← Фикх малики

Фикх малики · id 21589

الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني

النفراوي

Полный текст (778 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الثَّوْبِ وَلَا تُعَادُ الصَّلَاةُ: إلَّا مِنْ كَثِيرِهِ وَقَلِيلُ كُلِّ نَجَاسَةٍ غَيْرِهِ وَكَثِيرُهَا سَوَاءٌ وَدَمُ الْبَرَاغِيثِ لَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ إلَّا أَنْ يَتَفَاحَشَ. ــ [الفواكه الدواني] مَكَانَهُ إنْ أَمْكَنَهُ، وَإِنَّ مُدْرِكَ رَكْعَةٍ مِنْ الْجُمُعَةِ سَوَاءٌ كَانَ أَدْرَكَهَا قَبْلَ الرُّعَافِ أَوْ يَعْتَقِدُ إدْرَاكَهَا بَعْدَ رُجُوعِهِ يَطْلُبُ بِالرُّجُوعِ، وَلَوْ ظَنَّ فَرَاغَ الْإِمَامِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَمَنْ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ أَخْطَأَ ظَنُّهُ. ١ - الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الرُّعَافِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَفِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَطْمَعَ فِي انْقِطَاعِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، بِحَيْثُ يَبْقَى مِنْهُ مَا يَسَعُ الطَّهَارَةَ وَأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَوْ رَكْعَةً بِنَاءً عَلَى مَا يُدْرَكُ بِهِ لِوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ، وَفِي هَذَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ. وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَظُنَّ دَوَامَهُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، وَفِي هَذَا يُصَلِّي مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، كَمَا يُصَلِّي مَعَ نُزُولِ الدَّمِ آخِرَ الْوَقْتِ إذَا لَمْ يَنْقَطِعْ، بِأَنْ تَخَلَّفَ ظَنُّهُ وَضَاقَ الْوَقْتُ وَهُوَ نَازِلٌ، وَيُصَلِّي بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ مَعَ الْإِمْكَانِ، وَأَمَّا لَوْ تَضَرَّرَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِضَرَرٍ بِجِسْمِهِ أَوْ لِلْخَوْفِ عَلَى تَلَطُّخِ ثِيَابِهِ الَّتِي يُفْسِدُهَا الْغُسْلُ صَلَّى بِالْإِيمَاءِ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ يُفْهَمَانِ مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنْ رَعَفَ قَبْلَهَا وَدَامَ آخَرُ لِآخِرِ الِاخْتِيَارِيِّ وَصَلَّى؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ آخِرَ أَنَّهُ يُرْجَى انْقِطَاعُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَرْجُ الِانْقِطَاعَ يُصَلِّي مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ السَّائِلِ وَالْقَاطِرِ وَالرَّاشِحِ. الثَّالِثُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِلْمَسْبُوقِ الَّذِي يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ وَيَحْصُلُ لَهُ الرُّعَافُ أَوْ نَحْوُهُ مِمَّا يُوجِبُ فَوَاتَ رَكْعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ بَعْدَ الدُّخُولِ مَعَ الْإِمَامِ بِحَيْثُ يَجْتَمِعُ فِي صَلَاتِهِ الْقَضَاءُ وَالْبِنَاءُ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِذَا اجْتَمَعَ قَضَاءٌ وَبِنَاءٌ لِرَاعِفٍ أَدْرَكَ الْوُسْطَيَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا، أَوْ الْحَاضِرُ أَدْرَكَ ثَانِيَةَ صَلَاةِ مُسَافِرٍ أَوْ خَوْفٍ بِحَضَرٍ قَدَّمَ الْبِنَاءَ وَجَلَسَ فِي آخِرِ الْإِمَامِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ثَانِيَتَهُ، وَلَمَّا كَانَ الرُّعَافُ مَظِنَّةً لِإِصَابَةِ الدَّمِ نَاسَبَ التَّعَرُّضُ لِحُكْمِ غَسْلِهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُغْسَلُ) نَدْبًا (قَلِيلُ الدَّمِ) وَلَوْ مِنْ غَيْرِ رُعَافٍ، كَدَمِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ وَمِثْلُهُ الْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ (مِنْ الثَّوْبِ) أَوْ الْجَسَدِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَلِيلِ أَقَلُّ مِنْ دِرْهَمٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَعَفَا عَنْ دُونِ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ مُطْلَقًا وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ، وَالْمُرَادُ بِالدِّرْهَمِ الدِّرْهَمُ الْبَغْلِيُّ وَهُوَ قَدْرُ الدَّائِرَةِ الَّتِي تَكُونُ بِبَاطِنِ ذِرَاعِ الْبَغْلِ، وَمَفْهُومُ مِنْ الثَّوْبِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمُصَلِّي أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ طَعَامًا لِنَجَسِهِ وَلَوْ قَلَّ، فَالْعَفْوُ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَيَنْجُسُ كَثِيرُ طَعَامٍ مَائِعٍ بِنَجَسٍ وَلَوْ قَلَّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا نَدْبًا لِقَوْلِهِ: (وَلَا تُعَادُ الصَّلَاةُ) مَعَ مُلَابَسَةِ الدَّمِ (إلَّا مِنْ كَثِيرِهِ) وَهُوَ مَا كَانَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ مَسَّاحَةً لَا وَزْنًا، وَالْأَثَرُ وَالْعَيْنُ سَوَاءٌ فِي الْعَفْوِ عَنْ الْقَلِيلِ وَوُجُوبِ الْغُسْلِ فِي الْكَثِيرِ، فَإِنْ صَلَّى بِالْكَثِيرِ أَعَادَ مَعَ الْعَمْدِ أَوْ الْجَهْلِ أَبَدًا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَنَدْبًا فِي الْوَقْتِ مَعَ الْعَجْزِ أَوْ النِّسْيَانِ أَوْ الْعَمْدِ عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ، وَفِي الْوَقْتِ عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ مُطْلَقًا، أَوْ عِنْدَ الْعَجْزِ أَوْ النِّسْيَانِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ بَدَنَ الْإِنْسَانِ كَالْقِرْبَةِ الْمَمْلُوءَةِ مَاءً وَهِيَ لَا تَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ رَشْحٍ، وَقَدْ قَالَ خَلِيلٌ: وَعُفِيَ عَمَّا يُعْسِرُ، وَأَمَّا نَحْوُ الْبَوْلِ أَوْ الْمَنِيِّ فَيَجِبُ غَسْلُ قَلِيلِهِ كَكَثِيرِهِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَقَلِيلُ كُلِّ نَجَاسَةٍ غَيْرِهِ) أَيْ الدَّمِ (وَكَثِيرُهَا سَوَاءٌ) فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ وَلَوْ كَرُءُوسِ الْإِبَرِ. (وَ) مِمَّا يُعْفَى عَنْهُ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ (دَمُ الْبَرَاغِيثِ) أَيْ خَرْؤُهَا وَمِثْلُهَا الْقَمْلُ وَالْبَقُّ وَالْبَعُوضُ. (لَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ) لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا (إلَّا أَنْ يَتَفَاحَشَ) بِحَيْثُ يَسْتَحْيِ أَنْ يَجْلِسَ بِهِ بَيْنَ أَقْرَانِهِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ غَسْلُهُ، إلَّا أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى ذَلِكَ فِي حَالِ الصَّلَاةِ فَلَا يَنْدُبُ غَسْلُهُ إذْ لَا يُقْطَعُ الْفَرْضُ لِمَنْدُوبٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَنَدَبَ غَسْلُ مَا يُعْفَى عَنْهُ عِنْدَ تَفَاحُشِهِ كَدَمِ بَرَاغِيثَ إلَّا فِي صَلَاةٍ، وَفَسَّرْنَا دَمَ الْبَرَاغِيثِ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا بِخَرْئِهَا؛ لِأَنَّ دَمَهَا الْحَقِيقِيَّ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا، وَيَجِبُ غَسْلُ الْكَثِيرِ وَلَوْ مِنْ سَمَكٍ وَذُبَابٍ. (خَاتِمَةٌ) ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ ضَابِطًا كُلِّيًّا لِمَا يُعْفَى عَنْهُ مِمَّا هُوَ مُحَقَّقُ النَّجَاسَةِ أَوْ مَظْنُونُهَا بِقَوْلِهِ: وَعُفِيَ عَمَّا يُعْسِرُ كَحَدَثٍ مُسْتَنْكَحٍ وَبَلَلِ بَاسُورٍ فِي يَدٍ أَوْ ثَوْبٍ إنْ كَثُرَ الدَّمُ، وَثَوْبِ مُرْضِعَةٍ تَجْتَهِدُ، وَدُونَ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ مُطْلَقًا، وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ، وَبَوْلِ فَرَسٍ لِفَارٍّ بِأَرْضِ حَرْبٍ وَأَثَرِ ذُبَابٍ مِنْ عُذْرَةٍ وَمَوْضِعِ حِجَامَةِ سَطْحٍ وَكَطِينِ مَطَرٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْعُذْرَةُ بِالْمُصِيبِ وَلَمْ تَغْلِبْ وَذَيْلِ امْرَأَةٍ مُطَالٍ لِلسِّتْرِ وَرِجْلٍ بُلَّتْ يَمُرَّانِ بِنَجِسٍ يَبِسٍ يَطْهُرَانِ بِمَا بَعْدَهُ وَخُفٍّ وَنَعْلٍ مِنْ رَوْثِ دَوَابَّ وَأَبْوَالِهَا إنْ دُلِّكَا بِغَيْرِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ وَالنَّعْلَ وَالْقَدَمَ وَالْمَخْرَجَانِ وَمَوْضِعَ الْحِجَامَةِ وَالسَّيْفَ الصَّقِيلَ يُجْزِي فِيهَا زَوَالُ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ. [بَاب فِي سُجُود الْقُرْآن] وَلَمَّا كَانَتْ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ دَاخِلَةً فِي حَقِيقَةِ الصَّلَاةِ لِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي حَقِيقَةِ الصَّلَاةِ: قُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَسَلَامٍ أَوْ سُجُودٍ فَقَطْ. ذَكَرَهَا فِي عَقِبِ الْبَابِ الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ فَقَالَ

стр. 247

بَابٌ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ وَسُجُودُ الْقُرْآنِ إحْدَى عَشْرَ سَجْدَةً، وَهِيَ الْعَزَائِمُ لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ فِي النَّصِّ عِنْدَ قَوْلِهِ ــ [الفواكه الدواني] (بَابٌ فِي) بَيَانِ مَوَاضِعِ (سُجُودِ الْقُرْآنِ) وَيُتَرْجَمُ بِسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَهِيَ أَوْلَى مِنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ التِّلَاوَةَ أَخَصُّ مِنْ الْقِرَاءَةِ، لِأَنَّ التِّلَاوَةَ لَا تَكُونُ فِي كَلِمَةِ وَاحِدَةٍ، وَالْقِرَاءَةَ تَكُونُ فِيهَا، وَالسُّجُودُ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ التِّلَاوَةِ لَا عِنْدَ مُجَرَّدِ قِرَاءَةِ كَلِمَةٍ أَوْ اثْنَتَيْنِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِحُكْمِ السُّجُودِ، وَفِيهِ خِلَافٌ، فَقِيلَ: سُنَّةٌ، وَقِيلَ: فَضِيلَةٌ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَقِلَّتِهِ، وَأَمَّا السُّجُودُ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ خِلَافًا لِمَنْ قَصَّرَهُ عَلَى السُّنِّيَّةِ، وَالْمَطْلُوبُ مِنْ السُّجُودِ إيجَادُ مَاهِيَّةِ السُّجُودِ، وَهِيَ تُوجَدُ فِي سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] فِي مَعْرَضِ الذَّمِّ فَيَدُلُّ عَلَى طَلَبِهِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِسُورَةٍ فِيهَا سَجْدَةٌ فَسَجَدَهَا سَجَدْنَا مَعَهُ» وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: «إذَا سَجَدَ الْإِنْسَانُ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي فَيَقُولُ: يَا وَيْلَتَاهُ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْت أَنَا بِالسُّجُودِ فَأَبَيْت فَلِي النَّارُ» وَأَجْمَعُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَلَوْ فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ اسْتَظْهَرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ عَدَمَ كُفْرِ مَنْ أَنْكَرَ مَشْرُوعِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا عُلِمَ حُكْمُهُ بِالضَّرُورَةِ، إذْ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَصَيْرُورَتِهِ مَعْلُومًا لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يُؤْمَرُ بِالسُّجُودِ الْقَارِئُ وَالْمُسْتَمِعُ وَالْمُعَلِّمُ وَالْمُتَعَلِّمُ، أَمَّا الْقَارِئُ فَيَسْجُدُ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ مِنْ طَهَارَةِ حَدَثٍ وَخُبْثٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ وَاسْتِقْبَالِ قِبْلَةٍ، وَفِي اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ نِزَاعٌ، وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ الْأُجْهُورِيُّ اشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ. وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا مُحَمَّدٍ: اسْتِحْبَابُ سُجُودِ الصَّبِيِّ وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ لِخِطَابِهِ بِمَا دُونَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي سُجُودِ الْقَارِئِ صَلَاحِيَّتُهُ لِلْإِمَامَةِ فَيَسْجُدُ الْفَاسِقُ وَالْمَرْأَةُ، وَأَمَّا الْمُسْتَمِعُ فَيَسْجُدُ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ جَلَسَ لِيَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ أَوْ أَحْكَامَهُ فَلَا يَسْجُدُ الْجَالِسُ لِابْتِغَاءِ الثَّوَابِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، كَمَا أَنَّ السَّامِعَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَا يَسْجُدُ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ الَّذِي جَلَسَ الْمُسْتَمِعُ لِيَسْمَعَ قُرْآنًا صَالِحًا لِلْإِمَامَةِ بِالْفِعْلِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَوَضِّئًا عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ اللَّخْمِيُّ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ أَوْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّقْيِيدِ أَنَّ الْمُسْتَمِعَ مِنْ الْعَاجِزِ يَسْجُدُ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَمِعُ قَادِرًا لِصَلَاحِيَّةِ الْعَاجِزِ عَنْ رُكْنٍ لِلْإِمَامَةِ لِمِثْلِهِ، وَيَقْتَضِي أَنَّ الْمُسْتَمِعَ الْمَكْرُوهَ الْإِمَامَةُ يَسْجُدُ، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْقَارِئُ جَلَسَ لِيُسْمِعَ النَّاسَ حُسْنَ قِرَاءَتِهِ، فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فَيَسْجُدُ الْمُسْتَمِعُ وَلَوْ تَرَكَ الْقَارِئُ السُّجُودَ، وَأَمَّا الْمُعَلِّمُ أَوْ الْمُتَعَلِّمُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا يَسْجُدَانِ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ كَالْقَارِئِ، وَالْمُعَلِّمُ وَالْمُتَعَلِّمُ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِمَا مَحَلُّ السُّجُودِ فَيَسْجُدَانِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، ١ - وَلَمَّا وَقَعَ خِلَافٌ فِي عَدَدِ السَّجَدَاتِ، بَيَّنَ الْمَشْهُورِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَسَجَدَاتُ الْقُرْآنِ إحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ) وَالْمُرَادُ بِالْمُفَصَّلِ مَا كَثُرَ تَفْصِيلُهُ بِالْبَسْمَلَةِ لِقِصَرِ سُوَرِهِ، وَأَوَّلُهُ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ الْحُجُرَاتِ إلَى آخِرِ الْقُرْآنِ، فَلَا يَسْجُدُ لِقِرَاءَةِ النَّجْمِ وَالِانْشِقَاقِ وَالْقَلَمِ. قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا ثَانِيَةَ الْحَجِّ وَالنَّجْمِ وَالِانْشِقَاقِ وَالْقَلَمِ. (وَهِيَ) أَيْ الْإِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً (الْعَزَائِمُ) أَيْ الْأَوَامِرُ بِمَعْنَى الْمَأْمُورِ بِالسُّجُودِ عِنْدَ قِرَاءَتِهَا، هَكَذَا قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ، وَقَالَ زَرُّوقٌ: الْعَزَائِمُ جَمْعُ عَزِيمَةٍ وَهِيَ الْمُتَأَكِّدَةُ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ بَيْنَ هَذَيْنِ التَّفْسِيرَيْنِ فِي سُجُودِ غَيْرِهَا مِنْ ثَانِيَةِ الْحَجِّ وَالنَّجْمِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يَسْجُدُ لَهُ عَلَى الْمَشْهُودِ، فَعَلَى تَفْسِيرِ الْأَقْفَهْسِيِّ: إنْ سَجَدَ عِنْدَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُقْتَدِيًا بِمَنْ يَسْجُدُ لَهَا، وَعَلَى تَفْسِيرِ زَرُّوقٍ لَا تَبْطُلُ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ هَذِهِ التَّفْرِقَةِ، بَلْ الظَّاهِرُ الِاسْتِوَاءُ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ بُطْلَانُ سُجُودِ السَّاجِدِ عَمْدًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدِيًا بِمَنْ يَرَى السُّجُودَ عِنْدَهَا، وَيَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَى الْعَزَائِمِ الْأُمُورُ الْمَطْلُوبَةُ لَا عَلَى وَجْهِ

стр. 248

﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وَهُوَ آخِرُهَا فَمَنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ فَإِذَا سَجَدَهَا قَامَ فَقَرَأَ مِنْ الْأَنْفَالِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا مَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ وَفِي الرَّعْدِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] وَفِي النَّحْلِ ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] وَفِي بَنِي إسْرَائِيلَ ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] وَفِي مَرْيَمَ ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وَفِي الْحَجِّ أَوَّلُهَا ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] وَفِي الْفُرْقَانِ ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] وَفِي الْهُدْهُدِ ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦] وَفِي الم تَنْزِيلُ: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥] وَفِي ص ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] وَقِيلَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] وَفِي حم تَنْزِيلُ ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] وَلَا يَسْجُدُ السَّجْدَةَ فِي التِّلَاوَةِ إلَّا عَلَى وُضُوءٍ وَيُكَبِّرُ لَهَا ــ [الفواكه الدواني] الرُّخْصَةِ؛ لِأَنَّ الْعَزِيمَةَ مَا قَابَلَتْ الرُّخْصَةَ، كَقَصْرِ الصَّلَاةِ وَفِطْرِ الْمُسَافِرِ وَمَسْحِ الْخُفِّ، فَهَذِهِ الْأَفْعَالُ لَا يُقَالُ لَهَا عَزَائِمُ، وَإِنَّمَا هِيَ رُخَصٌ جَمْعُ رُخْصَةٍ، وَسُمِّيَتْ بِالْعَزَائِمِ لِلْحَثِّ عَلَى فِعْلِهَا خَشْيَةَ تَرْكِهَا وَهُوَ مَكْرُوهٌ أُولَاهَا سَجْدَةٌ (فِي المص) الْأَعْرَافِ (عِنْدَ قَوْلِهِ) تَعَالَى: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وَهُوَ آخِرُهَا، فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ وَهُوَ آخِرُهَا غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ فَمَا بَالُهُ نَصَّ عَلَيْهِ؟ فَالْجَوَابُ: نَصَّ إمَّا لِتَنْبِيهِ الْجَاهِلِ بِأَنَّهُ آخِرُهَا أَوْ لِيُفَرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (فَمَنْ كَانَ) فِي حَالِ قِرَاءَةِ تِلْكَ السُّورَةِ (فِي صَلَاةٍ) فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً أَوْ قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ، وَلَوْ مَعَ تَعَمُّدِ قِرَاءَتِهَا فَإِنَّهُ يَسْجُدُهَا، وَإِنْ كُرِهَ تَعَمُّدُهَا بِالْفَرِيضَةِ، بَلْ وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ نَهْيِ حُرْمَةٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِّ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلصَّلَاةِ كَسُجُودِ السَّهْوِ الْمُقْبِلِ (فَإِذَا سَجَدَهَا قَامَ فَقَرَأَ) نَدْبًا (مِنْ الْأَنْفَالِ أَوْ غَيْرِهَا مَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ) قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ لِسَاجِدِ الْأَعْرَافِ قِرَاءَةٌ قَبْلَ رُكُوعِهِ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ لَا يَكُونُ إلَّا عَقِبَ قِرَاءَةٍ، فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِمَنْ قَرَأَ سَجْدَةَ الْأَعْرَافِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ سَجْدَةَ الْأَعْرَافِ قَدْ يُتَوَهَّمُ فِيهَا عَدَمُ جَوَازِ قِرَاءَةِ الْأَنْفَالِ أَوْ غَيْرِهَا، لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ تَعَدُّدِ السُّورَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي صَلَاةٍ: أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ سَجْدَةَ الْأَعْرَافِ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ كَالتَّالِي لِحِزْبِهِ مَثَلًا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ بَعْدَ السُّجُودِ أَنْ يَقْرَأَ مِنْ غَيْرِهَا إلَّا بِقَصْدِ التِّلَاوَةِ (وَ) ثَانِيَتُهَا: (فِي الرَّعْدِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] وَفِي هَذِهِ مَدَحَ السَّاجِدِينَ (وَ) ثَالِثَتُهَا: (فِي النَّحْلِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ [النحل: ٥٠] أَيْ عَذَابَ رَبِّهِمْ ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] فَالْفَوْقِيَّةُ فَوْقِيَّةُ قَهْرٍ لِاسْتِحَالَةِ الْحِسِّيَّةِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى. (وَ) رَابِعَتُهَا: (فِي بَنِي إسْرَائِيلَ) وَهِيَ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] وَفِي هَذِهِ أَيْضًا الْمَدْحُ لِلسَّاجِدِينَ (وَ) خَامِسَتُهَا: (فِي مَرْيَمَ) عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وَفِيهِ مَدْحٌ لِلسَّاجِدِينَ أَيْضًا. (وَ) سَادِسَتُهَا: (فِي الْحَجِّ أَوَّلُهَا) بَدَلٌ مِنْ الْحَجِّ (عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] فَفِيهِ ذَمٌّ لِمَنْ لَمْ يَسْجُدْ وَيُسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ أَوَّلُهَا بِذِكْرِ الْآيَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَكَرَهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الَّتِي فِي آخِرِ السُّورَةِ فَإِنَّهُ لَا يَسْجُدُ لَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا قَدَّمْنَا. (وَ) سَابِعَتُهَا: (فِي الْفُرْقَانِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] وَفِيهِ ذَمٌّ لِلتَّارِكِينَ. (وَ) ثَامِنَتُهَا: (فِي) سُورَةِ (الْهُدْهُدِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦] وَفِيهِ تَوْحِيدٌ لِلْبَارِّي . (وَ) تَاسِعَتُهَا: (فِي الم تَنْزِيلُ) السَّجْدَةِ (عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥] وَفِيهِ مَدْحٌ لِلسَّاجِدِينَ. (وَ) عَاشِرَتُهَا: (فِي ص عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ﴾ [ص: ٢٥] كَالْجَزَاءِ عَلَى السُّجُودِ، وَهَلْ يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ السُّجُودِ لِتَقَدُّمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ؟ (وَقِيلَ) مَحَلُّهُ (عِنْدَ قَوْلِهِ) تَعَالَى: ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] وَفِيهِ مَدْحٌ أَيْضًا. (وَ) حَادِي عَشْرَتَهَا: (فِي حم تَنْزِيلُ) فُصِّلَتْ (عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] عَلَى الْمُعْتَمَدِ الَّذِي ارْتَضَاهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَصَادَ وَأَنَابَ وَفُصِّلَتْ تَعْبُدُونَ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَمَا رُوِيَ مِنْ السُّجُودِ لِغَيْرِ هَذِهِ الْإِحْدَى عَشْرَةَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّسْخِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَاَلَّذِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ الْمُصْطَفَى ﵊ الْإِحْدَى عَشْرَةَ الْمَذْكُورَةَ، وَإِنْ صَحَّ أَنَّهُ ﵊ سَجَدَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى فِي النَّجْمِ: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] وَأَنَّهَا أَوَّلُ سَجْدَةٍ أَعْلَنَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَرَمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُشْرِكُونَ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ سِوَى أَبِي لَهَبٍ فَإِنَّهُ رَفَعَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ إلَى جَبْهَتِهِ وَقَالَ: يَكْفِي هَذَا، فَإِنَّهُ نُسِخَ بِدَلِيلِ إجْمَاعِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَقُرَّائِهَا عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ فِيهَا مَعَ تَكَرُّرِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا لَيْلًا وَنَهَارًا أَوْ لَا يَجْمَعُونَ عَلَى تَرْكِ سُنَّةٍ. ثُمَّ أَشَارَ إلَى شَرْطِ السُّجُودِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَسْجُدُ) مَنْ يُؤْمَرُ بِالسُّجُودِ (السَّجْدَةَ فِي

стр. 249

وَلَا يُسَلِّمُ مِنْهَا وَفِي التَّكْبِيرِ فِي الرَّفْعِ مِنْهَا سَعَةٌ، وَإِنْ كَبَّرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا وَيَسْجُدُهَا مَنْ قَرَأَهَا فِي الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ ــ [الفواكه الدواني] التِّلَاوَةِ إلَّا عَلَى وُضُوءٍ) أَوْ بَدَلِهِ مَعَ بَقِيَّةِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ، وَالطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ، وَتَبْطُلُ بِدُونِهَا وَلَوْ مَعَ الْعَجْزِ أَوْ النِّسْيَانِ، فَإِنْ قَرَأَ سُورَةَ السَّجْدَةِ فِي وَقْتِ نَهْيٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَهَلْ يَحْذِفُ مَوْضِعَ السُّجُودِ خَاصَّةً كَ يَشَاءُ فِي الْحَجِّ، وَكَالْعَظِيمِ فِي النَّمْلِ، أَوْ يَحْذِفُ الْآيَةَ جُمْلَةً تَأْوِيلَانِ أَشَارَ إلَيْهِمَا خَلِيلٌ بِالْعِطْفِ عَلَى الْمَكْرُوهِ، وَإِلَّا فَهَلْ يُجَاوِزُ مَحَلَّهَا أَوْ الْآيَةَ تَأْوِيلَانِ. (وَ) صِفَةُ فِعْلِ السَّجْدَةِ أَنْ (يُكَبِّرَ لَهَا) عِنْدَ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَكَبِّرْ لِخَفْضٍ وَرَفْعٍ وَلَوْ بِغَيْرِ صَلَاةٍ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُكَبِّرُ إذَا سَجَدَهَا وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهَا، وَهَذَا فِي الصَّلَاةِ اتِّفَاقًا، وَفِي غَيْرِهَا فِيهِ خِلَافٌ، وَاَلَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ التَّكْبِيرُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ تَكْبِيرِهَا كَتَكْبِيرِ الصَّلَوَاتِ السُّنِّيَّةِ، وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ إنَّهُ لَا إحْرَامَ لَهَا، وَإِنَّمَا يُكَبِّرُ عِنْدَ خَفْضِهِ وَرَفْعِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: سَجَدَ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ بِلَا إحْرَامٍ، وَسَلَامُ قَارِئٍ وَمُسْتَمِعٍ فَقَطْ وَمُعَلِّمٍ وَمُتَعَلِّمٍ، وَمُرَادُ خَلِيلٍ بِقَوْلِهِ: بِلَا إحْرَامٍ أَيْ زَائِدٍ مَعَ تَكْبِيرِ الْخَفْضِ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَنْوِي فِعْلَ السَّجْدَةِ عِنْدَ خَفْضِهِ لِأَنَّهَا عَمَلٌ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَمَنْ قَالَ بِلَا إحْرَامٍ وَلَا نِيَّةٍ لَا يَظْهَرُ كَلَامُهُ، بَلْ الْمَنْفِيُّ الْإِحْرَامُ الْمَعْرُوفُ بِالنِّيَّةِ مَعَ رَفْعِ يَدَيْنِ وَتَكْبِيرَةٍ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ فِعْلِهَا. (وَ) إذَا كَبَّرَ عِنْدَ فِعْلِ السَّجْدَةِ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ (لَا يُسَلِّمُ مِنْهَا) بَلْ يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ فَلَا يُكْرَهُ. قَالَ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ: وَفِي النَّفْسِ مِنْ عَدَمِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ شَيْءٌ، وَلَمَّا قَدَّمَ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ طَلَبُ التَّكْبِيرِ ذَكَرَ مُقَابِلَهُ بِقَوْلِهِ: (وَفِي التَّكْبِيرِ فِي) حَالِ (الرَّفْعِ مِنْهَا سَعَةٌ وَإِنْ كَبَّرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا) يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ إشَارَةٌ إلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ، وَهُوَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي التَّكْبِيرِ وَعَدَمِهِ، وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَبَّرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِلْمَشْهُورِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَكْبِيرِهِ لِلْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَإِنْ نَسَبَ غَيْرَهُ مَالِكٌ أَيْضًا. ١ - (تَتِمَّةٌ) لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِمَا يَقُولُهُ السَّاجِدُ فِي حَالِ سُجُودِهِ، وَلْنَذْكُرْهُ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ فَنَقُولُ: قَالَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي قَوَانِينِهِ: وَيُسَبِّحُ السَّاجِدُ فِي سُجُودِهِ أَوْ يَدْعُو، فَقَدْ رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ وَكَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَك أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَك ذُخْرًا وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتهَا مِنْ عَبْدِك دَاوُد ﵇» وَالضَّمِيرُ فِي تَقَبَّلْتهَا رَاجِعٌ لِمُطْلَقِ السَّجْدَةِ لَا سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّ سَجْدَةَ دَاوُد لَمْ تَكُنْ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ. وَلَمَّا كَانَ فِعْلُ السَّجْدَةِ مَطْلُوبًا حَتَّى فِي الصَّلَاةِ قَالَ: (وَيَسْجُدُهَا) أَيْ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ كُلُّ (مَنْ قَرَأَهَا) وَلَوْ كَانَ (فِي الْفَرِيضَةِ) فَذًّا كَانَ أَوْ إمَامًا، لَكِنْ يُطْلَبُ مِنْهُ الْجَهْرُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ لِيُعْلِمَ النَّاسَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَهَرَ إمَامُ السِّرِّيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَجْهَرْ وَسَجَدَ تَبِعَهُ مَأْمُومُهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ السَّهْوِ، فَإِنْ لَمْ يَتْبَعْهُ الْمَأْمُومُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَيَسْجُدُهَا مَنْ قَرَأَهَا فِي الْفَرِيضَةِ، وَلَوْ تَعَمَّدَ قِرَاءَتَهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِسُجُودِهَا وَإِنْ كُرِهَ لَهُ تَعَمُّدُ قِرَاءَتِهَا فِي الْفَرِيضَةِ، وَيَسْجُدُهَا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ لَا تَحِلُّ فِيهِ النَّافِلَةُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. (وَ) كَذَا يَسْجُدُهَا مَنْ قَرَأَهَا فِي صَلَاةِ (النَّافِلَةِ) بِالْأَوْلَى مِنْ سُجُودِهَا فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ لِعَدَمِ كَرَاهَةِ تَعَمُّدِ قِرَاءَتِهَا فِي النَّافِلَةِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ تَعَمُّدُهَا بِالْفَرِيضَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَسْجُدْ يَدْخُلْ فِي الْوَعِيدِ، وَإِنْ سَجَدَ يَزِيدُ فِي سُجُودِ الْفَرِيضَةِ، عَلَى أَنَّهُ رُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى التَّخْلِيطِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَفْهُومُ فَرِيضَةٍ وَنَافِلَةٍ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَهَا فِي حَالِ الْخُطْبَةِ لَا يَسْجُدُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِنِظَامِ الْخُطْبَةِ، وَحُكْمُ الْإِقْدَامِ عَلَى قِرَاءَتِهَا فِيهَا الْكَرَاهَةُ كَمَا يُكْرَهُ تَعَمُّدُهَا بِالْفَرِيضَةِ، وَإِنْ وَقَعَ أَنَّهُ سَجَدَ فِي الْخُطْبَةِ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ نَهَى عَنْ السُّجُودِ فِيهَا، وَمَا وَرَدَ مِنْ نُزُولِهِ ﵊ وَسُجُودِهِ فَلَمْ يَصْحَبْهُ عَمَلٌ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ. ١ - الثَّانِي: لَوْ سَهَا الْمُصَلِّي عَنْ السُّجُودِ عَقِبَ قِرَاءَتِهَا، فَإِنْ كَانَ التَّجَاوُزُ يَسِيرًا كَالْآيَةِ وَنَحْوِهَا سَجَدَ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ قِرَاءَتِهَا وَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةِ، وَإِنْ جَاوَزَهَا بِكَثِيرٍ رَجَعَ إلَيْهَا فَقَرَأَهَا ثُمَّ سَجَدَ وَرَجَعَ إلَى حَيْثُ انْتَهَى مِنْ الْقِرَاءَةِ، وَسَوَاءٌ مَنْ فِي صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا، لَكِنْ مَنْ فِي صَلَاةٍ يَعُودُ لِقِرَاءَتِهَا وَلَوْ فِي الْفَرْضِ مَا لَمْ يَنْحَنِ، فَإِذَا انْحَنَى لِلرُّكُوعِ لَا يَرْجِعُ مِنْهُ وَتَفُوتُ السَّجْدَةُ فِي الْفَرْضِ وَلَا يَقْرَؤُهَا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لِكَرَاهَةِ تَعَمُّدِهَا بِالْفَرِيضَةِ، وَيُسْتَحَبُّ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ فِعْلُهَا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ هَلْ يَسْجُدُهَا قَبْلَ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فَتُقَدَّمُ بِسَبَبِهَا، أَوْ بَعْدَ قِرَاءَتِهَا ثُمَّ يَقُومُ بَعْدَ السُّجُودِ يَقْرَأُ السُّورَةَ قَوْلَانِ. ١ - الثَّالِثُ: إذَا كَانَ الْقَارِئُ لِلسَّجْدَةِ إمَامًا وَتَرَكَهَا فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَتْرُكُهَا وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ السُّجُودِ، وَلَوْ تَرَكَ الْقَارِئُ هَذَا فِي الْمُسْتَمِعِ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، وَإِنْ سَجَدَهَا الْمَأْمُومُ دُونَ إمَامِهِ فَإِنْ كَانَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَأَمَّا سَهْوًا فَلَا، لِحَمْلِ الْإِمَامِ لِسَهْوِهِ الْيَسِيرِ، كَمَا أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ بِتَرْكِ السُّجُودِ خَلْفَ إمَامِهِ السَّاجِدِ وَلَوْ عَمْدًا فِي الْإِحْدَى عَشْرَةَ الْمَشْهُورَةِ، وَلَكِنَّهُ أَسَاءَ بِعَدَمِ تَبَعِيَّتِهِ الْإِمَامَ، وَلَمَّا كَانَ الْقَارِئُ يَسْجُدُهَا فِي

стр. 250

وَيَسْجُدُهَا مَنْ قَرَأَهَا بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ وَبَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ. ــ [الفواكه الدواني] الصَّلَاةِ، وَلَوْ فِي وَقْتِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلصَّلَاةِ. شَرَعَ فِي وَقْتِ سُجُودِهَا لِغَيْرِ الْمُصَلِّي بِقَوْلِهِ: (وَيَسْجُدُهَا مَنْ قَرَأَهَا) فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَلَوْ (بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ تُسْفِرْ الشَّمْسُ) أَيْ يَظْهَرُ الضَّوْءُ، وَتُسْفِرُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِسْفَارِ وَهُوَ الضَّوْءُ. (وَ) سَجَدَهَا (بَعْدَ) أَدَاءِ فَرْضِ (الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ) عَلَى الْجُدْرَانِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ جِنَازَةٌ وَسُجُودُ تِلَاوَةٍ قَبْلَ إسْفَارٍ وَاصْفِرَارٍ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: يَسْجُدُهَا بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ مَا لَمْ يَحْصُلْ إسْفَارٌ وَاصْفِرَارٌ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَفَارَقَتْ النَّوَافِلَ الْمَحْضَةَ، وَمِثْلُهَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ خَلِيلٍ. قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَتُفْعَلُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ مَا عَدَا وَقْتَيْنِ: أَحَدُهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَى الْمَنْعِ فِيهِ، وَهُوَ إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَبَعْدَ الْإِسْفَارِ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَرْتَفِعَ قَيْدَ رُمْحٍ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَشْهُورُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْجَوَازِ قَبْلَ الِاصْفِرَارِ اهـ كَلَامُ الْفَاكِهَانِيِّ، وَفِي قَوْلِهِ: الْمُتَّفَقُ عَلَى الْمَنْعِ فِيهِ إلَخْ تَأَمَّلْ، إذْ الْمَمْنُوعُ عَلَى الْمَشْهُورِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْغُرُوبِ أَوْ الطُّلُوعِ، وَأَمَّا عِنْدَ الِاصْفِرَارِ أَوْ الْإِسْفَارِ فَالْحُكْمُ الْكَرَاهَةُ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ خَلِيلٍ فَافْهَمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْفَاكِهَانِيِّ الْمَنْعَ مَا قَابَلَ الْجَوَازَ فَلَا يُنَافِي الْكَرَاهَةَ فِي الْإِسْفَارِ. ١ - (تَتِمَّةٌ) : قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْمُعَلِّمَ وَالْمُتَعَلِّمَ يُخَاطَبَانِ بِالسُّجُودِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْرُجَانِ عَنْ الْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ، وَلَكِنْ قَدْ يَقْرَأُ الْقَارِئُ الْمُتَعَلِّمُ عَلَى الْمُعَلِّمِ سُوَرًا كَثِيرَةً فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي سُجُودِهِ مَرَّةً أَوْ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ السُّوَرِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْهُ أَنَّهُمَا يَسْجُدَانِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَلَوْ كَرَّرَ الْمُتَعَلِّمُ سُوَرًا، وَأَمَّا لَوْ تَعَدَّدَ الْمُتَعَلِّمُ وَالْمُعَلَّمُ وَاحِدٌ فَلَا إشْكَالَ فِي سُجُودِ جَمِيعِ الْمُتَعَلِّمِينَ كُلُّ وَاحِدٍ سَجْدَةً؛ لِأَنَّ سُجُودَ زَيْدٍ لَا يُغْنِي عَنْ سُجُودِ عَمْرٍو، وَأَمَّا الْمُعَلِّمُ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ مَعَ الْمُتَعَلِّمِ الْأَوَّلِ حَيْثُ قَرَأَ مَا بَعْدَ الْأَوَّلِ السُّورَةَ الَّتِي قَرَأَهَا الْأَوَّلُ، وَإِنْ قَرَأَ الثَّانِي غَيْرَ سُورَةِ الْمُتَعَلِّمِ الْأَوَّلِ فَفِي سُجُودِ الْمُعَلِّمِ مَعَ الثَّانِي خِلَافٌ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ مِمَّنْ لَهُ حِزْبٌ يَقْرَؤُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ مَثَلًا فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: فِيهِ أَصْلُ الْمَذْهَبِ تَكْرِيرُ السُّجُودِ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِالْحِزْبِ الْوَرْدُ الَّذِي اعْتَادَ قِرَاءَتَهُ لَا الْحِزْبُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي هُوَ مِنْ تَجْزِئَةِ سِتِّينَ.

