← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21588

غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر

أحمد بن محمد الحموي الحنفي

Полный текст (1 695 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

صِفَةُ الْمَالِكِيَّةِ تَزُولُ بِزَوَالِ مِلْكِهِ وَكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا لَا. ــ [غمز عيون البصائر] بِالدُّخُولِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهَا إنَّمَا حُمِلَتْ عَلَى التَّعْلِيقِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ مَعَ. فَالْمُنَاسِبُ إذَنْ ذِكْرُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ (فِي) وَ (مَعَ) ثُمَّ بَيْنَ (مَعَ) وَبَيْنَ الشَّرْطِ. لَكِنَّ اللَّفْظَ إذَا اُسْتُعِيرَ لِغَيْرِهِ يَكُونُ الْعَمَلُ لِلْمُسْتَعَارِ دُونَ الْمُسْتَعَارِ لَهُ عِنْدَنَا، وَالْمُسْتَعَارُ هُنَا كَلِمَةُ (فِي) لَا كَلِمَةُ (مَعَ) فَلِذَلِكَ ذُكِرَتْ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الظَّرْفِ وَالشَّرْطِ. كَذَا فِي شَرْحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْفَخْرِ الْمَشْرُوطِ عَقِبَهُ كَمَا هُوَ حُكْمُ الشَّرْطِ مَعَ الْمَشْرُوطِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ يَقَعُ مَعَهُ كَمَا هُوَ حُكْمُ الْمُضَافِ؛ فَلَوْ قَالَ: وَيُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ لَكَانَ أَوْلَى وَأَظْهَرَ كَمَا لَا يَخْفَى (٦٥) قَوْلُهُ: صِفَةُ الْمَالِكِيَّةِ تَزُولُ بِزَوَالِ مِلْكِهِ وَكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا لَا. كَذَا فِي النُّسَخِ وَالصَّوَابُ: وَكَوْنُهُ مُشْتَرِيًا كَمَا فِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ. أَصْلُ هَذَا أَنَّ صِفَةَ كَوْنِ الْإِنْسَانِ مَالِكًا لَا تَبْقَى بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ فِي الْعُرْفِ وَأَنَّ صِفَةَ كَوْنِهِ مُشْتَرِيًا تَبْقَى بَعْدَ زَوَالِ الْمُشْتَرَى إذْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الشِّرَاءِ الْمِلْكُ، كَالْوَكِيلِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي عَبْدًا فَاشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ حَنِثَ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا اسْتَفَادَ صِفَةَ كَوْنِهِ مُشْتَرِيًا بِفِعْلِهِ، إذْ الشِّرَاءُ يَسْتَدْعِي الْفِعْلَ وَلَا يُمْكِنُ ارْتِفَاعُ فِعْلِهِ بَعْدَ زَوَالِ الْمُشْتَرَى. أَمَّا الْمَالِكُ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَدْعِي الْفِعْلَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَمْلِكُ قَهْرًا بِالْمِيرَاثِ فَعُلِمَ أَنَّهُ اسْتَفَادَ صِفَةَ كَوْنِهِ مَالِكًا لِحُصُولِ الْمِلْكِ لَا بِفِعْلِهِ فَإِذَا زَالَ الْمِلْكُ زَالَ مَا بِهِ تَثْبُتُ الصِّفَةُ. وَفَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالْعُرْفِ أَنَّ الْفَرْعَ الَّذِي يَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فِيهِ قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ، فَمُقْتَضَى الْقِيَاسِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الشِّرَاءِ وَالْمِلْكِ، وَمُقْتَضَى الِاسْتِحْسَانِ التَّفْرِقَةُ، وَمُسْتَنَدُهُ الْعُرْفُ وَهُوَ رَجُلٌ قَالَ: إنْ مَلَكْت عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ وَإِنْ مَلَكْت مِائَتِي دِرْهَمٍ هِيَ صَدَقَةٌ. فَشَرْطُ نُزُولِ الْعِتْقِ وَوُجُوبِ الصَّدَقَةِ حُصُولُ الْعَبْدِ كَامِلًا فِي مِلْكِهِ وَوُصُولُ الدَّرَاهِمِ كَامِلَةً فِي مِلْكِهِ فَيَحْنَثُ. فَلَوْ مَلَكَ نِصْفَ عَبْدٍ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ مَلَكَ النِّصْفَ الْآخَرَ لَا يَعْتِقُ هَذَا النِّصْفُ وَكَذَا لَوْ مَلَكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَأَنْفَقَهَا ثُمَّ مَلَكَ مِائَةً أُخْرَى لَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِهَذِهِ الْمِائَةِ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ فَيَعْتِقَ النِّصْفُ الَّذِي اشْتَرَاهُ ثَانِيًا وَيَتَصَدَّقُ بِالْمِائَةِ الَّتِي مَلَكَهَا ثَانِيًا؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ مِلْكُ الْعَبْدِ وَالْمِائَتَيْنِ مُطْلَقًا عَنْ قَيْدِ الْكَمَالِ أَيْ الِاجْتِمَاعِ، فَإِذَا مَلَكَ عَبْدًا أَوْ مِائَتَيْنِ، وَلَوْ بِصِفَةِ الِافْتِرَاقِ، فَقَدْ حَصَلَ شَرْطُ الْحِنْثِ كَمَا فِي الْمُعَيَّنِ وَالْمُشْتَرَى. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمُطْلَقَ يَتَقَيَّدُ عِنْدَ وُجُودِ دَلِيلِ التَّقْيِيدِ وَالدَّلِيلُ تَارَةً يَكُونُ لَفْظِيًّا وَتَارَةً عُرْفِيًّا، وَالْمُقَيَّدُ

стр. 632

الْأَوَّلُ اسْمٌ لِفَرْدٍ سَابِقٍ، ــ [غمز عيون البصائر] هُنَا عُرْفِيٌّ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ فِي الْعُرْفِ بِالْمِلْكِ ثُبُوتُ الْغِنَى؛ وَلِهَذَا يَقُولُ النَّاسُ فِي تَخَاطُبِهِمْ: فُلَانٌ يَمْلِكُ كَذَا وَكَذَا، وَمُرَادُهُمْ إثْبَاتُ غِنَاهُ وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ بِمِلْكٍ مُتَفَرِّقٍ. وَمِنْهُ يَقُولُ الرَّجُلُ لِنَفْيِ الْغِنَى: مَا مَلَكْت فِي عُمْرِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ يُرِيدُ مَا اجْتَمَعَتْ فِي مِلْكِي؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا مَلَكَ مُتَفَرِّقًا أَضْعَافَ ذَلِكَ وَلَا عُرْفَ فِي الْمُعَيَّنِ وَالْمُشْتَرَى كَمَا لَوْ أَشَارَ إلَى عَبْدٍ مُعَيَّنٍ أَوْ إلَى دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٍ فَقَالَ: إنْ مَلَكْت هَذَا الْعَبْدَ فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ مَلَكْت هَذِهِ الدَّرَاهِمَ فَهِيَ صَدَقَةٌ، فَمَلَكَهَا مُتَفَرِّقًا عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ. وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعَيَّنَ لَا عُرْفَ فِيهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إذَا مَلَكَ عَبْدًا أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَلَى صِفَةِ التَّفَرُّقِ لَا يُسْتَحْسَنُ قَوْلُهُ فِي الْعُرْفِ مَا مَلَكْت هَذَا الْعَبْدَ أَوْ هَاتَيْنِ الْمِائَتَيْنِ، فَإِذَا انْتَفَى فِي الْمُعَيَّنِ التَّقْيِيدُ الْعُرْفِيُّ بَقِيَ اللَّفْظُ عَلَى إطْلَاقِهِ فَلَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ فِي الْحِنْثِ بَيْنَ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْمُعَيَّنَ حَاضِرٌ وَالِاجْتِمَاعُ وَصْفٌ وَالْوَصْفُ فِي الْحَاضِرِ لَغْوٌ بِخِلَافِ الْمُنَكَّرِ، فَإِنَّ الْوَصْفَ فِيهِ مُعْتَبَرٌ، وَلَوْ قَالَ: إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا أَوْ اشْتَرَيْت هَذَا الْعَبْدَ فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَى نِصْفَهُ وَبَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَى النِّصْفَ الْآخَرَ عَتَقَ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ فِي الْمِلْكِ إنَّمَا تَقَيَّدَ بِصِفَةِ الِاجْتِمَاعِ. لَكَانَ الْعُرْفُ، وَلَيْسَ فِي الشِّرَاءِ عُرْفٌ مُقَيَّدٌ بَلْ الْعُرْفُ فِيهِ عَلَى وِفَاقِ الْإِطْلَاقِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَسْتَجِيزُ أَنْ يَقُولَ اشْتَرَيْت مِائَةَ جَارِيَةٍ وَإِنْ كَانَ اشْتِرَاؤُهُنَّ مُتَفَرِّقًا وَكَذَا لَوْ قَالَ إذَا اشْتَرَيْت بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَعَبْدُهُ حُرٌّ فَاشْتَرَى بِدِرْهَمٍ ثُمَّ بِدِرْهَمٍ حَتَّى اشْتَرَى بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَتَقَ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ فِي الْعُرْفِ اشْتَرَى بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَإِنْ كَانَ مُتَفَرِّقًا فَوَجَبَ حِينَئِذٍ إجْرَاءُ اللَّفْظِ عَلَى إطْلَاقِهِ فَصَارَ الْمُعَيَّنُ وَغَيْرُهُ وَالْمُجْتَمِعُ وَالْمُتَفَرِّقُ فِي الْحِنْثِ سَوَاءً، فَلَمَّا عَنَى بِالْمِلْكِ الشِّرَاءَ أَوْ بِالْعَكْسِ صَدَقَ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ عِلَّةُ الْمِلْكِ. وَلَا خَفَاءَ فِي الِاتِّصَالِ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالْحُكْمِ لِافْتِقَارِ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى الْآخَرِ أَمَّا افْتِقَادُ الْعِلَّةِ فَلِأَنَّ الْعِلَلَ لَمْ تُشْرَعْ لِذَوَاتِهَا بَلْ لِأَحْكَامِهَا، وَأَمَّا افْتِقَارُ الْحُكْمِ فَلِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعِلَّةٍ فَلِذَلِكَ جَازَ اسْتِعَارَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ بِخِلَافِ السَّبَبِ الْمَحْضِ مَعَ الْحُكْمِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، لَكِنَّهُ إذَا ادَّعَى بِالْمِلْكِ الشِّرَاءَ يَصْدُقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً؛ لِأَنَّهُ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ. وَفِي عَكْسِهِ يَصْدُقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِمَا فِيهِ مِنْ التَّخْفِيفِ. (٦٦) قَوْلُهُ: الْأَوَّلُ اسْمٌ لِفَرْدٍ سَابِقٍ أَيْ لَمْ يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ أَمَّا كَوْنُهُ فَرْدًا فَلَا إشْكَالَ فِيهِ لُغَةً. وَلِهَذَا يُثَنَّى وَيُجْمَعُ وَأَمَّا كَوْنُهُ سَابِقًا غَيْرَهُ فَلِأَنَّهُ بِالسَّبْقِ اسْتَحَقَّ هَذَا

стр. 633

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [غمز عيون البصائر] الِاسْمَ ثُمَّ هَذَا الْفَرْدُ إذَا وُصِفَ بِصِفَةٍ لَمْ تُفِدْ غَيْرَهَا إفَادَةَ الْفَرْدِ الْمَوْصُوفِ لَا تُعْتَبَرُ تِلْكَ الصِّفَةُ وَلَا يَتَغَيَّرُ بِهِ صَدْرُ الْكَلَامِ، وَإِنْ أَفَادَتْ غَيْرَ مَا أَفَادَهُ الْفَرْدُ الْمَوْصُوفُ اُعْتُبِرَتْ وَتَغَيَّرَ بِهَا صَدْرُ الْكَلَامِ، كَمَا إذَا قَالَ: رَأَيْت أَسَدًا يَزْأَرُ وَيَفْتَرِسُ، لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ صَدْرُ الْكَلَامِ وَلَوْ قَالَ يَرْمِي يَتَغَيَّرُ بِهِ صَدْرُ الْكَلَامِ، إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ لَوْ قَالَ: أَوَّلُ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ، فَمَلَكَ عَبْدًا وَنِصْفَ عَبْدٍ جُمْلَةً عَتَقَ الْعَبْدُ. وَلَوْ قَالَ: أَوَّلُ كُرٍّ أَمْلِكُهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ فَمَلَكَ كُرًّا وَنِصْفَ كُرٍّ جُمْلَةً لَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ وَالْفَرْقُ أَنَّ نِصْفَ الْعَبْدِ الزَّائِدِ لَا يُخْرِجُ الْعَبْدَ عَنْ الْفَرْدِيَّةِ وَالْأَوَّلِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ إجْمَالِهِ فَتَحَقَّقَ شَرْطُ الْحِنْثِ وَذَلِكَ لِأَنَّ النِّصْفَ لَا يَقْبَلُ الِانْضِمَامَ إلَى الْعَبْدِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعَبْدَ مِمَّا لَا يَتَبَعَّضُ، فَإِنَّك إذَا أَخَذْت هَذَا النِّصْفَ فَضَمَمْته إلَى أَيِّ نِصْفٍ شِئْت مِنْ نِصْفَيْ الْعَبْدِ لَا يُسَمَّى بِهِ عَبْدًا كَامِلًا فَصَارَ انْضِمَامُ النِّصْفِ إلَيْهِ كَانْضِمَامِ ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ. أَمَّا النِّصْفُ الزَّائِدُ عَلَى الْكُرِّ فَإِنَّ مُزَاحِمَ يُخْرِجُهُ عَنْ الْأَوَّلِيَّةِ وَالْفَرْدِيَّةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكُرَّ اسْمٌ لِأَرْبَعِينَ قَفِيزًا فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ أَوَّلُ أَرْبَعِينَ قَفِيزًا أَمْلِكُهَا فَهُوَ صَدَقَةٌ، فَمَلَكَ سِتِّينَ قَفِيزًا جُمْلَةً لَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ لِعَدَمِ الشَّرْطِ. وِزَانُهُ أَوَّلُ أَرْبَعِينَ عَبْدًا أَمْلِكُهُمْ فَهُمْ أَحْرَارٌ، فَمَلَكَ سِتِّينَ جُمْلَةً لَا يَعْتِقُ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ النِّصْفَ فِي الْكُرِّ يَقْبَلُ الِانْضِمَامَ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ يَتَبَعَّضُ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّك إذَا أَخَذْت أَيَّ نِصْفٍ شِئْت مِنْ نِصْفَيْ الْكُرِّ وَضَمَمْته إلَى النِّصْفِ الزَّائِدِ يَصِيرُ كُرًّا كَامِلًا فَوَضَحَ الْفَرْقُ وَكُلُّ مَا لَا يَتَبَعَّضُ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْعَبْدِ وَكُلُّ مَا يَتَبَعَّضُ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْكُرِّ. وَلَوْ مَلَكَ عَبْدَيْنِ مَعًا ثُمَّ عَبْدًا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَا يَعْتِقُ أَحَدٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْعِتْقَ إلَى أَوَّلِ عَبْدٍ وَهُوَ فَرْدٌ سَابِقٌ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ وَلَمْ يُوجَدْ أَمَّا الْمَمْلُوكَانِ مَعًا فَلِعَدَمِ الْفَرْدِيَّةِ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِعَدَمِ السَّبْقِ، وَلِهَذَا جَازَ تَسْمِيَتُهُ آخَرَ إذَا لَمْ يَمْلِكْ بَعْدَهُ عَبْدًا. وَلَوْ قَالَ: أَوَّلُ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ وَاحِدًا أَوْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَا يَعْتِقُ الثَّالِثُ وَلَوْ قَالَ وَحْدَهُ يَعْتِقُ وَالْفَرْقُ أَنَّ وَاحِدًا يَقْتَضِي الِانْفِرَادَ فِي الذَّاتِ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ ابْتِدَاءِ الْعَدَدِ فَلَمْ يُفِدْ غَيْرَ مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ أَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ أَفَادَ شَيْئَيْنِ الْفَرْدِيَّةَ وَالسَّبَقَ، فَكَانَ قَوْلُهُ وَاحِدًا مُقَرِّرًا لِأَحَدِ مُوجِبَيْهِ وَهُوَ التَّفَرُّدُ وَمُكَرِّرًا لَهُ فَلَمْ يُفِدْ غَيْرَ التَّأْكِيدِ وَلَا تَزِيدُ دَلَالَتُهُ عَلَى دَلَالَةِ الْمُؤَكَّدِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ فَبَقِيَ قَوْلُهُ أَوَّلُ عَبْدٍ، وَلَا يَعْتِقُ الثَّالِثُ لِعَدَمِ الْأَوَّلِيَّةِ. أَمَّا قَوْلُهُ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي التَّفَرُّدَ فِي الصِّفَةِ إذْ هُوَ مُنْتَصِبٌ عَلَى الْحَالِ

