَرَّرَ مَسَائِلَ الطَّلَاقِ بِحَضْرَةِ زَوْجَتِهِ وَيَقُول أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَنْوِ، لَا تَطْلُقُ.
وَفِي مُتَعَلِّمٍ يَكْتُبُ نَاقِلًا كِتَابَ رَجُلٍ. قَالَ: ثُمَّ يَقِفُ وَيَكْتُبُ امْرَأَتِي طَالِقٌ.
وَكَمَا كَتَبَ قَرَنَ الْكِتَابَةَ بِالتَّلَفُّظِ بِقَصْدِ الْحِكَايَةِ، لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ.
وَفِي الْقُنْيَةِ امْرَأَةٌ كَتَبَتْ: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَتْ لِزَوْجِهَا اقْرَأْ عَلَيَّ هَذَا، فَقَرَأَ لَا تَطْلُقُ.
وَمَا فِي الْفَتْحِ الْقَدِيرِ: وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَصْدِ بِالْخِطَابِ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ عَالَمًا بِمَعْنَاهُ أَوْ النِّيَّةِ كَمَا يُفِيدُهُ فُرُوعٌ.
وَذَكَرَ مَا ذَكَرْنَا فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ.
لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْوُقُوعِ قَضَاءً فِيمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ، وَإِنْ كَانَ شَرْطًا لِلْوُقُوعِ دِيَانَةً لَا قَضَاءً فَكَذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْوُقُوعَ قَضَاءً فِيمَا لَوْ كَرَّرَ مَسَائِلَ الطَّلَاقِ بِحَضْرَتِهَا.
وَفِي الْمُتَعَلِّمِ: فَالْحَقُّ مَا اقْتَصَرْنَا عَلَيْهِ (انْتَهَى كَلَامُهُ) .
قِيلَ وَهَذَا وَهْمٌ ظَاهِرٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ شَرْطُ الْوُقُوعِ قَضَاءً وَدِيَانَةً فَخَرَجَ مَا لَا يَقَعُ فِيهِ لَا قَضَاءً وَلَا دِيَانَةً.
كَمَنْ كَرَّرَ مَسَائِلَ الطَّلَاقِ وَمَا يَقَعُ فِيهِ قَضَاءً فَقَطْ كَمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِالطَّلَاقِ.
وَبِهِ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يَرِدُ عَلَى مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ فِيهِ دِيَانَةً كَمَا أَفْصَحَ بِهِ ابْنُ الْهُمَامِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ، حَيْثُ قَالَ: وَهُوَ يُشِيرُ إلَيْهِ، أَيْ إلَى الْوُقُوعِ قَضَاءً فَقَطْ.
أَقُول: فِي الْخُلَاصَةِ بَعْدَ ذِكْرِ مَا لَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِالطَّلَاقِ وَلَوْ كَانَ بِالْعَتَاقِ يَدِينُ (انْتَهَى) .
يَعْنِي لَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَبِهَذَا يَبْطُلُ قَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ: أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْقَضَاءِ بِشَرْطِ أَنْ يَقْصِدَ خِطَابَهَا الظُّهُورُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ اسْقِنِي فَسَبَقَ لِسَانُهُ بِالْخِطَابِ لَمْ يَقْصِدْهُ خِطَابَهَا.
(١٠٩) قَوْلُهُ: غَافِلًا أَوْ سَاهِيًا.
الْغَفْلَةُ سَهْوٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ قِلَّةِ التَّحَفُّظِ وَالتَّيَقُّظِ كَمَا فِي عُمْدَةِ الْحُفَّاظِ فِي تَفْسِيرِ أَشْرَفِ الْأَلْفَاظِ، لِلْعَلَّامَةِ الشِّهَابِ السَّمِينِ؛ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ السَّهْوَ مُرَادِفٌ لِلْغَفْلَةِ وَحِينَئِذٍ يُشْكِلُ عَطْفُهُ بِأَوْ.
وَفِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ أَنَّ النِّسْيَانَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ التَّرْكِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: النِّسْيَانُ تَرْكُ الْإِنْسَانِ ضَبْطَ مَا اسْتَوْدَعَ عَلَى حِفْظِهِ إمَّا لِضَعْفِ قَلْبِهِ وَإِمَّا عَنْ غَفْلَةٍ وَإِمَّا عَنْ قَصْدٍ، حَتَّى يَنْحَذِفَ عَنْ قَلْبِهِ ذِكْرُهُ (انْتَهَى) .
وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ النِّسْيَانَ غَيْرُ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ.
стр. 76
أَوْ مُخْطِئًا وَقَعَ، ١١١ - حَتَّى قَالُوا.
إنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِالْأَلْفَاظِ الْمُصَحَّفَةِ قَضَاءً، وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَهَا بِاللَّفْظِ.
قَالُوا لَوْ كَرَّرَ مَسَائِلَ الطَّلَاقِ بِحَضْرَتِهَا وَيَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ، لَمْ يَقَعْ وَلَوْ كَتَبْت امْرَأَتِي طَالِقٌ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَقَالَتْ لَهُ اقْرَأْ عَلَيَّ فَقَرَأَ عَلَيْهَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا ١١٢ - لِعَدَمِ قَصْدِهَا بِاللَّفْظِ. ١١٣ -
وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ: إنَّ الصَّرِيحَ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: أَوْ مُخْطِئًا.
وَقَعَ شَرْحُ الْبُخَارِيِّ لِلْعَيْنِ: إنَّمَا يَصِحُّ طَلَاقُ الْمُخْطِئِ لِأَنَّ الْقَصْدَ أَمْرٌ بَاطِنِيٌّ، لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، بَلْ يَتَعَلَّقُ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ الدَّالِ، وَهُوَ أَهْلِيَّةُ الْقَصْدِ بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ فَإِنْ قِيلَ: عَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ طَلَاقُ النَّائِمِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ النَّوْمَ يُنَافِي أَصْلَ الْعَمَلِ بِالْعَقْلِ لِأَنَّ النَّوْمَ مَانِعٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ نُورِ الْعَقْلِ فَكَانَتْ أَهْلِيَّةُ الْقَصْدِ مَعْدُومَةً بِيَقِينٍ، فَافْهَمْ.
(١١١) قَوْلُهُ: حَتَّى قَالُوا إنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِالْأَلْفَاظِ الْمُصَحَّفَةِ قَضَاءً.
الْأَلْفَاظُ الْمُصَحَّفَةُ خَمْسٌ: تَلَاقٌ وَتَلَاغٌ وَطَلَاغٌ وَتَلَاكٌ وَطَلَاكٌ فَيَقَعُ قَضَاءً، وَلَا يَصْدُقُ إلَّا إذَا أُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ التَّكَلُّمِ، بِأَنْ قَالَ: امْرَأَتِي قَبِلَتْ مِنِّي الطَّلَاقَ وَأَنَا لَا أُطَلِّقُ فَأَقُولُ هَذَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
كَذَا فِي الْبَحْرِ.
وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ يَشْتَمِلُ مَا إنْ لَمْ يَكُنْ أَلْثَغَ وَفِي الْمُحِيطِ مِنْ بَابِ الْحِيَلِ وَالتَّعْرِيضِ فِي الْخَلْفِ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَارِقٌ. وَأَدْغَمَ الرَّاءَ وَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا يَفْهَمَ ذَلِكَ مَنْ يَسْمَعُ خَلْفَهُ، لَا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ شَيْءٌ فَلَا تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ لِأَنَّ طَارِقًا لَيْسَ بِطَالِقٍ (انْتَهَى) .
وَفِيهِ تَأَمَّلْ.
(١١٢) قَوْلُهُ: لِعَدَمِ قَصْدِهَا قِيلَ صَوَابُهُ.
قَصْدِهِ لِأَنَّ قَصْدَهَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ (انْتَهَى) .
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ قَصْدِهَا مَصْدَرٌ مُضَافٌ إلَى الْمَفْعُولِ لَا الْفَاعِلِ كَمَا فَهِمَ الْمُصَنِّفُ.
(١١٣) قَوْلُهُ: وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ أَنَّ الصَّرِيحَ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ قِيلَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الطَّلَاقِ فِي الصَّرِيحِ مَعَ ظُهُورِ الْمُرَادِ بِهِ، حَتَّى يَخْرُجَ مَا لَوْ كَانَ يُكَرِّرُ مَسَائِلَ الطَّلَاقِ بِحَضْرَتِهَا كَمَا مَرَّ
стр. 77
وَقَالُوا: لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ؛ نَاوِيًا الطَّلَاقَ مِنْ وَثَاقٍ لَمْ يَقَعْ دِيَانَةً وَوَقَعَ قَضَاءً، وَفِي عِبَارَةِ بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ طَلَاقَ الْمُخْطِئِ وَاقِعٌ قَضَاءً لَا دِيَانَةً، فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الصَّرِيحَ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا قَضَاءً وَيَحْتَاجُ إلَيْهَا دِيَانَةً، وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ إنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا هَازِلًا يَقَعُ قَضَاءً وَدِيَانَةً، ١١٥ - لِأَنَّ الشَّارِعَ، جَعَلَ هَزْلَهُ بِهِ جِدًّا.
وَقَالُوا ١١٦ - لَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي أَنْتِ طَالِقٌ، وَلَا نِيَّةُ الْبَائِنِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَقَالُوا: لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ نَاوِيًا الطَّلَاقَ مِنْ وَثَاقٍ لَمْ يَقَعْ دِيَانَةً وَلَوْ نَوَى عَنْ الْعَمَلِ لَمْ يَصْدُقْ أَصْلًا، وَعَنْهُ صَدَقَ دِيَانَةً كَمَا فِي التُّحْفَةِ.
وَلَوْ نَوَى الْإِخْبَارَ كَذِبًا لَمْ يَصْدُقْ قَضَاءً، كَمَا فِي الْمَشَارِعِ.
كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْقُهُسْتَانِيِّ وَالْوَثَاقُ بِفَتْحِ الْوَاو وَكَسَرَهَا الْقَيْدُ.
وَمَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ تَبَعًا لِبَعْضِهِمْ قَيَّدَهُ فِي الْمُحِيطِ بِمَا إذَا لَمْ يُقْرِنْهُ بِالثَّلَاثِ أَمَّا لَوْ قَرَنَهُ لَمْ يَصْدُقْ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ رَفْعُ الْقَيْدِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَانْصَرَفَ إلَى قَيْدِ النِّكَاحِ كَيْ لَا يَلْغُوَ (انْتَهَى) .
وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُفِيدُ اتِّحَادَ الْحُكْمِ فِيمَا لَوْ قَالَ مَرَّتَيْنِ.
(١١٥) قَوْلُهُ: لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ هَزْلَهُ جِدًّا قَالَ ﵊ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ»
(١١٦) قَوْلُهُ: لَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي أَنْتِ طَالِقٌ إلَخْ.
أَقُولُ: حَقُّ الْعِبَارَةِ وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الْبَائِنِ وَاحِدًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، بَلْ يَقَعُ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بِنِيَّةِ الْإِبَانَةِ قَصَدَ تَنْجِيزَ مَا عَلَّقَهُ الشَّارِعُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
فَيُرَدُّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا كَانَ وَاحِدَةً لَا أَكْثَرَ، لِأَنَّهُ لَفْظٌ فَرْدٌ حَتَّى قِيلَ لِلْمَثْنَى طَالِقَانِ وَلِلثَّلَاثِ طَوَالِقُ فَلَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ.
وَذِكْرُ الطَّالِقِ ذِكْرَ الطَّلَاقِ هُوَ صِفَةٌ لِلْمَرْأَةِ.
لَا الطَّلَاقُ هُوَ تَطْلِيقٌ وَالْعَدَدُ الَّذِي يَقْتَرِنُ بِهِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَعْنَاهُ طَلَاقًا ثَلَاثًا كَقَوْلِك أَعْطَيْته جَزِيلًا.
كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: أَنَّ ذِكْرَ طَالِقٍ ذَكَرَ الطَّلَاقِ، هُوَ صِفَةٌ لِلْمَرْأَةِ مَا بَيَّنَهُ الْعَلَّامَةُ التَّفْتَازَانِيِّ فِي التَّلْوِيحِ مِنْ أَنَّ الطَّلَاقَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ طَالِقٌ لُغَةً، صِفَةٌ لِلْمَرْأَةِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُتَعَدِّدٍ فِي ذَاتِهِ بَلْ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ مَلْزُومِهِ أَعْنِي التَّطْلِيقَ الَّذِي هُوَ صِفَةُ الرَّجُلِ.
стр. 78
وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ فِي الْمَصْدَرِ؛ أَنْتِ الطَّلَاقُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ أَمَةً، ١١٨ - وَتَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَهُوَ هُنَا غَيْرُ ثَابِتٍ لُغَةً بَلْ اقْتِضَاءً؛ فَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِيهِ فَلَا يَصِحُّ فِيمَا تُبْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا الْوَجْهُ مَذْكُورٌ فِي الْهِدَايَةِ.
وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ جَوَابًا عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: إنَّ ذِكْرَ الطَّالِقِ ذِكْرٌ لِلطَّلَاقِ لُغَةً.
كَذَلِكَ ذِكْرُ الْعَالِمِ ذِكْرٌ لِلْعِلْمِ.
فَقَالَ ذِكْرُ الطَّالِقِ ذِكْرٌ لِلطَّلَاقِ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لِلْمَرْأَةِ، لَا لِلطَّلَاقِ الَّذِي هُوَ تَطْلِيقٌ (انْتَهَى) .
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا يَتَضَمَّنُ مَصْدَرًا هُوَ صِفَةٌ لِلْمَرْأَةِ.
وَغَيْرُ مُتَعَدِّدٍ لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ مَلْزُومِهِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ الرَّجُلِ، أَعْنِي التَّطْلِيقَ فَيَكُونُ ثَابِتًا اقْتِضَاءً، فَلَا يَعُمُّ إذْ لَا عُمُومَ لِلْمُقْتَضَى عِنْدَنَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْوَحْدَةُ الِاعْتِبَارِيَّةُ كَمَا يُرَادُ مِنْ الصَّرِيحِ كَسَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ بِأَنْ يُرَادَ مَجْمُوعُ أَفْرَادِ الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَجْمُوعٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ وَالْمَجَازُ صِفَةُ اللَّفْظِ وَالْمُقْتَضَى لَيْسَ بِلَفْظٍ.
هَذَا مُرَادُ الْعَلَّامَةِ التَّفْتَازَانِيِّ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي التَّلْوِيحِ
(١١٧) قَوْلُهُ: وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ فِي أَنْتِ الطَّلَاقُ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ حَيْثُ يُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلَاقِ كَانَ الْغَالِبُ إرَادَةُ الِاسْمِ بِهِ، كَرَجُلٍ عَدْلٍ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ صَرِيحًا فِيهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ أَنْتِ ذَاتُ طَلَاقٍ، أَوْ أَنَّهُ جَعَلَهَا عَنْيَهُ ادِّعَاءَ مُبَالَغَةٍ وَبِتَقْدِيرِهَا تَصِحُّ إرَادَةُ الثَّلَاثِ وَلَمَّا كَانَ هَذَا مِنْ مُحْتَمَلَاتِ اللَّفْظِ تَوَقَّفَ عَلَى النِّيَّةِ.
وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا أَوْرَدَهُ مِنْ أَنَّهُ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الِاسْمُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ مَصْدَرًا لِأَنَّ الْإِرَادَةَ بِاللَّفْظِ لَيْسَتْ إلَّا بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ فَإِذَا فُرِضَ أَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَ إلَّا مَا تَصْلُحُ إرَادَتُهُ مَعَهُ فَكَيْفَ يُرَادُ بِهِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ.
كَذَا فِي الْفَتْحِ مُلَخَّصًا.
هَذَا وَنِيَّةُ الثَّلَاثِ إنَّمَا صَحَّتْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، بِخِلَافِ الثِّنْتَيْنِ فِي الْحُرَّةِ لِأَنَّهُ عَدَدٌ مَحْضٌ.
وَأَلْفَاظُ الْوُحْدَانِ لَا يُرَاعَى فِيهَا الْعَدَدُ الْمَحْضُ بَلْ التَّوْحِيدُ وَهُوَ بِالْفَرْدِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ الْجِنْسِيَّةِ وَالْمَثْنَى بِمَعْزِلٍ عَنْهُمَا.
(١١٨) قَوْلُهُ: وَتَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ.
قِيلَ يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَاحِدَةً وَأَمَّا إذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً قَبْلَ ذَلِكَ يَقَعُ وَاحِدَةً لِأَنَّهُ فَرْدٌ حَقِيقَةً وَلَوْ نَوَى ثِنْتَيْنِ
стр. 79
وَأَمَّا كِنَايَاتُهُ ١٢٠ - فَلَا يَقَعُ بِهَا إلَّا بِالنِّيَةِ دِيَانَةً، سَوَاءً كَانَ مَعَهَا مُذَاكَرَةُ الطَّلَاقِ أَوْ لَا.