стр. 251

بَابٌ فِي صَلَاةِ السَّفَرِ وَمَنْ سَافَرَ مَسَافَةَ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ إلَّا الْمَغْرِبَ فَلَا يَقْصُرُهَا وَلَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَ بُيُوتَ الْمِصْرِ وَتَصِيرَ خَلْفَهُ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا بِحِذَائِهِ مِنْهَا شَيْءٌ ثُمَّ لَا يُتِمُّ حَتَّى يَرْجِعَ ــ [الفواكه الدواني] [بَاب فِي صَلَاة السَّفَر] (بَابٌ فِي) صِفَةِ (صَلَاةِ) الْفَرْضِ فِي زَمَنِ (السَّفَرِ) لِأَنَّ السَّفَرَ لَيْسَ لَهُ صَلَاةٌ تَخُصُّهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا قَطْعُ مَسَافَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ لِقَصْدٍ شَرْعِيٍّ، فَلَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ سَفَرًا مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ السَّفَرِ وَهُوَ الظُّهُورُ وَالْكَشْفُ، يُقَالُ: أَسْفَرَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ وَجْهِهَا إذَا كَشَفَتْهُ وَأَظْهَرَتْهُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُسْفِرُ عَنْ أَخْلَاقِ الرِّجَالِ وَيَكْشِفُهَا، قَالَ عُمَرُ ﵁ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُزَكِّيَ رَجُلًا عِنْدَهُ: هَلْ سَافَرْت مَعَهُ؟ وَأَشَارَ إلَى بَيَانِ الْمَسَافَةِ الْمَخْصُوصَةِ بِقَوْلِهِ (وَمَنْ سَافَرَ) أَيْ شَرَعَ فِي سَفَرٍ (مَسَافَةَ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ) ذَهَابًا مَقْصُودًا قَطَعَهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً وَلَوْ قَطَعَهَا فِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِنَحْوِ طَيَرَانٍ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ فِي الشَّرْعِ لِلْمَسَافَةِ، وَالْبُرُدُ بِضَمِّ الْبَاءِ جَمْعُ بَرِيدٍ وَقَدْرُهُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ، وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَهِيَ) أَيْ الْأَرْبَعَةُ بُرُدٌ (ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا) هَاشِمِيَّةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ أَوْ بَعْضُهَا فِي الْبَرِّ وَالْبَعْضُ الْآخَرُ فِي الْبَحْرِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْبَرُّ أَوْ الْبَحْرُ، وَلِلْبَعْضِ تَفْصِيلٌ اُنْظُرْهُ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الْمِيلِ فَقِيلَ أَلْفًا ذِرَاع وَشَهَرَهُ بَعْضُهُمْ. وَقِيلَ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَخَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالذِّرَاعُ مَا بَيْنَ طَرَفَيْ الْمِرْفَقِ إلَى آخِرِ الْأُصْبُعِ الْمُتَوَسِّطِ وَهُوَ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ أُصْبُعًا كُلُّ أُصْبُعٍ سِتُّ شُعَيْرَاتٍ بَطْنُ إحْدَاهُمَا إلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى كُلُّ شَعِيرَةٍ سِتُّ شَعَرَاتٍ مِنْ شَعْرِ الْبِرْذَوْنِ، وَهَذَا بَيَانٌ لِأَقَلِّ الْمَسَافَةِ الَّتِي تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ وَحَدُّهَا بِالزَّمَانِ سَفَرُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِسَيْرِ الْحَيَوَانَاتِ الْمُثْقَلَةِ بِالْأَحْمَالِ الْمُعْتَادَةِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ الْمَشْهُورُ، وَعَنْ الْإِمَامِ أَيْضًا أَنَّهُ يَقْصُرُ فِي خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَقْصُرُ فِي أَرْبَعِينَ، وَجَوَابُ مَنْ سَافَرَ إلَخْ (فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْصُرَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَضَمِّ الصَّادِ (الصَّلَاةَ) الرُّبَاعِيَّةَ الْوَقْتِيَّةَ أَوْ الْفَائِتَةَ فِيهِ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَعَلَيْهِ الْمُتَأَكَّدُ لَا الْوُجُوبُ الْحَقِيقِيُّ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ فَإِنَّ ابْنَ رُشْدٍ أَنْكَرَهُ. قَالَ خَلِيلٌ: سُنَّ لِمُسَافِرٍ غَيْرِ عَاصٍ بِهِ وَلَاهٍ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ وَلَوْ بِبَحْرٍ ذَهَابًا قُصِدَتْ دَفْعَةً قَصْرُ رُبَاعِيَّةٍ وَقْتِيَّةٍ أَوْ فَائِتَةٍ فِيهِ أَوْ نُوتِيًّا بِأَهْلِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى السُّنِّيَّةِ قَوْلُهُ ﷺ «فِي الْقَصْرِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» فَهَذَا صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَقَالَ ﵊: «خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ إذَا سَافَرُوا قَصَرُوا» ثُمَّ فَسَّرَ الْقَصْرَ بِقَوْلِهِ: (فَيُصَلِّي) الرُّبَاعِيَّةَ الْحَاضِرَةَ أَوْ الْفَائِتَةَ فِي السَّفَرِ (رَكْعَتَيْنِ إلَّا الْمَغْرِبَ فَلَا يَقْصُرُهَا) ؛ لِأَنَّهَا لَوْ قُصِرَتْ صَارَتْ رَكْعَةً وَنِصْفًا وَلَمْ يُعْهَدْ فِي الشَّرْعِ. ، وَإِنْ كَمُلَتْ كَتَكْمِيلِ طَلْقَةِ الْعَبْدِ صَارَتْ شَفْعًا فَيَفُوتُ غَرَضُ الشَّارِعِ مِنْ جَعْلِهَا وِتْرًا، وَمَفْهُومُ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ أَنَّ مَنْ سَافَرَ أَقَلَّ مِنْهَا لَا يُسَنُّ فِي حَقِّهِ الْقَصْرُ، وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ فِي مَفْهُومِهِ تَفْصِيلٌ مُحَصِّلُهُ أَنَّ نَحْوَ الْمَكِّيِّ وَالْمَنْوِيِّ وَالْمُزْدَلِفِيِّ يُسَنُّ فِي حَقِّهِمْ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي حَالِ خُرُوجِهِمْ لِعَرَفَةَ لِلنُّسُكِ فَقَطْ وَرُجُوعِهِمْ مِنْهَا، وَأَمَّا غَيْرُ هَؤُلَاءِ فَلَا يُسَنُّ فِي حَقِّهِمْ الْقَصْرُ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَلَكِنْ إنْ قَصَرَ فِي خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا فَأَقَلَّ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَتُعَادُ أَبَدًا، وَإِنْ قَصَرَ فِي أَرْبَعِينَ مِيلًا فَصَحِيحَةٌ وَلَا تُعَادُ وَلَا فِي الْوَقْتِ، وَإِذَا قَصَرَ فِيمَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ وَالْخَمْسَةِ وَثَلَاثِينَ فَفِي إعَادَتِهِ فِي الْوَقْتِ وَعَدَمِهَا قَوْلَانِ هَكَذَا فَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ. وَفِي التَّوْضِيحِ: أَنَّ مَنْ قَصَرَ فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ يُعِيدُ أَبَدًا وَلَعَلَّهُ طَرِيقَةٌ لِغَيْرِ ابْنِ رُشْدٍ وَتَفْصِيلُ ابْنِ رُشْدٍ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا فِي الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ فَلَا يَجُوزُ إلَّا لِمَنْ سَافَرَ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ: وَلَعَلَّ الْفَرْقَ مَشَقَّةُ الصَّلَاةِ بِتَكَرُّرِهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ. (تَنْبِيهٌ) : مَنْ سَافَرَ وَبِهِ مَانِعٌ كَحَيْضٍ أَوْ كُفْرٍ ثُمَّ زَالَ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَافَةِ انْتَظَرَ مَا بَقِيَ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ قَصَرَ وَإِلَّا فَلَا، قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَغَيْرُهُ. ثُمَّ بَيَّنَ مَبْدَأَ الْقَصْرِ بِقَوْلِهِ (وَلَا يَقْصُرُ) أَيْ لَا يَصِحُّ قَصْرُ الْمُسَافِرِ (حَتَّى يُجَاوِزَ) أَيْ يَتَعَدَّى (الْبَلَدِيُّ بُيُوتَ الْمِصْرِ وَتَصِيرَ خَلْفَهُ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا بِحِذَائِهِ مِنْهَا شَيْءٌ) قَالَ خَلِيلٌ: إنْ عَدَّى الْبَلَدِيُّ الْبَسَاتِينَ الْمَسْكُونَةَ الْمُتَّصِلَةَ أَوْ مَا فِي حُكْمِهَا كَالْبَسَاتِينِ الَّتِي يَرْتَفِقُ أَهْلُهَا وَمَسَاكِنُهَا بِمَرَافِقَ الْمُتَّصِلَةِ مِنْ أَخْذِ نَارٍ وَطَبْخٍ

стр. 252

إلَيْهَا أَوْ يُقَارِبَهَا بِأَقَلَّ مِنْ الْمِيلِ وَإِنْ نَوَى الْمُسَافِرُ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِمَوْضِعٍ أَوْ مَا يُصَلِّي فِيهِ عِشْرِينَ صَلَاةً أَتَمَّ الصَّلَاةَ ــ [الفواكه الدواني] وَخُبْزٍ وَمَا يُحْتَاجُ إلَى شِرَائِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسْكُونَةِ مَا تُسْكَنُ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، لِأَنَّ اعْتِبَارَ مُجَاوَزَتِهَا أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ مُجَاوَزَةِ الْبِنَاءِ الْخَرَابِ الْخَالِي مِنْ السُّكَّانِ فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَهُ، وَمِثْلُ الْبَسَاتِينَ فِي اعْتِبَارِ الْمُجَاوَزَةِ الْقَرْيَتَانِ إذَا اتَّصَلَتَا أَوْ اشْتَدَّ قُرْبُهُمَا بِحَيْثُ يَرْتَفِقُ أَهْلُ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِأَهْلِ الْأُخْرَى فَلَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ مِنْ إحْدَاهُمَا حَتَّى يُجَاوِزَ الْأُخْرَى وَيَنْفَصِلَ عَنْ الْقَرْيَتَيْنِ، لَا إنْ بَعُدَتْ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ بِحَيْثُ لَا يَرْتَفِقُ أَهْلُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى فَلَا يُعْتَبَرُ فِي قَصْرِ الْمُسَافِرِ مِنْ إحْدَاهُمَا مُجَاوَزَةُ الْأُخْرَى، وَأَمَّا الْمَزَارِعُ وَالْبَسَاتِينُ الْمُنْفَصِلَةُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَلَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَانَتْ بَلَدَ جُمُعَةٍ أَوْ غَيْرَهَا عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَرَوَى مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵁: إنْ كَانَتْ قَرْيَةَ جُمُعَةٍ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ مِنْ سُورِ الْبَلَدِ وَإِلَّا فَمِنْ آخِرِ بُنْيَانِهَا وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْجُمُعَةَ كَمَا تَلْزَمُ مَنْ كَانَ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ أَمْيَالٍ، فَكَذَلِكَ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَهَا؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، وَمَحِلُّ الْخِلَافِ فِي الزَّائِدِ عَلَى الْبَسَاتِينِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى اعْتِبَارِ مُجَاوَزَةِ الْبَسَاتِين، وَأَمَّا الْقَرْيَةُ الَّتِي لَا بَسَاتِينَ لَهَا فَيَقْصُرُ بِمُجَرَّدِ انْفِصَالِهِ عَنْ بِنَائِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ غَيْطِهَا وَمَزَارِعِهَا، وَالْجَبَلِيُّ يَقْصُرُ بِمُجَرَّدِ انْفِصَالِهِ عَنْ مَنْزِلِهِ، وَالْعَمُودِيُّ بِمُجَاوَزَتِهِ مَحَلَّتَهُ بِكَسْرِ الْحَاءِ مَنْزِلُ إقَامَتِهِ، وَأَمَّا لَوْ تَفَرَّقَتْ بُيُوتُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَةِ الْجَمِيعِ حَيْثُ جَمَعَهُمْ اسْمُ الْحَيِّ وَالدَّارِ، أَوْ اسْمُ الدَّارِ فَقَطْ، أَوْ اسْمُ الْحَيِّ حَيْثُ كَانَ يَرْتَفِقُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَإِلَّا قَصَرَ بِمُجَرَّدِ انْفِصَالِهِ عَنْ مَنْزِلِهِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: بَقِيَ مِنْ شُرُوطِ الْقَصْرِ قَصْدُ قَطْعِ الْمَسَافَةِ دَفْعَةً وَاحِدَةً كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي الْمَزْحِ، لَا إنْ نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ فِي خِلَالِهِمَا أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ بِقَطْعٍ وَلَا إقَامَةٍ فَلَا يَقْصُرُ، وَلِذَلِكَ لَا يَقْصُرُ الرَّاعِي وَلَا التَّائِهُ وَلَا الْهَائِمُ، وَمِنْ الشُّرُوطِ كَوْنُ السَّفَرِ غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ، فَلَا يَقْصُرُ الْعَاصِي وَلَا اللَّاهِي، فَإِنْ قَصَرَ فَعِنْدَ ابْنِ نَاجِي أَسَاءَ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَقَالَ اللَّقَانِيُّ. إنْ كَانَ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ يُعِيدُ أَبَدًا، وَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ مَكْرُوهًا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ. وَأَمَّا الْعَاصِي فِي سَفَرِهِ فَلَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ قَصْرِهِ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْ مَسَافَةٍ قَصِيرَةٍ إلَى طَوِيلَةٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَيْضًا أَنْ لَا يَقْتَدِيَ بِمُقِيمٍ أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ وَإِلَّا امْتَنَعَ، وَلَيْسَ مِنْ الشُّرُوطِ الْبُلُوغُ عَلَى مَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ أَحَدٌ عَلَى التَّصْرِيحِ بِاشْتِرَاطِهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْبَحْثُ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ فِي ذَلِكَ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ جَوَازُ الْقَصْرِ حَتَّى لِلصِّبْيَانِ؛ لِأَنَّ رُخْصَتَهُ شُرِعَتْ لِلتَّخْفِيفِ عَنْ الْمُسَافِرِ، وَالصَّبِيُّ الْمُسَافِرُ أَوْلَى بِالتَّخْفِيفِ مِنْ الْبَالِغِ، وَأَيْضًا الرُّبَاعِيَّةُ فَرْضٌ عَلَى الْبَالِغِ وَحُطَّ عَنْهُ شَطْرُهَا، وَمَنْدُوبَةٌ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ، فَكَيْفَ يُحَطُّ شَطْرُ الْوَاجِبِ دُونَ الْمَنْدُوبِ؟ وَأَيْضًا قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَأُلْحِقَ خِطَابُ الصِّبْيَانِ بِغَيْرِ الْفَرَائِضِ وَالْمُحَرَّمَاتِ، وَإِنْ قِيلَ: الرُّخْصَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالْبَالِغِ، نَقُولُ: يَرُدُّهُ إبَاحَةُ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِيمَا نَعْلَمُ بِحُرْمَتِهَا عَلَى الصَّغِيرِ الْمُضْطَرِّ وَحُرِّرَ الْحُكْمُ. الثَّانِي: حُكْمُ السَّفَرِ الْإِبَاحَةُ وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ كَالسَّفَرِ لِحُجَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمُسْتَطِيعِ، وَكَسَفَرِ الْغَزْوِ فِي حَقِّ الذَّكَرِ الْقَادِرِ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ النَّدْبُ كَالسَّفَرِ لِزِيَارَةِ صَالِحٍ أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ غَيْرِ وَاجِبٍ، وَقَدْ تَعْرِضُ لَهُ الْحُرْمَةُ كَالسَّفَرِ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَقَدْ تَعْرِضُ كَرَاهِيَةٌ كَالسَّفَرِ لِصَيْدِ اللَّهْوِ وَالْإِبَاحَةُ كَالسَّفَرِ لِتَحْصِيلِ الرِّبْحِ لِتَكْثِيرِ الْأَمْوَالِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ قُرْبَةٍ بِهِ، وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ فِي سَفَرِ الطَّلَبِ، وَأَمَّا سَفَرُ الْهَرَبِ كَالسَّفَرِ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي يَكْثُرُ فِيهِ الْحَرَامُ بِحَيْثُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ السَّاكِنُ، وَكَالسَّفَرِ مِنْ بَلَدٍ يَحْصُلُ لَهُ فِيهِ الْإِهَانَةُ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ ذَوِي الْفَضْلِ أَوْ تُسَبُّ فِيهِ الصَّحَابَةَ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ الْوُجُوبُ. وَلَمَّا بَيَّنَ مَحَلَّ بَدْءِ الْقَصْرِ فِي حَالِ الْخُرُوجِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مُنْتَهَاهُ فِي الرُّجُوعِ فَقَالَ: (ثُمَّ) بَعْدَ مُجَاوَزَةِ مَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهُ مِنْ بَسَاتِينِ الْمِصْرِ وَمَا فِي حُكْمِهَا يَسْتَمِرُّ يَقْصُرُ وَ (لَا يُتِمُّ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهَا) أَيْ فِي بُيُوتِ الْمِصْرِ الَّتِي سَافَرَ مِنْهَا وَيَدْخُلُهَا بِالْفِعْلِ (أَوْ يُقَارِبُهَا بِأَقَلَّ مِنْ الْمِيلِ) فَإِنْ دَخَلَهَا أَوْ قَارَبَهَا بِأَقَلَّ مِنْ الْمِيلِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ،؛ لِأَنَّ دُخُولَ بَلَدِ الْمُسَافِرِ يَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ وَلَوْ غَلَبَةً. قَالَ خَلِيلٌ ﵁: وَقَطْعُهُ دُخُولَ بَلْدَةٍ وَإِنْ بِرِيحٍ غَالِبَةٍ فَعَلَى هَذَا يَخْتَلِفُ حَالُ ابْتِدَاءِ الْقَصْرِ مِنْ انْتِهَائِهِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ كَكَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، خِلَافًا لِكَلَامِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ التَّابِعِ لِابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ: مُنْتَهَاهُ فِي الدُّخُولِ كَابْتِدَائِهِ فِي الْخُرُوجِ فَإِنَّهُ قَالَ: سُنَّ لِمُسَافِرٍ قَصْرُ رُبَاعِيَّةٍ إنْ عَدَّى الْبَلَدِيُّ الْبَسَاتِينَ الْمَسْكُونَةَ إلَخْ إلَى مَحَلِّ الْبَدْءِ، وَأَجَابَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَنْهُ بِدَعْوَى حَذْفٍ فِي الْكَلَامِ وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فِي قَوْلِهِ: إلَى مَحَلِّ الْبَدْءِ أَيْ إلَى مِثْلِ مَحَلِّ الْبَدْءِ، وَيَكُونُ إشَارَةً إلَى بَيَانِ مُنْتَهَاهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي سَافَرَ إلَيْهِ لَا الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ بَلْ يَكُونُ سَاكِتًا عَنْهُ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ يَسْتَمِرُّ يَقْصُرُ حَتَّى يَدْخُلَ بِالْفِعْلِ أَوْ يُقَارِبَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْمُدَوَّنَةُ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُصَنِّفُ سَكَتَ عَمَّا بَيَّنَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَخَلِيلٌ وَهُوَ مُنْتَهَاهُ

стр. 253

حَتَّى يَظْعَنَ مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ وَمَنْ خَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ قَدْرُ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ صَلَّاهُمَا سَفَرِيَّتَيْنِ فَإِنْ بَقِيَ قَدْرُ مَا يُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ رَكْعَةً صَلَّى الظُّهْرَ حَضَرِيَّةً وَالْعَصْرَ سَفَرِيَّةً وَلَوْ دَخَلَ لِخَمْسِ رَكَعَاتٍ نَاسِيًا لَهُمَا صَلَّاهُمَا حَضَرِيَّتَيْنِ فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فَأَقَلَّ إلَى رَكْعَةٍ صَلَّى الظُّهْرَ سَفَرِيَّةً وَالْعَصْرَ حَضَرِيَّةً وَإِنْ ــ [الفواكه الدواني] بِالنِّسْبَةِ لِلْبَلَدِ الَّذِي سَافَرَ إلَيْهِ وَهُوَ الْبَسَاتِينُ إنْ كَانَ لِلْبَلْدَةِ الَّتِي يُرِيدُ دُخُولَهَا بَسَاتِينَ، أَوْ دُخُولَ بُيُوتِهَا إنْ كَانَتْ قَرْيَةً، أَوْ الْوُصُولَ إلَى الْحِلَّةِ فِي حَقِّ الْعَمُودِيِّ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُنْتَهَى يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَحِلُّ الَّذِي سَافَرَ مِنْهُ وَاَلَّذِي سَافَرَ إلَيْهِ، فَاَلَّذِي سَافَرَ إلَيْهِ الْمُنْتَهَى كَالْمُبْتَدَأِ، وَأَمَّا الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ فَمُنْتَهَاهُ دُخُولُ الْبَلْدَةِ أَوْ مُقَارَبَتُهَا كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ عُمَرَ لَفْظَ الْمُصَنِّفِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ يَحْمِلُ الدَّاخِلَ فِي أَقَلَّ مِنْ الْمِيلِ مُسَافِرًا، وَآخِرَ الْكَلَامِ يَجْعَلُهُ فِيهِ مُقِيمًا، وَهَذَا لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ تَنَاقُضٌ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْجَوَابِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ إشَارَةٌ إلَى قَوْلَيْنِ وَهُوَ جَارٍ عَلَى قَاعِدَةِ الْمُصَنِّفِ الْمَعْرُوفَةِ لَهُ مِنْ إتْيَانِهِ بِأَوْ إشَارَةً إلَى الْخِلَافِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اسْتِمْرَارُ الْقَصْرِ إلَى الدُّخُولِ فِي حَقِّ مَنْ اسْتَمَرَّ سَائِرًا وَلَمْ يَنْزِلْ، وَالْإِتْمَامُ فِي حَقِّ مَنْ نَزَلَ بِقُرْبِ الْبَلَدِ بِأَقَلَّ مِنْ الْمِيلِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ الدَّاخِلِ بِالْبَلَدِ، وَأَجَابَ ابْنُ عُمَرَ الْمُسْتَشْكِلُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: أَوْ يُقَارِبُهَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: حَتَّى يَرْجِعَ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: يَسْتَمِرُّ يَقْصُرُ حَتَّى يُقَارِبَ بُيُوتَ الْمِصْرِ بِأَقَلَّ مِنْ الْمِيلِ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَنْ نَزَلَ خَارِجَ الْبَلَدِ بِأَقَلَّ مِنْ الْمِيلِ وَعَلَيْهِ الْعَصْرُ مَثَلًا وَلَمْ يَدْخُلْ الْبَلَدَ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَأْتِي بِهَا سَفَرِيَّةً، وَعَلَى الثَّانِي يَأْتِي بِهَا حَضَرِيَّةً، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الدُّخُولَ فِي الْبَسَاتِينِ الْمَسْكُونَةِ أَوْ مَا فِي حُكْمِهَا كَالدُّخُولِ فِي الْبَلَدِ، وَالْقُرْبُ مِنْهَا كَالْقُرْبِ مِنْ الْبَلَدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَا تُعَدُّ مِنْ الْمَسَافَةِ عَلَى مَا ارْتَضَاهُ ابْنُ نَاجِي، خِلَافًا لِشَيْخِهِ فِي عَدِّهَا مِنْ الْمَسَافَةِ، وَكَانَ الْأُجْهُورِيُّ يُقَرِّرُ فِي دَرْسِهِ أَنَّ الصَّوَابَ كَلَامُ ابْنِ نَاجِي قَائِلًا: لَا مَعْنَى لِعَدِّهَا مِنْ الْمَسَافَةِ مَعَ اشْتِرَاطِ مُجَاوَزَتِهَا لِجَوَازِ الْقَصْرِ، بَلْ اشْتِرَاطُ مُجَاوَزَتِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى خُرُوجِهَا مِنْ الْمَسَافَةِ وَجَعْلِهَا مِنْ جُمْلَةِ الْبَلَدِ، وَأَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ نَوَى الْمُسَافِرُ) فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ (إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) صِحَاحٍ بِلَيَالِيِهَا (بِمَوْضِعٍ) لَيْسَ وَطَنًا لَهُ أَتَمَّ صَلَاتَهُ، وَأَمَّا الْوَطَنُ فَيَجِبُ الْإِتْمَامُ بِدُخُولِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةِ إقَامَةٍ، وَمِثْلُهُ الْمَحِلُّ الْمُعْتَادُ لِإِقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِهِ فَأَكْثَرَ كَمَكَّةَ لِلْحَاجِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِتْمَامُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهَا. (أَوْ) أَيْ وَكَذَا إنْ نَوَى إقَامَةً (مَا يُصَلِّي فِيهِ عِشْرِينَ صَلَاةً أَتَمَّ الصَّلَاةَ) جَوَابُ إنْ نَوَى، وَقَوْلُهُ: أَوْ مَا يُصَلِّي إشَارَةً إلَى طَرِيقِ سَحْنُونٍ، وَقَوْلُهُ أَوَّلًا: وَإِنْ نَوَى إشَارَةً إلَى طَرِيقِ شَيْخِهِ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَابْنُ الْقَاسِمِ يَعْتَبِرُ الْأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَوْ مَا يُصَلِّي فِيهِ الْعِشْرِينَ صَلَاةً يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ. (حَتَّى يَظْعَنَ) بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ أَيْ يَرْتَحِلَ (مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ) الَّذِي نَوَى فِيهِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَقَطَعَهُ دُخُولُ بَلَدِهِ وَإِنْ بِرِيحٍ غَالِبَةٍ أَوْ مَكَانِ زَوْجَةٍ دَخَلَ بِهَا فَقَطْ وَنِيَّةُ دُخُولِهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسَافَةِ وَنِيَّتِهِ إقَامَةُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ وَلَوْ بِخِلَالِهِ إلَّا الْعَسْكَرَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ الْعِلْمِ بِهَا عَادَةً لَا مُجَرَّدِ الْإِقَامَةِ مِنْ غَيْرِ مُقَارَبَةِ النِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ. (تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِنْ اعْتِبَارِ الصِّحَّةِ فِي الْأَيَّامِ إلْغَاءُ الْمُكْثِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إلْغَائِهِ وَعَدَمِ تَلْفِيقِهِ مَعَ غَيْرِهِ عَدَمُ الْإِتْمَامِ بِهِ، كَمَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ صِحَاحٍ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ كَلَامِهِ مِنْ وَقْتِ الْحَلِفِ حَتَّى تَمْضِيَ الْأَيَّامُ الصِّحَاحُ الزَّائِدَةُ عَلَى يَوْمِ الْحَلِفِ. (فَرْعٌ) لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ وَشَكَّ هَلْ هِيَ أَرْبَعَةٌ أَوْ أَقَلُّ مِنْهَا؟ فَإِنْ كَانَ فِي مُنْتَهَى سَفَرِهِ أَتَمَّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ نِهَايَةَ السَّفَرِ مَحَلٌّ لِلْإِقَامَةِ، وَإِنْ كَانَ شَكُّهُ الْمَذْكُورُ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى الْقَصْرِ. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسَائِلَ أَرْبَعَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالصَّلَاةِ فِي حَالِ الْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ، وَبَيَانِ كَوْنِهِمَا أَرْبَعًا إنَّ مُرِيدَ السَّفَرِ إمَّا أَنْ يَخْرُجَ لِلسَّفَرِ نَهَارًا قَبْلَ فِعْلِ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ، وَإِمَّا أَنْ يَدْخُلَ لِلْحَضَرِ نَهَارًا قَبْلَ فِعْلِهِمَا، وَإِمَّا أَنْ يَخْرُجَ لَيْلًا قَبْلَ فِعْلِ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ، أَوْ يَدْخُلَ لَيْلًا قَبْلَ فِعْلِهِمَا فَقَالَ: (وَمَنْ خَرَجَ) مُسَافِرًا (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (قَدْ بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ قَدْرُ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ) فَأَكْثَرَ (صَلَّاهُمَا سَفَرِيَّتَيْنِ) وَلَوْ كَانَ أَخَّرَهُمَا عَمْدًا لِلْقَصْرِ لَكِنْ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَمْدًا، وَإِنَّمَا قَصَرَهُمَا لِلسَّفَرِ فِي وَقْتِهِمَا، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ ثَلَاثٍ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ) لَمْ يُسَافِرْ حَتَّى (بَقِيَ قَدْرُ مَا يُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ رَكْعَةً صَلَّى الظُّهْرَ حَضَرِيَّةً) لِخُرُوجِ وَقْتِهَا (وَ) صَلَّى (الْعَصْرَ سَفَرِيَّةً) لِلسَّفَرِ فِي وَقْتِهَا، وَيَجِبُ تَقْدِيمُ الظُّهْرِ عَلَى الْعَصْرِ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْفَائِتَةِ الْيَسِيرَةِ وَالْحَاضِرَةِ وَإِنْ خَافَ خُرُوجَ وَقْتِ الْحَاضِرَةِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْخُرُوجِ نَهَارًا، وَأَشَارَ إلَى مَسْأَلَةِ الدُّخُولِ نَهَارًا بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ دَخَلَ) الْمُسَافِرُ وَطَنَهُ (لِخَمْسِ رَكَعَاتٍ) فَأَكْثَرَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَعَلَيْهِ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ حَالَةَ كَوْنِهِ (نَاسِيًا لَهُمَا) أَوْ عَامِدًا (صَلَّاهُمَا حَضَرِيَّتَيْنِ) لِإِدْرَاكِ الْأُولَى بِأَرْبَعٍ وَيَفْضُلُ لِلثَّانِيَةِ رَكْعَةٌ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ نَاسِيًا وَصْفٌ طَرْدِيٌّ غَيْرُ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ الْخَمْسِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ كَانَ) الدُّخُولُ إنَّمَا وَقَعَ (بِقَدْرِ) مَا يَسَعُ (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَأَقَلَّ إلَى رَكْعَةٍ) قَبْلَ الْغُرُوبِ (صَلَّى الظُّهْرَ سَفَرِيَّةً)

стр. 254

قَدِمَ فِي لَيْلٍ وَقَدْ بَقِيَ لِلْفَجْرِ رَكْعَةٌ فَأَكْثَرُ وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا وَالْعِشَاءَ حَضَرِيَّةً وَلَوْ خَرَجَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ اللَّيْلِ رَكْعَةٌ فَأَكْثَرُ صَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ سَفَرِيَّةً. ــ [الفواكه الدواني] لِأَنَّهَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ فَيَقْضِيهَا عَلَى صِفَةِ مَا فَاتَتْهُ. (وَ) صَلَّى (الْعَصْرَ حَضَرِيَّةً) لِإِدْرَاكِ وَقْتِهَا. وَلَمَّا بَيَّنَ حُكْمَ النَّهَارِيَّتَيْنِ فِي حَالِ الْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ، وَعَلِمَ أَنَّ التَّقْدِيرَ فِي الْخُرُوجِ بِالسَّفَرِيَّتَيْنِ وَفِي الدُّخُولِ بِالْحَضَرِيَّتَيْنِ. شَرَعَ فِي حُكْمِ اللَّيْلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ قَدِمَ) الْمُسَافِرُ لِوَطَنِهِ (فِي لَيْلٍ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (قَدْ بَقِيَ لِلْفَجْرِ رَكْعَةٌ فَأَكْثَرَ فِيمَا يُقَدَّرُ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَكُنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) وَلَوْ كَانَ أَخَّرَهُمَا عَمْدًا (صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا) لِعَدَمِ قَصْرِهَا (وَ) صَلَّى (الْعِشَاءَ حَضَرِيَّةً) لِقُدُومِهِ فِي وَقْتِهَا. قَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: اُخْتُلِفَ فِي هَذَا التَّقْدِيرِ هَلْ يُرَاعِي قَبْلَهُ تَقْدِيرَ الطَّهَارَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا أَمْ لَا؟ اهـ لَفْظُهُ. وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُقَدَّرُ الطُّهْرُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَاضِرِ إذَا سَافَرَ وَالْمُسَافِرِ إذَا قَدِمَ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَالْقَرَافِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ اهـ، وَأَقُولُ: وَاَلَّذِي يَنْبَغِي اعْتِبَارُ تَقْدِيرِ الطُّهْرِ عِنْدَ التَّأْخِيرِ نِسْيَانًا لَا عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ إنَّمَا يُقَدَّرُ لِذَوِي الْأَعْذَارِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَعْذُورُ غَيْرُ كَافِرٍ يُقَدَّرُ لَهُ الطُّهْرُ، ثُمَّ خَتَمَ الْبَابَ بِالْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ فَقَالَ: (وَلَوْ خَرَجَ) لِلسَّفَرِ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (قَدْ بَقِيَ مِنْ اللَّيْلِ) مَا يَسَعُ (رَكْعَةً فَأَكْثَرَ صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا وَصَلَّى الْعِشَاءَ سَفَرِيَّةً) ؛ لِأَنَّهُ سَافَرَ فِي وَقْتِهَا وَالْوَقْتُ إذَا ضَاقَ اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ، وَلَوْ رَاعَى الْمُصَنِّفُ الْمُنَاسَبَةَ لَقَدَّمَ مَسْأَلَةَ الْخُرُوجِ فِي اللَّيْلِيَّتَيْنِ عَلَى مَسْأَلَةِ الدُّخُولِ كَمَا فَعَلَ فِي النَّهَارِيَّتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَكَسَ فِي اللَّيْلِيَّتَيْنِ. (خَاتِمَةٌ) يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ مُسَافِرًا وَلَهُ أَهْلٌ أَنْ يُعَجِّلَ الْأَوْبَةَ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ السَّفَرَ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ تَعْجِيلُ الْأَوْبَةِ وَالدُّخُولِ ضُحًى؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي السُّرُورِ، وَيُكْرَهُ الدُّخُولُ لَيْلًا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ خَبَرُ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَشَرَابَهُ وَطَعَامَهُ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وُجْهَتِهِ فَلْيُعَجِّلْ إلَى أَهْلِهِ وَلَا يَطْرُقُهُمْ لَيْلًا كَيْ تَسْتَحِدَّ الْمَغِيبَةُ وَتُمَشَّطَ الشَّعِثَةُ وَلِئَلَّا يَجِدَ فِي بَيْتِهِ مَا يَكْرَهُ» وَقَدْ اقْتَحَمَ النَّهْيَ رَجُلَانِ فَوَجَدَ كُلٌّ فِي بَيْتِهِ رَجُلًا، وَالنَّهْمَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بُلُوغُ الْمُرَادِ، وَالْوُجْهَةُ جِهَةُ سَفَرِهِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ اسْتِصْحَابُ هَدِيَّةٍ مَعَهُ وَتَكُونُ بِقَدْرِ حَالِهِ. وَلَمَّا كَانَ بَيْنَ صَلَاةِ السَّفَرِ وَالْجُمُعَةِ مُنَاسَبَةٌ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةِ، نَاسَبَ ذِكْرُ الْجُمُعَةِ عَقِبَ صَلَاةِ السَّفَرِ بِقَوْلِهِ.