стр. 634

وَالْأَوْسَطُ فَرْدٌ بَيْنَ عَدَدَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ وَالْآخَرُ فَرْدٌ لَاحِقٌ ٦٨ - (أَوْ) فِي النَّفْيِ تَعُمُّ وَفِي الْإِثْبَاتِ تَخُصُّ. ــ [غمز عيون البصائر] عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُتَصَوَّرِ وَقَدْ صَارَ التَّمَلُّكُ الْوَاقِعُ عَلَى الْعَبْدِ الثَّالِثِ هُنَا صِفَةً لَهُ فَيَقْتَضِي الِانْفِرَادَ فِي فِعْلِ التَّمَلُّكِ الْمَقْرُونِ بِهِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ عَبْدٍ يَتَّصِفُ بِتَمَلُّكِي إيَّاهُ مُنْفَرِدًا فَهُوَ حُرٌّ وَالثَّالِثُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَيَعْتِقُ فَإِنْ عَنَى بِأَحَدِهِمَا الْآخَرَ صُدِّقَ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمَعْنَى الْجَامِعِ وَهُوَ الْوَحْدَةُ لَكِنَّهُ لَوْ عَنَى بِقَوْلِهِ وَاحِدًا وَحْدَهُ صَدَقَ دِيَانَةً وَقَضَاءً لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْلِيظِ وَفِي عَكْسِهِ يَصْدُقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِمَا فِيهِ مِنْ التَّخْفِيفِ. (٦٧) قَوْلُهُ: وَالْأَوْسَطُ فَرْدٌ بَيْنَ عَدَدَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ إلَخْ هَذَا التَّعْرِيفُ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّحْرِيرِ شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الثَّانِيَ مُتَوَسِّطٌ وَطَرَفَاهُ لَيْسَ بِعَدَدَيْنِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُعَرَّفَ بِأَنَّهُ اسْمٌ لِفَرْدٍ مَسْبُوقٍ بِمِثْلِ مَا تَأَخَّرَ عَنْهُ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ لَوْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فِيمَا اسْتَقَلَّ فَهُوَ حُرٌّ إلَّا أَوْسَطَهُمْ، وَمَلَكَ عَبْدًا ثُمَّ عَبْدَيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ ثُمَّ عَبْدَيْنِ أَوْ عَبْدًا ثُمَّ عَبْدًا عَتَقُوا لِتَعَذُّرِ الْوَصْفِ، أَمَّا الصُّورَةُ الْأُولَى فَلِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْهُمْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوْسَطَ أَصْلًا وَأَمَّا الْآخَرِينَ مِنْهُمْ فَلَمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَوْسَطَ اسْمٌ لِفَرْدٍ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا تَأَخَّرَ عَنْهُ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِيهِمَا. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّ الْفَرْدِيَّةَ مُتَقَدِّمَةٌ فِيهِمَا. وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ فَلِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْهُمْ لَا يَصِيرُ أَوْسَطَ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمَوْجُودَ بَعْدَهُ وَهُمَا الْعَبْدَانِ لَيْسَ يُمَاثِلُ لِمَا قَبْلَهُ فَانْعَدَمَ حَدُّ الْأَوْسَطِ فِيهِ. وَأَمَّا الْعَبْدَانِ فَلِمَا قُلْنَا مِنْ انْعِدَامِ الْفَرْدِيَّةِ غَيْرَ أَنَّ الْأَوَّلَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَعْتِقُ حِينَ اشْتَرَاهُ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ كَوْنِهِ يَصِيرُ أَوْسَطَ سَاقِطٌ، فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ إلَّا حِينَ شِرَاءِ الْعَبْدَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ شِرَائِهِمَا كَانَ بِفَرْضِيَّةِ أَنْ يَصِيرَ أَوْسَطَ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَشْتَرِيَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ فَلَمَّا اشْتَرَى الْعَبْدَيْنِ سَقَطَ ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ حِينَئِذٍ. وَأَمَّا الْعَبْدَانِ فَإِنَّهُمَا يَعْتِقَانِ حِينَ اشْتَرَاهُمَا. قُلْنَا مِنْ عَدَمِ الْفَرْدِيَّةِ وَتَمَامِ تَفَارِيعِ الْأَصْلِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَشُرُوحِهِ (٦٨) قَوْلُهُ: أَوْ فِي النَّفْيِ تَعُمُّ وَفِي الْإِثْبَاتِ تَخُصُّ إلَخْ يَعْنِي إذَا دَخَلَتْ (أَوْ) بَيْنَ نَفْيَيْنِ أَفَادَتْ الْعُمُومَ فِيهِمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] أَيْ وَلَا

стр. 635

الْوَصْفُ الْمُعْتَادُ مُعْتَبَرٌ فِي الْغَائِبِ لَا فِي الْعَيْنِ ــ [غمز عيون البصائر] كَفُورًا. وَإِنْ دَخَلَتْ بَيْنَ إيجَابَيْنِ كَانَ الْمُرَادُ أَحَدَهُمَا كَآيَةِ التَّكْفِيرِ. وَمُوجَبُهُ التَّخْيِيرُ لَا الشَّكُّ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ يَقَعُ فِي الْأَخْبَارِ لَا فِي الْإِنْشَاءِ، لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ. وَهَذَا الْفَصْلُ هُوَ الْأَصْلُ فِي مَوْضُوعِ (أَوْ) فَإِنَّهَا لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ وَضْعًا أَمَّا عُمُومُ النَّفْيِ فِيمَا تَقَدَّمَ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ بَلْ بِاعْتِبَارِ الِاسْتِعَارَةِ. قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ: قَدْ تُسْتَعَارُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ لِلْعُمُومِ بِدَلَالَةٍ تَقْتَرِنُ بِهَا فَتَصِيرُ شَبِيهَةً بِوَاوِ الْعَطْفِ ثُمَّ مَثَّلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] . ثُمَّ أَشَارَ إلَى فَرْقٍ لَطِيفٍ بَيْنَهُمَا وَهُوَ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِي الْعُدُولِ عَنْ الْوَاوِ الْمُشَبَّهَةِ بِهَا هُوَ أَنَّهُ عَلَى مُقْتَضَى كَلِمَةِ (أَوْ) تَصِيرُ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ بِطَاعَةِ أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ وَعَلَى مُقْتَضَى الْوَاوِ لَا يَصِيرُ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ بِطَاعَةِ أَحَدِهِمَا بَلْ بِطَاعَتِهِمَا. كَقَوْلِهِ: لَا تَدْخُلْ هَذِهِ الدَّارَ. فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بِدُخُولِ أَحَدِهِمَا مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ. وَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَلِمَةَ أَوْ فِي الْآيَةِ أَيْضًا مُتَنَاوِلَةً أَحَدَهُمَا عَلَى بَابِهَا وَلَمْ يَجْعَلْهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَدَلَّ عَلَيْهِ مَا قَالَ فِي الْكَشَّافِ وَلَفْظُهُ: فَإِنْ قُلْت مَعْنَى (أَوْ) وَلَا تُطِعْ أَحَدَهُمَا فَلَا جِيءَ بِالْوَاوِ لِيَكُونَ نَهْيًا عَنْ طَاعَتِهِمَا جَمِيعًا، قُلْت: لَوْ قِيلَ: لَا تُطِعْهُمَا لَجَازَ أَنْ يُطِيعَ أَحَدَهُمَا فَإِذَا قِيلَ لَا تُطِعْ أَحَدَهُمَا عُلِمَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ طَاعَةِ أَحَدِهِمَا هُوَ عَنْ طَاعَتِهِمَا جَمِيعًا (انْتَهَى) . كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] إذَا نَهَى عَنْ أَنْ يَقُولَ لِأَبَوَيْهِ أُفٍّ عُلِمَ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ ضَرْبِهِمَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى انْتَهَى كَلَامُهُ. فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ وَضْعِ (أَوْ) لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ نَفْيًا كَانَ أَوْ إيجَابًا. وَقَوْلُهُ فِي الْإِثْبَاتِ تَخُصُّ، مُنْتَقِضٌ بِالْإِبَاحَةِ، فَإِنَّهَا إثْبَاتٌ وَكَلِمَةُ (أَوْ) فِيهَا تُفِيدُ الْعُمُومَ كَقَوْلِهِمْ جَالِسِ الْفُقَهَاءَ أَوْ الْمُحَدِّثِينَ. وَفِي التَّلْوِيحِ: التَّحْقِيقُ أَنَّ (أَوْ) لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ وَجَوَازُ الْجَمْعِ وَامْتِنَاعِهِ بِحَسَبِ مَحَلِّ الْكَلَامِ وَدَلَالَةِ الْقَرَائِنِ (انْتَهَى) . وَمِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْأُصُولِ الْفِقْهِيَّةِ لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا أَوْ فُلَانًا، يَحْنَثُ بِأَحَدِهِمَا وَبِهِمَا وَلَا يَتَخَيَّرُ فِي التَّعْيِينِ وَعُمُومُهُمَا عَلَى الْإِفْرَادِ لَا عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ فَيَحْنَثُ بِأَحَدِهِمَا بِخِلَافِ الْوَاوِ. (٦٩) قَوْلُهُ: الْوَصْفُ الْمُعْتَادُ يُعْتَبَرُ فِي الْغَائِبِ لَا فِي الْعَيْنِ أَيْ الْحَاضِرِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَصْفِ التَّعْرِيفُ، وَالْإِشَارَةُ فِي الْمُعَيَّنِ أَبْلَغُ مِنْ الْوَصْفِ فِي التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهَا تَقْطَعُ الِاشْتِرَاكَ وَالْوَصْفَ وَلِأَنَّ تَعْرِيفَهَا مِنْ جِهَتَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْعَيْنِ وَمَنْ الْقَلْبِ وَتَعْرِيفُ

стр. 636

إضَافَةُ مَا يَمْتَدُّ إلَى زَمَنٍ لِاسْتِغْرَاقِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ٧١ - الْوَقْتُ الْمَوْصُوفُ مُعَرَّفٌ لَا شَرْطٌ ــ [غمز عيون البصائر] الْوَصْفِ مِنْ جِهَةِ الْقَلْبِ لَا غَيْرُ أَمَّا الْغَائِبُ فَلَا يُعَرَّفُ إلَّا بِوَصْفِهِ فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ فِيهِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْوَصْفُ لِلتَّعْرِيفِ فَقَطْ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ ﵀: الْوَصْفُ الْمُعْتَادُ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ دَاعِيًا إلَى الْيَمِينِ وَلَا شَرْطًا، أَمَّا إذَا كَانَ دَاعِيًا أَوْ شَرْطًا فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْحَاضِرِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ مَعَ الْإِشَارَةِ مِنْ جِهَةِ التَّعْرِيفِ، فَإِذَا كَانَ دَاعِيًا إلَى الْيَمِينِ أَفَادَ شَيْئًا آخَرَ زِيَادَةً عَنْ التَّعْرِيفِ وَهُوَ تَقَيُّدُ الْيَمِينِ بِهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الرُّطَبَ فَأَكَلَهُ بَعْدَمَا صَارَ تَمْرًا لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الرُّطُوبَةِ دَاعٍ إلَى الْيَمِينِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا ضَرَّهُ أَكْلُ الرُّطَبِ دُونَ التَّمْرِ. وَكَذَا إذَا كَانَ الْوَصْفُ شَرْطًا كَقَوْلِهِ: إذَا دَخَلْت الدَّارَ رَاكِبَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الشَّرْطَ لَا يُؤْتَى بِهِ لِلتَّعْرِيفِ بَلْ لِتَعْلِيقِ الشَّرْطِ بِهِ (٧٠) قَوْلُهُ: إضَافَةُ مَا يَمْتَدُّ إلَى زَمَنٍ لِاسْتِغْرَاقِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. يَعْنِي أَنَّ الْفِعْلَ إذَا أُضِيفَ إلَى الْوَقْتِ وَالْفِعْلُ مِمَّا يَمْتَدُّ صَارَ الْوَقْتُ مِعْيَارًا لَهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ حَتَّى لَا يَسْتَوْعِبَ ذَلِكَ الْوَقْتَ، كَالصَّوْمِ وَالرُّكُوبِ وَاللِّبْسِ وَالْأَمْرِ بِالْيَدِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لَهَا دَوَامٌ بِحُدُوثِ أَمْثَالِهَا وَلِهَذَا يَضْرِبُ لَهَا مُدَّةً، يُقَالُ: صُمْت يَوْمًا وَرَكِبْت يَوْمًا وَلَبِسْت يَوْمًا وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ صَارَ الْوَقْتُ ظَرْفًا لَهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِوُجُودِهِ فِيهِ وَلَا يُشْرَطُ اسْتِيعَابُهُ، كَالْمُسَاكَنَةِ وَالْكَلَامِ وَالشِّرَاءِ وَالْمُشَارَكَةِ وَالْقُدُومِ وَالْخُرُوجِ وَالضَّرْبِ (٧١) قَوْلُهُ: الْوَقْتُ الْمَوْصُوفُ مُعَرَّفٌ لَا شَرْطٌ يَعْنِي مَتَى جُعِلَ الْوَقْتُ الْمَوْصُوفُ ظَرْفًا لِشَرْطِ الْحِنْثِ ثُمَّ وُجِدَ ذَلِكَ الْوَقْتُ الْمَوْصُوفُ يَصِيرُ مُعَرَّفًا لِلشَّرْطِ. وَمَعْنَاهُ أَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ إذَا وُجِدَ لَا يُعْلَمُ حَالَ وُجُودِهِ هَلْ هُوَ شَرْطٌ أَمْ لَا، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ الْوَقْتُ الْمَوْصُوفُ عُلِمَ أَنَّ الشَّرْطَ حِينَ وُجُودِهِ كَانَ شَرْطًا لِلْحِنْثِ كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ فُلَانٌ. فَشَرْطُ الْحِنْثِ هُوَ الْكَلَامُ، وَالْمُعَرِّفُ لِلشَّرْطِ هُوَ الْقُدُومُ الَّذِي وُصِفَ الظَّرْفُ بِهِ، فَإِذَا كَلَّمَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ ثُمَّ قَدِمَ فُلَانٌ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالْقُدُومِ أَنَّ الْكَلَامَ الْوَاقِعَ فِي هَذَا الْيَوْمِ كَانَ شَرْطًا وَلَزِمَ مِنْ كَوْنِهِ مُعَرِّفًا أَنْ لَا يَكُونَ شَرْطًا؛ لِأَنَّ الْمُعَرِّفَ لِلشَّرْطِ غَيْرُهُ. ثُمَّ إنَّ هَذَا الْمُعَرِّفَ إنْ لَمْ

стр. 637

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [غمز عيون البصائر] يَكُنْ كَائِنًا لَا مَحَالَةَ بَلْ كَانَ مَعْدُومًا عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ كَالْقُدُومِ فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ، وَلِهَذَا لَا يَسْتَنِدُ الْحِنْثُ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الْقُدُومِ إلَى وَقْتِ وُجُودِ الشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِنْ كَانَ كَائِنًا لَا مَحَالَةَ كَالْمَوْتِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُعَرِّفًا مَحْضًا وَتَمَامُ التَّفْرِيعِ وَالتَّفْصِيلِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَشَرْحِهِ

стр. 638

كِتَابُ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرِ ١ - إذَا صَارَ الشَّافِعِيُّ حَنَفِيًّا ثُمَّ عَادَ إلَى مَذْهَبِهِ يُعَزَّرُ عِنْدَ الْبَعْضِ لِانْتِقَالِهِ إلَى الْمَذْهَبِ الْأَدْوَنِ، كَذَا فِي شُفْعَةِ الْبَزَّازِيَّةِ ٢ - مَنْ آذَى غَيْرَهُ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يُعَزَّرُ، ٣ - كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة، ــ [غمز عيون البصائر] [كِتَابُ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرِ] قَوْلُهُ: إذَا صَارَ الشَّافِعِيُّ حَنَفِيًّا إلَخْ عِبَارَةُ الْبَزَّازِيَّةِ نَصُّهَا: سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَطَاءُ بْنُ حَمْزَةَ عَنْ شَافِعِيٍّ صَارَ حَنَفِيًّا ثُمَّ أَرَادَ الْعَوْدَ إلَى مَذْهَبِ الْأَوَّلِ فَقَالَ: الثَّبَاتُ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ خَيْرٌ وَأَوْلَى. وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ أَقْرَبُ وَأَوْلَى إلَى الْأُلْفَةِ مِمَّا قَالَهُ الْبَعْضُ مِنْ أَنَّهُ يُعَزَّرُ أَشَدَّ التَّعْزِيرِ لِانْتِقَالِهِ إلَى الْمَذْهَبِ الْأَدْوَنِ (انْتَهَى) . أَقُولُ: وَجْهُ كَوْنِهِ أَدْوَنُ أَنَّهُ خَطَأٌ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ وَمَا انْتَقَلَ عَنْهُ صَوَابٌ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنَّفِ ﵀ أَنْ يَنْقُلَ عِبَارَةَ الْبَزَّازِيَّةِ بِرُمَّتِهَا أَوْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَا فِيهِ الْأُلْفَةُ مِنْ عِبَارَتِهَا. وَفِي الْفَتْحِ قَالُوا: الْمُنْتَقِلُ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ بِاجْتِهَادٍ وَبُرْهَانٍ آثِمٌ يَسْتَوْجِبُ التَّعْزِيرَ فَبِلَا اجْتِهَادٍ وَبُرْهَانٍ أَوْلَى (انْتَهَى) . وَفِي مِنَحِ الْغَفَّارِ شَرْحِ تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ: انْتَقَلَ إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِكَثْرَةِ بِرِّ الشَّفْعَوِيِّ عُزِّرَ وَيُنْفَى مِنْ الْبَلَدِ (انْتَهَى) . وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى وَقَدْ عُقِدَ فِي الْقُنْيَةِ لِلِانْتِقَالِ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى آخَرَ (٢) قَوْلُهُ: مَنْ آذَى غَيْرَهُ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ إلَخْ قِيلَ عَلَيْهِ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُقَرَّرَ فِي بَابِ التَّعْزِيرِ فِي عَامَّةِ الْمُتُونِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ وَبَيْنَ مَا لَا يُوجِبُهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ مَعَ حُصُولِ الْأَذَى بِالْقِسْمَيْنِ مَعًا قَطْعًا حَتَّى صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ يَا خِنْزِيرُ لَا يُعَزَّرُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِمَا يَحْصُلُ بِهَا مِنْ التَّأَذِّي التَّامِّ. (٣) قَوْلُهُ: كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. أَقُولُ: قَدْ أَخَلَّ بِنَقْلِ عِبَارَتِهَا فَإِنَّ نَصَّهَا مَنْ آذَى مُسْلِمًا بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَلَوْ بِغَمْزِ عَيْنٍ عُزِّرَ.

