Полный текст (778 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ وَفِي غُسْلِ الْمَيِّتِ وَكَفْنِهِ وَتَحْنِيطِهِ وَحَمْلِهِ وَدَفْنِهِ وَيُسْتَحَبُّ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالْمُحْتَضَرِ وَإِغْمَاضُهُ إذَا قَضَى وَيُلَقَّنُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ قُدِرَ عَلَى أَنْ
ــ
[الفواكه الدواني]
(بَابُ) بَيَانِ (مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ) بِفَتْحِ الضَّادِ أَيْ الَّذِي حَضَرَ أَجَلُهُ. (وَفِي) بَيَانِ حُكْمِ (غُسْلِ الْمَيِّتِ) وَلَمْ يُضْمَرْ بِأَنْ يَقُولَ وَفِي غُسْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُغَسَّلُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يُسَمَّى مُحْتَضَرًا إلَّا عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ نَحْوَ: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٢] أَيْ الَّذِينَ كَانُوا يَتَامَى.
(وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (كَفْنِهِ) بِسُكُونِ الْفَاءِ أَيْ إدْرَاجِهِ فِي الْكَفَنِ بِفَتْحِ الْفَاءِ.
(وَ) فِي بَيَانِ (تَحْنِيطِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَفَنِ وَالْمَيِّتِ.
(وَ) فِي بَيَانِ (حَمْلِهِ) إلَى الْمُصَلَّى أَوْ إلَى الْقَبْرِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ يُعْلَمُ مِنْ وُجُوبِ دَفْنِهِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَدَفْنِهِ) أَيْ وَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ وَسَتْرِهِ. وَبَدَأَ بِمَا صَدَّرَ بِهِ فَقَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ) لِمَنْ ظَهَرَتْ لَهُ عَلَامَاتُ قُرْبِ الْمَوْتِ (اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالْمُحْتَضَرِ) أَيْ تَقْبِيلُهُ فَالسِّينُ زَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْقِبْلَةَ أَفْضَلُ الْجِهَاتِ وَفِيهِ التَّفَاؤُلُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ: إذَا حَضَرَتْنِي الْوَفَاةُ فَاصْرِفْنِي إلَى الْقِبْلَةِ، وَمِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، وَالْمُسْتَحَبُّ فِي صِفَةِ الِاسْتِقْبَالِ أَنْ يُجْعَل عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ وَصَدْرُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُوضَعَ فِي قَبْرِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلًا، وَهَذَا بِخِلَافِ وَضْعِهِ لِلْغُسْلِ فَيُسْتَحَبُّ وَضْعُهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ لِيَبْدَأَ بِغُسْلِ الْجَنْبِ الْأَيْمَنِ، وَمُقَدِّمَاتُ الْمَوْتِ إحْدَادُ بَصَرِهِ وَشُخُوصُهُ إلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَتَقْبِيلُهُ عِنْدَ إحْدَادِهِ عَلَى أَيْمَنَ ثُمَّ ظَهْرٍ وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ قَبْلَ ظُهُورِ عَلَامَاتِ الْمَوْتِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِي الْمَرِيضَ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَضَرَهُ (إغْمَاضُهُ) أَيْ إغْلَاقُ عَيْنَيْهِ (إذَا قَضَى) أَيْ مَاتَ بِالْفِعْلِ وَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِإِذَا الْمُفِيدَةِ لِلتَّحْقِيقِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ شَدُّ لَحْيَيْهِ بِعِصَابَةٍ عَرِيضَةٍ وَيَرْبِطُهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ لِيَنْطَبِقَ فَاهُ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ إغْمَاضُهُ؛ لِأَنَّ فَتْحَ عَيْنَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ يَقْبُحُ بِهِ مَنْظَرُهُ، كَمَا أَنَّ فَتْحَ فِيهِ كَذَلِكَ، وَمِنْ عَلَامَاتِ تَحَقُّقِ الْمَوْتِ انْقِطَاعُ نَفَسِهِ وَإِحْدَادُ بَصَرِهِ وَانْفِرَاجُ شَفَتَيْهِ وَسُقُوطُ قَدَمَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّقَ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ بَصَرَهُ فَأَغْمَضَهُ وَقَالَ: الرُّوحُ إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ» وَيُقَالُ عِنْدَ ذَلِكَ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَسَهِّلْ عَلَيْهِ مَوْتَهُ وَأَسْعِدْهُ بِلِقَائِك وَاجْعَلْ مَا خَرَجَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَلَّى إغْمَاضَهُ مَنْ هُوَ أَرْفَقُ بِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، وَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يُغْمَضْ وَانْفَتَحَتْ عَيْنَاهُ وَشَفَتَاهُ يَجْذِبُ شَخْصٌ عَضُدَيْهِ وَآخَرُ إبْهَامَيْ رِجْلَيْهِ فَإِنَّهُمَا يَنْغَلِقَانِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ تَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ بِرِفْقٍ عَقِبَ مَوْتِهِ تَسْهِيلًا عَلَى الْغَاسِلِ، وَرَفْعُهُ عَنْ الْأَرْضِ بِأَنْ يُوضَعَ عَلَى سَرِيرٍ خَوْفَ الْهَوَامِّ، وَيُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ بِثَوْبٍ زَائِدٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَظْهَرُ مِنْهُ مَا لَا يَجِبُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ بِتَجْهِيزِهِ إلَّا الْغَرِيقَ، وَأَمَّا تَأْخِيرُ تَجْهِيزِ الْمُصْطَفَى ﵊ فَلِلْأَمْنِ مِنْ تَغَيُّرِهِ وَلِلِاهْتِمَامِ بِعَقْدِ الْخِلَافَةِ، وَلِذَلِكَ دُفِنَتْ فَاطِمَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لَيْلًا، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ مَاتَ لَيْلًا، حَتَّى اُسْتُثْنِيَ تَجْهِيزُ الْمَيِّتِ مِنْ ذَمِّ الْعَجَلَةِ وَأَنَّهَا مِنْ الشَّيْطَانِ، وَمِثْلُهُ التَّوْبَةُ وَالصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَإِنْكَاحُ الْبِكْرِ إذَا بَلَغَتْ، وَتَقْدِيمُ الطَّعَامِ لِلضَّيْفِ، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ إذَا حَلَّ، وَتَعْجِيلُ الْأَوْبَةِ مِنْ السَّفَرِ، وَإِخْرَاجُ الزَّكَاةِ عِنْدَ حُلُولِهَا، فَكُلُّ ذَلِكَ الْمَطْلُوبُ فِيهِ الْعَجَلَةُ، وَأَمَّا الْغَرِيقُ وَمَنْ بِهِ مَرَضُ السَّكْتَةِ وَمَنْ يَمُوتُ فَجْأَةً أَوْ تَحْتَ هَدْمٍ فَلَا يُسْرَعُ بِتَجْهِيزِهِمْ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُلَقَّنَ) الْمُحْتَضَرُ بِأَنْ يَقُولَ الْجَالِسُ عِنْدَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ: (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ أَشْهَدُ، وَلَا بُدَّ مِنْ جَمْعِ مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ مَعَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إذْ الْعَبْدُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا إلَّا بِهِمَا وَمَحَلُّ ذَلِكَ (عِنْدَ) ظُهُورِ عَلَامَاتِ (الْمَوْتِ) لِيَتَذَكَّرَهُمَا بِقَلْبِهِ فَيَمُوتُ وَهُوَ مُعْتَرِفٌ بِهِمَا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «لَقِّنُوا
стр. 282
يَكُونَ طَاهِرًا وَمَا عَلَيْهِ طَاهِرٌ فَهُوَ أَحْسَنُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَهُ حَائِضٌ وَلَا جُنُبٌ وَأَرْخَصَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْقِرَاءَةِ عِنْدَ رَأْسِهِ بِسُورَةِ يَس ~ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ أَمْرًا مَعْمُولًا بِهِ
وَلَا بَأْسَ بِالْبُكَاءِ بِالدُّمُوعِ حِينَئِذٍ وَحَسُنَ التَّعَزِّي
ــ
[الفواكه الدواني]
مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ لِيَكُونَ ذَلِكَ آخِرَ كَلَامِهِ، وَلِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُلَقِّنَهُ غَيْرُ وَارِثِهِ مِمَّنْ لَهُ بِهِ مَحَبَّةٌ وَإِلَّا فَأَرْأَفُهُمْ بِهِ، وَلَا يُلِحُّ عَلَيْهِ وَلَا يَقُولُ لَهُ قُلْ لِئَلَّا يُوَافِقَ ذَلِكَ قَوْلَهُ لَا لِرَدِّ فِتْنَةِ الْفَتَّانِينَ أَوْ إبْلِيسَ؛ لِأَنَّهُمْ يَحْضُرُونَ لِلْمُحْتَضَرِ عَلَى صِفَةِ مَنْ تَقَدَّمَ مَوْتًا مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إلَيْهِ مِنْ أَقَارِبِهِ فَيَقُولُونَ لَهُ: مُتْ عَلَى دِينِ كَذَا فَإِنَّهُ خَيْرُ الْأَدْيَانِ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَى هَذَا «أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ احْتِضَارِهِ: قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَك بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» ؛ لِأَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ مِنْهُ التَّلَفُّظُ بِهَا، وَإِذَا قَالَهَا الْمُحْتَضَرُ لَا تُعَادُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ فَتُعَادُ عَلَيْهِ لِتَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَضْجَرُ الْمُلَقِّنُ مِنْ عَدَمِ قَبُولِ الْمُحْتَضَرِ لِمَا يُلَقِّنُهُ؛ لِأَنَّهُ يُشَاهِدُ مِنْ عَظَائِمِ الْمَوْتِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَا لَا نَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَسَ لِسَانُهُ أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ فَلَمْ يَنْطِقْ بِالشَّهَادَتَيْنِ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَخْطُرْ الْإِيمَانُ بِقَلْبِهِ مَاتَ مُؤْمِنًا وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ الْكَافِرَ إذَا مَاتَ كَذَلِكَ يُحْكَمُ لَهُ بِالْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الشَّخْصُ قَبْلَ مَوْتِهِ، حَيْثُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ فِي حَالِ كَمَالِ عَقْلِهِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ مِنْ أَنَّ الْمَيِّتَ الْمُؤْمِنَ إيمَانُهُ بَاقٍ حُكْمًا بَعْدَ مَوْتِهِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَلْقِينُ الْمُحْتَضَرِ وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا مُمَيِّزًا، خِلَافًا لِلنَّوَوِيِّ حَيْثُ قَالَ: لَا يُلَقَّنُ إلَّا الْبَالِغُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُلَقَّنُ بَعْدَ دَفْنِهِ.
قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَيْسَ الْعَمَلُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى التَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِنَدْبِهِ، وَقَالَ ابْنُ الطَّلَّاعِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَعْمَلُ بِهِ، وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ لَكِنْ اُعْتُضِدَ بِالْقَوَاعِدِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الشَّامِ، وَمِمَّنْ وَافَقَ عَلَى نَدْبِهِ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ وَالْقُرْطُبِيُّ وَالثَّعَالِبِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، حَتَّى قَالَ الْأَبِيُّ: وَلَا يَبْعُدُ حَمْلُ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ» عَلَى التَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ وَلَعَلَّ وَجْهَ عَدَمِ الْبُعْدِ صَرِيحُ لَفْظِ الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ: مَوْتَاكُمْ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّأْوِيلِ، وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ التَّعْلِيلُ بِصَيْرُورَتِهَا آخِرَ كَلَامِهِ فَافْهَمْ.
الثَّانِي: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مُلَازَمَةِ الْمُحْتَضَرِ وَلَا عَلَى مَنْ يَطْلُبُ مِنْهُ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى أَقَارِبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَعَلَى أَصْحَابِهِ مُلَازَمَتُهُ. فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَعَلَى جِيرَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَعَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ، فَقَدْ تَرَكَ ابْنُ عُمَرَ حُضُورَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ حِينَ دُعِيَ لِحُضُورِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَمَحَلُّ طَلَبِ الْحُضُورِ عِنْدَ الْمَرِيضِ عِنْدَ اشْتِدَادِ مَرَضِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَكْرَهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ صَارَ عَلَى حَالَةٍ لَا يُحِبُّ أَنْ يَرَاهُ أَحَدٌ عَلَيْهَا فَيَسْقُطُ طَلَبُ حُضُورِهِ بِمَنْعِهِ. وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ الْمُحْتَضَرِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ قُدِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (عَلَى أَنْ يَكُونَ) جِسْمُ الْمُحْتَضَرِ (طَاهِرًا وَمَا عَلَيْهِ طَاهِرٌ فَهُوَ أَحْسَنُ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ كَمَا يُسْتَحَبُّ وَضْعُ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ عِنْدَهُ (وَيُسْتَحَبُّ) أَيْضًا (أَنْ لَا يَقْرَبَهُ) أَيْ الْمُحْتَضَرَ (حَائِضٌ وَلَا جُنُبٌ) وَلَا صَبِيٌّ يَعْبَثُ، وَلَا يَكُفُّ إذَا نُهِيَ، وَلَا كَلْبٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِي اتِّخَاذِهِ وَقِيلَ مُطْلَقًا، وَلَا تِمْثَالٌ وَلَا آلَةُ لَهْوٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا تَكْرَهُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَالْمُرَادُ بِتَجَنُّبِ مَا ذُكِرَ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَ الْمُحْتَضَرِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ.
(وَأَرْخَصَ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيْ اسْتَحَبَّ (بَعْضُ الْعُلَمَاءِ) وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ (فِي الْقِرَاءَةِ عِنْدَ رَأْسِهِ) أَوْ رِجْلَيْهِ وَالضَّمِيرُ لِلْمُحْتَضَرِ (بِسُورَةِ يَس) لِخَبَرِ: «إذَا قُرِئَتْ، عَلَيْهِ سُورَةُ يَس بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى عَبْدِي الْمَوْتَ» وَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ تُقْرَأُ عِنْدَهُ سُورَةُ يَس إلَّا هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ» .
وَقَالَ أَيْضًا: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يَس» .
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَرَادَ بِهِ بَعْضَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ لَا أَنَّ الْمَيِّتَ يُقْرَأُ عَلَيْهِ. (وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ (عِنْدَ مَالِكٍ أَمْرًا مَعْمُولًا بِهِ) بَلْ تُكْرَهُ عِنْدَهُ قِرَاءَةُ يَس ~ أَوْ غَيْرِهَا عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ عَلَى قَبْرِهِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ: وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إذَا فُعِلَتْ عَلَى وَجْهِ السُّنِّيَّةِ، وَأَمَّا لَوْ فُعِلَتْ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ بِهَا وَرَجَاءَ حُصُولِ بَرَكَةِ الْقُرْآنِ لِلْمَيِّتِ فَلَا، وَأَقُولُ: هَذَا هُوَ الَّذِي يَقْصِدُهُ النَّاسُ بِالْقِرَاءَةِ فَلَا يَنْبَغِي كَرَاهَةُ ذَلِكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ حُصُولُ بَرَكَةِ الْقُرْآنِ لِلْأَمْوَاتِ كَحُصُولِهَا بِمُجَاوَرَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَنْبَغِي إهْمَالُ أَمْرِ الْمَوْتَى مِنْ الْقِرَاءَةِ وَلَا مِنْ التَّهْلِيلِ الَّذِي يُفْعَلُ عِنْدَ الدَّفْنِ، وَالِاعْتِمَادُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَسِعَةِ رَحْمَتِهِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ أَنَّ مَنْ أَرَادَ حُصُولَ بَرَكَةِ قِرَاءَتِهِ وَثَوَابِهَا لِلْمَيِّتِ بِلَا خِلَافٍ فَلْيَجْعَلْ ذَلِكَ دُعَاءً فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ مَا أَقْرَؤُهُ لِفُلَانٍ أَوْ مَا قَرَأْته، وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ وَلِلْقَارِئِ ثَوَابُ الدُّعَاءِ
[الْبُكَاء عِنْدَ مَوْتِ الْمَيِّت]
وَلَمَّا كَانَ الْمَوْتُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الْبُكَاءُ وَالتَّفَجُّعُ بَيَّنَ حُكْمَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِالْبُكَاءِ) بِالْمَدِّ وَهُوَ مَا كَانَ (بِالدُّمُوعِ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ الِاحْتِضَارِ، وَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ حَيْثُ لَمْ يَصْحَبْهُ رَفْعُ صَوْتٍ وَلَا قَوْلٌ قَبِيحٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: بِالْعَطْفِ عَلَى الْجَائِزِ وَبُكَاءٌ عِنْدَ مَوْتِهِ وَبَعْدَهُ بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ وَقَوْلٍ قَبِيحٍ شَرْعًا، فَقَدْ
стр. 283
وَالتَّصَبُّرُ أَجْمَلُ لِمَنْ اسْتَطَاعَ وَيُنْهَى عَنْ الصُّرَاخِ وَالنِّيَاحَةِ
وَلَيْسَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ حَدٌّ وَلَكِنْ يُنْقَى وَيُغَسَّلُ وِتْرًا بِمَاءٍ
ــ
[الفواكه الدواني]
بَكَى ﷺ عَلَى وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ وَقَالَ: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ» فَالْمُرَادُ بِلَا بَأْسٍ الْجَوَازُ الْمَرْجُوحُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَ) لَكِنْ (حُسْنُ التَّعَزِّي وَ) هُوَ (التَّصَبُّرُ) وَالتَّجَلُّدُ وَالرِّضَى بِمَا حَكَمَ الْجَبَّارُ (أَجْمَلُ) أَيْ أَفْضَلُ وَأَحْسَنُ مِنْ الْبُكَاءِ بِالدُّمُوعِ (لِمَنْ اسْتَطَاعَ) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] وَقَالَ ﷺ : «مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَقَالَ مَعَهُ: اللَّهُمَّ أْجُرْنِي عَلَى مُصِيبَتِي وَأَعْقِبْنِي خَيْرًا مِنْهَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قُلْت ذَلِكَ حِينَ مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، وَقُلْت: مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، فَأَعْقَبَنِي اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ فَتَزَوَّجْته» ، وَالصَّبْرُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى، فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ التَّصَبُّرُ أَحْسَنَ مِنْ الْبُكَاءِ فَلِمَ أَهْمَلَهُ ﵊ وَبَكَى عَلَى وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُمَّةِ، وَأَمَّا الرَّسُولُ ﵊ فَيُؤْمَرُ بِفِعْلِ خِلَافِ الْأَفْضَلِ فِي حَقِّنَا لِلتَّشْرِيعِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْبُكَاءَ الْمَحْدُودَ وَهُوَ مُجَرَّدُ إرْسَالِ الدُّمُوعِ جَائِزٌ صَرَّحَ بِمُحْتَرَزِهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُنْهَى) قَرِيبُ الْمُحْتَضَرِ وَكُلُّ مَنْ يَتَأَثَّرُ بِفَقْدِهِ (عَنْ الصُّرَاخِ وَالنِّيَاحَةِ) وَسَائِرِ الْأَقْوَالِ الْقَبِيحَةِ، فَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ حَيْثُ اسْتَلْزَمَ أَمْرًا مُحَرَّمًا لِخَبَرِ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَلَا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ» وَرُوِيَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ وَصَلَقَ وَخَرَقَ» وَالصَّلْقُ الصِّيَاحُ فِي الْبُكَاءِ وَقُبْحُ الْقَوْلِ.