стр. 255

بَابٌ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، وَالسَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ فَرِيضَةٌ وَذَلِكَ عِنْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَخَذَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ وَالسُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ ــ [الفواكه الدواني] [بَاب فِي صَلَاة الْجُمُعَةَ] (بَابٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) وَهِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى أَشْهَرِ لُغَاتِهَا وَبِهِ قُرِئَ وَبِالسَّبْعِ، وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا وَفَتْحُهَا وَبِهِمَا قُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ، وَلُغَةً رَابِعَةً بِكَسْرِ الْمِيمِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِوُجُوبِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا، وَقِيلَ: لِاجْتِمَاعِ أَجْزَاءِ آدَمَ فِي يَوْمِهَا، وَقِيلَ:؛ لِأَنَّ آدَمَ اجْتَمَعَ مَعَ حَوَّاءَ فِي يَوْمِهَا وَأَوَّلُ مَنْ سَمَّاهَا جُمُعَةً قُصَيٌّ فَإِنَّهُ جَمَعَ قُرَيْشًا فِي يَوْمِهَا وَقَالَ: هَذَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَصَلَّى بِهِمْ الْجُمُعَةَ وَقَالَ: هَذَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَهَا فِي بَيَاضَةَ لَمَّا «أَنْفَذَ النَّبِيُّ ﷺ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ وَأَمَرَهُ بِإِقَامَتِهَا فَنَزَلَ عَلَى أَسْعَدَ الْمَذْكُورَ وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ بِنَفْسِهِ وَهِيَ أَوَّلُ جُمُعَةٍ أُقِيمَتْ بِالْمَدِينَةِ وَيَوْمُهَا يَوْمٌ عَظِيمٌ» ، فَفِي الْمُوَطَّإِ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَم وَفِيهِ أُهْبِطَ وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَاتَ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ» وَالْأَكْثَرُ أَنَّ تِلْكَ السَّاعَةَ بَاقِيَةٌ مَا لَمْ تُرْفَعْ، وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي وَقْتِهَا فَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ أَخْفَاهَا عَلَى الْعِبَادِ حَتَّى نَبِيِّنَا ﵊ لِيَجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، كَمَا أَخْفَى الرَّجُلَ الصَّالِحَ، وَكَمَا أَخْفَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَاسْتَمَرَّ هَذَا إلَّا فِي حَقِّ الْمُصْطَفَى ﷺ فَإِنَّهُ لَمْ يَمُتْ حَتَّى أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى مَا أَخْفَاهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَغِيبَاتِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْعَقِيدَةِ فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت، وَبِالْجُمْلَةِ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ خَصَّ اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ، وَأَعْطَى النَّصَارَى يَوْمَ الْأَحَدِ وَالْيَهُودَ يَوْمَ السَّبْتِ وَفُرِضَتْ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُصَلِّهَا ﷺ حِينَئِذٍ، وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ رَكْعَتَانِ يَمْنَعَانِ وُجُوبَ الظُّهْرِ عَلَى رَأْيٍ وَيُسْقِطَانِهَا عَلَى آخَرَ، فَقَوْلُهُ: يَمْنَعَانِ وُجُوبَ الظُّهْرِ أَيْ عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ يَوْمِهَا وَالظُّهْرُ بَدَلٌ مِنْهَا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَوْلُهُ: وَيَسْقُطَانِهَا عَلَى آخَرَ أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ الظُّهْرِ وَهُوَ شَاذٌّ، إذْ لَوْ كَانَتْ بَدَلًا مَا صَحَّ فِعْلُهَا مَعَ إمْكَانِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا وَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ، وَجَمَعَ الْفَاكِهَانِيُّ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لِيَزُولَ الْإِشْكَالُ الْحَاصِلُ مِنْ فِعْلِهَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الظُّهْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْبَدَلِيَّةِ فَقَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهَا بَدَلُ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ مِنْهَا فِي الْفِعْلِ، وَمَعْنَى كَوْنِهَا بَدَلًا فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ أَنَّ الظُّهْرَ شُرِعَتْ فِي ابْتِدَاءٍ ثُمَّ شُرِعَتْ الْجُمُعَةُ بَدَلًا مِنْهَا، وَمَعْنَى كَوْنِهَا بَدَلًا فِي الْفِعْلِ أَنَّهَا إذَا تَعَذَّرَ فِعْلُهَا أَجْزَأَتْ عَنْهَا الظُّهْرُ، فَإِضَافَةُ صَلَاةٍ فِي كَلَامِهِ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْمُسَمَّى إلَى الِاسْمِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاسْمَ عَيْنُ الْمُسَمَّى. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِهَا بِقَوْلِهِ: (وَالسَّعْيُ) أَيْ الذَّهَابُ (إلَى) الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ لِأَجْلِ صَلَاةِ (الْجُمُعَةِ فَرِيضَةٌ) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّتِهَا الْجَامِعُ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْفَرَائِضِ، دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ الْخُطْبَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَالْأَذَانِ لَهَا، وَتَحْرِيمِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَحُرْمَةِ الِانْفِضَاضِ مِنْ خَلْفِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَاتَبَ الَّذِينَ انْفَضُّوا مِنْ خَلْفِهِ ﵊ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] وَذَلِكَ لَمَّا أَقْبَلَتْ الْقَافِلَةُ مِنْ الشَّامِ خَرَجُوا إلَيْهَا وَتَرَكُوهُ ﵊ قَائِمًا يَخْطُبُ، قِيلَ: لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلَّا اثْنَيْ عَشَرَ وَهُمْ الصَّحَابَةُ الْعَشَرَةُ وَالْحَادِيَ عَشَرَ بِلَالٌ، وَاخْتُلِفَ فِي الثَّانِيَ عَشَرَ فَقِيلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَقِيلَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَاللَّهْوُ هُوَ النَّظَرُ إلَى صُورَةِ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ وَكَانَ أَقْبَلَ مَعَ الْقَافِلَةِ، وَدَلَّتْ الْآيَةُ أَيْضًا عَلَى طَلَبِ الْقِيَامِ فِي الْخُطْبَةِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ: «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُحَرِّقُ عَلَى رِجَالٍ

стр. 256

أَنْ يَصْعَدُوا حِينَئِذٍ عَلَى الْمَنَارِ فَيُؤَذِّنُونَ وَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ الْبَيْعُ وَكُلُّ مَا يَشْغَلُ عَنْ السَّعْيِ إلَيْهَا وَهَذَا الْأَذَانُ الثَّانِي أَحْدَثَهُ ــ [الفواكه الدواني] يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ» . وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَبَيْنَ زَمَنِ السَّعْيِ لَهَا بِقَوْلِهِ (وَذَلِكَ) أَيْ السَّعْيُ يَكُونُ (عِنْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (أَخَذَ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي بِمَعْنَى شَرَعَ (الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ وَجَرِّ الْمُؤَذِّنِينَ بِالْإِضَافَةِ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى " جُلُوسِ " بِحَيْثُ لَا يَفْرُغُ الْأَذَانُ إلَّا عِنْدَ اجْتِمَاعِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ، فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ جِدًّا بِحَيْثُ يَصِلُ السَّاعِي لَهَا قَبْلَ فَرَاغِ الْأَذَانِ كَمَا عَلِمْت، وَأَمَّا مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ مِنْ الزَّمَانِ الَّذِي إذَا سَعَى فِيهِ يُدْرِكُ أَوَّلَ الْخُطْبَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ سِوَاهُ؛ لِأَنَّ حُضُورَ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَوَّلِهَا، فَقَوْلُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ: يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ وُجُوبِ حُضُورِ الْخُطْبَةِ مِنْ أَوَّلِهَا غَيْرُ مُسْلِمٍ بِالنِّسْبَةِ لِجَمِيعِ الْمُخَاطَبِينَ بِحُضُورِهَا، وَإِنَّمَا يَصِحُّ فِي الزَّائِدِ عَلَى مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ كَمَا بَيَّنَّا، فَيَتَعَيَّنُ فَهْمُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ، نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ جَوَازُ أَذَانِ الْجَمَاعَةِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ لِلْخُلَفَاءِ وَجَائِزٌ لِغَيْرِهِمْ، وَالْمَنْدُوبُ فِي حَقِّ مَنْ يَخْطُبُ عَلَى الْأَرْضِ وُقُوفُهُ عَلَى يَسَارِ الْمِحْرَابِ وَاسْتَحَبَّ بَعْضٌ الْوُقُوفَ عَلَى يَمِينِهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ. وَلَمَّا كَانَ لِلْجُمُعَةِ أَذَانَانِ وَأَحَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ ﷺ شَرَعَ فِي بَيَانِ كُلٍّ بِقَوْلِهِ: (وَالسُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ) الَّتِي كَانَتْ تُفْعَلُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أَنْ يَصْعَدُوا) أَيْ الْمُؤَذِّنُونَ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ (عَلَى الْمَنَارِ) فَإِذَا ارْتَقَوْا عَلَيْهِ (فَيُؤَذِّنُونَ) عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَبِيبٍ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ رَقَى الْمِنْبَرَ فَجَلَسَ ثُمَّ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُونَ وَكَانُوا ثَلَاثَةً يُؤَذِّنُونَ عَلَى الْمَنَارِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَإِذَا فَرَغَ الثَّالِثُ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، وَكَذَا فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، ثُمَّ لَمَّا كَثُرَتْ النَّاسُ أَمَرَ عُثْمَانُ بِإِحْدَاثِ أَذَانٍ سَابِقٍ عَلَى الَّذِي كَانَ يُفْعَلُ عَلَى الْمَنَارِ، وَأَمَرَهُمْ بِفِعْلِهِ بِالزَّوْرَاءِ عِنْدَ الزَّوَالِ وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالسُّوقِ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ وَيَرْتَفِعُوا مِنْ السُّوقِ فَإِذَا خَرَجَ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ عَلَى الْمَنَارِ، ثُمَّ إنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي زَمَنِ إمَارَتِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَ بِنَقْلِ الْأَذَانِ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمَنَارِ بِأَنْ يُفْعَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ عِنْدَ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَصَارَ الْأَمْرُ إذَا خَرَجَ هِشَامٌ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ كُلُّهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا فَرَغُوا خَطَبَ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: وَلَهَا أَذَانَانِ أَحَدُهُمَا عِنْدَ الزَّوَالِ وَالْآخَرُ عِنْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَالثَّانِي مِنْهُمَا آكَدُ مِنْ الْأَوَّلِ وَعِنْدَهُ يَحْرُمُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ. وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَنَّ الْآذَانَ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْأَذَانَ كَانَ فِي زَمَانِهِ ﵊ وَاحِدًا، وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ هَلْ كَانَ عَلَى الْمَنَارِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، أَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ ؟ وَالْمُرَادُ بِالْمَنَارِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَوْضِعُ الْأَذَانِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى صُورَتِهِ الْآنَ. قَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ مَا مَعْنَاهُ: مَحَلُّ تَأْخِيرِ صُعُودِ الْمُؤَذِّنِينَ لِجُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ إذَا كَانَ الْمَنَارُ قَرِيبًا مِنْ الْأَرْضِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ بَعِيدًا فَإِنَّهُمْ يَصْعَدُونَ الْمَنَارَ أَوَّلًا ثُمَّ يَرْقَى الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ وَلَكِنْ لَا يُؤَذِّنُونَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي قَدَّرْنَاهُ غَيْرُ جَازِمٍ، وَانْدَفَعَ بِهِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي ثُبُوتِهَا مِنْ تَوَهُّمِ عَطْفِ " يُؤَذِّنُونَ " عَلَى " يَصْعَدُوا " الْمَنْصُوبَ بِأَنْ، وَلَمَّا كَانَ الْأَذَانُ الْوَاقِعُ بَعْدَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ آكَدَ؛ لِأَنَّهُ قِيلَ بِوُجُوبِهِ [الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَقْتَ صَلَاة الْجُمُعَةَ] قَالَ: (وَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ وَقَعَ الْآذَانُ وَالْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، سَوَاءٌ وَقَعَ عَلَى مَنَارٍ كَمَا فِي الزَّمَنِ الْقَدِيمِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ كَمَا هُوَ الْآنَ (الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ) عَلَى كُلِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مَعَ مِثْلِهِ، أَوْ مَعَ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْخَطَرِ، إلَّا مَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ كَمَنْ أَحْدَثَ وَقْتَ النِّدَاءِ وَلَا يَجِدُ الْمَاءَ أَوْ الصَّعِيدَ إلَّا بِالثَّمَنِ، فَيَجُوزُ كُلٌّ، مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ إنْ كَانَ الْمَالِكُ مِمَّنْ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ كَعَبْدٍ أَوْ صَبِيٍّ. وَأَمَّا إنْ لَمْ يُوجَدْ الْمَاءُ إلَّا مَعَ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُخَاطَبُ بِحُضُورِ الْجُمُعَةِ وُجُوبًا فَهَلْ تَتَعَدَّى إلَيْهِ الرُّخْصَةُ وَيَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ لِضَرُورَةِ الْمُشْتَرِي؟ أَوْ الرُّخْصَةُ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمُشْتَرِي؟ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ شُيُوخُ ابْنِ نَاجِي كَالْغُبْرِينِيِّ وَغَيْرِهِ، وَأَقُولُ: الْمَأْخُوذُ مِمَّا يَأْتِي فِي بَيْعِ نَحْوِ الْعَذِرَةِ مِنْ النَّجَاسَاتِ عِنْدَ الْحَاجَةِ الشَّدِيدَةِ مَا يَقْتَضِي قَصْرَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، فَرَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ لِقَوْلِهِ لَا كَزِبْلٍ وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ (وَ) لَا مَفْهُومَ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بَلْ يَحْرُمُ (كُلُّ مَا يُشْغِلُ عَنْ السَّعْيِ إلَيْهَا) كَالتَّوْلِيَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْهِبَةِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَالْحَصَادِ وَالدِّرَاسِ وَالسَّفَرِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] وَأَوْلَى غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مِنْ الْحَاجَاتِ، فَإِذَا نَهَى عَنْهُ نَهَى عَنْ غَيْرِهِ بِالْأَوْلَى، وَإِذَا وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ كُلُّ مَا فِيهِ مُعَاوَضَةٌ مَالِيَّةٌ كَالْبَيْعِ وَالتَّوْلِيَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفَسْخُ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَتَوْلِيَةٍ وَشَرِكَةٍ وَإِقَالَةٍ وَشُفْعَةٍ بِأَذَانٍ ثَانٍ، لَا

стр. 257

بَنُو أُمَيَّةَ وَالْجُمُعَةُ تَجِبُ بِالْمِصْرِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْخُطْبَةُ فِيهَا وَاجِبَةٌ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَيَتَوَكَّأُ الْإِمَامُ عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصًا ــ [الفواكه الدواني] نَحْوِ النِّكَاحِ وَالْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ النَّاجِزِ، وَكَذَا الْكِتَابَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا عِتْقٌ فَلَا يُفْسَخُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ حَرُمَ، وَإِذَا فُسِخَ فَالْفَسْخُ بَعْدَ فَوَاتِهِ فِي الْقِيمَةِ يَوْمَ قَبْضِهِ. قَالَ خَلِيلٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَفَسْخُ بَيْعٍ إلَخْ فَإِنْ فَاتَ فَالْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ لَا نِكَاحٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ، وَوَقَعَ خِلَافٌ فِيمَا إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ فِي حَالِ سَعْيِهِمَا لِلْجُمُعَةِ، فَقِيلَ يُفْسَخُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْغَلْهُمَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الَّذِي يُفْسَخُ الْعَقْدَ الْمُحَرَّمُ. وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ بَيْنَ صَبِيَّيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ فَلَا سَبِيلَ لِفَسْخِهِ لِعَدَمِ حُرْمَتِهِ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ أَيْضًا فِي فَسْخِ الْبَيْعِ الْوَاقِعِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ كَشَخْصَيْنِ عَلَيْهِمَا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَلَمْ يَبْقَ لِلْمَغْرِبِ إلَّا قَدْرُ خَمْسِ رَكَعَاتٍ فِي الْحَضَرِ أَوْ ثَلَاثٍ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ وَأَبُو عِمْرَانَ بِالْفَسْخِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ بِعَدَمِهِ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ وَغَيْرُهُ وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَقَيَّدْنَا السَّفَرَ بِوَقْتِ الْأَذَانِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ السَّفَرِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ الزَّوَالِ فَمَكْرُوهٌ، فَالسَّفَرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى ثَلَاثِ أَقْسَامٍ مَحَلُّهَا مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يُدْرِكُهَا فِي طَرِيقِهِ كَمُرُورِهِ بِمَحَلِّ جُمُعَةٍ، أَوْ يَكُونُ لَهُ رُفْقَةٌ لَا يَسْتَطِيعُ التَّأْخِيرَ عَنْهُمْ لِلْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ إلَّا جَازَ لَهُ السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الرُّفْقَةَ لَا تَلْزَمُهُمْ جُمُعَةٌ وَإِلَّا حَرُمَ عَلَى الْجَمِيعِ السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ. (وَهَذَا الْأَذَانُ الثَّانِي) يَعْنِي الثَّانِيَ فِي الْإِحْدَاثِ وَهُوَ الْأَوَّلُ الْيَوْمَ فِي الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهُ عَلَى الْمَنَارِ وَبَعْدَ ذَلِكَ يُعِيدُونَهُ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ. (أَحْدَثَهُ بَنُو أُمَيَّةَ) بِالزَّوْرَاءِ عِنْدَ الزَّوَالِ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ إلَّا أَذَانٌ وَاحِدٌ عَلَى الْمَنَارِ، ثُمَّ لَمَّا كَثُرَتْ النَّاسُ أَمَرَ عُثْمَانُ بِإِحْدَاثِ أَذَانٍ عَلَى الزَّوْرَاءِ لِيَرْتَفِعَ النَّاسُ مِنْ السُّوقِ وَيَحْضُرُونَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْأَذَانِ فَوْقَ الْمَنَارِ، ثُمَّ لَمَّا تَوَلَّى هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْمَدِينَةِ أَمَرَ بِنَقْلِ الَّذِي عَلَى الزَّوْرَاء إلَى الْمَنَارِ وَاَلَّذِي عَلَى الْمَنَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَلَوْ قَالَ بَدَلُ بَنِي أُمَيَّةَ عُثْمَانُ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَمَسُّ بِالِاقْتِدَاءِ، إنْ كَانَ كَانَ أُمَوِيًّا لِلتَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ لَا سِيَّمَا أَنَّهُ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَسَمَّاهُ مُحْدِثًا وَهُوَ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ أَحْدَثَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمُحْدِثَ الَّذِي يَجِبُ تَرْكُهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الصَّحَابِيِّ وَقَوْلَ الصَّحَابِيِّ مِنْ السُّنَّةِ، وَأَمَّا الْأَذَانُ الْوَاقِعُ بَيْنَ يَدِي الْخَطِيبِ الْآنَ فَهُوَ ثَانٍ فِي الْفِعْلِ وَأَوَّلٌ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الَّذِي أَحْدَثَهُ عُثْمَانُ أَوَّلٌ فِي الْفِعْلِ وَثَانٍ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَالْوَاقِعُ بَيْنَ يَدِي الْخَطِيبِ ثَانٍ فِي الْفِعْلِ وَأَوَّلٌ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَالنَّاقِلُ لَهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَهُوَ غَيْرُ الْمُحْدِثِ لِلثَّانِي، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ احْتَرَزَ بِالسُّنَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنْ السُّنَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ وَهِيَ الْمَشْرُوعَةُ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁، فَإِنَّ الْمُحْدِثَ لِلْأَذَانِ الْأَوَّلِ الْيَوْمَ الَّذِي يُفْعَلُ قَبْلَ الصُّعُودِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَوْلُهُ: وَهَذَا الْأَذَانُ الثَّانِي إشَارَةٌ إلَى السُّنَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِثَانَوِيَّتِهِ أَنَّهُ ثَانٍ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ وَالْإِحْدَاثُ وَإِنْ كَانَ سَابِقًا فِي الْفِعْلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي عَلَى الْمَنَارِ الْيَوْمَ هُوَ مَا كَانَ عَلَى الزَّوْرَاءِ، وَاَلَّذِي بَيْنَ يَدِي الْخَطِيبِ هُوَ مَا كَانَ عَلَى الْمَنَارِ، وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ بِنَقْلِهِ بَيْنَ يَدِي الْخَطِيبِ صَادِرًا مِنْ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُقْتَدَى بِهِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْمُلُوكِ كَانَ مَكْرُوهًا وَإِنْ كَانَ سُنَّةً، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ وَالْكَرَاهَةُ مِنْ حَيْثُ فِعْلِهِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ؛ لِأَنَّ مَحِلَّهُ الْمَنَارُ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ. الثَّانِي: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِمُنْتَهَى وَقْتِ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ فُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ أَوَّلَهُ مِنْ الزَّوَالِ كَالظُّهْرِ فِي الِاخْتِيَارِيِّ وَالضَّرُورِيِّ. قَالَ خَلِيلٌ: شَرْطُ الْجُمُعَةِ وُقُوعُ كُلِّهَا بِالْخُطْبَةِ وَقْتَ الظُّهْرِ لِلْغُرُوبِ، وَهَلْ إنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ وَصَحَّحَ أَوَّلًا رِوَايَتَانِ، وَمِمَّنْ قَالَ إنَّ وَقْتَهَا كَوَقْتِ الظُّهْرِ الْأُجْهُورِيُّ، وَيُتَوَجَّهُ عَلَى كَلَامِ خَلِيلٍ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْوَقْتَ إذَا ضَاقَ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ وَتَصِيرُ الْأُولَى فَائِتَةً يَجِبُ تَرْتِيبُهَا مَعَ مَا بَعْدَهَا لَا عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِيَّةِ، وَلَمْ يَنُصَّ أَحَدٌ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْجُمُعَةِ مَعَ الْعَصْرِ فَيَلْزَمُ عَلَى فِعْلِهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فِعْلُهَا قَضَاءً؛ لِأَنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى الْعَصْرِ؛ لِأَنَّهَا فَائِتَةٌ يَسِيرَةٌ مَعَ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ أَفْصَحَ عَنْ ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ لَا تَخْتَصُّ بِالْأَمْصَارِ قَالَ: (وَ) صَلَاةُ (الْجُمُعَةِ تَجِبُ بِالْمِصْرِ) وُجُوبَ الْفَرَائِضِ الْعَيْنِيَّةِ، وَالْمِصْرُ هُوَ الْبَلَدُ الْكَبِيرُ الَّذِي بِهِ مَنْ يُقِيمُ الْأَحْكَامَ وَالْحُدُودَ. (وَ) كَذَلِكَ تَجِبُ بِالْقُرَى الْمُتَّصِلَةِ الْبُنْيَانِ ذَاتِ (الْجَمَاعَةِ) وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵁ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: إنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا فِي الْأَمْصَارِ، وَزَادَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا

стр. 258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الفواكه الدواني] إمَامٌ يُقِيمُ الْحُدُودَ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْقُرَى أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً بِالطُّوبِ وَالْأَحْجَارِ، بَلْ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ أَخْصَاصٍ مَصْنُوعَةٍ مِنْ خَشَبٍ أَوْ بُوصٍ وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: شَرْطُ الْجُمُعَةِ وُقُوعُ كُلِّهَا بِالْخُطْبَةِ وَقْتَ الظُّهْرِ لِلْغُرُوبِ، إلَى أَنْ قَالَ: بِاسْتِيطَانِ بَلَدٍ أَوْ أَخْصَاصٍ لَا خِيَمٍ، وَبِجَامِعٍ مَبْنِيٍّ مُتَّحِدٍ، فَإِنْ تَعَدَّدَ فَالْجُمُعَةُ لِلْعَتِيقِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ أَدَاءً فَلَا تَصِحُّ فِي الْمَكَانِ الْمُحَجَّرِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ أَوْ مَبْنِيٍّ بِنَاءً خَفِيفًا أَيْ دُونَ الْمُعْتَادِ، وَحَقِيقَةُ الِاسْتِيطَانِ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ عَلَى التَّأْيِيدِ مَعَ الْأَمْنِ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ الْجَمَاعَةِ تَتَقَرَّى بِهَا الْقَرْيَةُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْجُمُعَةِ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةٍ وَيُقَالُ لَهَا شُرُوطُ أَدَاءٍ، وَحَقِيقَتُهَا كُلُّ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ، وَشُرُوطُ وُجُوبٍ وَهِيَ كُلُّ مَا يَتَوَقَّفُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ، فَشُرُوطُ الصِّحَّةِ وُقُوعُ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ وَقْتَ الظُّهْرِ وَاسْتِيطَانِ بَلَدِهَا، وَوُجُوبُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ وَحُضُورُ اثْنَيْ عَشَرَ غَيْرَ الْإِمَامِ ذُكُورًا أَحْرَارًا مُسْتَوْطِنِينَ لِلْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ وَلَوْ فِي الْجُمُعَةِ الْأُولَى، وَكَوْنُ الْإِمَامِ هُوَ الْخَطِيبُ إلَّا لِعُذْرٍ، وَوُقُوعُ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ فِي الْجَامِعِ الْمَبْنِيِّ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ وَأَنْ يَكُونَ مُتَّحِدًا وَأَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْبَلَدِ أَوْ فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ حِينَ بِنَائِهِ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا ابْتِدَاءً بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ بَاعَا وَالْبَاعُ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ لَمْ تَصِحَّ فِيهِ، وَإِنْ تَعَدَّدَ فَالْجُمُعَةُ لِلْعَتِيقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَلَدُ كَبِيرًا بِحَيْثُ يَعْسُرُ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَحَلٍّ وَلَا طَرِيقَ بِجِوَارِهِ تُمْكِنُ الصَّلَاةُ فِيهَا فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ تَعَدُّدُهُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ كَمَا لَوْ ارْتَضَاهُ بَعْضُ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ، وَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ حَاجَةُ مَنْ يَغْلِبُ حُضُورُهُ لِصَلَاتِهَا وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ كَالصِّبْيَانِ وَالْعَبِيدِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَطْلُوبٌ بِالْحُضُورِ وَلَوْ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِذَلِكَ وُجُودُ الْعَدَاوَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ اجْتِمَاعِ الْجَمِيعِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، بَلْ لَوْ قِيلَ إنَّ هَذَا أَوْلَى لِجَوَازِ التَّعَدُّدِ لَمَا بَعْدُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ اتِّحَادِ الْجَامِعِ فِعْلُهُ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُقِيمُوا سِوَى جُمُعَةً وَاحِدَةً، وَ؛ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى وَاحِدَةٍ أَفْضَى إلَى، الْمَقْصُودِ مِنْ إظْهَارِ شِعَارِ الِاجْتِمَاعِ وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ. قَالَهُ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵁، وَمَذْهَبُنَا لَا يُخَالِفُهُ فِي هَذَا، وَشُرُوطُ الْوُجُوبِ الْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ وَالتَّكْلِيفُ وَالِاسْتِيطَانُ، وَهُوَ الْإِقَامَةُ عَلَى قَصْدِ التَّأْبِيدِ لَا الْإِقَامَةُ الْمُجَرَّدَةُ فَلَا تَجِبُ بِهَا إلَّا تَبَعًا، وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْحُضُورِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ فَلَا تَجِبُ عَلَى مَرِيضٍ لَا يَسْتَطِيعُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَزِمَتْ الْمُكَلَّفَ الْحُرَّ الذَّكَرَ بِلَا عُذْرٍ الْمُتَوَطِّنَ وَإِنْ بِقَرْيَةٍ نَائِيَةٍ بِكَفَرْسَخٍ مِنْ الْمَنَارِ، وَقَوْلُنَا فِي شَرْطِ الصِّحَّةِ أَنَّهُ يَكْفِي حُضُورُ اثْنَيْ عَشَرَ إلَخْ لَا يُنَافِي اشْتِرَاطَ كَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ فِي مَحَلِّ الْجُمُعَةِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُمْ الْإِقَامَةُ عَلَى التَّأْبِيدِ مَعَ الْأَمْنِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الذَّبِّ عَنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّ وُجُودَ مَنْ تَتَقَرَّى بِهِ الْقَرْيَةُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ مَشْرُوعِيَّتِهَا عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيُطَالَبُونَ بِحُضُورِهَا، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ مِنْهُمْ لِلْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ إلَّا اثْنَيْ عَشَرَ غَيْرَ الْإِمَامِ صَحَّتْ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُولَى وَغَيْرِهَا بِشَرْطِ صِحَّةِ صَلَاةِ جَمِيعِهِمْ، لَا إنْ أَحْدَثَ وَاحِدٌ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ قَبْلَ السَّلَامِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ شَافِعِيًّا لَمْ يُقَلِّدْ مَالِكًا فِي صَلَاتِهَا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَتَوَصَّلُ إلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِ تِلْكَ الْجَمَاعَةِ الْكَائِنَةِ فِي الْبَلَدِ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ دَائِمًا مَعَ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْأَمْرِ الْمُسْتَقْبَلِ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ تَعَالَى؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّرْطَ كَوْنُهَا تَتَقَرَّى بِهَا الْقَرْيَةُ فِي أَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلِ بِحَسَبِ اعْتِقَادِنَا وَالْعَادَةُ وَإِنْ كَانَ الْعَقْلُ يُجَوِّزُ تَخَلُّفَ ذَلِكَ فَافْهَمْ، وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِيطَانَ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْجَمَاعَةِ لَا فِي الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الْإِقَامَةُ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ الْخَلِيفَةِ، وَالْخَلِيفَةُ الَّذِي هُوَ السُّلْطَانُ تَصِحُّ إمَامَتُهُ فِي الْجُمُعَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْطِنًا بَلْ وَلَوْ كَانَ مُسَافِرًا، وَلَا يُقَالُ: إذَا كَانَ مَقِيسًا عَلَيْهِ تَصِحُّ إمَامَتُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُقِيمًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: شَأْنُ الْفَرْعِ أَنْ يَكُونَ أَحَطَّ مَرْتَبَةً مِنْ أَصْلِهِ، وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةً حَسَنَةً وَهِيَ صِحَّةُ إمَامَةِ مُسَافِرٍ نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ فِي قَرْيَةٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ خَطِيبًا فِيهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الِاثْنَيْ عَشَرَ لِكَيْ تَصِحَّ خُطْبَتُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إلَّا الَّذِي لَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ الْإِقَامَةَ لِأَجْلِ الْخُطْبَةِ، وَبَنَوْا عَلَيْهِ أَيْضًا صِحَّةَ إمَامَةِ مَنْ قَدِمَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ أُخْرَى وَبَيْنَ الْبَلَدَيْنِ أَقَلُّ مِنْ كَفَرْسَخٍ مِنْ الْمَنَارِ أَوْ قَدْرُ فَرْسَخٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ خَارِجًا عَنْ كَفَرْسَخٍ فَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ إلَّا إذَا نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِصِحَّةِ إمَامَتِهِ حَيْثُ كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ أَقَلُّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: إنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ رَاجِعْ شُرَّاحَهُ لِخَلِيلٍ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي، ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ. (وَالْخُطْبَةُ فِيهَا) أَيْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (وَاجِبَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّاهَا بِلَا خُطْبَةٍ، فَإِذَا صَلَّوْا مِنْ غَيْرِ خُطْبَةٍ أَعَادُوهَا بَعْدَ الْخُطْبَةِ مَا دَامَ وَقْتُهَا، وَيُشْتَرَطُ فِي تِلْكَ الْخُطْبَةِ أَنْ تَكُونَ كَلَامًا مُشَجِّعًا مُخَالِفًا لِلنَّثْرِ وَالشِّعْرِ بِحَيْثُ تُسَمِّيهَا الْعَرَبُ خُطْبَةً، وَأَنْ تَكُونَ بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ وَلَوْ كَانُوا عَجَمًا، وَأَنْ تَكُونَ جَهْرًا وَلَوْ كَانُوا صُمًّا، وَأَنْ تَكُونَ بِحَضْرَةِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا أَحْرَارًا مُسْتَوْطِنِينَ بَاقِينَ لِسَلَامِهَا، وَأَنْ تَقَعَ بَعْدَ الزَّوَالِ، دَاخِلَ الْمَسْجِدِ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّهَا كَجُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ، وَتَصِحُّ مِنْ مَحْضِ قُرْآنٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى تَحْذِيرٍ وَتَبْشِيرٍ وَبَعْضِ مَوَاعِظَ كَسُورَةِ ق، وَيُسْتَحَبُّ اشْتِمَالُهَا عَلَى الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَلْ فِيهَا لِلْجِنْسِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا وَلَا بُدَّ أَنْ تَقَعَ (قَبْلَ الصَّلَاةِ) فَلَوْ صَلَّى

стр. 259

وَيَجْلِسُ فِي أَوَّلِهَا وَفِي وَسَطِهَا وَتُقَامُ الصَّلَاةُ عِنْدَ فَرَاغِهَا وَيُصَلِّي الْإِمَامُ رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى ــ [الفواكه الدواني] قَبْلَ الْخُطْبَةِ لَمْ تَصِحَّ وَتَجِبُ إعَادَتُهَا بَعْدَ الْخُطْبَةِ، فَإِنْ خَطَبَ وَصَلَّى قَبْلَ الزَّوَالِ بَطَلَتَا وَأُعِيدَتَا، هَذَا مُلَخَّصُ شُرُوطِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَنَظَمَهَا عَلَّامَةُ الزَّمَانِ سَيِّدِي عَلِيُّ أَبُو الْإِرْشَادِ الْأُجْهُورِيُّ بِقَوْلِهِ: شَرْطُ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ الذُّكُورَةُ ... تَوَطُّنٌ كَذَلِكَ الْحُرِّيَّةُ إقَامَةٌ أَيْ لِلْوُجُوبِ تَبِعَا ... وَفَقْدُ عُذْرِ مِثْلِهَا فَاسْتَمِعَا كَذَا دُخُولُ الْوَقْتِ وَأَلْحِقْ السَّبَبَ ... وُجُوبُهَا كَغَيْرِهَا مِمَّا وَجَبَ وَشَرْطُ صِحَّةِ وُقُوعِ الْخُطْبَتَيْنِ ... فِي وَقْتِ ظُهْرٍ لَا سِوَاهُ دُونَ بَيْنِ كَمَسْجِدٍ مُتَّحِدٍ ذِي بِنْيَةِ ... وَقَرْيَةٍ بِأَهْلِهَا تَقَرَّتْ وَأَنْ يُصَلِّيَ مِنْهُمْ اثْنَا عَشَرَا ... لَهَا مَعَ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ مِرَا وَكَوْنُهُ بِلَا خَفَا مَنْ خَطَبَا ... إلَّا لِعُذْرٍ وَمُقِيمًا صُوِّبَا وَخُطْبَتَيْنِ قَبْلَهَا وَيَحْضُرُوا ... جَمِيعَ هَاتَيْنِ اللَّذَيْنِ عَبَّرُوا ثُمَّ شَرَعَ فِي مَنْدُوبَاتِ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَتَوَكَّأَ الْإِمَامُ) أَيْ يَعْتَمِدُ حَالَ خُطْبَتِهِ (عَلَى عَصًا) أَوْ سَيْفٍ (أَوْ قَوْسٍ) قَالَهُ مَالِكٌ، وَالْمُرَادُ قَوْسُ الْعَرَبِ لَا قَوْسُ الْعَجَمِ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِفِعْلِهِ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِهِ ذَلِكَ فَقِيلَ لِئَلَّا يَعْبَثَ بِيَدِهِ فِي لِحْيَتِهِ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ لِلْخُطْبَةِ، وَقِيلَ تَخْوِيفِ الْحَاضِرِينَ، وَيَضَعُهُ بِيَمِينِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى عُودِ الْمِنْبَرِ. (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَجْلِسَ) الْخَطِيبُ (فِي أَوَّلِهَا) أَيْ الْخُطْبَةِ لِلِاسْتِرَاحَةِ حَتَّى يُفْرَغَ الْأَذَانُ (وَ) يُسَنُّ أَيْضًا أَنْ يَجْلِسَ (فِي وَسَطِهَا) وَيَقُومُ لِلْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ قَدْرَ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ رَقَى الْمِنْبَرَ فَجَلَسَ» وَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ» وَاسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَى ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ مُنْذُ زَمَانِهِ ﷺ إلَى الْآنَ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْخُطَبِ فِي أَوَّلِهَا وَفِي وَسَطِهَا. (تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَيَجْلِسُ أَنَّهُ يَخْطُبُ قَائِمًا، وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ ذَلِكَ الْقِيَامِ فَقِيلَ وَاجِبٌ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ فِي الْخُطْبَتَيْنِ جَمِيعًا، وَقِيلَ سُنَّةٌ، فَإِنْ خَطَبَ جَالِسًا أَسَاءَ وَصَحَّتْ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ كَمَا فِي عَزَّ وَابْنِ عَرَفَةَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي وُجُوبِ قِيَامِهِ لَهُمَا تَرَدُّدٌ (فَائِدَةٌ) : حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ مَعَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ جَلَاءُ الْقُلُوبِ بِسَمَاعِ الْمَوَاعِظِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: لَمَّا كَانَتْ الْقُلُوبُ تَصْدَأُ بِالْغَفْلَةِ وَالْخَطِيئَةِ كَمَا يَصْدَأُ الْحَدِيدُ اقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ جَلَاءَهَا كُلَّ أُسْبُوعٍ بِالْمَوَاعِظِ وَالِاجْتِمَاعِ لِيَتَّعِظَ الْغَنِيُّ بِالْفَقِيرِ وَالْقَوِيُّ بِالضَّعِيفِ وَالصَّالِحُ بِغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ أَمَرَ بِاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْآفَاقِ فِي الْحَجِّ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَبِالِاجْتِمَاعِ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ عِنْدَ فِعْلِهَا، وَلَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْخُطْبَةَ كَأُولَتَيْ الرُّبَاعِيَّةِ فَتَتَّصِلُ بِهَا قَالَ: (وَتُقَامُ الصَّلَاةُ) أَيْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ (عِنْدَ فَرَاغِهَا) أَيْ الْخُطْبَةِ وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ، وَيُغْتَفَرُ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ دُونَ الْكَثِيرِ فَتُعَادُ لِأَجْلِهِ الْخُطْبَةُ، وَمِنْ الْفَصْلِ الْيَسِيرِ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ ﵁: لَوْ ذَكَرَ بَعْدَ خُطْبَتِهِ مَنْسِيَّةً فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا ثُمَّ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ بَعْدَهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الْخَطِيبُ، فَإِنْ طَرَأَ مَا يَمْنَعُ إمَامَتَهُ كَحَدَثٍ أَوْ رُعَافٍ فَقَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ انْتِظَارُهُ لِعُذْرٍ قَرُبَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمَفْهُومُهُ لَوْ بَعُدَ لَوَجَبَ اسْتِخْلَافُهُ لِغَيْرِهِ بِاتِّفَاقٍ، وَيُسْتَحَبُّ اسْتِخْلَافُ حَاضِرِ الْخُطْبَةِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يُنْتَظَرُ وَلَوْ قَرُبَ زَوَالُ عُذْرِهِ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ كَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْخُطْبَةُ إلَّا مِمَّنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْإِمَامَةِ. (وَ) صِفَةُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنْ (يُصَلِّيَ الْإِمَامُ رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) فَتَبْطُلُ بِتَعَمُّدِ زِيَادَةٍ كَسَجْدَةٍ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ مَعَ السَّهْوِ فَتَبْطُلُ بِزِيَادَةِ رَكْعَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ يَوْمِهَا، وَأَمَّا بِزِيَادَةِ أَرْبَعَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الظُّهْرِ، وَحُكْمُ الْجَهْرِ فِيهَا كَجَهْرِ الْفَرَائِضِ السُّنِّيَّةِ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: كُلُّ صَلَاةٍ فِيهَا خُطْبَةٌ يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ مَا عَدَا خُطْبَةِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا لِلتَّعْلِيمِ، وَإِنْ قَرَأَ فِيهَا سِرًّا عَمْدًا كَانَ كَتَعَمُّدِ تَرْكِ سُنَّةٍ، فَقِيلَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَالنَّاسِي يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ إنْ أَسَرَّ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ فِي السُّورَةِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ، وَتَوَهَّمَ أَبُو يُوسُفَ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ صَلَّى الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّ وَقْفَتَهَا وَقَعَتْ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَحَاجَّهُ مَالِكٌ ﵁ حِينَ نَاظَرَهُ عِنْدَ الْأَمِيرِ هَارُونَ الرَّشِيدِ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هِيَ جُمُعَةٌ؛ لِأَنَّهُ ﷺ خَطَبَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَلَا تَكُونُ جُمُعَةً إلَّا كَذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: أَجَهَرَ فِيهَا؟ فَانْقَطَعَ أَبُو يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ أَنَّهُ جَهَرَ فِيهَا، وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى الْجَهْرِ فِي الْجُمُعَةِ. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَقْرَأَ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (بِالْجُمُعَةِ) لِمَا

стр. 260

بِالْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا وَفِي الثَّانِيَةِ بِهَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وَنَحْوِهَا وَيَجِبُ السَّعْيُ إلَيْهَا عَلَى مَنْ فِي الْمِصْرِ وَمَنْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْهُ فَأَقَلَّ وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ وَلَا عَلَى أَهْلِ مِنًى وَلَا عَلَى عَبْدٍ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا صَبِيٍّ وَإِنْ حَضَرَهَا عَبْدٌ أَوْ ــ [الفواكه الدواني] اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ؛ وَلِأَنَّهُ ﷺ كَانَ مُوَاظِبًا عَلَى قِرَاءَتِهَا فِيهَا. (وَ) لَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا (نَحْوَهَا) مِمَّا هُوَ مُقَارِبٌ لَهَا فِي الطُّولِ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّهُ ﵇ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْجُمُعَةِ إلَّا بِهَا، فَفِي مُسْلِمٍ: «أَنَّهُ ﵊ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى: بِ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى» فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي زِيَادَةِ قَوْلِهِ: أَوْ نَحْوَهَا، وَلَا يُقَالُ: سَبِّحْ لَيْسَتْ نَحْوَ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْقَصْدُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ نَفَى قِرَاءَةَ غَيْرِ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّ الْمُصْطَفَى ﵊، وَهُوَ يَحْصُلُ بِوُرُودِهِ مُطْلَقَ قِرَاءَةِ سُورَةٍ غَيْرِ الْجُمُعَةِ فَافْهَمْ. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ (فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ بِ " هَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ " وَنَحْوِهَا) مِنْ الْقِصَارِ. قَالَ فِي الْكَافِي: وَيَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ بِ " سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى " أَوْ " هَلْ أَتَاك " أَوْ " إذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ " كُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ اسْتَحَبَّ فِي الثَّانِيَةِ قِرَاءَةَ: هَلْ أَتَاك فَقَطْ، وَبَعْضُهُمْ يُحَصِّلُ النَّدْبَ فِي الثَّانِيَةِ بِقِرَاءَةِ: سَبِّحْ، أَوْ: إذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ، أَوْ: هَلْ أَتَاك، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي الثَّانِيَةِ: بِهَلْ أَتَاك وَنَحْوِهَا اقْتِصَارٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا لَقَالَ: وَفِي الثَّانِيَةِ بِهَلْ أَتَاك أَوْ هِيَ وَسَبِّحْ أَوْ الْمُنَافِقُونَ. (وَيَجِبُ السَّعْيُ إلَيْهَا) أَيْ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (عَلَى مَنْ) هُوَ مُسْتَوْطِنٌ (فِي الْمِصْرِ) وَهُوَ الْبَلَدُ الْكَبِيرُ. قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَتَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ فِي الْمِصْرِ قَاصِيهِمْ وَدَانِيهِمْ، وَلَا مَفْهُومَ لِلْمَصْرِ بَلْ سَائِرُ الْقُرَى الْمُسْتَوْطَنَةِ يَجِبُ عَلَى أَهْلِهَا السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ وَلَوْ بَعُدَتْ مَنَازِلُهُمْ عَنْ مَحَلِّ الْجُمُعَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَمْيَالٍ وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ لِدُخُولِهِمْ بَلَدِ الْجُمُعَةِ. (وَ) كَذَا يَجِبُ السَّعْيُ عَلَى (مَنْ) مَنْزِلُهُ خَارِجٌ عَنْ بَلَدِ الْجُمُعَةِ حَيْثُ كَانَ (عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمِصْرِ، وَالْمُرَادُ مِنْ مَنَارِهِ أَوْ سُورِهِ (فَأَقَلَّ) فَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ خَرَجَ مَنْزِلُهُ عَنْ الثَّلَاثَةِ أَمْيَالٍ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وُجُوبُهَا عَلَى مَنْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَرُبْعٍ أَوْ ثُلُثِ مِيلٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَزِمَتْ الْمُكَلَّفَ الْحُرَّ الذَّكَرَ الْمُتَوَطِّنَ وَإِنْ بِقَرْيَةٍ نَائِيَةٍ بِكَفَرْسَخٍ مِنْ الْمَنَارِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي نَفْيِهِ الْوُجُوبَ عَنْ الْخَارِجِ عَنْ الْمِصْرِ دَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَهَذَا عَامٌّ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، وَقَوْلُهُ ﷺ : «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنِّدَاءُ يُسْمَعُ مِنْ الصِّيتِ مِنْ ثَلَاثِ أَمْيَالٍ مَعَ هُدُوءِ الرِّيحِ، وَلَكِنْ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِمَنْ كَانَ سَاكِنًا بِالْبَلَدِ، وَأَمَّا الْخَارِجُ عَنْهَا وَدَاخِلُ الْفَرْسَخِ تَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ فَلَا يُحْسَبُ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَيَصِحُّ كَوْنُهُ خَطِيبًا. [شُرُوطِ وُجُوبِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ الْوُجُوبِ يَذْكُرُ الضِّدَّ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَجِبُ) صَلَاةُ الْجُمُعَةِ (عَلَى مُسَافِرٍ) بِدَلِيلِ عَدَمِ صَلَاتِهِ ﷺ الْجُمُعَةَ عَامَ حَجَّةِ سَنَةِ الْوَدَاعِ بِعَرَفَةَ، وَلَوْ صَلَّاهَا ﷺ بِالْمُسْتَوْطَنَيْنِ بِعَرَفَةَ لَصَحَّتْ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُشْتَرَطُ فِي إمَامَتِهِ الِاسْتِيطَانُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمُصْطَفَى خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُسَافِرِ مَنْ أَتَى مِنْ مَحَلٍّ خَارِجٍ عَنْ بَلَدِ الْجُمُعَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ كَفَرْسَخِ وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ مَسَافَةِ قَصْرٍ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُنَا: مَنْ أَتَى إلَخْ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّنْ سَافَرَ مِنْ بَلَدٍ وَأَدْرَكَ النِّدَاءَ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، فَهَذَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْجُمُعَةُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ لَهَا حَيْثُ يَعْتَقِدُ إدْرَاكَهَا وَلَوْ بِرَكْعَةٍ، وَمِثْلُ إدْرَاكِ النِّدَاءِ تَحَقُّقُ الزَّوَالِ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الْفَرْسَخِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا فِي مَحَلِّ إمَامِهِ (وَ) كَذَا (لَا) تَجِبُ الْجُمُعَةُ (عَلَى أَهْلِ مِنًى) الْكَائِنِينَ بِهَا لِرَمْيِ الْجِمَارِ؛ لِأَنَّهُمْ مُسَافِرُونَ، وَأَمَّا الْمُسْتَوْطِنُونَ بِهَا فَتَجِبُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ تَوَفَّرَتْ فِيهِمْ الشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَنْ أَتَى قَرْيَةً إلَى قَرْيَةٍ وَأَرَادَ أَنْ يَخْطُبَ بِهَا تَصِحُّ خُطْبَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ الْقَاطِعَةَ لِحُكْمِ السَّفَرِ حَيْثُ كَانَتْ قَرْيَتُهُ عَلَى كَفَرْسَخٍ مِنْ الْمَنَارِ، وَإِنْ كَانَتْ قَرْيَتُهُ خَارِجَةً عَنْ كَفَرْسَخٍ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ فِي الْجُمُعَةِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ أَقَلُّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَدَمُ وُجُوبِهَا عَلَى الْمُسَافِرِ لَا يُنَافِي أَنَّهُ إنْ صَلَّاهَا نَابَتْ لَهُ عَنْ الظُّهْرِ. (وَلَا) تَجِبُ الْجُمُعَةُ أَيْضًا (عَلَى عَبْدٍ) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ وُجُوبِهَا الْحُرِّيَّةُ (وَلَا امْرَأَةٍ) وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ (وَلَا صَبِيٍّ) لِحَدِيثِ: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوْ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ» وَلَمَّا كَانَ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْوُجُوبِ عَدَمُ نَدْبِ فِعْلِهَا قَالَ: (إنْ حَضَرَهَا