стр. 639

وَلَوْ بِغَمْزِ الْعَيْنِ. ٥ - وَلَوْ قَالَ لِذِمِّيٍّ يَا كَافِرُ يَأْثَمْ إنْ شَقَّ عَلَيْهِ. كَذَا فِي الْقُنْيَةِ ٦ - وَضَابِطُ التَّعْزِيرِ: ٧ - كُلُّ مَعْصِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَرَّرٌ فَفِيهِ التَّعْزِيرُ. ــ [غمز عيون البصائر] (٤) قَوْلُهُ: وَلَوْ بِغَمْزِ الْعَيْنِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: الْقَوْلُ بِوُجُوبِ التَّعْزِيرِ بِهِ ظَاهِرٌ مُوَافِقٌ لِلْقَوَاعِدِ؛ لِأَنَّهُ غِيبَةٌ وَهِيَ حَرَامٌ فَإِذَا ارْتَكَبَهُ مَعْصِيَةٌ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ وَهُوَ الضَّابِطُ فِي التَّعْزِيرِ. وَقَدْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الشِّرْعَةِ بِأَنَّ الْغَمْزَ غِيبَةٌ حَيْثُ قَالَ: الْغِيبَةُ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى اللِّسَانِ بَلْ التَّعْرِيضُ فِي هَذَا الْبَابِ كَالتَّصْرِيحِ وَكَذَا الْفِعْلُ كَالْقَوْلِ، وَكَذَا الْإِيمَاءُ وَالْغَمْزُ وَالرَّمْزُ وَكُلُّ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْغِيبَةِ وَهِيَ حَرَامٌ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «دَخَلَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةٌ فَلَمَّا وَلَّتْ أَوْمَأْتُ بِيَدَيَّ أَيْ قَصِيرَةً فَقَالَ ﷺ : قَدْ اغْتَبْتِهَا» . وَمَنْ ذَلِكَ الْمُحَاكَاةُ كَأَنْ يَمْشِيَ مُتَعَارِجًا أَوْ كَمَا يَمْشِي فَهُوَ غِيبَةٌ بَلْ أَشَدُّ مِنْ الْغِيبَةِ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ فِي التَّصْوِيرِ وَالتَّفْهِيمِ وَتَمَامُهُ فِي الشِّرْعَةِ أَقُولُ قَوْلُهُ بَلْ التَّعْرِيضُ فِي هَذَا الْبَابِ كَالتَّصْرِيحِ مُعَارَضٌ بِمَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي مِنْ أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالشَّتْمِ وَغَيْرِهِ لَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ (انْتَهَى) . بِخِلَافِ مَا إذَا قَذَفَ بِالتَّعْرِيضِ وَجَبَ التَّعْزِيرُ كَمَا فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ. (٥) قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ لِذِمِّيٍّ: يَا كَافِرُ يَأْثَمُ إنْ شَقَّ عَلَيْهِ إلَخْ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يُعَزَّرُ لِارْتِكَابِهِ مُوجِبَ الْإِثْمِ (انْتَهَى) . أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ لَا يُعَزَّرُ لِمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ التَّعْزِيرِ (انْتَهَى) قُلْت وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ كُلُّ إثْمٍ مُوجِبًا لِلتَّعْزِيرِ فَلْيُحَرَّرْ (٦) قَوْلُهُ: وَضَابِطُهُ التَّعْزِيرُ أَيْ ضَابِطُ مُوجِبِ التَّعْزِيرِ. (٧) قَوْلُهُ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ فَفِيهِ التَّعْزِيرُ. فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ التَّعْزِيرِ أَنَّ مَنْ ارْتَكَبَ مُنْكَرًا أَوْ آذَى مُسْلِمًا بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ إلَّا إذَا كَانَ ظَاهِرَ الْكَذِبِ كَ " يَا كَلْبُ " (انْتَهَى) . قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِوُجُوبِ التَّعْزِيرِ فِي يَا كَلْبُ لِارْتِكَابِ الْكَذِبِ (انْتَهَى) . وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ إبْلِيسُ أَوْ أَنْتَ فِرْعَوْنُ يَنْبَغِي أَنْ يُعَزَّرَ إذَا آذَاهُ وَلَمْ أَرَهُ لِأَئِمَّتِنَا (انْتَهَى) . أَقُولُ مُقْتَضَى مَا مَرَّ عَنْ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ لَا يُعَزَّرُ.

стр. 640

وَظَاهِرُ اقْتِصَارِهِمْ ٩ - أَنَّهُ يُعَزَّرُ عَلَى مَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ. ١٠ - وَلَمْ أَرَهُ. مُسْلِمٌ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ وَارْتَكَبَ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَالْعُقُوبَةَ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْنَا لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ، ١١ - إلَّا فِي الْقَتْلِ فَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً. ١٢ - يُعَزَّرُ عَلَى الْوَرَعِ الْبَارِدِ كَتَعْرِيفِ نَحْوِ تَمْرَةٍ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. ١٣ - قَالَ لَهُ يَا فَاسِقُ ثُمَّ أَرَادَ إثْبَاتَ فِسْقِهِ بِالْبَيِّنَةِ لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ ــ [غمز عيون البصائر] (٨) قَوْلُهُ: ظَاهِرُ اقْتِصَارِهِمْ. أَقُولُ: لَعَلَّ الصَّوَابَ وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَيْ الْمَعْصِيَةَ. (٩) قَوْلُهُ: إنَّهُ يُعَزَّرُ عَلَى مَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ يَعْنِي؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً. (١٠) قَوْلُهُ: وَلَمْ أَرَ إلَخْ. إنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ بِشُمُولِ الضَّابِطَةِ لِمَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَقَالَ: لَمْ أَرَ؛ لِأَنَّ الضَّابِطَةَ لَيْسَتْ كُلِّيَّةً. (١١) قَوْلُهُ: إلَّا فِي الْقَتْلِ. الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ مِمَّا يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ. (١٢) قَوْلُهُ: يُعَزَّرُ عَلَى الْوَرَعِ الْبَارِدِ إلَخْ أَصْلُهُ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ تَمْرَةً مُلْقَاةً فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَأَخَذَهَا وَقَالَ مَنْ فَقَدَ هَذِهِ التَّمْرَةَ وَهُوَ يُكَرِّرُ، وَكَلَامُهُ وَمُرَادُهُ مِنْ هَذَا إظْهَارُ زُهْدِهِ وَدِيَانَتِهِ عَلَى النَّاسِ فَسَمِعَ عُمَرُ ﵁ كَلَامَهُ وَعَرَفَ مُرَادَهُ فَقَالَ كُلْ يَا بَارِدَ الْوَرَعِ فَإِنَّهُ وَرَعٌ يَبْغُضُهُ اللَّهُ تَعَالَى وَضَرَبَهُ بِالدُّرَّةِ. (١٣) قَوْلُهُ: قَالَ لَهُ يَا فَاسِقُ ثُمَّ أَرَادَ إثْبَاتَ فِسْقِهِ بِالْبَيِّنَةِ لَمْ تُقْبَلْ إلَخْ أَصْلُهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ لَا يُقْبَلُ إلَّا إذَا تَضَمَّنَ إيجَابَ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الشَّرْعِ أَوْ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ الْمُجَرَّدَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ يَرْتَفِعُ فِسْقُهُ بِالتَّوْبَةِ وَلَعَلَّهُ قَدْ تَابَ فِي مَجْلِسِهِ أَوْ قَبْلَهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِلْزَامُ وَأَنَّ فِيهِ هَتْكَ السِّرِّ وَإِشَاعَةَ الْفَاحِشَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَإِذَا كَانَ فِي إثْبَاتِ مَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ مَنْفَعَةٌ عَامَّةٌ لَمْ يَكُنْ جَرْحًا مُجَرَّدًا وَيَدْخُلُ التَّعْزِيرُ تَحْتَ قَوْلِهِمْ فِي تَفْسِيرِ الْجَرْحِ الْمَقْبُولِ، فِي كِتَابِ الشَّهَادَةِ،

стр. 641

التَّعْزِيرُ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ ــ [غمز عيون البصائر] مَا يَضْمَنُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ حَقًّا لِلْعَبْدِ. وَالْجَرْحُ الَّذِي لَا يُقْبَلُ وَلَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ هُوَ مَا لَمْ يَتَضَمَّنْ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا لِلْعَبْدِ، كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، فَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَعَمُّ مِنْ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ الَّتِي مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي التَّلْوِيحِ مَا تَعَلَّقَ نَفْعُهُ بِالْعَامَّةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْبَحْرِ: لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُرَادَهُمْ مِنْ الْحَقِّ الْحَدُّ فَلَا يَدْخُلُ التَّعْزِيرُ لِقَوْلِهِمْ: وَلَيْسَ فِي وُسْعِ الْقَاضِي إلْزَامُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُهُ بِالتَّوْبَةِ بِخِلَافِ الْحُدُودِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِهَا، فَوَضَحَ الْفَرْقُ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ مَثَّلُوا لِلْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ بِأَكْلِ الرِّبَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ، فَتَعَيَّنَ إرَادَةُ الْحُدُودِ. وَاعْلَمْ أَنَّ عَدَمَ قَبُولِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ التَّعْدِيلِ أَوْ بَعْدَهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ. لَكِنَّ فِي الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ مَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ لَا تُقْبَلُ بَعْدَ التَّعْدِيلِ وَتُقْبَلُ قَبْلَهُ وَإِنَّمَا لَا تُقْبَلُ بَعْدَ التَّعْدِيلِ لِأَنَّهَا إخْبَارٌ، فَإِذَا أَخْبَرَ مُخْبِرٌ أَنَّ الشُّهُودَ فُسَّاقٌ أَوْ أَكَلَةُ الرِّبَا فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يَجُوزُ قَبْلَ ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ، وَأَمَّا بَعْدَ التَّعْدِيلِ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ رُفِعَ لِلشَّهَادَةِ بَعْدَ ثُبُوتِهَا حَتَّى وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي الْعَمَلُ بِهَا إنْ لَمْ يُوجَدْ الْجَرْحُ الْمُعْتَبَرُ. وَمِنْ الْقَوَاعِدِ أَنَّ الدَّفْعَ أَسْهَلُ مِنْ الرَّفْعِ وَهُوَ السِّرُّ فِي كَوْنِ الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ مَقْبُولًا وَلَوْ مِنْ وَاحِدٍ قَبْلَ التَّعْدِيلِ غَيْرَ مَقْبُولٍ بَعْدَهُ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى نِصَابِ الشَّهَادَةِ وَإِثْبَاتِ حَقِّ الشَّرْعِ وَالْعَبْدِ وَقَدْ اضْمَحَلَّ بِهَذَا التَّحْقِيقِ مَا اعْتَرَضَ بِهِ ابْنُ الْكَمَالِ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ نَظَرٌ. إذْ الْغَرَضُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ لَا تُعْتَبَرُ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ تَعْدِيلِ الشُّهُودِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الصُّوَرِ الْمُقَيِّدَةِ. قَوْلُهُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَلَفْظُهَا قَالَ لَهُ: يَا فَاسِقُ. إنْ أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ فِسْقَهُ بِالْبَيِّنَةِ لِيَدْفَعَ التَّعْزِيرَ عَنْ نَفْسِهِ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى مُجَرَّدِ الْجَرْحِ وَالْفِسْقِ لَا تُقْبَلُ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ يَا زَانٍ ثُمَّ أَثْبَتَ زِنَاهُ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقُ الْحَدِّ وَلَوْ أَرَادَ إثْبَاتَ فِسْقِهِ ضِمْنًا لِمَا تَصِحُّ فِيهِ الْخُصُومَةُ كَجَرْحِ الشُّهُودِ إذَا قَالَ: رَشَوْتهمْ بِكَذَا، فَعَلَيْهِمْ رَدُّهُ وَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ كَذَا هَذَا (١٤) قَوْلُهُ: التَّعْزِيرُ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْبَحْرِ مِنْ الشَّهَادَةِ: وَفِي التَّتِمَّةِ مِنْ كِتَابِ السِّيَرِ: أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ فَأَسْلَمَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ (انْتَهَى) . وَفِي الْقُنْيَةِ وَيُضْرَبُ الْمُسْلِمُ بِبَيْعِ الْخَمْرِ ضَرْبًا وَجِيعًا بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ فَإِنْ بَاعَ فِي الْمِصْرِ بَعْدَ التَّقَدُّمِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الضَّرْبُ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى

стр. 642

كَالْحَدِّ، كَذَا فِي الْيَتِيمَةِ. مَنْ لَهُ دَعْوَى عَلَى رَجُلٍ فَلَمْ يَجِدْهُ فَأَمْسَكَ أَهْلَهُ بِالظُّلْمَةِ بِغَيْرِ كَفَالَةٍ فَقَيَّدُوهُمْ وَحَبَسُوهُمْ وَضَرَبُوهُمْ وَغَرَّمُوهُمْ بِدَارِهِمْ عُزِّرَ، كَذَا فِي الْيَتِيمَةِ. رَجُلٌ خَدَعَ امْرَأَةَ إنْسَانٍ وَأَخْرَجَهَا وَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ صَغِيرَةً، يُحْبَسُ إلَى أَنْ يُحْدِثَ تَوْبَةً أَوْ يَمُوتَ؛ لِأَنَّهُ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ. كَذَا فِي قَضَاءِ الْوَلْوَالِجيَّةِ. عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى زِنَاهُ فَادَّعَى الْعَبْدُ وُجُودَ الشَّرْطِ، حَلَفَ الْمَوْلَى، فَإِنْ نَكَلَ عَتَقَ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ الْعَبْدِ قَاذِفًا. ١٦ - كَمَا فِي قَضَاءِ الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَفِي مَنَاقِبِ الْكَرْدَرِيِّ حُرْمَةُ اللِّوَاطَةِ عَقْلِيَّةٌ فَلَا وُجُودَ لَهَا فِي الْجَنَّةِ، ــ [غمز عيون البصائر] عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ (انْتَهَى) . قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْزِيرَ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي بَحْرِهِ فِي بَحْثِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ، وَحِينَئِذٍ فَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُنَا غَيْرُ وَاقِعٍ مَوْقِعَهُ. (١٥) قَوْلُهُ: كَالْحَدِّ إلَخْ. التَّشْبِيهُ لِلْمَنْفِيِّ لَا لِلنَّفْيِ. (١٦) قَوْلُهُ: كَمَا فِي قَضَاءِ الْوَلْوَالِجيَّةِ. وَعِبَارَتُهَا فِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ عَلَى عَبْدِهِ أَنْ لَا يَزْنِيَ أَبَدًا وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ قَدْ أَتَى الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ وَحَنِثَ وَعَتَقَ فَاسْتُحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ بِاَللَّهِ مَا زَنَيْت بَعْدَ مَا حَلَفْت بِعِتْقِ عَبْدِك هَذَا أَنْ لَا تَزْنِيَ إنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ عَتَقَ عَلَيْهِ وَإِنْ حَلَفَ فَلَا شَيْءَ. وَهَلْ يَصِيرُ الْعَبْدُ قَاذِفًا لِلْمَوْلَى؟ بِهَذَا يَجِبُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَاذِفًا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: قَدْ أَتَى الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ وَلَوْ صَارَ قَاذِفًا بِهَذَا اللَّفْظِ لَمَا تَرَكَ قَوْلَهُ وَقَدْ زَنَى وَتَحَوَّلَ إلَى هَذَا اللَّفْظِ تَحَرُّزًا عَنْ الْقَذْفِ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ مَوَاضِعَ أَنَّهُ يَصِيرُ قَاذِفًا؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ مِنْ الْعَبْدِ أَنَّ الْمَوْلَى حَلَفَ بِعِتْقِهِ أَنَّهُ لَا يَزْنِي ثُمَّ قَالَ وَقَدْ أَتَى الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ يَعْنِي وَقَدْ زَنَى فَإِذَا انْصَرَفَ إلَيْهِ يَصِيرُ قَاذِفًا (انْتَهَى) . وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي نَقْلِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ الْإِيجَازِ الْمُخِلِّ (١٧) قَوْلُهُ: حُرْمَةُ اللِّوَاطَةِ عَقْلِيَّةٌ. أَقُولُ: هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ

стр. 643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [غمز عيون البصائر] الْقَائِلِينَ بِحُرْمَةِ مَا اسْتَقْبَحَهُ الْعَقْلُ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ مُوجِبٌ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتَاتِ وَحَاكِمٌ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَمُقْتَضٍ لِلْمَأْمُورِيَّةِ والممنوعية شَرْعًا وَإِنْ لَمْ يُرِدْ كَمَا أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِوُجُوبِ الْأَصْلَحِ، وَحُرْمَةِ تَرْكِهِ عِنْدَهُمْ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْكِسَ الْقَضِيَّةَ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يَسْتَقِلُّ كَمَا فِي حُسْنِ الْعَدْلِ وَقُبْحِ الظُّلْمِ، وَقَدْ لَا يَسْتَقِلُّ كَمَا فِي حُسْنِ صَوْمِ يَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَقُبْحِ صَوْمِ الْعِيدِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا وَرَدَ بِحُسْنِ الْأَوَّلِ وَقُبْحِ الثَّانِي عِلْمنَا أَنَّهُ لَوْلَا اخْتِصَاصُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ لِأَجْلِهِ حُسْنٌ وَقُبْحٌ لَمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فَالْعَقْلُ مُثْبِتٌ فِي الْكُلِّ وَالشَّرْعُ مُبَيِّنٌ فِي الْبَعْضِ. وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَالْعَقْلُ آلَةٌ لِمَعْرِفَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ لَا مُوجِبَ لَهُمَا وَحَاكِمٌ بِهِمَا وَإِلَّا لَمَا جَازَ وُرُودُ النُّسَخِ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ الْفِعْلِيَّيْنِ لَا يَرِدُ عَلَيْهِمَا التَّبْدِيلُ، فَالْحَاكِمُ وَالْمُوجِبُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَالشَّرْعُ مُثْبِتٌ فِي الْكُلِّ وَالْعَقْلُ مُبَيِّنٌ فِي الْبَعْضِ فَلَهُ حَظٌّ فِي مَعْرِفَةِ حُسْنِ بَعْضِ الْمَشْرُوعَاتِ، كَالْإِيمَانِ وَأَصْلِ الْعِبَادَاتِ وَالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ فَيَثْبُتُ بِهَذَا أَنَّ الْأَمْرَ دَلِيلٌ وَمُعَرِّفٌ لِمَا ثَبَتَ حُسْنُهُ فِي الْعَقْلِ وَمُوجِبٌ لِمَا لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ. وَأَمَّا عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ فَالْحُسْنُ وَالْقُبْحُ شَرْعِيَّانِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا حَظَّ لِلْعَقْلِ فِي مَعْرِفَتِهِمَا، أَيْ الْعَقْلُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لَا يُعَرِّفُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ أَوْ مَنْهِيًّا عَنْهُ شَرْعًا. فَالشَّرْعُ هُوَ الْمُثْبِتُ لِلْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَلَوْ عَكَسَ الْقَضِيَّةَ فَحُسْنُ الشَّرْعِ مَا أَقْبَحَهُ الْعَقْلُ وَبِالْعَكْسِ، لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا، فَالْحُسْنُ وَالْقُبْحُ إنَّمَا يُعْرَفَانِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَيَكُونُ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ ثَابِتَيْنِ بِنَفْسِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، لَا أَنَّهُمَا دَلِيلَانِ عَلَى حُسْنٍ وَقُبْحٍ سَبَقَ ثُبُوتُهُمَا بِالْعَقْلِ هَكَذَا فُهِمَ تَقْرِيرُ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ. وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهَا مِنْ عِبَارَةِ الْمِيزَانِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ وَبِمَا قَرَرْنَاهُ عُلِمَ أَنْ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ بِمَعْنَى مُلَاءَمَةِ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ كَالْحُلْوِ وَالْمُرِّ، وَمَعْنَى كَوْنِ الشَّيْءِ صِفَةَ كَمَالٍ وَصِفَةَ نُقْصَانٍ كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ عَقْلِيَّانِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَوْنِ الشَّيْءِ مُعَلَّقُ الْمَدْحِ فِي الْعَاجِلِ وَالثَّوَابِ فِي الْآجِلِ وَمُتَعَلِّقُ الذَّمِّ فِي الْعَاجِلِ وَالْعِقَابِ فِي الْآجِلِ، كَالْعِبَادَةِ وَالْمَعَاصِي شَرْعِيَّانِ أَوْ عَقْلِيَّانِ وَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ مَعْرُوفَانِ شَرْعًا لِكُلِّ مَأْمُورٍ وَحَسَنٍ اتِّفَاقًا ضَرُورَةَ أَنَّ الْآمِرَ حَكِيمٌ وَهُوَ لَا يَأْمُرُ بِالْقَبِيحِ، وَهَذَا نُبَذٌ مِمَّا أَطْنَبُوا فِي هَذَا الْمَقَامِ الَّذِي حَارَتْ أَفْكَارُ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي مُلَاحَظَتِهِ وَثَابَرَتْ أَنْظَارُ الْمُتَفَكِّرِينَ فِي غَوَامِضِهِ تَنْبِيهًا عَلَى الْمِقْدَارِ الَّذِي يَسْتَدْعِي الْمَقَامُ بَيَانَهُ وَيَقْتَضِي الشَّرْعُ فِيهِ تِبْيَانَهُ.