وَرُوِيَ «أَنَّ النَّائِحَةَ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» .
وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وَحَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَا إذَا أَوْصَاهُمْ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْبُكَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: جَائِزٌ مُطْلَقًا وَهُوَ مَا كَانَ بِمُجَرَّدِ إرْسَالِ الدُّمُوعِ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ، وَحَرَامٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَا كَانَ بِالصَّوْتِ وَالْأَقْوَالِ الْقَبِيحَةِ، وَجَائِزٌ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا بَعْدَهُ وَهُوَ مَا كَانَ بِالصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ قَبِيحٍ مَعَهُ.
١ -
(خَاتِمَةٌ) مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَا يُنْدَبُ فِعْلُهُ مَعَ أَهْلِ الْمَيِّتِ مِنْهَا: تَعْزِيَتُهُمْ وَحَمْلُهُمْ عَلَى الصَّبْرِ وَعَلَى الرِّضَى بِمُصِيبَتِهِمْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبِرِّ وَإِظْهَارِ الْمَحَبَّةِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ حَتَّى قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّ التَّعْزِيَةَ سُنَّةٌ وَقَدْ جَاءَ فِيهَا ثَوَابٌ كَثِيرٌ، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ اللَّهَ يُلْبِسُ الَّذِي عَزَّى مُصَابًا لِبَاسَ التَّقْوَى» وَجَاءَ: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ أَجْرٌ مِثْلُ أَجْرِهِ» وَصِفَتُهَا أَنْ يَقُولَ الْمُعَزِّي لِلْمُصَابِ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَك، وَغَفَرَ لِمَيِّتِك، وَعَزَّى ﷺ امْرَأَةً فِي أَبِيهَا فَقَالَ: «إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَبْقَى، وَلِكُلِّ أَجَلٍ مُسَمًّى وَكُلٌّ إلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاحْتَسِبِي وَاصْبِرِي فَإِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ» وَتَكُونُ التَّعْزِيَةُ قَبْلَ الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ وَعِنْدَ الْقَبْرِ وَكَوْنُهَا فِي الْمَنْزِلِ وَبَعْدَ الدَّفْنِ أَحْسَنَ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَيِّتِ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَلَا بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَلَا فِي الْمُعَزَّى بِفَتْحِ الزَّايِ بَيْنَ كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا حَيْثُ كَانَ جَارًا فَيُعَزَّى الْكَافِرُ بِالْكَافِرِ لِحَقِّ الْجِوَارِ وَيُقَالُ لَهُ: أَلْهَمَك اللَّهُ الصَّبْرَ وَعَوَّضَك خَيْرًا مِنْهُ، إلَّا الشَّابَّةَ وَاَلَّذِي لَا يُمَيِّزُ فَلَا يُعْزَيَانِ، وَيُعَزَّى الشَّخْصُ فِي كُلِّ مَنْ يَتَأَثَّرُ بِفَقْدِهِ أُمًّا أَوْ غَيْرَهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَتَنْتَهِي التَّعْزِيَةُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَزِّي أَوْ الْمُعَزَّى غَائِبًا. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصْنَعَ لَهُمْ طَعَامٌ أَوْ يُبْعَثَ إلَى مَحَلِّهِمْ لِاشْتِغَالِهِمْ بِمَيِّتِهِمْ، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَهْلِهِ حِينَ جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا وَابْعَثُوا بِهِ إلَيْهِمْ فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الْمَحَبَّةِ وَالِاعْتِنَاءِ، وَأَمَّا مَا يَصْنَعُهُ أَقَارِبُ الْمَيِّتِ مِنْ الطَّعَامِ وَجَمْعِ النَّاسِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ لِقِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُرْجَى خَيْرُهُ لِلْمَيِّتِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَيُكْرَهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ الْأَكْلُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي صَنَعَهُ مِنْ الْوَرَثَةِ بَالِغًا رَشِيدًا فَلَا حَرَجَ فِي الْأَكْلِ مِنْهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ أَوْصَى بِفِعْلِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي ثُلُثِهِ وَيَجِبُ تَنْفِيذُهُ عَمَلًا بِفَرْضِهِ، وَأَمَّا عَقْرُ الْبَهَائِمِ وَذَبْحُهُمْ عَلَى الْقَبْرِ وَحَمْلُ الْخُبْزِ وَيُسَمُّونَهُ بِعَشَاءِ الْقَبْرِ فَإِنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ وَمِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» وَلِأَدَائِهِ إلَى الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَالْمَطْلُوبُ فِي فِعْلِ الْقُرَبِ الْإِخْفَاءُ، وَالصَّوَابُ فِي فِعْلِ هَذَا التَّصَدُّقُ بِهِ فِي الْمَنْزِلِ حَيْثُ سَلِمَ مِنْ قَصْدِ الْمُبَاهَاةِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْحَطَّابِ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمُحْتَضَرِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ) أَيْ الَّذِي يُطْلَبُ تَغْسِيلُهُ (حَدٌّ) وَاجِبٌ بِحَيْثُ يُمْنَعُ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ عَنْهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (وَلَكِنْ) الْمَطْلُوبُ أَنْ (يُنَقَّى) مِنْ الْقَذَرِ وَيُعَمَّ جَسَدُهُ بِالْمَاءِ، وَنَفْيُ الْحَدِّ الْوَاجِبِ لَا يُنَافِي نَدْبَ التَّحْدِيدِ بِالْوِتْرِ كَمَا يَأْتِي، وَقَوْلُنَا: الَّذِي يُطْلَبُ تَغْسِيلُهُ احْتِرَازًا عَنْ شَهِيدِ الْمُعْتَرَكِ وَعَنْ الْكَافِرِ وَعَنْ السِّقْطِ وَعَنْ مَنْ فُقِدَ أَكْثَرُهُ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بَلْ يَحْرُمُ تَغْسِيلُ الْكَافِرِ وَشَهِيدِ الْحَرْبِ، وَيُكْرَهُ تَغْسِيلُ السِّقْطِ وَمَنْ غَابَ أَكْثَرُهُ، وَيَكْفِي فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ الْإِسْلَامُ الْحُكْمِيُّ فَيَدْخُلُ الْمَحْكُومُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِإِسْلَامِ صَاحِبِهِ أَوْ أَبِيهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلْغُسْلِ
стр. 284
وَسِدْرٍ وَيُجْعَلُ فِي الْأَخِيرَةِ كَافُورٌ وَتُسْتَرُ عَوْرَتُهُ وَلَا تُقَلَّمُ أَظْفَارُهُ وَلَا يُحْلَقُ شَعْرُهُ وَيُعْصَرُ بَطْنُهُ عَصْرًا رَقِيقًا وَإِنْ وُضِّئَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَيُقْلَبُ لِجَنْبِهِ فِي الْغُسْلِ أَحْسَنُ وَإِنْ أُجْلِسَ فَذَلِكَ وَاسِعٌ
وَلَا بَأْسَ بِغُسْلِ
ــ
[الفواكه الدواني]
شُرُوطًا: اسْتِقْرَارُ الْحَيَاةِ وَعَدَمُ الشَّهَادَةِ فِي الْحَرْبِ وَوُجُودُ كُلِّ الْمَيِّتِ أَوْ جُلِّهِ وَإِسْلَامُهُ وَلَوْ حُكْمًا كَنِيَّةِ إسْلَامِ سَيِّدَيْ الْمَجُوسِيِّ أَيْ الْمَجُوسِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَإِنْ كَانَ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ إلَّا أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ الْجَبْرِ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى يَحْصُلَ مِنْهُ الْإِسْلَامُ بِالْفِعْلِ، هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْرِيرُ عبق عَلَى الْمُخْتَصَرِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ جَارٍ فِي سَيِّدِي، الْمَجُوسِيِّ وَأَبِيهِ مَعًا.
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُغَسَّلَ وِتْرًا) ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعَ غَسَلَاتٍ (بِمَاءٍ) مُطْلَقٍ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْإِنْقَاءُ بِالسَّابِعَةِ فَلَا إيتَارَ لِانْتِهَاءِ نَدْبِ الْإِيتَارِ بِالسَّبْعِ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ الْإِنْقَاءُ، وَتَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ اعْتِرَاضِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَنْفِي التَّحْدِيدَ ثُمَّ يَقُولُ: وَيُغَسَّلُ وِتْرًا بِأَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ التَّحْدِيدِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى تَعْمِيمِ الْجَسَدِ وَهُوَ الْوَاجِبُ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْوِتْرَ لَا يَتَجَاوَزُ السَّبْعَ، أَوْ أَنَّ الْغُسْلَ الْوِتْرُ لَا يُحَدُّ بِثَلَاثٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ جُمَلٍ حُكْمُ الْغُسْلِ قَبْلَ الْوُجُوبِ وَقَبْلَ السُّنِّيَّةِ.
قَالَ خَلِيلٌ مُشِيرًا إلَى صِفَتِهِ بِقَوْلِهِ: وَغُسْلٌ كَالْجَنَابَةِ تَعَبُّدًا بِلَا نِيَّةٍ فَصِفَتُهُ كَصِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ الْإِجْزَاءُ كَالْإِجْزَاءِ وَالْكَمَالُ كَالْكَمَالِ إلَّا مَا يَخْتَصُّ بِهِ غُسْلُ الْمَيِّتِ مِنْ التَّكْرَارِ، وَلَا يُكَرِّرُ وُضُوءَهُ عَلَى الرَّاجِحِ، فَيَبْدَأُ بِغَسْلِ يَدَيْ الْمَيِّتِ أَوَّلًا ثُمَّ يُزِيلُ الْأَذَى إنْ كَانَ ثُمَّ يُوَضِّئُهُ مَرَّةً مَرَّةً، وَيُثَلِّثُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَإِنْ كَانَ تَعَبُّدًا؛ لِأَنَّهُ فِي الْغَيْرِ، وَسَيُشِيرُ الْمُصَنِّفُ. إلَى صِفَةِ وُضُوئِهِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ وُضِّئَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ، وَبَيَّنَ خَلِيلٌ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ غُسْلِهِ؛ لِأَنَّهُ صَدَّرَ بِهِ حَيْثُ قَالَ فِي وُجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ بِمُطَهِّرٍ وَلَوْ بِزَمْزَمَ وَعَلَى الْوُجُوبِ الْأَكْثَرُ، وَإِذَا تَعَذَّرَ الْمَاءُ يَجِبُ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَلَازَمَا أَيْ الْغُسْلُ وَالصَّلَاةُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَقُومُ مَقَامَ الْغُسْلِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمَاءِ أَوْ اسْتِعْمَالِهِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ بَعْدَ غُسْلِ الْمَيِّتِ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ أَنْ يُغَسَّلَ مَرَّةً أُخْرَى بِمَاءٍ مَعَ (سِدْرٍ) وَهُوَ وَرَقُ النَّبْقِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْغُسْلِ سِدْرٌ وَصِفَتُهُ أَنْ يُطْحَنَ وَيُذَابَ بِالْمَاءِ ثُمَّ يُعْرَكَ بِهِ بَدَنُ الْمَيِّتِ وَيُدَلَّكُ بِهِ، وَلَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَى إذَابَتِهِ فِي الْمَاءِ إضَافَتُهُ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّ الْغُسْلَ الْوَاجِبَ حَصَلَ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ وَهَذِهِ الْغَسْلَةُ لِلنَّظَافَةِ، وَلِذَلِكَ لَوْ لَمْ يُوجَدْ السِّدْرُ فَالصَّابُونُ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لِلنَّظَافَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا.
(وَ) يُسْتَحَبُّ لِلْغَاسِلِ أَنْ (يَجْعَلَ فِي) الْغَسْلَةِ (الْأَخِيرَةِ كَافُورًا) فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْغَسْلَةَ الْأُولَى تَكُونُ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ لِلتَّطْهِيرِ الْوَاجِبِ أَوْ الْمَسْنُونِ، وَالثَّانِيَةَ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ لِلتَّنْظِيفِ، وَالثَّالِثَةَ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ لِلتَّطْيِيبِ لِأَمْرِهِ ﵊ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَشُدُّ جَسَدَ الْمَيِّتِ وَيَحْفَظُهُ عَنْ مُسَارَعَةِ الْفَسَادِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَشْهُورَ كَوْنُهُ لِمَحْضِ التَّعَبُّدِ، وَقِيلَ مُعَلَّلٌ بِالِاسْتِعْدَادِ لِسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ، وَأَيْضًا وَرَدَ أَنَّ آدَمَ ﵇ لَمَّا تُوُفِّيَ أُتِيَ بِحَنُوطٍ وَكُفِّنَ مِنْ الْجَنَّةِ وَنَزَلَتْ الْمَلَائِكَةُ فَغَسَّلَتْهُ وَكَفَّنَتْهُ فِي وِتْرٍ مِنْ الثِّيَابِ وَحَنَّطُوهُ وَتَقَدَّمَ مَلَكٌ مِنْهُمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَصَلَّتْ الْمَلَائِكَةُ خَلْفَهُ وَدَفَنُوهُ فِي لَحْدٍ وَنَصَبُوا عَلَيْهِ اللَّبِنَ وَابْنُهُ شِيثٌ حَاضِرٌ مَعَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالُوا لَهُ: اصْنَعْ هَكَذَا بِوَالِدِك وَإِخْوَتِك فَإِنَّهَا سُنَّتُكُمْ.
(وَ) يَجِبُ أَنْ (تُسْتَرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (عَوْرَتُهُ) قَالَ خَلِيلٌ: وَسِتْرُ الْغَاسِلِ مِنْ سُرَّتِهِ لِرُكْبَتِهِ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَجَانِبِ عِنْدَ تَجْرِيدِهِ لِلتَّغْسِيلِ، وَمَحِلُّ الْوُجُوبِ إذَا كَانَ الْغَاسِلُ غَيْرَ سَيِّدٍ وَغَيْرَ زَوْجٍ وَإِلَّا نُدِبَ فَقَطْ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُنْظَرُ لِفَخْذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» وَصِفَةُ سِتْرِهَا أَنْ تُلَفَّ خِرْقَةٌ وَيَضَعَهَا عَلَى قُبُلِهِ ثُمَّ يَجْعَلُ ثَوْبًا آخَرَ بِدُبُرِهِ، وَأَمَّا غُسْلُ الْمَرْأَةِ لِلْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا تَسْتُرُ مِنْ سُرَّتِهَا إلَى رُكْبَتِهَا، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَى الْمَغْسُولِ غَيْرُ غَاسِلِهِ وَالْمُعِينِ لَهُ. (وَلَا تُقَلَّمُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (أَظْفَارُهُ وَلَا يُحْلَقُ لَهُ شَعْرٌ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْغَاسِلِ قَلْمُ أَظَافِرِ الْمَيِّتِ وَكَذَلِكَ حَلْقُ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَكَذَا يُكْرَهُ لِلْمَرِيضِ فِعْلُ ذَلِكَ إذَا قُصِدَ بِهِ الْمَوْتُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، لَا إنْ قَصَدَ بِهِ الْإِرَاحَةَ بِإِزَالَةِ نَحْوِ الظُّفُرِ وَالشَّعْرِ كَرَاهَةً.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ حَلْقُ شَعْرِهِ وَقَلْمُ ظُفُرِهِ وَهُوَ بِدْعَةٌ وَضَمَّ مَعَهُ إنْ فَعَلَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَجْزَاءَ لَا تَجِبُ مُوَارَاتُهَا، وَكَذَا يُكْرَهُ أَنْ تُنَقَّى قُرُوحُهُ وَإِنَّمَا يُزَالُ مَا سَالَ مِنْهَا بِخِرْقَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَلَوْ كَانَ السَّائِلُ دُونَ دِرْهَمٍ قَصْدًا لِلنَّظَافَةِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ لِلْغَاسِلِ أَنْ (يَعْصِرَ بَطْنَهُ) أَيْ الْمَيِّتِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي بَيَانِ غُسْلِهِ (عَصْرًا رَفِيقًا) مَخَافَةَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ حَالَ الْغُسْلِ أَوْ بَعْدَهُ مِمَّا لَيْسَ بِصَدَدِ الْخُرُوجِ وَفِيهِ أَذِيَّةٌ لِلْمَيِّتِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْغُسْلِ الْمَطْلُوبَةِ لِلْمَيِّتِ عَلَى الْوَجْهِ الْكَامِلِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ وُضِّئَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ عَائِدٌ عَلَى الْمَيِّتِ (وُضُوءَ الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) غَيْرُ ضَرُورِيٍّ الذِّكْرُ مَعَ قَوْلِهِ فَحَسَنٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْغَاسِلِ تَوْضِئَةُ الْمَيِّتِ بَعْدَ إزَالَةِ الْأَذَى مِثْلَ مَا يُنْدَبُ لِلْجُنُبِ عِنْدَ إرَادَةِ غُسْلِهِ لِلْجَنَابَةِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَنُدِبَ نَدْبًا بِإِزَالَةِ الْأَذَى، ثُمَّ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ كَامِلَةً مَرَّةً، فَيَبْدَأُ بِغَسْلِ يَدَيْ الْمَيِّتِ ثُمَّ يُزِيلُ الْأَذَى ثُمَّ يُوَضِّئُهُ وَيَتَفَقَّدُ أَسْنَانَهُ وَأَنْفَهُ بِخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ لِإِزَالَةِ مَا يُكْرَهُ رِيحُهُ وَيُمَيِّلُ
стр. 285
أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ
وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ فِي السَّفَرِ لَا نِسَاءَ مَعَهَا وَلَا مَحْرَمَ مِنْ الرِّجَالِ فَلْيُيَمِّمْ رَجُلٌ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا يَمَّمَ النِّسَاءُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ يُغَسِّلُهُ وَلَا امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ غَسَّلَتْهُ وَسَتَرَتْ عَوْرَتَهُ وَإِنْ كَانَ مَعَ الْمَيِّتَةِ ذُو مَحْرَمٍ غَسَّلَهَا مِنْ فَوْقِ ثَوْبٍ
ــ
[الفواكه الدواني]
رَأْسَهُ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: تَوْضِئَةُ وَتَعَهُّدُ أَسْنَانِهِ وَأَنْفِهِ بِخِرْقَةٍ وَإِمَالَةُ رَأْسِهِ لِمَضْمَضَةٍ.