стр. 261

امْرَأَةٌ فَلْيُصَلِّهَا وَتَكُونُ النِّسَاءُ خَلْفَ صُفُوفِ الرِّجَالِ وَلَا تَخْرُجُ إلَيْهَا الشَّابَّةُ وَيُنْصَتُ لِلْإِمَامِ فِي خُطْبَتِهِ وَيَسْتَقْبِلُهُ ــ [الفواكه الدواني] عَبْدٌ أَوْ امْرَأَةٌ) أَوْ مُسَافِرٌ أَوْ مَرِيضٌ يُبَاحُ لَهُ التَّخَلُّفُ عَنْهَا (فَلْيُصَلِّهَا) وَتُجْزِئْهُ عَنْ الظُّهْرِ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى حُكْمِ حُضُورِهَا فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ، وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ وَهُوَ النَّدْبُ فِي الصَّبِيِّ وَالْمُكَاتَبِ وَلَوْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمَا، وَأَمَّا الْقِنُّ وَالْمُدَبَّرُ فَيُنْدَبُ لَهُمَا مَعَ الْإِذْنِ فِي حُضُورِهَا، وَأَمَّا الْمُبَعَّضُ فَفِي يَوْمِ سَيِّدِهِ يَتَوَقَّفُ النَّدْبُ عَلَى إذْنِهِ، وَفِي يَوْمِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنٍ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُعْتَقَ إلَى أَجَلٍ كَالْقِنِّ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يُنْدَبُ لَهَا حُضُورُهَا كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ مُتَجَالَّةً، وَحُكْمُ حُضُورِهَا الْحُرْمَةُ فِي الشَّابَّةِ النَّاعِمَةِ، وَالْكَرَاهَةُ فِي حَقِّ الشَّابَّةِ الَّتِي لَا تَمِيلُ إلَيْهَا النُّفُوسُ غَالِبًا، وَالْجَوَازُ فِي حَقِّ الْمُتَجَالَّةِ فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ، وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَيُنْدَبُ لَهُ الْحُضُورُ حَيْثُ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا أَصْحَابُ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لَهَا فَحُضُورُهُمْ جَائِزٌ، وَإِنْ حَضَرُوهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، حُكْمُ دُخُولِهِ النَّدْبُ إلَّا النِّسَاءَ وَالْعَبِيدَ الَّذِينَ يَحْتَاجُونَ إلَى الْإِذْنِ وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ يُكْرَهُ لَهُمْ فِعْلُهَا أَوْ بِخِلَافِ الْأَوْلَى، هَكَذَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا حَضَرَتْ الْجُمُعَةُ تُصَلِّيهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ مَحَلِّ وُقُوفِهَا فَقَالَ: (وَتَكُونُ النِّسَاءُ) فِي حَالِ صَلَاتِهِنَّ (خَلْفَ صُفُوفِ الرِّجَالِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاتِهِنَّ غَيْرَ الْجُمُعَةِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ بَيَانِ مَحَلِّ وُقُوفِهِنَّ جَوَازُ خُرُوجِهِنَّ لِصَلَاتِهَا وَإِنْ كُنَّ شَوَابَّ قَالَ كَالْمُسْتَدْرِكِ عَلَى مَا سَبَقَ: (وَلَا تَخْرُجُ إلَيْهَا) أَيْ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (الشَّابَّةُ) عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ مَخْشِيَّةَ الْفِتْنَةِ وَإِلَّا حَرُمَ حُضُورُهَا، وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ فَيَجُوزُ حُضُورُهَا، فَحُضُورُهُنَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ سَابِقًا. (تَتِمَّةٌ) : بَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَشْيَاءُ يَسْقُطُ مِنْهَا وُجُوبُ السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ أَشَارَ إلَيْهَا فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ: وَالْمَانِعُ مِنْ حُضُورِهَا أَشْيَاءُ مِنْهَا: مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّفْسِ كَالْمَرَضِ الَّذِي يَشُقُّ مَعَهُ الْإِتْيَانُ أَوْ عِلَّةٌ لَا يُمْكِنُ مَعَهَا الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ يَكُونُ مُقْعَدًا وَلَا يَجِدُ مَرْكُوبًا أَوْ أَعْمَى وَلَا يَجِدُ قَائِدًا عَنْ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَمِنْهَا: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَهْلِ بِأَنْ تَكُونَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ أَوْ أَحَدَ وَالِدَيْهِ وَقَدْ اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَضُ أَوْ اُحْتُضِرَ أَوْ مَاتَ وَخُشِيَ، عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ إنْ تَرَكَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ فَلَهُ التَّخَلُّفُ وَيَشْتَغِلُ بِجِنَازَتِهِ، بَلْ الِاشْتِغَالُ بِهَا أَوْلَى وَلَوْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ، وَلِقَرِيبِ الْمَرِيضِ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ إذَا بَلَغَهُ عَنْهُ مَا يُخْشَى مِنْهُ الْمَوْتُ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَخَافُ عَلَى مَالِهِ أَوْ مَالِ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُ مَالِهِ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ سَارِقٍ أَوْ حَرْقٍ، وَمِنْهَا: الْمَطَرُ الشَّدِيدُ أَوْ الْوَحْلُ الْكَثِيرُ، وَمِنْهَا: كَوْنُهُ مُعْسِرًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَيَخَافُ أَنْ يَحْبِسَهُ الْغَرِيمُ عِنْدَ ظُهُورِهِ، وَمِنْهَا: أَكْلُ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَثُومٍ أَوْ بَصَلٍ أَوْ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَكَوْنِهِ مَجْذُومًا، وَمِنْهَا: عَدَمُ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ بِغَيْرِ لَائِقٍ، وَلَيْسَ مِنْ الْأَعْذَارِ شُهُودُ صَلَاةِ الْعِيدِ صَبِيحَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ وَإِلَّا الْعُرْسُ بِمَعْنَى الزَّوْجَةِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُطْلَبُ لِسَمَاعِ الْخُطْبَةِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ عَلَى مَنْ شَهِدَ الْجُمُعَةَ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ أَنْ (يُنْصِتَ) أَيْ يَسْتَمِعَ (لِلْإِمَامِ) فِي خُطْبَتِهِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، وَفِي حَالِ جُلُوسِ الْخَطِيبِ بَيْنَهُمَا إلَى أَنْ تَفْرُغَ الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْصَاتُ فِي حَالِ الدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ، وَقَوْلُهُ فِي خُطْبَتِهِ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ إلَّا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ وَنَحْوَهُ مِنْ كُلِّ مُشْغِلٍ إنَّمَا يَحْرُمُ بِالْخُطْبَةِ. قَالَ خَلِيلٌ مُشْبِهًا فِي الْحُرْمَةِ كَكَلَامٍ فِي خُطْبَتِهِ بِقِيَامِهِ وَبَيْنَهُمَا وَلَوْ لِغَيْرِ سَامِعٍ إلَّا أَنْ يَلْغُوَ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَكَلَامٌ وَرَدُّهُ وَنَهْيٌ لَاغٍ وَحَصَبُهُ أَوْ إشَارَةٌ لَهُ، وَابْتِدَاءُ صَلَاةٍ بِخُرُوجِهِ وَإِنْ لِدَاخِلٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِنْصَاتَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ جَالِسًا بِالْمَسْجِدِ أَوْ رِحَابِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ يَسْمَعُ كَلَامَ الْإِمَامِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْإِنْصَاتُ وَالْإِصْغَاءُ لَا السَّمَاعُ، وَإِلَّا لَوَجَبَ عَلَى كُلِّ مَنْ شَهِدَ الْجُمُعَةَ الْجُلُوسُ بِقُرْبِ الْخَطِيبِ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ، إذْ يَجُوزُ الْجُلُوسُ عَجُزَ الْمَسْجِدِ اخْتِيَارًا بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ الْخَطِيبَ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قِيلَ نَزَلَتْ فِي، الْخُطْبَةِ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت» . وَرُوِيَ: «مَنْ لَغَى فَلَا جُمُعَةَ لَهُ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ سَمَّى الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ فِيهِ لَغْوًا، وَاللَّغْوُ الْكَلَامُ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ، وَمَا نُفِيَ عَنْهُ الْخَيْرُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِغْرَاقِ نَصًّا أَوْ ظُهُورًا يَقْبَحُ التَّكَلُّمُ بِهِ بَلْ يَحْرُمُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَقَوْلُنَا: جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ رِحَابِهِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْجَالِسِ فِي غَيْرِهِمَا، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْصَاتُ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْكَلَامُ إلَّا مَعَ الْجَالِسِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ رَحْبَتِهِ لَا مَعَ غَيْرِهِمَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ وُجُوبَ الْإِنْصَاتِ عَلَى الْجَالِسِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ رَحْبَتِهِ بِمَا إذَا كَانَ الْخَطِيبُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ لَغْوٌ بِحَيْثُ يَخْرُجُ عَنْ الْخُطْبَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَقِرَاءَةِ كِتَابٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَيُفْهَمُ مِنْ وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ وَلَوْ عَلَى غَيْرِ السَّامِعِ حُرْمَةُ كُلِّ مَا يُنَافِيه مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَتَحْرِيكُ شَيْءٍ

стр. 262

النَّاسُ وَالْغُسْلُ لَهَا وَاجِبٌ وَالتَّهْجِيرُ حَسَنٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَلْيَتَطَيَّبْ لَهَا وَيَلْبَسْ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ وَأَحَبُّ إلَيْنَا ــ [الفواكه الدواني] يَحْصُلُ مِنْهُ تَصْوِيتٌ كَوَرَقٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ فَتْحِ بَابٍ أَوْ سُبْحَةٍ أَوْ مُطَالَعَةٍ فِي كُرَّاسٍ، بَلْ يَقْتَضِي الْمَذْهَبُ مَنْعَ الْإِشَارَةِ لِمَنْ لَغَى. قَالَ خَلِيلٌ: وَنَهْيُ لَاغٍ وَحَصْبُهُ أَوْ إشَارَةٌ لَهُ أَوْ لِرَدِّ سَلَامٍ وَإِنْ جَازَتْ فِي الصَّلَاةِ. (تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِمَّا مَرَّ مِنْ حُرْمَةِ التَّكَلُّمِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ بِشُرُوعِ الْخَطِيبِ فِيهَا عَدَمُ حُرْمَةِ مَا يَقُولُهُ الْمُرْقَى عِنْدَ صُعُودِ الْخَطِيبِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْت» . وَقَوْلُهُ: " أَنْصِتْ رَحِمَكُمْ اللَّهُ "؛ لِأَنَّهُ يَقُولُهُ قَبْلَ شُرُوعِ الْخَطِيبِ، نَعَمْ فِعْلُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ وَعَلَّلَ الْكَرَاهَةَ بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الشَّامِ، وَلِي فِي دَعْوَى الْكَرَاهَةِ بَحْثٌ مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنْ ارْتِكَابِ أَمْرٍ مُحَرَّمٍ حَالَ الْخُطْبَةِ فَلَعَلَّهُ مِنْ الْبِدْعَةِ الْحَسَنَةِ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ الْمُؤَذِّنُونَ عِنْدَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ فَيَجُوزُ، كَمَا يَجُوزُ كُلٌّ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ ذِكْرِ أَسْبَابِهَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ إقْبَالٌ عَلَى ذِكْرٍ قَلَّ سِرًّا كَتَأْمِينٍ وَتَعَوُّذٍ عِنْدَ السَّبَبِ وَكَتَحْمِيدِ عَاطِسٍ سِرًّا. (وَ) يَجِبُ أَنْ (يَسْتَقْبِلَهُ) أَيْ الْخَطِيبَ (النَّاسُ) بِوُجُوهِهِمْ (فِي الْخُطْبَةِ) وَالنَّاسُ يَتَنَاوَلُ أَهْلَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَغَيْرَهُمْ مِمَّنْ يَسْمَعُهُ وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَلَكِنَّ أَهْلَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ يُحَوِّلُونَ وُجُوهَهُمْ إلَى جِهَةِ ذَاتِهِ بِحَيْثُ يَنْظُرُونَهَا، وَأَمَّا أَهْلُ غَيْرِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَيَسْتَقْبِلُونَ جِهَتَهُ وَذَاتَه، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «اُرْمُقُوهُ بِأَبْصَارِكُمْ وَاصْغُوا إلَيْهِ بِآذَانِكُمْ.؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِسْمَاعِ» وَمَا حَمَلْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوب الِاسْتِقْبَالِ عَلَى عُمُومِ النَّاسِ لَا خُصُوصِ غَيْرِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، خِلَافًا لِلْفَاكِهَانِيِّ، فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ سُنَّةٌ، وَلِخَلِيلٍ فِي قَوْلِهِ: إنَّ الَّذِي يَسْتَقْبِلُهُ غَيْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَلَفْظُهُ: وَاسْتَقْبَلَهُ غَيْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ. [آدَاب الْجُمُعَةِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي آدَابِهَا بِقَوْلِهِ: (وَالْغُسْلُ لَهَا) أَيْ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ (وَاجِبٌ) وُجُوبَ السُّنَنِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَسُنَّ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ بِالرَّوَاحِ وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ وَأَعَادَ إنْ تَغَدَّ أَوْ نَامَ اخْتِيَارًا لَا لِأَكْلٍ خَفَّ، فَيُخَاطَبُ بِهِ كُلُّ مَنْ يَحْضُرُهَا وَلَوْ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً؛ لِأَنَّهُ لِلصَّلَاةِ لَا لِلنَّوْمِ، بِخِلَافِ غُسْلِ الْعِيدِ وَهُوَ تَعَبُّدٌ فَيَفْتَقِرُ إلَى مُطْلَقِ نِيَّةٍ وَصِفَتُهُ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَيَصِحُّ انْدِرَاجُهُ فِيهِ عِنْدَ نِيَّتِهِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغُسْلِ، وَوَقْتُهُ بَعْدَ الْفَجْرِ فَلَا يُجْزِئُ قَبْلَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِهِ بِالرَّوَاحِ، فَإِنْ اشْتَغَلَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ بَعْدَهُ بِغَدَاءٍ أَوْ نَوْمٍ أَعَادَهُ حَيْثُ طَالَ زَمَانُهُمَا، وَأَمَّا الْأَكْلُ وَالنَّوْمُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُبْطِلُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَلَوْ كَثُرَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ كَغَيْرِهِ وَلَوْ حَصَلَا فِيهِ مَعَ كَثْرَتِهِمَا لَا يُبْطِلَانِ ثَوَابَ الْغُسْلِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَدَثَ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ أَوْ جَنَابَةٌ فَيُبْطِلَانِ ثَوَابَهُ وَلَوْ حَصَلَا فِي الْمَسْجِدِ، وَمَحِلُّ سُنِّيَّةِ الْغُسْلِ مَا لَمْ يَكُنْ لِمُرِيدِ حُضُورِهَا رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ تَمْنَعُ مِنْ حُضُورِهَا وَإِلَّا وَجَبَ، وَلَيْسَ لِلْجُمُعَةِ سُنَّةٌ إلَّا الْغُسْلَ، وَقَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: ثَلَاثُ سُنَنٍ قَلَّ الْعَمَلُ بِهَا: غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَوُضُوءُ الْجُنُبِ لِلنَّوْمِ وَفِعْلُ الْعَقِيقَةِ، وَزِيدَ عَلَيْهَا سُنَّةٌ رَابِعَةٌ وَهِيَ غُسْلُ الْعِيدَيْنِ وَإِطْلَاقُ السُّنَّةِ عَلَى وُضُوءِ الْجُنُبِ عَلَى طَرِيقَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ الَّذِينَ يُطْلِقُونَ لَفْظَ السُّنَّةِ عَلَى كُلِّ مَطْلُوبٍ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ، وَأَمَّا بَقِيَّةُ آدَابِ الْجُمُعَةِ فَهُوَ مَنْدُوبٌ لِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَالتَّهْجِيرُ) وَهُوَ الذَّهَابُ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَقْتَ الْهَاجِرَةِ مِنْ الْإِمَامِ وَمَأْمُومٍ (حَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ ﵊ وَالصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَأْتُونَ الْمَسْجِدَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّوَاحَ فِي وَقْتِ الْهَاجِرَةِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا يَخْتَلِفُ ثَوَابُهُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» وَهَذِهِ السَّاعَاتُ الْخَمْسُ أَجْزَاءُ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ وَهِيَ السَّاعَةُ السَّادِسَةُ الَّتِي قَبْلَ الزَّوَالِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: " فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ إلَخْ "؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُطْلَبُ خُرُوجُهُ فِي أَوَّلِ السَّابِعَةِ وَهُوَ عَقِبَ الزَّوَالِ وَعَقِبَ الْجُزْءِ الْخَامِسِ مِنْ السَّادِسَةِ الْمُقَسَّمَةِ لِلْخَمْسَةِ أَجْزَاءٍ، وَبِخُرُوجِهِ تَحْضُرُ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ، فَالسَّاعَةُ الْكَائِنَةُ فِي الْحَدِيثِ اعْتِبَارِيَّةٌ لَا فَلَكِيَّةٌ، وَلَمَّا كَانَتْ الْمُبَادَرَةُ إلَى حُضُورِ الطَّاعَةِ مَطْلُوبَةً فِي الْجُمْلَةِ كَانَتْ مَظِنَّةَ تَوَهُّمِ نَدْبِهَا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَدَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ ذَلِكَ) أَيْ السَّعْيُ الْمَفْهُومُ مِنْ التَّهْجِيرِ (فِي أَوَّلِ النَّهَارِ) ؛ لِأَنَّ مَالِكًا ﵁ كَرِهَ السَّعْيَ لَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلِخَوْفِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا اسْمَ الْإِشَارَةِ بِالسَّعْيِ؛ لِأَنَّ الْهَاجِرَةَ شِدَّةُ الْحَرِّ وَهِيَ لَا تَكُونُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ عِنْدَ طُلُوعِ

стр. 263

أَنْ يَنْصَرِفَ بَعْدَ فَرَاغِهَا وَلَا يَتَنَفَّلُ فِي الْمَسْجِدِ وَلْيَتَنَفَّلْ إنْ شَاءَ قَبْلَهَا وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْإِمَامُ وَلْيَرْقَ الْمِنْبَرَ كَمَا يَدْخُلُ. ــ [الفواكه الدواني] الشَّمْسِ، فَإِنْ قِيلَ: كَرَاهَةُ التَّبْكِيرِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، يُنَافِيه قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَدَنَا مِنْ الْإِمَامِ لِيَسْمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» فَالْجَوَابُ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ مَعْنَى بَكَّرَ أَدْرَكَ بَاكُورَةَ الْخُطْبَةِ، وَمَعْنَى ابْتَكَرَ قَدِمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، أَوْ أَنَّ مَعْنَى بَكَّرَ تَصَدَّقَ قَبْلَ خُرُوجِهِ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «بَاكِرُوا بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْبَلَاءَ لَا يَتَخَطَّاهَا» وَقَوْلُهُ: " ابْتَكَرَ " تَأْكِيدٌ لِسَابِقِهِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَمَعْنَى غَسَّلَ أَوْجَبَ الْغُسْلَ عَلَى غَيْرِهِ بِالْجِمَاعِ وَاغْتَسَلَ هُوَ مِنْهُ (وَالتَّطَيُّبُ لَهَا) حَسَنٌ أَيْضًا بِمَعْنَى: مَنْدُوبٌ، وَمَعْنَى التَّطَيُّبِ اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ وَلَوْ لِمُؤَنَّثٍ، وَهُوَ مَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ وَرِيحُهُ، وَيَقْصِدُ بِذَلِكَ الْعَمَلَ بِقَوْلِهِ ﷺ : «وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ وَلَا يَقْصِدُ بِهِ فَخْرًا وَلَا رِيَاءً» . وَفِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " لَهَا " إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُخَاطِبُ بِالتَّطَيُّبِ مَنْ يَحْضُرُ الصَّلَاةَ، بِخِلَافِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ يَوْمَهُ اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ صَلَاتَهُ. (وَ) يُسْتَحَبُّ لِمُرِيدِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنْ (يَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ) لِيَتَجَمَّلَ بِهَا بَيْنَ النَّاسِ، وَالْمُرَادُ بِأَحْسَنِهَا الْأَبْيَضُ وَلَوْ عَتِيقًا لِحَدِيثِ: «أَحْسَنُ مَا زُرْتُمْ اللَّهَ بِهِ فِي قُبُورِكُمْ وَمَسَاجِدِكُمْ الْبَيَاضُ» . وَقَوْلُهُ ﷺ : «الْبِسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا خَيْرُ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» . حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْعِيدِ فَإِنَّ الْحَسَنَ فِيهِ الثِّيَابُ الْجَدِيدَةُ وَلَوْ غَيْرَ بَيْضَاءَ. (تَتِمَّتَانِ) الْأُولَى: بَقِيَ مِنْ الْمُسْتَحَبِّ تَحْسِينُ الْهَيْئَةِ مِنْ قَصِّ شَارِبٍ وَظُفُرٍ وَنَتْفِ إبْطٍ وَحَلْقِ عَانَةٍ لِمَنْ احْتَاجَ إلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُنْدَبُ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلَيْسَ مِنْ الْآدَابِ الْمُسْتَحَبَّةِ حَلْقُ الرَّأْسِ وَإِنَّمَا حَلْقُهُ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَحْلِقْهُ إلَّا فِي الْحَجِّ، فَهُوَ مِنْ الْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ أَوْ الْحَسَنَةِ لِمَنْ يَقْبُحُ مَنْظَرُهُ بِدُونِهِ، وَمِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ أَيْضًا الْمَشْيُ لَهَا فِي الْغُدُوِّ لِخَبَرِ: «مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» . الثَّانِيَةُ: الْآدَابُ الْمَذْكُورَةُ مِنْهَا مَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ كَالتَّهْجِيرِ وَالْمَشْيِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِالرِّجَالِ كَتَحْسِينِ الْهَيْئَةِ وَالتَّطَيُّبِ وَالتَّجَمُّلِ بِالثِّيَابِ الْحَسَنَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ إنَّمَا هُوَ مَطْلُوبٌ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْيَوْمِ بِخِلَافِهَا فِي الْعِيدِ فَإِنَّهَا لِلْيَوْمِ. قَالَ خَلِيلٌ فِيهِ: وَتَطَيُّبٌ وَتَزَيُّنٌ وَإِنْ لِغَيْرِ مُصَلٍّ. وَلَمَّا كَانَ الشَّأْنُ التَّنَفُّلَ قَبْلَ الظُّهْرِ كَبَعْدِهَا، وَقِيلَ: إنَّ الْجُمُعَةَ بَدَلٌ عَنْهَا كَانَ مَظِنَّةَ تَوَهُّمِ طَلَبِ التَّنَفُّلِ بَعْدَهَا قَالَ: (وَأَحَبُّ إلَيْنَا) مَعَاشِرَ الْمَالِكِيَّةِ (أَنْ يَنْصَرِفَ) مُصَلِّي الْجُمُعَةِ (بَعْدَ فَرَاغِهَا) وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَحْمِيدٍ وَتَكْبِيرٍ وَقِرَاءَةِ نَحْوِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ مِمَّا يُطْلَبُ عَقِبَ الْفَرَائِضِ إلَى بَيْتِهِ وَيَتَنَفَّلُ فِيهِ بِمَا أَحَبَّ مِنْ النَّوَافِلِ (وَلَا يَتَنَفَّلُ فِي الْمَسْجِدِ) لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ إثْرَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵁ كَانَ إذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ» ، وَتَسْتَمِرُّ الْكَرَاهَةُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ لِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَنْصَرِفَ الشَّخْصُ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ حَتَّى يُحْدِثَ سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ غَيْرَهُ، لَكِنَّ الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ أَشَدُّ هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَيَمْتَدُّ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ أَكْثَرُ الْمُصَلِّينَ لَا كُلُّهُمْ، أَوْ بِمَعْنَى زَمَنِ انْصِرَافِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَنْصَرِفُوا، وَالْكَرَاهَةُ قَيَّدَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَوْ يُخْشَى مِنْهُ اعْتِقَادُ وُجُوبِهَا، وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُهَا مَعَ الْعِلْمِ بِنَدْبِهَا فَلَا كَرَاهَةَ كَمَا لَوْ فَعَلَهَا مُقَلِّدًا فِي فِعْلِهَا الْقَائِلَ بِطَلَبِهَا، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ يَقَعُ التَّنَفُّلُ مِنْ جَمِيعِ الْحَاضِرِينَ. (وَلْيَتَنَفَّلْ) الْمَأْمُومُ فِي الْمَسْجِدِ (إنْ شَاءَ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَقَوْلُهُ إنْ شَاءَ يُوهِمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْدُوبٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ نَدْبُ النَّفْلِ قَبْلَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ مِنْ الْخَلْوَةِ لِغَيْرِ الْجَالِسِ وَقْتَ الْأَذَانِ مَعْلُومٌ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: إنْ شَاءَ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ بِخِلَافِ الْجَالِسِ عِنْدَ الْأَذَانِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ تَرْكُ طَهَارَةٍ فِيهَا وَالْعَمَلُ يَوْمَهَا وَبَيْعٌ كَعَبْدٍ بِسُوقٍ وَقْتَهَا وَتَنَفُّلُ إمَامٍ قَبْلَهَا أَوْ جَالِسٍ عِنْدَ الْأَذَانِ، وَأَمَّا التَّنَفُّلُ بَعْدَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ فَهُوَ حَرَامٌ وَلَوْ عَلَى الدَّاخِلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَنَفُّلَ الْمَأْمُومِ قَبْلَ الْأَذَانِ وَقَبْلَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ مَنْدُوبٌ وَعِنْدَ الْأَذَانِ مَكْرُوهٌ لِلْجَالِسِ، وَأَمَّا بَعْدُ خُرُوجِهِ فَحَرَامٌ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْحَرَامِ: وَابْتَدَأَ صَلَاةً بِخُرُوجِهِ وَإِنْ لِدَاخِلٍ، وَمِثْلُ خُرُوجِ الْخَطِيبِ دُخُولُهُ ذَاهِبًا لِلْمِنْبَرِ، فَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ خُرُوجِهِ أَوْ عِنْدَ دُخُولِهِ مُتَوَجِّهًا إلَى الْمِنْبَرِ، فَإِنْ كَانَ جَالِسًا قَبْلَ ذَلِكَ قَطَعَ صَلَاتَهُ وَلَوْ ابْتَدَأَهَا سَاهِيًا عَنْ خُرُوجِهِ أَوْ دُخُولِهِ، وَأَمَّا لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ حِينَ خُرُوجِهِ أَوْ دُخُولِهِ وَأَحْرَمَ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِخُرُوجِهِ أَوْ دُخُولِهِ وَبِالْحُكْمِ قَطَعَ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا خَفَّفَ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُحْرِمًا قَبْلَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ أَوْ دُخُولِهِ فَلَا شَكَّ فِي عَدَمِ قَطْعِهِ. قَالَ خَلِيلٌ بَعْدَ قَوْلِهِ وَابْتَدَأَ صَلَاةً بِخُرُوجِهِ: وَلَا يَقْطَعُ إنْ دَخَلَ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ وَلَوْ لِلدَّاخِلِ وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَمُقَابِلُهُ جَوَازُ إحْرَامِهِ وَلَوْ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ، وَعَلَيْهِ السُّيُورِيُّ مِنْ عُلَمَائِنَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا قَائِلًا: الرُّكُوعُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ:

стр. 264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الفواكه الدواني] «أَنَّ سُلَيْكًا الْغَطَفَانِيَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ ﷺ : أَصَلَّيْت؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزْ فِيهِمَا» وَلِخَبَرِ: «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ يَجْلِسُ» . وَدَلِيلُنَا مَا فِي أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ: «أَنَّ رَجُلًا تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْت» فَأَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ دُونَ الرُّكُوعِ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَخَبَرُ: «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت» نَهْيٌ عَنْ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مَعَ وُجُوبِهِ، فَالْمَنْدُوبُ أَوْلَى، وَأَمَّا خَبَرُ سُلَيْكٍ الْغَطَفَانِيِّ وَأَمْرُهُ ﷺ لَهُ بِالرُّكُوعِ لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ يَخْطُبُ فَيُحْتَمَلُ نَسْخُهُ بِنَهْيِهِ ﷺ عَلَى الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ كَمَا فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ مُعَارَضَتِهِ وَعَدَمِ نَسْخِهِ فَحَدِيثُنَا أَوْلَى كَمَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ لِاتِّصَالِهِ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلِجَرْيِهِ عَلَى الْقِيَاسِ مِنْ وُجُوبِ الِاشْتِغَالِ بِالِاسْتِمَاعِ الْوَاجِبِ وَتَرْكِ التَّحِيَّةِ الْمَنْدُوبَةِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّ سُلَيْكًا كَانَ صُعْلُوكًا وَدَخَلَ يَطْلُبُ شَيْئًا فَأَمَرَهُ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ لِيَتَفَطَّنَ لَهُ النَّاسُ فَيَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِ فَلَا يَدْفَعُ الْمُعَارَضَةَ، وَكَذَا الْجَوَابُ بِاحْتِمَالِ قَطْعِهِ ﷺ الْخُطْبَةَ لَهُ،؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ عِنْدَنَا تَدْخُلُ بِمُجَرَّدِ تَوَجُّهِ الْخَطِيبِ إلَى الْمِنْبَرِ، وَإِنَّمَا قَصَرْنَا الْكَلَامَ السَّابِقَ عَلَى الْمَأْمُومِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: (وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ مِنْ التَّنَفُّلِ قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (الْإِمَامُ) لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ فِي حَقِّهِ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ. (وَلْيَرْقَ الْمِنْبَرَ كَمَا يَدْخُلُ) أَيْ سَاعَةَ دُخُولِهِ وَلَا يَجْلِسُ بَعْدَ دُخُولِهِ، وَأَمَّا لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّهُ يُطَالَبُ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ. [بَاب فِي صَلَاة الْخَوْف] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي الْخَوْفِ فَقَالَ:

стр. 265

بَابٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، صَلَاةُ الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ إذَا خَافُوا الْعَدُوَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ بِطَائِفَةٍ وَيَدَعَ طَائِفَةً مُوَاجِهَةً الْعَدُوَّ فَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ يَثْبُتُ قَائِمًا وَيُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ يُسَلِّمُونَ فَيَقِفُونَ مَكَانَ أَصْحَابِهِمْ ثُمَّ يَأْتِي أَصْحَابُهُمْ فَيُحْرِمُونَ ــ [الفواكه الدواني] (بَابٌ فِي) كَيْفِيَّةِ فِعْلِ (صَلَاةِ) الْفَرْضِ فِي زَمَنِ (الْخَوْفِ) ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ لَيْسَ لَهُ صَلَاةٌ تَخُصُّهُ بِخِلَافِ الْعِيدِ، وَالْخَوْفُ وَالْخِيفَةُ ضِدُّ الْأَمْنِ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ التَّصْرِيحُ بِحُكْمِهَا فِي بَابِ جُمَلٍ حَيْثُ يَقُولُ: وَصَلَاةُ الْخَوْفِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ وُجُوبَ السُّنَنِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِسُنِّيَّتِهَا ابْنُ يُونُسَ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ كَوْنِهَا سُنَّةً وَقَوْلُ خَلِيلٍ رُخْصَةٌ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ تَكُونُ وَاجِبَةً وَتَكُونُ سُنَّةً وَتَكُونُ مُبَاحَةً، وَخِلَافُ الْأَوْلَى وَمَكْرُوهَةٌ، فَالْوَاجِبَةُ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَالسُّنَّةُ كَقَصْرِ الصَّلَاةِ، وَالْمُبَاحَةُ كَمَسْحِ الْخُفِّ عِنْدَ بَعْضِ الشُّيُوخِ، وَخِلَافُ الْأَوْلَى كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمَنْهَلِ عِنْدَ الزَّوَالِ، وَالْمَكْرُوهَةُ كَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ، وَلَمْ يُعَرِّفْهَا ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا غَيْرُهُ، وَقَالَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ شَيْخُ الْأُجْهُورِيِّ: وَيُمْكِنُ رَسْمُهَا بِأَنَّهَا فِعْلُ فَرْضٍ مِنْ الْخَمْسِ وَلَوْ جُمُعَةً مَقْسُومًا فِيهِ الْمَأْمُومُونَ قِسْمَيْنِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَمَعَ عَدَمِهِ، لَا قَسْمَ فِي قِتَالِ مَأْذُونٍ فِيهِ فَيَدْخُلُ قِتَالُ الْمُحَارِبِينَ وَكُلُّ قِتَالٍ جَائِزٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِهَا وَأَنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] الْآيَةَ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ صَلَّاهَا بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ جَمْعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ وَحُكْمُهَا بَاقٍ لَمْ يُنْسَخْ، وَدَعْوَى الْمُزَنِيّ نَسْخَهَا مَرْدُودَةٌ، وَعَلَى بَقَاءِ حُكْمِهَا مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، خِلَافًا لِابْنِ الْقَصَّارِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبِي يُوسُفَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فِي قَوْلِهِمَا: إنَّهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﷺ وَتَبِعَهُمَا الْمُزَنِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ حَضَرًا وَسَفَرًا وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَوَقَعَ خِلَافٌ فِي عَدَدِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي صَلَّاهَا فِيهَا ﵊، وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْقَبَسِ أَنَّهُ صَلَّاهَا فِي ثَلَاثِ غَزَوَاتٍ: ذَاتِ الرِّقَاعِ وَبَطْنِ النَّخِيلِ وَعُسْفَانَ، وَشَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَتِهَا سَفَرًا بِقَوْلِهِ: (وَ) صِفَةُ (صَلَاةِ) الْفَرْضِ حَالَ (الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ إذَا خَافُوا) أَيْ الْمُسْلِمُونَ ضَرَرَ (الْعَدُوِّ) الْكَافِرِ أَنَّ الْمُسْلِمَ الْمُحَارِبَ عِنْدَ صَلَاتِهِمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَأَمْكَنَ قَسْمُهُمْ (أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ لِيُصَلِّيَ بِطَائِفَةٍ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْمُقَاتِلِينَ شَطْرَ صَلَاتِهِمْ. (وَيَدَعُ) أَيْ يَتْرُكُ (طَائِفَةً مُوَاجِهَةً الْعَدُوَّ) قَالَ خَلِيلٌ: رُخِّصَ لِقِتَالٍ جَائِزٍ أَمْكَنَ تَرْكُهُ لِبَعْضِهِمْ قَسْمُهُمْ قِسْمَيْنِ وَإِنْ وِجَاهَ الْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى دَوَابِّهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ صِفَةَ صَلَاةِ الْخَوْفِ وُجُوبًا عِنْدَ الْجَهْلِ وَنَدْبًا عِنْدَ عَدَمِهِ،؛ لِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ غَيْرُ مَأْلُوفَةٍ لِلنَّاسِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَّمَهُمْ وَصَلَّى بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ اسْتِنَانًا حَيْثُ طَلَبُوا غَيْرَهُمْ. قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَتُقَامُ هَذِهِ الصَّلَاةُ فِي كُلِّ قِتَالٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَشَمَلَ الْوَاجِبَ كَقِتَالِ الْكُفَّارِ وَالْبُغَاةِ، وَالْمُبَاحَ كَقِتَالِ مُرِيدِ الْمَالِ. قَالَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ: وَمِثْلُ الْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ فِي جَوَازِ الْقَسْمِ الْخَوْفُ عَلَى الْمَالِ مِنْ اللُّصُوصِ أَوْ عَلَى النَّفْسِ مِنْ السِّبَاعِ، وَأَمَّا الْقِتَالُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ كَقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ مُجَرَّدَ شَهْوَةِ النَّفْسِ كَمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَقِتَالِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ فَلَا يَجُوزُ قَسْمُهُمْ، فَإِنْ قِيلَ: صَلَاةُ الْخَوْفِ إنَّمَا شُرِعَتْ فِي حَالِ قِتَالِ الْكُفَّارِ فَكَيْفَ أَجَزْتُمُوهَا فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ مِنْ بَابِ قِيَاسٍ لَا فَارِقَ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ السَّبَبَ الْخَوْفُ وَهُوَ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ سَوَاءٌ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ: أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ قَوْلُهُ: (فَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً) مِنْ غَيْرِ الثُّلَاثِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حَالِ السَّفَرِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَيُصَلِّي بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ لِلْإِضْمَارِ، لِظُهُورِ أَنَّ فَاعِلَ يُصَلِّي الْإِمَامُ وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ لِلطَّائِفَةِ، إلَّا أَنَّ عَادَةَ الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْكِتَابِ زِيَادَةُ الْإِيضَاحِ وَنَكَّرَ طَائِفَةً، وَعَبَّرَ بِهَا لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي الطَّائِفَتَيْنِ، بَلْ الشَّرْطُ كَوْنُ كُلِّ طَائِفَةٍ فِيهَا قُدْرَةٌ عَلَى رَدِّ الْعَدُوِّ. (ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ الرَّكْعَةِ بِقِيَامَةٍ (يَثْبُتُ) أَيْ الْإِمَامُ (قَائِمًا) سَاكِتًا أَوْ قَارِئًا أَوْ دَاعِيًا بِالنَّصْرِ وَالْفَتْحِ. (وَ) يُشِيرُ لَهُمْ (يُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ

стр. 266

خَلْفَ الْإِمَامِ فَيُصَلِّي بِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقْضُونَ الرَّكْعَةَ الَّتِي فَاتَتْهُمْ وَيَنْصَرِفُونَ هَكَذَا يَفْعَلُ فِي صَلَاةِ الْفَرَائِضِ كُلِّهَا إلَّا الْمَغْرِبَ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً وَإِنْ صَلَّى بِهِمْ فِي الْحَضَرِ لِشِدَّةِ خَوْفٍ صَلَّى فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَلِكُلِّ صَلَاةٍ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ عَنْ ذَلِكَ صَلُّوا ــ [الفواكه الدواني] رَكْعَةً) وَهِيَ بَقِيَّةُ صَلَاتِهِمْ لِخُرُوجِهِمْ مِنْ الْمَأْمُومِيَّةِ فَلَا يُحْمَلُ سَهْوُهُمْ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ بَعْدَ تَمَامِ قِيَامِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَصَلَ مِنْهُ مُبْطِلٌ قَبْلَ تَمَامِ الْقِيَامِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ صَلَاتَهُمْ أَيْضًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُبْطِلُ حَدَثًا غَالِبًا أَوْ حَصَلَ مِنْهُ عَلَى جِهَةِ النِّسْيَانِ، فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ أَوْ يَسْتَخْلِفُونَ مَنْ يُتِمَّ بِهِمْ الْقِيَامَ، فَإِذَا قَامَ هَذَا الْمُسْتَخْلَفُ بِالْفَتْحِ يَثْبُتُ عَلَى حَالِهِ كَالْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ حَتَّى تُتِمَّ الطَّائِفَةُ الْأُولَى وَتَأْتِي الثَّانِيَةُ فَتَدْخُلُ مَعَهُ وَيُصَلِّي بِهِمْ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَيُتِمُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ فُرَادَى، فَإِنْ أَمَّهُمْ أَحَدُهُمْ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ. قَالَهُ سَنَدٌ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ خِلَافًا لِقَوْلِ التَّتَّائِيِّ: أَوْ بِإِمَامٍ. (ثُمَّ) بَعْدَ صَلَاتِهِمْ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ (يُسَلِّمُونَ) عَلَى الْيَمِينِ تَسْلِيمَةَ التَّحْلِيلِ وَعَلَى الْيَسَارِ إنْ كَانَ عَلَى يَسَارِ الْمُسَلِّمِ أَحَدٌ، وَلَا يُسَلِّمُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ قَبْلَ سَلَامِهِ فَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ، وَبَعْدَ سَلَامِهِمْ يَذْهَبُونَ إلَى الْعَدُوِّ (فَيَقِفُونَ مَكَانَ أَصْحَابِهِمْ) قُبَالَةَ الْعَدُوِّ (ثُمَّ يَأْتِي أَصْحَابُهُمْ) الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا (فَيُحْرِمُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَيُصَلِّي بِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ) الْبَاقِيَةَ مِنْ صَلَاتِهِ. (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ) أَيْ الْإِمَامُ (وَيُسَلِّمُ) وَلَا يَنْتَظِرُهُمْ خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَمَنْ وَافَقَهُ فِي انْتِظَارِهِمْ حَتَّى يُسَلِّمُوا مَعَهُ، وَفِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ مَا يَدُلُّ لِلْمَذْهَبَيْنِ، وَلِذَلِكَ لَوْ انْتَظَرَهُمْ حَتَّى كَمَّلُوا صَلَاتَهُمْ وَسَلَّمَ بِهِمْ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى مَا يَظْهَرُ مُرَاعَاةً لِلْقَائِلِ بِالِانْتِظَارِ. (ثُمَّ) بَعْدَ سَلَامِهِ تَقُومُ أَهْلُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ (يَقْضُونَ الرَّكْعَةَ الَّتِي فَاتَتْهُمْ) لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: يَقْضُونَ أَنَّهُمْ يَقْرَءُونَ فِيهَا بِالْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ. (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِمْ وَسَلَامِهِمْ (يَنْصَرِفُونَ) جِهَةَ الْعَدُوِّ مَعَ أَصْحَابِهِمْ. (هَكَذَا يَفْعَلُ) الْإِمَامُ (فِي صَلَاةِ الْفَرَائِضِ) كُلِّهَا فِي حَالِ السَّفَرِ (إلَّا) صَلَاةَ (الْمَغْرِبِ) (فَإِنَّهُ) أَيْ الْإِمَامَ (يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى) مِنْهَا (رَكْعَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْصَرُ وَتَذْهَبُ قُبَالَةَ الْعَدُوِّ (وَ) يُصَلِّي (بِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً) ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقْضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ فُرَادَى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَلَّاهُمَا الْإِمَامُ بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى يَقْرَءُونَ فِيهَا بِالْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَنْتَظِرُ الْإِمَامُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ فِي غَيْرِ الثُّنَائِيَّةِ قَائِمًا أَوْ جَالِسًا عَلَى قَوْلَيْنِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي قِيَامِهِ بِغَيْرِهَا تَرَدُّدٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَنْتَظِرُهَا قَائِمًا سَاكِتًا أَوْ دَاعِيًا، وَعَلَى الثَّانِي يَجْلِسُ دَاعِيًا وَيَكُونُ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ كَرَاهَةِ الدُّعَاءِ فِي غَيْرِ الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ. [صفة صَلَاة الْخَوْف فِي الْحَضَر] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ شَرَعَ فِي صِفَةِ صَلَاتِهَا فِي الْحَضَرِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ صَلَّى) أَيْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُصَلِّيَ (بِهِمْ فِي الْحَضَرِ) صَلَاةَ قَسْمٍ (لِشِدَّةِ خَوْفٍ) مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مُحَارِبٍ أَوْ لِصٍّ كَمَا مَرَّ (صَلَّى) بِهِمْ (فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ) عِنْدَ إمْكَانِ قَسْمِهِمْ (بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ) سَوَاءٌ كَانُوا طَالِبِينَ أَوْ مَطْلُوبِينَ، فَإِذَا صَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّهُ بَعْدَ تَشَهُّدِهِ يُشِيرُ إلَيْهَا لِتَقُومَ تُكْمِلُ صَلَاتَهَا أَفْذَاذًا، وَيَسْتَمِرُّ جَالِسًا سَاكِتًا أَوْ دَاعِيًا، وَقِيلَ قَائِمًا عَلَى قَوْلَيْنِ قَدَّمْنَاهُمَا، فَإِذَا جَاءَتْ الثَّانِيَةُ صَلَّى بِهَا مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ إذَا سَلَّمَ قَامُوا لِقَضَاءِ مَا صَلَّاهُ مَعَ الْأُولَى عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ، وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: وَإِذَا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ فَإِنَّهُ يُقَسِّمُ الْجَمَاعَةَ أَيْضًا، وَتُوُقِّفَ فِي صَلَاةِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ هَلْ بِإِمَامٍ أَوْ أَفْذَاذًا؟ وَاسْتَظْهَرَ الثَّانِي، وَتُوُقِّفَ أَيْضًا فِي عَدَدِ الطَّائِفَتَيْنِ وَاسْتَظْهَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ كُلُّ طَائِفَةٍ اثْنَيْ عَشَرَ غَيْرَ الْإِمَامِ وَأَنْ يَحْضُرَ كُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ الْخُطْبَةَ، هَذَا مُلَخَّصُ بَحْثِ الْأُجْهُورِيِّ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لِأَحَدٍ سِوَاهُ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ طَلَبِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِشِدَّةِ الْخَوْفِ دَفَعَ هَذَا الْإِيهَامَ بِقَوْلِهِ: (وَلِكُلِّ صَلَاةٍ) مَفْرُوضَةٍ أُرِيدَ فِعْلُهَا وَلَوْ فِي زَمَانِ الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ (أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ) بِشَرْطِهِ السَّابِقِ وَهُوَ طَلَبُ مَنْ يَحْضُرُ الصَّلَاةَ الْمُشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: مِنْ الْأَذَانِ لِجَمَاعَةٍ طَلَبَتْ غَيْرَهَا فِي فَرْضٍ وَقْتِيٍّ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ صِحَّةَ الْقَسْمِ مَشْرُوطَةٌ بِالْإِمْكَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي: وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ إلَخْ، وَعِنْدَ إمْكَانِ الْقَسْمِ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِمْ يُصَلُّونَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ الْإِيمَاءِ وَلَوْ عَلَى خُيُولِهِمْ حَيْثُ احْتَاجُوا إلَى ذَلِكَ، وَتُسْتَثْنَى هَذِهِ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْمُومِي بِالْمُومِي، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ. الثَّانِي: مَحَلُّ جَوَازِ الْقَسْمِ إذَا لَمْ يُرْجَ انْكِشَافُ الْعَدُوِّ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَإِلَّا انْتَظَرُوا مَا لَمْ يَخَافُوا خُرُوجَ الْوَقْتِ. الثَّالِثُ: فُهِمَ مِمَّا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْقَسْمَ رُخْصَةٌ عِنْدَ التَّمَكُّنِ أَنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوهُ وَصَلَّوْا أَفْذَاذًا أَوْ بِإِمَامَيْنِ لَصَحَّتْ صَلَاتُهُمْ وَإِنَّمَا فَاتَهُمْ ثَوَابُ السُّنَّةِ، وَفُهِمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَسْمُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ قِسْمَيْنِ، فَإِنْ قَسَّمَهُمْ الْإِمَامُ أَكْثَرَ مِنْ قِسْمَيْنِ فَقِيلَ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْجَمِيعِ حَتَّى الْإِمَامِ، وَقِيلَ: إنَّمَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ فَارَقَ الْإِمَامَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ مُفَارَقَةٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ صَلَّى فِي ثُلَاثِيَّةٍ أَوْ رُبَاعِيَّةٍ بِكُلِّ رَكْعَةٍ بَطَلَتْ الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ فِي الرُّبَاعِيَّةِ كَغَيْرِهِمَا عَلَى

стр. 267

وُحْدَانًا مُشَاةً أَوْ رُكْبَانًا مَاشِينَ أَوْ سَاعِينَ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا. ــ [الفواكه الدواني] الْأَرْجَحِ وَصُحِّحَ خِلَافُهُ وَهُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ الْقَائِلُ بِبُطْلَانِ الْأُولَى وَلَوْ فِي الرُّبَاعِيَّةِ، وَكَذَا الثَّالِثَةُ فِي الرُّبَاعِيَّةِ، وَتَصِحُّ لِلثَّانِيَةِ وَلَوْ فِي الثُّلَاثِيَّةِ، كَمَا تَصِحُّ الرَّابِعَةُ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ، وَلِلثَّالِثَةِ فِي الثُّلَاثِيَّةِ الرَّابِعُ: لَوْ تَرَتَّبَ عَلَى الْإِمَامِ سُجُودُ سَهْوٍ، فَإِنْ حَصَلَ مَعَ الطَّائِفَةِ الْأُولَى فَإِنَّهَا تَسْجُدُ بَعْدَ كَمَالِ صَلَاتِهَا الْقَبْلِيِّ قَبْلَ سَلَامِهَا وَالْبَعْدِيِّ بَعْدَهُ، وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّهَا تُخَاطَبُ بِالسُّجُودِ لِسَهْوِ الْإِمَامِ وَلَوْ سَهَا قَبْلَ دُخُولِهَا مَعَهُ، لَكِنْ تَسْجُدُ الْقَبْلِيَّ مَعَهُ وَالْبَعْدِيَّ بَعْدَ الْقَضَاءِ. [صَلَاةِ الْمُسَايَفَةِ] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ الصَّلَاةِ مَعَ قَسْمِ الْمَأْمُومِينَ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى صَلَاةِ الْمُسَايَفَةِ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْقَسْمِ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا اشْتَدَّ) أَيْ زَادَ (الْخَوْفُ عَنْ ذَلِكَ) الْخَوْفُ الْمُتَقَدِّمُ الْمُمْكِنُ مَعَهُ الْقَسْمُ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ نَدْبًا لِآخِرِ الِاخْتِيَارِيِّ وَ (صَلَّوْا وُحْدَانًا بِقَدْرِ طَاقَتِهِمْ) وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ حَالَ كَوْنِهِمْ (مُشَاةً أَوْ رُكْبَانًا مَاشِينَ) عَلَى الْهِينَةِ (أَوْ سَاعِينَ) هَرْوَلَةً أَوْ جَرْيًا. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] حَالَةَ كَوْنِهِمْ (مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا) لِلضَّرُورَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَحَلَّ لِلضَّرُورَةِ مَشْيٌ وَرَكْضٌ وَطَعْنٌ وَعَدَمُ تَوَجُّهٍ وَكَلَامٌ وَإِمْسَاكُ مُلَطَّخٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ مُسْتَثْنَاةً مِنْ الْبُطْلَانِ بِالْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ وَلَوْ سَهْوًا، وَتُسَمَّى صَلَاةَ الْمُسَايَفَةِ لِجَوَازِ الضَّرْبِ بِالسَّيْفِ حَالَ فِعْلِهَا، وَفِي إيقَاعِ الصَّلَاةِ مَعَ تِلْكَ الْمُنَافَيَاتِ الْحَثُّ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا عَلَى أَيِّ حَالَةٍ يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْمُصَلِّي، وَلَا يَحِلُّ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا وَلَوْ كَانَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ. (تَتِمَّةٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مَا إذَا انْجَلَى عَنْهُمْ الْعَدُوُّ فِي أَثْنَائِهَا بَعْدَ افْتِتَاحِهَا صَلَاةَ مُسَايَفَةٍ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُمْ يُتِمُّونَهَا صَلَاةَ أَمْنٍ بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ لَكِنْ فُرَادَى؛ لِأَنَّهُمْ افْتَتَحُوهَا هَكَذَا، وَإِنْ افْتَتَحُوهَا صَلَاةَ قَسْمٍ فَكَيْفِيَّةُ إتْمَامِهَا: إنْ حَصَلَ الْأَمْنُ مَعَ الطَّائِفَةِ الْأُولَى قَبْلَ مُفَارَقَتِهَا لِلْإِمَامِ أَنْ تَدْخُلَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ مَعَ الْإِمَامِ وَيُتِمُّ بِالْجَمِيعِ، وَإِنْ حَصَلَ مَعَ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى الدُّخُولُ مَعَ الْإِمَامِ لَكِنْ يَصْبِرُ حَتَّى يَفْعَلَ الْإِمَامُ مَا فَعَلَهُ، هَذَا بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ إنْ كَانَ فَعَلَ شَيْئًا، وَأَمَّا مَنْ كَمَّلَ صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ قَبْلَ حُصُولِ الْأَمْنِ فَلَا يُطَالَبُ بِرُجُوعٍ لِتَمَامِ صَلَاتِهِ، هَذَا حُكْمُ مَنْ حَصَلَ لَهُ الْأَمْنُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُسَايَفَةً أَوْ غَيْرَهَا، وَأَمَّا لَوْ طَرَأَ الْخَوْفُ عَلَى صَلَاةِ الْأَمْنِ فَالْحُكْمُ أَنَّهُمْ يُكْمِلُونَهَا عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِمْ وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ مَعَ التَّفَرُّقِ وَلَا يَقْطَعُونَهَا، وَإِذَا تَمَكَّنَ الْإِمَامُ مِنْ قَسْمِهِمْ عَلَى تَفْصِيلِ بَيَانِهِ إنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ قَبْلَ فِعْلِ شَطْرِ الصَّلَاةِ أَشَارَ إلَى طَائِفَةٍ بِالْقَطْعِ تَذْهَبُ قُبَالَةَ الْعَدُوِّ وَيُكْمِلُ شَطْرَ الصَّلَاةِ بِالطَّائِفَةِ الَّتِي مَعَهُ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ أَشَارَ إلَيْهَا فَتَتِمُّ صَلَاتَهَا وَتَذْهَبُ قُبَالَةَ الْعَدُوِّ وَتَأْتِي الَّتِي قَطَعَتْ تُصَلِّي مَعَهُ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَإِنْ فَجَأَهُمْ بَعْدَ تَمَامِ شَطْرِهَا وَعُقِدَ رُكُوعٌ مِنْ الشَّطْرِ الثَّانِي قَطَعَتْ طَائِفَةٌ وَأَتَمَّ بِالْبَاقِيَةِ فَإِذَا سَلَّمَ وَسَلَّمَتْ مَعَهُ تَذْهَبُ مَكَانَ الَّتِي قَطَعَتْ وَتُصَلِّي الَّتِي قُبَالَةَ الْعَدُوِّ فُرَادَى أَوْ بِإِمَامٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ أَمِنُوا بِهَا أُتِمَّتْ صَلَاةَ أَمْنٍ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَحْصُلْ الْأَمَانُ إلَّا بَعْدَ كَمَالِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا لَا تُعَادُ لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا غَيْرِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ أَمِنُوا بِهَا أُتِمَّتْ صَلَاةَ أَمْنٍ وَبَعْدَهَا لَا إعَادَةَ كَسَوَادٍ ظُنَّ عَدُوًّا فَظَهَرَ نَفْيُهُ. [بَاب فِي صَلَاة الْعِيدَيْنِ وَالتَّكْبِير أَيَّام منى] وَلَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ مُشْبِهَةً بِصَلَاةِ الْخَوْفِ فِي السُّنِّيَّةِ نَاسَبَ ذِكْرُهَا عَقِبَهَا فَقَالَ:

стр. 268

بَابٌ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالتَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ وَالنَّاسُ ضَحْوَةً بِقَدْرِ مَا إذَا وَصَلَ حَانَتْ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ فِيهَا أَذَانٌ ــ [الفواكه الدواني] (بَابٌ فِي) الْكَلَامِ عَلَى (صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ) حُكْمًا وَصِفَةً وَمَنْ يُخَاطَبُ بِهَا وَبَيَانُ وَقْتِهَا وَمَحِلِّهَا الَّتِي تُفْعَلُ فِيهِ (وَ) فِي الْكَلَامِ عَلَى (التَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى) وَهِيَ أَيَّامُ الرَّمْيِ الثَّلَاثَةُ الَّتِي بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ التَّكْبِيرَ يَقَعُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ فِيهَا أَكْثَرُ،؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ التَّكْبِيرَ عَقِبَ الْفَرَائِضِ فَإِنَّهُ فِيهَا يَقَعُ عَقِبَ جَمِيعِهَا، وَأَمَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَقِبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ فِيهِ مِنْ الظُّهْرِ، وَإِنْ أَرَادَ التَّكْبِيرَ عَقِبَ الرَّمْيِ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِيهَا عَقِبَ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ، وَفِي يَوْمِ النَّحْرِ عَقِبَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تُرْمَى فِيهِ، وَالْعِيدَانِ هُمَا الْيَوْمَانِ الْمَعْرُوفَانِ أَوَّلُ شَوَّالٍ وَعَاشِرُ الْحِجَّةِ، وَالْعِيدُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَوْدِ وَهُوَ الرُّجُوعُ خُصَّ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ نَحْوَ عَرَفَةَ وَالْجُمُعَةِ يَعُودَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ اطِّرَادُ وَجْهِ التَّسْمِيَةِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعَوْدِهِ بِالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ عَلَى النَّاسِ وَهُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ أَصْلُهُ عَوَدَ قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا كَمِيزَانٍ وَإِنَّمَا جُمِعَ بِالْيَاءِ، وَقِيلَ: أَعْيَادٌ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ وَالْجَمْعُ كَالتَّصْغِيرِ يَرُدَّانِ الْأَشْيَاءَ لِأَصْلِهَا لِلْفَرْقِ بَيْنَ جَمْعِ الْعِيدِ الْمَعْرُوفِ وَعُودِ الْخَشَبِ، وَأَوَّلُ عِيدٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِيدُ الْفِطْرِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَشَارَكَهَا فِي ذَلِكَ الصَّوْمُ وَالزَّكَاةُ وَأَكْثَرُ الْأَحْكَامِ وَاسْتَمَرَّ مُوَاظِبًا عَلَيْهَا إلَى أَنْ مَاتَ. ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَهَا بِقَوْلِهِ: (وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ) الْفِطْرُ وَالْأَضْحَى كُلُّ وَاحِدَةٍ (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى سُنِّيَّتِهَا مُوَاظَبَتُهُ ﷺ إلَى أَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا، وَخَبَرُ الْأَعْرَابِيِّ: «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» وَخَبَرُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» فَإِنَّهُ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَ الْخَمْسِ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَإِنَّمَا تُسَنُّ فِي حَقِّ مَنْ يُؤْمَرُ بِالْجُمُعَةِ وُجُوبًا وَهُوَ الذَّكَرُ الْحُرُّ الْمُتَوَطِّنُ، وَتُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ تَلْزَمْهُ الْجُمُعَةُ، كَمَا تُسْتَحَبُّ لِمَنْ فَاتَتْهُ مِمَّنْ يُخَاطَبُ بِهَا. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ أَنْ يُصَلِّينَ أَفْذَاذًا إذَا لَمْ يَخْرُجْنَ، وَإِذَا خَرَجْنَ فَفِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ وَلَا يَتَطَيَّبْنَ، وَالْعَجُوزُ وَغَيْرُهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَالْمُرَادُ بِمَنْ يُؤْمَرُ بِالْجُمُعَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ وَلَوْ لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ فَيَشْمَلُ الْخَارِجَ عَنْ الْبَلَدِ الدَّاخِلِ فِي كَفَرْسَخِ، فَلَا تُسَنّ فِي حَقِّ الْخَارِجِ عَنْ تِلْكَ الْأَمْيَالِ، وَلَا تُشْرَعُ فِي حَقِّ الْحَاجِّ لَا اسْتِنَانًا وَلَا نَدْبًا لِوُقُوفِهِمْ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَكَذَا الْمُقِيمُ بِمِنًى وَلَوْ غَيْرَ حَاجٍّ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: صَلَاةُ الْعِيدِ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي اشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ حَتَّى تَقَعَ سُنَّةً، وَأَمَّا مَنْ فَاتَتْهُ فَيُنْدَبُ لَهُ فَقَطْ، وَفِي أَنَّهَا لَا تَتَعَدَّدُ جَمَاعَتُهَا فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدَةِ قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَيُؤْتَى لِلْعِيدَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَلَا تُصَلَّى الْعِيدَانِ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي اشْتِرَاطِ الْجَامِعِ فِي الْجُمُعَةِ دُونَ الْعِيدِ. الثَّانِي: كَمَا يُشْتَرَطُ فِي إمَامِ الْفَرِيضَةِ كَوْنُهُ غَيْرَ مُعِيدٍ لَهَا كَذَلِكَ الْعِيدُ، فَلَا يَصِحُّ لِمَنْ صَلَّاهَا فِي مَحَلٍّ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا ثُمَّ جَاءَ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ أَنْ يُصَلِّيَ إمَامًا بِأَهْلِهِ عَلَى مَا يَظْهَرُ، فَإِنْ اقْتَدُوا بِهِ أُعِيدَتْ مَا لَمْ يَحْصُلْ الزَّوَالُ، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ شَرْطَ الْإِمَامِ مُسَاوَاةُ صَلَاتِهِ لِصَلَاةِ الْمَأْمُومِ زَمَنًا وَشَخْصًا وَوَصْفًا. الثَّالِثُ: إذَا تَرَكَ أَهْلُ الْبَلَدِ صَلَاةَ الْعِيدِ لَا يُقَاتَلُونَ عَلَيْهَا. وَفِي التَّوْضِيحِ يُقَاتَلُونَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَذَانِ تَكَرُّرُهُ دُونَهَا، وَأَيْضًا الْأَذَانُ وَاجِبٌ فِي الْأَمْصَارِ. [زَمَن صَلَاةِ الْعِيدِ] ثُمَّ بَيَّنَ زَمَنَ صَلَاتِهَا بِقَوْلِهِ: (يَخْرُجُ لَهَا) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ (الْإِمَامُ وَالنَّاسُ ضَحْوَةً) أَيْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَوْ قَبْلَ حِلِّ النَّافِلَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (بِقَدْرِ مَا إذَا وَصَلَ) إلَى مَحَلِّ الصَّلَاةِ (حَانَتْ) أَيْ حَلَّتْ (الصَّلَاةُ) أَيْ صَلَاةُ النَّافِلَةِ بِأَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قَيْدَ رُمْحٍ مِنْ أَرْمَاحِ الْعَرَبِ وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ شِبْرًا بِالْأَشْبَارِ الْمُتَوَسِّطَةِ وَهَذَا لِمَنْ قَرُبَ مَكَانُهُ، وَأَمَّا مَنْ بَعُدَ مَكَانُهُ عَنْ مُصَلَّى الْعِيدِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ، وَفَسَّرْنَا الضَّحْوَةَ بِبَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِقَوْلِ الصِّحَاحِ: " ضَحْوَةُ النَّهَارِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ثُمَّ بَعْدَ الضَّحْوَةِ الضُّحَى بِالْقَصْرِ حِينً تَشْرُقُ الشَّمْسُ، ثُمَّ بَعْدَ الضَّحَاءِ بِالْمَدِّ وَهُوَ عِنْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ الْأَعْلَى.

стр. 269

وَلَا إقَامَةٌ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِيهِمَا جَهْرًا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى وَالشَّمْسُ وَضُحَاهَا وَنَحْوِهِمَا وَيُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ يَعُدُّ فِيهَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ لَا يَعُدُّ فِيهَا تَكْبِيرَةَ الْقِيَامِ ــ [الفواكه الدواني] تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاتِهَا وَهُوَ حِلُّ النَّافِلَةِ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ آخِرُهُ وَهُوَ الزَّوَالُ. قَالَ خَلِيلٌ: سُنَّ لِعِيدٍ رَكْعَتَانِ لِمَأْمُورِ الْجُمُعَةِ مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ لِلزَّوَالِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقْتُهَا مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا، وَلَكِنْ يُسَنُّ عِنْدَهُ تَأْخِيرُهَا لِحَلِّ النَّافِلَةِ، فَالْمَالِكِيُّ الْمُصَلِّي خَلْفَهُ بَعْدَ الطُّلُوعِ وَقَبْلَ ارْتِفَاعِهَا قَيْدَ رُمْحِ مُصَلٍّ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ يَنْبَغِي لَهُ التَّقْلِيدُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْكَرَاهَةِ. الثَّانِي: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ بَيَانُ مَحَلِّهَا وَالْمَنْدُوبُ مِنْهُ الْمُصَلَّى. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِيقَاعُهَا بِهِ أَيْ بِالْمُصَلَّى إلَّا بِمَكَّةَ فَالْمُسْتَحَبُّ إيقَاعُهَا فِي الصَّحْرَاءِ وَلَوْ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ لِإِظْهَارِ شَعِيرَةِ الْإِسْلَامِ وَزِينَتِهِ وَإِرْهَابِ الْعَدُوِّ، وَأَمَّا فِي مَكَّةَ فَأَفْضَلُ فِعْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِمُعَايَنَةِ الْكَعْبَةِ وَهِيَ عِبَادَةٌ مَفْقُودَةٌ فِي غَيْرِهَا، وَلِخَبَرِ: «يَنْزِلُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رَحْمَةً، سِتُّونَ لِلطَّائِفِينَ وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ إلَيْهِ» . (وَلَيْسَ فِيهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ) لِاخْتِصَاصِهِمَا بِالْفَرَائِضِ وَيُكْرَهَانِ فِي غَيْرِهَا، كَمَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ لِعَدَمِ وُرُودِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِيهَا، فَقَدْ قَالَ جَابِرٌ: «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِيدَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا قِيلَ: إذَا كَانَ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُؤَذَّنْ لَهَا وَلَمْ يُقَمْ فَمَا الْمُحْوَجُ إلَى النَّصِّ مِنْ الْمُصَنِّفِ عَلَى ذَلِكَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ ذِكْرِهِمَا الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَحْدَثَهُمَا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ بَنُو أُمَيَّةَ، وَالْمُحْدِثُ لَهُمَا أَوَّلًا مِنْهُمْ مُعَاوِيَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى عَدَمِ الْعَمَلِ بِذَلِكَ، وَأَقُولُ: يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ كَرَاهَةِ النِّدَاءِ بِالصَّلَاةِ جَامِعَةٌ مَا لَمْ يَتَوَقَّفْ الْإِعْلَامُ بِالدُّخُولِ مِنْ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فِي الْأَمْصَارِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَإِلَّا كَانَ مِنْ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ إذَا فُعِلَ عَلَى وَجْهِ أَنَّهُ سُنَّةٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ: يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ إلَخْ قَوْلَهُ: (فَيُصَلِّي) أَيْ الْإِمَامُ (بِالنَّاسِ) بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ الْمُصَلَّى أَوْ الْمَسْجِدَ بَعْدَ حِلِّ النَّافِلَةِ وَاجْتِمَاعِ النَّاسِ (رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِيهِمَا جَهْرًا) ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ خُطْبَةٍ لِلْوَعْظِ لَا لِلتَّعْلِيمِ كَخُطْبَةِ عَرَفَةَ (بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى) فِي الْأُولَى (وَ) يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ سُورَةَ (الشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَنَحْوَهَا) مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَقِرَاءَتُهَا بِكَسَبِّحْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. (وَ) صِفَةُ افْتِتَاحِهَا أَنْ (يُكَبِّرَ فِي الْأُولَى سَبْعًا) وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ (قَبْلَ الْقِرَاءَةِ يَعُدُّ فِيهَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَ) إذَا شَرَعَ (فِي) قِيَامِ الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ) يُكَبِّرُ (خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ لَا يَعُدُّ فِيهَا تَكْبِيرَةَ الْقِيَامِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَافْتَتَحَ بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ بِالْإِحْرَامِ ثُمَّ بِخَمْسٍ غَيْرِ الْقِيَامِ مُوَالِي إلَّا بِقَدْرِ تَكْبِيرِ الْمُؤْتَمِّ بِلَا قَوْلٍ وَتَحَرَّاهُ مُؤْتَمٌّ لَمْ يَسْمَعْ، فَالتَّكْبِيرُ الزَّائِدُ عَلَى تَكْبِيرِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي غَيْرِ الْعِيدِ إحْدَى عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً فَتَصِيرُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَالْأَصْحَابِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِيَ عَنْهُ ﷺ مِنْ طُرُقٍ حِسَانٍ كَثِيرَةٍ: «أَنَّهُ كَبَّرَ فِي الْأُولَى سَبْعًا وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا» وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ نَافِعٍ: «شَهِدْت الْأَضْحَى وَالْفِطْرَ فَكَبَّرَ فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَفِي الْأَخِيرَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ» فَالزِّيَادَةُ عَلَى السَّبْعِ وَالنَّقْصُ عَنْهَا وَتَأْخِيرُهَا عَنْ الْقِرَاءَةِ مِنْ الْخَطَأِ الَّذِي لَا يُتَّبَعُ فِيهِ الْمُخَالِفُ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ شَيْءٍ مِنْ التَّكْبِيرِ سِوَى الْإِحْرَامِ كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَعَنْ مَالِكٍ اسْتِحْبَابُهُ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ التَّكْبِيرِ وَبَيَّنَهُ شُرَّاحُ خَلِيلٍ بِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ يَسْجُدُ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ لِلْوَاحِدَةِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ السُّنَنِ وَلَوْ عَمْدًا حَيْثُ أَتَى بِهَا الْإِمَامُ أَوْ سَجَدَ لِتَرْكِهَا سَهْوًا وَتَبِعَهُ الْمَأْمُومُ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ السُّجُودَ لِيَكُونَ مَذْهَبُهُ لَا يَرَى السُّجُودَ لِتَرْكِهَا كَالشَّافِعِيِّ، وَتَكُونُ هَذِهِ مُسْتَثْنَاةً مِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْقَبْلِيَّ يَسْجُدُهُ الْمَأْمُومُ وَلَوْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ، كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ بَعْضُ شُيُوخِنَا حِينَ نَسِيَ إمَامُ الْأَزْهَرِ تَكْبِيرَةَ الْعِيدِ وَلَمْ يَسْجُدْ لَهُ لِكَوْنِهِ شَافِعِيًّا وَتَرَكَهُ الْمَالِكِيُّ الْمُصَلِّي خَلْفَهُ، وَالْفَتْوَى ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْمَأْمُومِ بِالسُّجُودِ فَرْعُ طَلَبِ الْإِمَامِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَيْضًا حُكْمَ تَقْدِيمِ التَّكْبِيرِ عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ سُنَّةٌ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْأُجْهُورِيُّ؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُقَدِّمُ التَّكْبِيرَ عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَتَقَدَّمَ عَنْ خَلِيلٍ أَنَّهُ يَكُونُ مُوَالِيًا إلَّا بِقَدْرِ تَكْبِيرِ الْمَأْمُومِ فَيُنْدَبُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يُكَبِّرَ الْمَأْمُومُ. الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ وَقَدَّمَ الْقِرَاءَةَ عَلَى التَّكْبِيرِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يُعِيدُ الْقِرَاءَةَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ اسْتِنَانًا حَيْثُ لَمْ يَرْكَعْ، وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ لِتَرْكِهِ فِي السَّهْوِ، وَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي تَرْكِ السُّنَّةِ عَمْدًا فِي الْإِمَامِ وَالْفَذِّ إذَا تَرَكَهُ عَمْدًا قَالَهُ خَلِيلٌ، وَكَبَّرَ نَاسِيه إنْ لَمْ يَرْكَعْ وَسَجَدَ بَعْدَهُ وَإِلَّا تَمَادَى وَسَجَدَ غَيْرُ الْمُؤْتَمِّ قَبْلَهُ، فَلَوْ رَجَعَ إلَى إعَادَةِ الْقِرَاءَةِ بَعْدَ الِانْحِنَاءِ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ قِيَاسًا عَلَى مَنْ رَجَعَ بَعْدَ اسْتِقْلَالِهِ لِلْجُلُوسِ، وَكَذَا تَبْطُلُ عَلَى الظَّاهِرِ بِعَدَمِ إعَادَةِ الْقِرَاءَةِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ. الثَّالِثُ: لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ مَنْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ: إنْ وَجَدَهُ

стр. 270

وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَانِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَرْقَى الْمِنْبَرَ وَيَخْطُبُ وَيَجْلِسُ فِي أَوَّلِ خُطْبَتِهِ وَوَسَطِهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي أَتَى مِنْهَا وَالنَّاسُ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَضْحَى خَرَجَ بِأُضْحِيَّتِهِ إلَى الْمُصَلَّى فَذَبَحَهَا أَوْ نَحَرَهَا لِيَعْلَمَ ذَلِكَ النَّاسُ فَيَذْبَحُونَ بَعْدَهُ وَلْيَذْكُرْ اللَّهَ فِي خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى ــ [الفواكه الدواني] فِي حَالِ الْقِرَاءَةِ يُكَبِّرُ سَبْعًا إنْ وَجَدَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَخَمْسًا غَيْرَ الْإِحْرَامِ فِي الثَّانِيَةِ، وَيَقُومُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ يَقْضِي الْأُولَى بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ بِالْقِيَامِ، وَلَا يُقَال: مُدْرِكُ رَكْعَةٍ يَقُومُ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: خُولِفَتْ الْقَاعِدَةُ هُنَا لِتَحْصِيلِ عِدَّةِ تَكْبِيرِ الرُّبَاعِيَّةِ فِي رَكْعَتَيْ الْعِيدِ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ مَعَ الْإِمَامِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا فِي تَحْصِيلِ هَذَا الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِهَا إنَّمَا كَانَ لِمُوَافَقَةِ الْإِمَامِ، وَإِنْ وَجَدَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يَدْرِ أَهِيَ الرَّكْعَةُ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةُ. قَالَ الْحَطَّابُ: لَا نَصَّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ سَبْعًا؛ لِأَنَّ نَقْصَ التَّكْبِيرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَقْتَضِي السُّجُودَ بِخِلَافِ زِيَادَتِهِ، وَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ يُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ وَيَجْلِسُ، وَبَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ يَقُومُ يَقْضِي الْأُولَى بِسِتٍّ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُكَبِّرُ لِلْقِيَامِ أَوْ لَا يُكَبِّرُ اسْتِغْنَاءً عَنْ تَكْبِيرِهِ؟ الْمَطْلُوبُ مِمَّنْ أَدْرَكَ دُونَ رَكْعَةٍ بِتَكْبِيرِ الْعِيدِ تَأْوِيلَانِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ. (وَ) يَسْجُدُ (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْنِ) وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا غَيْرُ ضَرُورِيٍّ، فَالْأَحْسَنُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ " وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْنِ وَرَكْعَةً وَاحِدَةً " عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّكْعَةِ الرُّكُوعُ، وَيَكُونُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ؛ لِأَنَّهَا بِزِيَادَةِ قِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ. (ثُمَّ) بَعْدَ إتْمَامِ الرَّكْعَتَيْنِ يَسْجُدُ فِي الْأَخِيرَةِ (يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ) كَتَسْلِيمِ الْفَرِيضَةِ [خُطْبَةَ الْعِيدِ] (ثُمَّ) بَعْدَ السَّلَامِ (يَرْقَى الْمِنْبَرَ) أَيْ يَصْعَدُ عَلَيْهِ (وَيَخْطُبُ) نَدْبًا خُطْبَتَيْنِ كَخُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ فِي كَوْنِهِمَا بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ وَجَهْرًا، لَكِنَّ خُطْبَةَ الْعِيدِ يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ، وَخُطْبَةَ الْجُمُعَةِ بِالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ مُشْتَمِلَةً عَلَى بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ فِي عِيدِ الْفِطْرِ مِنْ بَيَانِ مَنْ يُطْلَبُ بِإِخْرَاجِهَا وَالْقَدْرُ الْمُخْرَجُ وَالْمُخْرَجُ مِنْهُ وَزَمَنُ إخْرَاجِهَا، وَفِي عِيدِ النَّحْرِ عَلَى بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالضَّحِيَّةِ وَمَنْ يُؤْمَرُ بِهَا وَمَا تَكُونُ مِنْهُ وَالسِّنُّ الْمُجْزِي مِنْهَا وَزَمَنُ تَذْكِيَتِهَا. (تَنْبِيهٌ) رَقِيَ بِكَسْرِ الْقَافِ فِي الْمَاضِي وَفَتْحِهَا فِي الْمُضَارِعِ بِمَعْنَى صَعِدَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ عَلِمَ يَعْلَمُ، بِخِلَافِ رَقَى مِنْ الرُّقْيَةِ فَبِالْعَكْسِ (وَيَجْلِسُ) نَدْبًا (فِي أَوَّلِ خُطْبَتِهِ) عَلَى الْمَشْهُورِ لِتَأْخُذَ النَّاسُ مَجَالِسَهُمْ (وَ) كَذَا نُدِبَ أَنْ يَجْلِسَ فِي (وَسَطِهَا) اقْتِدَاءً بِهِ ﵊، وَلِلْفَصْلِ فِي الْخُطْبَتَيْنِ وَلِلِاسْتِرَاحَةِ مِنْ تَعَبِ الْقِيَامِ، وَيَكُونُ قَدْرُ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. قَالَ خَلِيلٌ: بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَنْدُوبِ وَخُطْبَتَانِ كَالْجُمُعَةِ وَسَمَاعِهَا وَاسْتِقْبَالِهِ وَبَعْدِيَّتِهِمَا وَأُعِيدَتَا إنْ قُدِّمَتَا وَاسْتِفْتَاحٌ بِتَكْبِيرٍ وَتَخَلُّلُهُمَا بِهِ بِلَا حَدٍّ، وَإِذَا أَحْدَثَ فِي الْخُطْبَةِ تَمَادَى؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ كَخُطْبَةِ الِاسْتِسْقَاءِ؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ مُسْتَحَبَّةٌ فِي الْخُطْبَةِ وَلَوْ خُطْبَةَ جُمُعَةٍ. (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ (يَنْصَرِفُ) مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا إذَا فَعَلَهَا فِي الصَّحْرَاءِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ لِمُصَلِّي الْعِيدِ تَنَفُّلٌ بِمُصَلَّى قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا لَا بِمَسْجِدٍ فِيهِمَا لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْأَضْحَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا» وَأَمَّا إنْ أَوْقَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُكْرَهُ لِإِمَامٍ وَلَا مَأْمُومٍ تَنَفُّلٌ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ. (وَيُسْتَحَبُّ) لِلْإِمَامِ إذَا انْصَرَفَ (أَنْ يَرْجِعَ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي أَتَى) إلَى الصَّلَاةِ (مِنْهَا وَالنَّاسُ كَذَلِكَ) فِي نَدْبِ الرُّجُوعِ مِنْ غَيْرِ الطَّرِيقِ الْأُولَى خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِالْإِمَامِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: مِنْ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ مِنْ طَرِيقٍ رَجَعَ مِنْ غَيْرِهِ» وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ ذَلِكَ فَقِيلَ لِأَجْلِ الصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الطَّرِيقَيْنِ، وَقِيلَ لِتَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ. (وَإِنْ كَانَ) خُرُوجُ الْإِمَامِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ (فِي الْأَضْحَى خَرَجَ) نَدْبًا (بِأُضْحِيَّتِهِ إلَى الْمُصَلَّى) إنْ كَانَ بَلَدُهُ كَبِيرًا وَكَانَ لَهُ أُضْحِيَّةٌ (فَذَبَحَهَا أَوْ نَحَرَهَا لِيُعْلِمَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ مِنْ ذَبْحٍ وَنَحْرٍ (النَّاسَ) فَإِذَا عَلِمُوا (فَيَذْبَحُونَ) أَوْ يَنْحَرُونَ (بَعْدَهُ) ؛ لِأَنَّ ذَبْحَهُمْ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ غَيْرُ مُجْزٍ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَأَعَادَ سَابِقُهُ إلَّا الْمُتَحَرِّي أَقْرَبَ إمَامٍ، قَالَ شُرَّاحُهُ: وَكَذَا مُصَاحِبُهُ فَلَوْ نَصَّ عَلَى الْمُصَاحِبِ لَفُهِمَ حُكْمُ السَّابِقِ بِالْأَوْلَى، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يُخْرِجْ الْإِمَامُ أُضْحِيَّتَهُ إلَى الْمُصَلَّى فَلْيَتَحَرَّ النَّاسُ ذَكَاتَهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى مَنْزِلِهِ وَيَذْبَحُونَ وَيُجْزِيهِمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فِي تَحَرِّيهمْ بِأَنْ تَبَيَّنَ ذَبْحُهُمْ قَبْلَ الْإِمَامِ لِكَوْنِهِ تَوَانَى بِلَا عُذْرٍ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ لَهُ عُذْرٌ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى بَيْتِهِ مَنَعَهُ مِنْ الذَّبْحِ سُرْعَةٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ انْتِظَارُهُ لِقُرْبِ الزَّوَالِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ إجْزَاءِ الضَّحِيَّةِ إذَا تَبَيَّنَ الْخَطَأُ بَعْدَ التَّحَرِّي وَعَدَمُ إجْزَاءِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ مَعَ الْخَطَأِ بَعْدَ التَّحَرِّي لِطُلُوعِ الْفَجْرِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ، وَلَا تُجْزِي إنْ تَبَيَّنَ تَقَدُّمُ إحْرَامِهَا عَلَى الْفَجْرِ، وَإِنْ يَنْحَرُ. مَشَقَّةُ إعَادَةِ الضَّحِيَّةِ دُونَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَأَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَإِنْ كَانَ فِي الْأَضْحَى خَرَجَ بِأُضْحِيَّتِهِ إلَخْ أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ بِالْمُصَلَّى أَفْضَلُ وَهُوَ كَذَلِكَ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَإِيقَاعُهَا بِهِ إلَّا بِمَكَّةَ أَنْ يُسْتَحَبَّ إيقَاعُ صَلَاةِ الْعِيدِ مُطْلَقًا فِي " الْمُصَلَّى وَلَوْ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُصَلَّى الصَّحْرَاءُ وَالْفَضَاءُ، وَصَلَاتُهَا بِالْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ بِدْعَةٌ