وَالْمُذَاكَرَةُ إنَّمَا تَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ فِي الْقَضَاءِ ١٢١ - إلَّا فِي لَفْظِ الْحَرَامِ، فَإِنَّهُ كِنَايَةٌ وَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فَيَنْصَرِفُ إلَى الطَّلَاقِ إذَا كَانَ الزَّوْجُ مِنْ قَوْمٍ يُرِيدُونَ بِالْحَرَامِ الطَّلَاقَ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَأَمَّا كِنَايَاتُهُ.
الْكِنَايَةُ لُغَةً شَيْءٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ يُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ وَشَرِيعَةً مَا اُعْتُبِرَ فِي نَفْسِهِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ أَوْ الْمَجَازِيُّ؛ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ الْمَهْجُورَةَ كِنَايَةٌ كَالْمَجَازِ غَيْرِ الْغَالِبِ الِاسْتِعْمَالِ.
وَكِنَايَةُ الطَّلَاقِ مَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ فَيَسْتَتِرُ الْمُرَادُ مِنْهُ فِي نَفْسِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْكِنَايَةِ هُنَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَيَانِيُّونَ مِمَّا اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَاهُ لِيَنْتَقِلَ بِقَرِينَتِهِ إلَى مَلْزُومِهِ الَّذِي هُوَ الطَّلَاقُ، فَإِنَّ الْبَائِنَ مَثَلًا مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ لِيَنْتَقِلَ بِقَرِينَتِهِ إلَى مَلْزُومِهِ الَّذِي هُوَ الطَّلَاقُ فَتَطْلُقُ بِصِفَةِ الْبَيْنُونَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَرَدَّ بِأَنَّ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا فِي الْوَاقِعِ فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ الطَّلَاقُ بِصِفَةِ الْبَيْنُونَةِ كَمَا فِي التَّلْوِيحِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ لَكِنْ بِمُلَاحَظَةِ لَازِمِهِ فَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُكَنَّى عَنْهُ طُولُ الْقَامَةِ إذَا لُوحِظَ اتِّصَافَةٌ بِطُولِ النِّجَادِ.
وَلَوْ فَرَضْنَا عَلَى أَنَّ الْبَائِنَ إنَّمَا يَكُونُ كِنَايَةً عَنْ الطَّلَاقِ الْمَلْزُومِ لِلْبَيْنُونَةِ لَا عَنْ مُطْلَقِ الطَّلَاقِ فَيَسْتَلْزِمُ الْبَيْنُونَةَ لِاسْتِتْبَاعِهِ لَهَا، فَثَبَتَ الطَّلَاقُ بِصِفَةِ الْبَيْنُونَةِ.
(١٢٠) قَوْلُهُ: فَلَا يَقَعُ بِهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ إلَخْ.
فَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَا يَقَعُ لِاحْتِمَالِهِ غَيْرَ الطَّلَاقِ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي تَرْكِهِ النِّيَّةَ كَمَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْقُهُسْتَانِيِّ وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ دِيَانَةً لَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ قَضَاءً وَإِنَّمَا نَوَى وَفِيهِ نَظَرٌ.
(١٢١) قَوْلُهُ: إلَّا فِي لَفْظِ الْحَرَامِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِ بِلَا نِيَّةٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالصَّرِيحِ فَيَقَعَ رَجْعِيًّا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ إنَّمَا هُوَ إيقَاعُ الْبَائِنِ بِهِ لَا الرَّجْعِيِّ، وَالْجَوَابُ مُتَهَافِتٌ.
هَذَا، وَلَوْ قَالَ وَهَبْتُكِ طَلَاقَكِ وَقَعَ قَضَاءً بِلَا نِيَّتِهِ.
وَصَرَّحَ فِي الْمُجْتَبَى بِأَنَّ لَفْظَ الصَّرِيحِ يَقَعُ بِهِ الرَّجْعِيُّ بِلَا نِيَّةٍ.
بِهِ أَفْتَى مَشَايِخُ خَوَارِزْمَ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ.
وَلَوْ قَالَ اذْهَبِي فَتَزَوَّجِي وَقَالَ: لَمْ أَنْوِ، لَمْ يَقَعْ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إنْ أَمْكَنَك.
قَالَهُ قَاضِي خَانْ.
وَفِي الْحَافِظِيَّةِ وُقُوعُهُ بِالْوَاوِ بِلَا نِيَّةٍ (انْتَهَى) .
стр. 80
وَأَمَّا تَفْوِيضُ الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ صَرِيحًا لَا تُشْتَرَطُ لَهُ النِّيَّةُ، وَمَا كَانَ كِنَايَةً اُشْتُرِطَتْ لَهُ.
وَأَمَّا الرَّجْعَةُ فَكَالنِّكَاحِ لِأَنَّهَا اسْتِدَامَتُهُ، لَكِنْ مَا كَانَ مِنْهَا صَرِيحًا ١٢٣ - لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا، وَكِنَايَتُهَا تَحْتَاجُ إلَيْهَا
١٢٤ - وَأَمَّا الْيَمِينُ بِاَللَّهِ؛ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا فَيَنْعَقِدُ إذَا حَلَفَ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا أَوْ مُخْطِيًا أَوْ مُكْرَهًا.
وَكَذَا إذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَبِهِ يُعْلَمُ عَدَمُ صِحَّةِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي لَفْظِ الْحَرَامِ.
وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْفَضْلِ وَالْإِنْعَامِ
(١٢٢) قَوْلُهُ: وَأَمَّا تَفْوِيضُ الطَّلَاقِ إلَخْ.
هُوَ أَنْ يُفَوِّضَ إلَى شَخْصٍ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ أَوْ إلَيْهَا نَفْسَهَا وَالْخُلْعُ هُوَ أَنْ يَخْلَعَ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ عَلَى مَالٍ بِأَنْ يَقُولَ خَلَعْتُك عَلَى كَذَا وَالْإِيلَاءُ هُوَ أَنْ يَحْلِفَ أَنْ لَا يَقْرَبَ زَوْجَتَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَالظِّهَارُ هُوَ أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
مِثَالُهُ فِي تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ أَنْ يَقُولَ لَهَا اخْتَارِي وَأَمْرُك بِيَدِك وَفِي الْخُلْعِ خَالَعْتُكَ أَوْ بَارَأْتُك.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْعِوَضَ لِأَنَّهُمَا كِنَايَتَانِ وَفِي الْإِيلَاءِ: لَا أَبِيت مَعَكِ عَلَى فِرَاشٍ وَلَا أَقْرَبُ فِرَاشَكِ، أَوْ لَا يَجْمَعُ رَأْسِي وَرَأْسَكِ وِسَادَةٌ فَهَذَا كِنَايَةٌ وَفِي الظِّهَارِ أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي.
فَكَمَا نَوَى لِأَنَّهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ (انْتَهَى) .
(١٢٣) قَوْلُهُ: تَحْتَاجُ إلَيْهَا أَيْ إلَى النِّيَّةِ إلَخْ.
كَقَوْلِهِ أَنْتِ عِنْدِي كَمَا كُنْت أَوْ أَنْتِ امْرَأَتِي فَهَذَا كِنَايَةٌ
(١٢٤) قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْيَمِينُ بِاَللَّهِ إلَى قَوْلِهِ أَوْ نَاسِيًا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ سَاهِيًا.
قِيلَ الْمُرَادُ بِالنَّاسِي الْمُخْطِئُ كَمَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ اسْقِنِي الْمَاءَ فَقَالَ وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ وَقِيلَ مَنْ تَلَفَّظَ بِالْيَمِينِ ذَاهِلًا عَنْهُ وَالْمُلْجِئُ إلَى ذَلِكَ أَنَّ حَقِيقَةَ النِّسْيَانِ فِي الْيَمِينِ لَا يُتَصَوَّرُ. كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ.
قَالَ الْعَيْنِيُّ وَتَبِعَهُ الشُّمُنِّيُّ بَلْ يُتَصَوَّرُ بِأَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَحْلِفَ ثُمَّ نَسِيَ الْحَلِفَ السَّابِقَ فَحَلَفَ.
وَرَدَّ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّهُ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا لَا أَنَّهُ حَلَفَ نَاسِيًا انْتَهَى.
وَأَقُولُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ نَاسِيًا فِي التَّصْوِيرِ الْمَذْكُورِ وَجُودُ الْحَلِفِ نَاسِيًا حَيْثُ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ الْحَلِفَ
стр. 81
وَأَمَّا نِيَّةُ تَخْصِيصِ الْعَامِّ فِي الْيَمِينِ فَمَقْبُولَةٌ دِيَانَةً اتِّفَاقًا، وَقَضَاءً عِنْدَ الْخَصَّافِ، ١٢٦ - وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ إنْ كَانَ الْحَالِفُ مَظْلُومًا.
وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ هَلْ الِاعْتِبَارُ لِنِيَّةِ الْحَالِفِ أَوْ لِنِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفْ؟
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَأَمَّا نِيَّةُ تَخْصِيصِ الْعَامِّ فِي الْيَمِينِ بِالنِّيَّةِ فَمَقْبُولَةٌ دِيَانَةً اتِّفَاقًا.
ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْحَلِفُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ بِالْفَارِسِيَّةِ.
وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْخَانِيَّةِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا: رَجُلُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ أَعْطَيْت مِنْ حِنْطَتِي أَحَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَقَالَ نَوَيْت بِذَلِكَ أُمَّهَا صُدِّقَ دِيَانَةً لِأَنَّهُ نَوَى تَخْصِيصَ الْعَامِّ وَذَلِكَ جَائِزٌ دَيَّانَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَعَلَى قَوْلِ الْخَصَّافِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ فِي مِثْلِ هَذَا مُطْلَقًا.
قَالُوا هَذَا إذَا قَالَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَإِنْ قَالَ بِالْفَارِسِيَّةِ لَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرِقَّ بَيْنَ الْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ (١٢٦) قَوْلُهُ: وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ.
نَقَلَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ مِنْ الطَّلَاقِ أَنَّ نِيَّةَ تَخْصِيصِ الْعَامِّ لَا تَصِحُّ وَعِنْدَ الْخَصَّافِ تَصِحُّ حَتَّى أَنَّ مَنْ حَلَفَ وَقَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ نَوَيْت مِنْ بَلَدِ كَذَا لَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ الْخَصَّافُ تَصِحُّ وَكَذَا مِنْ غَصَبَ دَرَاهِمَ إنْسَانٍ وَوَقَّتَ الْخَصْمُ عَمَّا نَوَى خَاصًّا لَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ الْخَصَّافُ تَصِحُّ وَلَكِنَّ هَذَا فِي الْقَضَاءِ أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَنِيَّةُ تَخْصِيصِ الْعَامِّ صَحِيحَةٌ بِالْإِجْمَاعِ.
وَمَا قَالَهُ الْخَصَّافُ مُخَلَّصٌ لِمَنْ حَلِفُهُ ظَالِمٌ وَالْفَتْوَى عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
فَمَنْ وَقَعَ فِي أَيْدِي الظَّلَمَةِ وَأَخَذَ بِقَوْلِ الْخَصَّافِ لَا بَأْسَ بِهِ (انْتَهَى) .
وَفِي الْخُلَاصَةِ فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ مَظْلُومًا يُفْتَى بِقَوْلِ الْخَصَّافِ (انْتَهَى) .
وَفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِ الشَّيْخِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الْخَصَّافِ وَقَوْلِ الْوَلْوَالِجيَّةِ فَمَتَى وَقَعَ فِي أَيْدِي الظَّلَمَةِ وَأَخَذَ بِقَوْلِ الْخَصَّافِ لَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَا قَوْلُ صَاحِبِ الْخُلَاصَةِ يُفْتَى بِقَوْلِ الْخَصَّافِ فَتَأَمَّلْ.
قِيلَ لَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ قَالَ لَا أَشْتَرِي جَارِيَةً وَنَوَى مُوَلِّدَةً فَإِنَّ نِيَّتَهُ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ تَخْصِيصُ الصِّفَةِ فَأَشْبَهَ الْبَصْرِيَّةَ وَالْكُوفِيَّةَ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى مِنْ بَلْدَةِ كَذَا كَذَا فِي الْوُصُولِ إلَى تَحْرِيرِ الْوُصُولِ وَكَمَا يُخَصَّصُ الْعَامُّ بِالنِّيَّةِ يُخَصَّصُ بِقَرِينَةِ الْحَالِ وَمِنْهُ مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة لَوْ قَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ يَقَعُ عَلَى
стр. 82
وَالْفَتْوَى عَلَى اعْتِبَارِ نِيَّةِ الْحَالِفِ إنْ كَانَ مَظْلُومًا خُصُوصًا، لَا إنْ كَانَ ظَالِمًا، كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ.
وَأَمَّا الْإِقْرَارُ وَالْوَكَالَةُ فَيَصِحَّانِ بِدُونِهَا، وَكَذَا الْإِيدَاعُ وَالْإِعَارَةُ وَالْإِجَازَةُ وَكَذَا الْقَذْفُ وَالسَّرِقَةُ
. وَأَمَّا الْقِصَاصُ فَمُتَوَقِّفٌ عَلَى قَصْدِ الْقَاتِلِ الْقَتْلَ، قَالُوا: لَمَّا كَانَ الْقَصْدُ أَمْرًا بَاطِنِيًّا أُقِيمَتْ الْآلَةُ مَقَامَهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ بِمَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ عَادَةً كَانَ عَمْدًا وَوَجَبَ الْقِصَاصُ، وَإِلَّا فَإِنْ قَتَلَهُ بِمَا لَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ عَادَةً، لَكِنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ لَا قِصَاصَ فِيهِ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ.
وَأَمَّا الْخَطَأُ بِأَنْ يَقْصِدَ مُبَاحًا فَيُصِيبُ آدَمِيًّا كَمَا عُلِمَ فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
كُلِّ قَتِيلٍ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ مَا لَمْ يَرْجِعُوا وَإِنْ قَالَ حَالَ الْقِتَالِ يُقَيَّدُ بِذَلِكَ الْقِتَالِ.
وَفِي التَّلْوِيحِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَصِيرِيِّ مَا جَازَ تَخْصِيصُهُ بِالنِّيَّةِ جَازَ تَخْصِيصُهُ بِالْعُرْفِ لِأَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ النَّاسِ فَلَمَّا جَازَ تَخْصِيصُهُ بِإِرَادَتِهِ وَحْدَهُ جَازَ تَخْصِيصُهُ بِإِرَادَةِ جَمِيعِ النَّاسِ كَيْفَ وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى إرَادَتِهِ أَيْضًا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِفْهَامُ وَتَحْصِيلُ الْمَقْصُودِ مِنْ الْكَلَامِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُتَعَارَفِ وَلِهَذَا حَمَلْنَا اللَّفْظَ عَلَى الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ (انْتَهَى) .
(١٢٧) قَوْلُهُ: وَالْفَتْوَى عَلَى اعْتِبَارِ نِيَّةِ الْحَالِفِ إنْ كَانَ مَظْلُومًا.
قَيَّدَهُ بَعْضُ أَرْبَابِ الْفَتْوَى بِمَا إذَا كَانَ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى؛ أَمَّا إذَا كَانَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ فَالِاعْتِبَارُ بِنِيَّةِ الْحَالِفِ مُطْلَقًا.
قَالَ فِي مَآلِ الْفَتَاوَى: إذَا اسْتَحْلَفَهُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ ظُلْمٌ.
وَالنِّيَّةُ نِيَّةُ الْحَالِفِ وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحْلِفُ مُحِقًّا وَفِيهَا أَيْضًا الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ إنْ كَانَ مَظْلُومًا وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ مَظْلُومًا فَعَلَى نِيَّتِهِ وَفِي تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ: الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ إنْ كَانَ مَظْلُومًا وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَعَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ.
وَهَذَا عَلَى أَمْرٍ فِي الْمَاضِي أَمَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَعَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَحْلِفِ الِاسْتِحْلَافُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
فَلَمْ يَكُنْ الْحَالِفُ ظَالِمًا (انْتَهَى) .