стр. 644

وَقِيلَ سَمْعِيَّةٌ فَلَهَا وُجُودٌ فِيهَا. ١٩ - وَقِيلَ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى طَائِفَةً يَكُونُ نِصْفُهَا الْأَعْلَى عَلَى صِفَةِ الذُّكُورِ وَنِصْفُهَا الْأَسْفَلُ عَلَى صِفَةِ الْإِنَاثِ. ٢٠ - وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ (انْتَهَى) . وَفِي الْيَتِيمَةِ: أَنَّ الْأَبَ يُعَزَّرُ إذَا شَتَمَ وَلَدَهُ ــ [غمز عيون البصائر] (١٨) قَوْلُهُ: وَقِيلَ سَمْعِيَّةٌ فَلَهَا وُجُودٌ فِيهَا. فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ لِلْأَكْمَلِ أَنَّ اللِّوَاطَةَ مُحَرَّمَةٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَطَبْعًا بِخِلَافِ الزِّنَا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ طَبْعًا فَكَانَتْ أَشَدَّ حُرْمَةً، وَإِنَّمَا لَمْ يُوجِبْ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْحَدَّ فِيهَا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ لَا لِخِفَّتِهَا، وَإِنَّمَا عَدَمُ وُجُوبِ الْحَدِّ فِيهَا لِلتَّغْلِيظِ عَلَى الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ مُطَهِّرٌ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ (انْتَهَى) . وَفِي الْفَتْحِ: هَلْ تَكُونُ اللِّوَاطَةُ فِي الْجَنَّةِ أَيْ يَجُوزُ كَوْنُهَا فِيهَا؟ قِيلَ: إنْ كَانَ حُرْمَتُهَا عَقْلًا وَسَمْعًا لَا تَكُونُ وَإِنْ كَانَ سَمْعًا فَقَطْ، جَازَ أَنْ يَكُونَ (انْتَهَى) . وَمَعْنَى كَوْنِ حُرْمَتِهَا عَقْلًا أَنَّ الْعَقْلَ مُبَيِّنٌ وَمُعَرِّفٌ لِلْحُرْمَةِ لَا مُثْبِتٌ وَالْمُثْبِتُ حَقِيقَةً إنَّمَا هُوَ الشَّرْعُ عِنْدَنَا وَحِينَئِذٍ فَإِسْنَادُ التَّحْرِيمِ إلَى الْعَقْلِ وَكَذَا إلَى الطَّبْعِ مَجَازٌ. (١٩) قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَخْلُقُ اللَّهُ طَائِفَةً إلَخْ يُوهِمُ أَنَّهُ قَوْلٌ ثَالِثٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. (٢٠) قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَثْبَتَ الْقُبْحَ وَالْحُسْنَ الْعَقْلِيَّيْنِ كَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَإِلَّا فَالْأَشَاعِرَةُ عَلَى أَنْ لَا حُسْنَ وَلَا قُبْحَ إلَّا بِالسَّمْعِ (انْتَهَى) . أَقُولُ نِسْبَةُ مَا ذُكِرَ إلَى الْحَنَفِيَّةِ فِرْيَةٌ بِلَا مِرْيَةٍ، كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِمَّا حَقَقْنَاهُ قَرِيبًا وَقَدْ صُحِّحَ فِي الْفَتْحِ عَدَمُ وُجُودِهَا فِي الْجَنَّةِ وَإِنْ قُلْنَا: إنْ حَرُمَتْ سَمْعِيَّةً حَيْثُ قَالَ وَإِنْ كَانَ سَمْعِيًا فَقَطْ جَازَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَبْعَدَهُ وَاسْتَقْبَحَهُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] وَسَمَّاهُ خَبِيثَةً فَقَالَ تَعَالَى ﴿كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء: ٧٤] وَالْجَنَّةُ مُنَزَّهَةٌ عَنْهَا وَفِيهِ

стр. 645

مَعَ كَوْنِهِ لَا حَدَّ لَهُ ٢٢ - وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ لُزُومِ التَّعْزِيرِ ذَوِي الْهَيْئَاتِ فَلَا تَعْزِيرَ عَلَيْهِمْ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ، فَقِيلَ صَاحِبُ الصَّغِيرَةِ فَقَطْ، وَقِيلَ مَنْ إذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا نَدِمَ وَلَمْ أَرَهُ لِأَصْحَابِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى ــ [غمز عيون البصائر] أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ خَبِيثَةً فِي الدُّنْيَا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ وُجُودٌ فِي الْجَنَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَمْرَ أُمُّ الْخَبَائِثِ فِي الدُّنْيَا وَلَهَا وُجُودٌ فِي الْآخِرَةِ فَتَدَبَّرْ هَذَا. وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْفُتُوحَاتِ الْمَلَكِيَّةِ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَّهُمْ لَا أَدْبَارَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الدُّبُرَ إنَّمَا خُلِقَ فِي الدُّنْيَا لِخُرُوجِ الْغَائِطِ النَّجِسِ فَلَيْسَ الْجَنَّةُ مَحَلًّا لِلْقَاذُورَاتِ (انْتَهَى) . قُلْت فَعَلَى هَذَا لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْجَنَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِي. (٢١) قَوْلُهُ: مَعَ كَوْنِهِ لَا حَدَّ لَهُ. لَا يُقَالُ إذَا سَقَطَ الْحَدُّ الَّذِي هُوَ الْأَعْلَى فَلِمَ لَا يَسْقُطُ التَّعْزِيرُ الَّذِي هُوَ الْأَدْنَى؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْحَدُّ يَنْدَرِئُ بِالشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَحُرْمَةُ الْأُبُوَّةِ شُبْهَةٌ صَالِحَةٌ لِلدَّرْءِ وَالتَّعْزِيرُ خَالِصُ حَقِّ الْعَبْدِ وَهُوَ لَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبْهَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الْأَعْلَى سُقُوطُ الْأَدْنَى (٢٢) قَوْلُهُ: وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ مِنْ لُزُومِ التَّعْزِيرِ ذَوِي الْهَيْئَاتِ إلَى قَوْلِهِ وَلَمْ أَرَهُ لِأَصْحَابِنَا. أَقُولُ: قَدْ ظَفِرْت بِذَلِكَ فِي أَجْنَاسِ النَّاطِفِيِّ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ رَجُلًا لَهُ مُرُوَّةٌ وَخَطَرٌ اسْتَحْسَنْت أَنْ لَا يُعَزَّرَ إذَا كَانَ أَوَّلَ فِعْلٍ، وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ وَيَعِظُهُ حَتَّى لَا يَعُودَ إلَيْهِ فَإِنْ عَادَ إلَى ذَلِكَ وَتَكَرَّرَ مِنْهُ ضُرِبَ التَّعْزِيرَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «تَجَافُوا عَنْ عُقُوبَةِ ذَوِي الْمُرُوَّةِ إلَّا فِي الْحَدِّ» . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ

стр. 646

كِتَابُ السِّيَرِ بَابُ الرِّدَّةِ تَبْجِيلُ الْكَافِرِ كُفْرٌ ١ - فَلَوْ سَلَّمَ عَلَى. الذِّمِّيِّ تَبْجِيلًا كَفَرَ، ٢ - وَلَوْ قَالَ لِلْمَجُوسِيِّ يَا أُسْتَاذِي تَبْجِيلًا كَفَرَ. كَذَا فِي صَلَاةِ الظَّهِيرِيَّةِ. وَفِي الصُّغْرَى: ٣ - الْكُفْرُ شَيْءٌ عَظِيمٌ فَلَا أَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ كَافِرًا. ــ [غمز عيون البصائر] [كِتَابُ السِّيَرِ] [بَابُ الرِّدَّةِ] قَوْلُهُ: فَلَوْ سَلَّمَ عَلَى الذِّمِّيِّ تَبْجِيلًا كَفَرَ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: يَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِأَنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِكُفْرِهِ وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ لِإِحْسَانِهِ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ لِلْمُعَظِّمِ (انْتَهَى) . أَقُولُ: الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ وَحَمْلُ النَّظِيرِ عَلَى النَّظِيرِ لَا يُسْتَنْكَرُ، ذَكَّرَنِي هَذَا مَا فِي فَتَاوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْحَسَنِ السَّعْدِيِّ، حُكِيَ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْمَجُوسِ كَانَ كَثِيرَ الْمَالِ حَسَنَ التَّعَهُّدِ لِفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ يُطْعِمُ جَائِعَهُمْ وَيُكْسِي عُرْيَانَهُمْ وَيُنْفِقُ عَلَى مَسَاجِدِهِمْ وَيُعْطِي أَدْهَانَ سِرَاجِهَا وَيُقْرِضُ مَحَاوِيجَ الْمُسْلِمِينَ، فَدَعَا النَّاسَ مَرَّةً إلَى دَعْوَةٍ اتَّخَذَهَا لِجَزِّ نَاصِيَةِ وَلَدِهِ فَشَهِدَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَهْدَى إلَيْهِ بَعْضُهُمْ هَدَايَا فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى مُفْتِيهِمْ فَكَتَبَ إلَى أُسْتَاذِهِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنْ أَدْرِكْ أَهْلَ بَلَدِك فَقَدْ ارْتَدُّوا بِأَسْرِهِمْ، فَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ إجَابَةَ دَعْوَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مُطْلَقَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَمُجَازَاةُ الْمُحْسِنِ بِإِحْسَانِهِ مِنْ بَابِ الْكَرَمِ وَالْمُرُوءَةِ وَحَلْقُ الرَّأْسِ لَيْسَ مِنْ شِعَارِ أَهْلِ الضَّلَالِ، وَالْحُكْمُ بِرِدَّةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِهَذَا الْقَدْرِ غَيْرُ مُمْكِنٍ. كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ النَّوْعِ السَّادِسِ مِنْ كِتَابِ السِّيَرِ. (٢) قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ لِلْمَجُوسِيِّ يَا أُسْتَاذِي إلَخْ أَقُولُ: لَيْسَ الْمَجُوسِيُّ قَيْدًا بَلْ كَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِلذِّمِّيِّ وَلَفْظُ الْأُسْتَاذِ فَارِسِيَّةٌ وَهِيَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدِ لُغَةِ الْفُرْسِ. (٣) قَوْلُهُ: الْكُفْرُ شَيْءٌ عَظِيمٌ إلَخْ. قَالَ فِي الْعِمَادِيَّةِ بَعْدَ كَلَامٍ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ

стр. 647

مَتَى وُجِدَتْ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ ــ [غمز عيون البصائر] فِي الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ تُوجِبُ التَّكْفِيرَ وَوَجْهٌ لَا يُوجِبُ، فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَمِيلَ إلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَمْنَعُهُ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ ثُمَّ إنْ كَانَتْ نِيَّةُ الْقَائِلِ ذَلِكَ فَهُوَ مُسْلِمٌ وَإِنْ كَانَتْ نِيَّةُ الْوَجْهِ الَّذِي يُوجِبُ الْكُفْرَ لَا يَنْفَعُهُ حَمَلَ الْمُفْتِي كَلَامَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ وَيُؤْمَرُ بِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ وَبِتَجْدِيدِ النِّكَاحِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ إنْ أَتَى بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَمَّا قَالَ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِتْيَانِ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ لَا يَرْتَفِعُ الْكُفْرُ (انْتَهَى) . وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ. (٤) قَوْلُهُ: مَتَى وُجِدَتْ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ: يَعْنِي وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الرِّوَايَةُ ضَعِيفَةً كَمَا فِي شَرْحِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى الْكَنْزِ. أَقُولُ: وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الرِّوَايَةُ لِغَيْرِ أَهْلِ مَذْهَبِنَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ اشْتِرَاطُ كَوْنِ مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ. وَفِي شَرْحِهِ أَيْضًا مِنْ بَابِ الْبُغَاةِ يَقَعُ فِي كَرَمِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ تَكْفِيرٌ كَثِيرٌ لَكِنْ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ هُمْ الْمُجْتَهِدُونَ بَلْ غَيْرِهِمْ، وَلَا عِبْرَةَ بِغَيْرِ الْفُقَهَاءِ. نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْهُمَامِ وَفِيهِ مِنْ بَابِ الْمُرْتَدِّينَ بَعْدَ كَلَامٍ سَاقَهُ ثُمَّ قَالَ: الَّذِي تَحَرَّرَ أَنَّهُ لَا يُفْتَى بِتَكْفِيرِ مُسْلِمٍ أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَحْمَلٍ حَسَنٍ أَوْ كَانَ فِي كُفْرِهِ اخْتِلَافٌ، وَلَوْ رِوَايَةً ضَعِيفَةً، فَعَلَى هَذَا فَأَكْثَرُ أَلْفَاظِ التَّكْفِيرِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْفَتَاوَى لَا يُفْتَى بِهَا. قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ: وَقَدْ أَلْزَمْت نَفْسِي أَنْ لَا أُفْتِيَ بِشَيْءٍ مِنْهَا. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِهِ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ قُبَيْلَ هَذَا مَا لَفْظُهُ: وَفِي الْفَتْحِ وَمَنْ هَزَلَ بِلَفْظِ كُفْرٍ ارْتَدَّ لِكَوْنِهِ اسْتِخْفَافًا فَهُوَ كَكُفْرِ الْعِنَادِ وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي يُكَفَّرُ بِهَا تُعْرَفُ فِي كُتُبِ الْفَتَاوَى (انْتَهَى) . فَهَذَا وَمَا قَبْلَهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَلْفَاظَ التَّكْفِيرِ الْمَعْرُوفَةَ فِي الْفَتَاوَى مُوجِبَةٌ لِلرِّدَّةِ حَقِيقَةً. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَيُحْكَى عَنْ بَعْضِ مَنْ لَا سَلَفَ لَهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا ذُكِرَ فِي الْفَتَاوَى أَنَّهُ يَكْفُرُ بِكَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ لِلتَّخْوِيفِ وَالتَّهْوِيلِ لَا لِحَقِيقَةِ الْكُفْرِ وَهَذَا بَاطِلٌ (انْتَهَى) . وَالْحَقُّ أَنَّ مَا صَحَّ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِينَ فَهُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَمَّا مَا ثَبَتَ عَنْ غَيْرِهِمْ فَلَا يُفْتَى بِهِ فِي مَسْأَلَةِ التَّكْفِيرِ. وَلِذَا قَالَ فِي الْفَتْحِ: إنَّ الَّذِي صَحَّ عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْخَوَارِجِ عَدَمُ تَكْفِيرِهِمْ. وَيَقَعُ فِي كَلَامٍ كَثِيرٍ تَكْفِيرُهُمْ، لَكِنْ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ هُمْ الْمُجْتَهِدُونَ بَلْ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِمْ وَلَا عِبْرَةَ بِغَيْرِ الْفُقَهَاءِ (انْتَهَى)

стр. 648

لَا تَصِحُّ رِدَّةُ السَّكْرَانِ. ٦ - إلَّا الرِّدَّةَ بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُعْفَى عَنْهُ. كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ كُلُّ كَافِرٍ تَابَ فَتَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إلَّا جَمَاعَةُ الْكَافِرِينَ بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ. ٨ - وَبِسَبِّ الشَّيْخَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا ــ [غمز عيون البصائر] قَوْلُهُ: لَا تَصِحُّ رِدَّةُ السَّكْرَانِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْبَحْرِ: الْمُرَادُ بِهِ ذَاهِبُ الْعَقْلِ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ السُّكْرَ يَسْتُرُ الْعَقْلَ وَلَا يُذْهِبُهُ بِخِلَافِ الْجُنُونِ فَإِنَّهُ يُذْهِبُهُ كَمَا حَقَّقَهُ فِي مَحَلِّهِ. (٦) قَوْلُهُ: إلَّا الرِّدَّةَ بِسَبِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ ظَاهِرٌ أَنَّ اللَّامَ فِيهِ لِلْعَهْدِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، وَحِينَئِذٍ لَا يُحْكَمُ بِرِدَّةِ السَّكْرَانِ إذَا سَبَّ غَيْرَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ غَيْرَهُ كَذَلِكَ، وَيُجَابُ بِأَنَّ اللَّامَ لِلْجِنْسِ وَقَيَّدَهُ بِمَا إذَا كَانَ سُكْرُهُ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ بَاشَرَهُ مُخْتَارًا بِلَا إكْرَاهٍ وَإِلَّا فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ (٧) قَوْلُهُ: الْكَافِرُ بِسَبِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ. أَقُولُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ سَابَّ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُقْبَلُ تَوْبَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْكَنْزِ مِنْ أَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (انْتَهَى) . قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَتِهِ إنَّمَا يُحْفَظُ لِبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، أَمَّا عَلَى طَرِيقَتِنَا فَلَا. وَقَدْ أَنْكَرَهَا عَلَى الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَهْلُ عَصْرِهِ كالبرهمتوشي وَالشَّيْخِ أَمِينِ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ الْعَالِ (انْتَهَى) . (٨) قَوْلُهُ: وَبِسَبِّ الشَّيْخَيْنِ إلَخْ قِيلَ: عَزَى الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَدَمَ قَبُولِ تَوْبَةِ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ فِي الْبَحْرِ لِلْجَوْهَرَةِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ، وَحَكَى الْمُؤَلِّفُ أَخُوهُ الْعَلَّامَةُ عُمَرُ بْنُ نُجَيْمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ وَطَلَبَ مِنْهُ النَّقْلَ بِذَلِكَ فَلَمْ يُوجَدْ إلَّا عَلَى شَرْحِ الْجَوْهَرَةِ وَذَلِكَ بَعْدَ حَرْقِ الرَّجُلِ (انْتَهَى) . أَقُولُ عَلَى فَرْضِ ثُبُوتِ ذَلِكَ فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْجَوْهَرَةِ لَا وَجْهَ لَهُ يَظْهَرُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَبُولِ تَوْبَةِ مَنْ سَبَّ الْأَنْبِيَاءَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ قَبُولِ