(وَ) أَنْ (يُقْلَبَ) الْمَيِّتُ (لِجَنْبِهِ فِي الْغُسْلِ أَحْسَنُ) أَيْ يُضْجَعُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ حَالَ التَّغْسِيلِ لِيَبْدَأَ بِغُسْلِ الْمَيَامِنِ قَبْلَ الْمَيَاسِرِ، وَلَا يَقْلِبُهُ عَلَى ظَهْرِهِ وَلَا بَطْنِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَشْوِيهًا لَهُ، وَأَشَارَ إلَى مُقَابِلِ الْأَحْسَنِ، بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أُجْلِسَ) أَيْ الْمَيِّتُ حَالَ غُسْلِهِ (فَذَلِكَ وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ، فَقَوْلُهُ أَحْسَنُ أَيْ مِنْ إجْلَاسِهِ أَوْ قَلْبِهِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ الْغَاسِلُ مِنْ وُقُوفِهِ عَلَى الدِّكَّةِ وَيَجْعَلُ الْمَيِّتَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، بَلْ الْمَطْلُوبُ وُقُوفُهُ بِالْأَرْضِ وَيُضْجَعُ الْمَيِّتُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يُقَلِّبُهُ عَلَى الْأَيْمَنِ كَمَا قَدَّمْنَا.
(تَتِمَّةٌ) بَقِيَ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْغُسْلِ تَجْرِيدُ الْمَيِّتِ مِنْ ثِيَابِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا إلَّا سَاتِرَ عَوْرَتِهِ وَوَضْعُهُ عَلَى مُرْتَفَعٍ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِلْغَاسِلِ، وَلَيْسَ مِنْ سُنَنِهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِهِ، وَمِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَضْعُ مَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ عِنْدَهُ حَالَ التَّغْسِيلِ، وَمِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ اشْتِغَالُ الْغَاسِلِ حَالَ التَّغْسِيلِ بِالتَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ، وَإِذَا حَصَلَ مِنْ الْمَيِّتِ بَعْدَ تَغْسِيلِهِ مَا لَوْ حَصَلَ مِنْ الْحَيِّ لَأَبْطَلَ غُسْلَهُ لَمْ يُبْطِلْهُ وَإِنَّمَا يُنَظَّفُ دُونَ إعَادَةِ غُسْلِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَمْ يُعِدْ كَالْوُضُوءِ لِنَجَاسَةٍ وَغُسِلَتْ النَّجَاسَةُ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهُ فِي الصُّورَتَيْنِ.
[تَغْسِيلِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْغُسْلِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالتَّغْسِيلِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْكَلَامِ عَلَى الْغُسْلِ فَقَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِغُسْلِ) أَيْ تَغْسِيلِ (أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْحَيَّ مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ يُقَدَّمُ فِي تَغْسِيلِ صَاحِبِهِ بِالْقَضَاءِ عَلَى أَقَارِبِ الْمَيِّتِ وَعَلَى مَنْ أَوْصَاهُ الْمَيِّتُ أَيْضًا، وَيُنْدَبُ لَهُ الْقِيَامُ بِأَخْذِ حَقِّهِ، فَلَا بَأْسَ هُنَا لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَيُّ مُحْرِمًا فَيُنْهَى عَنْ التَّغْسِيلِ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ، فَإِنْ فَعَلَ أَهْدَى إنْ أَمَذَى، وَالْمُرَادُ بِالزَّوْجَيْنِ الصَّحِيحَيْ النِّكَاحِ وَلَوْ بِفَوَاتِ الْفَاسِدِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقُدِّمَ الزَّوْجَانِ إنْ صَحَّ النِّكَاحُ إلَّا أَنْ يَفُوتَ فَاسِدُهُ بِالْقَضَاءِ وَإِنْ رَقِيقًا أَذِنَ سَيِّدُهُ أَوْ قَبْلَ بِنَاءٍ أَوْ بِأَحَدِهِمَا عَيْبٌ أَوْ وَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالْأَحَبُّ نَفْيُهُ إنْ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ لَا مُطَلَّقَةً وَلَوْ رَجْعِيًّا، بِخِلَافِ الْمُولَى مِنْهَا وَالْمُظَاهَرِ مِنْهَا فَلَهُمَا التَّغَسُّلُ بِالْقَضَاءِ لِقِيَامِ السَّبَبِ، وَالْكِتَابِيَّةُ تُغَسِّلُ زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ بِحَضْرَةِ مُسْلِمٍ عَارِفٍ بِصِفَةِ الْغُسْلِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذُكِرَ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ غَسَّلَتْ زَوْجَهَا أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ غَسَّلَتْهُ زَوْجَتُهُ، وَأَوْصَتْ فَاطِمَةُ عَلِيًّا أَنْ يُغَسِّلَهَا، فَكَانَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى أَسْمَاءَ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ تُغَسِّلُهَا، وَمَا هَذَا إلَّا لِثُبُوتِ حَقِّ الْحَيِّ فِي التَّغْسِيلِ.
١ -
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَوْ مَاتَ الزَّوْجُ وَتَعَدَّدَتْ زَوْجَاتُهُ وَطَلَبْنَ التَّغْسِيلَ لَا نَصَّ فِيمَنْ تَقَدَّمَ مِنْهُنَّ، وَقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ: الظَّاهِرُ الْقُرْعَةُ وَأَوَّلُ الظَّاهِرِ اشْتِرَاكُ الْجَمِيعِ فِي الْمُبَاشَرَةِ لِاسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَالْقُرْعَةُ إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْفِعْلِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْزِيَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَحَلٍّ يَتَعَدَّدُ فِيهِ الْمُسْتَحَقُّ الْمُسْتَوِي فِي الْمَرْتَبَةِ لِغَيْرِهِ وَحَرِّرْهُ.
١ -
الثَّانِي: نَصَّ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ عَلَى تَقْدِيمِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فِي تَغْسِيلِ صَاحِبِهِ وَسَكَتَا عَمَّا لَوْ طَلَبَا الْحَيُّ إنْزَالَ صَاحِبِهِ الْقَبْرَ وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُمَا فَقَالَ: إنْ كَانَ الْحَيُّ الزَّوْجَ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ فِي إنْزَالِ زَوْجَتِهِ قَبْرَهَا عَلَى أَوْلِيَائِهَا بِالْقَضَاءِ، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَلَا تُقَدَّمُ فِي إنْزَالِ زَوْجِهَا بَلْ الْحَقُّ لِأَوْلِيَائِهِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالزَّوْجُ أَحَقُّ بِإِدْخَالِ زَوْجَتِهِ قَبْرَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَقْرَبُ مَحَارِمِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَقِيلَ النِّسَاءُ، وَقِيلَ أَهْلُ الْفَضْلِ.
الثَّالِثُ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَفِي حُكْمِ الزَّوْجَيْنِ السَّيِّدُ مَعَ أَمَتِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِبَاحَةُ الْوَطْءِ لِلْمَوْتِ بِرِقٍّ تُبِيحُ الْغُسْلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ: بِخِلَافِ الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُبَعَّضَةِ وَالْمُعْتَقَةِ لِأَجَلٍ وَالْمُشْتَرَكَةِ فَلَا يَحِلُّ لِلْحَيِّ مِنْهَا تَغْسِيلُهُ لِحُرْمَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِنَّ، وَتَقْدِيمُ السَّيِّدِ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْأَمَةِ بِالْقَضَاءِ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ فَلَا يُقْضَى لَهَا بِالتَّقْدِيمِ عَلَى أَوْلِيَاءِ سَيِّدِهَا اتِّفَاقًا
ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ وَلَا سَيِّدَ بِقَوْلِهِ: (وَالْمَرْأَةُ) الْمُسْلِمَةُ (تَمُوتُ فِي السَّفَرِ) أَوْ فِي الْحَضَرِ وَلَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ وَ (لَا نِسَاءَ مَعَهَا) لَا أَقَارِبَ وَلَا أَجَانِبَ (وَلَا ذُو مَحْرَمٍ) لَهَا (مِنْ الرِّجَالِ) لَا بِالنَّسَبِ وَلَا بِالرَّضَاعِ وَلَا بِالصِّهْرِ (فَلْيُيَمِّمْ رَجُلٌ) أَجْنَبِيٌّ (وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) أَيْ كُوعَيْهَا وَيُدْخِلُهُمَا فِي الْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْكَفَّيْنِ لَيْسَا بِعَوْرَةٍ يُبَاحُ النَّظَرُ لَهُمَا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَإِنَّهُ عَوْرَةٌ لَا يَحِلُّ لِلْأَجْنَبِيِّ النَّظَرُ إلَيْهِ، مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ فَضْلًا عَنْ لَمْسِهِ.
(وَ) أَمَّا (لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا) فِي حَالِ سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ لَوَجَبَ أَنْ (يُيَمِّمَ النِّسَاءُ) الْأَجَانِبُ (وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ) بِشَرْطٍ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ يُغَسِّلُهُ) وَلَوْ أَجْنَبِيًّا (وَلَا امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ فَإِنْ كَانَتْ) أَيْ حَضَرَتْ (امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ غَسَّلَتْهُ وَسَتَرَتْ عَوْرَتَهُ) مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ؛ لِأَنَّهَا تَنْظُرُ
стр. 286
يَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهَا
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَفَّنَ الْمَيِّتُ فِي وِتْرٍ ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ أَوْ خَمْسَةٍ أَوْ سَبْعَةٍ وَمَا جُعِلَ لَهُ مِنْ أُزْرَةٍ وَقَمِيصٍ
ــ
[الفواكه الدواني]
مِنْهُ مَا يَنْظُرُهُ الرَّجُلُ مِنْ مِثْلِهِ وَهُوَ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَة، وَقِيلَ تَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهِ وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ يُغَسِّلُهُ، قَالَ خَلِيلٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: يُقَدَّمُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ثُمَّ أَقْرَبُ أَوْلِيَائِهِ ثُمَّ أَجْنَبِيٌّ ثُمَّ امْرَأَةٌ مَحْرَمٌ، وَهَلْ يَسْتُرُهُ أَوْ عَوْرَتَهُ تَأْوِيلَانِ فَيُقَدَّمُ ابْنُ الْمَيِّتِ ثُمَّ ابْنُهُ ثُمَّ أَبُوهُ ثُمَّ أَخُوهُ ثُمَّ ابْنُهُ ثُمَّ جَدُّهُ ثُمَّ عَمُّهُ ثُمَّ ابْنُهُ وَالشَّقِيقُ وَعَاصِبُ النَّسَبِ عَلَى غَيْرِهِ، وَيَنْبَغِي عِنْدَ مُشَاحَّةِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْمَرْتَبَةِ الِاجْتِمَاعُ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ كَمَا قَدَّمْنَا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَرِيبٌ فَالرَّجُلُ الْأَجْنَبِيُّ الْمُسْلِمُ أَوْ الذِّمِّيُّ لَكِنْ بِحَضْرَةِ مُسْلِمٍ عَارِفٍ بِصِفَةِ الْغُسْلِ حَيْثُ لَمْ يَرْضَ بِالتَّغْسِيلِ أَوْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْ الرِّجَالِ فَالْمَرْأَةُ الْمَحْرَمُ وَلَوْ بِالصِّهَارَةِ كَأُمِّ زَوْجَتِهِ أَوْ زَوْجَةِ ابْنِهِ، وَيُقَدَّمُ مَحْرَمُ الرَّضَاعِ عَلَى مَحْرَمِ الصِّهَارَةِ عِنْدَ التَّنَازُعِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ حَيْثُ جَازَ لَهَا أَنْ تُيُمِّمَ الرَّجُلَ الْأَجْنَبِيَّ إلَى مِرْفَقَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُيَمِّمَهَا إلَّا لِكُوعَيْهَا مَعَ شِدَّةِ مَيْلِ النِّسَاءِ إلَى الرِّجَالِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ عَوْرَةَ الْأَجْنَبِيِّ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ كَمَا قَدَّمْنَا فِي مَبْحَثِ الْعَوْرَةِ، وَأَيْضًا شِدَّةُ حَيَاءِ الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ وَلَا سِيَّمَا إذَا مَاتَ الرَّجُلُ يُضْعِفُ الْأُنْثَى إلَيْهِ.
(تَنْبِيهٌ) اعْلَمْ أَنَّ التَّرْتِيبَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بَيْنَ الْأَقَارِبِ كَمَا يَجْرِي فِي الْغُسْلِ يَجْرِي فِي الصَّلَاةِ وَالنِّكَاحِ، وَيُقْضَى بِهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ بَيْنَ مَنْ يَتَقَدَّمُ وَمَنْ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ لِمَا عَرَفْت بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ فِي الْمُبَاشَرَةِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا غَسَّلَتْ مَحْرَمَهَا لَا تُبَاشِرُ بِيَدِهَا مَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ وَهُوَ عَوْرَتُهُ فَقَطْ أَوْ جَمِيعُ الْجَسَدِ بَلْ تَجْعَلُ عَلَى يَدِهَا خِرْقَةً، بِخِلَافِ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ وَهُوَ بَقِيَّةُ الْجَسَدِ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهَا فِي مُبَاشَرَتِهِ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ: وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ وَلَا نِسَاءَ مَعَهَا وَلَا مَحْرَمَ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ كَانَ مَعَ الْمَيِّتَةِ) الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ الَّتِي لَا نِسَاءَ مَعَهَا رَجُلٌ (ذُو مَحْرَمٍ) وَلَوْ بِالصِّهْرِ (غَسَّلَهَا مِنْ فَوْقِ ثَوْبٍ يَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهَا) بِأَنْ يَجْعَلَهُ الْغَاسِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ مِنْ السَّقْفِ إلَى أَسْفَلَ بِحَيْثُ يَصِيرُ نَظَرُهُ إلَى الثَّوْبِ لَا إلَى جَسَدِهَا، وَيَصِلُ الْمَاءُ مِنْ خَلْفِ الثَّوْبِ وَيَجْعَلُ خِرْقَةً عَلَى يَدِهِ غَلِيظَةً، فَكَمَا لَا يَنْظُرُ إلَى جَسَدِهَا لَا يُبَاشِرُهُ بِيَدِهِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَفْهَمَ أَنَّ مَعْنَى سَتْرِ جَسَدِهَا جَعْلُ الثَّوْبِ عَلَى جَسَدِهَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَحْرَمِ مُبَاشَرَةُ جَمِيعِ جَسَدِ الْمَرْأَةِ الْمَحْرَمِ بَعْدَ تَعْلِيقِ الثَّوْبِ الْمَانِعِ مِنْ نَظَرِهِ إلَى جَسَدِهَا، وَبَعْدَ جَعْلِ خِرْقَةٍ غَلِيظَةٍ عَلَى يَدِهِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ إذَا غَسَّلَتْ مَحْرَمَهَا الذَّكَرَ مُبَاشَرَةُ جَمِيعِ جَسَدِهِ حَيْثُ لَفَّتْ عَلَى يَدِهَا خِرْقَةً كَثِيفَةً، وَأَمَّا مِنْ غَيْرِ خِرْقَةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهَا مُبَاشَرَةُ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ وَهُوَ الْعَوْرَةُ فَقَطْ أَوْ جَمِيعُ الْجَسَدِ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ.
وَأَمَّا لَوْ غَسَّلَتْ امْرَأَةٌ امْرَأَةً لَجَازَ لَهَا مُبَاشَرَةُ جَمِيعِ جَسَدِهَا وَلَوْ بِغَيْرِ حَائِلٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا مَاتَتْ امْرَأَةٌ مَعَ الرِّجَالِ لَيْسَ مَعَهُمْ امْرَأَةٌ غَيْرُهَا أَوْ الرَّجُلُ مَعَ النِّسَاءِ لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ غَيْرُهُ فَإِنَّهُمَا يُيَمَّمَانِ وَيُدْفَنَانِ» . وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُيَمِّمُ الرَّجُلَ الْأَجْنَبِيَّ لِلْمِرْفَقَيْنِ وَالرَّجُلُ إنَّمَا يُيَمِّمُهَا إلَى كُوعَيْهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ كُلًّا إذَا يَمَّمَ غَيْرَهُ يَمَسُّ وَجْهَهُ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ حَيْثُ قَالَ: وَانْظُرْ كَيْفَ جَازَ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ لَمْسُ وَجْهِ الْآخَرِ بِيَدِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ، فَإِنْ قُلْت: يُحْمَلُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً وَيَضَعَهَا عَلَى التُّرَابِ، قُلْت: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا اقْتَصَرَ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى الْكُوعَيْنِ اهـ، وَأَقُولُ: يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وَضْعِ الْخِرْقَةِ وَلَا يَلْزَمُ مَا ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَإِنَّمَا جَازَ مَا ذُكِرَ مَعَ الْخِرْقَةِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا مُحْوِجَ إلَى مُجَاوَزَةِ كُوعَيْ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ مَا عَدَاهُمَا سُنَّةٌ، وَلَا يُسْتَبَاحُ الْمُحَرَّمُ بِفِعْلِ سُنَّةٍ وَتَأَمَّلْهُ.