وَفِي الْخُلَاصَةِ: الْيَمِينُ إذَا كَانَتْ بِالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ أَوْ مَا
стр. 83
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، قَالُوا: إنَّ الْقُرْآنَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ بِالْقَصْدِ، فَجَوَّزُوا لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ قِرَاءَةَ مَا فِيهِ مِنْ الْأَذْكَارِ بِقَصْدِ الذِّكْرِ، وَالْأَدْعِيَةِ بِقَصْدِ الدُّعَاءِ، لَكِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: لَوْ قَرَأَ بِقَصْدِ الذِّكْرِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
شَاكَلَ ذَلِكَ. النِّيَّةُ نِيَّةُ الْحَالِفِ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا (انْتَهَى) . وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: رَجُلٌ حَلَّفَ رَجُلًا فَحَلَفَ وَنَوَى غَيْرَ مَا أَرَادَ الْمُسْتَحْلِفُ إنْ كَانَ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَيُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْمُحَلِّفِ ظَالِمًا كَانَ أَوْ مَظْلُومًا. وَإِنْ كَانَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ مَظْلُومًا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ ظَالِمًا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْمُحَلِّفِ (انْتَهَى) . فَظَهَرَ بِمَا نَقْلنَا أَنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ ﵀ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَبِمَا إذَا كَانَ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمَاضِي. ثُمَّ لَا يَخْفَى عَلَيْك مُخَالَفَةُ عِبَارَةِ مَآلِ الْفَتَاوَى لِلْأُخْرَى وَمُخَالَفَتُهُ لِتَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ لَهَا. فَتَأَمَّلْ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: فِي الْأَيْمَانِ فِي الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ حَلَّفَ سُلْطَانٌ رَجُلًا لِيَأْخُذَ بِالتُّهْمَةِ غُرَمَاءَ الْمُتَوَارِي وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُمْ وَهُوَ يَعْلَمُهُمْ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ الرَّجُلِ الَّذِي تَوَارَى وَيُرِيدُ غَيْرَهُ كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى سَبِّ مُحَمَّدٍ ﷺ يُرِيدُ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِرَسُولٍ. وَلَا شَكَّ فِي صِحَّتِهِ عِنْدَ الْخَصَّافِ وَيُفْتَى بِقَوْلِهِ فِي الْمَظْلُومِ وَمِثْلِهِ فِي الْخَانِيَّةِ هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي الْمُعْتَبَرَاتِ فَاغْتَنِمْهُ
(١٢٨) قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. قَالُوا إنَّ الْقُرْآنَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا بِالْقَصْدِ إلَخْ. الْمُرَادُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي كَلَامِهِ مَا يَشْمَلُ عَلَى دُعَاءٍ وَذِكْرٍ بِدَلِيلِ آخِرِ كَلَامِهِ حَيْثُ قَالَ فَجَوَّزُوا لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ قِرَاءَةَ مَا فِيهِ مِنْ الْأَذْكَارِ بِقَصْدِ الذِّكْرِ وَالْأَدْعِيَةِ بِقَصْدِ الدُّعَاءِ فَعَلَى هَذَا إنْ لَمْ يَقْصِدْ أَحَدَهُمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْآيَةِ وَمَا دُونَهَا عِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَرَجَّحَهُ جَمْعٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَنَسَبَهُ فِي الْبَدَائِعِ إلَى الْعَامَّةِ لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ: «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَلَا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» وَشَيْئًا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ وَأَبَاحَ الطَّحَاوِيُّ مَا دُونَ الْآيَةِ وَرَجَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّصْحِيحَ قَدْ اخْتَلَفَ فِيمَا دُونَ الْآيَةِ، وَتَرْجِيحُ الْأَوَّلِ أَوْلَى لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ مُطْلَقَةٌ وَالتَّعْلِيلُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ مَرْدُودٌ. هَذَا وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي تَعْلِيمِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ يُلَقَّنُ كَلِمَةً كَلِمَةً وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ يَقْرَأَ آيَةً تَامَّةً. كَذَا فِي
стр. 84
وَأَجَبْنَا عَنْهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ بِأَنَّهُ فِي مَحِلِّهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِعَزِيمَتِهِ.
وَقَالُوا: إنَّ الْمَأْمُومَ إذَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بِنِيَّةِ الذِّكْرِ لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْخُلَاصَةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهَذَا عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ.
أَمَّا عَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ فَتَعْلِيمُ نِصْفِ الْآيَةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ.
عَلَى أَنَّ فِي تَخْرِيجِ هَذَا عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ نَظَرٌ لِأَنَّهُ قَائِلٌ بِاسْتِوَاءِ الْآيَةِ وَمَا دُونَهَا فِي الْمَنْعِ، إذَا كَانَ ذَلِكَ بِقَصْدِ الْقُرْآنِ.
وَلَا شَكَّ فِي صِدْقِ مَا دُونَ الْآيَةِ عَلَى الْكَلِمَةِ وَإِنْ حُمِلَ عَلَى قَصْدِ التَّعْلِيمِ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالْكَلِمَةِ وَأَقُولُ: بَلْ التَّرْجِيحُ صَحِيحٌ إذْ الْكَرْخِيُّ وَإِنْ مَنَعَ مَا دُونَ الْآيَةِ لَكِنْ بِهِ يُسَمَّى قَارِيًا.
وَلِهَذَا قَالُوا يُكْرَهُ التَّهَجِّي بِالْقِرَاءَةِ.
وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ بِالتَّعْلِيمِ كَلِمَةً كَلِمَةً لَا يُعَدُّ قَارِئًا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَقُولُ فِيهِ بَحْثٌ، إذْ الذِّكْرُ لَا يُبْطِلُهَا وَالصَّوَابُ فِي التَّعْبِيرِ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْقُرْآنَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا بِالْقَصْدِ إلَّا إذَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ فَالنِّيَّةُ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِيهَا.
فَتَأَمَّلْ (١٢٩) قَوْلُهُ: وَأَجَبْنَا عَنْهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ بِأَنَّهُ فِي مَحِلِّهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِعَزِيمَتِهِ.
حَاصِلُ الْجَوَابِ تَقْيِيدُ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْقُرْآنَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا بِالنِّيَّةِ، بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي مَحِلِّهِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرُ سَقَطَ مَا قِيلَ إذَا كَانَ الْإِشْكَالُ نَقَضًا لِقَوْلِك الْقُرْآنُ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا بِالنِّيَّةِ فَالْجَوَابُ الْمَذْكُورُ تَقْرِيرٌ لِلْإِشْكَالِ (انْتَهَى) .
يَعْنِي لِأَنَّ غَايَةَ مَا أَفَادَهُ أَنَّ الْقُرْآنَ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا بِالنِّيَّةِ لِكَوْنِهِ فِي مَحِلِّهِ فَتَدَبَّرْ.
بَقِيَ أَنْ يُقَالَ نَسَبَ الْمُصَنِّفُ ﵀ الْجَوَابَ هُنَا إلَى نَفْسِهِ وَنَسَبَهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَلَّامَةِ الْخَاصِّيِّ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُمْ قَالُوا هُنَا، وَفِي بَابِ مَا يَقْصِدُ، الصَّلَاةَ إنَّ الْقُرْآنَ يَتَغَيَّرُ بِالْعَزِيمَةِ فَأَوْرَدَ الْخَاصِّيُّ بِأَنَّ الْعَزِيمَةَ لَوْ كَانَتْ مُغَيِّرَةً لِلْقُرْآنِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ لَا تَكُونُ مُجْزِيَةً.
وَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهَا مُجْزِيَةٌ وَأَجَابَ بِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي مَحِلِّهَا لَا تَتَغَيَّرُ بِالْعَزِيمَةِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ فَقَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ لَا يُجْزِيهِ (انْتَهَى)
стр. 85
مَعَ أَنَّهُ تَحْرُمُ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا الضَّمَانُ؛ فَهَلْ يَتَرَتَّبُ فِي شَيْءٍ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ؟ ١٣١ - فَقَالُوا فِي الْمُحْرِمِ: إذَا لَبِسَ ثَوْبًا ثُمَّ نَزَعَهُ وَمِنْ قَصْدِهِ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ لَا يَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ، وَإِنْ قَصَدَ أَنْ لَا يَعُودَ إلَيْهِ تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ بِلُبْسِهِ.
وَقَالُوا فِي الْمُودَعِ إذَا لَبِسَ ثَوْبَ الْوَدِيعَةِ ثُمَّ نَزَعَهُ وَفِي نِيَّتِهِ أَنْ يَعُودَ إلَى لُبْسِهِ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الضَّمَانِ.
وَأَمَّا التُّرُوكُ؛ كَتَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَذَكَرُوهُ فِي الْأُصُولِ فِي بَحْثِ، مَا تُتْرَكُ بِهِ الْحَقِيقَةُ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّهُ تَحْرُمُ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِهَذَا الْكَلَامِ إبْدَاءُ الْإِشْكَالِ عَلَى عَدَمِ حُرْمَةِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ إذَا قَصَدَ بِهَا الذِّكْرَ؛ وَفِيهِ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالصَّلَاةِ مُطْلَقَ الصَّلَاةِ الشَّامِلَةِ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَمُسَلَّمٌ لِتَصْرِيحِهِمْ، بَلْ تَصْرِيحُهُ بِعَدَمِ حُرْمَتِهَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إنْ قَصَدَ بِهَا الذِّكْرَ وَإِنْ أَرَادَ بِالصَّلَاةِ ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَمُسَلَّمٌ أَيْضًا لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ مَمْنُوعٌ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ خَلْفَ الْإِمَامِ، سَوَاءٌ قَصَدَ الذِّكْرَ أَوْ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لِمَطْلُوبِيَّةِ الْإِنْصَاتِ فِيهَا بِخِلَافِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، فَلِأَنَّهَا مَحِلُّ الدُّعَاءِ وَلَيْسَتْ مَحِلًّا لِلْقِرَاءَةِ.
وَإِنْ جَازَتْ الْقِرَاءَةُ فِيهَا خَلْفَ الْإِمَامِ بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ.
فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: مَنْ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، إنْ قَرَأَهَا بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ لَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ قَرَأَهَا بِنِيَّةِ الْقِرَاءَةِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ مَحِلُّ الدُّعَاءِ وَلَيْسَ بِمَحِلِّ الْقِرَاءَةِ (انْتَهَى) .
وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ سَقَطَ مَا قِيلَ إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا فَمَمْنُوعٌ بِدَلِيلِ نَقْلِهِ عَدَمَ حُرْمَتِهَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَإِنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ ذَاتَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَمْ يَتِمَّ الْإِشْكَالُ (انْتَهَى)
(١٣١) قَوْلُهُ: فَقَالُوا فِي الْمُحْرِمِ إذَا لَبِسَ ثَوْبًا إلَخْ.
أَقُولُ هَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُكَفِّرْ لِلْأَوَّلِ وَقَالَ فِي النَّهْرِ: أَوْ نَزَعَ الثَّوْبَ لَيْلًا وَعَاوَدَ لُبْسَهُ نَهَارًا أَوْ عَكْسَهُ، تَجِبُ شَاةٌ إلَّا أَنْ يَعْزِمَ عَلَى التَّرْكِ عِنْدَ الْخَلْعِ، فَإِنْ عَزَمَ ثُمَّ لَبِسَ تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ إنْ كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ اتِّفَاقًا
стр. 86
عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فَذَكَرُوهُ فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ؛ ١٣٣ - وَحَاصِلُهُ أَنَّ تَرْكَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ، ١٣٤ - وَأَمَّا لِحُصُولِ الثَّوَابِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَإِلَّا فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ (انْتَهَى) .
وَفِي الْبَحْرِ لِلْمُصَنِّفِ ﵀: لَوْ كَانَ يَنْزِعُهُ لَيْلًا وَيُعَاوِدُهُ نَهَارًا أَوْ عَكْسَهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ، مَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَى التَّرْكِ عِنْدَ النَّزْعِ، فَإِنْ عَزَمَ عَلَيْهِ ثُمَّ لَبِسَ تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ أَمْ لَا وَفِي الثَّانِي خِلَافٌ لِمُحَمَّدٍ
(١٣٢) قَوْلُهُ: عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» حَيْثُ قَالُوا الْمُرَادُ بِالْأَعْمَالِ مَا يَشْتَمِلُ عَمَلَ الْقَلْبِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كَفُّ النَّفْسِ فِي النَّهْيِ فَإِنَّهُ عَمَلٌ، لَكِنَّ اعْتِبَارَ النِّيَّةِ فِي التُّرُوكِ إنَّمَا هُوَ لِحُصُولِ الثَّوَابِ لَا لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ، لِأَنَّ مَنَاطَ الْوَعِيدِ بِالْعِقَابِ فِي النَّهْي هُوَ فِعْلُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَمُجَرَّدُ تَرْكِهِ كَافٍ فِي انْتِفَاءِ الْوَعِيدِ.
وَمَنَاطُ الثَّوَابِ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَفُّ النَّفْسِ عَنْهُ وَهُوَ عَمَلٌ مُنْدَرِجٌ فِي الْحَدِيثِ.
وَعَلَى هَذَا فَفَرْقُ الشَّافِعِيِّ ﵀ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، بِأَنَّ الْوُضُوءَ فِعْلٌ فَيَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ، وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ مِنْ بَابِ التُّرُوكِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ، كَتَرْكِ الزِّنَا ضَعِيفٌ.
فَإِنَّ التَّكْلِيفَ أَبَدًا لَا يَقَعُ إلَّا بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مَقْدُورُ الْمُكَلَّفِ لَا لِعَدَمِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَقْدُورِ وُجُودِهِ قَبْلَ التَّكْلِيفِ كَمَا عُرِفَ فِي مُقْتَضَى النَّهْيِ أَنَّهُ كَفُّ النَّفْسِ عَنْ الْفِعْلِ لَا عَدَمِ الْفِعْلِ فَلِهَذَا لَا يُثَابُ الْمُكَلَّفُ عَلَى التُّرُوكِ إلَّا إذَا تَرَكَ قَاصِدًا، فَلَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِ الزِّنَا إلَّا إذَا كَفَّ نَفْسَهُ عَنْهُ قَصْدًا أَمَّا إذَا اشْتَغَلَ عَنْهُ بِالنَّوْمِ وَالْعِبَادَةِ وَتَرَكَهُ بِلَا قَصْدٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ الْمُوجِبَيْنِ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
(١٣٣) قَوْلُهُ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ تَرْكَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ إلَخْ.
لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ فِي النَّهْيِ الْكَفُّ أَيْ الِانْتِهَاءُ، وَالتَّرْكُ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ وَالتَّكْلِيفُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْفِعْلِ وَهُوَ الَّذِي تَتَنَاوَلُهُ الْقُدْرَةُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ.
(١٣٤) قَوْلُهُ: وَأَمَّا لِحُصُولِ الثَّوَابِ يَعْنِي فَيَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ
стр. 87
فَإِنْ كَانَ كَفًّا، وَهُوَ أَنْ تَدْعُوَهُ النَّفْسُ إلَيْهِ قَادِرًا عَلَى فِعْلِهِ فَيَكُفَّ نَفْسَهُ عَنْهُ خَوْفًا مِنْ رَبِّهِ فَهُوَ مُثَابٌ، ١٣٦ - وَإِلَّا فَلَا ثَوَابَ عَلَى تَرْكِهِ، فَلَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِ الزِّنَا وَهُوَ يُصَلِّي، ١٣٧ - وَلَا يُثَابُ الْعِنِّينُ عَلَى تَرْكِ الزِّنَا، وَلَا الْأَعْمَى عَلَى تَرْكِ النَّظَرَ إلَى الْمُحَرَّمِ.
وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِي الزَّكَاةِ: لَوْ نَوَى مَا لِلتِّجَارَةِ أَنْ يَكُونَ لِلْخِدْمَةِ كَانَ لِلْخِدْمَةِ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، وَهُوَ مَا إذَا نَوَى فِيمَا كَانَ لِلْخِدْمَةِ أَنْ يَكُونَ لِلتِّجَارَةِ لَا
ــ
[غمز عيون البصائر]
جَوَابُ أَمَّا مَحْذُوفًا لِدَلَالَةِ سِيَاقِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ (١٣٥)
قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ كَفًّا: أَقُولُ حَيْثُ أَوَّلَ التَّرْكَ بِالْكَفِّ فَالثَّوَابُ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ إلَّا عَلَى الْفِعْلِ؛ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْكَفَّ فِعْلُ النَّفْسِ فَإِنَّ الْفِعْلَ كَمَا يُنْسَبُ إلَى الْجَوَارِحِ يُنْسَبُ إلَى النَّفْسِ، وَحِينَئِذٍ فَالتَّرْكُ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُثَابًا عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْكَفَّ فِعْلٌ بَلْ هُوَ تَرْكُهُ وَتَرْكُهُ غَيْرُهُ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ فِعْلٌ لِلنَّفْسِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي حُذَيْفَةَ النَّسَوَائِيِّ «أَيُّ الْأَعْمَالِ خَيْرٌ؟ فَسَكَتُوا فَقَالَ: حِفْظُ اللِّسَانِ» .