стр. 271

جَهْرًا حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى الْإِمَامُ وَالنَّاسُ كَذَلِكَ فَإِذَا دَخَلَ الْإِمَامُ لِلصَّلَاةِ قَطَعُوا ذَلِكَ وَيُكَبِّرُونَ بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ فِي خُطْبَتِهِ وَيُنْصِتُونَ لَهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ فَلْيُكَبِّرْ النَّاسُ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْهُ وَهُوَ آخِرُ أَيَّامِ مِنًى يُكَبِّرُ إذَا صَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ يَقْطَعُ ــ [الفواكه الدواني] لَمْ يَفْعَلْهَا ﵊ وَلَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، وَأَمَّا فِي مَكَّةَ فَفِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ لِمُشَاهَدَةِ الْكَعْبَةِ وَهِيَ عِبَادَةٌ مَفْقُودَةٌ فِي غَيْرِهَا لِخَبَرِ: «يَنْزِلُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رَحْمَةً» الْحَدِيثَ، وَقَيَّدْنَا نَدْبَ خُرُوجِ الضَّحِيَّةِ إلَى الْمُصَلَّى بِالْبَلَدِ الْكَبِيرِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ، فَلَا يُنْدَبُ لَهُ إخْرَاجُ أُضْحِيَّتِهِ لِعِلْمِهِمْ غَالِبًا بِذَبْحِهِ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ أُضْحِيَّتَهُ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِمَامِ فِي، كَلَامِهِ إمَامُ الصَّلَاةِ لَا الْإِمَامُ الْأَكْبَرُ فَيَكُونُ مُقْتَصَرًا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِأَرْجَحِيَّتِهِ عِنْدَهُ، وَيَبْقَى الْكَلَامُ إذَا تَعَدَّدَ إمَامُ الصَّلَاةِ فِي الْمِصْرِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ إمَامُ حَارَتِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَعْلَمُ ذَبْحَهُ وَيُؤْمَرُ بِاتِّبَاعِهِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الضَّحِيَّةِ أَنَّ مَنْ لَا إمَامَ لَهُمْ يَتَحَرَّوْنَ ذَبْحَ أَقْرَبِ الْأَئِمَّةِ إلَيْهِمْ وَيَذْبَحُونَ وَتَجْزِيهِمْ وَلَوْ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُمْ قَالَ خَلِيلٌ وَأَعَادَ سَابِقُهُ إلَّا الْمُتَحَرِّي أَقْرَبَ إمَامٍ كَأَنْ لَمْ يُبْرِزْهَا وَتَوَانَى بِلَا عُذْرٍ قَدَّرَهُ وَبِهِ انْتَظَرَ لِلزَّوَالِ. (تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِنْ جَعْلِنَا قَوْلَهُ: فَيَذْبَحُونَ جَوَابًا لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ غَيْرِ جَازِمٍ الْجَوَابَ عَنْ اعْتِرَاضِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَائِلًا: الصَّوَابُ إسْقَاطُ نُونِ يَذْبَحُونَ لِعَطْفِهِ عَلَى يَعْلَمُ الْمَنْصُوبَ بِأَنَّ الْمُضْمَرَةِ بَعْدَ لَامِ التَّعْلِيلِ. [صِفَةِ خُرُوجِ الْإِمَامِ بِصَلَاةِ الْعِيدِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ خُرُوجِ الْإِمَامِ بِصَلَاةِ الْعِيدِ بِقَوْلِهِ: (وَلْيَذْكُرْ) الْإِمَامُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ (اللَّهَ فِي خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ) الْمُرَادُ مَحَلُّهُ الَّذِي كَانَ فِيهِ لِلصَّلَاةِ (فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى) خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي عَدَمِ التَّكْبِيرِ فِي حَالِ خُرُوجِهِ لِصَلَاةِ عِيدِ الْفِطْرِ دَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَالْعِدَّةُ صَوْمُ رَمَضَانَ، وَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ: «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُكَبِّرُ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ إلَى الْمُصَلَّى» وَهُوَ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وَصِفَةُ هَذَا الذِّكْرِ كَصِفَتِهِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ، وَأَنْ يَكُونَ بِالْمَدِّ الطَّبِيعِيِّ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ (جَهْرًا) بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه وَفَوْقَ ذَلِكَ قَلِيلًا «؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى الْمُصَلَّى رَافِعًا صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ» وَحِكْمَةُ الْجَهْرِ بِهِ إيقَاظُ الْغَافِلِ وَتَعْلِيمُ الْجَاهِلِ، وَيَسْتَمِرُّ تَكْبِيرُ الْإِمَامِ (حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى) أَيْ مَكَانَ الصَّلَاةِ (الْإِمَامُ وَالنَّاسُ كَذَلِكَ) أَيْ كَالْإِمَامِ فِي طَلَبِ الذِّكْرِ حَالَ الْخُرُوجِ، وَيُكَبِّرُ كُلُّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ فِي الطَّرِيقِ وَفِي الْمُصَلَّى، وَلَا يُكَبِّرُونَ جَمَاعَةً؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ نَاجِي: افْتَرَقَ النَّاسُ بِالْقَيْرَوَانِ فِرْقَتَيْنِ بِمَحْضَرِ أَبِي عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَإِذَا فَرَغَتْ إحْدَاهُمَا مِنْ التَّكْبِيرِ وَسَكَتَتْ أَجَابَتْ الْأُخْرَى، فَسُئِلَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا: إنَّهُ لَحَسَنٌ، ثُمَّ قَالَ: قُلْت وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ النَّاسِ عِنْدَنَا عَلَى ذَلِكَ بِأَفْرِيقِيَّةِ بِمَحْضَرِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَكَابِرِ الشُّيُوخِ اهـ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَى اسْتِحْسَانِهِمَا فِعْلَهُ جَمَاعَةٌ كَوْنُ ذَلِكَ بِدْعَةً؛ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ تَكُونُ حَسَنَةً. (فَإِذَا دَخَلَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ قَطَعُوا ذَلِكَ) التَّكْبِيرَ وَقِيلَ يَقْطَعُونَ بِمُجَرَّدِ مَجِيئِهِ إلَى الْمُصَلَّى. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَهَرَ بِهِ وَهَلْ لِمَجِيءِ الْإِمَامِ أَوْ لِقِيَامِهِ لِلصَّلَاةِ تَأْوِيلَانِ. (تَنْبِيهَانِ) : الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلْيَذْكُرْ اللَّهَ فِي خُرُوجِهِ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ قَبْلَ الْخُرُوجِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ: يَدْخُلُ زَمَنُ التَّكْبِيرِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ، وَعَلَيْهِ فِعْلُ أَهْلِ الْأَرْيَافِ فَإِنَّهُمْ يُكَبِّرُونَ عَلَى الْمَنَارِ لَيْلَةَ الْعِيدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا قَصَدُوا بِفِعْلِهِ الْإِعْلَامَ بِثُبُوتِ الْعِيدِ. الثَّانِي: قَدْ صَرَّحَ فِيمَا تَقَدَّمَ زَمَنَ الْخُرُوجِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ بِأَنَّهُ ضَحْوَةٌ، وَالْمُرَادُ الْخُرُوجُ فِي الزَّمَنِ الَّذِي إذَا خَرَجَ فِيهِ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ وَلَوْ قَبْلَ الشَّمْسِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَخُرُوجٌ بَعْدَ الشَّمْسِ وَتَكْبِيرٌ فِيهِ حِينَئِذٍ لَا قَبْلَهُ وَصَحَّ خِلَافُهُ (وَيُكَبِّرُونَ) أَيْ النَّاسُ (بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ فِي) خِلَالِ (خُطْبَتِهِ) عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الْإِمَامِ يُكَبِّرُ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ أَتُكَبِّرُ النَّاسُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. (وَيُنْصِتُونَ) أَيْ يَسْتَمِعُونَ (لَهُ) اسْتِحْبَابًا (فِيمَا) أَيْ لَهُ فِي زَمَنٍ (سِوَى ذَلِكَ) وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ اسْتِمَاعُ خُطْبَتَيْ الْعِيدِ إلَّا فِي حَالِ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ أَوْ صَلَاتِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ، أَوْ تَعَوُّذٍ مِنْ النَّارِ عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهَا، أَوْ تَأْمِينِهِ عِنْدَ دُعَائِهِ كَمَا فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي صِفَةِ التَّكْبِيرِ إثْرَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ فَقَالَ: (فَإِنْ كَانَتْ) أَيْ دَخَلَتْ (أَيَّامُ النَّحْرِ فَلْيُكَبِّرْ) جَمِيعُ (النَّاسِ) الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ حَتَّى النِّسَاءُ وَالْفَذُّ وَالْحَاضِرُ وَالْمُسَافِرُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ (دُبُرَ الصَّلَوَاتِ) الْمَفْرُوضَاتِ الْوَقْتِيَّاتِ الَّتِي عِدَّتُهَا خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً أَوَّلُهَا (مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ) لَا ظُهْرَ عَرَفَةَ وَانْتِهَاؤُهَا (إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ النَّحْرِ (وَهُوَ آخِرُ أَيَّامِ مِنًى) وَالْغَايَةُ دَاخِلَةٌ فَابْتِدَاؤُهُ مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَآخِرُهُ صُبْحَ الرَّابِعِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِإِلَى خِلَافُ الْمُرَادِ قَالَ: (يُكَبِّرُ إذَا صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ يَقْطَعُ) .

стр. 272

وَالتَّكْبِيرُ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَإِنْ جَمَعَ مَعَ التَّكْبِيرِ تَهْلِيلًا وَتَحْمِيدًا فَحَسَنٌ يَقُولُ إنْ شَاءَ ذَلِكَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ هَذَا وَالْأَوَّلُ وَالْكُلُّ وَاسِعٌ وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ أَيَّامُ النَّحْرِ الثَّلَاثَةُ وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ مِنًى وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَالْغُسْلُ لِلْعِيدَيْنِ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ وَيُسْتَحَبُّ فِيهِمَا الطِّيبُ وَالْحَسَنُ مِنْ الثِّيَابِ. . ــ [الفواكه الدواني] تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: أَشْعَرَ قَوْلُهُ دُبُرَ أَنَّهُ يُكَبِّرُ قَبْلَ التَّسْبِيحِ وَقِيلَ قِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ قَوْلُ خَلِيلٍ: وَتَكْبِيرَةٌ إثْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً وَسُجُودُهَا الْبَعْدِيُّ مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لَا نَافِلَةَ وَلَا مَقْضِيَّةَ فِيهَا مُطْلَقًا. الثَّانِي: إذَا سَلَّمَ الْمُصَلِّي مِنْ الْفَرِيضَةِ وَنَسِيَ التَّكْبِيرَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ مَعَ الْقُرْبِ، وَأُخْرَى لَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهُ قَالَ فِي الْجَلَّابِ: مَنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ كَبَّرَ إنْ كَانَ قَرِيبًا، وَالْقُرْبُ هُنَا كَالْقُرْبِ فِي الْبِنَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ سَنَدٌ. الثَّالِثُ: إذَا تَرَكَهُ الْإِمَامُ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُنَبِّهُهُ وَلَوْ بِالْكَلَامِ، فَلَوْ لَمْ يُنَبِّهْهُ أَوْ لَمْ يَتَنَبَّهْ كَبَّرَ وَلَا يَتْرُكُهُ. (وَ) عِدَّةُ (التَّكْبِيرِ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ) أَنْ يَقُولَ الْمُكَبِّرُ: (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ) ثَلَاثًا بِالْإِعْرَابِ إلَّا أَنْ يَقِفَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّلَفُّظِ وَالْمَدِّ الطَّبِيعِيِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ حَيْثُ قَالَ: وَلَفْظُهُ وَهُوَ: اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا أَنْ يَخْرُجَ مِنْ عُهْدَةِ الطَّلَبِ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا وَإِنْ لَمْ يَزِدْ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَنَحْوَهَا مِمَّا يَذْكُرُونَهُ عِنْدَ التَّكْبِيرِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَإِنْ جَمَعَ مَعَ التَّكْبِيرِ تَهْلِيلًا) بِأَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ (وَتَحْمِيدًا) بِأَنْ قَالَ: وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (فَحَسَنٌ) أَيْ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ، وَبَيَّنَ صِفَةَ الْجَمْعِ بِقَوْلِهِ: (يَقُولُ إنْ شَاءَ ذَلِكَ) أَيْ إنْ أَرَادَ الْجَمْعَ (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ) مَرَّتَيْنِ (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) مَرَّةً وَاحِدَةً (وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ) مَرَّتَيْنِ (وَلِلَّهِ الْحَمْدُ) وَإِلَى هَذَا أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ قَالَ بَعْدَ تَكْبِيرَتَيْنِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ثُمَّ تَكْبِيرَتَيْنِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فَحَسَنٌ (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ هَذَا) اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ إلَى الْجَمْعِ (وَالْأَوَّلُ) أَيْضًا فَكُلٌّ مِنْ الْجَمْعِ وَعَدَمِهِ مَرْوِيٌّ عَنْ الْإِمَامِ وَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ بَلَاغُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَلِذَلِكَ صَدَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ، وَالثَّانِي رِوَايَةُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ، وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ تَعْيِينُ شَيْءٍ مِنْ هَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ قَالَ: (وَالْكُلُّ وَاسِعٌ) وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: وَإِنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَلَا حَرَجَ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّهُ يُكَبِّرُ نَدْبًا فِي خُرُوجِهِ لِلصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] نَاسَبَ بَيَانَ الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَةِ وَالْمَعْدُودَةِ بِقَوْلِهِ: (وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ) فِي الْآيَةِ الْمُرَادُ بِهَا (أَيَّامُ النَّحْرِ الثَّلَاثَةُ) الْأَوَّلُ وَتَالِيَاهُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ لِلذَّبْحِ. (وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ) الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ هِيَ (أَيَّامُ مِنًى وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) أَيْضًا (بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ) ثَانِي النَّحْرِ وَتَالِيَاهُ، وَسُمِّيَتْ مَعْدُودَاتٍ؛ لِأَنَّ الْجِمَارَ تُعَدُّ فِيهَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مَعْلُومٌ لِلنَّحْرِ غَيْرُ مَعْدُودٍ لِلرَّمْيِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُرْمَى فِيهِ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ، وَالرَّابِعُ عَكْسُهُ مَعْدُودٌ لِلرَّمْيِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلنَّحْرِ لِفَوَاتِ زَمَنِ التَّضْحِيَةِ بِغُرُوبِ الثَّالِثِ كَمَا يَأْتِي، وَالْيَوْمَانِ الْمُتَوَسِّطَانِ مَعْلُومَانِ وَمَعْدُودَانِ؛ لِأَنَّهُمَا لِلنَّحْرِ وَالرَّمْيِ. [غُسْلَ الْعِيدِ] وَلَمَّا فَرَغَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَنْ آدَابٍ تُطْلَبُ مِنْ الشَّخْصِ يَوْمَ الْعِيدِ فَقَالَ: (وَالْغُسْلُ لِلْعِيدَيْنِ حَسَنٌ) أَيْ مَنْدُوبٌ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَلَيْسَ بِلَازِمٍ) وَصِفَةٌ كَصِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى حُسْنِهِ فِعْلُهُ ﷺ ، وَيُطْلَبُ مِنْ كُلِّ مُمَيِّزٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا وَلَا مُرِيدًا لِلصَّلَاةِ. قَالَ الْجُزُولِيُّ: يُؤْمَرُ بِهِ مَنْ يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ وَمَنْ لَا يُؤْمَرُ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ بِخِلَافِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِأَوَّلِ السُّدُسِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ فِعْلُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ إحْيَاءُ لَيْلَتِهِ وَغُسْلٌ بَعْدَ الصُّبْحِ، فَمَنْ اغْتَسَلَ قَبْلَ السُّدُسِ الْأَخِيرِ لَمْ يُجِزْهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ غُسْلَ الْعِيدِ يُخَالِفُ غُسْلَ الْجُمُعَةِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُطْلَبُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ يُطْلَبُ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ غُسْلَ الْعِيدِ لِلْيَوْمِ فَإِنَّهُ لِلصَّلَاةِ وَلِذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِهِ بِالرَّوَاحِ. وَثَالِثُهَا: لَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ بِخِلَافِ غُسْلِ الْعِيدِ. (وَيُسْتَحَبُّ فِيهِمَا) أَيْ فِي يَوْمَيْ الْعِيدِ اسْتِعْمَالُ (الطِّيبِ) وَلَوْ لَمْ يُرِدْ الْخُرُوجَ لِلصَّلَاةِ (وَ) يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا أَيْضًا لِبْسُ (الْحَسَنِ مِنْ الثِّيَابِ) قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَتَطَيُّبٌ وَتَزَيُّنٌ وَإِنْ لِغَيْرِ مُصَلٍّ، وَالْمُرَادُ بِالْحَسَنِ مِنْ الثِّيَابِ فِي الْعِيدِ الْجَدِيدُ وَلَوْ أَسْوَدَ إلَّا النِّسَاءَ فَإِنَّهُنَّ إنْ أَرَدْنَ الْخُرُوجَ لِلصَّلَاةِ لَا يَقْرَبْنَ طِيبًا وَلَا زِينَةً وَإِنْ كُنَّ عَجَائِزَ، وَأَمَّا فِي مَنْزِلِهِنَّ فَلَا حَرَجَ، وَيَنْبَغِي فِي زَمَانِنَا أَوْ يَتَعَيَّنُ أَوْ يَلْحَقُ بِالنِّسَاءِ مَنْ تَتَشَوَّقُ النُّفُوسُ إلَى رُؤْيَتِهِ مِنْ الذُّكُورِ، فَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الصَّغِيرِ الْجَمِيلِ وَسَيِّدِ الْمَمْلُوكِ أَنْ يُجَنِّبَهُ اللِّبَاسَ الْحَسَنَ وَلَوْ فِي غَيْرِ الْعِيدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ خَبَرُ مُعَاذٍ: «كَانَ ﷺ يَأْمُرُنَا إذَا غَدَوْنَا إلَى الْمُصَلَّى أَنْ نَلْبَسَ أَجْوَدَ مَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إظْهَارِ النِّعْمَةِ وَالْفَرَحِ

стр. 273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الفواكه الدواني] وَالسُّرُورِ» فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ تَرْكُ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ يَوْمَ الْعِيدِ تَقَشُّفًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمَا، وَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ رَغْبَةً عَنْهُ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. ١ - (وَيُسْتَحَبُّ) أَيْضًا (الْأَكْلُ قَبْلَ الْغُدُوِّ) أَيْ الذَّهَابِ إلَى الْمُصَلَّى (يَوْمَ) عِيدِ (الْفِطْرِ) وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ عَلَى تَمَرَاتٍ وِتْرًا إنْ أَمْكَنَ لِيُقَارِنَ أَكْلُهُ إخْرَاجَ زَكَاةِ فِطْرٍ؛ لِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِإِخْرَاجِهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلِيَحْصُلَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ صَائِمًا، وَأَمَّا يَوْمُ النَّحْرِ فَالْأَفْضَلُ فِيهِ تَأْخِيرُ الْفِطْرِ لِيُفْطِرَ عَلَى كَبِدِ أُضْحِيَّتِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفَطَرَ قَبْلَهُ فِي الْفِطْرِ وَتَأْخِيرُهُ فِي النَّحْرِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ فِعْلُهُ ﷺ ، قَالَ خَلِيلٌ مُشِيرًا إلَى جَمِيعِ الْمَنْدُوبَاتِ بِقَوْلِهِ: وَنُدِبَ إحْيَاءُ لَيْلَتِهِ وَغُسْلٌ بَعْدَ الصُّبْحِ وَتَطَيُّبٌ وَتَزَيُّنٌ وَإِنْ لِغَيْرِ مُصَلٍّ وَمَشْيٌ فِي ذَهَابِهِ وَفِطْرٌ قَبْلَهُ فِي الْفِطْرِ وَتَأْخِيرُهُ فِي النَّحْرِ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ إحْيَاءُ لَيْلَةِ الْعِيدِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدِ وَلَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» وَفِي حَدِيثٍ: «مَنْ أَحْيَا اللَّيَالِي الْأَرْبَعَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» وَهِيَ: لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةُ عَرَفَةَ وَلَيْلَةُ الْفِطْرِ وَلَيْلَةُ النَّحْرِ، وَمَعْنَى لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ لَمْ يَتَحَيَّرْ عِنْدَ النَّزْعِ وَلَا عَلَى الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ لَمْ يَمُتْ فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَالْإِحْيَاءُ يَحْصُلُ بِالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ وَلَوْ فِي مُعْظَمِ اللَّيْلِ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ السُّؤَالُ عَنْ الْإِحْيَاءِ هَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ لِمُجَرَّدِ ابْتِغَاءِ الثَّوَابِ الْأُخْرَوِيِّ أَوْ وَلَوْ خَالَطَهُ قَصْدُ الدُّنْيَا كَقِرَاءَةِ لَيْلَةِ الْعِيدِ أَوْ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ، وَالْأَنْسَبُ بِمَقَامِ الْكَرِيمِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ثَوَابُ الْأَوَّلِ أَعْظَمَ كَمَا قَالُوهُ فِي الْمُجَاهِدِ وَغَيْرِهِ. ١ - (خَاتِمَةٌ) تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ حِسَانٍ مِنْهَا: مَا سُئِلَ عَنْهُ الْإِمَامُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ لِأَخِيهِ يَوْمَ الْعِيدِ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْك، يُرِيدُ الصَّوْمَ وَفِعْلَ الْخَيْرِ الصَّادِرِ فِي رَمَضَانَ، غَفَرَ اللَّهُ لَنَا وَلَك فَقَالَ: مَا أَعْرِفُهُ وَلَا أُنْكِرُهُ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَعْنَاهُ لَا يَعْرِفُهُ سُنَّةً وَلَا يُنْكِرُهُ عَلَى مَنْ يَقُولُهُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، حَتَّى قَالَ الشَّيْخُ الشَّبِيبِيُّ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهِ مِنْ الْفِتَنِ وَالْمُقَاطَعَةِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا قَالُوهُ فِي الْقِيَامِ لِمَنْ يَقْدَمُ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ النَّاسِ لِبَعْضِهِمْ فِي الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ: عِيدٌ مُبَارَكٌ، وَأَحْيَاكُمْ اللَّهُ لِأَمْثَالِهِ، وَلَا شَكَّ فِي جَوَازِ كُلِّ ذَلِكَ، بَلْ وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ لَمَا بَعُدَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مَأْمُورُونَ بِإِظْهَارِ الْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ لِبَعْضِهِمْ، وَمِنْهَا: مَا سُئِلَ عَنْهُ ابْنُ سَحْنُونٍ مِنْ اجْتِمَاعِ النَّاسِ بِأَطْعِمَتِهِمْ عِنْدَ كَبِيرِهِمْ وَيَفْعَلُونَهُ كَثِيرًا فِي الْأَرْيَافِ عِنْدَ الْفِطْرِ كُلَّ لَيْلَةٍ وَيَوْمَ الْعِيدِ فَقَالَ: مَكْرُوهٌ وَعَلَّلَ الْكَرَاهَةَ بِمَا يَحْصُلُ مِنْهُمْ غَالِبًا مِنْ الْغِيبَةِ وَبِالرِّيَاءِ لِإِمْكَانِ أَكْلِ بَعْضِهِمْ مِنْ طَعَامِ غَيْرِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِ، وَأَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَوْ يَتَعَيَّنُ الْجَزْمُ بِهِ جَوَازُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الْمَحَبَّةِ وَجَلْبِ الْمَوَدَّةِ الْمَطْلُوبَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا دَعْوَى الرِّيَاءِ فَلَا تَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أَحَدٌ الْمُبَايَعَةَ وَالْمُعَارَضَةَ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ، وَمَا أَحْسَنُ قَوْلِ الْجُزُولِيِّ: وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ، وَأَمَّا الْغِيبَةُ فَلَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ وَلَا مَظْنُونَةٍ وَالْأَصْلُ السَّلَامَةُ مِنْهَا. [بَاب فِي صَلَاة الْخُسُوف] ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يُشْبِهُ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ:

стр. 274

بَابٌ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ وَصَلَاةُ الْخُسُوفِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ إذَا خَسَفَتْ الشَّمْسُ خَرَجَ الْإِمَامُ إلَى الْمَسْجِدِ فَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِالنَّاسِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ ثُمَّ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً سِرًّا بِنَحْوِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ ــ [الفواكه الدواني] (بَابٌ فِي) صِفَةِ وَحُكْمِ (صَلَاةِ الْخُسُوفِ) لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَهُمَا فِي بَابٍ وَاحِدٍ، وَيُقَالُ الْكُسُوفُ بَدَلُ الْخُسُوفِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هُمَا مُتَرَادِفَانِ أَوْ مُتَبَايِنَانِ، فَعَلَى التَّرَادُفِ مَعْنَاهُمَا ذَهَابُ الضَّوْءِ مِنْ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَعَلَى التَّبَايُنِ قِيلَ وَهُوَ الْأَجْوَدُ الْكُسُوفُ التَّغَيُّرُ وَالْخُسُوفُ الذَّهَابُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ الْأَوَّلُ وَهُوَ ذَهَابُ ضَوْئِهِمَا كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ إلَّا أَنْ يَقِلَّ الذَّاهِبُ جِدًّا بِحَيْثُ لَا يُدْرِكُهُ إلَّا الْحَاذِقُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فَلَا يَصِلُ لَهُ لَتَنَزُّلِهِ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ. وَسَبَبُ خُسُوفِ الشَّمْسِ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ: مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَرَادَ أَنْ يُخَوِّفَ عِبَادَهُ وَيُظْهِرَ لَهُمْ شَيْئًا مِنْ عَظَمَتِهِ وَسُلْطَانِهِ فَتَقَعُ الشَّمْسُ فِي الْبَحْرِ الْمَكْفُوفِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَقَطَتْ كُلُّهَا غَابَتْ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا غَابَ ذَلِكَ الْبَعْضُ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْغَائِبَ مِنْ الضَّوْءِ بِقَدْرِ السَّاقِطِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْخُسُوفُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ وَلِذَلِكَ أَمَرَ ﷺ بِالدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ عِنْدَ ذَلِكَ رَجَاءً لِظُهُورِ الضَّوْءِ، وَبَدَأَ بِبَيَانِ حُكْمِ صَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ بِقَوْلِهِ: (وَصَلَاةُ الْخُسُوفِ) لِلشَّمْسِ (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ يُخَاطَبُ بِهَا كُلُّ مَنْ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ وَلَوْ نَدْبًا، فَتُخَاطَبُ بِهَا النِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ وَالصِّبْيَانُ وَالْمُسَافِرُ وَالْحَاضِرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَتُصَلِّيهَا الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ غَيْرُ شَرْطٍ فِيهَا بَلْ مُسْتَحَبَّةٌ لِلرِّجَالِ فِي الْمَسَاجِدِ. قَالَ خَلِيلٌ: سُنَّ وَإِنْ لِعَمُودِيٍّ وَمُسَافِرٍ لَمْ يَجِدَّ سَيْرَهُ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَانِ سِرًّا بِزِيَادَةِ قِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ، دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا صَلَاةَ خُسُوفِ الشَّمْسِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا عِبَادَةَ اللَّهِ دُونَ عِبَادَتِهِمَا، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا فِي الْحَدِيثِ: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ قَالَ الْقَرَافِيُّ: أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا دُونَ صِفَتِهَا، وَقَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: مَنْ جَحَدَهَا فَهُوَ كَافِرٌ يُسْتَتَابُ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ اهـ، وَأَقُولُ: لِي فِي قَوْلِهِ مَنْ جَحَدَهَا يُقْتَلُ إنْ لَمْ يَتُبْ بَحْثٌ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ جَاحِدَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ لَا يُقْتَلُ إلَّا إذَا عَرَفَهُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ. قَالَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ: وَمَنْ لِمَعْلُومٍ ضَرُورَةٍ جَحَدْ ... مِنْ دِينِنَا يُقْتَلْ كُفْرًا لَيْسَ حَدْ وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ إذْ لَمْ يَعْرِفْهَا إلَّا الْعَالِمُ، فَلَعَلَّ كَلَامَ الْأَقْفَهْسِيِّ مِنْ بَابِ الْمُبَالَغَةِ، [صفة صَلَاة الْكُسُوف وَالْخُسُوف] ثُمَّ بَيَّنَ صِفَتَهَا بِقَوْلِهِ: (إذَا خَسَفَتْ الشَّمْسُ) بِمَعْنَى ذَهَبَ ضَوْءُهَا وَلَوْ الْبَعْضُ إلَّا مَا قَلَّ جِدًّا كَمَا قَدَّمْنَا (خَرَجَ الْإِمَامُ) نَدْبًا (إلَى الْمَسْجِدِ) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُرْوَ أَنَّهُ خَرَجَ لِصَلَاتِهَا فِي الْمُصَلَّى بِمَعْنَى الصَّحْرَاءِ، بِخِلَافِ الْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فَالْمُسْتَحَبُّ فِعْلُهُمَا فِي الصَّحْرَاءِ لِكَثْرَةِ الْحَاضِرِينَ لِفِعْلِهَا، بِخِلَافِ صَلَاةِ الْخُسُوفِ وَوَقْتُ صَلَاةِ الْجَمِيعِ مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ إلَى الزَّوَالِ، فَلَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ مَكْسُوفَةً انْتَظَرَ بِفِعْلِهَا حِلَّ النَّافِلَةِ، وَلَوْ كَسَفَتْ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يُصَلِّ لَهَا، كَمَا لَا يُصَلِّي الْعِيدَ وَالِاسْتِسْقَاءَ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ الْأَوْقَاتِ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْفَرَائِضِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ لِلزَّوَالِ فَهُوَ لِلسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ. (فَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِالنَّاسِ) ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَيَنْوِي الْإِمَامُ وَالنَّاسُ سُنَّةَ الْكُسُوفِ، وَلَا حَدَّ فِي جَمَاعَةِ الْكُسُوفِ بِخِلَافِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَيَفْتَتِحُهَا الْإِمَامُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ فِي وَقْتِ حِلِّ النَّافِلَةِ (بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ الْفَرَائِضِ، لَكِنْ صَحَّ أَنَّهُ ﵊ -

стр. 275

حَمِدَهُ ثُمَّ يَقْرَأُ دُونَ قِرَاءَتِهِ الْأُولَى ثُمَّ يَرْكَعُ نَحْوَ قِرَاءَتِهِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ تَامَّتَيْنِ ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ دُونَ قِرَاءَتِهِ الَّتِي تَلِي ذَلِكَ ثُمَّ يَرْكَعُ نَحْوَ قِرَاءَتِهِ ثُمَّ يَرْفَعُ كَمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ يَقْرَأُ دُونَ قِرَاءَتِهِ هَذِهِ ثُمَّ يَرْكَعُ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ يَرْفَعُ كَمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ يَسْجُدُ كَمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَلِمَنْ شَاءَ " أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ وَلَيْسَ فِي صَلَاتِهِ خُسُوفِ الْقَمَرِ جَمَاعَةٌ وَلِيُصَلِّ النَّاسُ عِنْدَ ذَلِكَ أَفْذَاذًا وَالْقِرَاءَةُ فِيهَا جَهْرًا كَسَائِرِ رُكُوعِ ــ [الفواكه الدواني] نَادَى فِيهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، وَيُكَبِّرُ فِي افْتِتَاحِهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. (ثُمَّ) بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ (قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً سِرًّا) عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ؛ لِأَنَّهَا نِهَايَةٌ، هَكَذَا فَعَلَهَا ﷺ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهَذَا مَا لَمْ تَتَضَرَّرْ النَّاسُ بِتَطْوِيلِهَا، وَإِلَّا تَرَكَهُ الْإِمَامُ وَصَلَّاهَا بِزِيَادَةِ قِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ لَكِنْ غَيْرَ تَطْوِيلٍ، وَفَسَّرَ الْقِرَاءَةَ الطَّوِيلَةَ بِقَوْلِهِ (بِنَحْوِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى زِيَادَةِ قِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ، وَإِنَّمَا قَالَ بِنَحْوِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إشَارَةً إلَى أَنَّ النَّدْبَ لَا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ السُّورَةِ، بَلْ الْمُرَادُ هِيَ أَوْ قَدْرُهَا كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصُّهَا يَقُومُ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. (ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ الْقِرَاءَةِ (يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا نَحْوَ ذَلِكَ) أَيْ يَقْرُبُ مِنْهُ فِي الطُّولِ لَا أَنَّهُ يُسَاوِيه وَيُسَبِّحُ فِي رُكُوعِهِ (ثُمَّ) بَعْدَ رُكُوعِهِ (يَرْفَعُ رَأْسَهُ) حَالَةَ كَوْنِهِ (يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وَتَقُولُ النَّاسُ خَلْفَهُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ. (ثُمَّ) بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ يَسْتَمِرُّ قَائِمًا الْقِيَامَ الثَّانِي (يَقْرَأُ) فِيهِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ قِرَاءَةً طَوِيلَةً لَكِنَّهَا (دُونَ قِرَاءَتِهِ الْأُولَى) فِي الطُّولِ بِأَنْ يَقْرَأَ آلَ عِمْرَانَ أَوْ نَحْوَهَا. (ثُمَّ) بَعْدَ قِرَاءَةِ نَحْوِ آلِ عِمْرَانَ (يَرْكَعُ) الرُّكُوعَ الثَّانِي (نَحْوَ) أَيْ يُقَارِبُ (قِرَاءَتِهِ الثَّانِيَةِ) فِي الْقِيَامِ الثَّانِي (ثُمَّ) بَعْدَ الرُّكُوعِ الثَّانِي (يَرْفَعُ رَأْسَهُ) حَالَةَ كَوْنِهِ (يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وَالْمَأْمُومُ خَلْفَهُ يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، وَلَا تَطْوِيلَ فِي حَالَةِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ. (ثُمَّ) بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ الثَّانِي (يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ تَامَّتَيْنِ) يُطَوِّلُ فِيهِمَا تَطْوِيلًا قَرِيبًا مِنْ الرُّكُوعِ الْكَائِنِ قَبْلَهُمَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَرَكَعَ كَالْقِرَاءَةِ وَسَجَدَ كَالرُّكُوعِ، أَيْ يَفْعَلُ كُلَّ رُكُوعٍ كَالْقِرَاءَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ فِي الطُّولِ وَلَا يُسَاوِيه، وَيَسْجُدُ كُلَّ سُجُودٍ قَرِيبًا مِنْ الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهُ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ التَّطْوِيلَ فِي السَّجْدَتَيْنِ مُسْتَوٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ أَقْصَرُ مِنْ الْأُولَى، كَمَا أَنَّ الرُّكُوعَ قَرِيبٌ مِنْ زَمَنِ الْقِرَاءَةِ الَّتِي قَبْلَهُ. (ثُمَّ) بَعْدَ السَّجْدَتَيْنِ (يَقُومُ) لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (فَيَقْرَأُ) بَعْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ قِرَاءَةً (دُونَ) أَيْ أَقْصَرُ زَمَنًا مِنْ زَمَنِ (قِرَاءَتِهِ الَّتِي تَلِي ذَلِكَ) أَيْ زَمَنَ قِرَاءَتِهِ الْكَائِنِ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِ بِنَحْوِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ قَوْلَهُمْ يَقْرَأُ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ سُورَةَ النِّسَاءِ مَعَ مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّ الْقِيَامَ الْأَوَّلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَقْصَرُ مِنْ الْقِيَامِ الثَّانِي مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَقِرَاءَةُ النِّسَاءِ تُنَافِي ذَلِكَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَثْرَةِ الْمَقْرُوءِ طُولُ زَمَنِ قِرَاءَتِهِ لِإِمْكَانِ الْإِسْرَاعِ مَعَ التَّرْتِيبِ حَتَّى يَصِيرَ زَمَنُ قِرَاءَةِ النِّسَاءِ أَقْصَرَ مِنْ زَمَنِ قِرَاءَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. (ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ الْقِيَامِ الثَّالِثِ (يَرْكَعُ نَحْوَ) أَيْ قَرِيبًا مِنْ (قِرَاءَتِهِ) فِي الْقِيَامِ الَّذِي قَبْلَهُ (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (يَرْفَعُ رَأْسَهُ كَمَا ذَكَرْنَا) فِي رَفْعِهِ مِنْ رُكُوعِ مَا قَبْلَ هَذِهِ الرَّكْعَةِ مِنْ قَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَقَوْلُ الْمَأْمُومِ خَلْفَهُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ. (ثُمَّ يَقْرَأُ) بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ ذَلِكَ الرُّكُوعِ (دُونَ) أَيْ أَقْصَرَ مِنْ (قِرَاءَتِهِ هَذِهِ) الَّتِي فِي الْقِيَامِ الثَّالِثِ بِأَنْ يَقْرَأَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ. (ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقِيَامِ الرَّابِعِ (يَرْكَعُ نَحْوَ) أَيْ قَرِيبًا مِنْ (ذَلِكَ) أَيْ مِنْ زَمَنِ الْقِيَامِ الرَّابِعِ (ثُمَّ يَرْفَعُ) رَأْسَهُ (كَمَا ذَكَرْنَا) أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ قَائِلًا: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ إنْ كَانَ إمَامًا، وَالْمَأْمُومُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ. (ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ (يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا) فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ كَوْنِهِمَا تَامَّتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ كُلُّ سَجْدَةٍ قَرِيبَةٌ مِمَّا قَبْلَهَا فِي الطُّولِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَرَكَعَ كَالْقِرَاءَةِ وَسَجَدَ كَالرُّكُوعِ أَيْ الثَّانِي، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ فِي الطُّولِ. (ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ السَّجْدَتَيْنِ (يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ) وَحَصَلَتْ السُّنَّةُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَتُدْرَكُ الرَّكْعَةُ بِالرُّكُوعِ وَلَا تُكَرَّرُ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ، وَقِيلَ الْمَنْعُ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمَنْعِ الْكَرَاهَةُ فَلَا مُخَالَفَةَ إلَّا إذَا انْجَلَتْ ثُمَّ كَسَفَتْ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ صَلَاتِهَا وَقَبْلَ الزَّوَالِ فَإِنَّهَا تُكَرَّرُ لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ، وَأَمَّا لَوْ كَسَفَتْ فِي أَيَّامٍ لَطُلِبَتْ صَلَاتُهَا بِعَدَدِ الْأَيَّامِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَوَقْتُهَا كَالْعِيدِ وَلَا تُكَرَّرُ. قَالَ شُرَّاحُهُ: مَعْنَاهُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ عِنْدَ اتِّحَادِ السَّبَبِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ وَالنَّاسُ شَرْطِيَّةُ الْجَمَاعَةِ فِيهَا رَفَعَ هَذَا الْإِيهَامَ بِقَوْلِهِ: (وَلِمَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ) صَلَاةَ الْكُسُوفِ (فِي بَيْتِهِ مِثْلَ ذَلِكَ) الْوَصْفُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ زِيَادَةِ قِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ مَعَ الطُّولِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (فَلْيَفْعَلْ) وَيَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلسُّنَّةِ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهَا بَلْ مَنْدُوبَةً فَيُسَنُّ لِلْمُنْفَرِدِ فِعْلُهَا وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ الْجَمَاعَةِ، وَإِنَّمَا يُفَوِّتُ عَلَى نَفْسِهِ ثَوَابَ فِعْلِهَا فِي الْجَمَاعَةِ بِخِلَافِ صَلَاةِ الْعِيدِ شَرْطُ وُقُوعِهَا سُنَّةً فِعْلُهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ، فَمَنْ فَاتَتْهُ مَعَ جَمَاعَتِهَا فِي الْبَلَدِ