١ -
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ الْأُنْثَى الْمُحَقَّقَةِ وَعَلَى الذَّكَرِ الْمُحَقَّقِ وَسَكَتَ عَنْ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ يَمُوتُ وَلَا مَحْرَمَ لَهُ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ إلَّا سَيِّدٌ ذَكَرٌ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يَشْتَرِي لَهُ جَارِيَةً مِنْ مَالِهِ تُغَسِّلُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ وَلَا تُورَثُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بَيْتُ مَالٍ أَوْ لَا وُصُولَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُيَمَّمُ وَيُدْفَنُ، وَيَنْبَغِي إذَا يَمَّمَهُ رَجُلٌ أَنْ يُيَمِّمَهُ إلَى كُوعَيْهِ احْتِيَاطًا، وَإِنْ يَمَّمَتْهُ امْرَأَةٌ يَمَّمَتْهُ إلَى مِرْفَقَيْهِ بِالْأَوْلَى مِنْ الرَّجُلِ الْمُحَقَّقِ.
١ -
الثَّانِي: لَوْ يَمَّمْنَ النِّسَاءُ الْمَيِّتَ الذَّكَرَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ غَسَّلَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَالنِّسَاءُ خَلْفَهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ، هَذَا مَا ارْتَضَاهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ
. الثَّالِثُ: لَوْ يُمِّمَ الْمَيِّتُ لِعَدَمِ الْمَاءِ ثُمَّ وُجِدَ الْمَاءُ بَعْدَ التَّيَمُّمِ قَالَ الطِّخِّيخِيُّ: إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ غُسِّلَ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِلَّا فَلَا اهـ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ كَانَ مَعَ النِّسْيَانِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ الْعَيْنِيِّ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ فِي مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ: وَبِوُجُودِ الْمَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَا فِيهَا إلَّا نَاسِيه إلَّا أَنْ يَفْرُقَ بِانْحِطَاطِ رُتْبَةِ أَمْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَعَ طَلَبِ الْإِسْرَاعِ بِدَفْنِ الْأَمْوَاتِ وَحَرِّرْهُ.
١ -
الرَّابِعُ: لَوْ تَعَذَّرَ التَّغْسِيلُ وَالتَّيَمُّمُ يُدْفَنُ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ خَلِيلٍ وَتَلَازُمًا وَارْتَضَاهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَقَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا اللَّقَانِيُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَأَجَابَ عَنْ خَلِيلٍ بِأَنَّ مُرَادَهُ تَلَازُمًا أَيْ غَالِبًا، وَأَمَّا لَوْ صَلَّى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَغْسِيلٍ مَعَ تَيَسُّرِ الْغُسْلِ بَلْ لِسَهْوٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُدْفَنَ فَفِيهِ
стр. 287
وَعِمَامَةٍ فَذَلِكَ مَحْسُوبٌ فِي عَدَدِ الْأَثْوَابِ الْوِتْرِ «وَقَدْ كُفِّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ أُدْرِجَ فِيهَا إدْرَاجًا ﷺ » وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَمَّصَ الْمَيِّتُ وَيُعَمَّمَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَنَّطَ وَيُجْعَلَ الْحُنُوطُ بَيْنَ أَكْفَانِهِ وَفِي جَسَدِهِ وَمَوَاضِعِ السُّجُودِ مِنْهُ
وَلَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ فِي الْمُعْتَرِكِ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ بِثِيَابِهِ
وَيُصَلَّى عَلَى
ــ
[الفواكه الدواني]
قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا يُخْرَجُ وَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يُخْشَ تَغَيُّرُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا فِي عبق، وَالثَّانِي يَفُوتُ تَغْسِيلُهُ بِتَمَامِ دَفْنِهِ كَمَا لَوْ دُفِنَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ، إلَّا أَنَّ هَذَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ إلَّا أَنْ يُدْفَنَ بِغَيْرِهَا.
[التَّكْفِينِ وَمَا يُكَفَّنُ فِيهِ الْمَيِّتُ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْغُسْلِ وَعَلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّكْفِينِ وَمَا يُكَفَّنُ فِيهِ الْمَيِّتُ بِقَوْلِهِ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَفَّنَ الْمَيِّتُ) الَّذِي يَجِبُ تَغْسِيلُهُ الْمُتَقَدِّمِ بَيَانُهُ (فِي وِتْرٍ) مِنْ الثِّيَابِ وَأَقَلُّ مَرَاتِبِهِ (ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ) وَهِيَ: الْقَمِيصُ وَالْعِمَامَةُ لِلرَّجُلِ وَالْخِمَارُ لِلْمَرْأَةِ وَالْأُزْرَةُ فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ وَالْأَفْضَلُ فِي الْوَاحِدِ وَلِذَلِكَ قُلْنَا: وَأَقَلُّ مَرَاتِبِ الْوِتْرِ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الْوَاحِدِ وَإِنْ كَانَا شَفْعًا لِزِيَادَةِ السِّتْرِ، وَالثَّلَاثَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ لِمَا فِي الثَّلَاثَةِ مِنْ السِّتْرِ وَالْوِتْرِيَّةِ. (أَوْ خَمْسَةٌ) وَهِيَ الْقَمِيصُ وَالْعِمَامَةُ وَالْخِمَارُ وَالْأُزْرَةُ وَلِفَافَتَانِ يُدْرَجُ فِيهِمَا الْمَيِّتُ وَتُجْعَلُ الْعُلْيَا أَوْسَعَ مِنْ السُّفْلَى، وَالْخَمْسَةُ أَفْضَلُ مِنْ السِّتَّةِ وَلَا يُزَادُ الرَّجُلُ عَلَى خَمْسٍ فَقَوْلُهُ: (أَوْ سَبْعَةٌ) بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ فَيُزَادُ لَهَا عَلَى الْخَمْسِ السَّابِقَةِ لِفَافَتَانِ. (وَمَا جُعِلَ لَهُ مِنْ أُزْرِهِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا مَا يُتَّزَرُ بِهِ.
(وَ) مِنْ (قَمِيصٍ وَعِمَامَةٍ) لِلرَّجُلِ (فَذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الثَّلَاثَةِ (مَحْسُوبٌ فِي عَدَدِ الْأَثْوَابِ الْوِتْرِ) وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَمَا جُعِلَ لَهُ إلَخْ أَنَّ نَحْوَ الْخِرَقِ وَالْعَصَائِبِ الَّتِي تُشَدُّ عَلَى الْوَجْهِ وَالْوَسَطِ وَغَيْرِهِمَا لَا يُحْسَبُ شَيْءٌ مِنْهَا مِنْ السَّبْعِ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ إيتَارِ الْكَفَنِ بِقَوْلِهِ: «وَقَدْ كُفِّنَ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ «رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ أُدْرِجَ» أَيْ لُفَّ (فِيهَا إدْرَاجًا) مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِعَامِلِهِ ( ﷺ ) وَصِفَةُ الْإِدْرَاجِ أَنْ تُبْسَطَ الْوَافِيَةُ أَوَّلًا وَيُجْعَلَ عَلَيْهَا الْحَنُوطُ ثُمَّ تُجْعَلُ الَّتِي تَلِيهَا فِي الْقَصْرِ عَلَيْهَا وَيُجْعَلُ عَلَيْهَا الْحَنُوطُ ثُمَّ يُوضَعُ الْمَيِّتُ عَلَيْهَا بَعْدَمَا يُجَفَّفُ بِخِرْقَةٍ، فَإِذَا وُضِعَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْلَبُ عَلَيْهِ الَّذِي مِنْ نَاحِيَةِ الْيُمْنَى، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُقْلَبُ أَوَّلًا الَّذِي مِنْ نَاحِيَةِ الْيَسَارِ وَيُخَاطُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَسْقُطَ عَنْهُ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُفِّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَّةٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهَا: لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ فَحَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الْكَفَنِ وَقَالَ: فَيُسَنُّ لِلرَّجُلِ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ خَاصَّةً لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَحَمَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْدُودٍ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الثَّلَاثَةُ أَثْوَابٍ زِيَادَةً عَلَى الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ فَنَقَلَ عَنْهُمَا اسْتِحْبَابَ زِيَادَةِ الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ وَسَحُولِيَّةٍ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا فَعَلَى الْفَتْحِ النِّسْبَةُ إلَى السَّحُولِ وَهُوَ الْقَصَّارُ الَّذِي يَسْحَلُهَا أَيْ يُقَصِّرُهَا وَيَغْسِلُهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ النِّسْبَةُ إلَى سَحُولَةَ الْقَرْيَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْيَمَنِ، وَعَلَى الضَّمِّ فَهُوَ جَمْعُ سُحُلٍ وَهُوَ الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ النَّقِيُّ وَلَا يَكُونُ إلَّا مِنْ قُطْنٍ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَضْمُومُ، كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ الثَّوْبُ الَّذِي غُسِّلَ فِيهِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَثْوَابٍ أَفْضَلُ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ) أَيْ يُنْدَبُ (أَنْ يُقَمَّصَ الْمَيِّتُ) أَيْ يَلْبَسَ قَمِيصًا (وَيُعَمَّمَ) أَيْ يُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ، كَمَا يُنْدَبُ تَخْمِيرُ رَأْسِ الْمَرْأَةِ كَمَا قَدَّمْنَا (وَيَنْبَغِي) أَيْ يُنْدَبُ (أَنْ يُحَنَّطَ) أَيْ يُطَيَّبَ الْمَيِّتُ بِمِسْكٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ مُحْرِمًا وَمُعْتَدَّةً وَلَا يَتَوَلَّيَاهُ.
(وَ) أَنْ (يُحْمَلَ الْحَنُوطُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَهُوَ مَا يَتَطَيَّبُ بِهِ (بَيْنَ أَكْفَانِهِ وَفِي) مَنَافِذِ (جَسَدِهِ) كَعَيْنَيْهِ وَأَنْفِهِ وَأُذُنَيْهِ بِأَنْ يُدِرُّ مِنْهُ عَلَى قُطْنٍ وَيُلْصَقُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَفِي أُذُنَيْهِ وَعَلَى مَخْرَجِهِ مِنْ غَيْرِ إدْخَالٍ.
(وَ) يُجْعَلُ (فِي مَوَاضِعِ السُّجُودِ مِنْهُ) كَالْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَنَحْوِهَا، ثُمَّ يُلَفُّ الْكَفَنُ عَلَيْهِ بَعْدَ تَبْخِيرِهِ بِنَحْوِ الْعُودِ وَيُرْبَطُ الْكَفَنُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقِيلَ يُخَاطُ وَيُحَلُّ عِنْدَ الدَّفْنِ.
١ -
(تَتِمَّاتٌ) الْأُولَى: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ التَّكْفِينِ وَلَا الْقَدْرَ الْوَاجِبَ وَإِنْ نَصَّ عَلَى نَدْبِ إيتَارِهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَهَلْ الْوَاجِبُ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ أَوْ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَالْبَاقِي سُنَّةٌ خِلَافٌ وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ وَهُوَ سَتْرُ جَمِيعِ الْجَسَدِ وَالْخِلَافُ فِي الذَّكَرِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَجِبُ سَتْرُ جَمِيعِ جَسَدِهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَأَمَّا التَّكْفِينُ وَهُوَ إدْرَاجُ الْمَيِّتِ فِي الْكَفَنِ فَوَاجِبٌ اتِّفَاقًا كَمُوَارَاتِهِ فِي التُّرَابِ.
١ -
الثَّالِثَةُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ هُنَا مَنْ يَلْزَمُهُ تَكْفِينُ الْمَيِّتِ وَمُؤَنُ تَجْهِيزِهِ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْكِتَابِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ خَلِيلٌ: وَهُوَ عَلَى الْمُنْفِقِ بِقَرَابَةٍ أَوْ رِقٍّ لَا زَوْجِيَّةٍ وَالْفَقِيرُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَإِلَّا فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَإِلَّا فَمِنْ مَالِهِ وَلَوْ صَغِيرًا.
الثَّالِثَةُ: الْأَفْضَلُ فِي الْكَفَنِ الْبَيَاضُ لِمُوَافَقَةِ كَفَنِهِ ﷺ وَيَجُوزُ بِالْمَلْبُوسِ حَيْثُ كَانَ طَاهِرًا
стр. 288
قَاتِلِ نَفْسِهِ وَيُصَلَّى عَلَى مَنْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ فِي حَدٍّ أَوْ قَوَدٍ وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ
وَلَا يُتْبَعُ الْمَيِّتُ بِمِجْمَرٍ وَالْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ
وَيُجْعَلُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَيُنْصَبُ عَلَيْهِ اللَّبِنُ وَيَقُولُ حِينَئِذٍ اللَّهُمَّ إنَّ صَاحِبَنَا قَدْ نَزَلَ
ــ
[الفواكه الدواني]
سَاتِرًا لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ ﵁: الْحَيُّ أَوْلَى بِالْجَدِيدِ إنَّهُ لِلْمِهْنَةِ وَالصَّدِيدِ، وَيُكْرَهُ التَّكْفِينُ فِي الْحَرِيرِ وَلَوْ لِلرِّجَالِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ، كَمَا يُكْرَهُ التَّكْفِينُ بِالنَّجَسِ أَوْ الْمُتَنَجِّسِ أَوْ الْأَسْوَدِ أَوْ الْأَزْرَقِ، بِخِلَافِ الْمَصْبُوغِ بِمَا فِيهِ طِيبٌ كَالْمُزَعْفَرِ وَالْمُوَرَّسِ وَهَذَا فِي غَيْرِ الضَّرُورَةِ، وَأَمَّا عِنْدَهَا فَيَجُوزُ التَّكْفِينُ فِي كُلِّ سَاتِرٍ وَلَوْ نَجِسًا أَوْ حَشِيشًا.
[غُسْلِ الشُّهَدَاءِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ]
ثُمَّ أَشَارَ إلَى بَعْضِ شُرُوطِ التَّغْسِيلِ بِذِكْرِ ضِدِّهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ) بِقَتْلِهِ (فِي الْمُعْتَرَكِ) لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ شَرْطَ التَّغْسِيلِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَيِّتُ شَهِيدَ حَرْبٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُغَسَّلُ شَهِيدُ مُعْتَرَكٍ فَقَطْ وَلَوْ بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ وَإِنْ أَجْنَبَ عَلَى الْأَحْسَنِ.
وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَغْسِيلُهُ سَوَاءٌ قَاتَلَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ أَوْ لِلْغَنِيمَةِ، سَوَاءٌ غَزَا الْمُسْلِمُونَ الْعَدُوَّ أَوْ عَكْسُهُ، سَوَاءٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ بِأَنْ كَانَ غَافِلًا حَتَّى قَتَلَهُ الْعَدُوُّ، أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ بِظَنِّهِ كَافِرًا، أَوْ دَاسَتْهُ الْخَيْلُ، أَوْ رَجَعَ بِسَيْفِهِ عَلَيْهِ، أَوْ سَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ، أَوْ حَمَلَ عَلَى الْعَدُوِّ فَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ، رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ.
(وَ) كَمَا لَا يُغَسَّلُ (لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) لِقَوْلِ خَلِيلٍ وَتَلَازُمًا؛ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ شَفَاعَةٌ لِأَصْحَابِ الذُّنُوبِ وَالشَّهِيدُ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا لِرَفْعِ دَرَجَتِهِ وَكَثْرَةِ ثَوَابِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ طَلَبِ تَغْسِيلِهِ قَوْلُهُ ﷺ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: «زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ فَإِنِّي قَدْ شَهِدْت عَلَيْهِمْ وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» وَفِي رِوَايَةٍ: «زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَنْ كَلْمٍ وَيُكْلَمُ فِي اللَّهِ إلَّا هُوَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ» . فَإِنْ قِيلَ: لِمَ غُسِّلَتْ الْأَنْبِيَاءُ وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ أَكْمَلُ مِنْ الشُّهَدَاءِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ حُرْمَةَ غُسْلِ الشُّهَدَاءِ مَزِيَّةٌ وَهِيَ لَا تَقْضِي الْأَفْضَلِيَّةَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّيْطَانَ إذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَدْبَرَ وَلَهُ ضُرَاطٌ، وَإِذَا شَرَعَ الشَّخْصُ فِي الصَّلَاةِ يُقْبِلُ عَلَيْهِ وَيُوَسْوِسُ لَهُ، مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ أَعْظَمُ مِنْ الْأَذَانِ، وَأَيْضًا الشَّهِيدُ إنَّمَا حُذِّرَ مِنْ تَغْسِيلِهِ اسْتِبْقَاءً لِلدَّمِ لِيَشْهَدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى حُرْمَةِ تَغْسِيلِ الشُّهَدَاءِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَتَلَهُ كَافِرٌ مَعَ أَنَّهُ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَاتِلَ عُمَرَ ﵁ غَيْرُ حَرْبِيٍّ بَلْ رَقِيقٌ نَصْرَانِيٌّ يَلْزَمُ قَاتِلَهُ قِيمَتُهُ.
وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: فِي الْمُعْتَرَكِ عَنْ شَهِيدِ الْآخِرَةِ كَالْغَرِيقِ وَالْمَبْطُونِ وَالْغَرِيبِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ شُهَدَاءِ الْآخِرَةِ فَإِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ، وَسُمِّيَ الشَّهِيدُ شَهِيدًا؛ لِأَنَّ رُوحَهُ شَهِدَتْ دَارَ السَّلَامِ وَدَخَلَتْهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، بِخِلَافِ رُوحِ غَيْرِهِ لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ صَاحِبِهَا وَهُوَ بَعْدَ الْقِيَامَةِ وَالصِّرَاطِ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ كُلًّا مِنْ شَهِيدِ الْحَرْبِ وَالْآخِرَةِ لَا يُسْأَلُ. (وَ) يَجِبُ أَنْ (يُدْفَنَ بِثِيَابِهِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَدُفِنَ بِثِيَابِهِ إنْ سَتَرَتْهُ وَإِلَّا زِيدَ بِخُفٍّ وَقَلَنْسُوَةٍ وَمِنْطَقَةٍ قَلَّ ثَمَنُهَا وَخَاتَمٍ قَلَّ فَصُّهُ لَا دِرْعٍ وَسِلَاحٍ لِقَوْلِهِ ﷺ : «زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ بِكُلُومِهِمْ» .
(وَ) يَجِبُ أَنْ (يُصَلَّى عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّ عِصْيَانَهُ بِقَتْلِ نَفْسِهِ لَا يُسْقِطُ طَلَبَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَا دَامَ مُسْلِمًا.
(وَ) كَذَا يَجِبُ أَنْ (يُصَلَّى عَلَى مَنْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ فِي حَدٍّ) مُوجِبٍ لِلْقَتْلِ كَرَجْمٍ أَوْ حِرَابَةٍ أَوْ تَرْكِ صَلَاةٍ كَسَلًا. (أَوْ) قَتَلَهُ فِي (قَوَدٍ) لِقَتْلِهِ مُكَافِئًا لَهُ لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِ الْجَمِيعِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَيْ وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» . وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الَّذِي يُبَاشِرُ الصَّلَاةَ عَلَى أَرْبَابِ الْمَعَاصِي غَيْرُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ) أَيْ مَنْ ذُكِرَ مِنْ قَاتِلِ نَفْسِهِ وَمَا بَعْدَهُ (الْإِمَامُ) وَلَا غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْمُرَادُ يُكْرَهُ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَصَلَاةُ فَاضِلٍ عَلَى بِدْعِيٍّ أَوْ مُظْهِرِ كَبِيرَةٍ، وَالْإِمَامِ عَلَى مَنْ حَدُّهُ الْقَتْلُ بِحَدٍّ أَوْ قَتْلٍ وَإِنْ تَوَلَّاهُ النَّاسُ دُونَهُ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ فَتَرَدَّدَ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ وَلَا تُعَادُ مَرْضَاهُمْ وَلَا تُشْهَدُ جَنَائِزُهُمْ أَدَبًا لَهُمْ، فَإِنْ خِيفَ ضَيْعَتُهُمْ غُسِّلُوا وَكُفِّنُوا وَصَلَّى عَلَيْهِمْ غَيْرُ أَهْلِ الْفَضْلِ، وَإِنَّمَا أُفْرِدَ الْإِمَامُ بِالذِّكْرِ مَعَ عَدَمِ قَصْرِ الْكَرَاهَةِ عَلَيْهِ لِلرَّدِّ عَلَى ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي قَوْلِهِ بِجَوَازِ صَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَيِّتِ بِالرَّجْمِ مُحْتَجًّا «بِأَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ» ، وَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يُصَلِّ عَلَى مَنْ ذُكِرَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ قُتِلَ فِي تَعْزِيرٍ أَوْ فِي حَدٍّ غَيْرِ الْقَتْلِ لَا تُكْرَهُ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَلَا مَنْ فِي حُكْمِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُشْتَهِرًا بِالْمَعَاصِي، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ مِنْ الْإِمَامِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى عَدَمِ صَلَاتِهِمْ تَرْكُ الصَّلَاةِ جُمْلَةً عَلَى مَنْ ذُكِرَ، وَإِلَّا وَجَبَتْ صَلَاتُهُ حَتَّى الْفَاضِلُ لِوُجُوبِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى كُلِّ مَحْكُومٍ لَهُ بِالْإِسْلَامِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَعْضِ الْمَكْرُوهَاتِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُتْبَعُ الْمَيِّتُ بِمِجْمَرٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُكْرَهُ اتِّبَاعُ الْمَيِّتِ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ الْجَمْرُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَنَا بِالْمِبْخَرَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ النَّصَارَى.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِتْبَاعُهُ بِنَارٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ: «لَا يُتْبَعُ الْمَيِّتُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ» قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: فَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ فَكَرَاهَةٌ ثَانِيَةٌ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ زَائِدَةٌ عَنْ التَّرْجَمَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَالْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ) فِي حَالِ الذَّهَابِ إلَى الصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ (أَفْضَلُ) مِنْ الْمَشْيِ خَلْفَهَا لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ»
стр. 289
بِك وَخَلَّفَ الدُّنْيَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَافْتَقَرَ إلَى مَا عِنْدَك اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقَهُ وَلَا تَبْتَلِهِ فِي قَبْرِهِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ وَأَلْحِقْهُ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ
وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقُبُورِ وَتَجْصِيصُهَا
وَلَا يُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْكَافِرَ وَلَا
ــ
[الفواكه الدواني]
وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ؛ وَلِأَنَّهُ شَافِعٌ وَحَقُّ الشَّافِعِ أَنْ يَتَقَدَّمَ، فَالْمَاشِي أَمَامَهَا مُحَصِّلٌ لِفَضِيلَتَيْنِ الْمَشْيِ وَالتَّقَدُّمِ، وَيُكْرَهُ الرُّكُوبُ إلَّا بَعْدَ الدَّفْنِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ الْمَاشِينَ، وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالرَّاكِبُونَ فَالْمَنْدُوبُ فِي حَقِّهِمْ التَّأَخُّرُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمَشْيُ مُشَيِّعٍ وَإِسْرَاعُهُ وَتَقَدُّمُهُ وَتَأَخُّرُ، رَاكِبٍ وَامْرَأَةٍ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ الْإِسْرَاعُ بِالْجِنَازَةِ لِخَبَرِ: «أَسْرِعُوا بِجَنَائِزِكُمْ فَإِنَّمَا هُوَ خَيْرٌ تُقَدِّمُونَهُمْ إلَيْهِ وَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» . وَنَدْبُ الْإِسْرَاعِ لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي الْمَشْيِ بِجَنَائِزِكُمْ» ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْرَاعِ مَا فَوْقَ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ دُونَ الْخَبَبِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْقَصْدِ.
١ -
(تَنْبِيهٌ) : الَّذِي يُطْلَبُ مِنْهُ الْخُرُوجُ لِتَشْيِيعِ الْجَنَائِزِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا هُمْ الرِّجَالُ وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ قَرِيبٍ وَأَجْنَبِيٍّ، وَأَمَّا النِّسَاءُ الْمَخْشِيَّاتُ الْفِتْنَةَ فَلَا يَحِلُّ خُرُوجُهُنَّ وَلَوْ لِجِنَازَةِ وَلَدٍ أَوْ زَوْجٍ، وَأَمَّا الشَّابَّةُ غَيْرُ الْمَخْشِيَّةِ فَتَخْرُجُ لِجِنَازَةِ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهَا فَقْدُهُ كَابْنِهَا وَزَوْجِهَا وَأَخِيهَا وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ.
[صِفَةِ وَضْعِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ وَضْعِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُجْعَلَ الْمَيِّتُ) أَيْ يُضْجَعَ (فِي قَبْرِهِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ، وَتُحَلُّ عُقَدُ كَفَنِهِ، وَتُمَدُّ يَدُهُ الْيُمْنَى عَلَى جَسَدِهِ، وَيُعْدَلُ رَأْسُهُ بِالتُّرَابِ وَرِجْلَاهُ بِرِفْقٍ، وَيُجْعَلُ التُّرَابُ خَلْفَهُ وَأَمَامَهُ لِئَلَّا يَنْقَلِبَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَضْعُهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ فَعَلَى ظَهْرِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِوَجْهِهِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَضُجِعَ فِيهِ عَلَى أَيْمَنَ مُقْبِلًا وَتُدُورِكَ إنْ خُولِفَ بِالْحَضْرَةِ، وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي قَبْرِهِ بَلْ مَيِّتُ الْبَحْرِ إنْ لَمْ يُرْجَ الْبُرْءُ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُرْمَى عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُثَقَّلُ بِشَيْءٍ فِي رِجْلَيْهِ أَوْ لَا قَوْلَانِ.
(تَنْبِيهٌ) هَذَا كُلُّهُ فِي الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ يَمُوتُ وَخِفْنَا عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ لِعَدَمِ كَافِرٍ يُوَارِيه فَيَجِبُ عَلَيْنَا مُوَارَاتُهُ وَلَا يُسْتَقْبَلُ بِهِ قِبْلَتَنَا وَلَا قِبْلَتَهُ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُنْصَبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهُوَ الطُّوبُ النِّيءُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَسَدُّهُ بِلَبِنٍ ثُمَّ لَوْحٍ ثُمَّ قُرْمُودٍ ثُمَّ آجُرٍّ ثُمَّ قَصَبٍ، وَسَتْرُهُ بِالتُّرَابِ أَوْلَى مِنْ التَّابُوتِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا وَرَدَ " مِنْ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْحَدَ ابْنَهُ إبْرَاهِيمَ وَنَصَبَ اللَّبِنَ عَلَى لَحْدِهِ» وَفَعَلَ بِهِ ﵊ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَهُوَ أَفْضَلُ مَا يَسُدُّهُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ خَلَا التُّرَابَ فَالسَّدُّ بِهِ وَصَبُّهُ عَلَى الْمَيِّتِ أَفْضَلُ مِنْ وَضْعِهِ فِي التَّابُوتِ وَهُوَ الْخَشَبَةُ الَّتِي تُوضَعُ كَالصُّنْدُوقِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ لِلْوَاضِعِ لِلْمَيِّتِ فِي حَالِ إضْجَاعِهِ لَهُ أَنْ (يَقُولَ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ سَدِّ الْقَبْرِ عَلَيْهِ (اللَّهُمَّ إنَّ صَاحِبَنَا قَدْ نَزَلَ بِك) ضَيْفًا (وَخَلَّفَ) بِشَدِّ اللَّامِ أَيْ تَرَكَ (الدُّنْيَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَافْتَقَرَ إلَى مَا عِنْدَك) مِنْ الرَّحْمَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدِمَ وَحِيدًا فَرِيدًا وَإِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مُتَعَزِّزًا بِقَوْمِهِ وَمَالِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ صَغِيرًا أَوْ أَبًا (اللَّهُمَّ ثَبِّتْ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَشَدِّهَا (عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ) أَيْ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ (مَنْطِقَهُ) أَيْ نُطْقَهُ وَالْمَعْنَى: أَسْأَلُك يَا رَبِّ أَنْ تُعْطِيَ هَذَا الْمَيِّتَ قُوَّةً عَلَى فَهْمِ وَرَدِّ جَوَابِ الْمَلَكَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْأَلَانِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بَعْدَ إقْعَادِهِ وَرَدِّ الْحَيَاةِ فِي جَمِيعِهِ وَقِيلَ نِصْفِهِ الْأَعْلَى وَإِعْطَائِهِ مِنْ الْعَقْلِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفَهْمُ، وَالْحَالُ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِ الْحَاضِرِينَ لِلدَّفْنِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وَالْمُرَادُ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْآخِرَةِ وَقْتُ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ فِي الْقَبْرِ كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي الْعَقِيدَةِ. (وَلَا تَبْتَلِهِ) أَيْ لَا تَخْتَبِرْهُ (فِي قَبْرِهِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ) أَيْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى رَدِّ جَوَابِهِ لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ صِفَةَ السُّؤَالِ مُخْتَلِفَةٌ بِالصُّعُوبَةِ وَالسُّهُولَةِ. (وَأَلْحِقْهُ بِنَبِيِّهِ ﷺ ) أَيْ اجْعَلْهُ فِي جِوَارِهِ وَمَشْمُولًا بِشَفَاعَتِهِ، وَاخْتَارَ هَذَا الدُّعَاءَ؛ لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ لَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ دُونَ غَيْرِهِ، إذْ قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ يَقُولُ: «بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْهُ بِأَحْسَنِ قَبُولٍ» .
قَالَ الْإِمَامُ أَشْهَبُ: عَقِبَ هَذَا الدُّعَاءِ إنْ دَعَا بِغَيْرِهِ فَحَسَنٌ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الدُّعَاءِ مِمَّا زَادَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى خَلِيلٍ فَرَحِمَ اللَّهُ الْجَمِيعَ
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى دَفْنِ الْمَيِّتِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حُكْمِ إظْهَارِ قَبْرِهِ فَقَالَ: (وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقُبُورِ) وَكَذَا تَحْوِيزُ مَوَاضِعِهَا بِالْبِنَاءِ حَوْلَهَا؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ، وَإِنَّمَا صَدَرَ مِنْهُ ﷺ أَنَّهُ «وَضَعَ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ حَجَرًا عِنْدَ رَأْسِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَقَالَ: أُعَلِّمُ بِهِ قَبْرَ أَخِي وَأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِهِ» وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ لِلْبِنَاءِ إذَا عَرَى قَصْدُ الْمُبَاهَاةِ وَإِلَّا حَرُمَ، كَمَا إذَا كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ كَصَيْرُورَتِهِ مَأْوًى لِلُّصُوصِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَمَحِلُّهَا أَيْضًا إذَا كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْبَانِي أَوْ مُبَاحَةٍ كَمَوَاتٍ، وَأَمَّا فِي أَرْضٍ مُحْبَسَةٍ فَحَرَامٌ كَالْقَرَافَةِ بِمِصْرَ، وَمَحَلُّهَا أَيْضًا مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ مُجَرَّدَ تَمْيِيزِ الْقَبْرِ وَإِلَّا جَازَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ لِلتَّمْيِيزِ، قَالَ شُرَّاحُهُ: أَيْ الْبِنَاءُ أَوْ التَّجْوِيزُ، كَمَا يَجُوزُ وَضْعُ خَشَبَةٍ أَوْ
стр. 290
يُدْخِلُهُ قَبْرَهُ إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَضِيعَ فَلْيُوَارِهِ
وَاللَّحْدُ أَحَبُّ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الشَّقِّ وَهُوَ أَنْ يَحْفِرَ لِلْمَيِّتِ تَحْتَ الْجَرْفِ فِي حَائِطِ قِبْلَةِ الْقَبْرِ وَذَلِكَ إذَا كَانَتْ تُرْبَةً صَلْبَةً لَا تَتَهَيَّلُ وَلَا تَتَقَطَّعُ وَكَذَلِكَ فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ــ
[الفواكه الدواني]
حَجَرٍ عَلَيْهِ بِلَا نَقْشٍ وَإِلَّا كُرِهَ إلَّا أَنْ يَكُونَ النَّقْشُ بِقُرْآنٍ فَتَظْهَرُ الْحُرْمَةُ خَوْفَ الِامْتِهَانِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْقَبْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ، وَهِيَ فِي الْبِنَاءِ عَلَى خُصُوصِ الْقَبْرِ؛ لِأَنَّهُ حَبْسٌ عَلَى الْمَيِّتِ، وَأَمَّا الْقُبَبُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يُضْرَبُ عَلَى الْقَبْرِ فَلَا شَكَّ فِي حُرْمَتِهَا فِي الْأَرْضِ الْمُحْبَسَةِ عَلَى دَفْنِ الْأَمْوَاتِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّحْجِيرِ عَلَى مَا هُوَ حَقٌّ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَ) كَمَا يُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقُبُورِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ يُكْرَهُ (تَجْصِيصُهَا) أَيْ تَبْيِيضُهَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ لَنَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ «نَهْيِهِ ﵊ عَنْ تَجْصِيصِ الْقَبْرِ وَالْبِنَاءِ عَلَيْهِ» ، وَمَا وَرَدَ أَيْضًا مِنْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَكُونُ عَلَى الْقَبْرِ تَسْتَغْفِرُ لِصَاحِبِهِ مَا لَمْ يُجَصَّصْ فَإِنْ جُصِّصَ تَرَكُوا الِاسْتِغْفَارَ، وَعَلَى هَذَا كُلِّهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ عَاطِفًا عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَتَطْيِينُ قَبْرٍ وَتَبْيِيضُهُ وَبِنَاءٌ عَلَيْهِ وَتَحْوِيزٌ فَإِنْ بُوهِيَ بِهِ حَرُمَ، وَجَازَ لِلتَّمْيِيزِ كَحَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ بِلَا نَقْشٍ إلَّا كُرِهَ،
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ حُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ وُجُوبُ مُوَارَاةِ الْأَبِ عَلَى وَلَدِهِ الْمُسْلِمِ وَلَوْ كَانَ أَبُوهُ كَافِرًا وَتَغْسِيلُهُ قَالَ: (وَلَا يُغَسِّلُ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ (الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْكَافِرَ) وَأَوْلَى غَيْرُ الْأَبِ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ (وَلَا يُدْخِلُهُ قَبْرَهُ) ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْبِرِّ سَقَطَ بِمَوْتِهِ وَقَبْرُهُ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ بَلْ يَتْرُكُهُ إلَى أَهْلِ دِينِهِ (إلَّا أَنْ يَخَافَ) عَلَيْهِ (أَنْ يَضِيعَ) بِتَرْكِ مُوَارَاتِهِ (فَلْيُوَارِهِ) وُجُوبًا بِكَفْنِهِ وَدَفْنِهِ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْمَعَرَّةِ وَلَا يَسْتَقْبِلُ بِهِ قِبْلَتَنَا وَلَا قِبْلَتَهُ، وَالنَّهْيُ عَمَّا ذُكِرَ لِلتَّحْرِيمِ، وَالْكَافِرُ يَتَنَاوَلُ الْحَرْبِيَّ خِلَافًا لِبَعْضٍ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا وَرَدَ «أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا مَاتَ جَاءَ وَلَدُهُ عَلِيٌّ ﵁ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: اذْهَبْ فَوَارِهِ» ، وَالْمَقَامُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَأْمُرْهُ بِمُوَارَاتِهِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ مَنْ يُبَاشِرُ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْكَافِرَ غَيْرَ الْقَرِيبِ لَا تَجِبُ مُوَارَاتُهُ عِنْدَ خَوْفِ ضَيْعَتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ وُجُوبُ مُوَارَاتِهِ عِنْدَ خَوْفِ الضَّيْعَةِ عَلَيْهِ عَامٌّ حَتَّى فِي الْأَجْنَبِيِّ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ وَغَيْرَهُ كَخَلِيلٍ حَيْثُ قَالَ: وَلَا يُغَسِّلُ مُسْلِمٌ أَبًا كَافِرًا وَلَا يُدْخِلُهُ قَبْرَهُ إلَّا أَنْ يَضِيعَ فَلْيُوَارِهِ إنَّمَا نَصَّ الْمُتَوَهِّمُ فَلَا يُنَافِي أَنَّ غَيْرَهُ كَذَلِكَ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَبَ إذَا كَانَتْ مُوَارَاتُهُ لَا تَجِبُ إلَّا عِنْدَ خَوْفِ الضَّيْعَةِ فَالْأَجْنَبِيُّ أَحْرَى؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ مُوَارَاةِ الْآدَمِيِّ فَافْهَمْ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْأَفْضَلِ فِي مَحَلِّ الدَّفْنِ فَقَالَ (وَاللَّحْدُ أَحَبُّ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الشَّقِّ) بِفَتْحِ الشِّينِ، وَإِنَّمَا كَانَ اللَّحْدُ أَحَبَّ لِخَبَرِ: «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» وَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَهُ لِنَبِيِّهِ ﵊ لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ «كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَلْحَدُ وَالْآخَرُ يَشُقُّ فَقَالَتْ الصَّحَابَةُ: أَيُّهُمَا جَاءَ يَعْمَلُ عَمَلَهُ فَجَاءَ الَّذِي يَلْحَدُ فَلَحَدَ الْمُصْطَفَى ﷺ » وَأَفْعَلُ التَّفْضِيل لَيْسَ عَلَى بَابِهِ كَمَا تَقْتَضِيه الْأَدِلَّةُ، وَفَسَّرَ اللَّحْدَ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ أَنْ يُحْفَرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (لِلْمَيِّتِ تَحْتَ الْجُرْفِ فِي حَائِطِ قِبْلَةِ الْقَبْرِ) أَيْ فِي جَانِبِ الْحَائِطِ الْكَائِنِ فِي الْقِبْلَةِ. (وَذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ أَحَبِّيَّةِ اللَّحْدِ عَلَى الشَّقِّ (إذَا كَانَتْ) الْمَقْبَرَةُ (تُرْبَةً صَلْبَةً) أَيْ (تَتَهَيَّلُ) كَالرَّمْلِ (وَ) لَا (تَتَقَطَّعُ) أَيْ تَسْقُطُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَإِلَّا كَانَ الشَّقُّ أَفْضَلَ، وَحَقِيقَتُهُ أَنْ يَحْفِرَ حُفْرَةً فِي وَسَطِ الْقَبْرِ وَيَبْنِيَ جَانِبَاهَا بِاللَّبِنِ أَوْ غَيْرِهِ وَيُوضَعُ الْمَيِّتُ فِيهَا وَيُسَدُّ عَلَيْهِ بِاللَّبِنِ فَوْقَ الْجَانِبَيْنِ كَالسَّقْفِ بِحَيْثُ لَا يَمَسُّ الْمَيِّتَ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَلِأَجْلِ فَضْلِ اللَّحْدِ (فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) . (خَاتِمَةٌ) لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ غَايَةَ الْقَبْرِ وَبَيَّنَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَأَقَلُّهُ مَا مَنَعَ رَائِحَتَهُ وَحَرَسَهُ، وَيُسْتَحَبُّ عَدَمُ عُمْقِهِ وَكَوْنُهُ فِي أَرْضٍ غَيْرِ سَبْخَةٍ لِسُرْعَةِ الْبَلَاءِ فِيهَا، وَاَلَّتِي لَا تُبْلَى أَفْضَلُ عِنْدَنَا مِنْ غَيْرِهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵁.