(١٣٦) قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا ثَوَابَ عَلَى تَرْكِ الزِّنَا إلَخْ.
تَحْقِيقُهُ كَمَا فِي فُصُولِ الْبَدَائِعِ لِلشَّمْسِ الْفَنَارِيِّ: إنَّ التَّرْكَ بِمَعْنَى عَدَمِ الْفِعْلِ لَا يَصِحُّ طَلَبُهُ، إمَّا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَطْلُوبًا لَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الثَّوَابُ، فَيَكُونَ كُلُّ مُكَلَّفٍ مُثَابًا بِاعْتِبَارِ عَدَمِ فِعْلِ الْمَنْهِيَّاتِ الَّتِي لَا تُحْصَى.
وَلَا قَائِلَ بِهِ وَالْمَطْلُوبُ الْفِعْلِ كَفًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (١٣٧)
قَوْلُهُ: وَلَا يُثَابُ الْعِنِّينُ عَلَى تَرْكِ الزِّنَا إلَخْ.
قِيلَ قَدْ يُقَالُ إنَّ الْعُنَّةَ لَا تُنَافِي حُصُولَ الشَّهْوَةِ فَإِذَا اشْتَهَرَ الْمُبَاشَرَةُ وَلَوْ بِلَا إيلَاجٍ فَلِمَ لَا يُثَابُ عَلَى التَّرْكِ وَالْكَفِّ فَتَأَمَّلْ وَقِيلَ عَلَيْهِ أَيْضًا قَالَ فِي جَامِعِ الْفَتَاوَى: وَذُكِرَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْكَلَامِ أَنَّ تَوْبَةَ الْيَائِسِ هَلْ تُعْتَبَرُ؟ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تُعْتَبَرُ، حَتَّى إنَّ مَنْ تَابَ عَنْ شَيْءٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ،
стр. 88
يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ حَتَّى يَعْمَلَ لِأَنَّ التِّجَارَةَ عَمَلٌ، فَلَا تَتِمُّ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَالْخِدْمَةُ تَرْكُ التِّجَارَةِ فَتَتِمُّ بِهَا. .
قَالُوا وَنَظِيرُهُ الْمُقِيمُ وَالصَّائِمُ وَالْكَافِرُ وَالْمَعْلُوفَةُ وَالسَّائِمَةُ.
١٣٨ - حَيْثُ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا وَلَا مُفْطِرًا وَلَا مُسْلِمًا وَلَا سَائِمَةً بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَيَكُونُ مُقِيمًا ١٣٩ - وَصَائِمًا وَكَافِرًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لِأَنَّهَا تَرْكُ الْعَمَلِ، ١٤٠ - كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ،
١٤١ - وَمِنْ هُنَا وَمِمَّا قَدَّمْنَاهُ يَعْنِي فِي الْمُبَاحَاتِ، وَمِمَّا سَنَذْكُرُهُ عَنْ الْمَشَايِخِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
كَالْمَجْبُوبِ يَتُوبُ عَنْ الزِّنَا فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فَلْيُتَأَمَّلْ فِيهَا.
قِيلَ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ: مَا خَطَرَ بِبَالِهِ فِعْلُ الزِّنَا وَهُنَا خَطَرَ بِبَالِهِ وَتَابَ عَنْهُ (انْتَهَى) .
وَأَقُولُ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ خَطَرَ بِبَالِهِ أَيْ مُصَمَّمًا عَلَى فِعْلِهِ لَا مُجَرَّدِ الْخُطُورِ فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَتُوبَ مِنْهُ.
بَقِيَ أَنْ يُقَالَ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ حُصُولُ الثَّوَابِ.
(١٣٨) قَوْلُهُ: حَيْثُ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا وَلَا مُفْطِرًا وَلَا مُسْلِمًا وَلَا سَائِمَةً يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ وَلَا عَلُوفَةً تَتْمِيمًا لِلتَّقَابُلِ (١٣٩) قَوْلُهُ: وَصَائِمًا أَيْ مَعَ تَحَقُّقِ الشُّرُوعِ إذْ نَوَى الصَّوْمَ لَيْلًا لَمْ يَصِرْ صَائِمًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ قَبْلَ الْفَجْرِ.
(١٤٠) قَوْلُهُ: كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ.
قِيلَ يُشَكَّلُ عَلَى هَذَا مَا فِي النِّهَايَةِ مَعْزَيَا لِلذَّخِيرَةِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مُدْمِنِ الْخَمْرِ.
ثُمَّ قَالَ بِشَرْطِ الْإِدْمَانِ فِي الشُّرْبِ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْإِدْمَانَ فِي النِّيَّةِ يَعْنِي يَشْرَبُ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَشْرَبَ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا وَجَدَهُ (انْتَهَى) .
اعْتَبَرَ كَوْنَهُ مُدْمِنًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَالْإِدْمَانُ فِعْلٌ وَهُوَ لَا يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ.
لَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْإِدْمَانَ بِالنِّيَّةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ أَيْضًا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ لِأَنَّ شُرْبَ قَطْرَةٍ مِنْهُ كَبِيرَةٌ وَهِيَ مُسْقِطَةٌ لِلْعَدَالَةِ مِنْ غَيْرِ إصْرَارٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمَشَايِخُ الْإِدْمَانَ لِيَظْهَرَ شُرْبُهُ عِنْدَ الْقَاضِي
[الْقَاعِدَة الثَّانِيَةُ الْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا]
(١٤١) قَوْلُهُ: وَمِنْ هُنَا إلَخْ.
وَهُوَ أَنَّ مَا لِلتِّجَارَةِ إذَا نَوَى أَنْ يَكُونَ لِلْخِدْمَةِ
стр. 89
صَحَّ لَنَا وَضْعُ قَاعِدَةٍ لِلْفِقْهِ.
هِيَ الثَّانِيَةُ: الْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا ١٤٣ - كَمَا عَلِمْت فِي التُّرُوكِ.
وَذَكَرَ قَاضِي خَانَ فِي فَتَاوَاهُ ١٤٤ - إنَّ بَيْعَ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا إنْ قَصَدَ بِهِ التِّجَارَةَ فَلَا يَحْرُمُ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ لِأَجْلِ التَّخْمِيرِ حَرُمَ وَكَذَا غَرْسُ الْكَرْمِ عَلَى هَذَا (انْتَهَى) . وَعَلَى هَذَا عَصِيرُ الْعِنَبِ بِقَصْدِ الْخَلِّيَّةِ أَوْ الْخَمْرِيَّةِ
وَالْهَجْرُ فَوْقَ ثَلَاثٍ دَائِرٌ مَعَ الْقَصْدِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
كَانَ لِلْخِدْمَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِخِلَافِ عَكْسِهِ.
وَقَوْلُهُ وَمَا قَدَّمْنَاهُ يَعْنِي فِي الْمُبَاحَاتِ وَهُوَ أَنَّ الْمُبَاحَ يَخْتَلِفُ صِفَةً بِاعْتِبَارِ مَا قُصِدَ لِأَجْلِهِ.
وَقَوْلُهُ وَمِمَّا سَنَذْكُرُهُ عَنْ الْمَشَايِخِ مِنْ بَيْعِ الْعَصِيرِ وَمِنْ الْهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ.
(١٤٢) قَوْلُهُ: صَحَّ لَنَا وَضْعُ قَاعِدَةٍ لِلْفِقْهِ إلَخْ.
ظَاهِرُهُ أَنَّهُ اسْتَخْرَجَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ مِنْ كَلَامِهِمْ وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُصَرَّحٌ بِهَا.
(١٤٣) قَوْلُهُ: كَمَا عَلِمْت فِي التُّرُوكِ مِنْ أَنَّ التَّرْكَ إنْ كَانَ كَفًّا كَانَ مُثَابًا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا
(١٤٤) قَوْلُهُ: إنَّ بَيْعَ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا إلَخْ.
فُسِّرَ فِي مُشْكِلَاتِ الْقُدُورِيِّ مَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا بِالْمَجُوسِيِّ لَا الْمُسْلِمِ.
أَمَّا بَيْعُهُ مِنْ الْمُسْلِمِ فَيُكْرَهُ؛ يَعْنِي لِأَنَّ الْمَجُوسَ يَسْتَحِلُّونَ ذَلِكَ وَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نَدَعْهُمْ يَتَّخِذُونَ الْخَمْرَ وَيُشْرِبُونَهَا أَمَّا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَفِيهِ إعَانَةٌ عَلَى الْفِسْقِ وَالْمَعْصِيَةِ فَيُكْرَهُ.
وَفِي فُصُولِ الْعَلَائِيِّ: وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ كَرْمٍ وَعِنَبٍ وَعَصِيرٍ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا عِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إذَا بَاعَهُ مِنْ ذِمِّيٍّ بِثَمَنٍ لَا يَشْتَرِيهِ الْمُسْلِمُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ فَإِنْ ابْتَاعَهُ الْمُسْلِمُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (انْتَهَى) .
وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ (انْتَهَى) .
وَفِي السِّرَاجِ لَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ مِنْ الْمَجُوسِ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تُقَامُ بِعَيْنِ الْعَصِيرِ، بَلْ بَعْدَ تَغَيُّرِهِ (انْتَهَى) وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ لَا بَأْسَ أَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى لِأَنَّ لَفْظَةَ لَا بَأْسَ تَكُونُ لِمَا تَرْكُهُ أَوْلَى غَالِبًا، فَإِنْ قُلْت قَدْ جَوَّزُوا بَيْعَ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا وَلَمْ يُجَوِّزُوا بَيْعَ الْأَمْرَدِ مِمَّنْ يَلُوطُ بِهِ.
فَمَا الْفَرْقُ؟ قُلْت الْفَرْقُ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ فِي الْأَمْرَدِ تَقُومُ بِعَيْنِهِ بِخِلَافِ الْعَصِيرِ فَإِنَّهُ حَلَالٌ
стр. 90
فَإِنْ قَصَدَ هَجْرَ الْمُسْلِمِ ١٤٦ - حَرُمَ وَإِلَّا لَا
١٤٧ - وَالْإِحْدَادُ لِلْمَرْأَةِ عَلَى مَيِّتٍ غَيْرِ زَوْجِهَا فَوْقَ ثَلَاثٍ دَائِرٌ مَعَ الْقَصْدِ، فَإِنْ قَصَدَتْ تَرْكَ الزِّينَةِ وَالتَّطَيُّبِ لِأَجْلِ الْمَيِّتِ حَرُمَ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَلَا.
وَكَذَا قَوْلُهُمْ إنَّ الْمُصَلِّيَ ١٤٨ - إذَا قَرَأَ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ جَوَابًا لِكَلَامٍ بَطُلَتْ صَلَاتُهُ.
وَكَذَا إذَا أُخْبِرَ الْمُصَلِّي بِمَا يَسُرُّهُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ قَاصِدًا الشُّكْرَ بَطُلَتْ، أَوْ بِمَا يَسُوءُهُ فَقَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، أَوْ بِمَوْتِ إنْسَانٍ فَقَالَ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، قَاصِدًا لَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَكَذَا قَوْلُهُمْ بِكُفْرِهِ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي مَعْرِضِ كَلَامٍ النَّاسِ، كَمَا إذَا اجْتَمَعُوا فَقَرَأَ ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٩] ، وَكَذَا إذَا قَرَأَ ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤] عِنْدَ رُؤْيَةِ كَأْسٍ.
وَلَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي أَلْفَاظِ التَّكْفِيرِ، كُلُّهَا تَرْجِعُ إلَى قَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِهِ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ:
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَإِنْ قَصَدَ هَجْرَ الْمُسْلِمِ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ لِلْهَجْرِ.
(١٤٦) قَوْلُهُ: حَرُمَ وَإِلَّا لَا.
أَيْ بِأَنْ كَانَ الْهَجْرُ لِمُوجِبٍ شَرْعِيٍّ لَا يَحْرُمُ.
هَذَا هُوَ الْمُرَادُ.
وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَتُهُ قَاصِرَةً عَنْ إفَادَتِهِ
(١٤٧) قَوْلُهُ: وَالْإِحْدَادُ لِلْمَرْأَةِ عَلَى مَيِّتٍ غَيْرِ زَوْجِهَا.
الْإِحْدَادُ مَصْدَرُ أَحَدَّتْ الْمَرْأَةُ أَيْ امْتَنَعَتْ عَنْ الزِّينَةِ وَالْخِضَابِ
(١٤٨) قَوْلُهُ: إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي مَعْرِضِ كَلَامِ النَّاسِ إلَخْ.
ذُكِرَ فِي الْقَامُوسِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الزُّهْرِيِّ لَا تُنَاظِرُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَا بِكَلَامِ رَسُولِهِ لَا تَجْعَلُوا شَيْئًا نَظِيرًا لَهُمَا، مَعْنَاهُ لَا تَجْعَلُوهُمَا مِثْلًا لِشَيْءٍ يُعْرِضُهُ بِهِ.
كَقَوْلِ الْقَائِلِ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى لِمُسَمًّى بِمُوسَى جَاءَ فِي وَقْتٍ مَطْلُوبٍ
стр. 91
الْفُقَّاعِيُّ إذَا قَالَ عِنْدَ فَتْحِ الْفُقَّاعِ لِلْمُشْتَرِي: صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ: قَالُوا يَكُونُ آثِمًا، وَكَذَا الْحَارِسُ إذَا قَالَ فِي الْحِرَاسَةِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَعْنِي لِأَجْلِ الْإِعْلَامِ، بِأَنَّهُ مُسْتَيْقِظٌ بِخِلَافِ الْعَالِمِ إذَا قَالَ فِي الْمَجْلِسِ: صَلَّوْا عَلَى النَّبِيِّ.
فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ
١٥٠ - وَكَذَا الْقَارِئُ إذَا قَالَ: كَبَّرُوا يُثَابُ. ١٥١ - لِأَنَّ الْحَارِسَ وَالْفُقَّاعِيَّ يَأْخُذَانِ بِذَلِكَ أَجْرًا.
رَجُلٌ جَاءَ إلَى بَزَّازٍ لِيَشْتَرِيَ مِنْهُ ثَوْبًا فَلَمَّا فَتَحَ الْمَتَاعَ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ.
إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ إعْلَامَ الْمُشْتَرِي جَوْدَةَ ثِيَابِهِ وَمَتَاعِهِ كُرِهَ (انْتَهَى)
وَفِيهَا أَيْضًا إذَا قَالَ الْمُسْلِمُ لِلذِّمِّيِّ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَك.
قَالُوا إنْ نَوَى بِقَلْبِهِ أَنْ يُطِيلَ بَقَاءَهُ. ١٥٢ - لَعَلَّهُ أَنْ يُسْلِمَ أَوْ يُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ عَنْ ذُلٍّ وَصَغَارٍ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: الْفُقَّاعِيُّ. نِسْبَةٌ إلَى بَيْعِ الْفُقَّاعِ وَهُوَ شَرَابٌ يُتَّخَذُ مِنْ الشَّعِيرِ سُمِّيَ فُقَّاعًا لِمَا يَعْلُوهُ مِنْ الزَّبَدِ. كَذَا فِي شَمْسِ الْعُلُومِ.
وَمِثْلُ الْفُقَّاعِيِّ الطَّرْقِيُّ يَأْثَمُ وَلَا يُؤْجَرُ بِهِ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ كَمَا فِي الْمُلْتَقَطِ
(١٥٠) قَوْلُهُ: وَكَذَا الْقَارِئُ بِالْقَافِ وَالرَّاءِ؛ وَفِي نُسْخَةٍ الْغَازِي بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّاءِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِمَا فِي الْمُجْتَبَى بَعْدَ كَلَامٍ وَالْغَازِي أَمَرَ بِالتَّكْبِيرِ حَيْثُ بَارَزَ لَا يُكْرَهُ انْتَهَى.
(١٥١) قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْحَارِسَ وَالْفُقَّاعِيَّ يَأْخُذَانِ بِذَلِكَ أَجْرًا.
أَقُولُ هَذَا التَّعْلِيلُ عَلِيلٌ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفُقَّاعِيِّ فَلِأَنَّ عِلَّةَ الْإِثْمِ فِيهِ لَيْسَتْ أَخْذَ الْأَجْرِ، بَلْ إعْلَامَهُ جَوْدَةَ الْفُقَّاعِ بِالصَّلَاةِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَارِسِ فَلِأَنَّ عِلَّةَ الْإِثْمِ فِيهِ لَيْسَتْ أَخْذَ الْأَجْرِ بَلْ إعْلَامَهُ بِالذِّكْرِ أَنَّهُ مُسْتَيْقِظٌ كَمَا اعْتَرَفَ هُوَ بِهِ
(١٥٢) قَوْلُهُ: لَعَلَّهُ أَنْ يُسْلِمَ أَوْ يُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ، أَيْ أَوْ لَعَلَّهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ وَفِيهِ أَنَّ أَدَاءَ الْجِزْيَةِ حَيْثُ كَانَ ذِمِّيًّا أَمْرٌ مُتَحَقِّقٌ لَا مَرْجُوٌّ
стр. 92
هَذَا دُعَاءٌ لَهُ إلَى الْإِسْلَامِ أَوْ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
ثُمَّ قَالَ (انْتَهَى) .