стр. 649

وَبِالسِّحْرِ، وَلَوْ امْرَأَةً، ١٠ - وَبِالزَّنْدَقَةِ ١١ - إذَا أُخِذَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ ــ [غمز عيون البصائر] تَوْبَةِ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، بَلْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ فِيمَا أَعْلَمُ. (٩) قَوْلُهُ: وَبِالسِّحْرِ إلَخْ هَذَا هُوَ الْمُفْتَى بِهِ كَمَا فِي الْعَلَّامِيَّةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ اسْتِعْمَالَ السِّحْرِ تَجْرِبَةً أَوْ امْتِحَانًا لَا اعْتِقَادًا لَيْسَ بِكُفْرٍ كَمَا فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي. (١٠) قَوْلُهُ: وَبِالزَّنْدَقَةِ. مَحَلُّهُ مَا إذَا كَانَ الزِّنْدِيقُ مُسْلِمًا فَتَزَنْدَقَ. وَالزِّنْدِيقُ ثَلَاثَةٌ: زِنْدِيقٌ أَصْلِيٌّ وَأَنَّهُ يُتْرَكُ عَلَى شِرْكِهِ إذَا كَانَ مِنْ الْعَجَمِ، وَزِنْدِيقٌ غَيْرُ أَصْلِيٍّ بِأَنْ كَانَ مُسْلِمًا فَتَزَنْدَقَ فَإِنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتِلَ؛ لِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ، وَزِنْدِيقٌ تَزَنْدَقَ بَعْدَ أَنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَإِنَّهُ يُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ. كَذَا فِي الْمُلْتَقَطَاتِ. وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ الْمُفْتَى بِهِ كَمَا فِي الْعَلَّامِيَّةِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ عَلَى مَا اسْتَثْنَاهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْمُرْتَدُّ الَّذِي إذَا أُخِذَ تَابَ وَإِذَا تُرِكَ ارْتَدَّ وَعَادَ وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ بَيْنَ الْعِبَادِ فِي الْخَانِيَّةِ آخِرَ كِتَابِ الْحُدُودِ. وَحُكِيَ أَنَّهُ كَانَ بِبَغْدَادَ نَصْرَانِيَّانِ مُرْتَدَّانِ إذَا أُخِذَا تَابَا وَإِذَا تُرِكَا عَادَا إلَى الرِّدَّةِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْخِيُّ: يُقْتَلَانِ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمَا. (١١) قَوْلُهُ: إذَا أُخِذَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ. هَذَا فِي الْفَتْحِ، وَفِي الْبَحْرِ لِلْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَقْلًا عَنْ الْخَانِيَّةِ: قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: إذَا تَابَ السَّاحِرُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَلَا يُقْتَلُ، وَإِنْ أُخِذَ ثُمَّ تَابَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ وَيُقْتَلُ. وَكَذَا الزِّنْدِيقُ الْمَعْرُوفُ الدَّاعِي. وَالْفَتْوَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ (انْتَهَى) . قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: هَذَا يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ إذَا أَخَذَاهُ قُيِّدَ فِي السِّحْرِ وَالزَّنْدَقَةِ (انْتَهَى) . أَقُولُ: هَذَا ظَاهِرٌ لِمَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ أَنَّ الشَّرْطَ يَرْجِعُ لِجَمِيعِ مَا سَبَقَ عِنْدَنَا بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ فَإِنَّهُمَا يَرْجِعَانِ إلَى مَا يَقَعَانِ بَعْدَهُ، وَالْفَرْقُ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ لَكِنَّ مَحَلَّ كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ يَرْجِعُ لِلْآخَرِ مَا لَمْ يَقْتَضِ رُجُوعَهُ لِلْجَمِيعِ دَلِيلٌ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بِالْمَشِيئَةِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لِلْجَمِيعِ، كَمَا فِي تُحْفَةِ الْوُصُولِ إلَى قَوَاعِدِ الْأُصُولِ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْغَزِّيِّ التُّمُرْتَاشِيِّ

стр. 650

كُلُّ مُسْلِمٍ ارْتَدَّ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يَتُبْ إلَّا الْمَرْأَةَ، ١٣ - وَمَنْ كَانَ إسْلَامُهُ تَبَعًا، وَالصَّبِيُّ إذَا أَسْلَمَ، ١٤ - وَالْمُكْرَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، ١٥ - وَمَنْ ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَمَنْ ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِرَجُلَيْنِ ثُمَّ رَجَعَا كَمَا فِي شَهَادَاتِ الْيَتِيمَةِ. حُكْمُ الرِّدَّةِ وُجُوبُ الْقَتْلِ إنْ لَمْ يَرْجِعْ، ــ [غمز عيون البصائر] قَوْلَةُ: كُلُّ مُسْلِمٍ ارْتَدَّ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يَتُبْ إلَّا الْمَرْأَةَ. قِيلَ عَلَيْهِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ إذَا ارْتَدَّ وَلَمْ يَتُبْ يُقْتَلْ، وَالْحُكْمُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ لَا يُقْتَلُ، كَالْمَرْأَةِ بَلْ تُحْبَسُ وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَنِّ الثَّالِثِ فِي أَحْكَامِ الْخُنْثَى. (١٣) قَوْلُهُ: وَمَنْ كَانَ إسْلَامُهُ تَبَعًا إلَخْ كَصَبِيٍّ غَيْرِ عَاقِلٍ أَسْلَمَ أَبَوَاهُ فَبَلَغَ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ إقْرَارٌ بَعْدَ الْبُلُوغِ إذَا ارْتَدَّ لَا يُقْتَلُ لِانْعِدَامِ الرِّدَّةِ إذْ هِيَ التَّكْذِيبُ بَعْدَ سَابِقَةِ التَّصْدِيقِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَصْدِيقٌ بَعْدَ الْبُلُوغِ. (١٤) قَوْلُهُ: وَالْمُكْرَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَكَذَا مَنْ كَانَ فِي إسْلَامِهِ شُبْهَةٌ كَالسَّكْرَانِ إذَا أَسْلَمَ صَحَّ إسْلَامُهُ فَإِنْ رَجَعَ مُرْتَدًّا لَا يُقْتَلُ، كَذَا فِي الْبَحْرِ. فَيُزَادُ هَذَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ الْمُسْتَثْنَيَاتِ هُنَا. (١٥) قَوْلُهُ: وَمَنْ ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ إلَخْ: قِيلَ عَلَيْهِ: يُفْهَمُ مِنْهُ قَتْلُ مَنْ ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَيُفْهَمُ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِمْ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ تُقْبَلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ سِوَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ثُمَّ رَأَيْت فِي كِتَابِ النُّتَفِ: وَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ثَمَانِيَةٌ، أَحَدُهَا شَهَادَةُ الرَّجُلِ مَعَ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ مَا خَلَا الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ (انْتَهَى) . فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا أَصْلًا، مَعَ أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ لَا تُقْبَلُ فِي الْقَتْلِ أَصْلًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ فِي الشَّهَادَةِ وَغَيْرِهِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا احْتَرَزَا بِالْقِصَاصِ عَنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ، وَأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ عَدَمُ الْقَبُولِ بِسَبَبِ أَنَّ أَمْرَ الدَّمِ عَظِيمٌ فَعَلَى هَذَا مَا فِي الْكِتَابِ أَيْضًا مِنْ قَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ بِأَحَدِ النَّظِيرَيْنِ عَنْ ذِكْرِ الْآخَرِ لِثُبُوتِ تَلَازُمِهِمَا فِي الْقَبُولِ وَعَدَمِهِ.

стр. 651

وَحَبْطُ الْأَعْمَالِ مُطْلَقًا ١٧ - لَكِنْ إذَا أَسْلَمَ لَا يَقْضِيهَا ١٨ - إلَّا الْحَجَّ، ــ [غمز عيون البصائر] (١٦) قَوْلُهُ: وَحَبْطُ الْأَعْمَالِ مُطْلَقًا يَعْنِي سَوَاءٌ رَجَعَ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ. فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ فِي النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ الْفَصْلِ السَّابِعِ مِنْ كِتَابِ السِّيَرِ: أَنَّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي تُوجِبُ الْكُفْرَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: مَا يَكُونُ خَطَأً لَكِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ فَيُؤْمَرُ قَائِلُهُ بِالْإِنَابَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَمِنْهَا مَا فِيهِ اخْتِلَافٌ فَيُؤْمَرُ بِاسْتِجْدَادِ النِّكَاحِ احْتِيَاطًا وَبِالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ وَمِنْهَا مَا هُوَ كُفْرٌ بِالِاتِّفَاقِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ إحْبَاطَ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ وَيَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْحَجِّ إنْ كَانَ حَجَّ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَطْؤُهُ مَعَ امْرَأَتِهِ زِنًا وَالْوَلَدُ الْمُتَوَلِّدُ مِنْهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَدُ الزِّنَا، فَإِنَّهُ وَإِنْ أَتَى بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الْعَادَةِ وَلَمْ يَرْجِعْ عَمَّا قَالَ لَا يَرْتَفِعُ الْكُفْرُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَعَوَّدَ بِذِكْرِ هَذَا الدُّعَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً فَإِنَّهُ سَبَبُ النَّجَاةِ عَنْ هَذِهِ الْوَرْطَةِ بِوَعْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالدُّعَاءُ هَذَا: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ أَنْ أُشْرِكَ بِك شَيْئًا وَأَنَا أَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ» (انْتَهَى) . وَفِي شَرْحِ الْكَيْدَانِيَّةِ لِلْعَلَّامَةِ الْقُهُسْتَانِيِّ مَا نَصُّهُ: اعْلَمْ أَنَّ مَنْ كَفَرَ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى - بَطَلَتْ جَمِيعُ طَاعَاتِهِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ إلَّا الْحَجَّ فَإِنَّ نِسْبَةَ الْعُمُرِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ الْوَقْتِ إلَى الصَّلَاةِ وَقَدْ أَحْبَطَهُ، وَالْوَقْتُ بَاقٍ وَهَلْ تَبْطُلُ مَعَاصِيهِ؟ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ: إنَّهَا لَا تَبْطُلُ، كَمَا فِي التُّمُرْتَاشِيِّ (انْتَهَى) . أَقُولُ: فِي الْخَانِيَّةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ مَعَاصِيَهُ لَا تَبْطُلُ، وَنَصُّهُ: قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: عَلَيْهِ، أَيْ عَلَى الْمُرْتَدِّ قَضَاءُ مَا تَرَكَ فِي الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ مَعْصِيَةٌ وَالْمَعْصِيَةُ تَبْقَى بَعْدَ الرِّدَّةِ (١٧) قَوْلُهُ: لَكِنْ إذَا أَسْلَمَ لَا يَقْضِيهَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَى كَوْنِ الرِّدَّةِ تُحْبِطُ الْأَعْمَالَ. (١٨) قَوْلُهُ: إلَّا الْحَجَّ، قِيلَ عَلَيْهِ: الْحَصْرُ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ مَنْ ارْتَدَّ وَقَدْ كَانَ صَلَّى صَلَاةً فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ فِي آخِرِهِ يَقْضِي الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا قَبْلَ الرِّدَّةِ. أَقُولُ: إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا بَاقٍ، أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِهِمْ فِي قَضَاءِ الْحَجِّ بِأَنَّ نِسْبَةَ الْعُمُرِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ الْوَقْتِ إلَى الصَّلَاةِ وَقَدْ أَحْبَطَهُ، وَالْوَقْتُ بَاقٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا، لَكِنْ فِي التَّعْبِيرِ بِالْقَضَاءِ فِي الْحَجِّ، وَفِي الصَّلَاةِ الَّتِي صَلَّاهَا وَلَمْ يَخْرُجْ وَقْتُهَا نَظَرٌ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْحَجِّ إنْ كَانَ حَجَّ.

стр. 652

كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ إذَا أَسْلَمَ، ٢٠ - وَيَبْطُلُ مَا رَوَاهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْحَدِيثِ فَلَا يَجُوزُ لِلسَّامِعِ مِنْهُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ بَعْدَ رِدَّتِهِ، كَمَا فِي شَهَادَاتِ الْوَلْوَالِجيَّةِ. ٢١ - وَبَيْنُونَةُ امْرَأَتِهِ مُطْلَقًا، ٢٢ - وَبُطْلَانُ وَقْفِهِ مُطْلَقًا، وَإِذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ لَمْ يُدْفَنْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَهْلِ مِلَّتِهِ وَإِنَّمَا يُلْقَى فِي حُفْرَةٍ كَالْكَلْبِ ــ [غمز عيون البصائر] (١٩) قَوْلُهُ: كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ إلَخْ التَّشْبِيهُ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ وُجُوبِ قَضَاءِ غَيْرِ الْحَجِّ لَا بِاعْتِبَارِ وُجُوبِ قَضَائِهِ أَيْضًا. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّشْبِيهَ إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ خِلَافُ الصَّحِيحِ كَمَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ. (٢٠) قَوْلُهُ: وَيَبْطُلُ مَا رَوَاهُ لِغَيْرِهِ إلَخْ أَيْ رِوَايَةُ مَا رَوَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ لِغَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُسْنِدُ الْحَدِيثَ إلَيْهِ وَهُوَ فِي الْحَالِ لَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ رِوَايَةً فَلَا يُرْوَى عَنْهُ. وَكَذَا لَوْ سَمِعَهَا مِنْ نَصْرَانِيٍّ ثُمَّ أَسْلَمَ لَا يَرْوِي عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ حَالَ الرِّوَايَةِ لَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ فَلَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ عَنْهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ نَصْرَانِيًّا لَوْ أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ لِمَا أَنَّهُ حَالَةَ التَّحَمُّلِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّحَمُّلِ، فَكَذَا هَهُنَا. (٢١) قَوْلُهُ: وَبَيْنُونَةُ امْرَأَتِهِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ رَجَعَ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ. (٢٢) قَوْلُهُ: وَبُطْلَانُ وَقْفِهِ مُطْلَقًا إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ رَجَعَ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ. أَقُولُ: ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمُحِيطِ ثُمَّ بَحَثَ فِيهَا بِأَنَّ حُبُوطَ أَعْمَالِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي إبْطَالِ ثَوَابِهِ لَا فِي إبْطَالِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْفُقَرَاءِ وَصَارَ إلَيْهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْطُلَ وَقْفُهُ وَقَدْ جَعَلَهُ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ. قُلْنَا: قَدْ جَعَلَ آخِرَهُ لِلْمَسَاكِينِ وَذَلِكَ قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا بَطَلَ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بَطَلَ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَطَلَ مَا جَعَلَهُ لِلْمَسَاكِينِ بِارْتِدَادِهِ صَارَ كَأَنَّهُ وَقْفٌ، وَلَمْ يَجْعَلْ آخِرَهُ لِلْمَسَاكِينِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ آخِرُهُ لَهُمْ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُجِيزُهُ إلَّا بِجَعْلِ آخِرِهِ لَهُمْ وَلَوْ وَقَفَ وَهُوَ مُرْتَدٌّ كَانَ وَقْفُهُ بَاطِلًا (انْتَهَى) . وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِيهِ فَلْيُرَاجَعْ

стр. 653

وَالْمُرْتَدُّ أَقْبَحُ كُفْرًا مِنْ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ ٢٤ - الْإِيمَانُ تَصْدِيقُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً ٢٥ - الْكُفْرُ تَكْذِيبُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي شَيْءٍ مِمَّا جَاءَ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَلَا يَكْفُرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ ٢٦ - إلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ. وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمْ ــ [غمز عيون البصائر] قَوْلُهُ: الْمُرْتَدُّ أَقْبَحُ كُفْرًا مِنْ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّهُ شَاهَدَ مَحَاسِنَ الْإِسْلَامِ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: الْكُفْرُ بَعْدَ إيمَانٍ بِخِلَافِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فَإِنَّهُ لَمْ يُشَاهِدْهُ لِعَمَى بَصِيرَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ كَالشَّمْسِ فِي الظُّهُورِ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] (٢٤) قَوْلُهُ: الْإِيمَانُ تَصْدِيقُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ إلَخْ أَيْ مِمَّا يُوصَفُ بِالصِّدْقِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَا جَاءَ بِهِ يَتَّصِفُ بِالصِّدْقِ حَقِيقَةً، كَمَا فِي حَوَاشِي سَعْدِيٍّ عَلَى الْقَاضِي عِنْدَ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [المجادلة: ٥] تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ فِيمَا جَاءَ بِهِ حَيْثُ قَالَ: الْأَظْهَرُ مَا فِي الْكَشَّافِ وَصِحَّتُهُ مَا جَاءَ بِهِ فَلَيْسَ كُلُّ مَا جَاءَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوصَفُ بِالصِّدْقِ حَقِيقَةً (انْتَهَى) . قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَفِيمَا قَالَهُ خَفَاءٌ وَبَشَاعَةٌ، وَوَجَّهَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ. بَقِيَ الْكَلَامُ فِي أَنَّهُ التَّصْدِيقُ فَقَطْ أَوْ مَعَ الْإِقْرَارِ. أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الثَّانِي وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى الْأَوَّلِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (٢٥) الْكُفْرُ تَكْذِيبُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي شَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَخْ كَإِنْكَارِ الصَّانِعِ جَلَّ وَعَلَا وَنُبُوَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحُرْمَةِ الزِّنَا وَنَحْوِهِ. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ غَيْرُ جَامِعٍ إذْ التَّكْذِيبُ يَخْتَصُّ بِالْقَوْلِ وَالْكُفْرُ قَدْ يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ، وَإِنْكَارُ مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ قَدْ يَخْرُجُ عَنْ الضَّرُورِيَّاتِ وَهُوَ كُفْرٌ. (٢٦) قَوْلُهُ: إلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ إلَخْ. وَهُوَ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ، وَبِهِ سَقَطَ مَا قِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّ فَاعِلَ أَدْخَلَهُ ضَمِيرُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَمِيرُهُ فِيهِ لِمَا جَاءَ بِهِ.