[بَاب فِي الصَّلَاة عَلَى الْجَنَائِز وَالدُّعَاء لِلْمَيِّتِ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْغُسْلِ وَالْكَفَنِ شَرَعَ فِيمَا يَكُونُ بَعْدَهُمَا وَهُوَ الصَّلَاةُ بِقَوْلِهِ:
стр. 291
بَابٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ
وَالتَّكْبِيرُ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي أُولَاهُنَّ وَإِنْ رَفَعَ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فَلَا بَأْسَ
وَإِنْ شَاءَ دَعَا بَعْدَ
ــ
[الفواكه الدواني]
(بَابٌ فِي) كَيْفِيَّةِ (الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ اتِّفَاقًا وَهُوَ جَمْعُ جِنَازَةٍ بِكَسْرِهَا عَلَى الْأَفْصَحِ؛ لِأَنَّ فَعَالَةَ بِالْفَتْحِ أَوْ الْكَسْرِ أَوْ الضَّمِّ تُجْمَعُ عَلَى فَعَائِلَ بِفَتْحِ الْفَاءِ.
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَبِفَعَائِلَ اجْمَعْنَ فَعَاله وَشِبْهُهُ ذَا تَاءٍ أَوْ مُزَالَهُ كَسَحَابَةٍ وَرِسَالَةٍ وَكُنَاسَةٍ وَعَجُوزٍ وَصَحِيفَةٍ، فَهَذِهِ كُلُّهَا تُجْمَعُ عَلَى فَعَائِلَ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَتُطْلَقُ عَلَى الْمَيِّتِ وَحْدَهُ وَعَلَى النَّعْشِ وَعَلَى الْمَيِّتِ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا خُصُوصُ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُصَلَّى عَلَيْهِ.
(وَ) فِي ذِكْرِ (الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ) وَاسْتَشْكَلَ ذِكْرُ الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهُ بَعْضُهَا؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى نِيَّةٍ وَتَكْبِيرٍ وَدُعَاءٍ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ وَسَلَامٍ وَقِيلَ وَقِيَامٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذِكْرَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ وَهُوَ جَائِزٌ، وَلَيْسَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ كَمَا لَا يَخْفَى، وَلَا يُقَالُ: كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَالدُّعَاءُ لَهَا بَدَلُ قَوْلِهِ لِلْمَيِّتِ لِيَكُونَ الضَّمِيرُ مُطَابِقًا لِلْجَنَائِزِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا جَمْعًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَمَّا كَانَتْ الْجَنَائِزُ تُطْلَقُ عَلَى الْأَمْوَاتِ فَقَطْ وَعَلَى النُّعُوشِ وَالْأَمْوَاتِ عَلَيْهَا رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ عَلَى بُعْدِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى النُّعُوشِ مَعَ الْأَمْوَاتِ، مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْأَمْوَاتِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ عَلَى نُعُوشٍ، وَأَفْرَدَ الْمَيِّتَ إشَارَةً إلَى أَنَّ أَلْ فِي الْجَنَائِزِ لِلْجِنْسِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ جُمَلٍ أَنَّ حُكْمَ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقِيلَ سُنَّةٌ، وَدَلِيلُ الْفَرِيضَةِ مَفْهُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] بِنَاءً عَلَى أَنَّ الَّذِي يُفِيدُهُ الْمَفْهُومُ ضِدُّ الْحُكْمِ الْمَنْطُوقِ وَهُوَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
(تَنْبِيهَانِ) : الْأَوَّلُ: لَمْ يُنَبِّهْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ إمَامًا، وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَالْأَوْلَى بِالصَّلَاةِ وَصِيٌّ رُجِيَ خَيْرُهُ، ثُمَّ الْخَلِيفَةُ لَا فَرْعُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ خُطْبَةٍ، ثُمَّ أَقْرَبُ الْعَصَبَةِ كَالنِّكَاحِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَالثَّانِي: شُرُوطُهَا كَشُرُوطِ الصَّلَاةِ ذَاتِ الْأَرْكَانِ، وَلَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ غُسِّلَ أَوْ يُمِّمَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ، وَتَجِبُ قَبْلَ دَفْنِهِ فَإِنْ دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَيُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ حَيْثُ لَمْ يُتَيَقَّنْ ذَهَابُهُ وَلَوْ بِأَكْلِ السَّبُعِ كَمَا تَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَلَا تُشْتَرَطُ فِيهَا جَمَاعَةٌ بَلْ تُسْتَحَبُّ فَقَطْ، وَإِذَا حَصَلَ لِلْإِمَامِ مُوجِبُ الِاسْتِخْلَافِ اسْتَخْلَفَ، وَإِذَا ذَكَرَ فَائِتَةً تَمَادَى عَلَيْهَا لِسُهُولَةِ أَمْرِهَا، وَطَلَبُ الْإِسْرَاعِ بِالْجَنَائِزِ وَأَرْكَانِهَا الْمُتَّفِقِ عَلَيْهَا أَرْبَعَةٌ: النِّيَّةُ وَالتَّكْبِيرُ وَالدُّعَاءُ بَعْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَلَوْ مِنْ الْمَأْمُومِ وَتَسْلِيمَةٌ خَفِيفَةٌ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ الْقِيَامُ إلَّا لِعُذْرٍ، فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهَا مِنْ جُلُوسٍ أَوْ رُكُوبٍ اخْتِيَارًا أُعِيدَتْ، هَكَذَا قَالَهُ عِيَاضٌ وَابْنُ الْحَاجِّ وَزَرُّوقٌ وَالْقَرَافِيُّ وَسَنَدٌ بِنَاءً عَلَى فَرْضِيَّتِهَا،
وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَذْكُرْ مِنْ تِلْكَ الْأَرْكَانِ إلَّا التَّكْبِيرَ وَالدُّعَاءَ وَالسَّلَامَ حَيْثُ قَالَ: (وَ) عَدَدُ (التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ) عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ وَلَوْ مَأْمُومًا، وَتُمْنَعُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَرْبَعِ كَمَا قَالَهُ عِيَاضٌ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ. فِي زَمَنِ عُمَرَ عَلَى أَرْبَعٍ، وَاسْتَقَرَّ فِعْلُهُ ﵊ عَلَى الْأَرْبَعِ، وَمَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ، فَلَوْ زَادَ الْإِمَامُ عَلَى الْأَرْبَعِ لَمْ يَنْظُرْهُ مَأْمُومُهُ بَلْ يُسَلِّمُ قَبْلَهُ سَوَاءٌ زَادَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَسَوَاءٌ كَانَ يَرَى الزِّيَادَةَ مَذْهَبًا أَمْ لَا، وَأَمَّا لَوْ نَقَصَ الْإِمَامُ فَإِنْ كَانَ عَامِدًا فَالظَّاهِرُ بُطْلَانُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ تَبَعًا لِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ وَلَوْ أَتَى الْمَأْمُومُ بِالرَّابِعَةِ، وَأَمَّا لَوْ نَقَصَ الْإِمَامُ سَاهِيًا سَبَّحَ لَهُ الْمَأْمُومُ فَإِذَا لَمْ يَرْجِعْ كَمَّلَ صَلَاتَهُ، وَتَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ إذَا سَلَّمَ وَطَالَ إلَّا أَنْ تَذَكَّرَ بِالْقُرْبِ فَيَبْنِي بِأَنْ يَرْجِعَ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ يُكْمِلُهَا بِتَكْبِيرِ الرَّابِعَةِ إنْ سَلَّمَ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَمِثْلُهُ الْمُنْفَرِدُ يُسَلِّمُ بَعْدَ تَكْبِيرَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، وَلَا يَتَأَتَّى هُنَا سُجُودُ سَهْوٍ فِي زِيَادَةِ كَلَامٍ أَوْ سَلَامٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ فِي ذَاتِ
стр. 292
الْأَرْبَعِ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ مَكَانَهُ
وَيَقِفُ الْإِمَامُ فِي الرَّجُلِ عِنْدَ وَسَطِهِ وَفِي الْمَرْأَةِ عِنْدَ مَنْكِبَيْهَا
وَالسَّلَامُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ خَفِيَّةٌ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ
وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ قِيرَاطٌ مِنْ الْأَجْرِ وَقِيرَاطٌ فِي حُضُورِ دَفْنِهِ وَذَلِكَ التَّمَثُّلُ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدِ ثَوَابًا
وَيُقَالُ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ غَيْرُ شَيْءٍ مَحْدُودٍ وَذَلِكَ كُلُّهُ وَاسِعٌ وَمِنْ
ــ
[الفواكه الدواني]
الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. (وَ) يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ (يَرْفَعَ يَدَيْهِ فِي أُولَاهُنَّ) أَيْ التَّكْبِيرَاتِ (وَإِنْ رَفَعَ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فَلَا بَأْسَ) بِهِ إذْ غَايَةُ مَا حَصَلَ مِنْهُ تَرْكُ الْمَنْدُوبِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ الرَّفْعُ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فَلَا بَأْسَ لِمَا غَيْرُهُ أَفْضَلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الرَّاجِحَ الْأَوَّلُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَرَفَعَ يَدَيْهِ فِي أُولَاهُنَّ.
١ -
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: قَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: اُخْتُلِفَ هَلْ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى إحْرَامٌ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ لَا إحْرَامَ لَهَا؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى لَمْ يَجُزْ إدْخَالُهَا فِي الصَّلَاةِ بَلْ يَسْتَأْنِفُ لَهَا صَلَاةً بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ الْأُولَى، فَقَدْ قَالَ فِي التَّهْذِيبِ: لَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ ثَانِيَةٌ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى وَالشُّرُوعِ فِي الدُّعَاءِ فَلَا يُشْرِكُ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ مَعَ الْأُولَى فِي الدُّعَاءِ، وَقِيلَ يَجُوزُ إدْخَالُهَا فِي الدُّعَاءِ مَعَ الْأُولَى، وَنَقَلَهُ الزَّنَاتِيُّ فِي شَرْحِهِ لِهَذَا الْكِتَابِ، وَلَعَلَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ جَوَازِ إدْخَالِهَا، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ لَهَا صَلَاةً مُسْتَقِلَّةً وَهُوَ كَلَامُ التَّهْذِيبِ.
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ النِّيَّةَ وَهِيَ أَحَدُ أَرْكَانِهَا، وَلَعَلَّهُ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ رُكْنِيَّتَهَا ضَرُورِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَعْمَالِ وَصِحَّتُهَا بِالنِّيَّةِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَرُكْنُهَا النِّيَّةُ وَأَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ وَالدُّعَاءُ وَتَسْلِيمَةٌ خَفِيفَةٌ وَسَمْعُ الْإِمَامِ مَنْ يَلِيه وَصَبْرُ الْمَسْبُوقِ لِلتَّكْبِيرِ، وَدَعَا إنْ تُرِكَتْ وَإِلَّا وَالَى، وَالْمُصَنِّفُ أَشَارَ إلَى الدُّعَاءِ فِيمَا يَأْتِي عِنْدَ بَيَانِ صِفَةِ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ: وَيُقَالُ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ بِغَيْرِ شَيْءٍ مَحْدُودٍ، وَصِفَةُ النِّيَّةِ أَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ الصَّلَاةَ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ الْحَاضِرِ مَعَ اسْتِحْضَارِ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِنْ غَفَلَ عَنْ هَذَا الْأَخِيرِ لَمْ يَضُرَّ وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ كَمَا تَصِحُّ لَوْ صَلَّى عَلَيْهَا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهَا أُنْثَى فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا ذَكَرٌ أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ أَنَّهَا فُلَانٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الشَّخْصُ الْحَاضِرُ بَيْنَ يَدَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ فِي النَّعْشِ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَاعْتَقَدَ أَنَّ مَا فِيهِ وَاحِدٌ فَإِنَّهَا تُعَادُ عَلَى الْجَمِيعِ حَيْثُ كَانَ الْوَاحِدُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَإِلَّا أُعِيدَتْ عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي نَوَاهُ، وَأَمَّا لَوْ نَوَى وَاحِدًا بِعَيْنِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَلَيْسَ فِيهِمَا أَوْ فِيهِمْ مَنْ عَيَّنَهُ فَإِنَّهَا تُعَادُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَأَمَّا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ فِي النَّعْشِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ جَمَاعَةٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ صَحَّتْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ أَوْ الِاثْنَيْنِ بَعْضُ الْجَمَاعَةِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الدُّعَاءَ وَاجِبٌ بَعْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَلَوْ عَلَى الْمَأْمُومِ فَلَيْسَ كَقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ خَلْفَ الْإِمَامِ بَلْ تُعَادُ الصَّلَاةُ لِتَرْكِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ شَافِعٌ مَطْلُوبٌ بِالدُّعَاءِ،
وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ شَاءَ) الْمُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ (دَعَا بَعْدَ الْأَرْبَعِ) تَكْبِيرَاتٍ بِمَا كَانَ يَدْعُو بِهِ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ أَوْ بِغَيْرِهِ (ثُمَّ يُسَلِّمُ وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ مَكَانَهُ) مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الدُّعَاءَ فِيهَا كَالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَكَمَا لَا قِرَاءَةَ بَعْدَ رُكُوعِ الرَّابِعَةِ مَثَلًا لَا دُعَاءَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ هُنَا وَمُقَابِلُهُ يَدْعُو وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ، قَالَ خَلِيلٌ: وَدَعَا بَعْدَ الرَّابِعَةِ عَلَى الْمُخْتَارِ.