١٥٣ - رَجُلٌ أَمْسَكَ الْمُصْحَفَ فِي بَيْتِهِ وَلَا يَقْرَأُ قَالُوا إنْ نَوَى بِهِ الْخَيْرَ وَالْبَرَكَةَ لَا يَأْثَمُ وَيُرْجَى لَهُ الثَّوَابُ.
ثُمَّ قَالَ: رَجُلٌ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي مَجْلِسِ الْفِسْقِ قَالُوا إنْ نَوَى أَنَّ الْفَسَقَةَ يَشْتَغِلُونَ بِالْفِسْقِ وَأَنَا أَشْتَغِلُ بِالتَّسْبِيحِ فَهُوَ أَفْضَلُ وَأَحْسَنُ وَإِنْ سَبَّحَ فِي السُّوقِ نَاوِيًا أَنَّ النَّاسَ يَشْتَغِلُونَ بِأُمُورِ الدُّنْيَا، وَأَنَا أُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، ١٥٤ - فَهُوَ أَفْضَلُ وَأَحْسَنُ ١٥٥ - مِنْ أَنْ يُسَبِّحَ وَحْدَهُ فِي غَيْرِ السُّوقِ.
وَإِنْ سَبَّحَ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِبَارِ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ سَبَّحَ عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ يَعْمَلُ الْفِسْقَ كَانَ آثِمًا.
ثُمَّ قَالَ: ١٥٦ - إنْ سَجَدَ لِلسُّلْطَانِ فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ التَّحِيَّةَ وَالتَّعْظِيمَ دُونَ الصَّلَاة لَا يَكْفُرُ.
أَصْلُهُ أَمْرُ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: رَجُلٌ أَمْسَكَ الْمُصْحَفَ فِي بَيْتِهِ إلَخْ.
هَلْ يَتَأَتَّى هَذَا فِي كُتُبِ الْعِلْمِ إذَا أَمْسَكَهَا لَمْ أَرَهُ.
أَقُولُ الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهَا لَيْسَتْ كَالْمُصْحَفِ لِأَنَّ الْمُصْحَفَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتَبَرَّكَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهِ بِخِلَافِ كُتُبِ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَتَبَرَّكَ بِهَا دُونَ قِرَاءَتِهَا وَعَلَى هَذَا فَيَحْرُمُ حَبْسُهَا خُصُوصًا إذَا كَانَتْ وَقْفًا.
(١٥٤) قَوْلُهُ: فَهُوَ أَفْضَلُ وَأَحْسَنُ.
أَيْ مِنْ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: رَجُلٌ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي مَجْلِسِ الْفِسْقِ وَبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فِيمَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ التَّسْبِيحِ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ تَعَالَى وَحْدَهُ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا (١٥٥) قَوْلُهُ: إنْ سَبَّحَ عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ يَعْمَلُ الْفِسْقَ أَيْ عَلَى قَصْدِ إعْلَامِ أَنَّ الْفَاسِقَ يَعْمَلُ الْفِسْقَ
(١٥٦) قَوْلُهُ: إنْ سَجَدَ لِلسُّلْطَانِ إلَخْ.
قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ
стр. 93
وَسُجُودُ إخْوَةِ يُوسُفَ ﵇
١٥٨ - وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى السُّجُودِ لِلْمَلِكِ بِالْقَتْلِ فَإِنْ أَمَرُوهُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ ١٥٩ - فَالْأَفْضَلُ الصَّبْرُ، كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ وَإِنْ كَانَ لِلتَّحِيَّةِ فَالْأَفْضَلُ السُّجُودُ (انْتَهَى)
١٦٠ - وَقَالُوا: الْأَكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ حَرَامٌ بِقَصْدِ الشَّهْوَةِ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّقَوِّي عَلَى الصَّوْمِ أَوْ مُؤَاكَلَةَ الضَّيْفِ فَمُسْتَحَبٌّ
ــ
[غمز عيون البصائر]
أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ إذَا قَبَّلَ أَحَدٌ بَيْن يَدَيْ السُّلْطَانِ الْأَرْض أَوْ انْحَنَى لَهُ أَوْ طَأْطَأَ رَأْسَهُ لَهُ لَا يُكَفَّرُ، لِأَنَّهُ يُرِيدُ تَعْظِيمَهُ لَا عِبَادَتَهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ إذَا سَجَدَ وَاحِدٌ لِهَؤُلَاءِ الْجَبَابِرَةِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ مِنْ الْكَبَائِرِ.
وَقِيلَ يُكَفَّرُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُكَفَّرَ مُطْلَقًا قَالَ أَكْثَرُهُمْ هُوَ عَلَى وُجُوهٍ إنْ أَرَادَ بِهِ الْعِبَادَةَ يَكْفُرُ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ التَّحِيَّةَ لَا يَكْفُرُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إرَادَةٌ كَفَرَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
أَمَّا تَقْبِيلُ الْأَرْضِ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ السُّجُودِ إلَّا أَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ وَضْعِ الْخَدِّ وَالْجَبِينِ عَلَى الْأَرْضِ.
(١٥٧) قَوْلُهُ: وَسُجُودُ إخْوَةِ يُوسُفَ ﵇ يَعْنِي لِيُوسُفَ ﵇.
(١٥٨) قَوْلُهُ: وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى السُّجُودِ لِلْمَلِكِ إلَخْ.
قِيلَ صُورَةُ السُّجُودِ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ فَيَنْبَغِيَ أَنْ يَسْجُدَ وَيَنْوِيَ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يَصْبِرُ عَلَى الْقَتْلِ.
(١٥٩) قَوْلُهُ: فَالْأَفْضَلُ الصَّبْرُ.
أَفْعَلُ هُنَا لَيْسَ عَلَى بَابِهِ بَلْ لِمَعْنَى فَاعِلٍ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ فِي مِثْلِ هَذَا
(١٦٠) قَوْلُهُ: وَقَالُوا الْأَكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ حَرَامٌ.
فِي الْمُبْتَغَى نَقْلًا عَنْ الْمُجْتَبَى: الْأَكْلُ عَلَى مَرَاتِبَ: فَرْضٌ وَهُوَ قَدْرُ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ الْهَلَاكُ وَيُمْكِنُ الصَّلَاةُ مَعَهُ قَائِمًا وَمُبَاحٌ وَهُوَ قَدْرُ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ إلَى شِبَعٍ وَحَرَامٌ، وَهُوَ الْأَكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْأَكْلُ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ غَدًا، وَالثَّانِي الْأَكْلُ مَعَ الضَّيْفِ فَوْقُ الشِّبَعِ لِئَلَّا يُمْسِكَ الضَّيْفُ عَنْ الْأَكْلِ حَيَاءً، لِأَنَّ إسَاءَةَ الْقِرَى مَذْمُومَةٌ وَلِهَذَا مَنْ نَزَلَ ضَيْفًا عَلَى إنْسَانٍ فَلَمْ يُضِفْهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَظْهَرَ بِالشِّكَايَةِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 94
وَقَالُوا: الْكَافِرُ إذَا تَتَرَّسَ بِمُسْلِمٍ فَإِنْ رَمَاهُ مُسْلِمٌ فَإِنْ قَصَدَ قَتْلَ الْمُسْلِمِ حَرُمَ، وَإِنْ قَصَدَ قَتْلَ الْكَافِرِ لَا.
وَلَوْلَا خَوْفُ الْإِطَالَةِ لَأَوْرَدْنَا فُرُوعًا كَثِيرَةً شَاهِدَةً لِمَا أَسَّسْنَاهُ مِنْ الْقَاعِدَةِ وَهِيَ الْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا.
وَقَالُوا فِي بَابِ اللُّقَطَةِ؛ إنْ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ رَدِّهَا حَلَّ رَفْعُهَا وَإِنْ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ نَفْسِهِ كَانَ غَاصِبًا آثِمًا
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة مِنْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ: إذَا تَوَسَّدَ الْكِتَابَ فَإِنْ قَصَدَ الْحِفْظَ لَا يُكْرَهُ وَإِلَّا كُرِهَ
١٦٢ - وَإِنْ غَرَسَ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ قَصَدَ الظِّلَّ لَا يُكْرَهُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] يَعْنِي مُنِعَ مِنْهُ حَقُّهُ فِي الْقِرَى.
وَلَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ الرِّيَاضَةُ بِتَقْلِيلِ الْأَكْلِ حَتَّى يَضْعُفَ عَنْ أَدَاءِ الْعِبَادَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «نَفْسُك مَطِيَّتُك فَأَرْفِقْ بِهَا» وَمِنْ الرِّفْقِ أَنْ لَا يُؤْذِيَهَا وَلَا يُجِيعَهَا وَقَالَ ﵊ «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» .
فَإِنْ تَرَكُوا أَكْلَهُمْ وَشُرْبَهُمْ فَقَدْ عَصَوْا لِأَنَّ مَنْ امْتَنَعَ عَنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ حَتَّى مَاتَ يَكُونُ عَاصِيًا فَمَا ظَنُّك بِمَنْ تَرَكَ الْحَلَالَ حَتَّى مَاتَ بِالْمَجَاعَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَشَى بَطْنُهُ أَوْ رَمِدَتْ عَيْنَاهُ فَلَمْ يُعَالِجْ حَتَّى مَاتَ (انْتَهَى) (قُلْت وَمِنْهُ يُعْلَمُ حُرْمَةُ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ جَهَلَةِ الصُّوفِيَّةِ مِنْ الرِّيَاضَةِ بِتَرْكِ الْأَكْلِ حَتَّى يَضْعُفَ عَنْ أَشْغَالِهِ وَعِبَادَتِهِ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ)
(١٦١) قَوْلُهُ: وَقَالُوا الْكَافِرُ إذَا تَتَرَّسَ بِمُسْلِمٍ إلَخْ فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ إذَا تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِنَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يُسْأَلُ ذَلِكَ النَّبِيُّ أَنَرْمِي أَوْ لَا إنْ كَانَ قَالَ ارْمِ يَرْمِي وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى.
وَفِيهِ تَأَمَّلْ
(١٦٢) قَوْلُهُ: وَإِنْ غَرَسَ فِي الْمَسْجِدِ إلَخْ.
قِيلَ إطْلَاقُ الْمَنْفَعَةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْمَنْفَعَةُ نِزَازَةَ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْغَرْسُ لِهَذَا الْغَرَضِ الصَّحِيحِ.
كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ (انْتَهَى) .
وَقِيلَ عَلَيْهِ الْمُرَادُ بِالْمَنْفَعَةِ وَفِيهِ أَنَّهُ مَرْدُودٌ بِمَا فِي فَتَاوَى الْعَلَائِيِّ: إنْ غَرَسَ شَجَرًا فِي الْمَسْجِدِ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ ثَمَرَهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ وَرَقِهِ (انْتَهَى) .
قِيلَ
стр. 95
١٦٣ - _ وَإِنْ قَصَدَ مَنْفَعَةً أُخْرَى يُكْرَهُ.
وَكِتَابَةُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الدَّرَاهِمِ، وَإِنْ كَانَ يُقْصَدُ الْعَلَامَةُ لَا يُكْرَهُ وَلِلتَّهَاوُنِ يُكْرَهُ
وَالْجُلُوسُ عَلَى جَوَالِقَ فِيهِ مُصْحَفٌ، إنْ قَصَدَ الْحِفْظَ لَا يُكْرَهُ وَإِلَّا يُكْرَهُ
[حَقِيقَة النِّيَّة]
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ يَشْمَلُهُمَا الْكَلَامُ عَلَى النِّيَّةِ. ١٦٤ -
وَفِيهَا مَبَاحِثُ: ١٦٥ - الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ حَقِيقَتِهَا الثَّانِي فِي بَيَانِ مَا شُرِعَتْ لِأَجْلِهِ الثَّالِثُ فِي بَيَانِ تَعْيِينِ الْمَنْوِيِّ وَعَدَمِ تَعْيِينِهِ الرَّابِعُ فِي بَيَانِ التَّعَرُّضِ لِصِفَةِ الْمَنْوِيِّ مِنْ الْفَرْضِيَّةِ وَالنَّفْلِيَّةِ وَالْأَدَاءِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَرَقِ وَالثَّمَرِ أَنَّ الْغَرْسَ لَمَّا كَانَ لَا يَجُوزُ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ تَكُونَ لِلْأَرْضِ نِزَازَةٌ أَوْ لِلِاسْتِظْلَالِ وَهُوَ لَا يَكُونُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ إلَّا بِالْوَرَقِ، بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ لَكِنَّ هَذَا الْفَرْقَ لَا يَتَأَتَّى فِيمَا إذَا كَانَ الْغَرْسُ، لِكَوْنِ الْأَرْضِ نَزَّازَةً إلَّا أَنْ يُقَالَ بِوُجُودِ الْأَوْرَاقِ عَلَى الْأَشْجَارِ يَكْثُرُ شُرْبَهَا لِلْمَاءِ النَّازِّ فَتَحْصُلُ الصَّلَابَةُ لِلْأَرْضِ.
(١٦٣) قَوْلُهُ: وَإِنْ قَصَدَ مَنْفَعَةً أُخْرَى يُكْرَهُ.
قِيلَ عَلَيْهِ: يَنْدَرِجُ فِيهِ مَا لَوْ غَرَسَهَا لِيَنْتَفِعَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ بِهَا أَوْ يَبِيعَ ثَمَرَهَا لِمَصَالِحِ الْمَسْجِدِ وَفِيهِ نَظَرٌ (انْتَهَى) .
أَقُولُ فِي النَّظَرِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: وَلِلتَّهَاوُنِ يُكْرَهُ.
أَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ بِالتَّهَاوُنِ بِاسْمِ اللَّهِ يَكْفُرُ.
قَالَ فِي الْقُنْيَةِ لَوْ كَرَّرَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ آخَرُ أَهُوَ ابْنُ عَمِّك كَفَرَ.
لِلِاسْتِهَانَةِ بِهِ فَمَنْ تَهَاوَنَ بِاَللَّهِ كَفَرَ وَكَذَا اسْتِخْفَافُهُ بِالْقُرْآنِ وَالْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُعَظَّمُ (انْتَهَى) .
قَالَ فِي الصِّحَاحِ اسْتَهَانَ بِهِ وَتَهَاوَنَ بِهِ اسْتَخَفَّهُ وَأَهَانَهُ اسْتَخَفَّ بِهِ
(١٦٤) قَوْلُهُ: وَفِيهَا مَبَاحِثُ أَيْ فِي النِّيَّةِ وَالْمَبَاحِثُ جَمْعُ مَبْحَثٍ مَوْضِعَ الْبَحْثِ وَهُوَ لُغَةً التَّفْتِيشُ وَاصْطِلَاحًا إثْبَاتُ الْمَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ.
(١٦٥) قَوْلُهُ: الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ حَقِيقَتِهَا.
حَقِيقَةُ الشَّيْءِ مَا بِهِ الشَّيْءُ هُوَ هُوَ وَهِيَ أَخَصُّ مِنْ مَفْهُومِهِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ عِبَارَةٌ عَنْ ذَاتِيَّاتِهِ، وَالْمَفْهُومُ أَعَمُّ وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ اللَّفْظِ سَوَاءٌ كَانَ ذَاتِيًّا لَهُ أَوْ لَا.
стр. 96
وَالْقَضَاءِ الْخَامِسُ فِي بَيَانِ الْإِخْلَاصِ فِيهَا السَّادِسُ فِي بَيَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ عِبَادَتَيْنِ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ السَّابِعُ فِي بَيَانِ وَقْتِهَا الثَّامِنُ فِي بَيَانِ عَدَمِ اشْتِرَاطِ اسْتِمْرَارِهَا.
وَفِيهِ حُكْمُهَا فِي كُلِّ رُكْنٍ مِنْ الْأَرْكَانِ التَّاسِعُ فِي مَحِلِّهَا الْعَاشِرُ فِي شُرُوطِهَا.