стр. 276

النَّوَافِلِ وَلَيْسَ فِي أَثَرِ صَلَاةِ خُسُوفِ الشَّمْسِ خُطْبَةٌ مُرَتَّبَةٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعِظَ النَّاسَ وَيُذَكِّرَهُمْ. . ــ [الفواكه الدواني] نُدِبَتْ لَهُ فَقَطْ، وَإِنْ فَعَلَهَا مَعَ جَمَاعَةٍ لَمْ تَقَعْ لَهُ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَحْصُلُ بِالْجَمَاعَةِ الْأُولَى لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا لَا تَتَعَدَّدُ فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ إلَّا إذَا كَانَتْ مِصْرًا. ١ - (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ، وَلَا حُكْمُ تَطْوِيلِ الْقِيَامِ وَلَا السُّجُودِ وَلَا حُكْمُ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، وَلَا تُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ مِنْ الرُّكُوعَيْنِ، وَمُلَخَّصُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ فِي تَطْوِيلِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ قَوْلَيْنِ الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا النَّدْبُ وَمُقَابِلُهُ السُّنِّيَّةُ، وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ لَا سُجُودَ فِي تَرْكِهِ سَهْوًا وَلَا بُطْلَانَ فِي تَرْكِهِ عَمْدًا وَلَوْ مِنْ الثَّلَاثِ، بِأَنْ قَرَأَ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ بِسَبِّحْ، وَفِي الثَّانِي بِهَلْ أَتَاك، وَفِي الثَّالِثِ بِأَلَمْ نَشْرَحْ. وَفِي الرَّابِعِ بِإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ، وَرَكَعَ كَالْقِرَاءَةِ وَسَجَدَ كَالرُّكُوعِ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ السُّجُودُ فِي السَّهْوِ وَالْبُطْلَانُ فِي الْعَمْدِ وَلَوْ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَأَمَّا نَفْسُ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ فَحُكْمُهُ السُّنِّيَّةُ، وَكَذَا الرُّكُوعُ الْأَوَّلُ الزَّائِدَيْنِ، فَمَنْ صَلَّاهَا بِقِيَامٍ وَاحِدٍ وَرُكُوعٍ وَاحِدٍ كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، فَإِنْ كَانَ سَاهِيًا سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا أَجْرَى الْخِلَافَ فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَهَلْ يَتَعَمَّدُ تَرْكَ سُنَّةٍ أَوْ لَا؟ وَلَا سُجُودَ خِلَافٌ، وَتُدْرَكُ رَكْعَتُهَا بِالرُّكُوعِ الثَّانِي مِنْ الرُّكُوعَيْنِ، فَمَنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ وَيَقْضِي الثَّانِيَةَ بِقِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ. ١ - الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْفَاتِحَةَ تُكَرَّرُ فِي كُلِّ قِيَامٍ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ. الثَّالِثُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ثُمَّ انْجَلَتْ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ بَيَّنَهُ شُرَّاحُ خَلِيلٍ وَمُحَصِّلُهُ: إنْ انْجَلَتْ بَعْدَ تَمَامِ شَطْرِهَا فَقِيلَ يُتِمُّهَا بِقِيَامَيْنِ وَرُكُوعٍ عَلَى سُنِّيَّتِهَا لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ، وَقِيلَ يُتِمُّهَا كَالنَّافِلَةِ بِقِيَامٍ وَاحِدٍ وَرُكُوعٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ انْجَلَتْ قَبْلَ تَمَامِ شَطْرِهَا فَقِيلَ يَقْطَعُهَا وَقِيلَ يُتِمُّهَا كَالنَّوَافِلِ وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ ١ - الرَّابِعُ: لَمْ يُبَيِّنْ كَخَلِيلٍ حُكْمَ مَا لَوْ زَالَتْ فِي أَثْنَائِهَا وَتَرَدَّدَ فِيهِ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ وَأَقُولُ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُتِمُّهَا كَالنَّافِلَةِ وَلَا يَقْطَعُهَا؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا اُفْتُتِحَتْ بِوَجْهٍ جَائِزٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ خُرُوجُ وَقْتِهَا أَوْ تَبَيَّنَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْهَا يُخَفَّفُ فِي فِعْلِهَا وَتُمِّمَتْ نَافِلَةً وَلَا تُقْطَعُ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَقْتَ نَهْيٍ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ إنَّمَا يَحْرُمُ فِي وَقْتِ النَّهْيِ إذَا كَانَ مَدْخُولًا عَلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الزَّوَالِ قَبْلَ تَمَامِ شَطْرِهَا أَوْ بَعْدَهُ، وَلَيْسَ الزَّوَالُ كَالتَّجَلِّي لِوُجُودِ السَّبَبِ هُنَا فِي الْجُمْلَةِ وَحَرِّرْ ذَلِكَ. ١ - الْخَامِسُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ صَلَاتِهَا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا تُفْعَلُ عَلَى مَا يُمْكِنُ وَلَوْ عَلَى غَيْرِ هَيْئَتِهَا؛ لِأَنَّ السُّنَنَ قَدْ تُتْرَكُ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ كَالسُّورَةِ مَثَلًا لِمَنْ خَافَ بِقِرَاءَتِهَا خُرُوجَ الْوَقْتِ وَعَدَمَ إدْرَاكِهِ، وَأَشَارَ إلَى صِفَةِ صَلَاةِ خُسُوفِ الْقَمَرِ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ فِي صَلَاةِ خُسُوفِ الْقَمَرِ جَمَاعَةٌ وَلْيُصَلِّ النَّاسُ عِنْدَ ذَلِكَ أَفْذَاذًا) ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَفِعْلُهَا فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ. (وَالْقِرَاءَةُ فِيهَا جَهْرًا) ؛ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ لَيْلِيَّةٌ فِيهَا الْجَهْرُ (كَسَائِرِ رُكُوعِ النَّوَافِلِ) اللَّيْلِيَّةِ وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: وَرَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ لِخُسُوفِ قَمَرٍ كَالنَّوَافِلِ جَهْرًا بِلَا جَمْعٍ، فَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِيهَا الِانْفِرَادُ وَتُكْرَهُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ وَيَجُوزُ تَكْرَارُهَا، وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ كَالنَّوَافِلِ أَنَّهَا تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِي الْقِيَامِ وَلَا فِي الرُّكُوعِ، وَأَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَلَيْسَتْ سُنَّةً، وَمُقَابِلُ الْمُعْتَمَدِ قَوْلُ ابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ: أَنَّهَا سُنَّةٌ وَقْتُهَا اللَّيْلُ كُلُّهُ فَإِنْ طَلَعَ مَكْسُوفًا صَلُّوا الْمَغْرِبَ قَبْلَهَا، وَيَفُوتُ فِعْلُهَا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا تُفْعَلُ بَعْدَهُ وَلَوْ تَعَمَّدُوا تَأْخِيرَهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى فِي عَدَمِ صَلَاتِهَا لَوْ لَمْ يَخْسِفْ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ لَوْ خَسَفَ لَيْلًا وَأَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى غَابَ فَعِنْدَنَا لَا تُصَلَّى وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تُصَلَّى، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مَا فِي الْمُوَطَّإِ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِالنَّاسِ إلَّا فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّهُ جَمَعَ لِخُسُوفِ الْقَمَرِ، وَلَكِنْ يُصَلُّونَ أَفْذَاذًا رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ. (وَلَيْسَ فِي إثْرِ) أَيْ عَقِبِ (صَلَاةِ خُسُوفِ الشَّمْسِ خُطْبَةٌ مُرَتَّبَةٌ) بِحَيْثُ يَجْلِسُ فِي أَوَّلِهَا وَفِي وَسَطِهَا؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ نَقَلُوا صِفَةَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ ﵊ خَطَبَ فِيهَا، وَمَا صَدَرَ مِنْ تَسْمِيَةِ عَائِشَةَ لِمَا صَدَرَ مِنْهُ خُطْبَةً فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَتَى بِكَلَامٍ يُشْبِهُ الْخُطْبَةَ. (وَ) لَكِنْ (لَا بَأْسَ) بِمَعْنَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَعِظَ) الْإِمَامُ (النَّاسَ) بَعْدَهَا (وَيُذَكِّرَهُمْ) تَفْسِيرٌ لِلْوَعْظِ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَوَعَظَ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْوَعْظَ إذَا وَرَدَ بَعْدَ الْآيَاتِ يُرْجَى تَأْثِيرُهُ، وَكَمَا يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ وَعْظُ النَّاسِ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَحْرِيضُهُمْ وَحَثُّهُمْ عَلَى بَذْلِ الصَّدَقَاتِ وَالْعِتْقِ وَالصِّيَامِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْحَدِيثِ: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ» . وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ مِنْ نَقْرِ النُّحَاسِ عِنْدَ الْخُسُوفِ فَهُوَ بِدْعَةٌ مِنْ عَمَلِ فِرْعَوْنَ ١ - (خَاتِمَةٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الصَّلَاةِ أَوْ السُّجُودِ عِنْدَ شَيْءٍ مِنْ الْآيَاتِ غَيْرَ

стр. 277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الفواكه الدواني] الْخُسُوفِ مِنْ نَحْوِ الزَّلْزَلَةِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدِ وَنَحْوِهِمَا، وَالنَّصُّ عَنْ مَالِكٍ: " لَا يُصَلِّي عِنْدَ الزَّلْزَلَةِ وَلَا عِنْدَ شِدَّةِ الرِّيحِ وَلَا شِدَّةِ الظُّلْمَةِ " وَالْمُرَادُ الْكَرَاهَةُ، وَقَالَ مَالِكٌ أَيْضًا: " وَلَا يَسْجُدُ عِنْدَ الْبُشْرَى " وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يَسْجُدُ وَقَدْ سَجَدَ شُكْرًا حِينَ بَلَغَهُ مَوْتُ الْحَجَّاجِ، وَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ قَالَ خَلِيلٌ: شُكْرًا أَوْ زَلْزَلَةً نَعَمْ قَدْ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَيْضًا: " وَلَكِنْ أَرَى أَنْ يَفْزَعَ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ الْأَمْرِ يَحْدُثُ مِمَّا يَخَافُ أَنْ يَكُونَ عُقُوبَةً كَالزَّلَازِلِ وَالظُّلُمَاتِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ " وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ، فَتَخَلَّصَ أَنَّ الْمَكْرُوهَ عِنْدَ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ خُصُوصُ السُّجُودِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَتُطْلَبُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْهُ ﵊ مِنْ قَوْلِهِ لِبِلَالٍ عِنْدَ حُصُولِ الْأَمْرِ الْمُهِمِّ: «أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ»

стр. 278

بَابٌ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةٌ تُقَامُ يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ كَمَا يَخْرُجُ لِلْعِيدَيْنِ ضَحْوَةً فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ يَقْرَأُ بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى وَالشَّمْسُ وَضُحَاهَا وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَانِ وَرَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ ثُمَّ ــ [الفواكه الدواني] [بَاب فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء] (بَابٌ فِي) بَيَانِ (صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ) بِالْمَدِّ وَهُوَ لُغَةً طَلَبُ السَّقْيِ، وَشَرْعًا طَلَبُ السَّقْيِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِقَحْطٍ نَزَلَ بِهِمْ أَوْ بِدَوَابِّهِمْ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: لَا تُصَلَّى؛ لِأَنَّهَا بِدْعَةٌ وَحَمَلَ مَا وَرَدَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى فِعْلِهَا عَلَى الدُّعَاءِ وَدَلِيلُ الْمَشْهُورِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [البقرة: ٦٠] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] الْآيَةَ، وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: مِنْ «أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: «جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» وَالْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ، وَتُشْرَعُ عِنْدَ تَأْخِيرِ النِّيلِ وَالْمَطَرِ، وَقَدْ احْتَاجَ الزَّرْعُ أَوْ الْآدَمِيُّ أَوْ الْحَيَوَانُ الْبَهِيمِيُّ إلَى الْمَاءِ فَيَأْمُرُ الْإِمَامُ النَّاسَ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالْإِتْيَانِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ الْحَالِ إنَّمَا يَكُونُ غَالِبًا لِارْتِكَابِ الذُّنُوبِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وَأَشَارَ إلَى بَيَانِ حُكْمِهَا بِقَوْلِهِ: (وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةٌ) عَلَى الْأَعْيَانِ يَتَأَكَّدُ أَنْ (تُقَامَ) أَيْ تُصَلَّى. قَالَ خَلِيلٌ: سُنَّ الِاسْتِسْقَاءُ لِزَرْعٍ أَوْ شُرْبٍ بِنَهْرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ بِسَفِينَةٍ رَكْعَتَانِ جَهْرًا وَكَرَّرَ إنْ تَأَخَّرَ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّهَا إنَّمَا تُسَنُّ لِلْمَحَلِّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْحَاءِ وَهُوَ احْتِيَاجُ الزَّرْعِ وَالْجَدْبُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ضِدُّ الْخِصْبِ بِكَسْرِ الْخَاءِ أَوْ لِشُرْبِ الْآدَمِيِّ أَوْ الدَّوَابِّ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلٍّ وَلَا جَدْبٍ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى الشُّرْبِ وَقَدْ أَتَاهُمْ مِنْ الْغَيْثِ الْكِفَايَةُ لَا مَعَ سَعَةٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي حَقِّهِمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَانٍ وَلَا نَدْبٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَتَرَتَّبُ عَلَى السَّعَةِ فِعْلُ خَيْرٍ فَيُنْدَبُ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي خَصْبٍ وَرَخَاءٍ وَأَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ بِهِ الرَّخَاءَ أَوْ الْخَصْبَ لِغَيْرِهِ فَيُنْدَبُ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْخَيْرِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِعْلَ الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ وَتُفْعَلُ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، [وَقْت صَلَاة الِاسْتِسْقَاء] ثُمَّ بَيَّنَ وَقْتَهَا بِقَوْلِهِ: (يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ) إلَى الْمُصَلَّى (كَمَا يَخْرُجُ لِلْعِيدَيْنِ) وَذَلِكَ عِنْدَ (ضَحْوَةِ) النَّهَارِ وَهِيَ مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ إلَى الزَّوَالِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَخَرَجُوا ضُحًى مُشَاةً بِبِذْلَةٍ وَتَخَشُّعٍ مَشَايِخُ وَصِبْيَةٌ لَا مَنْ لَا يَعْقِلُ مِنْهُمْ وَلَا بَهِيمَةٌ وَلَا حَائِضٌ. (فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) نَدْبًا كَمَا يُنْدَبُ أَنْ (يَقْرَأَ بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى) فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةِ (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ قَرَأَ فِي صَلَاتِهَا بِهَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ (وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَانِ وَرَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ) أَيْ رُكُوعٌ وَاحِدٌ فَلَيْسَتْ كَصَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ. (وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ) وَتَحْصُلُ، السُّنَّةُ بِفِعْلِ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الذُّكُورِ الْبَالِغِينَ؛ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ تُسَنُّ فِي حَقِّهِمْ، وَأَمَّا الصِّبْيَانُ وَالْمُتَجَالَّاتُ مِنْ النِّسَاءِ فَتُنْدَبُ فِي حَقِّهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْمُرَادُ مِنْ غَيْثٍ أَوْ نِيلٍ كُرِّرَتْ عَلَى تَوَالِي الْأَيَّامِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَكَرَّرَ إنْ تَأَخَّرَ لَا فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ بِهِ أَيَّامًا مُتَوَالِيَةً. قَالَ أَصْبَغُ: اُسْتُقِيَ عِنْدَنَا بِمِصْرَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا مُتَوَالِيَةً عَلَى سُنَّةِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَحَضَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَرِجَالٌ صَالِحُونَ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: أَجْمَلَ الْمُصَنِّفُ فِي النَّاسِ مَعَ أَنَّهُمْ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَخْرُجُ اتِّفَاقًا وَهُمْ الرِّجَالُ وَالْمُتَجَالَّاتُ مِنْ النِّسَاءِ وَمَنْ يَعْقِلُ فِي الْقَرْيَةِ مِنْ الصِّبْيَانِ، وَقِسْمٌ لَا يَخْرُجُ اتِّفَاقًا وَهُنَّ الشَّابَّاتُ الْمَخْشِيَّاتُ الْفِتْنَةَ، وَقِسْمٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَهُوَ مَنْ لَا يَعْقِلُ فِي الْقَرْيَةِ وَالشَّابَّاتُ غَيْرُ الْمَخْشِيَّاتِ وَالْبَهَائِمُ، وَاَلَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ عَدَمُ خُرُوجِهِمْ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا مَنْ لَا يَعْقِلُ مِنْهُمْ وَبَهِيمَةٌ

стр. 279

يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ فَيَجْلِسُ جِلْسَةً فَإِذَا اطْمَأَنَّ النَّاسُ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصًا فَخَطَبَ ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ. فَإِذَا فَرَغَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَحَوَّلَ رِدَاءَهُ يَجْعَلُ مَا عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ وَمَا عَلَى الْأَيْسَرِ عَلَى الْأَيْمَنِ وَلَا يَقْلِبُ ذَلِكَ وَلْيَفْعَلْ النَّاسُ مِثْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ وَهُمْ قُعُودٌ ثُمَّ يَدْعُو كَذَلِكَ ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَيَنْصَرِفُونَ وَلَا يُكَبِّرُ فِيهَا وَلَا فِي الْخُسُوفِ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَلَا أَذَانَ فِيهَا وَلَا إقَامَةَ. ــ [الفواكه الدواني] وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ فَأَبَاحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ خُرُوجَهُمْ مَعَ النَّاسِ وَلَكِنْ يَقِفُونَ عَلَى جِهَةٍ وَلَا يَنْفَرِدُونَ بِيَوْمٍ آخَرَ، قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُمْنَعُ ذِمِّيٌّ وَانْفَرَدَ لَا بِيَوْمٍ آخَرَ. الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ صِفَةَ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: بِبِذْلَةٍ وَتَخَشُّعٍ أَيْ مُتَوَاضِعِينَ وَجِلِينَ لَابِسِينَ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ أَنَّ فِعْلَهَا فِي الْمُصَلَّى فِي غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ كَالْعَبْدِ، وَأَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ فَيَسْتَسْقُونَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَا يُصَلُّونَ فِيهِ الْعِيدَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ (ثُمَّ) إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ (يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ) نَدْبًا (بِوَجْهِهِ فَيَجْلِسُ) عَلَى الْأَرْضِ قَبْلَ خُطْبَتِهِ (جَلْسَةً) بِفَتْحِ الْجِيمِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مَرَّةً كَجَلْسَتِهِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالنَّاسُ يَجْلِسُونَ كَذَلِكَ. (فَإِذَا اطْمَأَنَّ النَّاسُ) جَالِسِينَ (قَامَ) حَالَةَ كَوْنِهِ (مُتَوَكِّئًا عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصَا) أَوْ سَيْفٍ لِئَلَّا يَعْبَثَ بِلِحْيَتِهِ (فَخَطَبَ) بِالْأَرْضِ الْخُطْبَةَ الْأُولَى (ثُمَّ جَلَسَ) قَدْرَ مَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ) الْخُطْبَةَ الثَّانِيَةَ كَخُطْبَةِ الْعِيدِ لَكِنْ يُبَدِّلُ التَّكْبِيرَ بِالِاسْتِغْفَارِ. قَالَ خَلِيلٌ: ثُمَّ خَطَبَ كَالْعِيدِ لَكِنْ يُبَدِّلُ التَّكْبِيرَ بِالِاسْتِغْفَارِ، ثُمَّ قَالَ: وَنُدِبَ خُطْبَةٌ بِالْأَرْضِ فَلَا يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يُمْنَعُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمَنْعِ الْكَرَاهَةُ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ يُطْلَبُ فِيهَا التَّوَاضُعُ، وَيَدْعُو فِي خُطْبَتِهِ بِكَشْفِ مَا نَزَلَ بِهِمْ وَلَا يَدْعُو لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ الْخُلَفَاءِ، وَتُسْتَحَبُّ الْمُبَالَغَةُ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ حَالَةَ كَوْنِهِ مُسْتَقْبِلًا بِأَنْ يُكْثِرَ مِنْ الدُّعَاءِ وَيَأْتِي بِأَجْوَدِهِ وَهُوَ مَا كَانَ يَقُولُهُ ﷺ فِي اسْتِسْقَائِهِ وَهُوَ: «اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَك وَبَهِيمَتَك وَانْشُرْ رَحْمَتَك وَأَحْيِ بَلَدَك الْمَيِّتَ» وَيَجْهَرُ بِالدُّعَاءِ وَيُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِهِ مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ بِخُطْبَتَيْنِ كَالْعِيدِ هُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ وَجَلَسَ بَيْنَهُمَا وَالْمَطْلُوبُ تَوَسُّطُهَا. ١ - الثَّانِي: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَوْنِ الْخُطْبَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَدَلِيلُهُ مَا خَرَّجَهُ أَصْحَابُ الصِّحَاحِ أَنَّهُ ﵊ قَدَّمَ الِاسْتِسْقَاءَ؛ وَلِأَنَّ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ أَنْجَحُ فِي الدُّعَاءِ فَقَدْ «كَانَ ﷺ إذَا أَرَادَ حَاجَةً تَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ» ؛ لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ وَالدُّعَاءُ حَقُّ الْعَبْدِ فَيُقَدَّمُ حَقُّ اللَّهِ، كَمَا قَدَّمَ الثَّنَاءَ فِي الْفَاتِحَةِ وَفِي التَّشَهُّدِ قَبْلَ الدُّعَاءِ وَقِيَاسًا عَلَى الْعِيدَيْنِ وَاسْتِمَاعُهُمَا مَنْدُوبٌ وَكُلُّ مَنْ حَضَرَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَجْلِسُ وَلَا يُصَلِّي وَبَعْدَ الْخُطْبَةِ يُخَيَّرُ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ نَافِلَةً كَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ. (فَإِذَا فَرَغَ) الْإِمَامُ مِنْ الْخُطْبَةِ (اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) نَدْبًا (فَحَوَّلَ رِدَاءَهُ) بِأَنْ (يَجْعَلَ مَا عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ وَ) يَجْعَلَ (مَا عَلَى الْأَيْسَرِ عَلَى) مَنْكِبِهِ (الْأَيْمَنِ) وَالسِّرُّ فِي التَّحَوُّلِ الْمَذْكُورِ التَّفَاؤُلُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحَوِّلُ سَاعَةَ الْجَدْبِ بِسَاعَةِ الْخَصْبِ وَسَاعَةَ الْعُسْرِ بِسَاعَةِ الْيُسْرِ (وَلَا يَقْلِبُ ذَلِكَ) الرِّدَاءَ بِأَنْ يَجْعَلَ الْحَاشِيَةَ السُّفْلَى عُلْيَا وَالْعُلْيَا سُفْلَى. (وَلْيَفْعَلْ النَّاسُ) أَيْ الرِّجَالُ بِأَرْدِيَتِهِمْ (مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلَ الْإِمَامِ اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا يُحَوِّلْنَ، وَقَوْلُنَا بِأَرْدِيَتِهِمْ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْبَرَانِسِ فَلَا تُحَوَّلُ، ثُمَّ بَيَّنَ زَمَنَ التَّحْوِيلِ مِنْ الْإِمَامِ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ قَائِمٌ وَهُمْ قُعُودٌ ثُمَّ يَدْعُو كَذَلِكَ) قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ يَمِينَهُ يَسَارَهُ بِلَا تَنْكِيسٍ وَكَذَلِكَ الرِّجَالُ فَقَطْ قُعُودًا، وَمِنْ الْأَدْعِيَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَك وَبَهِيمَتَك وَانْشُرْ رَحْمَتَك وَأَحْيِ بَلَدَك الْمَيِّتَ» . وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا ﵊ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا غَدَقًا مُجَلَّلًا عَامًّا طَبَقًا سَحًّا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ مِنْ الْأَذَى وَالضَّنْكِ وَالْجَهْدِ مَا لَا يُشْكَى إلَّا إلَيْك، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْيَ وَاكْشِفْ عَنَّا مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُك، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُك فَإِنَّك كُنْت غَفَّارًا، فَأَرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا» وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي حَالِ الدُّعَاءِ وَبُطُونُهُمَا إلَى الْأَرْضِ وَقِيلَ إلَى السَّمَاءِ، وَوَرَدَ أَنَّهُ بَعْدَ الدُّعَاءِ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى وَجْهِهِ وَيَمْسَحُهُ بِهِمَا لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدُّعَاءَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ التَّحْوِيلِ؛ لِأَنَّهُ يَخْطُبُ ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ثُمَّ يُحَوِّلُ ثُمَّ يَدْعُو عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَالنَّاسُ مِثْلُ الْإِمَامِ إلَّا فِي حَالِ الْخُطْبَةِ وَالدُّعَاءِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ قَائِمًا وَهُمْ جُلُوسٌ. (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِ الدُّعَاءِ (يَنْصَرِفُ) أَيْ الْإِمَامُ (وَيَنْصَرِفُونَ وَلَا يُكَبِّرُ) أَحَدٌ (فِيهَا) أَيْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ. (وَلَا فِي) صَلَاةِ (الْخُسُوفِ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) وَتَكْبِيرَةِ (الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ) كَمَا أَنَّهُ لَا

стр. 280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الفواكه الدواني] يُكَبِّرُ فِي الْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّهُ يُبَدِّلُ التَّكْبِيرَ الْمَطْلُوبَ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ فِيهَا بِالِاسْتِغْفَارِ كَمَا قَدَّمْنَا (وَلَا أَذَانَ فِيهَا وَلَا إقَامَةَ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ الْفَرَائِضِ. ١ - (خَاتِمَةٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا لَوْ اسْتَجَابَ اللَّهُ الدُّعَاءَ وَأَنْزَلَ الْغَيْثَ وَتَوَقَّعْنَا مِنْهُ الضَّرَرَ لِكَثْرَتِهِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَدَّعِي بِرَفْعِهِ وَإِنَّمَا يَدَّعِي بِرَفْعِ ضَرَرِهِ، وَمِمَّا وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ لِرَفْعِ ضَرَرِهِ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى مَنَابِتِ الشَّجَرِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَطَهُورِ الْآكَامِ وَالْآجَامِ وَالظِّرَابِ» ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُ حَوَالَيْنَا وَلَا تُنْزِلْهُ عَلَيْنَا، وَالْآكَامُ جَمْعُ أَكَمَةٍ وَهِيَ التَّلُّ وَهُوَ مَا اجْتَمَعَ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْآجَامُ مِثْلُهَا وَالْأَجَمَةُ مِنْ الْقَصَبِ، وَالظِّرَابُ بِكَسْرِ الظَّاءِ هِيَ الْبَوَادِي الْكِبَارُ وَالْجِبَالُ الصِّغَارُ، وَلَا يَقُولُ ارْفَعْهُ عَنَّا؛ لِأَنَّهُ رَحْمَةٌ فِي الْجُمْلَةِ وَنِعْمَةٌ لَا يُطْلَبُ رَفْعُهَا، وَلِذَلِكَ وَقَعَ الِاضْطِرَابُ فِي جَوَازِ الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الطَّاعُونِ. قَالَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ: شَيْخُ شَيْخِ بَعْضِ شُيُوخِنَا الْأُجْهُورِيُّ وَقَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْهُ وَأَفْتَى عُلَمَاءُ عَصْرِهِ بِأَنَّهُ شَهَادَةٌ وَالشَّهَادَةُ لَا يُسْأَلُ رَفْعُهَا إلَّا الْبَكْرِيَّ، لَمْ أَقِفْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى نَصٍّ صَرِيحٍ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّ سَيِّدِي أَحْمَدَ زَرُّوقٍ وَالْقَلْشَانِيَّ اسْتَعْمَلَا أَدْعِيَةً لِلْحِفْظِ مِنْهُ وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْحَوَازَةِ، دَعَوَاتُ سَيِّدِي، أَحْمَدَ زَرُّوقٍ: تَحَصَّنْت بِذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ، وَاعْتَصَمْت بِرَبِّ الْمَلَكُوتِ، وَتَوَكَّلْت عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، اصْرِفْ عَنَّا الْأَذَى إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثًا. وَدَعَوَاتُ الْقَلْشَانِيِّ: اللَّهُمَّ سَكِّنْ فِتْنَةً صَدَمَتْ قَهْرَمَانَ الْجَبَرُوتَ، بِأَلْطَافِك الْخَفِيَّةِ الْوَارِدَةِ النَّازِلَةِ مِنْ بَابِ الْمَلَكُوتِ، حَتَّى نَتَشَبَّثَ بِأَلْطَافِك وَنَعْتَصِمَ بِك عَنْ إنْزَالِ قُدْرَتِك، يَا ذَا الْقُدْرَةِ الْكَامِلَةِ وَالرَّحْمَةِ الشَّامِلَةِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ أَيْضًا مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ» مَعَ أَنَّ لِقَاءَهُ يَسْتَلْزِمَ الشَّهَادَةُ. قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: تَمَّ ثُلُثُ الرِّسَالَةِ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْمَنَّانَ بِفَضْلِهِ الْإِقْدَارَ عَلَى تَمَامِ شَرْحِ الْبَقِيَّةِ مَعَ الْإِخْلَاصِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ بِحَقِّ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ الْبَرِّيَّةِ. [بَاب مَا يَفْعَل بِالْمُحْتَضَرِ وَفِي غَسَلَ الْمَيِّت] وَلَمَّا كَانَ سَبَبُ الِاسْتِسْقَاءِ رُبَّمَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الْمَوْتُ نَاسَبَ ذِكْرَ بَابِ الْجَنَائِزِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ:

стр. 281

بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ وَفِي غُسْلِ الْمَيِّتِ وَكَفْنِهِ وَتَحْنِيطِهِ وَحَمْلِهِ وَدَفْنِهِ وَيُسْتَحَبُّ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالْمُحْتَضَرِ وَإِغْمَاضُهُ إذَا قَضَى وَيُلَقَّنُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ قُدِرَ عَلَى أَنْ ــ [الفواكه الدواني] (بَابُ) بَيَانِ (مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ) بِفَتْحِ الضَّادِ أَيْ الَّذِي حَضَرَ أَجَلُهُ. (وَفِي) بَيَانِ حُكْمِ (غُسْلِ الْمَيِّتِ) وَلَمْ يُضْمَرْ بِأَنْ يَقُولَ وَفِي غُسْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُغَسَّلُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يُسَمَّى مُحْتَضَرًا إلَّا عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ نَحْوَ: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٢] أَيْ الَّذِينَ كَانُوا يَتَامَى. (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (كَفْنِهِ) بِسُكُونِ الْفَاءِ أَيْ إدْرَاجِهِ فِي الْكَفَنِ بِفَتْحِ الْفَاءِ. (وَ) فِي بَيَانِ (تَحْنِيطِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَفَنِ وَالْمَيِّتِ. (وَ) فِي بَيَانِ (حَمْلِهِ) إلَى الْمُصَلَّى أَوْ إلَى الْقَبْرِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ يُعْلَمُ مِنْ وُجُوبِ دَفْنِهِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَدَفْنِهِ) أَيْ وَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ وَسَتْرِهِ. وَبَدَأَ بِمَا صَدَّرَ بِهِ فَقَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ) لِمَنْ ظَهَرَتْ لَهُ عَلَامَاتُ قُرْبِ الْمَوْتِ (اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالْمُحْتَضَرِ) أَيْ تَقْبِيلُهُ فَالسِّينُ زَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْقِبْلَةَ أَفْضَلُ الْجِهَاتِ وَفِيهِ التَّفَاؤُلُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ: إذَا حَضَرَتْنِي الْوَفَاةُ فَاصْرِفْنِي إلَى الْقِبْلَةِ، وَمِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، وَالْمُسْتَحَبُّ فِي صِفَةِ الِاسْتِقْبَالِ أَنْ يُجْعَل عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ وَصَدْرُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُوضَعَ فِي قَبْرِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلًا، وَهَذَا بِخِلَافِ وَضْعِهِ لِلْغُسْلِ فَيُسْتَحَبُّ وَضْعُهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ لِيَبْدَأَ بِغُسْلِ الْجَنْبِ الْأَيْمَنِ، وَمُقَدِّمَاتُ الْمَوْتِ إحْدَادُ بَصَرِهِ وَشُخُوصُهُ إلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَتَقْبِيلُهُ عِنْدَ إحْدَادِهِ عَلَى أَيْمَنَ ثُمَّ ظَهْرٍ وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ قَبْلَ ظُهُورِ عَلَامَاتِ الْمَوْتِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِي الْمَرِيضَ. (وَ) يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَضَرَهُ (إغْمَاضُهُ) أَيْ إغْلَاقُ عَيْنَيْهِ (إذَا قَضَى) أَيْ مَاتَ بِالْفِعْلِ وَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِإِذَا الْمُفِيدَةِ لِلتَّحْقِيقِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ شَدُّ لَحْيَيْهِ بِعِصَابَةٍ عَرِيضَةٍ وَيَرْبِطُهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ لِيَنْطَبِقَ فَاهُ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ إغْمَاضُهُ؛ لِأَنَّ فَتْحَ عَيْنَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ يَقْبُحُ بِهِ مَنْظَرُهُ، كَمَا أَنَّ فَتْحَ فِيهِ كَذَلِكَ، وَمِنْ عَلَامَاتِ تَحَقُّقِ الْمَوْتِ انْقِطَاعُ نَفَسِهِ وَإِحْدَادُ بَصَرِهِ وَانْفِرَاجُ شَفَتَيْهِ وَسُقُوطُ قَدَمَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّقَ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ بَصَرَهُ فَأَغْمَضَهُ وَقَالَ: الرُّوحُ إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ» وَيُقَالُ عِنْدَ ذَلِكَ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَسَهِّلْ عَلَيْهِ مَوْتَهُ وَأَسْعِدْهُ بِلِقَائِك وَاجْعَلْ مَا خَرَجَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَلَّى إغْمَاضَهُ مَنْ هُوَ أَرْفَقُ بِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، وَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يُغْمَضْ وَانْفَتَحَتْ عَيْنَاهُ وَشَفَتَاهُ يَجْذِبُ شَخْصٌ عَضُدَيْهِ وَآخَرُ إبْهَامَيْ رِجْلَيْهِ فَإِنَّهُمَا يَنْغَلِقَانِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ تَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ بِرِفْقٍ عَقِبَ مَوْتِهِ تَسْهِيلًا عَلَى الْغَاسِلِ، وَرَفْعُهُ عَنْ الْأَرْضِ بِأَنْ يُوضَعَ عَلَى سَرِيرٍ خَوْفَ الْهَوَامِّ، وَيُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ بِثَوْبٍ زَائِدٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَظْهَرُ مِنْهُ مَا لَا يَجِبُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ بِتَجْهِيزِهِ إلَّا الْغَرِيقَ، وَأَمَّا تَأْخِيرُ تَجْهِيزِ الْمُصْطَفَى ﵊ فَلِلْأَمْنِ مِنْ تَغَيُّرِهِ وَلِلِاهْتِمَامِ بِعَقْدِ الْخِلَافَةِ، وَلِذَلِكَ دُفِنَتْ فَاطِمَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لَيْلًا، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ مَاتَ لَيْلًا، حَتَّى اُسْتُثْنِيَ تَجْهِيزُ الْمَيِّتِ مِنْ ذَمِّ الْعَجَلَةِ وَأَنَّهَا مِنْ الشَّيْطَانِ، وَمِثْلُهُ التَّوْبَةُ وَالصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَإِنْكَاحُ الْبِكْرِ إذَا بَلَغَتْ، وَتَقْدِيمُ الطَّعَامِ لِلضَّيْفِ، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ إذَا حَلَّ، وَتَعْجِيلُ الْأَوْبَةِ مِنْ السَّفَرِ، وَإِخْرَاجُ الزَّكَاةِ عِنْدَ حُلُولِهَا، فَكُلُّ ذَلِكَ الْمَطْلُوبُ فِيهِ الْعَجَلَةُ، وَأَمَّا الْغَرِيقُ وَمَنْ بِهِ مَرَضُ السَّكْتَةِ وَمَنْ يَمُوتُ فَجْأَةً أَوْ تَحْتَ هَدْمٍ فَلَا يُسْرَعُ بِتَجْهِيزِهِمْ. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُلَقَّنَ) الْمُحْتَضَرُ بِأَنْ يَقُولَ الْجَالِسُ عِنْدَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ: (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ أَشْهَدُ، وَلَا بُدَّ مِنْ جَمْعِ مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ مَعَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إذْ الْعَبْدُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا إلَّا بِهِمَا وَمَحَلُّ ذَلِكَ (عِنْدَ) ظُهُورِ عَلَامَاتِ (الْمَوْتِ) لِيَتَذَكَّرَهُمَا بِقَلْبِهِ فَيَمُوتُ وَهُوَ مُعْتَرِفٌ بِهِمَا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «لَقِّنُوا