(وَ) صِفَةُ الْوُقُوفِ الْمَنْدُوبِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَنْ (يَقِفَ الْإِمَامُ) وَمِثْلُهُ الْمُنْفَرِدُ (فِي) الصَّلَاةِ عَلَى (الرَّجُلِ عِنْدَ وَسَطِهِ وَفِي) الصَّلَاةِ عَلَى (الْمَرْأَةِ عِنْدَ مَنْكِبَيْهَا) قَالَهُ خَلِيلٌ: وَوُقُوفُ إمَامٍ بِالْوَسَطِ وَمَنْكِبَيْ الْمَرْأَةِ كَمَا تَقِفُ الْمَرْأَةُ فِي صَلَاتِهَا عَلَيْهِ لِئَلَّا يَتَذَكَّرَ كُلٌّ إنْ وَقَفَ عِنْدَ وَسَطِ الْمَيِّتِ مَا يَشْغَلُهُ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَى هَذَا مَا فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ وَوَقَفَ عِنْدَ وَسَطِهَا» لِعِصْمَتِهِ ﷺ عَنْ قَصْدِ مَا يَشْغَلُهُ، وَأَمَّا وُقُوفُ الْمَأْمُومِ فَعَلَى صِفَةِ وُقُوفِهِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ كَالصَّلَاةِ عَلَى الرَّجُلِ، وَكَذَا وُقُوفُهُ عِنْدَ صَلَاتِهِ مُنْفَرِدًا عَلَى جِنَازَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ إذَا صَلَّتْ عَلَى امْرَأَةٍ فَتَقِفُ حَيْثُ شَاءَتْ، وَيُسْتَحَبُّ جَعْلُ رَأْسِ الْمَيِّتِ عَلَى يَمِينِ الْمُصَلِّي إلَّا فِيمَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ فَإِنَّهُ يُجْعَلُ رَأْسُ الْمَيِّتِ عَلَى يَسَارِهِ لِتَكُونَ رِجْلَاهُ لِغَيْرِ جِهَةِ قَبْرِهِ ﵊؛ لِأَنَّ الَّذِي يُصَلِّي فِي الرَّوْضَةِ يَصِيرُ قَبْرُ الْمُصْطَفَى ﷺ فِيهِ عَلَى يَسَارِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ قَبْرِ الْخُلَفَاءِ وَالزَّوْجَاتِ فِي طَرَفِ الْمَسْجِدِ عَلَى يَسَارِ الْمُصَلَّى فِيهَا أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُرِيَهُ لِمَنْ لَمْ يَرَهُ.
(وَ) عِدَّةُ (السَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ خَفِيفَةٌ) وَرُوِيَ خَفِيَّةٌ (لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ) لَكِنَّ الْإِمَامَ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يُسْمِعَ مَنْ يَلِيه.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَسْلِيمَةٌ خَفِيفَةٌ وَسَمْعُ الْإِمَامِ مَنْ يَلِيه، وَمَعْنَى، خَفِيفَةٌ أَوْ خَفِيَّةٌ عَدَمُ الْجَهْرِ بِهَا مِنْ الْمَأْمُومِ، وَلَيْسَ هُنَا رَدٌّ عَلَى الْإِمَامِ لِعَدَمِ وُرُودِ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ الْمَطْلُوبَ الْمُسَارَعَةُ لِلدَّفْنِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ السَّلَامَ مِنْ أَرْكَانِهَا وَصِفَتُهُ كَصِفَةِ سَلَامِ الصَّلَاةِ مُعَرَّفًا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الثَّوَابِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ: (وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ قِيرَاطٌ مِنْ الْأَجْرِ وَقِيرَاطٌ فِي حُضُورِ دَفْنِهِ) لِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ اتَّبَعَ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهَا
стр. 293
مُسْتَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ أَنْ يُكَبِّرَ ثُمَّ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ وَأَحْيَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى لَهُ الْعَظَمَةُ وَالْكِبْرِيَاءُ وَالْمُلْكُ وَالْقُدْرَةُ وَالسَّنَاءُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت وَرَحِمْت وَبَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ
ــ
[الفواكه الدواني]
حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ» . وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ صَرِيحَةٌ فِي الْقِيرَاطَيْنِ، خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ مِنْ لَفْظِ مُسْلِمٍ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ وَأَنَّ أَحَدَ الْقِيرَاطَيْنِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْآخَرِ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ حُصُولُ ثَوَابِ قِيرَاطِ الصَّلَاةِ وَلَوْ لَمْ يَتْبَعْهَا فِي الطَّرِيقِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَوَقُّفَهُ. عَلَى اتِّبَاعِهَا وَعَلَى الْبَقَاءِ مَعَهَا حَتَّى يُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَثَوَابُ مَنْ اتَّبَعَهَا وَلَازَمَهَا لِلدَّفْنِ أَعْظَمُ (وَذَلِكَ) الْقِيرَاطُ (فِي التَّمْثِيلِ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ثَوَابًا) تَمْيِيزٌ لِمِثْلِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ جَبَلُ أُحُدٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَتَصَدَّقَ بِهِ لَكَانَ ثَوَابُ هَذَا الْقِيرَاطِ كَثَوَابِهِ، وَقِيلَ مَعْنَى الْمُمَاثَلَةِ لَوْ جُعِلَ هَذَا الْجَبَلُ فِي كِفَّةٍ وَجُعِلَ الْقِيرَاطُ فِي كِفَّةٍ مُقَابِلَةٍ لَهَا لَسَاوَاهَا، وَأُحُدُ جَبَلٌ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ قَالَ فِيهِ ﷺ : «إنَّ هَذَا الْجَبَلَ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» وَخَصَّهُ بِالتَّمْثِيلِ إمَّا لِذَلِكَ وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ الْجِبَالِ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ إلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ وَمُتَّصِلٌ بِجَمِيعِ الْجِبَالِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: الْقِيرَاطُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْ الدَّفْنِ قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ ثَوَابُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ.
الثَّانِي: لَوْ تَعَدَّدَتْ الْأَمْوَاتُ لَتَعَدَّدَ قِيرَاطُ الصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ بِتَعَدُّدِهِمْ.
قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو عِمْرَانَ وَسَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: يَحْصُلُ لَهُ بِكُلِّ مَيِّتٍ قِيرَاطٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَيِّتٍ انْتَفَعَ بِدُعَائِهِ وَحُضُورِهِ.
الثَّالِثُ: الْمُقَسَّمُ إلَى هَذِهِ الْقَرَارِيطِ هُوَ الْأَجْرُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْأَفْعَالِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَيِّتِ مِنْ تَغْمِيضِهِ وَتَقْبِيلِهِ وَشَدِّ لَحْيَيْهِ وَنَزْعِ ثِيَابِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا وَوَضْعِهِ عَلَى مُرْتَفَعٍ وَتَغْسِيلِهِ وَحَمْلِهِ وَالْمَشْيِ مَعَهُ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَحُضُورِهِ وَدَفْنِهِ وَحَفْرِ قَبْرِهِ وَسَدِّهِ عَلَيْهِ وَإِهَالَةِ التُّرَابِ، فَهَذِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَمْرًا بَلْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَقَطْ، وَلَعَلَّهُ بَقِيَ مِنْهَا تَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ بِرِفْقٍ، فَمَنْ أَتَى بِالصَّلَاةِ فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ هِيَ جُمْلَةُ الْأَجْرِ، وَمَنْ حَضَرَ الدَّفْنَ فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنْهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا مُتَفَاوِتَةٌ بِتَفَاوُتِ مَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْقِيرَاطُ مَنْسُوبًا إلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ قِيرَاطًا، نَبَّهَ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعِمَادِ نَاقِلًا لَهُ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ.
الرَّابِعُ: حُضُورُ الْجِنَازَةِ إمَّا رَغْبَةً فِي أَهْلِهَا أَوْ خَوْفًا مِنْهُمْ، وَإِمَّا رَغْبَةً فِي الْأَجْرِ وَإِمَّا مُكَافَأَةً، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَحْصُلُ بِهِ الْقِيرَاطُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْ عَلَى حُضُورِ الدَّفْنِ، وَقَصْدُ أَهْلِهَا وَالْمُكَافَأَةُ لَا يَضُرُّ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ صِلَةِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: وَلَا يَشْكُلُ عَلَى هَذَا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ اتَّبَعَ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا» إلَخْ الْإِمْكَانُ حَمْلُهُ عَلَى حُصُولِ الْأَجْرِ الْكَامِلِ،
وَلَمَّا كَانَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ وَأَنَّهُ يَحْصُلُ وَلَوْ بِعَفَا اللَّهُ عَنْهُ أَوْ ﵀ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَ) يُجْزِي أَنْ (يُقَالَ فِي الدُّعَاءِ) فِي الصَّلَاةِ (عَلَى الْمَيِّتِ غَيْرُ شَيْءٍ مَحْدُودٍ) أَيْ أَوْ مُعَيَّنٍ، فَلَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، أَوْ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ حَصَلَ الْوَاجِبُ لِعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِلَفْظٍ أَوْ قَدْرٍ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَذَلِكَ كُلُّهُ وَاسِعٌ) فِي تَحْصِيلِ الْوَاجِبِ (وَمِنْ مُسْتَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ) أَيْ الدُّعَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ (أَنْ يُكَبِّرَ) عِنْدَ شُرُوعِهِ وُجُوبًا؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ رُكْنٌ كَمَا بَيَّنَّا. (ثُمَّ) الْأَوْلَى الْفَاءُ بَدَلُ ثُمَّ عَدَمُ التَّرَاخِي (يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ وَأَحْيَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى) وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] فَأَطْلَقَ الْمَوْتَ عَلَى عَدَمِهِ قَبْلَ إنْشَائِهِمْ، وَقِيلَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ مَنْ أَرَادَ إمَاتَتَهُ، وَأَحْيَا مَنْ أَرَادَ حَيَاتَهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ بِالْكُفْرِ وَأَحْيَا بِالْإِيمَانِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. (لَهُ الْعَظَمَةُ وَالْكِبْرِيَاءُ) مُتَرَادِفَانِ (وَ) لَهُ (الْمُلْكُ) بِضَمِّ الْمِيمِ اسْتِحْقَاقُ التَّصَرُّفِ فِي سَائِرِ الْكَائِنَاتِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى سَبَبٍ بَاعِثٍ بَلْ فَاعِلٌ بِالِاخْتِيَارِ.
(وَ) لَهُ (الْقُدْرَةُ) التَّامَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ.
(وَ) لَهُ (السَّنَاءُ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ الْعُلُوُّ وَالرِّفْعَةُ فِي الشَّرَفِ وَالْمَنْزِلَةِ لَا فِي الْمَكَانِ، وَأَمَّا بِالْقَصْرِ فَهُوَ الضَّوْءُ فَلَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ هُنَا. (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) مِنْ الْمُمْكِنَاتِ (قَدِيرٌ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت وَرَحِمْت وَبَارَكْت) الْبَرَكَةُ الْخَيْرُ وَالْمَنْفَعَةُ (عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ) أَيْ مَحْمُودٌ (مَجِيدٌ) أَيْ مُعَظَّمٌ وَمُشَرَّفٌ وَكَرِيمٌ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ: هَذِهِ صِيغَةُ الصَّلَاةِ الْكَامِلَةِ وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي التَّشَهُّدِ: وَارْحَمْ مُحَمَّدًا، وَلَمْ تَأْتِ فِي طَرِيقٍ صَحِيحٍ، وَلَيْسَ فِيهَا هُنَا لَفْظُ فِي الْعَالَمِينَ وَزَادَ هُنَاكَ، وَحَذَفَ. أَيْضًا لَفْظَ: وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ
стр. 294
أَمَتِك أَنْتَ خَلَقْته وَرَزَقْته وَأَنْتَ أَمَتَّهُ وَأَنْتَ تُحْيِيه وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ جِئْنَاك شُفَعَاءَ لَهُ فَشَفِّعْنَا فِيهِ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَجِيرُ بِحَبْلِ جِوَارِك لَهُ إنَّك ذُو وَفَاءٍ وَذِمَّةٍ اللَّهُمَّ قِه مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَاعْفُ عَنْهُ وَعَافِهِ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ وَنَقِهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ اللَّهُمَّ إنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِك وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ فَقِيرٌ إلَى رَحْمَتِك وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقَهُ وَلَا تَبْتَلِهِ فِي قَبْرِهِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ تَقُولُ هَذَا بِأَثَرِ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ
ــ
[الفواكه الدواني]
وَإِنْ كَانَ الِاعْتِرَاضُ إنَّمَا هُوَ فِي زِيَادَةِ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا فَقَطْ، وَالْأَفْضَلُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْوَارِدِ وَتَرْكُ مَا لَمْ يَثْبُتْ وُرُودُهُ، وَتَقَدَّمَتْ الْمُنَاقَشَةُ فِي هَذَا الْكَلَامِ فَرَاجِعْ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ إمَامٌ عَظِيمٌ نَفَعَنَا اللَّهُ بِبَرَكَاتِهِ. (اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مِنْ زِنَا، وَقِيلَ: يَقْتَصِرُ فِي وَلَدِ الزِّنَا عَلَى قَوْلِهِ: إنَّهُ عَبْدُك، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي نِدَائِهِ فِي الْآخِرَةِ فَقِيلَ: يُنَادَى بِاسْمِ أُمِّهِ، وَقِيلَ: بِاسْمِ أَبِيهِ. (أَنْتَ خَلَقْته وَ) أَنْتَ (رَزَقْته وَأَنْتَ أَمَتّه) فِي الدُّنْيَا (وَأَنْتَ تُحْيِيه) فِي الْآخِرَةِ (وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ جِئْنَاك شُفَعَاءَ لَهُ فَشَفِّعْنَا فِيهِ) أَيْ اقْبَلْ دُعَاءَنَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا قَبِلَ اللَّهُ شَفَاعَتَهُمْ " وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي لِوَلِيِّ الْمَيِّتِ الِاجْتِهَادُ فِي إحْضَارِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ التَّعْبِيرُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَوْ كَانَ الْمُصَلِّي أَدْنَى مِنْ الْمَيِّتِ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: إنَّمَا يَقُولُ جِئْنَاك شُفَعَاءَ لَهُ إذَا كَانَ الْمُصَلِّي مُسَاوِيًا أَوْ أَرْفَعَ رُتْبَةً، وَأَمَّا الْأَدْنَى فَإِنَّمَا يَقُولُ: جِئْنَا مَعَ الشُّفَعَاءِ لَهُ. (اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَجِيرُ) أَيْ نَطْلُبُ الْإِجَارَةَ وَالْأَمْنَ مِنْ عَذَابِك حَالَ كَوْنِنَا مُتَمَسِّكِينَ (بِحَبْلِ جِوَارِك) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ أَمَانِك (لَهُ) وَفِي كَلَامِهِ اسْتِعَارَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمُتَفَرِّقَةَ لَا يُجْمَعُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ إلَّا بِالْحَبْلِ، وَبَيَانُ الِاسْتِعَارَةِ هُنَا أَنَّ الْعَبْدَ بَعِيدٌ مِنْ اللَّهِ بِإِسَاءَتِهِ مَحْجُوبٌ عَنْهُ فَلَا يَنْضَافُ إلَى رَحْمَتِهِ إلَّا بِحَبْلِ عَفْوِهِ وَفَضْلِهِ فَالِاسْتِعَارَةُ تَصْرِيحِيَّةٌ، فَإِضَافَةُ حَبْلٍ إلَى جِوَارٍ بَيَانِيَّةٌ. (إنَّك ذُو) أَيْ صَاحِبُ (وَفَاءٍ وَذِمَّةٍ) أَيْ عَهْدٍ، وَقَدْ وَعَدَ مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْمَغْفِرَةِ. (اللَّهُمَّ قِه) أَيْ نَجِّهِ (مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ) بِأَنْ تُثَبِّتَهُ لِجَوَابِ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ فِي الْقَبْرِ، أَوْ تَجْعَلَهُ مِمَّنْ لَا يُسْأَلُ كَالشُّهَدَاءِ، وَأَمَّا ضَمَّةُ الْقَبْرِ فَلَا بُدَّ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدَّرَجَاتِ لِمَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْهَا سِوَى الْأَنْبِيَاءِ لَنَجَى مِنْهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الَّذِي اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِهِ وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ «لَوْ أَفْلَتَ مِنْهَا أَحَدٌ لَأَفْلَتَ مِنْهَا هَذَا الصَّبِيُّ» وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا يُعْلَمُ أَنَّ لِلْأَنْبِيَاءِ فِي قُبُورِهِمْ ضَمَّةً وَلَا سُؤَالٌ لِعِصْمَتِهِمْ.