أَمَّا الْأَوَّلُ ١٦٦ - فَهِيَ، فِي اللُّغَةِ، الْقَصْدُ. كَمَا فِي الْقَامُوسِ نَوَى الشَّيْءَ يَنْوِيهِ نِيَّةً ١٦٧ - مُشَدَّدَةٌ وَتُخَفَّفُ قَصَدَهُ. وَفِي الشَّرْعِ كَمَا فِي التَّلْوِيحِ قَصْدُ الطَّاعَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إيجَادِ الْفِعْلِ. ١٦٨ - وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ النِّيَّةَ فِي التُّرُوكِ لِأَنَّهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ لَا يَتَقَرَّبُ بِهَا إلَّا إذَا صَارَ التَّرْكُ كَفًّا وَهُوَ فِعْلٌ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ بِهِ فِي النَّهْي لَا التَّرْكِ بِمَعْنَى الْعَدَمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا تَحْتَ الْقُدْرَةِ لِلْعَبْدِ كَمَا فِي التَّحْرِيرِ وَعَرَّفَهَا الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ بِأَنَّهَا شَرْعًا الْإِرَادَةُ الْمُتَوَجِّهَةُ نَحْوَ الْفِعْلِ ابْتِغَاءً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَامْتِثَالًا لِحُكْمِهِ.
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَهِيَ فِي اللُّغَةِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ نَوَى الشَّيْءَ إلَخْ أَقُولُ صَوَابُ الْعِبَارَةِ فَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ مِنْ نَوَى الشَّيْءَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(١٦٧) قَوْلُهُ: مُشَدَّدَةٌ وَتُخَفَّفُ عَلَيْهِ هَذَا تَخْفِيفٌ غَيْرُ قِيَاسِيٍّ لِأَنَّ نِيَّةَ أَصْلُهَا نِوْيَةٌ أُدْغِمَتْ الْوَاوُ فِي الْيَاءِ يَعْنِي بَعْدَ قَلْبِهَا يَاءٍ وَلَا يَجُوزُ نِيَةٌ عَلَى وَزْنِ عِدَّةٌ قِيَاسًا (انْتَهَى) .
أَقُولُ مُرَادُ صَاحِبِ الْقَامُوسِ أَنَّهَا مُخَفَّفَةٌ فِيمَا سَمِعَ وَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ الْقِيَاسُ يَعْنِي بِالْحَذْفِ وَعَدَمِ الْقَلْبِ وَالْإِدْغَامِ.
(١٦٨) قَوْلُهُ: وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ النِّيَّةَ فِي التُّرُوكِ.
تَقْرِيرُ الْوُرُودِ أَنَّ التَّعْرِيفَ غَيْرُ جَامِعٍ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَمِلُ التُّرُوكَ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ جَامِعٌ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَعُمُّ فِعْلَ الْجَوَارِحِ وَالْقَلْبِ فَيَدْخُلُ الْكَفُّ
стр. 97
وَلُغَةً انْبِعَاثُ الْقَلْبِ نَحْوَ مَا يَرَاهُ مُوَافِقًا لِغَرَضٍ مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرٍّ حَالًا أَوْ مَآلًا
الثَّانِي فِي بَيَانِ مَا شُرِعَتْ لِأَجْلِهِ قَالُوا الْمَقْصُودُ مِنْهَا تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ مِنْ الْعَادَاتِ وَتَمْيِيزُ بَعْضِ الْعِبَادَاتِ عَنْ بَعْضٍ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ كَالْإِمْسَاكِ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ. ١٦٩ -
قَدْ يَكُونُ حِمْيَةً أَوْ تَدَاوِيًا ١٧٠ - أَوْ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ قَدْ يَكُونُ لِلِاسْتِرَاحَةِ وَقَدْ يَكُونُ قُرْبَةً. ١٧١ -
وَدَفْعُ الْمَالِ قَدْ يَكُونُ هِبَةً أَوْ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ وَقَدْ يَكُونُ قُرْبَةً، زَكَاةً أَوْ صَدَقَةً وَالذَّبْحُ قَدْ يَكُونُ لِأَكْلٍ فَيَكُونُ مُبَاحًا ١٧٢ - أَوْ مَنْدُوبًا ١٧٣ - أَوْ لِلْأُضْحِيَّةِ فَيَكُونُ عِبَادَةً أَوْ لِقُدُومِ أَمِيرٍ فَيَكُونُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
[مَا شُرِعَتْ لِأَجْلِهِ النِّيَّة]
قَوْلُهُ: وَقَدْ يَكُونُ حِمْيَةً أَوْ تَدَاوِيًا.
فِيهِ أَنَّ الْإِمْسَاكَ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ تَدَاوِيًا هُوَ الْحِمْيَةُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ وَالْحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ وَأَصْلُ كُلِّ دَاءٍ الْبَرَدَةُ» أَيْ إدْخَالُ الطَّعَامِ عَلَى الطَّعَامِ قَبْلَ هَضْمِهِ وَحِينَئِذٍ يَشْكُلُ عَطْفُ التَّدَاوِي عَلَى الْحِمْيَةِ بِأَوْ.
(١٧٠) قَوْلُهُ: أَوْ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
أَيْ الْمُفْطِرِ، فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْجَمْعِ بِاعْتِبَارِ وَاحِدِهِ.
(١٧١) قَوْلُهُ: وَدَفْعُ الْمَالِ: مُبْتَدَأٌ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى مَا فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ مِنْ الْجُزَازَةِ وَحَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ: وَدَفْعُ الْمَالِ قَدْ يَكُونُ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ هِبَةً أَوْ بَيْعًا، وَقَدْ يَكُونُ لِغَرَضٍ أُخْرَوِيٍّ زَكَاةً أَوْ صَدَقَةً.
(١٧٢) قَوْلُهُ: أَوْ مَنْدُوبًا.
كَالذَّبْحِ بِنِيَّةِ التَّصَدُّقِ عَلَى الْفُقَرَاءِ.
(١٧٣) قَوْلُهُ: أَوْ لِلْأُضْحِيَّةِ فَيَكُونُ عِبَادَةً أَقُولُ: حَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ فَيَكُونُ
стр. 98
حَرَامًا أَوْ كُفْرًا عَلَى قَوْلٍ ثُمَّ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى يَكُونُ بِالْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَالْوَاجِبِ.
فَشُرِعَتْ لِتَمْيِيزِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ فَتَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَا لَا يَكُونُ عِبَادَةً أَوْ مَا لَا يَلْتَبِسُ بِغَيْرِهِ لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ ١٧٥ - كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى - كَمَا قَدَّمْنَاهُ - وَالْمَعْرِفَةِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالنِّيَّةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ١٧٦ - وَالْأَذْكَارِ لِأَنَّهَا مُتَمَيِّزَةٌ لَا تَلْتَبِسُ بِغَيْرِهَا ١٧٧ - وَمَا عَدَا الْإِيمَانَ لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَلَكِنَّهُ يُخَرَّجُ عَلَى الْإِيمَانِ الْمُصَرَّحِ بِهِ ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ وَهْبَانَ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ قَالَ إنَّ مَا لَا يَكُونُ إلَّا عِبَادَةً لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ،
ــ
[غمز عيون البصائر]
وَاجِبًا وَعِبَادَةً إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ عِبَادَةً أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ وَاجِبًا أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً فَتَأَمَّلْ.
(١٧٤) قَوْلُهُ: حَرَامًا أَوْ كُفْرًا.
أَقُولُ: حَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ أَوْ حَرَامًا أَوْ كُفْرًا، يَعْنِي بَعْدَ قَوْلِهِ حَرَامًا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، فَتَكُونُ الذَّبِيحَةُ مَيْتَةً كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَبْحَثِ الْخَامِسِ وَفِي ذَبَائِحِ الْفَنِّ الثَّانِي.
(١٧٥) قَوْلُهُ: كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
كَمَا قَدَّمْنَا.
الَّذِي قَدَّمَهُ الْإِسْلَامُ لَا الْإِيمَانُ وَهُوَ غَيْرُهُ وَإِنْ كَانَا لَا يَفْتَرِقَانِ.
(١٧٦) قَوْلُهُ: وَالْأَذْكَارِ.
قِيلَ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِ الْوَضْعِ أَمَّا مَا حَدَثَ فِيهِ عُرْفًا كَالتَّسْبِيحِ لِلتَّعَجُّبِ فَلَا.
كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ هَلْ هِيَ مَوْضُوعَةٌ بِنَفْسِهَا لِلْعِبَادَةِ وَإِنَّمَا تَكُونُ عِبَادَةً بِالنِّيَّةِ.
(١٧٧) قَوْلُهُ: وَمَا عَدَا الْإِيمَانَ، لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا.
أَقُولُ: صَرَّحَ بِذَلِكَ الْعَلَّامَةُ السَّمَدِيسِيُّ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ يَجِبُ فِي الْقِرَاءَةِ إذَا كَانَتْ مَنْذُورَةً لِيَتَمَيَّزَ الْوَاجِبُ عَنْ غَيْرِهِ وَقِيَاسُهُ إنْ نَذَرَ الذِّكْرَ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، كَذَلِكَ نَعَمْ إنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ كُلَّمَا ذَكَرَ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ لِتُمَيِّزْهُ بِسَبَبِهِ.
стр. 99
وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ ١٧٩ - وَنَقَلَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ التِّلَاوَةَ وَالْأَذْكَارَ وَالْآذَانَ لَا تَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ
الثَّالِثُ فِي بَيَانِ تَعْيِينِ الْمَنْوِيِّ وَعَدَمِهِ ،
الْأَصْلُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَنْوِيَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ عِبَادَةً فَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا ظَرْفًا لِلْمُؤَدِّي بِمَعْنَى أَنَّهُ يَسَعَهُ وَغَيْرَهُ ١٨٠ - فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ ١٨١ - كَالصَّلَاةِ كَأَنْ يَنْوِيَ الظُّهْرَ فَإِنْ قَرَنَهُ بِالْيَوْمِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: إنَّمَا لَمْ تَحْتَجْ النِّيَّةُ إلَى نِيَّةٍ لِأَنَّهَا مُنْصَرِفَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِصُورَتِهَا فَلَا جَرَمَ لَا تَفْتَقِرُ النِّيَّةُ إلَى نِيَّةٍ أُخْرَى وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّعْلِيلِ بِأَنَّهَا لَوْ افْتَقَرَتْ إلَى نِيَّةٍ أُخْرَى لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وَلِذَلِكَ يُثَابُ الْإِنْسَانُ عَلَى نِيَّةٍ مُنْفَرِدَةً وَلَا يُثَابُ عَلَى الْفِعْلِ مُنْفَرِدًا لِانْصِرَافِهَا بِصُورَتِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْفِعْلُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ مَا لِلَّهِ تَعَالَى وَمَا لِغَيْرِهِ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْإِنْسَانِ يُثَابُ عَلَى النِّيَّةِ حَسَنَةً وَعَلَى الْفِعْلِ عَشْرًا، إذَا نَوَى فَلِأَنَّ الْأَفْعَالَ هِيَ الْمَقَاصِدُ وَالنِّيَّاتُ وَسَائِلٌ.
(١٧٩) قَوْلُهُ: وَنَقَلَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ الْإِجْمَاعَ إلَخْ.
هَذَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْقَاعِدَةِ الْأُولَى مِنْ أَنَّ الْأَذَانَ تُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ لِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ
[تَعْيِينِ الْمَنْوِيِّ وَعَدَمِهِ]
(١٨٠) قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ.
كَالصَّلَاةِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَدَلِيلُ اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ قَوْلُهُ ﷺ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ فِي الْفَرَائِضِ لِتَسَاوِي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ صُورَةً وَفِعْلًا فَلَا يُمَيَّزُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِالتَّعْيِينِ.
(١٨١) قَوْلُهُ: كَالصَّلَاةِ إلَخْ.
تَمْثِيلٌ لِمَا وَقْتُهُ ظَرْفٌ لَهُ، وَقَوْلُهُ كَأَنْ يَنْوِيَ، تَصْوِيرٌ لِلتَّعْيِينِ وَفِي الْعِبَارَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ أَوْجَبَ الرَّكَاكَةَ وَكَانَ حَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ: فَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا ظَرْفًا لِلْمُؤَدِّي بِمَعْنَى أَنَّهُ يَسَعُهُ وَغَيْرَهُ كَالصَّلَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ كَأَنْ يَنْوِيَ الظُّهْرَ مَثَلًا.
стр. 100
كَظُهْرِ الْيَوْمِ صَحَّ ١٨٣ - وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ ١٨٤ - أَوْ بِالْوَقْتِ وَلَمْ يَكُنْ خَرَجَ الْوَقْتُ.
فَإِنْ خَرَجَ وَنَسِيَهُ لَا يُجْزِيهِ فِي الصَّحِيحِ وَفَرْضُ الْوَقْتِ كَظُهْرِ الْوَقْتِ ١٨٥ - إلَّا فِي الْجُمُعَةِ فَإِنَّهَا بَدَلٌ لَا أَصْلٌ ١٨٦ - إلَّا أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادَهُ أَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ فَإِنْ نَوَى الظُّهْرَ لَا غَيْرَ اُخْتُلِفَ فِيهِ.
وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ قَالُوا وَعَلَامَةُ التَّعْيِينِ لِلصَّلَاةِ أَنْ نَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ سُئِلَ أَيُّ صَلَاةٍ تُصَلِّي يُمْكِنُهُ أَنْ يُجِيبَ بِلَا تَأَمُّلٍ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: كَظُهْرِ الْيَوْمِ.
الْإِضَافَةُ لَامِيَّةٌ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَكَوْنُهَا عَلَى مَعْنَى فِي تَدْرِيسٌ لَا تَحْقِيقٌ كَمَا حَقَّقَهُ الرَّضِيُّ.
(١٨٣) قَوْلُهُ: وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَاصَلَ بِمَا قَبْلَهُ.
(١٨٤) قَوْلُهُ: أَوْ بِالْوَقْتِ.
عَطْفٌ عَلَى (بِالْيَوْمِ) .
(١٨٥) قَوْلُهُ: إلَّا فِي الْجُمُعَةِ فَإِنَّهَا بَدَلٌ لِلْأَصْلِ إلَخْ.
أَقُولُ فِيهِ: إنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْجُمُعَةَ فَرْضُ الْوَقْتِ وَلَيْسَتْ بَدَلًا كَمَا صَرَّحَ هُوَ بِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَحِينَئِذٍ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّعْفِ.
أَقُولُ: فِيهِ: إنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْكَنْزِ حَيْثُ قَالَ: إنَّ الْجُمُعَةَ فَرْضُ ابْتِدَاءِ نِسْبَتِهَا النِّصْفُ مِنْ الظُّهْرِ وَإِنْ كَانَ فَرْضُ الْوَقْتِ هُوَ الظُّهْرُ عِنْدَنَا بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ يُصَلِّي الظُّهْرَ قَضَاءً وَحِينَئِذٍ كَانَ الصَّوَابُ فِي تَعْلِيلِ عَدَمِ صِحَّةِ الْجُمُعَةِ بِنِيَّةِ فَرْضِ الْوَقْتِ فِي الْجُمُعَةِ بِأَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ هُوَ الظُّهْرُ وَإِنْ كُنَّا مَأْمُورِينَ بِأَدَائِهِ بِالْجُمُعَةِ.
(١٨٦) قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادَهُ أَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ يَعْنِي بِأَنْ كَانَ يَرَى رَأْيَ زُفَرَ إنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ هُوَ الْجُمُعَةُ لَا الظُّهْرِ فَحِينَئِذٍ تَصِحُّ نِيَّةُ فَرْضِ الْوَقْتِ وَإِنْ كَانَ الْمَذْهَبُ أَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ هُوَ الظُّهْرُ.
هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِ وَفِيهِ شَيْءٌ فَتَدَبَّرْهُ
стр. 101
وَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا مِعْيَارًا لَهَا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتَّسِعُ غَيْرَهَا كَالصَّوْمِ فِي يَوْمِ رَمَضَانَ فَإِنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْطٍ إنْ كَانَ الصَّائِمُ صَحِيحًا مُقِيمًا فَيَصِحُّ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ وَنِيَّةِ النَّفْلِ وَوَاجِبٌ آخَرُ لِأَنَّ التَّعْيِينَ فِي الْمُتَعَيَّنِ لَغْوٌ وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَالصَّحِيحُ وُقُوعُهُ عَنْ رَمَضَانَ سَوَاءٌ نَوَى وَاجِبًا آخَرَ أَوْ نَفْلًا
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا مِعْيَارًا.
الْمُرَادُ مِنْ الْمِعْيَارِ الْمُثْبِتُ بِقَدْرِ الْفِعْلِ حَيْثُ يَطُولُ بِطُولِهِ وَيَقْصُرُ بِقِصَرِهِ، وَوَقْتُ الصَّوْمِ مِعْيَارٌ، لَا ظَرْفٌ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ كَذَا فِي الْبِنَايَةِ.
قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالصَّحِيحُ وُقُوعُهُ عَنْ رَمَضَانَ لِأَنَّهُ لَمَّا صَامَ الْتَحَقَ بِالصَّحِيحِ؛ وَاخْتَارَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمَجْمَعِ؛ وَقِيلَ: يَقَعُ عَمَّا نَوَى كَالْمُسَافِرِ؛ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ.
وَقِيلَ: إنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَمِنْ ثَمَّ اعْتَمَدَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّمُرْتَاشِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ وَقِيلَ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ أَنْ يَضُرَّهُ الصَّوْمُ فَيَتَعَلَّقُ بِخَوْفِ الزِّيَادَةِ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَضُرَّهُ الصَّوْمُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرَضَ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَا لَا يَضُرُّهُ الصَّوْمُ.
مَعَهُ كَالْأَمْرَاضِ الرُّطُوبِيَّةِ وَفَسَادِ الْهَضْمِ بَلْ يُفِيدُهُ فَلَا رُخْصَةَ فِيهِ، وَمَا يَضُرُّهُ كَالْحُمَّيَاتِ الْمُطْبِقَةِ وَوَجَعِ الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ فَفِيهَا الرُّخْصَةُ.
وَأَمَّا بِالْعَجْزِ عَنْ الصَّوْمِ أَوْ خَوْفِ الِازْدِيَادِ، فَفِي صُورَةِ خَوْفِ الِازْدِيَادِ لَوْ صَامَ فَهُوَ كَالْمُسَافِرِ وَفِي صُورَةِ الْعَجْزِ فَكَالصَّحِيحِ.
كَذَا فِي شَرْحِ الْغَابِيّ عَلَى الْمُغْنِي، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ ﵀ مَا إذَا أَطْلَقَ النِّيَّةَ عَنْ صِفَةِ النَّفْلِ، وَالْوَاجِبُ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهَا بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَفَهْمُهُمَا مِنْ اللَّتَيْنِ فِي النَّفْلِ، فَمَنْ قَالَ بِوُقُوعِهَا عَنْ النَّفْلِ قَالَ بِعَدَمِ وُقُوعِهَا عَنْ رَمَضَانَ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ رَمَضَانُ فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ شَعْبَانَ حَتَّى قِيلَ سَائِرُ أَنْوَاعِ الصَّوْمِ، فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ لِيَنْصَرِفَ صَوْمُهُ إلَيْهِ، وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ بِوُقُوعِ النَّفْلِ عَنْ رَمَضَانَ فَلَا أَشُكُّ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ الْفَرْضَ، فَبِالنِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي تَحْتَمِلُهُ أَوْلَى أَنْ يَقَعَ عَنْ الْفَرْضِ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ إطْلَاقَ النِّيَّةِ بِوُقُوعِ صَوْمِهِ عَنْ رَمَضَانَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
стр. 102
وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَإِنْ نَوَى عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ وَقَعَ عَمَّا نَوَاهُ لَا عَنْ رَمَضَانَ. ١٨٩ -
وَفِي النَّفْلِ رِوَايَتَانِ.
وَالصَّحِيحُ وُقُوعُهُ عَنْ رَمَضَانَ
وَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا مُشْكِلًا كَوَقْتِ الْحَجِّ يُشْبِهُ الْمِعْيَارَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي السَّنَةِ إلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً.
وَالظَّرْفُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَفْعَالَهُ لَا تَسْتَغْرِقُ وَقْتَهُ فَيُصَابُ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ نَظَرًا إلَى الْمِعْيَارِيَّةِ.
وَإِنْ نَوَى نَفْلًا وَقَعَ عَمَّا نَوَى نَظَرًا إلَى الظَّرْفِيَّةِ
وَلَا يَسْقُطُ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَإِنْ نَوَى عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ وَقَعَ عَمَّا نَوَاهُ.
لِأَنَّ لَهُ أَنْ لَا يَصُومَ فَلَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى مَا نَوَى؛ وَقَالَ لَا يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ لِأَنَّهُ يُفَارِقُ الْمُقِيمَ فِي رُخْصَتِهِ التَّرْكُ فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ صَارَ كَالْمُقِيمِ.
كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ قِيلَ: الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ إذَا صَامَا رَمَضَانَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَيْلًا، عَلَى قَوْلِهِمَا.
قَالَ الْقَاضِي خَانْ مَرِيضٌ أَوْ مُسَافِرٌ لَمْ يَنْوِ الصَّوْمَ مِنْ اللَّيْلِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ نَوَى بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ يُجْزِيهِ.
وَبِهِ أَخَذَ الْحَسَنُ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ ﵀ (انْتَهَى) .
أَقُولُ قَدْ نَبَّهَ فِي الْبَحْرِ عَلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ عِنْدَ قَوْلِ الْكَنْزِ، وَصَحَّ صَوْمُ رَمَضَانَ وَالنَّظَرُ الْمُعَيَّنُ بِالنِّيَّةِ مِنْ اللَّيْلِ إلَى مَا قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ، حَيْثُ قَالَ: فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ لِأَنَّهُ لَا تَفْصِيلَ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ.
وَقَالَ: زُفَرُ لَا يَجُوزُ الصَّوْمُ لِلْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ لِأَنَّ الْأَدَاءَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِمَا فَصَارَ كَالْقَضَاءِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ؛ وَالْمُنَاسِبُ لَهُمَا التَّخْفِيفُ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ مَرِيضٌ أَوْ مُسَافِرٌ لَمْ يَنْوِ الصَّوْمَ مِنْ اللَّيْلِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ نَوَى بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ؟ قَالَ أَبُو يُوسُفَ يُجْزِيهِمَا (انْتَهَى) .
وَبِهِ أَخَذَ الْحَسَنُ قَالَ صَاحِبُ الْكَشْفِ الْكَبِيرِ: فَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يُجْزِيهِمَا (انْتَهَى) .
وَهَذِهِ الْإِشَارَةُ مَدْفُوعَةٌ بِصَرِيحِ الْمَنْقُولِ مِنْ أَنَّ عِنْدَنَا لَا فَرْقَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَالنِّهَايَةِ والولوالجية وَغَيْرِهِ (١٨٩)
قَوْلُهُ: وَفِي النَّفْلِ رِوَايَتَانِ وَالصَّحِيحُ وُقُوعُهُ عَنْ رَمَضَانَ.
وَفِي شَرْحِ
стр. 103
التَّعْيِينُ فِي الصَّلَاةِ لِضِيقِ الْوَقْتِ لِأَنَّ السَّعَةَ بَاقِيَةٌ؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ شَرَعَ مُتَنَفِّلًا صَحَّ. ١٩٠ - وَإِنْ كَانَ حَرَامًا
وَلَا يَتَعَيَّنُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ بِتَعْيِينِ الْعَبْدِ قَوْلًا وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِفِعْلِهِ كَالْحَانِثِ فِي الْيَمِينِ لَا يَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ إلَّا فِي ضِمْنِ فِعْلِهِ هَذَا فِي الْأَدَاءِ؛ ١٩١ - وَأَمَّا فِي الْقَضَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ صَلَاةً وَصَوْمًا ١٩٢ - أَوْ حَجًّا
وَأَمَّا إنْ كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ فَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ لِتَمْيِيزِ الْفُرُوضِ الْمُتَّحِدَةِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٍ فَصَامَ يَوْمًا نَاوِيًا
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ: وَلَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ عَنْ النَّفْلِ فَهُوَ عَنْ رَمَضَانَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ لِأَنَّ الْأَهَمَّ هَذَا.
وَالْمَرِيضُ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ عَلَى هَذَا.
وَقِيلَ: يَجْعَلُ عَنْ رَمَضَانَ، كَيْفَ نَوَى بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْمُبِيحَ فِي حَقِّهِ الْعَجْزُ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا عَجْزَ؛ وَفِي حَقِّ الْمُسَافِرِ الْمُبِيحُ السَّفَرُ وَهُوَ بِهِ قَائِمٌ (انْتَهَى) .
وَفِيهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ فَصَامَهُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ يَقَعُ عَنْ النَّذْرِ، وَإِنْ نَوَى وَاجِبًا آخَرَ يَقَعُ عَمَّا نَوَى، لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لَهُ، وَالْفَرْضُ مَشْرُوعٌ عَلَيْهِ وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ تَغْيِيرَ الْوَقْتِ فِيمَا عَلَيْهِ
(١٩٠) قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ حَرَامًا.
قِيلَ عَلَيْهِ: لَيْسَتْ الْحُرْمَةُ لِلشُّرُوعِ وَإِنَّمَا هِيَ لِتَأْخِيرِ الْمَكْتُوبَةِ عَنْ وَقْتِهَا (انْتَهَى) .
وَفِيهِ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّفْلِ لَمَّا لَزِمَ مِنْهُ تَأْخِيرُ الْمَكْتُوبَةِ عَنْ وَقْتِهَا نَسَبَ الْحُرْمَةَ إلَيْهِ
قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي الْقَضَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا أَوْ حَجًّا.
أَقُولُ فِيهِ أَنَّ أَدَاءَ الصَّلَاةِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّعْيِينِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعْيِينِ هُنَا الزِّيَادَةُ فِي التَّعْيِينِ لَا أَصْلُ التَّعْيِينِ، إذْ فِي أَدَاءِ الصَّلَاةِ يَكْفِيهِ فِي التَّعْيِينِ أَنْ يَنْوِيَ الظُّهْرَ مَثَلًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ الْيَوْمِ بِخِلَافِ الْقَضَاءِ.
(١٩٢) قَوْلُهُ: أَوْ حَجًّا.
قِيلَ: فِيهِ نَظَرٌ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ فِي الْأَدَاءِ لَا يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ فَكَيْفَ شُرِطَ فِي الْقَضَاءِ
стр. 104
عَنْهُ وَلَكِنْ لَمْ يُعَيِّنْ أَنَّهُ عَنْ يَوْمِ كَذَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ، ١٩٣ - وَلَا يَجُوزُ فِي رَمَضَانَيْنِ مَا لَمْ يُعَيِّنْ أَنَّهُ صَائِمٌ عَنْ رَمَضَانَ سَنَةَ كَذَا وَأَمَّا قَضَاءُ الصَّلَاةِ فَلَا يَجُوزُ مَا لَمْ يُعَيِّنْ الصَّلَاةَ وَيَوْمَهَا ١٩٤ - بِأَنْ يُعَيِّنَ ظُهْرَ يَوْمِ كَذَا ١٩٥ - وَلَوْ نَوَى أَوَّلَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ أَوْ آخِرَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ جَازَ وَهَذَا هُوَ الْمَخْلَصُ لِمَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْأَوْقَاتَ الْفَائِتَةَ أَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ ١٩٦ - أَوْ أَرَادَ التَّسْهِيلَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَذُكِرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تُشْتَرَطْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْوَاجِبَ مُخْتَلِفٌ مُتَعَدِّدٌ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ إلَّا بِنِيَّةِ التَّعْيِينِ حَتَّى لَوْ سَقَطَ التَّرْتِيبُ بِكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ فِي رَمَضَانَيْنِ مَا لَمْ يُعَيِّنْ إلَخْ.
قِيلَ عَلَيْهِ: هَذَا خِلَافُ الْمُخْتَارِ قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ رَمَضَانَيْنِ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ عَلَى الْمُخْتَارِ وَالْأَفْضَلُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ (انْتَهَى) .
أَقُولُ سَيَأْتِي فِي الصَّفْحَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ عَلَى الْمُخْتَارِ؛ فَالْمُصَنِّفُ ﵀ لَمْ يَفُتْهُ بَيَانُ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ؛ عَلَى أَنَّ الزَّيْلَعِيَّ صَحَّحَ عَدَمَ الْجَوَازِ.
قِيلَ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمُوَافَقَةِ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ.
(١٩٤) قَوْلُهُ: بِأَنْ يُعَيِّنَ ظُهْرَ يَوْمِ كَذَا.
أَقُولُ: هَذَا عِنْدَ وُجُودِ الْمُزَاحِمِ أَمَّا عِنْدَ عَدَمِهِ فَلَا، كَمَا لَوْ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ ظُهْرٌ وَاحِدٌ فَائِتٌ، فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ أَنْ يَنْوِيَ مَا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الظُّهْرِ الْفَائِتِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ يَوْمٍ وَإِنَّ أَدْنَى التَّعْيِينِ كَافٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ الْحَاجِّ الْحَلَبِيِّ.
(١٩٥) قَوْلُهُ: وَلَوْ نَوَى أَوَّلَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ إلَخْ: قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ الْحَاجِّ: فَإِذَا نَوَى الْأَوَّلَ وَصَلَّى فَمَا يَلِيهِ يَصِيرُ أَوَّلًا وَكَذَا لَوْ نَوَى آخَرُ عَلَيْهِ وَصَلَّى فَمَا قَبْلَهَا يَصِيرُ آخِرًا.
(١٩٦) قَوْلُهُ: أَوْ أَرَادَ التَّسْهِيلَ عَلَى نَفْسِهِ.
كَذَا فِي النَّسْخِ.
وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ نَوَى أَوَّلَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ أَوْ آخِرَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ جَازَ وَإِنْ عَلِمَ الْأَوْقَاتَ وَلَمْ تُشْبِهُ عَلَيْهِ.
стр. 105
تَكْفِيهِ نِيَّةُ الظُّهْرِ لَا غَيْرُ ١٩٧ - وَهَذَا مُشْكِلٌ وَمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا كَقَاضِي خَانْ وَغَيْرُهُ خِلَافَهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
كَذَا فِي التَّبْيِينِ
١٩٨ - وَقَالُوا فِي التَّيَمُّمِ لَا يَجُوزُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ حَتَّى لَوْ تَيَمَّمَ الْجُنُبُ يُرِيدُ بِهِ الْوُضُوءَ جَازَ خِلَافًا لِلْخَصَّافِ لِكَوْنِهِ يَقَعُ لَهُمَا عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَيُمَيَّزُ بِالنِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ.
قَالُوا وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهَا لِيَقَعَ طَهَارَةً وَإِذَا وَقَعَ طَهَارَةً جَازَ أَنْ يُؤَدِّيَ بِهِ مَا شَاءَ لِأَنَّ الشُّرُوطَ يُرَاعَى وُجُودُهَا لَا غَيْرُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ لِلْعَصْرِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ غَيْرُهُ.
الضَّابِطُ فِي هَذَا الْبَحْثِ التَّعْيِينُ لِتَمْيِيزِ الْأَجْنَاسِ ١٩٩ - فَنِيَّةُ التَّعْيِينِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لَغْوٌ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ.
وَالتَّصَرُّفُ إذَا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ كَانَ لَغْوًا
٢٠٠ - وَيُعْرَفُ اخْتِلَافُ الْجِنْسِ بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ وَالصَّلَاةُ كُلُّهَا مِنْ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَهَذَا مُشْكِلٌ.
أَقُولُ: وَجْهُ إشْكَالِهِ أَنَّهُ يَهْدِمُ قَاعِدَتَهُمْ الَّتِي تَوَاطَئُوا عَلَيْهَا وَهِيَ أَنَّ التَّعْيِينَ يَكُونُ لِتَمْيِيزِ الْأَجْنَاسِ وَالصَّلَوَاتُ كُلُّهَا مِنْ قَبِيلِ مُخْتَلَفِ الْجِنْسِ لِاخْتِلَافِ أَسْبَابِهَا
(١٩٨) قَوْلُهُ: وَقَالُوا فِي التَّيَمُّمِ إلَخْ.
أَقُولُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا مَحَلَّ لِذِكْرِهَا هُنَا لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا يَكُونُ مَنْوِيًّا مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مَنْوِيًّا مِنْ غَيْرِهَا فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ قُبَيْلَ: الْمَبْحَثِ الرَّابِعِ بِأَسْطُرٍ (١٩٩)
قَوْلُهُ: فَنِيَّةُ التَّعْيِينِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لَغْوٌ.
وَالْجِنْسُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كُلِّيٌّ مَقُولٌ عَلَى أَفْرَادٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ حَيْثُ الْمَقَاصِدِ وَالْأَحْكَامِ؛ وَالنَّوْعُ الْكُلِّيُّ مَقُولٌ عَلَى أَفْرَادٍ مُتَّفِقَةٍ مِنْ حَيْثُ الْمَقَاصِدِ وَالْأَحْكَامِ.
كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْبُرْجُنْدِيِّ
(٢٠٠) قَوْلُهُ: وَيُعْرَفُ اخْتِلَافُ الْجِنْسِ بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ.
وَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا يَكُونُ طَرِيقًا لِلْوُصُولِ إلَى الْحُكْمِ غَيْرِ مُؤَثِّرٍ فِيهِ.