стр. 654

اللَّهُ تَعَالَى فِي الْفَتَاوَى مِنْ أَلْفَاظِ التَّكْفِيرِ يَرْجِعُ إلَى ذَلِكَ وَفِيهِ بَعْضُ اخْتِلَافٍ، لَكِنْ لَا يُفْتَى بِمَا فِيهِ خِلَافٌ. سَبُّ الشَّيْخَيْنِ وَلَعْنِهِمَا كُفْرٌ، وَإِنْ فَضَّلَ عَلِيًّا ﵁ عَلَيْهِمَا فَمُبْتَدِعٌ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. وَفِي مَنَاقِبِ الْكَرْدَرِيِّ يَكْفُرُ إذَا أَنْكَرَ خِلَافَتَهُمَا أَوْ أَبْغَضَهُمَا لِمَحَبَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمَا، ٢٧ - وَإِذَا أَحَبَّ عَلِيًّا أَكُثْرَ مِنْهُمَا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ (انْتَهَى) . وَفِي التَّهْذِيبِ ثُمَّ إنَّمَا يَصِيرُ مُرْتَدًّا بِإِنْكَارِ مَا وَجَبَ الْإِقْرَارُ بِهِ، ٢٨ - أَوْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ كَلَامِهِ أَوْ وَاحِدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ بِالِاسْتِهْزَاءِ (انْتَهَى) . يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ ــ [غمز عيون البصائر] (٢٧) قَوْلُهُ: وَإِذَا أَحَبَّ عَلِيًّا ﵁ أَكْثَرَ مِنْهُمَا ﵄ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ قَدْ تَكُونُ لِأَمْرٍ دِينِيٍّ وَقَدْ تَكُونُ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، فَالْمَحَبَّةُ الدِّينِيَّةُ لَازِمَةٌ لِلْأَفْضَلِيَّةِ فَمَنْ كَانَ أَفْضَلَ كَانَتْ الْمَحَبَّةُ الدِّينِيَّةُ لَهُ أَكْثَرَ فَمَتَى اعْتَقَدْنَا فِي وَاحِدٍ مِنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ أَفْضَلُ ثُمَّ أَحْبَبْنَا غَيْرَهُ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ أَكْثَرَ كَانَتْ تَنَاقُضًا، نَعَمْ إنْ أَحْبَبْنَا غَيْرَ الْأَفْضَلِ أَكْثَرَ مِنْ مَحَبَّةِ الْأَفْضَلِ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ كَقَرَابَةٍ وَإِحْسَانٍ وَنَحْوِهِ فَلَا تَنَاقُضَ فِي ذَلِكَ فَمَنْ اعْتَرَفَ بِأَنَّ أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا ﷺ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ ﵃ لَكِنَّهُ أَحَبَّ عَلِيًّا أَكْثَرَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مَثَلًا فَإِنْ كَانَتْ مَحَبَّتُهُ الْمَذْكُورَةُ مَحَبَّةً دِينِيَّةً فَلَا مَعْنَى لِذَلِكَ، إذْ الْمَحَبَّةُ الدِّينِيَّةُ لَازِمَةٌ لِلْأَفْضَلِيَّةِ لِمَا قَرَّرْنَا وَهَذَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِأَفْضَلِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ إلَّا بِلِسَانِهِ وَأَمَّا فِي قَلْبِهِ فَهُوَ مُفَضِّلٌ لِعَلِيٍّ لِكَوْنِهِ أَحَبَّهُ مَحَبَّةً دِينِيَّةً زَائِدَةً عَلَى مَحَبَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَهَذَا لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَتْ الْمَحَبَّةُ الْمَذْكُورَةُ مَحَبَّةً دُنْيَوِيَّةً لِكَوْنِهِ مِنْ ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ ﵁ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي فَلَا امْتِنَاعَ فِيهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. كَذَا حَقَّقَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ وَمِنْهُ يَظْهَرُ مَا نَظَرْنَا بِهِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ الْإِطْلَاقِ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ. (٢٨) قَوْلُهُ: أَوْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى إلَخْ قِيلَ: عَطْفٌ عَلَى إنْكَارٍ لَا عَلَى (مَا) وَقَوْلُهُ بِالِاسْتِهْزَاءِ، مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظِ ذِكْرِ. أَقُولُ فِيهِ: أَنَّهُ عَلَى هَذَا كَانَ يَجِبُ أَنْ يَقْرَأَ قَوْلَهُ وَاحِدًا

стр. 655

وَلَوْ كَانَ إسْلَامُهُ بِالْفِعْلِ ٣٠ - كَالصَّلَاةِ بِجَمَاعَةٍ، ٣١ - وَشُهُودِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ مَعَ التَّلْبِيَةِ. إنْكَارُ الرِّدَّةِ تَوْبَةٌ فَإِذَا شَهِدُوا عَلَى مُسْلِمٍ بِالرِّدَّةِ وَهُوَ مُنْكِرٌ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ لَا لِتَكْذِيبِ الشُّهُودِ الْعُدُولِ، بَلْ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ تَوْبَةٌ وَرُجُوعٌ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، فَإِنْ قُلْت قَدْ قَالَ قَبْلَهُ وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالرِّدَّةِ مِنْ عَدْلَيْنِ فَمَا فَائِدَتُهُ؟ قُلْت ثُبُوتُ رِدَّتِهِ بِالشَّهَادَةِ وَإِنْكَارِهَا تَوْبَةٌ فَتَثْبُتُ الْأَحْكَامُ الَّتِي لِلْمُرْتَدِّ، وَلَوْ تَابَ. ــ [غمز عيون البصائر] بِالْجَرِّ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا أُضِيفَ إلَيْهِ الْمَصْدَرُ، وَهُوَ " ذِكْرِ " وَالثَّابِتُ فِي نُسَخِ هَذَا الْكِتَابِ النَّصْبُ، وَكَذَا فِي عِبَارَةِ التَّهْذِيبِ الَّذِي نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى مَحَلِّ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ الْمَصْدَرُ. (٢٩) قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ إسْلَامُهُ بِالْفِعْلِ. بِأَنْ كَانَ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ بِالْفِعْلِ ثُمَّ ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى. (٣٠) قَوْلُهُ: كَالصَّلَاةِ بِجَمَاعَةٍ. يَعْنِي فِي الْوَقْتِ وَأَتَمَّهَا مِنْ غَيْرِ إفْسَادٍ، وَأَشَارَ بِالْكَافِّ إلَى عَدَمِ الِانْحِصَارِ فِيمَا ذَكَرَ، فَمِنْ ذَلِكَ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ عِنْدَ سَمَاعِهَا. وَفِي تَقْيِيدِهِمْ الصَّلَاةَ بِالْوَقْتِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ بِجَمَاعَةٍ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا وَقَدْ نَظَمَ الْعَلَّامَةُ عُمَرُ بْنُ نُجَيْمٍ أَخُو الْمُصَنِّفِ مَا يَصِيرُ بِهِ الْكَافِرُ مُسْلِمًا وَمَا لَا يَصِيرُ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ فَقَالَ: وَكَافِرٌ فِي الْوَقْتِ صَلَّى بِاقْتِدَاءٍ ... مُتَمِّمًا صَلَاتَهُ لَا مُفْسِدًا أَوْ بِالْأَذَانِ مُعْلِنًا فِيهِ أَتَى ... أَوْ قَدْ سَجَدَ عِنْدَ سَمَاعِ مَا أَتَى فَسَلَّمَ لَا بِالصَّلَاةِ مُنْفَرِدْ ... وَلَا الزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ الْحَجُّ زِدْ (٣١) قَوْلُهُ: وَشُهُودُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ مَعَ التَّلْبِيَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ. فَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ صَامَ أَوْ حَجَّ أَوْ أَدَّى الزَّكَاةَ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.

стр. 656

مِنْ حَبَطِ الْأَعْمَالِ وَبُطْلَانِ الْوَقْفِ وَبَيْنُونَةِ الزَّوْجَةِ. وَقَوْلُهُ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ إنَّمَا هُوَ فِي مُرْتَدٍّ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فِي الدُّنْيَا، أَمَّا مَنْ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ ٣٣ - كَالرِّدَّةِ بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ ٣٤ - وَالشَّيْخَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ٣٥ - وَاخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ مُعْتَقِدِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ لِلْوَلِيِّ ــ [غمز عيون البصائر] (٣٢) قَوْلُهُ: مِنْ حَبْطِ الْأَعْمَالِ وَبُطْلَانِ الْوَقْفِ وَبَيْنُونَةِ الزَّوْجَةِ إلَخْ. بَيَانٌ لِلْأَحْكَامِ. (٣٣) قَوْلُهُ: كَالرِّدَّةِ بِسَبِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَوْلَى تَنْكِيرُ النَّبِيِّ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِيمَا سَبَقَ. (٣٤) قَوْلُهُ: وَالشَّيْخَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَيْ وَكَالرِّدَّةِ بِسَبِّ الشَّيْخَيْنِ. أَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ فَلَا تَغْفُل أَيُّهَا النَّبِيهُ (٣٥) قَوْلُهُ: وَاخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ مُعْتَقِدِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ إلَخْ فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ: وَسَأَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزَّعْفَرَانِيُّ عَمَّا رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ رَوَاهُ بِالْبَصْرَةِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِمَكَّةَ أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مُقَاتِلٍ كَانَ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ يَكْفُرُ مَنْ يَعْتَقِدُ هَذَا الْجَوَازَ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ. وَقَالَ: أَمَّا أَنَا أَسْتَجْهِلُهُ وَلَا أُطْلِقُ عَلَيْهِ الْكُفْرَ (انْتَهَى) . قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ فِي الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ مَا ذُكِرَ، أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُكَفَّرَ وَلَا يُسْتَجْهَلَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكَرَامَاتِ لَا مِنْ الْمُعْجِزَاتِ إذْ الْمُعْجِزَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ التَّحَدِّي وَلَا تَحَدِّيَ هُنَا فَلَا مُعْجِزَةَ، فَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ تَجُوزُ الْكَرَامَاتُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (انْتَهَى) . أَقُولُ: مَعْنَى قَوْلِهِ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ أَيْ مِمَّا لَا يَقَعُ إلَّا مُعْجِزَةً فَلَا يَجُوزُ وُقُوعُهُ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَامَةِ إذْ لَيْسَ كُلُّ مَا يَجُوزُ وُقُوعُهُ مُعْجِزَةً يَجُوزُ وُقُوعُهُ كَرَامَةً، وَذَلِكَ كَوُجُودِ وَلَدٍ بِلَا أَبٍ وَقَلْبِ جَمَادٍ بَهِيمَةً وَإِحْيَاءِ مَيِّتٍ، فَإِنَّهُ مُعْجِزَةٌ وَلَا يَجُوزُ

стр. 657

وَلَا يَكْفُرُ بِقَوْلِهِ لَا أَصْلِيٍّ ٣٧ - إلَّا جُحُودًا. لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مَعْرِفَةُ اسْمِ أَبِيهِ، ٣٨ - بَلْ يَكْفِي مَعْرِفَةُ اسْمِهِ. وَصَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِحَضْرَةِ زَوْجَتِهِ ٣٩ - فَقَالَ كُنْتُ ظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ كَفَرَ. وَلَا يَكْفُرُ ــ [غمز عيون البصائر] وُقُوعُهُ كَرَامَةً كَمَا قِيلَ، يَعْنِي لِاخْتِصَاصِ هَذِهِ الْخَوَارِقِ بِالْأَنْبِيَاءِ. وَالتَّحْقِيقُ وُقُوعُ مَا ذُكِرَ كَرَامَةً وَإِنْ كَانَ مَا جَازَ وُقُوعُهُ مُعْجِزَةً جَازَ وُقُوعُهُ كَرَامَةً مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ. هَذَا وَيُشْكِلُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ مَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ بَابِ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْ تَجْوِيزِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ كَرَامَةً فِي إلْحَاقِ ابْنِ الْمَشْرِقِيَّةِ بِالْمَغْرِبِيَّةِ وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ التَّجْوِيزَ عِنْدَهُ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ لَا الْوُقُوعِ احْتِيَالًا لِثُبُوتِ النَّسَبِ صِيَانَةً لِلْوَلَدِ عَنْ الضَّيَاعِ. وَالْكَلَامُ فِي اعْتِقَادِ جَوَازِ الْوُقُوعِ . (٣٦) قَوْلُهُ: وَلَا يَكْفُرُ بِقَوْلِهِ لَا أُصَلِّي. فِي الْعِمَادِيَّةِ: مَنْ قَالَ: الْمَكْتُوبَةُ لَا أُصَلِّيهَا إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ رَدًّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَفَرَ، وَإِنْ أَرَادَ حِكَايَةً لَا يَكْفُرُ (انْتَهَى) . وَقَوْلُهُ لِمَكْتُوبَةٍ أَيْ الْقَائِلِ لَهُ: صَلِّ الْمَكْتُوبَةَ. لَكِنَّ الْقَوْلَ إذَا تَعَدَّى بِاللَّامِ كَانَ بِمَعْنَى الْخِطَابِ وَالْمَكْتُوبَةُ لَا تُخَاطَبُ وَإِنَّمَا يُخَاطَبُ بِهَا. (٣٧) قَوْلُهُ: إلَّا جُحُودًا أَيْ إلَّا إذَا قَالَ ذَلِكَ جُحُودًا. (٣٨) قَوْلُهُ: بَلْ يَكْفِي مَعْرِفَةُ اسْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّعْرِيفِ. (٣٩) قَوْلُهُ: قَالَ كُنْت ظَنَنْت أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ كَفَرَ إلَخْ يَعْنِي إنْ كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهَا هَذَا كُفْرٌ وَإِلَّا فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَكْفُرُ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ عُذْرٌ فِي بَابِ الْمُكَفِّرَاتِ وَإِنْ كَانَتْ الْعَامَّةُ عَلَى التَّكْفِيرِ. بَقِيَ أَنْ يُقَالَ فِي كَوْنِ هَذَا مُوجِبًا لِلْكُفْرِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ إثْبَاتُ الْجِهَةِ وَمُثْبِتُهَا مُبْتَدِعٌ لَا كَافِرٌ وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ الْجِسْمُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ. وَفِي شَرْحِ الشَّافِيَةِ: أَنَّ جَارِيَةً أُرِيدَ بِهَا إعْتَاقُهَا فِي كَفَّارَةٍ فَجِيءَ بِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهَا أَيْنَ اللَّهُ فَأَشَارَتْ إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ اعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُسْلِمَةٌ .

стр. 658

بِقَوْلِهِ أَنَا فِرْعَوْنُ أَنَا إبْلِيسُ، إلَّا إذَا قَالَ اعْتِقَادِي كَاعْتِقَادِ فِرْعَوْنَ ٤٠ - وَاخْتَلَفُوا فِي كُفْرِ مَنْ قَالَ عِنْدَ الِاعْتِذَارِ كُنْت كَافِرًا فَأَسْلَمْت. ٤١ - قِيلَ لَهَا أَنْتِ كَافِرَةٌ؛ فَقَالَتْ أَنَا كَافِرَةٌ كَفَرَتْ ٤٢ - اسْتِحْلَالُ اللِّوَاطَةِ بِزَوْجَتِهِ كُفْرٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ٤٣ - وَيَكْفُرُ بِوَضْعِ رِجْلِهِ عَلَى الْمُصْحَفِ مُسْتَخِفًّا بِهِ وَإِلَّا فَلَا ــ [غمز عيون البصائر] قَوْلُهُ: وَاخْتَلَفُوا فِي كُفْرِ مَنْ قَالَ عِنْدَ الِاعْتِذَارِ كُنْت كَافِرًا فَأَسْلَمْت. فِي الْيَتِيمَةِ: سُئِلَ وَالِدِي عَمَّنْ يَعْتَذِرُ إلَى غَيْرِهِ فَيَقُولُ كُنْت كَافِرًا فَأَسْلَمْت فِي ضِمْنِ الِاعْتِذَارِ أَجَابَ: لَا يَكْفُرُ؛ لِأَنَّ هَذَا اسْتِعْمَالٌ لِلْمُبَالَغَةِ لَا لِلتَّحْقِيقِ. قَالَ: رَأَيْت جَوَابَ الْوَبَرِيِّ فِي هَذِهِ أَنَّهُ يَكْفُرُ (انْتَهَى) . أَقُولُ: يَنْبَغِي اعْتِمَادُ الْكُفْرِ لِمَا لَا يَخْفَى. (٤١) قَوْلُهُ: قِيلَ لَهَا أَنْتِ كَافِرَةٌ فَقَالَتْ أَنَا كَافِرَةٌ كَفَرَتْ يَعْنِي إنْ أَرَادَتْ أَنَّ اعْتِقَادِي اعْتِقَادُ الْكَافِرِ (٤٢) قَوْلُهُ: اسْتِحْلَالُ اللِّوَاطَةِ بِزَوْجَتِهِ يُكَفِّرُ إلَخْ فِي النَّوَادِرِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: لَا يُكَفِّرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَفِي الْمُخْتَارِ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّ غَشَيَانِهَا فِي الْحَيْضِ (٤٣) قَوْلُهُ: يَكْفُرُ بِوَضْعِ رِجْلِهِ عَلَى الْمُصْحَفِ مُسْتَخِفًّا وَإِلَّا فَلَا. فِي الْقُنْيَةِ قَالَ لَهَا ضَعِي رِجْلَك عَلَى الْكُرَّاسَةِ إنْ لَمْ تَكُونِي فَعَلْت ذَلِكَ فَوَضَعَتْ عَلَيْهَا رِجْلَهَا لَا يَكْفُرُ الرَّجُلُ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ التَّخْوِيفُ، وَتَكْفُرُ الْمَرْأَةُ. قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: فَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُرَادُهُ التَّخْوِيفُ لَوْ وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى الْمُصْحَفِ حَالِفًا يَتُوبُ وَفِي غَيْرِ الْحَالِفِ اسْتِخْفَافًا يَكْفُرُ. أَقُولُ قَدْ وَقَعَ الِاسْتِفْتَاءُ عَنْ رَجُلٍ مَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ يَكْتُبُ الْقُرْآنَ بِأَصَابِعِ رِجْلَيْهِ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَيَكْفُرُ؟ وَمُقْتَضَى هَذَا الْفَرْعِ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَخِفًّا

стр. 659

الِاسْتِهْزَاءُ بِالْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ كُفْرٌ ٤٥ - وَيَكْفُرُ بِإِنْكَارِ أَصْلِ الْوِتْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ ٤٦ - وَبِتَرْكِ الْعِبَادَةِ تَهَاوُنًا أَيْ مُسْتَخِفًّا، وَأَمَّا إذَا تَرَكَهَا مُتَكَاسِلًا أَوْ مُؤَوِّلًا فَلَا. وَهِيَ فِي الْمُجْتَبَى. وَيَكْفُرُ بِادِّعَاءِ عِلْمِ الْغَيْبِ ٤٧ - وَتَكْفُرُ بِقَوْلِهَا لَا أَعْرِفُ اللَّهَ تَعَالَى الِاسْتِهْزَاءُ بِالْأَذَانِ كُفْرٌ لَا بِالْمُؤَذِّنِ ــ [غمز عيون البصائر] قَوْلُهُ: الِاسْتِهْزَاءُ بِالْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ كُفْرٌ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْمُشْتَقِّ يُؤْذِنُ بِعِلِّيَّةِ مَبْدَأِ الِاشْتِقَاقِ. قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: الِاسْتِخْفَافُ بِالْعُلَمَاءِ كُفْرٌ، لِكَوْنِهِ اسْتِخْفَافًا بِالْعِلْمِ، وَالْعِلْمُ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى مَنَحَهُ فَضْلًا خِيَارَ عِبَادِهِ لِيَدُلُّوا خَلْقَهُ عَلَى شَرْعِهِ نِيَابَةً عَنْ رَسُولِهِ، فَاسْتِخْفَافُهُ بِهَذَا يُعْلَمُ إلَى مَنْ يَعُودُ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فَيُقَيِّدُ هَذَا أَنَّ الِاسْتِخْفَافَ بِالْعُلَمَاءِ لَا لِكَوْنِهِمْ عُلَمَاءَ بَلْ لِكَوْنِهِمْ ارْتَكَبُوا مَا لَا يَجُوزُ، أَوْ مِنْ حَيْثُ الْآدَمِيَّةِ لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ يُفِيدُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ اسْتَخَفَّ بِالْمُؤَذِّنِ مِنْ حَيْثُ الْأَذَانُ يَكْفُرُ (انْتَهَى) . أَقُولُ: فَعَلَى هَذَا يُقَيَّدُ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ ﵀ الْآتِي (٤٥) قَوْلُهُ: وَيَكْفُرُ بِإِنْكَارِ أَصْلِ الْوِتْرِ إلَخْ أَيْ مَشْرُوعِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهَا ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالْإِنْكَارِ. وُجُوبُهُ فِي الْقُنْيَةِ: أَنْكَرَ أَصْلَ الْوِتْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ كَفَرَ. وَفِي نَظْمِ الزَّنْدَوَسْتِيِّ خِلَافُ هَذَا، فَقَالَ: أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْ الْفَرَائِضِ وَلَمْ يَرَهُ حَقًّا مِثْلَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ أَوْ مِنْ الْحَيْضِ أَوْ مِنْ الْوُضُوءِ بَعْدَ الْحَدَثِ، يَكْفُرُ فَيُقْتَلُ وَلَوْ أَنْكَرَ الْأُضْحِيَّةَ فَرْضًا أَوْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ لَا يُقْتَلُ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ. وَكَذَا إذَا أَنْكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَإِذَا لَمْ يَرَ التَّيَمُّمَ حَقًّا عِنْدَ الْمَرَضِ أَوْ السَّفَرِ يُقْتَلُ. فَلَا تَنَافٍ بَيْنَ قَوْلِ الْحَلْوَانِيِّ فِي إنْكَارِ أَصْلِ الْأُضْحِيَّةِ وَقَوْلِ الزَّنْدَوَسْتِيِّ فِي إنْكَارِ فَرْضِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَفَرْضِيَّتَهَا وَوُجُوبَهَا مُخْتَلَفٌ. (٤٦) قَوْلُهُ: وَبِتَرْكِ الْعِبَادَةِ تَهَاوُنًا أَوْ مُسْتَخِفًّا. كَذَا فِي النُّسَخِ بِأَوْ وَفِيهِ أَنَّ التَّهَاوُنَ هُوَ الِاسْتِخْفَافُ كَمَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَعَطْفُ أَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْوَاوِ (٤٧) قَوْلُهُ: وَتَكْفُرُ بِقَوْلِهَا لَا أَعْرِفُ اللَّهَ تَعَالَى إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إنْ أَرَادَتْ

стр. 660

قَالَ التَّاجِرُ إنَّ الْكُفَّارَ وَدَارَ الْحَرْبِ خَيْرٌ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ لَا يَكْفُرُ إلَّا إذَا أَرَادَ أَنَّ دِينَهُمْ خَيْرٌ ٤٩ - وَلَا يَكْفُرُ بِقَوْلِ الْمُسَلِّمِ عَلَيْهِ إنْ رَدِّيت السَّلَامَ ارْتَكَبْت كَبِيرَةً عَظِيمَةً وَلَا يَكْفُرُ بِقَوْلِهِ: ٥٠ - لَا تُعْجَبْ فَتَهْلَكْ، فَإِنَّ مُوسَى ﵇ أُعْجِبَ بِنَفْسِهِ فَهَلَكَ. ٥١ - وَيَسْتَفْسِرُ فَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا يَكُونُ كُفْرًا كَفَرَ ــ [غمز عيون البصائر] مَعْرِفَةُ وُجُودِهِ فَالْكُفْرُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ أَرَادَتْ أَنَّهَا لَا تَعْرِفُهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ فَفِي الْكُفْرِ نَظَرٌ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ الصِّدِّيقُ الْعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إدْرَاكٌ، وَالْبَحْثُ عَنْ كُنْهِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى إشْرَاكٌ وَلِلَّهِ دَرُّ الرَّئِيسِ عَلِيِّ بْنِ سِينَا حَيْثُ قَالَ: اعْتِصَامُ الْوَرَى بِمَعْرِفَتِك ... عَجَزَ الْوَاصِفُونَ عَنْ صِفَتِك اُلْطُفْ بِنَا فَإِنَّنَا بَشَرٌ ... مَا عَرَفْنَاك حَقَّ مَعْرِفَتِك أَقُولُ: يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِأَنَّهُ قَالَ وَهُوَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ سُبْحَانَك مَا عَبَدْنَاك حَقَّ عِبَادَتِك، وَلَكِنْ عَرَفْنَاك حَقَّ مَعْرِفَتِك. وَيَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ أَقُولُ: الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ نَفْيِ حَقِّ الْمَعْرِفَةِ مَعْرِفَتُهُ بِكُنْهِ ذَاتِهِ وَمُرَادُ الْإِمَامِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ مَعْرِفَتُهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ بِصِفَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ (٤٨) قَوْلُهُ: قَالَ التَّاجِرُ: إنَّ الْكُفَّارَ وَدَارَ الْحَرْبِ إلَخْ اتَّفَقَ مَشَايِخُنَا أَنَّ مَنْ رَأَى أَمْرَ الْكُفَّارِ حَسَنًا فَقَدْ كَفَرَ، حَتَّى قَالُوا فِي رَجُلٍ قَالَ: تَرَكَ الْكَلَامِ عِنْدَ أَكْلِ الطَّعَامِ حَسَنٌ مِنْ الْمَجُوسِ، أَوْ تَرْكُ الْمُضَاجَعَةِ عِنْدَهُمْ حَالَ الْحَيْضِ حَسَنٌ فَهُوَ كَافِرٌ (٤٩) قَوْلُهُ: وَلَا يَكْفُرُ بِقَوْلِ الْمُسَلِّمِ عَلَيْهِ إلَخْ يُتَأَمَّلْ فِي وَجْهِ عَدَمِ الْكُفْرِ وَقَوْلُهُ رَدِّيت أَصْلُهُ رَدَدْت. (٥٠) قَوْلُهُ: لَا تُعْجَبْ بِضَمِّ التَّاءِ مِنْ الْإِعْجَابِ مَصْدَرُ أَعْجَبُ وَالْعُجْبُ بِضَمِّ الْعَيْنِ اسْمُ الْمَصْدَرِ مَعْنَاهُ الزَّهْوُ وَالْكِبْرُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. (٥١) قَوْلُهُ: وَيُسْتَفْسَرُ فَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا يَكُونُ كُفْرًا كَفَرَ. أَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعَجَبَ الزَّهْوُ وَالْكِبْرُ وَهُوَ كَبِيرَةٌ وَلَيْسَ مُجْمَلًا فِي مَعْنَاهُ حَتَّى يُسْتَفْسَرَ بَلْ مُحْكَمٌ

стр. 661

قِيلَ لَهُ قُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَالَ: لَا أَقُولُ لَا يَكْفُرُ، وَلَا يُكَفَّرُ ٥٣ - إنْ قَالَ امْرَأَتِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إنْ أَرَادَ مَحَبَّةَ الشَّهْوَةِ. وَإِنْ أَرَادَ مَحَبَّةَ الطَّاعَةِ كَفَرَ ٥٤ - عِبَادَةُ الصَّنَمِ كُفْرٌ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا فِي قَلْبِهِ، ٥٥ - وَكَذَا لَوْ سَخِرَ بِقَوْلِهِ ﷺ ٥٦ - أَوْ كَشَفَ عِنْدَهُ عَوْرَتَهُ، وَكَذَا لَوْ صَوَّرَ عِيسَى ﵇ لِيَسْجُدَ لَهُ، وَكَذَا اتِّخَاذُ الصَّنَمِ لِذَلِكَ، وَكَذَا الِاسْتِخْفَافُ بِالْقُرْآنِ أَوْ الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُعَظَّمُ ــ [غمز عيون البصائر] قَوْلُهُ: قِيلَ: لَهُ قُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَخْ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَالَ: لَا أَقُولُ قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: يَكْفُرُ. وَقَالَ: بَعْضُهُمْ إنْ عَنَى بِقَوْلِهِ لَا أَقُولُ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِأَمْرِهِ لَا يَكْفُرُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَكْفُرُ مُطْلَقًا إذْ ذَكَرَ كَلِمَةَ الْإِخْلَاصِ مَرَّةً (٥٣) قَوْلُهُ: إنْ قَالَ امْرَأَتِي أَحَبُّ إلَيَّ إلَخْ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فَلَا يَكْفُرُ ابْنُ النَّبِيهِ فِي قَوْلِهِ (ع) اللَّهُ أَكْبَرُ لَيْسَ الْحُسْنُ فِي الْعَرَبِ إذَا كَانَ اللَّامُ لِلْعَهْدِ مُرَادًا بِهِ الْحُسْنُ الْمُحَرِّكُ لِلشَّهْوَةِ الَّذِي يَسْتَمِيلُ عُشَّاقَ الصُّوَرِ (انْتَهَى) . أَقُولُ: إنَّمَا يُتَوَهَّمُ الْكُفْرُ فِي قَوْلِ ابْنِ النَّبِيهِ إذَا كَانَتْ اللَّامُ فِي كُلٍّ مِنْ الْحُسْنِ وَالْعَرَبِ لِلِاسْتِغْرَاقِ لِاقْتِضَاءِ ذَلِكَ سَلْبَ جَمِيعِ الْحُسْنِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَمَّا إذَا كَانَ اللَّامُ فِي الْحُسْنِ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَفِي الْعَرَبِ لِلْجِنْسِ فَلَا. وَاَللَّهُ الْهَادِي إلَى الصَّوَابِ. لَكِنَّهُ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِسِيَاقِ الْكَلَامِ إذْ سِيَاقُهُ لِأَفْضَلِيَّةِ التُّرْكِ عَلَى الْعَرَبِ مِنْ حَيْثُ الْحُسْنِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حُسْنٌ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا ظَهَرَ لَك أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هَذَا الْبَعْضُ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْهَذَيَانِ وَطَنَيْنِ الْأَذَانِ (٥٤) قَوْلُهُ: عِبَادَةُ الصَّنَمِ كُفْرٌ إلَخْ فِي الْخَانِيَّةِ: رَجُلٌ كَفَرَ بِلِسَانِهِ وَقَلْبُهُ عَلَى الْإِيمَانِ يَكُونُ كَافِرًا وَلَا يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ مُؤْمِنًا (انْتَهَى) . وَفِيهِ تَأَمُّلٌ. (٥٦) قَوْلُهُ: أَوْ كَشَفَ عِنْدَهُ عَوْرَتَهُ. أَيْ عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلُهُ

стр. 662

وَلَوْ اسْتَعْمَلَ نَجَاسَةً بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ فَكَذَلِكَ، ٥٨ - وَكَذَا لَوْ تَزَنَّرَ بِزُنَّارِ الْيَهُودِ وَالنَّصَّارِي دَخَلَ كَنِيسَتَهُمْ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ. وَلَوْ قَالَ كُنْت أَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَلَا أَعْتَقِدُ دِينَهُمْ صُدِّقَ دَيَّانَةً. وَيَكْفُرُ إذَا شَكَّ فِي صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ سَبَّهُ أَوْ نَقَّصَهُ. ٥٩ - أَوْ صَغَّرَهُ. ٦٠ - وَفِي قَوْلِهِ مُسَيْجِدٌ خِلَافٌ. ٦١ - وَالْأَصَحُّ لَا، كَتَمَنِّيه أَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ بَعَثَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَدَاوَةً. وَلَوْ ظَنَّ الْفَاجِرَ نَبِيًّا فَهُوَ كَافِرٌ لَا كَنَبِيٍّ وَيَكْفُرُ بِنِسْبَةِ الْأَنْبِيَاءِ إلَى الْفَوَاحِشِ كَعَزْمٍ عَلَى الزِّنَا وَنَحْوِهِ فِي يُوسُفَ ﵇؛ لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ بِهِمْ. ــ [غمز عيون البصائر] قَوْلُهُ: وَلَوْ اسْتَعْمَلَ نَجَاسَةً بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ أَيْ بِقَصْدِ اسْتِخْفَافِ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِهَا. (٥٨) قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ تَزَنَّرَ بِزُنَّارِ الْيَهُودِ أَيْ بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِالْإِسْلَامِ يَكْفُرُ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ خَدِيعَةً فِي الْحَرْبِ وَطَلِيعَةَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَكْفُرُ كَمَا فِي الْبَحْرِ (٥٩) قَوْلُهُ: أَوْ صَغَّرَهُ أَيْ اسْمَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ ﷺ كَفَرَ مِنْ سَاعَتِهِ، كَمَا فِي الْفَتَاوَى وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ قَالَ لِشَعْرِ النَّبِيِّ ﷺ : شُعَيْرٌ، قَالَ: بَعْضُهُمْ يَكْفُرُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَكْفُرُ إنْ أَرَادَ بِهِ التَّعْظِيمَ؛ لِأَنَّ التَّصْغِيرَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّعْظِيمِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِ مَسْعُودٍ: «كُنَيْفٌ مُلِئَ عِلْمًا» وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ قَالَ كَذَا يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ يَكْفُرُ (٦٠) قَوْلُهُ: وَفِي قَوْلِهِ مُسَيْجِدٌ بِتَصْغِيرِ الْمَسْجِدِ خِلَافٌ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُولُوا مُسَيْجِدًا وَلَا مُصَيْحِفًا» . (٦١) قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ لَا أَيْ لَا يَكْفُرُ وَفِي الْقُنْيَةِ لَوْ قَالَ رُوَيْحُكَ فِي النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ.

стр. 663

وَقِيلَ لَا ٦٣ - وَلَوْ قَالَ لَمْ يَعْصُوا حَالَ النُّبُوَّةِ وَقَبْلَهَا كَفَرَ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ النُّصُوصَ ــ [غمز عيون البصائر] قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا أَيْ لَا يَكْفُرُ يُنْظَرُ وَجْهُ عَدَمِ الْكُفْرِ (٦٣) قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ لَمْ يَعْصُوا حَالَ النُّبُوَّةِ إلَخْ أَقُولُ: هَذَا مُشْكِلٌ بِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَالنُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ مَذْكُورَةٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَأُجِيبَ بِحَمْلِ الْقَوْلِ بِكُفْرِهِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْقَائِلُ مِنْ الْعَوَامّ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ إلَّا ظَوَاهِرَ النُّصُوصِ وَأَمَّا إذَا كَانَ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهَا مُؤَوَّلَةٌ وَلَيْسَتْ ظَوَاهِرُهَا بِمُرَادَةٍ فَلَا يَكْفُرُ (انْتَهَى) . أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يُعْذَرُ فِي الْجَهْلِ فِي بَابِ الْمُكَفِّرَاتِ وَاَللَّهُ الْهَادِي إلَى سَبِيلِ الْخَيْرَاتِ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِمَا يُؤَوَّلُ إلَى هَذَا الْجَوَابِ مَعَ قُصُورٍ، فَقَالَ: مُرَادُهُمْ بِقَوْلِهِمْ يَكْفُرُ مَنْ قَالَ: لَمْ يَعْصُوا الْمَعْصِيَةَ الثَّابِتَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] ؛ لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلنَّصِّ وَيَكْفُرُ مَنْ أَرَادَ بِالْمَعْصِيَةِ الْكَبِيرَ (انْتَهَى) . أَقُولُ: إنَّمَا يَكُونُ تَكْذِيبًا لِلنَّصِّ إذَا قَالَ الْقَائِلُ مِنْ الْعَوَامّ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ إلَّا ظَوَاهِرَ النُّصُوصِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْجَهْلَ عُذْرٌ فِي بَابِ الْمُكَفِّرَاتِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَاَللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ السِّرَّ وَالنَّجْوَى، فَلَمْ يَتِمَّ الْجَوَابُ وَاَللَّهُ الْهَادِي إلَى الصَّوَابِ. وَاَلَّذِي قَامَ فِي نَفْسِي وَأَدَّى إلَيْهِ حَدْسِي أَنَّ هَذَا الْفَرْعَ دَخِيلٌ عَلَى أَهْلِ الْمَذْهَبِ إذْ لَا يُظَنُّ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ يَذْهَبُ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْمِيمَ سَقَطَتْ مِنْ ثَنَايَا الْأَقْلَامِ فَأَوْجَبَتْ فَسَادَ الْكَلَامِ وَإِنَّ الْأَصْلَ كَانَ وَلَوْ قَالَ الْأَنْبِيَاءُ لَمْ يُعْصَمُوا حَالَ النُّبُوَّةِ وَقَبْلَهَا كَفَرَ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ النُّصُوصَ وَالرَّادُّ بِالنُّصُوصِ حِينَئِذٍ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى عِصْمَتِهِمْ الْمَذْكُورَةِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَاَللَّهُ الْهَادِي إلَى بُلُوغِ الْمَرَامِ وَقَدْ أَلَّفْنَا فِي تَحْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِسَالَةً سَمَّيْنَاهَا إتْحَافُ الْأَذْكِيَاءِ بِتَحْرِيرِ مَسْأَلَةِ عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ فَلْيُرَاجِعْهَا مَنْ أَرَادَ، وَاَللَّهُ الْهَادِي لِلسَّدَادِ

стр. 664

إذَا لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ ــ [غمز عيون البصائر] قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ مُحَمَّدًا آخِرَ الْأَنْبِيَاءِ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ يَعْنِي وَالْجَهْلُ بِالضَّرُورِيَّاتِ فِي بَابِ الْمُكَفِّرَاتِ لَا يَكُونُ عُذْرًا بِخِلَافِ غَيْرِهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ عُذْرًا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 665