стр. 282

يَكُونَ طَاهِرًا وَمَا عَلَيْهِ طَاهِرٌ فَهُوَ أَحْسَنُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَهُ حَائِضٌ وَلَا جُنُبٌ وَأَرْخَصَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْقِرَاءَةِ عِنْدَ رَأْسِهِ بِسُورَةِ يَس ~ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ أَمْرًا مَعْمُولًا بِهِ وَلَا بَأْسَ بِالْبُكَاءِ بِالدُّمُوعِ حِينَئِذٍ وَحَسُنَ التَّعَزِّي ــ [الفواكه الدواني] مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ لِيَكُونَ ذَلِكَ آخِرَ كَلَامِهِ، وَلِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُلَقِّنَهُ غَيْرُ وَارِثِهِ مِمَّنْ لَهُ بِهِ مَحَبَّةٌ وَإِلَّا فَأَرْأَفُهُمْ بِهِ، وَلَا يُلِحُّ عَلَيْهِ وَلَا يَقُولُ لَهُ قُلْ لِئَلَّا يُوَافِقَ ذَلِكَ قَوْلَهُ لَا لِرَدِّ فِتْنَةِ الْفَتَّانِينَ أَوْ إبْلِيسَ؛ لِأَنَّهُمْ يَحْضُرُونَ لِلْمُحْتَضَرِ عَلَى صِفَةِ مَنْ تَقَدَّمَ مَوْتًا مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إلَيْهِ مِنْ أَقَارِبِهِ فَيَقُولُونَ لَهُ: مُتْ عَلَى دِينِ كَذَا فَإِنَّهُ خَيْرُ الْأَدْيَانِ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَى هَذَا «أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ احْتِضَارِهِ: قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَك بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» ؛ لِأَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ مِنْهُ التَّلَفُّظُ بِهَا، وَإِذَا قَالَهَا الْمُحْتَضَرُ لَا تُعَادُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ فَتُعَادُ عَلَيْهِ لِتَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَضْجَرُ الْمُلَقِّنُ مِنْ عَدَمِ قَبُولِ الْمُحْتَضَرِ لِمَا يُلَقِّنُهُ؛ لِأَنَّهُ يُشَاهِدُ مِنْ عَظَائِمِ الْمَوْتِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَا لَا نَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَسَ لِسَانُهُ أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ فَلَمْ يَنْطِقْ بِالشَّهَادَتَيْنِ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَخْطُرْ الْإِيمَانُ بِقَلْبِهِ مَاتَ مُؤْمِنًا وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ الْكَافِرَ إذَا مَاتَ كَذَلِكَ يُحْكَمُ لَهُ بِالْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الشَّخْصُ قَبْلَ مَوْتِهِ، حَيْثُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ فِي حَالِ كَمَالِ عَقْلِهِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ مِنْ أَنَّ الْمَيِّتَ الْمُؤْمِنَ إيمَانُهُ بَاقٍ حُكْمًا بَعْدَ مَوْتِهِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَلْقِينُ الْمُحْتَضَرِ وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا مُمَيِّزًا، خِلَافًا لِلنَّوَوِيِّ حَيْثُ قَالَ: لَا يُلَقَّنُ إلَّا الْبَالِغُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُلَقَّنُ بَعْدَ دَفْنِهِ. قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَيْسَ الْعَمَلُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى التَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِنَدْبِهِ، وَقَالَ ابْنُ الطَّلَّاعِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَعْمَلُ بِهِ، وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ لَكِنْ اُعْتُضِدَ بِالْقَوَاعِدِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الشَّامِ، وَمِمَّنْ وَافَقَ عَلَى نَدْبِهِ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ وَالْقُرْطُبِيُّ وَالثَّعَالِبِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، حَتَّى قَالَ الْأَبِيُّ: وَلَا يَبْعُدُ حَمْلُ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ» عَلَى التَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ وَلَعَلَّ وَجْهَ عَدَمِ الْبُعْدِ صَرِيحُ لَفْظِ الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ: مَوْتَاكُمْ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّأْوِيلِ، وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ التَّعْلِيلُ بِصَيْرُورَتِهَا آخِرَ كَلَامِهِ فَافْهَمْ. الثَّانِي: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مُلَازَمَةِ الْمُحْتَضَرِ وَلَا عَلَى مَنْ يَطْلُبُ مِنْهُ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى أَقَارِبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَعَلَى أَصْحَابِهِ مُلَازَمَتُهُ. فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَعَلَى جِيرَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَعَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ، فَقَدْ تَرَكَ ابْنُ عُمَرَ حُضُورَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ حِينَ دُعِيَ لِحُضُورِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَمَحَلُّ طَلَبِ الْحُضُورِ عِنْدَ الْمَرِيضِ عِنْدَ اشْتِدَادِ مَرَضِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَكْرَهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ صَارَ عَلَى حَالَةٍ لَا يُحِبُّ أَنْ يَرَاهُ أَحَدٌ عَلَيْهَا فَيَسْقُطُ طَلَبُ حُضُورِهِ بِمَنْعِهِ. وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ الْمُحْتَضَرِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ قُدِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (عَلَى أَنْ يَكُونَ) جِسْمُ الْمُحْتَضَرِ (طَاهِرًا وَمَا عَلَيْهِ طَاهِرٌ فَهُوَ أَحْسَنُ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ كَمَا يُسْتَحَبُّ وَضْعُ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ عِنْدَهُ (وَيُسْتَحَبُّ) أَيْضًا (أَنْ لَا يَقْرَبَهُ) أَيْ الْمُحْتَضَرَ (حَائِضٌ وَلَا جُنُبٌ) وَلَا صَبِيٌّ يَعْبَثُ، وَلَا يَكُفُّ إذَا نُهِيَ، وَلَا كَلْبٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِي اتِّخَاذِهِ وَقِيلَ مُطْلَقًا، وَلَا تِمْثَالٌ وَلَا آلَةُ لَهْوٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا تَكْرَهُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَالْمُرَادُ بِتَجَنُّبِ مَا ذُكِرَ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَ الْمُحْتَضَرِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ. (وَأَرْخَصَ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيْ اسْتَحَبَّ (بَعْضُ الْعُلَمَاءِ) وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ (فِي الْقِرَاءَةِ عِنْدَ رَأْسِهِ) أَوْ رِجْلَيْهِ وَالضَّمِيرُ لِلْمُحْتَضَرِ (بِسُورَةِ يَس) لِخَبَرِ: «إذَا قُرِئَتْ، عَلَيْهِ سُورَةُ يَس بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى عَبْدِي الْمَوْتَ» وَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ تُقْرَأُ عِنْدَهُ سُورَةُ يَس إلَّا هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ» . وَقَالَ أَيْضًا: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يَس» . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَرَادَ بِهِ بَعْضَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ لَا أَنَّ الْمَيِّتَ يُقْرَأُ عَلَيْهِ. (وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ (عِنْدَ مَالِكٍ أَمْرًا مَعْمُولًا بِهِ) بَلْ تُكْرَهُ عِنْدَهُ قِرَاءَةُ يَس ~ أَوْ غَيْرِهَا عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ عَلَى قَبْرِهِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ: وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إذَا فُعِلَتْ عَلَى وَجْهِ السُّنِّيَّةِ، وَأَمَّا لَوْ فُعِلَتْ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ بِهَا وَرَجَاءَ حُصُولِ بَرَكَةِ الْقُرْآنِ لِلْمَيِّتِ فَلَا، وَأَقُولُ: هَذَا هُوَ الَّذِي يَقْصِدُهُ النَّاسُ بِالْقِرَاءَةِ فَلَا يَنْبَغِي كَرَاهَةُ ذَلِكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ حُصُولُ بَرَكَةِ الْقُرْآنِ لِلْأَمْوَاتِ كَحُصُولِهَا بِمُجَاوَرَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَنْبَغِي إهْمَالُ أَمْرِ الْمَوْتَى مِنْ الْقِرَاءَةِ وَلَا مِنْ التَّهْلِيلِ الَّذِي يُفْعَلُ عِنْدَ الدَّفْنِ، وَالِاعْتِمَادُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَسِعَةِ رَحْمَتِهِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ أَنَّ مَنْ أَرَادَ حُصُولَ بَرَكَةِ قِرَاءَتِهِ وَثَوَابِهَا لِلْمَيِّتِ بِلَا خِلَافٍ فَلْيَجْعَلْ ذَلِكَ دُعَاءً فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ مَا أَقْرَؤُهُ لِفُلَانٍ أَوْ مَا قَرَأْته، وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ وَلِلْقَارِئِ ثَوَابُ الدُّعَاءِ [الْبُكَاء عِنْدَ مَوْتِ الْمَيِّت] وَلَمَّا كَانَ الْمَوْتُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الْبُكَاءُ وَالتَّفَجُّعُ بَيَّنَ حُكْمَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِالْبُكَاءِ) بِالْمَدِّ وَهُوَ مَا كَانَ (بِالدُّمُوعِ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ الِاحْتِضَارِ، وَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ حَيْثُ لَمْ يَصْحَبْهُ رَفْعُ صَوْتٍ وَلَا قَوْلٌ قَبِيحٌ. قَالَ خَلِيلٌ: بِالْعَطْفِ عَلَى الْجَائِزِ وَبُكَاءٌ عِنْدَ مَوْتِهِ وَبَعْدَهُ بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ وَقَوْلٍ قَبِيحٍ شَرْعًا، فَقَدْ

стр. 283

وَالتَّصَبُّرُ أَجْمَلُ لِمَنْ اسْتَطَاعَ وَيُنْهَى عَنْ الصُّرَاخِ وَالنِّيَاحَةِ وَلَيْسَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ حَدٌّ وَلَكِنْ يُنْقَى وَيُغَسَّلُ وِتْرًا بِمَاءٍ ــ [الفواكه الدواني] بَكَى ﷺ عَلَى وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ وَقَالَ: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ» فَالْمُرَادُ بِلَا بَأْسٍ الْجَوَازُ الْمَرْجُوحُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَ) لَكِنْ (حُسْنُ التَّعَزِّي وَ) هُوَ (التَّصَبُّرُ) وَالتَّجَلُّدُ وَالرِّضَى بِمَا حَكَمَ الْجَبَّارُ (أَجْمَلُ) أَيْ أَفْضَلُ وَأَحْسَنُ مِنْ الْبُكَاءِ بِالدُّمُوعِ (لِمَنْ اسْتَطَاعَ) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] وَقَالَ ﷺ : «مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَقَالَ مَعَهُ: اللَّهُمَّ أْجُرْنِي عَلَى مُصِيبَتِي وَأَعْقِبْنِي خَيْرًا مِنْهَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قُلْت ذَلِكَ حِينَ مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، وَقُلْت: مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، فَأَعْقَبَنِي اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ فَتَزَوَّجْته» ، وَالصَّبْرُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى، فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ التَّصَبُّرُ أَحْسَنَ مِنْ الْبُكَاءِ فَلِمَ أَهْمَلَهُ ﵊ وَبَكَى عَلَى وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُمَّةِ، وَأَمَّا الرَّسُولُ ﵊ فَيُؤْمَرُ بِفِعْلِ خِلَافِ الْأَفْضَلِ فِي حَقِّنَا لِلتَّشْرِيعِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْبُكَاءَ الْمَحْدُودَ وَهُوَ مُجَرَّدُ إرْسَالِ الدُّمُوعِ جَائِزٌ صَرَّحَ بِمُحْتَرَزِهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُنْهَى) قَرِيبُ الْمُحْتَضَرِ وَكُلُّ مَنْ يَتَأَثَّرُ بِفَقْدِهِ (عَنْ الصُّرَاخِ وَالنِّيَاحَةِ) وَسَائِرِ الْأَقْوَالِ الْقَبِيحَةِ، فَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ حَيْثُ اسْتَلْزَمَ أَمْرًا مُحَرَّمًا لِخَبَرِ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَلَا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ» وَرُوِيَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ وَصَلَقَ وَخَرَقَ» وَالصَّلْقُ الصِّيَاحُ فِي الْبُكَاءِ وَقُبْحُ الْقَوْلِ. وَرُوِيَ «أَنَّ النَّائِحَةَ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» . وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وَحَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَا إذَا أَوْصَاهُمْ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْبُكَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: جَائِزٌ مُطْلَقًا وَهُوَ مَا كَانَ بِمُجَرَّدِ إرْسَالِ الدُّمُوعِ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ، وَحَرَامٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَا كَانَ بِالصَّوْتِ وَالْأَقْوَالِ الْقَبِيحَةِ، وَجَائِزٌ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا بَعْدَهُ وَهُوَ مَا كَانَ بِالصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ قَبِيحٍ مَعَهُ. ١ - (خَاتِمَةٌ) مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَا يُنْدَبُ فِعْلُهُ مَعَ أَهْلِ الْمَيِّتِ مِنْهَا: تَعْزِيَتُهُمْ وَحَمْلُهُمْ عَلَى الصَّبْرِ وَعَلَى الرِّضَى بِمُصِيبَتِهِمْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبِرِّ وَإِظْهَارِ الْمَحَبَّةِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ حَتَّى قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّ التَّعْزِيَةَ سُنَّةٌ وَقَدْ جَاءَ فِيهَا ثَوَابٌ كَثِيرٌ، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ اللَّهَ يُلْبِسُ الَّذِي عَزَّى مُصَابًا لِبَاسَ التَّقْوَى» وَجَاءَ: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ أَجْرٌ مِثْلُ أَجْرِهِ» وَصِفَتُهَا أَنْ يَقُولَ الْمُعَزِّي لِلْمُصَابِ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَك، وَغَفَرَ لِمَيِّتِك، وَعَزَّى ﷺ امْرَأَةً فِي أَبِيهَا فَقَالَ: «إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَبْقَى، وَلِكُلِّ أَجَلٍ مُسَمًّى وَكُلٌّ إلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاحْتَسِبِي وَاصْبِرِي فَإِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ» وَتَكُونُ التَّعْزِيَةُ قَبْلَ الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ وَعِنْدَ الْقَبْرِ وَكَوْنُهَا فِي الْمَنْزِلِ وَبَعْدَ الدَّفْنِ أَحْسَنَ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَيِّتِ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَلَا بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَلَا فِي الْمُعَزَّى بِفَتْحِ الزَّايِ بَيْنَ كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا حَيْثُ كَانَ جَارًا فَيُعَزَّى الْكَافِرُ بِالْكَافِرِ لِحَقِّ الْجِوَارِ وَيُقَالُ لَهُ: أَلْهَمَك اللَّهُ الصَّبْرَ وَعَوَّضَك خَيْرًا مِنْهُ، إلَّا الشَّابَّةَ وَاَلَّذِي لَا يُمَيِّزُ فَلَا يُعْزَيَانِ، وَيُعَزَّى الشَّخْصُ فِي كُلِّ مَنْ يَتَأَثَّرُ بِفَقْدِهِ أُمًّا أَوْ غَيْرَهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَتَنْتَهِي التَّعْزِيَةُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَزِّي أَوْ الْمُعَزَّى غَائِبًا. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصْنَعَ لَهُمْ طَعَامٌ أَوْ يُبْعَثَ إلَى مَحَلِّهِمْ لِاشْتِغَالِهِمْ بِمَيِّتِهِمْ، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَهْلِهِ حِينَ جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا وَابْعَثُوا بِهِ إلَيْهِمْ فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الْمَحَبَّةِ وَالِاعْتِنَاءِ، وَأَمَّا مَا يَصْنَعُهُ أَقَارِبُ الْمَيِّتِ مِنْ الطَّعَامِ وَجَمْعِ النَّاسِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ لِقِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُرْجَى خَيْرُهُ لِلْمَيِّتِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَيُكْرَهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ الْأَكْلُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي صَنَعَهُ مِنْ الْوَرَثَةِ بَالِغًا رَشِيدًا فَلَا حَرَجَ فِي الْأَكْلِ مِنْهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ أَوْصَى بِفِعْلِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي ثُلُثِهِ وَيَجِبُ تَنْفِيذُهُ عَمَلًا بِفَرْضِهِ، وَأَمَّا عَقْرُ الْبَهَائِمِ وَذَبْحُهُمْ عَلَى الْقَبْرِ وَحَمْلُ الْخُبْزِ وَيُسَمُّونَهُ بِعَشَاءِ الْقَبْرِ فَإِنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ وَمِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» وَلِأَدَائِهِ إلَى الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَالْمَطْلُوبُ فِي فِعْلِ الْقُرَبِ الْإِخْفَاءُ، وَالصَّوَابُ فِي فِعْلِ هَذَا التَّصَدُّقُ بِهِ فِي الْمَنْزِلِ حَيْثُ سَلِمَ مِنْ قَصْدِ الْمُبَاهَاةِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْحَطَّابِ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمُحْتَضَرِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ) أَيْ الَّذِي يُطْلَبُ تَغْسِيلُهُ (حَدٌّ) وَاجِبٌ بِحَيْثُ يُمْنَعُ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ عَنْهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (وَلَكِنْ) الْمَطْلُوبُ أَنْ (يُنَقَّى) مِنْ الْقَذَرِ وَيُعَمَّ جَسَدُهُ بِالْمَاءِ، وَنَفْيُ الْحَدِّ الْوَاجِبِ لَا يُنَافِي نَدْبَ التَّحْدِيدِ بِالْوِتْرِ كَمَا يَأْتِي، وَقَوْلُنَا: الَّذِي يُطْلَبُ تَغْسِيلُهُ احْتِرَازًا عَنْ شَهِيدِ الْمُعْتَرَكِ وَعَنْ الْكَافِرِ وَعَنْ السِّقْطِ وَعَنْ مَنْ فُقِدَ أَكْثَرُهُ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بَلْ يَحْرُمُ تَغْسِيلُ الْكَافِرِ وَشَهِيدِ الْحَرْبِ، وَيُكْرَهُ تَغْسِيلُ السِّقْطِ وَمَنْ غَابَ أَكْثَرُهُ، وَيَكْفِي فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ الْإِسْلَامُ الْحُكْمِيُّ فَيَدْخُلُ الْمَحْكُومُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِإِسْلَامِ صَاحِبِهِ أَوْ أَبِيهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلْغُسْلِ

стр. 284

وَسِدْرٍ وَيُجْعَلُ فِي الْأَخِيرَةِ كَافُورٌ وَتُسْتَرُ عَوْرَتُهُ وَلَا تُقَلَّمُ أَظْفَارُهُ وَلَا يُحْلَقُ شَعْرُهُ وَيُعْصَرُ بَطْنُهُ عَصْرًا رَقِيقًا وَإِنْ وُضِّئَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَيُقْلَبُ لِجَنْبِهِ فِي الْغُسْلِ أَحْسَنُ وَإِنْ أُجْلِسَ فَذَلِكَ وَاسِعٌ وَلَا بَأْسَ بِغُسْلِ ــ [الفواكه الدواني] شُرُوطًا: اسْتِقْرَارُ الْحَيَاةِ وَعَدَمُ الشَّهَادَةِ فِي الْحَرْبِ وَوُجُودُ كُلِّ الْمَيِّتِ أَوْ جُلِّهِ وَإِسْلَامُهُ وَلَوْ حُكْمًا كَنِيَّةِ إسْلَامِ سَيِّدَيْ الْمَجُوسِيِّ أَيْ الْمَجُوسِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَإِنْ كَانَ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ إلَّا أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ الْجَبْرِ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى يَحْصُلَ مِنْهُ الْإِسْلَامُ بِالْفِعْلِ، هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْرِيرُ عبق عَلَى الْمُخْتَصَرِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ جَارٍ فِي سَيِّدِي، الْمَجُوسِيِّ وَأَبِيهِ مَعًا. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُغَسَّلَ وِتْرًا) ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعَ غَسَلَاتٍ (بِمَاءٍ) مُطْلَقٍ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْإِنْقَاءُ بِالسَّابِعَةِ فَلَا إيتَارَ لِانْتِهَاءِ نَدْبِ الْإِيتَارِ بِالسَّبْعِ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ الْإِنْقَاءُ، وَتَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ اعْتِرَاضِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَنْفِي التَّحْدِيدَ ثُمَّ يَقُولُ: وَيُغَسَّلُ وِتْرًا بِأَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ التَّحْدِيدِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى تَعْمِيمِ الْجَسَدِ وَهُوَ الْوَاجِبُ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْوِتْرَ لَا يَتَجَاوَزُ السَّبْعَ، أَوْ أَنَّ الْغُسْلَ الْوِتْرُ لَا يُحَدُّ بِثَلَاثٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ جُمَلٍ حُكْمُ الْغُسْلِ قَبْلَ الْوُجُوبِ وَقَبْلَ السُّنِّيَّةِ. قَالَ خَلِيلٌ مُشِيرًا إلَى صِفَتِهِ بِقَوْلِهِ: وَغُسْلٌ كَالْجَنَابَةِ تَعَبُّدًا بِلَا نِيَّةٍ فَصِفَتُهُ كَصِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ الْإِجْزَاءُ كَالْإِجْزَاءِ وَالْكَمَالُ كَالْكَمَالِ إلَّا مَا يَخْتَصُّ بِهِ غُسْلُ الْمَيِّتِ مِنْ التَّكْرَارِ، وَلَا يُكَرِّرُ وُضُوءَهُ عَلَى الرَّاجِحِ، فَيَبْدَأُ بِغَسْلِ يَدَيْ الْمَيِّتِ أَوَّلًا ثُمَّ يُزِيلُ الْأَذَى إنْ كَانَ ثُمَّ يُوَضِّئُهُ مَرَّةً مَرَّةً، وَيُثَلِّثُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَإِنْ كَانَ تَعَبُّدًا؛ لِأَنَّهُ فِي الْغَيْرِ، وَسَيُشِيرُ الْمُصَنِّفُ. إلَى صِفَةِ وُضُوئِهِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ وُضِّئَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ، وَبَيَّنَ خَلِيلٌ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ غُسْلِهِ؛ لِأَنَّهُ صَدَّرَ بِهِ حَيْثُ قَالَ فِي وُجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ بِمُطَهِّرٍ وَلَوْ بِزَمْزَمَ وَعَلَى الْوُجُوبِ الْأَكْثَرُ، وَإِذَا تَعَذَّرَ الْمَاءُ يَجِبُ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَتَلَازَمَا أَيْ الْغُسْلُ وَالصَّلَاةُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَقُومُ مَقَامَ الْغُسْلِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمَاءِ أَوْ اسْتِعْمَالِهِ. (وَ) يُسْتَحَبُّ بَعْدَ غُسْلِ الْمَيِّتِ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ أَنْ يُغَسَّلَ مَرَّةً أُخْرَى بِمَاءٍ مَعَ (سِدْرٍ) وَهُوَ وَرَقُ النَّبْقِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْغُسْلِ سِدْرٌ وَصِفَتُهُ أَنْ يُطْحَنَ وَيُذَابَ بِالْمَاءِ ثُمَّ يُعْرَكَ بِهِ بَدَنُ الْمَيِّتِ وَيُدَلَّكُ بِهِ، وَلَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَى إذَابَتِهِ فِي الْمَاءِ إضَافَتُهُ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّ الْغُسْلَ الْوَاجِبَ حَصَلَ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ وَهَذِهِ الْغَسْلَةُ لِلنَّظَافَةِ، وَلِذَلِكَ لَوْ لَمْ يُوجَدْ السِّدْرُ فَالصَّابُونُ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لِلنَّظَافَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا. (وَ) يُسْتَحَبُّ لِلْغَاسِلِ أَنْ (يَجْعَلَ فِي) الْغَسْلَةِ (الْأَخِيرَةِ كَافُورًا) فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْغَسْلَةَ الْأُولَى تَكُونُ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ لِلتَّطْهِيرِ الْوَاجِبِ أَوْ الْمَسْنُونِ، وَالثَّانِيَةَ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ لِلتَّنْظِيفِ، وَالثَّالِثَةَ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ لِلتَّطْيِيبِ لِأَمْرِهِ ﵊ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَشُدُّ جَسَدَ الْمَيِّتِ وَيَحْفَظُهُ عَنْ مُسَارَعَةِ الْفَسَادِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَشْهُورَ كَوْنُهُ لِمَحْضِ التَّعَبُّدِ، وَقِيلَ مُعَلَّلٌ بِالِاسْتِعْدَادِ لِسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ، وَأَيْضًا وَرَدَ أَنَّ آدَمَ ﵇ لَمَّا تُوُفِّيَ أُتِيَ بِحَنُوطٍ وَكُفِّنَ مِنْ الْجَنَّةِ وَنَزَلَتْ الْمَلَائِكَةُ فَغَسَّلَتْهُ وَكَفَّنَتْهُ فِي وِتْرٍ مِنْ الثِّيَابِ وَحَنَّطُوهُ وَتَقَدَّمَ مَلَكٌ مِنْهُمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَصَلَّتْ الْمَلَائِكَةُ خَلْفَهُ وَدَفَنُوهُ فِي لَحْدٍ وَنَصَبُوا عَلَيْهِ اللَّبِنَ وَابْنُهُ شِيثٌ حَاضِرٌ مَعَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالُوا لَهُ: اصْنَعْ هَكَذَا بِوَالِدِك وَإِخْوَتِك فَإِنَّهَا سُنَّتُكُمْ. (وَ) يَجِبُ أَنْ (تُسْتَرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (عَوْرَتُهُ) قَالَ خَلِيلٌ: وَسِتْرُ الْغَاسِلِ مِنْ سُرَّتِهِ لِرُكْبَتِهِ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَجَانِبِ عِنْدَ تَجْرِيدِهِ لِلتَّغْسِيلِ، وَمَحِلُّ الْوُجُوبِ إذَا كَانَ الْغَاسِلُ غَيْرَ سَيِّدٍ وَغَيْرَ زَوْجٍ وَإِلَّا نُدِبَ فَقَطْ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُنْظَرُ لِفَخْذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» وَصِفَةُ سِتْرِهَا أَنْ تُلَفَّ خِرْقَةٌ وَيَضَعَهَا عَلَى قُبُلِهِ ثُمَّ يَجْعَلُ ثَوْبًا آخَرَ بِدُبُرِهِ، وَأَمَّا غُسْلُ الْمَرْأَةِ لِلْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا تَسْتُرُ مِنْ سُرَّتِهَا إلَى رُكْبَتِهَا، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَى الْمَغْسُولِ غَيْرُ غَاسِلِهِ وَالْمُعِينِ لَهُ. (وَلَا تُقَلَّمُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (أَظْفَارُهُ وَلَا يُحْلَقُ لَهُ شَعْرٌ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْغَاسِلِ قَلْمُ أَظَافِرِ الْمَيِّتِ وَكَذَلِكَ حَلْقُ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَكَذَا يُكْرَهُ لِلْمَرِيضِ فِعْلُ ذَلِكَ إذَا قُصِدَ بِهِ الْمَوْتُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، لَا إنْ قَصَدَ بِهِ الْإِرَاحَةَ بِإِزَالَةِ نَحْوِ الظُّفُرِ وَالشَّعْرِ كَرَاهَةً. قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ حَلْقُ شَعْرِهِ وَقَلْمُ ظُفُرِهِ وَهُوَ بِدْعَةٌ وَضَمَّ مَعَهُ إنْ فَعَلَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَجْزَاءَ لَا تَجِبُ مُوَارَاتُهَا، وَكَذَا يُكْرَهُ أَنْ تُنَقَّى قُرُوحُهُ وَإِنَّمَا يُزَالُ مَا سَالَ مِنْهَا بِخِرْقَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَلَوْ كَانَ السَّائِلُ دُونَ دِرْهَمٍ قَصْدًا لِلنَّظَافَةِ. (وَ) يُسْتَحَبُّ لِلْغَاسِلِ أَنْ (يَعْصِرَ بَطْنَهُ) أَيْ الْمَيِّتِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي بَيَانِ غُسْلِهِ (عَصْرًا رَفِيقًا) مَخَافَةَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ حَالَ الْغُسْلِ أَوْ بَعْدَهُ مِمَّا لَيْسَ بِصَدَدِ الْخُرُوجِ وَفِيهِ أَذِيَّةٌ لِلْمَيِّتِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْغُسْلِ الْمَطْلُوبَةِ لِلْمَيِّتِ عَلَى الْوَجْهِ الْكَامِلِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ وُضِّئَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ عَائِدٌ عَلَى الْمَيِّتِ (وُضُوءَ الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) غَيْرُ ضَرُورِيٍّ الذِّكْرُ مَعَ قَوْلِهِ فَحَسَنٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْغَاسِلِ تَوْضِئَةُ الْمَيِّتِ بَعْدَ إزَالَةِ الْأَذَى مِثْلَ مَا يُنْدَبُ لِلْجُنُبِ عِنْدَ إرَادَةِ غُسْلِهِ لِلْجَنَابَةِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَنُدِبَ نَدْبًا بِإِزَالَةِ الْأَذَى، ثُمَّ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ كَامِلَةً مَرَّةً، فَيَبْدَأُ بِغَسْلِ يَدَيْ الْمَيِّتِ ثُمَّ يُزِيلُ الْأَذَى ثُمَّ يُوَضِّئُهُ وَيَتَفَقَّدُ أَسْنَانَهُ وَأَنْفَهُ بِخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ لِإِزَالَةِ مَا يُكْرَهُ رِيحُهُ وَيُمَيِّلُ

стр. 285

أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ فِي السَّفَرِ لَا نِسَاءَ مَعَهَا وَلَا مَحْرَمَ مِنْ الرِّجَالِ فَلْيُيَمِّمْ رَجُلٌ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا يَمَّمَ النِّسَاءُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ يُغَسِّلُهُ وَلَا امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ غَسَّلَتْهُ وَسَتَرَتْ عَوْرَتَهُ وَإِنْ كَانَ مَعَ الْمَيِّتَةِ ذُو مَحْرَمٍ غَسَّلَهَا مِنْ فَوْقِ ثَوْبٍ ــ [الفواكه الدواني] رَأْسَهُ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: تَوْضِئَةُ وَتَعَهُّدُ أَسْنَانِهِ وَأَنْفِهِ بِخِرْقَةٍ وَإِمَالَةُ رَأْسِهِ لِمَضْمَضَةٍ. (وَ) أَنْ (يُقْلَبَ) الْمَيِّتُ (لِجَنْبِهِ فِي الْغُسْلِ أَحْسَنُ) أَيْ يُضْجَعُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ حَالَ التَّغْسِيلِ لِيَبْدَأَ بِغُسْلِ الْمَيَامِنِ قَبْلَ الْمَيَاسِرِ، وَلَا يَقْلِبُهُ عَلَى ظَهْرِهِ وَلَا بَطْنِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَشْوِيهًا لَهُ، وَأَشَارَ إلَى مُقَابِلِ الْأَحْسَنِ، بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أُجْلِسَ) أَيْ الْمَيِّتُ حَالَ غُسْلِهِ (فَذَلِكَ وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ، فَقَوْلُهُ أَحْسَنُ أَيْ مِنْ إجْلَاسِهِ أَوْ قَلْبِهِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ الْغَاسِلُ مِنْ وُقُوفِهِ عَلَى الدِّكَّةِ وَيَجْعَلُ الْمَيِّتَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، بَلْ الْمَطْلُوبُ وُقُوفُهُ بِالْأَرْضِ وَيُضْجَعُ الْمَيِّتُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يُقَلِّبُهُ عَلَى الْأَيْمَنِ كَمَا قَدَّمْنَا. (تَتِمَّةٌ) بَقِيَ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْغُسْلِ تَجْرِيدُ الْمَيِّتِ مِنْ ثِيَابِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا إلَّا سَاتِرَ عَوْرَتِهِ وَوَضْعُهُ عَلَى مُرْتَفَعٍ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِلْغَاسِلِ، وَلَيْسَ مِنْ سُنَنِهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِهِ، وَمِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَضْعُ مَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ عِنْدَهُ حَالَ التَّغْسِيلِ، وَمِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ اشْتِغَالُ الْغَاسِلِ حَالَ التَّغْسِيلِ بِالتَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ، وَإِذَا حَصَلَ مِنْ الْمَيِّتِ بَعْدَ تَغْسِيلِهِ مَا لَوْ حَصَلَ مِنْ الْحَيِّ لَأَبْطَلَ غُسْلَهُ لَمْ يُبْطِلْهُ وَإِنَّمَا يُنَظَّفُ دُونَ إعَادَةِ غُسْلِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَمْ يُعِدْ كَالْوُضُوءِ لِنَجَاسَةٍ وَغُسِلَتْ النَّجَاسَةُ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهُ فِي الصُّورَتَيْنِ. [تَغْسِيلِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْغُسْلِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالتَّغْسِيلِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْكَلَامِ عَلَى الْغُسْلِ فَقَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِغُسْلِ) أَيْ تَغْسِيلِ (أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْحَيَّ مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ يُقَدَّمُ فِي تَغْسِيلِ صَاحِبِهِ بِالْقَضَاءِ عَلَى أَقَارِبِ الْمَيِّتِ وَعَلَى مَنْ أَوْصَاهُ الْمَيِّتُ أَيْضًا، وَيُنْدَبُ لَهُ الْقِيَامُ بِأَخْذِ حَقِّهِ، فَلَا بَأْسَ هُنَا لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَيُّ مُحْرِمًا فَيُنْهَى عَنْ التَّغْسِيلِ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ، فَإِنْ فَعَلَ أَهْدَى إنْ أَمَذَى، وَالْمُرَادُ بِالزَّوْجَيْنِ الصَّحِيحَيْ النِّكَاحِ وَلَوْ بِفَوَاتِ الْفَاسِدِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَقُدِّمَ الزَّوْجَانِ إنْ صَحَّ النِّكَاحُ إلَّا أَنْ يَفُوتَ فَاسِدُهُ بِالْقَضَاءِ وَإِنْ رَقِيقًا أَذِنَ سَيِّدُهُ أَوْ قَبْلَ بِنَاءٍ أَوْ بِأَحَدِهِمَا عَيْبٌ أَوْ وَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالْأَحَبُّ نَفْيُهُ إنْ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ لَا مُطَلَّقَةً وَلَوْ رَجْعِيًّا، بِخِلَافِ الْمُولَى مِنْهَا وَالْمُظَاهَرِ مِنْهَا فَلَهُمَا التَّغَسُّلُ بِالْقَضَاءِ لِقِيَامِ السَّبَبِ، وَالْكِتَابِيَّةُ تُغَسِّلُ زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ بِحَضْرَةِ مُسْلِمٍ عَارِفٍ بِصِفَةِ الْغُسْلِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذُكِرَ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ غَسَّلَتْ زَوْجَهَا أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ غَسَّلَتْهُ زَوْجَتُهُ، وَأَوْصَتْ فَاطِمَةُ عَلِيًّا أَنْ يُغَسِّلَهَا، فَكَانَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى أَسْمَاءَ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ تُغَسِّلُهَا، وَمَا هَذَا إلَّا لِثُبُوتِ حَقِّ الْحَيِّ فِي التَّغْسِيلِ. ١ - (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَوْ مَاتَ الزَّوْجُ وَتَعَدَّدَتْ زَوْجَاتُهُ وَطَلَبْنَ التَّغْسِيلَ لَا نَصَّ فِيمَنْ تَقَدَّمَ مِنْهُنَّ، وَقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ: الظَّاهِرُ الْقُرْعَةُ وَأَوَّلُ الظَّاهِرِ اشْتِرَاكُ الْجَمِيعِ فِي الْمُبَاشَرَةِ لِاسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَالْقُرْعَةُ إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْفِعْلِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْزِيَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَحَلٍّ يَتَعَدَّدُ فِيهِ الْمُسْتَحَقُّ الْمُسْتَوِي فِي الْمَرْتَبَةِ لِغَيْرِهِ وَحَرِّرْهُ. ١ - الثَّانِي: نَصَّ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ عَلَى تَقْدِيمِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فِي تَغْسِيلِ صَاحِبِهِ وَسَكَتَا عَمَّا لَوْ طَلَبَا الْحَيُّ إنْزَالَ صَاحِبِهِ الْقَبْرَ وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُمَا فَقَالَ: إنْ كَانَ الْحَيُّ الزَّوْجَ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ فِي إنْزَالِ زَوْجَتِهِ قَبْرَهَا عَلَى أَوْلِيَائِهَا بِالْقَضَاءِ، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَلَا تُقَدَّمُ فِي إنْزَالِ زَوْجِهَا بَلْ الْحَقُّ لِأَوْلِيَائِهِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالزَّوْجُ أَحَقُّ بِإِدْخَالِ زَوْجَتِهِ قَبْرَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَقْرَبُ مَحَارِمِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَقِيلَ النِّسَاءُ، وَقِيلَ أَهْلُ الْفَضْلِ. الثَّالِثُ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَفِي حُكْمِ الزَّوْجَيْنِ السَّيِّدُ مَعَ أَمَتِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِبَاحَةُ الْوَطْءِ لِلْمَوْتِ بِرِقٍّ تُبِيحُ الْغُسْلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ: بِخِلَافِ الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُبَعَّضَةِ وَالْمُعْتَقَةِ لِأَجَلٍ وَالْمُشْتَرَكَةِ فَلَا يَحِلُّ لِلْحَيِّ مِنْهَا تَغْسِيلُهُ لِحُرْمَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِنَّ، وَتَقْدِيمُ السَّيِّدِ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْأَمَةِ بِالْقَضَاءِ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ فَلَا يُقْضَى لَهَا بِالتَّقْدِيمِ عَلَى أَوْلِيَاءِ سَيِّدِهَا اتِّفَاقًا ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ وَلَا سَيِّدَ بِقَوْلِهِ: (وَالْمَرْأَةُ) الْمُسْلِمَةُ (تَمُوتُ فِي السَّفَرِ) أَوْ فِي الْحَضَرِ وَلَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ وَ (لَا نِسَاءَ مَعَهَا) لَا أَقَارِبَ وَلَا أَجَانِبَ (وَلَا ذُو مَحْرَمٍ) لَهَا (مِنْ الرِّجَالِ) لَا بِالنَّسَبِ وَلَا بِالرَّضَاعِ وَلَا بِالصِّهْرِ (فَلْيُيَمِّمْ رَجُلٌ) أَجْنَبِيٌّ (وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) أَيْ كُوعَيْهَا وَيُدْخِلُهُمَا فِي الْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْكَفَّيْنِ لَيْسَا بِعَوْرَةٍ يُبَاحُ النَّظَرُ لَهُمَا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَإِنَّهُ عَوْرَةٌ لَا يَحِلُّ لِلْأَجْنَبِيِّ النَّظَرُ إلَيْهِ، مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ فَضْلًا عَنْ لَمْسِهِ. (وَ) أَمَّا (لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا) فِي حَالِ سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ لَوَجَبَ أَنْ (يُيَمِّمَ النِّسَاءُ) الْأَجَانِبُ (وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ) بِشَرْطٍ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ يُغَسِّلُهُ) وَلَوْ أَجْنَبِيًّا (وَلَا امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ فَإِنْ كَانَتْ) أَيْ حَضَرَتْ (امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ غَسَّلَتْهُ وَسَتَرَتْ عَوْرَتَهُ) مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ؛ لِأَنَّهَا تَنْظُرُ
следующие страницы →