стр. 106
قَبِيلِ الْمُخْتَلِفِ حَتَّى الظُّهْرَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ أَوْ الْعَصْرَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ بِخِلَافِ أَيَّامِ رَمَضَانَ ٢٠١ - فَإِنَّهُ يَجْمَعُهَا شُهُودُ الشَّهْرِ فَتَفَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ ٢٠٢ - فَصَامَ بِنِيَّةِ يَوْمٍ آخَرَ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ صَوْمِ يَوْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَصَامَ يَوْمًا ٢٠٣ - عَنْ قَضَاءِ صَوْمِ يَوْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى عَنْ رَمَضَانَيْنِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ كَمَا إذَا نَوَى ظُهْرَيْنِ أَوْ ظُهْرًا عَنْ عَصْرٍ أَوْ نَوَى ظُهْرَ يَوْمِ السَّبْتِ وَعَلَيْهِ ظُهْرُ يَوْمِ الْخَمِيسِ
٢٠٤ - وَعَلَى هَذَا أَدَاءُ الْكَفَّارَاتِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّعْيِينِ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ وَلَوْ عَيَّنَ لُغِيَ.
وَفِي الْأَجْنَاسِ لَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجْمَعُهَا شُهُودُ الشَّهْرِ.
اُخْتُلِفَ فِي سَبَبِ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ فَقِيلَ سَبَبُهُ الْأَيَّامُ دُونَ اللَّيَالِي وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ وَغَيْرِهِ بِمَعْنَى أَنَّ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ سَبَبٌ لِوُجُوبِ صَوْمِهِ؛ وَاخْتَارَ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ السَّبَبَ مُطْلَقُ شُهُودِ الشَّهْرِ يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي، وَقَدْ جَمَعَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَشُهُودُ جُزْءٍ مِنْهُ سَبَبٌ لِكُلِّهِ؛ ثُمَّ كُلُّ يَوْمٍ سَبَبُ وُجُودِ أَدَائِهِ.
غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ تَكَرَّرَ سَبَبُ وُجُوبِ صَوْمِ الْيَوْمِ بِاعْتِبَارِ خُصُوصِيَّتِهِ وَدُخُولِهِ فِي ضِمْنِ غَيْرِهِ.
كَذَا فِي الْفَتْحِ (٢٠٢) قَوْلُهُ: فَصَامَ بِنِيَّةِ يَوْمٍ آخَرَ.
مِثَالُهُ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ خَامِسٍ مِنْ رَمَضَانَ لِمُعَيَّنٍ فَصَامَ يَوْمًا بِنِيَّةِ قَضَاءِ عَاشِرِ رَمَضَانَ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ.
(٢٠٣) قَوْلُهُ: عَنْ قَضَاءِ صَوْمِ يَوْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ.
أَيْ عَنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ الْيَوْمَيْنِ
(٢٠٤) قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا أَدَاءُ الْكَفَّارَاتِ إلَخْ.
الْمُشَارُ إلَيْهِ وُجُوبُ التَّعْيِينِ فِي الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ وَلُغَوِيَّتِهِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ
стр. 107
الظِّهَارِ مِنْ كِتَابِنَا شَرْحِ الْكَنْزِ
وَأَمَّا فِي الزَّكَاةِ فَقَالُوا لَوْ عَجَّلَ خَمْسَةَ سُودٍ عَنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ سُودٍ فَهَلَكَتْ السُّودُ قَبْلَ الْحَوْلِ ٢٠٥ - وَعِنْدَهُ نِصَابٌ آخَرُ كَانَ الْمُعَجَّلُ عَنْ الْبَاقِي.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فِي الصَّوْمِ: وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٍ فَالْأَوْلَى أَنْ يَنْوِيَ أَوَّلَ يَوْمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ مِنْ هَذَا الرَّمَضَانِ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّن جَازَ ٢٠٦ - وَكَذَا لَوْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَيْنِ عَلَى الْمُخْتَارِ ٢٠٧ - حَتَّى لَوْ نَوَى الْقَضَاءَ لَا غَيْرُ جَازَ وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ فِطْرٍ ٢٠٨ - فَصَامَ وَاحِدًا وَسِتِّينَ يَوْمًا عَنْ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ وَلَمْ يُعَيَّنْ يَوْمَ الْقَضَاءِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُ نِصَابٌ آخَرُ.
أَيْ مِنْ الدَّرَاهِمِ السُّودِ لِيَتَحَقَّقَ بِهِ اتِّحَادُ الْجِنْسِ فَيَكُونُ الْمُؤَدَّى عَنْهُ بِلَا تَعْيِينٍ
(٢٠٦) قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَيْنِ.
وَجْهُهُ أَنَّ التَّعْيِينَ حَاصِلٌ لِقَوْلِهِ أَوَّلَ يَوْمٍ وَجَبَ عَلَى قَضَاءٍ لِانْصِرَافِهِ إلَى الْيَوْمِ الَّذِي عَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ الْأَوَّلِ.
(٢٠٧) قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ نَوَى الْقَضَاءَ لَا غَيْرُ جَازَ.
قِيلَ تَفْرِيعٌ عَلَى مَا قِيلَ.
قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ كَانَا مِنْ رَمَضَانَيْنِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ لَوْ نَوَى الْقَضَاءَ لَا غَيْرُ، وَعَلَيْهِ يَوْمَانِ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٍ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَشْبِيهِ يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَيْنِ بِيَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٍ فِي كَوْنِ النِّيَّةِ نِيَّةَ أَوَّلَ يَوْمٍ وَجَبَ عَلَى الْقَضَاءِ تَشْبِيهًا بِهَا فِي الِاكْتِفَاءِ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ لَا غَيْرُ، فَلَا يُرَدُّ أَنَّ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ يَدْفَعُ مَا مَهَّدَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ (انْتَهَى) .
أَقُولُ فِيهِ إنَّ مَا هُنَا لَا يَدْفَعُ مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ مَا هُنَا عَلَى الْمُخْتَارِ وَذَلِكَ عَلَى خِلَافِهِ وَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى مَا تَكَلَّفَهُ؛ عَلَى أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ قَدْ صُحِّحَ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ سَابِقًا.
(٢٠٨) قَوْلُهُ: فَصَامَ أَحَدَ وَسِتِّينَ يَوْمًا عَنْ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ.
قِيلَ: ظَاهِرٌ أَنَّهُ فِي
стр. 108
وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ عَنْ أَحَدِ الْمَالَيْنِ فَاسْتُحِقَّ مَا عَجَّلَ عَنْهُ قَبْلَ الْحَوْلِ لَمْ يَكُنْ الْمُعَجَّلُ عَنْ الْبَاقِي وَكَذَا لَوْ اُسْتُحِقَّ بَعْدَ الْحَوْلِ. ٢١٠ -
لِأَنَّ فِي الِاسْتِحْقَاقِ عَجَّلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ مِلْكَهُ فَبَطَلَ التَّعْجِيلُ
وَفِيهَا أَيْضًا لَوْ كَانَ لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ الْحَوَامِلِ يَعْنِي الْحَبَالَى فَعَجَّلَ شَاتَيْنِ عَنْهَا وَعَمَّا فِي بُطُونِهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ خَمْسٌ قَبْلَ الْحَوْلِ أَجْزَأَهُ عَمَّا عَجَّلَ وَإِنْ عَجَّلَ عَمَّا تَحْمِلُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
كُلِّ لَيْلَةٍ يَنْوِي الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ مَعًا إلَى آخِرِ الْأَيَّامِ فَيَجْزِي ذَلِكَ عَنْهُمَا وَذَلِكَ بِأَنْ يُلْغِيَ الْقَضَاءَ فِي سِتِّينَ مِنْهُمَا، فَيَكُونُ عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَيُلْغِيَ نِيَّةَ الْكَفَّارَةِ فِي الْوَاحِدَةِ فَيَجْزِيَ عَنْ الْقَضَاءِ، فَإِنْ أَرَادَ هَذَا، فَذَاكَ، وَإِلَّا لَمْ يَتَشَخَّصْ الْمُرَادُ؛ فَإِنْ قُلْت قَدْ تَمَهَّدَ أَنَّ التَّعْيِينَ وَاجِبٌ عِنْدَ تَغَايُرِ الْجِنْسَيْنِ وَلَا تَعْيِينَ عِنْدَ نِيَّةِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ مَعًا، فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّعْيِينَ حَاصِلٌ عِنْدَ إلْغَاءِ الْآخَرِ كَمَا يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ (انْتَهَى) .
أَقُولُ: هَذَا الْفَرْعُ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ مَعْزِيًّا لِأَبِي اللَّيْثِ وَقَيَّدَهُ بِالْفَقِيرِ.
قَالَ كَأَنَّهُ نَوَى الْقَضَاءَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَسِتِّينَ عَنْ الْكَفَّارَةِ (انْتَهَى)
(٢٠٩) قَوْلُهُ: وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ عَنْ أَحَدِ الْمَالَيْنِ.
أَيْ الْمُخْتَلِفَيْنِ.
بَقِيَ الْكَلَامُ فِيمَا إذَا عَجَّلَ زَكَاةَ أَحَدِ النِّصَابَيْنِ الْمُتَّفِقَيْنِ كَمَا إذَا كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعُونَ مِثْقَالًا مِنْ الذَّهَبِ فَعَجَّلَ زَكَاةَ وَاحِدٍ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إنْ اُسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ بِأَنْ اُسْتُحِقَّ عِشْرُونَ مِثْقَالًا مِنْ الْأَرْبَعِينَ فَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ الْمُعَجَّلَ يَكُونُ عَنْ الْبَاقِي، أَمَّا إذَا كَانَ كُلُّ نِصَابٍ مُفْرَزًا عَنْ الْآخَرِ وَعَجَّلَ مِنْ عَيْنِ أَحَدِهِمَا عَنْهُ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْمُعَجَّلُ عَنْهُ بِعَيْنِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُعَجَّلَ لَا يُجْزِي عَنْ النِّصَابِ الْبَاقِي وَيَكُونَانِ كَالْمُخْتَلِفِينَ لِانْتِهَاضِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ كَوْنُهُ لَمْ يَمْلِكْ الْمُعَجَّلَ.
(٢١٠) قَوْلُهُ: لِأَنَّ فِي الِاسْتِحْقَاقِ عَجَّلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ مِلْكَهُ.
إنْ أُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ بِالضَّمَانِ يَصِيرُ مِلْكَهُ أَمْكَنَ الْجَوَابُ بِأَنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُهُ مُسْتَنِدًا إلَى مَا قَبْلَ التَّعْجِيلِ وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَتَأَمَّلْ
стр. 109
لَا يَجُوزُ.
هَذَا كُلُّهُ فِي الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ كَالْمَنْذُورِ وَالْوِتْرِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَالْعِيدِ عَلَى الصَّحِيحِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَيَنْوِي الْوِتْرَ لَا الْوِتْرَ الْوَاجِبَ ٢١١ - لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ وَفِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ يَنْوِي الصَّلَاةَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ
٢١٢ - وَلَا يَلْزَمُهُ التَّعْيِينُ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ لِأَيِّ تِلَاوَةٍ سَجَدَ لَهَا كَمَا فِي الْقُنْيَةِ.
وَأَمَّا النَّوَافِلُ فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا أَنَّهَا تَصِحُّ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ
٢١٣ - وَأَمَّا السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ فَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ تَعْيِينِهَا.
وَالصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ لِأَنَّهَا تَصِحُّ بِنِيَّةِ النَّفْلِ وَبِمُطْلَقِ النِّيَّةِ
٢١٤ - وَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ لَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عَلَى ظَنٍّ أَنَّهَا تَهَجُّدٌ بِظَنِّ بَقَاءِ اللَّيْلِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ كَانَتْ عَنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَا يُصَلِّيهَا بَعْدَهُ لِلْكَرَاهَةِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
قَوْلُهُ: لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ.
قَدْ يُقَالُ لِمَ لَا يَنْوِي الْوِتْرَ الْوَاجِبَ مَنْ اعْتَقَدَ وُجُوبَهُ تَقْلِيدًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀، إذْ السُّنِّيَّةُ عِنْدَهُ مَرْجُوحَةٌ فَيَنْبَغِي كَوْنُ النِّيَّةِ عَلَى طِبْقِ الِاعْتِقَادِ
(٢١٢) قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُهُ التَّعْيِينُ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ إلَى قَوْلِهِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ.
قِيلَ: كَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى اتِّحَادِ الْجِنْسِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ التِّلَاوَةَ الَّتِي هِيَ السَّبَبُ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَإِنْ اخْتَلَفَ أَفْرَادُهَا
(٢١٣) قَوْلُهُ: وَأَمَّا السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ فَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ تَعَيُّنِهَا إلَخْ.
قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: فَعَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِ تَعْيِينِهَا بِعَيْنِهَا بِإِضَافَتِهَا إلَى الظُّهْرِ مَثَلًا وَكَوْنِهَا الَّتِي قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا
(٢١٤) قَوْلُهُ: وَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ لَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ إلَخْ.
هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ التَّجْنِيسِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ السُّنَّةَ تَطَوُّعٌ فَتُؤَدَّى بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ، لَكِنْ رَدَّهُ فِي الْمَزِيدِ بِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُمَا لَا يَنُوبَانِ عَنْ
стр. 110
وَأَمَّا مَنْ قَالَ إذَا صَلَّى رَكْعَةً قَبْلَ الطُّلُوعِ وَأُخْرَى بَعْدَهُ كَانَتَا عَنْ السُّنَّةِ فَبَعِيدٌ ٢١٦ - لِأَنَّ السُّنَّةَ لَا بُدَّ مِنْ الشُّرُوعِ فِيهَا فِي الْوَقْتِ؛ وَلَمْ يُوجَدْ.
وَقَالُوا لَوْ قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ فِي الظُّهْرِ سَاهِيًا بَعْدَ مَا قَعَدَ لِلْأَخِيرَةِ فَإِنَّهُ يَضُمُّ سَادِسَةً وَتَكُونُ الرَّكْعَتَانِ نَفْلًا ٢١٧ - وَلَا تَكُونَانِ عَنْ سُنَّةِ الظُّهْرِ عَلَى الصَّحِيحِ وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ لِأَنَّ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ لِكَوْنِ السُّنَّةِ لَمْ تُشْرَعْ إلَّا بِتَحْرِيمِهِ مُبْتَدَئِهِ وَلَمْ تُوجَدْ
وَاخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي التَّرَاوِيحِ هَلْ تَقَعُ التَّرَاوِيحُ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ؟ فَصَحَّحَ قَاضِي خَانْ الِاشْتِرَاطَ وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ كَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ
ــ
[غمز عيون البصائر]
رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، كَمَا إذَا صَلَّى الظُّهْرَ سِتًّا وَقَدْ قَعَدَ عَلَى رَأْسِ الرَّابِعَةِ؛ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْجَوَابِ لِأَنَّ السُّنَّةَ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَمُوَاظَبَتُهُ كَانَتْ بِتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ.
لَا يُقَالُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِكَرَاهَةِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ الْفَجْرِ، بِخِلَافِهِ بَعْدَ الظُّهْرِ، لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ فِي التَّطَوُّعِ الْقَصْدِيُّ، وَأَمَّا هَذَا فَغَيْرُ قَصْدِيٍّ فَلَا يُكْرَهُ كَمَا هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ.
قِيلَ: وَعَلَى التَّصْحِيحِ الَّذِي نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الشَّرْعِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
(٢١٥) قَوْلُهُ: لِأَنَّ السُّنَّةَ لَا بُدَّ مِنْ الشُّرُوعِ فِيهَا فِي الْوَقْتِ إلَخْ.
قِيلَ وَإِذَا لَمْ يَكُونَا عَنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ هَلْ يَقْطَعُ؟ قَالَ الْكَمَالُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ: وَإِذَا تَطَوَّعَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَةً طَلَعَ الْفَجْرُ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُتِمَّهَا رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْفِلْ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَصْدًا.
(٢١٦) قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَنْ قَالَ إذَا صَلَّى رَكْعَةً إلَى قَوْلِهِ بَعِيدٍ.
أَقُولُ كَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ فَخَطَأٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
(٢١٧) قَوْلُهُ: وَلَا يَكُونَانِ عَنْ سُنَّةِ الظُّهْرِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى.
قَوْلُهُ: أَوْ أَوَّلَ مَا أَدْرَكَ وَقْتَهُ.
قِيلَ: لَفْظُ أَوَّلِ حَشْوٌ مُفْسِدٌ (انْتَهَى) .
قُلْت وَلَيْسَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْهُمَامِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ
следующие страницы →