كِتَابُ اللَّقِيطِ وَاللُّقَطَةِ وَالْآبِقِ وَالْمَفْقُودِ ١ - يُجْعَلُ الْجُعْلُ لِرَادِّ الْآبِقِ ٢ - إلَّا إذَا رَدَّهُ مِنْ عِيَالِ السَّيِّدِ ــ [غمز عيون البصائر] [كِتَابُ اللَّقِيطِ وَاللُّقَطَةِ وَالْآبِقِ وَالْمَفْقُودِ] قَوْلُهُ كِتَابُ اللَّقِيطِ إلَخْ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الْعَجَبُ مِنْ الْمُصَنِّفِ ﵀ قَدْ تَرْجَمَ الْأَرْبَعَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ اللَّقِيطِ وَالْمَفْقُودِ وَلَعَلَّهُ لَمْ يُبَيِّضْ الْكِتَابَ وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ الِانْتِخَابُ (١) قَوْلُهُ: يُجْعَلُ الْجُعْلُ لِرَادِّ الْآبِقِ يَعْنِي إذَا رَدَّ الْآبِقَ مِنْ مَسِيرَةِ السَّفَرِ فَصَاعِدًا وَكَانَ عِنْدَ الْأَخْذِ قَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَهُ لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ لَا لِنَفْسِهِ، فَقَدْ وَجَبَ الْجُعْلُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَالْجُعْلُ مَا يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ عَلَى عَمَلِهِ، وَإِنْ رَدَّهُ لِأَقَلَّ مِنْ مُدَّةِ السَّفَرِ فَلَهُ مِنْ الْجُعْلِ بِحِسَابِ ذَلِكَ، شَرَطَ ذَلِكَ عَلَى مَوْلَاهُ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يَجِبُ الْجُعْلُ لِلرَّادِّ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ عَلَى الْمَوْلَى، وَهُوَ الْقِيَاسُ وَالْإِشْهَادُ عِنْدَ الْأَخْذِ قَوْلُهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ﵀ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ الْجُعْلِ إذَا لَمْ يُشْهِدُوا فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ إذَا هَلَكَ وَيَكْفِيه فِي الْإِشْهَادِ أَنْ يَقُولَ: مَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَنْشُدُ لُقَطَةً فَدُلُّوهُ عَلَيَّ وَفِي الْخَانِيَّةِ: هَذَا الْخِلَافُ فِي الْإِشْهَادِ فِيمَا إذَا أَمْكَنَهُ، أَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ عِنْدَ الدَّفْعِ أَوْ خَافَ أَنَّهُ لَوْ أَشْهَدَ يَأْخُذُهُ مِنْهُ الظَّالِمُ، فَتَرَكَ الْإِشْهَادَ لَا يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ كَذَا فِي الْمَنْبَعِ شَرْحِ الْمَجْمَعِ. (٢) قَوْلُهُ: إلَّا إذَا رَدَّهُ مَنْ فِي عِيَالِ السَّيِّدِ اعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ اسْتِحْقَاقِ الرَّادِّ الْجُعْلَ أَنْ لَا يَكُونَ الرَّادُّ فِي عِيَالِ الْمَالِكِ، إذْ لَوْ كَانَ الرَّادُّ فِي عِيَالِهِ لَا جُعْلَ لَهُ وَارِثًا كَانَ أَوْ أَجْنَبِيًّا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ، لَهُ الْجُعْلُ وَارِثًا كَانَ أَوْ أَجْنَبِيًّا، إلَّا الْوَلَدَ وَأَحَدَ الزَّوْجَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ بِرَدِّ الْآبِقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ مِنْ الْوَلَدِ يَجْرِي مَجْرَى الْخِدْمَةِ لِأَبِيهِ وَالْوَلَدُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِالْخِدْمَةِ لِأَبِيهِ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ وَلَدَهُ لِيَخْدُمَهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِخِلَافِ الْأَبِ وَكَذَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ إذَا رَدَّ الْآبِقَ فَقَدْ رَدَّ عَبْدَ نَفْسِهِ لِجَرَيَانِ الِانْتِفَاعِ بَيْنَهُمَا عَادَةً، وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ

стр. 666

أَوْ رَدَّهُ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ مُطْلَقًا ٤ - أَوْ الِابْنُ إلَى أَحَدِهِمَا ٥ - أَوْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ، أَوْ وَصِيُّ الْيَتِيمِ أَوْ مَنْ يَعُولُهُ أَوْ مَنْ اسْتَعَانَ بِهِ مَالِكُهُ فِي رَدِّهِ إلَيْهِ أَوْ رَدَّهُ السُّلْطَانُ ٦ - أَوْ الشِّحْنَةُ ــ [غمز عيون البصائر] وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ وَأَمَّا الْأَبُ إذَا كَانَ فِي عِيَالِ وَلَدِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ يَسْتَحِقُّهُ وَلِهَذَا لَوْ خَدَمَ الِابْنَ بِالْإِجَارَةِ وَجَبَ الْأَجْرُ فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْخِدْمَةِ فَيُحْمَلُ عَلَى طَلَبِ الْأَجْرِ وَعَلَى هَذَا سَائِرُ ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنْ الْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْخَالِ وَغَيْرِهِمْ إنْ كَانَ الرَّادُّ فِي عِيَالِ الْمَالِكِ لَا جُعْلَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ فَلَهُ الْجُعْلُ وَعَلَى هَذَا الْوَصِيُّ إذَا رَدَّ عَبْدَ الْيَتِيمِ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الْمَالِ يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ وَكَذَا كُلُّ مَنْ يَعُولُ صَغِيرًا، وَكَذَا لَا جُعْلَ لِلسُّلْطَانِ إذَا رَدَّ آبِقًا. الْجُمْلَةُ مِنْ الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ وَالْبَدَائِعِ وَالْحَقَائِقِ. (٣) قَوْلُهُ: أَوْ رَدَّهُ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي عِيَالِ الِابْنِ أَوْ لَا. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْأَبَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِ الِابْنِ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِنْ شَرْحِ الْمَجْمَعِ، فَلَا وَجْهَ لِهَذَا الْإِطْلَاقِ. (٤) قَوْلُهُ: أَوْ الِابْنُ إلَى أَحَدِهِمَا يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ فِي عِيَالِهِ أَوْ لَا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ شَرْحِ الْمَجْمَعِ. (٥) قَوْلُهُ: أَوْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ رَدَّ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ رَدٌّ عَلَى نَفْسِهِ لِجَرَيَانِ الِانْتِفَاعِ بَيْنَهُمَا عَادَةً كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ شَرْحِ الْمَجْمَعِ. (٦) قَوْلُهُ: أَوْ الشِّحْنَةُ فِي الْقَامُوسِ: الشِّحْنَةُ بِالْكَسْرِ مَنْ فِيهِ الْكِفَايَةُ لِضَبْطِ الْبَلَدِ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ (انْتَهَى) . وَفِي ذَيْلِ دُرَّةِ الْغَوَّاصِ لِابْنِ الْجَوَالِيقِيِّ الشِّحْنَةُ بِكَسْرِ الشِّينِ وَلَا تُفْتَحُ اسْمٌ لِلرَّابِطِ مِنْ الْخَيْلِ فِي الْبَلَدِ لِضَبْطِ أَهْلِهِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السُّلْطَانِ، وَلَيْسَ بِاسْمِ الْأَمِيرِ كَمَا تَذْهَبُ إلَيْهِ الْعَامَّةُ وَالنِّسْبَةُ مِنْهُ شِحَنِيٌّ وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ وَاشْتِقَاقُهَا

стр. 667

أَوْ الْخَفِيرُ. ٨ - فَالْمُسْتَثْنَى عَشْرَةٌ مِنْ إطْلَاقِ الْمُتُونِ ٩ - لَوْ أَرَادَ الْمُلْتَقِطُ الِانْتِفَاعَ بِهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَكَانَ غَنِيًّا ١٠ - لَمْ يَحِلَّ لَهُ ــ [غمز عيون البصائر] مِنْ شَحَنْت الْبَلَدَ بِالْخَيْلِ أَيْ مَلَأْته (انْتَهَى) . أَقُولُ: اسْتِعْمَالُ الْعَامَّةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُحَاوَرَاتِ وَالْمُحَاوَرَةُ ضَرْبٌ مِنْ الْمَجَازِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمَجَازَ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِ السَّمَاعُ فَارْتَفَعَ النِّزَاعُ فَتَدَبَّرْ. (٧) قَوْلُهُ: أَوْ الْخَفِيرُ فِي الْقَامُوسِ الْخَفِيرُ الْمُجَارُ وَالْمُجِيرُ مِنْ خَفَرَهُ أَجَارَهُ وَالْمُرَادُ بِهِ هَهُنَا الْحَارِسُ، وَقَوْلُهُ فِي الْقَامُوسِ الْمُجَارُ وَالْمُجِيرُ يُشِيرُ بِهِ إلَى أَنَّ فَعِيلًا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فَيَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ بِالْقَرِينَةِ. (٨) قَوْلُهُ: فَالْمُسْتَثْنَى عَشْرَةٌ إلَخْ أَقُولُ يُزَادُ عَلَيْهَا أَمِيرَ الْقَافِلَةِ إذَا رَدَّ الْآبِقَ كَمَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْقُهُسْتَانِيِّ (٩) قَوْلُهُ: لَوْ أَرَادَ الْمُلْتَقِطُ الِانْتِفَاعَ بِهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ إلَخْ تَعْرِيفُ اللُّقَطَةِ هُوَ الْمُنَادَاةُ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْمَسَاجِدِ وَالشَّوَارِعِ: مَنْ ضَاعَ لَهُ شَيْءٌ فَلْيَطْلُبْهُ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّعْرِيفِ وُصُولُهُ إلَى الْمَالِكِ، وَالتَّعْرِيفُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَبْلُغُ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي مُدَّةِ التَّعْرِيفِ فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ تَعْرِيفُهَا حَوْلًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ وَقِيلَ: إنْ بَلَغَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَمَا فَوْقَهَا يُعَرِّفُهَا حَوْلًا وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْنِ فَوْقَ الْعَشَرَةِ يُعَرِّفُهَا شَهْرًا، وَإِنْ كَانَتْ عَشْرَةً يُعَرِّفُهَا جُمُعَةً، وَإِنْ كَانَتْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ يُعَرِّفُهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَ دِرْهَمًا يُعَرِّفُهَا يَوْمًا، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً تَصَدَّقَ بِهَا مَكَانَهَا، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا أَكَلَهَا مَكَانَهَا. كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا تُكَمَّلُ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ إذَا كَانَتْ اللُّقْطَةُ مِمَّا لَا يَتَسَارَعُ إلَيْهَا الْفَسَادُ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَتَسَارَعُ إلَيْهَا الْفَسَادُ لَمْ تُكَمَّلْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَقَادِيرِ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَيُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْمُلْتَقِطِ يُعَرِّفُهَا إلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَصْبَ الْمَقَادِيرِ لَا يَكُونُ بِالرَّأْيِ (١٠) قَوْلُهُ: لَمْ يَحِلَّ لَهُ يَعْنِي وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ بَلْ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى أَجْنَبِيٍّ

стр. 668

وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَكَذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ ١٢ - الصَّبِيُّ فِي الِالْتِقَاطِ كَالْبَالِغِ، ١٣ - وَالْعَبْدُ كَالْحُرِّ ١٤ - وَإِنْ رَدَّ الْعَبْدُ الْآبِقَ فَالْجُعْلُ لِمَوْلَاهُ. ــ [غمز عيون البصائر] أَوْ أَبَوَيْهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ بِهَا إنْ كَانَتْ نَفْلًا فَدَفْعُ صَدَقَةِ النَّفْلِ إلَى هَؤُلَاءِ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً فَهُوَ جَائِزَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُلْتَقِطَ نَائِبٌ فِي الدَّفْعِ عَنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ بِدَافِعٍ عَنْ نَفْسِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَجُوزُ لِلْغَنِيِّ صَرْفُهَا إلَى نَفْسِهِ (١١) قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَكَذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي إلَخْ يَعْنِي وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ فَقِيرًا إنْ أَذِنَ الْقَاضِي لَهُ أَنْ يُنْفِقَهَا عَلَى نَفْسِهِ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ وَلَا يَحِلُّ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ بِشْرٌ: يَحِلُّ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ بَاعَهَا الْفَقِيرُ وَأَنْفَقَ الثَّمَنَ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ صَارَ غَنِيًّا لَمْ يَتَصَدَّقْ بِمِثْلِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ أَيْضًا: وَمَنْ اتَّخَذَ بُرْجَ حَمَامٍ فَمَا يَأْخُذُ مِنْهُ مِنْ فِرَاخِهَا يَصْرِفُ إلَى نَفْسِهِ فَقِيرًا أَوْ إلَى غَيْرِهِ غَنِيًّا وَحَلَّ شِرَاؤُهُ مِنْ الْفَقِيرِ كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْقُهُسْتَانِيِّ (١٢) قَوْلُهُ: الصَّبِيُّ فِي الِالْتِقَاطِ كَالْبَالِغِ أَيْ فِي صِحَّتِهِ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُهُسْتَانِيُّ: الْبَالِغُ وَالصَّبِيُّ سَوَاءٌ فِي الضَّمَانِ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ، فَإِنْ أَشْهَدَ أَبَاهُ أَوْ وَصِيَّهُ عَرَّفَ ثُمَّ تَصَدَّقَ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ (انْتَهَى) . وَفِي الْقُنْيَةِ: صَبِيٌّ وَجَدَ لُقَطَةً فَأَشْهَدَ أَبَاهُ أَوْ وَصِيَّهُ وَعَرَّفَهَا مُدَّةَ تَعْرِيفِهَا فَلَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا وَفِيهَا وَجَدَ الصَّبِيُّ لُقَطَةً وَلَمْ يُشْهِدْ يَضْمَنُ كَالْبَالِغِ. (١٣) قَوْلُهُ: وَالْعَبْدُ كَالْحُرِّ أَيْ فِي صِحَّةِ الِالْتِقَاطِ قَالَ فِي النُّقَايَةِ: لَوْ الْتَقَطَ الْعَبْدُ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ يَجُوزُ عِنْدَك. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ تَعَالَى فِي الْبَحْرِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ إلَى مَوْلَاهُ كَالصَّبِيِّ بِجَامِعِ الْحَجْرِ فِيهِمَا أَمَّا الْمَأْذُونُ وَالْمُكَاتَبُ فَالتَّعْرِيفُ إلَيْهِمَا (١٤) قَوْلُهُ: وَإِنْ رَدَّ الْعَبْدُ الْآبِقَ فَالْجُعْلُ لِمَوْلَاهُ أَيْ وَإِنْ رَدَّ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ الْعَبْدَ الْآبِقَ فَالْجُعْلُ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ وَإِنْ مَلَكَ قُلْت: فَلَوْ كَانَ مَأْذُونًا أَوْ مُكَاتَبًا فَالظَّاهِرُ الْجُعْلُ لَهُ.

стр. 669

إنْ أَشْهَدَ رَادُّ الْآبِقِ أَنَّهُ أَخَذَهُ لِيَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ، انْتَفَى الضَّمَانُ عَنْهُ وَاسْتَحَقَّ الْجُعْلَ ١٦ - وَإِلَّا فَلَا فِيهِمَا ــ [غمز عيون البصائر] (١٥) قَوْلُهُ: إنْ أَشْهَدَ رَادُّ الْآبِقِ إلَخْ مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ فَكَانَ الْأَوْلَى إنْ يَأْتِيَ بِوَاوِ الِاسْتِئْنَافِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (١٦) قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا فِيهِمَا أَيْ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ لَمْ يَنْتَفِ الضَّمَانُ عَنْهُ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْجُعْلَ وَقَوْلُهُ فِيهِمَا أَيْ فِي انْتِفَاءِ الضَّمَانِ وَفِي اسْتِحْقَاقِ الْجُعْلِ

стр. 670

كِتَابُ الشَّرِكَةِ ١ - الْفَتْوَى عَلَى جَوَازِهَا بِالْفُلُوسِ. ٢ - التِّبْرُ لَا يَصْلُحُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ يَجْرِي مَجْرَى النُّقُودِ ٣ - لِلْمُفَاوِضِ الْعَقْدُ مَعَ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ ــ [غمز عيون البصائر] [كِتَابُ الشَّرِكَةِ] قَوْلُهُ: الْفَتْوَى عَلَى جَوَازِهَا بِالْفُلُوسِ يَعْنِي النَّافِقَةَ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالْمَشْهُورُ مِنْ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ كَمَا فِي الْمُغْنِي وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ وَقَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ ﵀ فِي الْمَبْسُوطِ: إنَّهَا تَصِحُّ بِهِ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَثْمَانًا بِاصْطِلَاحِ النَّاسِ كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْقُهُسْتَانِيِّ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ عَلَى جَوَازِهَا يَرْجِعُ لِلشَّرِكَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّرْجَمَةِ بِمَعْنَى الشَّرِكَةِ فِي أَمْوَالٍ لَا بِمَعْنَى مُطْلَقِ الشَّرِكَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِخْدَامِ. (٢) قَوْلُهُ: التِّبْرُ لَا يَصْلُحُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ يَجْرِي مَجْرَى النُّقُودِ أَيْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْ النُّقُودِ فِي الشَّرِكَةِ بِالْأَمْوَالِ إلَّا بِاصْطِلَاحِ النَّاسِ وَالتِّبْرُ جَوْهَرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قَبْلَ الضَّرْبِ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَعْدِنِيَّاتِ كَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَأَكْثَرُ اخْتِصَاصِهِ بِالذَّهَبِ: وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ فِي الذَّهَبِ حَقِيقَةً وَفِي غَيْرِهِ مَجَازًا كَمَا قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَمَعْنَى جَرَيَانِهِ مَجْرَى النُّقُودِ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ مَوْكُولٌ إلَى تَعَامُلِ النَّاسِ فَإِنْ كَانُوا يَتَعَامَلُونَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَثْمَانِ الْمُطْلَقَةِ فَتَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِهِ، وَإِلَّا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْعُرُوضِ فَلَا تَجُوزُ فِيهِ الشَّرِكَةُ وَذَكَرَ فِي النُّقَايَةِ النُّقْرَةَ فَقَالَ: وَالتِّبْرُ وَالنُّقْرَةُ إنْ تَعَامَلَ النَّاسُ بِهِمَا وَالنُّقْرَةُ الْقِطْعَةُ الْمُذَابَةُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ بِهِمَا لَكِنَّ الْمُرَادَ بِالنُّقْرَةِ غَيْرُ الْمَضْرُوبَةِ فَهِيَ مُسْتَدْرَكَةٌ بِالتِّبْرِ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ ﵀ تَعَالَى تَبَعًا لِصَاحِبِ الْكَافِي (٣) قَوْلُهُ: لِلْمُفَاوِضِ الْعَقْدُ مَعَ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْفَصْلِ الثَّالِثِ: بَيْعُ الْمُفَاوِضِ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ يَنْفُذُ عَلَى الْمُفَاوَضَةِ أَمَّا الْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ فَلَا يَنْفُذُ عِنْدَهُ (انْتَهَى) . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبَيْعَ لَيْسَ قَيْدًا فِي كَلَامِ الْبَزَّازِيَّةِ. بَقِيَ الْكَلَامُ فِي أَنَّ الْمُفَاوِضَ هَلْ هُوَ قَيْدٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ﵀ -
следующие страницы →