(وَ) قِه (مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) بِسَتْرِ ذُنُوبِهِ (وَارْحَمْهُ وَاعْفُ عَنْهُ وَعَافِهِ وَأَكْرِمْ نُزْلَهُ) بِسُكُونِ الزَّايِ أَيْ اُلْطُفْ بِهِ حِينَ وَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ وَحِيدًا فَرِيدًا بِأَنْ تُرِيَهُ فِيهِ مَا يُؤْنِسُهُ،؛ لِأَنَّ النُّزُلَ يُطْلَقُ عَلَى حُلُولِهِ فِي قَبْرِهِ وَإِكْرَامِهِ فِيهِ بِرُؤْيَةِ مَا يَسُرُّهُ مِنْ الْعَمَلِ، وَيُطْلَقُ النُّزُلُ عَلَى مَا يُهَيَّأُ لِلنَّزِيلِ (وَوَسِّعْ مَدْخَلَهُ) أَيْ قَبْرَهُ فَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ (وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالثَّلْجُ وَالْبَرَدُ مَاءَانِ مُنْعَقِدَانِ يَنْزِلَانِ مِنْ السَّمَاءِ ثُمَّ يَذُوبَانِ، وَالْمَعْنَى: اُمْحُ ذُنُوبَهُ وَلَا تُبْقِي مِنْهَا شَيْئًا بِقَرِينَةٍ. (وَنَقِّهِ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ) الْوَسِخُ (مِنْ الدَّنَسِ) وَإِنَّمَا مَثَّلَ بِالثَّوْبِ الْأَبْيَضِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ أَثَرُ الْغَسْلِ، وَهَذَا تَمْثِيلٌ لِلْمَخْلُوقِ وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ الزَّنَاتِيُّ: اللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ، وَلَوْلَا وُرُودُ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ مِنْ الشَّارِعِ لَمَا جَازَتْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى: حَتَّى يَصِيرَ فِي نَظَرِنَا كَالثَّوْبِ الْأَبْيَضِ الَّذِي نُشَاهِدُهُ خَالِصًا مِنْ كُلِّ مُنَافٍ لِلْبَيَاضِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْخُلُوصِ مِنْ الذُّنُوبِ. (وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ) بِأَنْ تَجْعَلَ دَارِهِ الْجَنَّةَ (وَ) أَبْدِلْهُ (أَهْلًا) أَيْ قَرَابَةً فِي الْآخِرَةِ (خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ) فِي الدُّنْيَا (وَ) أَبْدِلْهُ (زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ) لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ زَوْجَتَهُ فِي الدُّنْيَا قَدْ تَكُونُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِثْلَهُ، وَإِلَّا عُوِّضَ خَيْرًا مِنْهَا، أَوْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا ذَاتَ أَزْوَاجٍ وَصَحَّتْ لِغَيْرِهِ فَيُبْدِلُهُ خَيْرًا مِنْهَا، أَوْ لَمْ يُزَوَّجْ فِي الدُّنْيَا فَيُعَوِّضُهُ خَيْرًا مِنْ الَّتِي كَانَ يُرِيدُ زَوَاجَهَا. (اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا) فِي الدُّنْيَا لِغَيْرِهِ (فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ) أَيْ فِي الْإِحْسَانِ إلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ. (وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ اللَّهُمَّ إنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِك) ضَيْفًا (وَأَنْتَ خَيْرُ) جَوَّادٍ (مَنْزُولٍ بِهِ) فَالضَّمِيرُ لَيْسَ لِلَّهِ (فَقِيرٌ إلَى رَحْمَتِك) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ نَزَلَ (وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ) لِاسْتِغْنَائِك عَنْ كُلِّ مَا سِوَاك. (اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ) أَيْ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ (مَنْطِقَهُ وَلَا تَبْتَلِهِ فِي قَبْرِهِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ) أَيْ أَجْرَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَأَجْرَ مُصِيبَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ مُصَابٌ فِي أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ (وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ) بِسَبَبِ مُصِيبَتِهِ (تَقُولُ هَذَا) الدُّعَاءَ وُجُوبًا (بِأَثَرِ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) مِنْ التَّكْبِيرَاتِ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ، وَأَمَّا الْحَمْدُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَمَنْدُوبَانِ وَالْوَاجِبُ الدُّعَاءُ وَلَوْ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ كَمَا قَدَّمْنَا.
стр. 295
وَتَقُولُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَحَاضِرِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا إنَّك تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ وَلِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَسْعِدْنَا بِلِقَائِك وَطَيِّبِنَا لِلْمَوْتِ وَطَيِّبِهِ لَنَا وَاجْعَلْ فِيهِ رَاحَتَنَا وَمَسَرَّتَنَا ثُمَّ تُسَلِّمُ
وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً قُلْت اللَّهُمَّ إنَّهَا أَمَتُك ثُمَّ تَتَمَادَى بِذِكْرِهَا عَلَى التَّأْنِيثِ غَيْرَ أَنَّك لَا تَقُولُ وَأَبْدِلْهَا زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ زَوْجًا فِي الْجَنَّةِ لِزَوْجِهَا فِي الدُّنْيَا
وَنِسَاءُ الْجَنَّةِ مَقْصُورَاتٌ
ــ
[الفواكه الدواني]
(وَتَقُولُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ) وُجُوبًا عَلَى مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَحَاضِرِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا إنَّك تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا وَ) اغْفِرْ (لِوَالِدِينَا) بِكَسْرِ الدَّالِ (وَلِمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ وَلِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ) مُوَاظِبًا (عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ) بِضَمِّ الْهَاءِ مِنْ تَوَفَّهُ وَبِكَسْرِهَا مِنْ أَحْيِهِ؛ لِأَنَّهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الْيَاءُ مِنْ أَحْيِهِ وَالْأَلِفُ مِنْ تَوَفَّهُ. (عَلَى الْإِسْلَامِ) وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا تَفَنُّنًا؛ لِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ شَرْعًا أَوْ لِاتِّحَادِ مَا يُرَامُ مِنْهُمَا.
قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَمُوتَ وَلِسَانُهُ رَطْبٌ بِذِكْرِ اللَّهِ فَيَلْزَمُ سِتَّةَ أَشْيَاءَ أَوْ سَبْعَةً، أَنْ يَقُولَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ كُلِّ عَمَلٍ: بِسْمِ اللَّهِ، وَعِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِذَا اسْتَقْبَلَهُ مَكْرُوهٌ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، وَإِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ قَالَ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَإِذَا عَزَمَ عَلَى فِعْلٍ أَوْ أَمْرٍ فِي غَدٍ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
(وَ) تَقُولُ (أَسْعِدْنَا بِلِقَائِك) أَيْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ (وَطَيِّبِنَا لِلْمَوْتِ) بِأَنْ تُوَفِّقَنَا لِلتَّوْبَةِ النَّصُوحِ حَتَّى نَمُوتَ عَلَيْهَا. (وَطَيِّبْهُ لَنَا) بِأَنْ يَنْزِلَ بِنَا وَأَنْفُسُنَا رَاضِيَةٌ بِهِ. (وَاجْعَلْ فِيهِ رَاحَتَنَا وَمَسَرَّتَنَا) بِحَيْثُ تُوَسِّعُ لَنَا الْقَبْرَ وَتُنَعِّمُنَا فِيهِ وَتُدْخِلُنَا بَعْدَ خُرُوجِنَا مِنْهُ الْجَنَّةَ وَتَرْزُقُنَا فِيهَا النَّظَرَ إلَى وَجْهِك الْكَرِيمِ، وَلَا يُقَالُ: فِي هَذَا تَمَّنِي الْمَوْتِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ وَلَكِنْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي مَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ الدُّعَاءِ بِمَا ذُكِرَ التَّمَنِّي؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بَعْدَ حُصُولِهِ،؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْمَوْتِ، عَلَى أَنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ يُجَوِّزُ تَمَّنِي الْمَوْتِ إذَا بُشِّرَ بِالْجَنَّةِ لِلْخُرُوجِ مِنْ دَارِ الشَّقَاءِ إلَى دَارِ الرَّاحَةِ، أَوْ يَكُونُ الشَّخْصُ مُلَابِسًا لِلْمَعَاصِي وَلَا يُمْكِنُ احْتِرَازُهُ عَنْهَا أَوْ يَنْدَرِسُ الْحَقُّ وَيَنْتَشِرُ الْبَاطِلُ كَزَمَانِنَا هَذَا.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الدُّعَاءِ (تُسَلِّمُ) عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ تَسْلِيمَةً خَفِيفَةً؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْأَرْكَانِ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ هَذَا الدُّعَاءِ لَا عَمَلَ عَلَيْهِ لِطُولِهِ، بَلْ الْعَمَلُ وَالْأَحْسَنُ مَا اسْتَحَبَّهُ مَالِكٌ مِنْ دُعَاءِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتْبَعُ الْجِنَازَةَ مِنْ حَمْلِ أَهْلِهَا، فَإِذَا وُضِعَتْ كَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك، كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَحْدَك لَا شَرِيكَ لَك وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك وَرَسُولُك وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: هَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْته مِنْ الدُّعَاءِ عَلَى الْجِنَازَةِ.
١ -
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ ابْتِدَاءَ الصَّلَاةِ بِالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ وَالْوَاجِبِ إنَّمَا هُوَ الدُّعَاءُ حَتَّى عَلَى الْمَأْمُومِ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي الْمُسْتَحَبَّاتِ: وَابْتَدَأَ بِحَمْدٍ وَصَلَاةٍ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ وَإِسْرَارِ دُعَاءٍ.
الثَّانِي: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَحُكْمُهَا الْوُجُوبُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ الْكَرَاهَةُ إلَّا إذَا قَصَدَ الْمُصَلِّي مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ فَيَأْتِي بِهَا بَعْدَ شَيْءٍ مِنْ الدُّعَاءِ حَتَّى تَصِحَّ الصَّلَاةُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَالْعِبَادَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا خَيْرٌ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَمِنْ الْوَرَعِ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ، وَمِنْ فَوَائِدِ الْمُرَاعَاةِ صِحَّةُ صَلَاةِ الشَّافِعِيِّ خَلْفَ الْمَالِكِيِّ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْرَأْ الْفَاتِحَةَ تَكُونُ الصَّلَاةُ بَاطِلَةً عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِالْمَالِكِيِّ فِيهَا، وَقَوْلُنَا بَعْدَ شَيْءٍ مِنْ الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَنَا كَوُجُوبِ الْفَاتِحَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَلَا بُدَّ مِنْهُمَا حَتَّى تَصِحَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ،
وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّذْكِيرِ فِي الدُّعَاءِ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ ذَكَرًا. (وَإِنْ كَانَتْ) الْجِنَازَةُ (امْرَأَةً قُلْت) بَعْدَ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (اللَّهُمَّ إنَّهَا أَمَتُك ثُمَّ تَتَمَادَى بِذِكْرِهَا عَلَى التَّأْنِيثِ) فَتَقُولُ: وَبِنْتُ أَمَتِك وَبِنْتُ عَبْدِك أَنْتَ خَلَقْتهَا وَرَزَقْتهَا إلَخْ (غَيْرَ أَنَّك لَا تَقُولُ وَأَبْدِلْهَا زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ زَوْجًا فِي الْجَنَّةِ لِزَوْجِهَا فِي الدُّنْيَا) وَعَبَّرَ بِقَدْ الدَّالَّةِ عَلَى التَّوَقُّعِ لِدُخُولِهَا عَلَى الْمُضَارِعِ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ مُتَوَقَّعٌ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْمَوْتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَهُوَ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ بِمُتَعَدِّدِ فِي الدُّنْيَا لَدَخَلَهَا الْخِلَافُ الْمُقَرَّرِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِيمَنْ تَكُونُ لَهُ، إلَّا أَنْ تَمُوتَ فِي عِصْمَةِ وَاحِدٍ فَإِنَّهَا تَكُونُ لَهُ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ إنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
١ -
стр. 296
عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ لَا يَبْتَغِينَ بِهِمْ بَدَلًا وَالرَّجُلُ قَدْ يَكُونُ لَهُ زَوْجَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَلَا يَكُونُ لِلْمَرْأَةِ أَزْوَاجٌ
وَلَا بَأْسَ أَنْ تُجْمَعَ الْجَنَائِزُ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَيَلِي الْإِمَامَ الرِّجَالُ إنْ كَانَ فِيهِمْ نِسَاءٌ وَإِنْ كَانُوا رِجَالًا جُعِلَ أَفْضَلُهُمْ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَجُعِلَ مِنْ دُونِهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ إلَى الْقِبْلَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُجْعَلُوا صَفًّا وَاحِدًا وَيُقَرِّبُوا إلَى الْإِمَامِ
ــ
[الفواكه الدواني]
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَمَّا لَوْ لَمْ يُعْلَمْ الْمَيِّتُ هَلْ هُوَ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ يَنْوِيَ الْمُصَلِّي الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ حَضَرَ وَيَقْطَعَ النَّظَرَ عَنْ كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، كَمَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ هَلْ هُوَ وَاحِدٌ أَوْ مُتَعَدِّدٌ يَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ فِي هَذَا النَّعْشِ، وَيَتَمَادَى فِي الدُّعَاءِ عَلَى التَّذْكِيرِ فِي تَحَقُّقِ الْإِفْرَادِ، وَيَجْمَعُ عِنْدَ اعْتِقَادِ الْجَمْعِ، وَيُفْرِدُ عِنْدَ الشَّكِّ عَلَى مَعْنَى مَنْ حَضَرَ فِي هَذَا النَّعْشِ؛ لِأَنَّ مَنْ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَعَلَى الْمُتَعَدِّدِ الْمُحَقَّقِ وَالْمُشْكِلِ فَتَقُولُ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الْمُثَنَّى: اللَّهُمَّ إنَّهُمَا عَبْدَاك أَوْ أَمَتَاك، وَفِي الْجَمْعِ: اللَّهُمَّ إنَّهُمْ عَبِيدُك وَأَبْنَاءُ عَبِيدِك، وَفِي الْجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ: اللَّهُمَّ إنَّهُنَّ إمَاؤُك وَبَنَاتُ إمَائِك وَبَنَاتُ عَبِيدِك، وَإِنْ اجْتَمَعَ مُذَكَّرٌ وَمُؤَنَّثٌ غَلَّبَ الْمُذَكَّرَ عَلَى الْمُؤَنَّثِ.
١ -
الثَّانِي: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ عَنْ مَا لَوْ ظَنَّ الْإِمَامُ وَحِدَةَ الْجِنَازَةِ وَظَنَّ الْمَأْمُومُونَ التَّعَدُّدَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ جَمَاعَةٌ عَلَى اعْتِقَادِ الْمَأْمُومِينَ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مَا نَوَاهُ الْإِمَامُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ أُعِيدَتْ الصَّلَاةُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا أُعِيدَتْ عَلَى مَنْ عَدَاهُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا ظَنَّهُ الْإِمَامُ، وَلِذَلِكَ لَوْ اعْتَقَدَ الْإِمَامُ أَنَّ الَّذِي فِي النَّعْشِ جَمَاعَةٌ وَاعْتَقَدَ الْمَأْمُومُونَ أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ وَتَبَيَّنَ مُطَابَقَةُ اعْتِقَادِ الْإِمَامِ صَحَّتْ الصَّلَاةُ وَلَا تُعَادُ، كَمَا لَا تُعَادُ إذَا ظَنَّ الْإِمَامُ أَوْ الْمُنْفَرِدُ أَنَّ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَقَلُّ مِمَّا نَوَى، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِيمَا سَبَقَ مَا يُغْنِي عَنْ الْإِعَادَةِ فَرَاجِعْهُ.
ثُمَّ أَكَّدَ تَعْلِيلَ النَّهْيِ السَّابِقِ بِقَوْلِهِ: (وَنِسَاءُ الْجَنَّةِ مَقْصُورَاتٌ) أَيْ مَحْبُوسَاتٌ (عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ لَا يَبْغِينَ) أَيْ لَا يَرْضِينَ (بِهِمْ بَدَلًا) ؛ لِأَنَّ الْجَنَّةَ لَا إكْرَاهَ فِيهَا وَلَا حُزْنَ، وَإِنَّمَا الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ وَنَيْلُ مَا تَشْتَهِيه الْأَنْفُسُ، وَأَفْضَلُ خِصَالِ الْمَرْأَةِ حُبُّهَا لِزَوْجِهَا وَهِيَ صِفَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلَا يَتَعَلَّقُ قَلْبُهَا فِيهَا بِغَيْرِ حُبِّ زَوْجِهَا، وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ نِسَاءَ الْجَنَّةِ مَقْصُورَاتٌ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ كَانَ مَظِنَّةَ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ: وَأَمَّا الرَّجُلُ فَهَلْ كَذَلِكَ؟ قَالَ فِي الْجَوَابِ: (وَالرَّجُلُ) لَيْسَ كَالْمَرْأَةِ فَإِنَّهُ (قَدْ يَكُونُ لَهُ زَوْجَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي الْجَنَّةِ) زِيَادَةً عَلَى مَا كَانَ يَحِلُّ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وَلَا يُقَالُ: يَلْزَمُ عَلَى هَذَا كَثْرَةُ النِّسَاءِ فِي الْجَنَّةِ عَلَى الرِّجَالِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ: «اطَّلَعْت عَلَى الْجَنَّةِ فَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا الرِّجَالَ، وَاطَّلَعْت عَلَى النَّارِ فَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ بِالْأَزْوَاجِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يَشْمَلُ الْحُورَ الْعِينَ، وَلَا يَضُرُّ فِي هَذَا خَبَرُ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ أَنَّهُ يُزَوَّجُ كُلُّ رَجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَرْبَعَةَ آلَافِ بِكْرٍ وَثَمَانِيَةَ آلَافِ أَيِّمٍ وَمِائَةَ حَوْرَاءَ لِإِمْكَانِ حَمْلِ كُلِّ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ لَا الْجَمِيعِيِّ، وَإِنْ جُعِلَتْ قَدْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِلتَّقْلِيلِ فَلَا يَتَأَتَّى الْإِشْكَالُ. (وَلَا يَكُونُ لِلْمَرْأَةِ) (فِي الْجَنَّةِ أَزْوَاجٌ) بَلْ وَلَا اثْنَانِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا يَنْفِرُ مِنْهُ الطَّبْعُ لَا لِحُرْمَةِ ذَلِكَ لِانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ بِالْمَوْتِ، وَلِذَلِكَ لَا يَتَزَوَّجُ الْإِنْسَانُ بِنَحْوِ أُمِّهِ وَأُخْتِهِ لِكَرَاهَةِ النَّفْسِ ذَلِكَ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْأَفْضَلِ عِنْدَ تَعَدُّدِ الْأَمْوَاتِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَمِيعِ دَفْعَةً وَاحِدَةً بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ) أَيْ يُسْتَحَبُّ عَلَى الْمَشْهُورِ (أَنْ تُجْمَعَ الْجَنَائِزُ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ) لِفِعْلِ جَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ مَاتَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ زَوْجُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَوَلَدُهَا زَيْدُ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْجَمِيعِ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِمَا صَلَاةً وَاحِدَةً، وَكَانَ الْمُوَالِي لِلْإِمَامِ زَيْدٌ وَالْمُتَوَلِّي لِلصَّلَاةِ إمَامًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ أَخُو زَيْدٍ لِأَبِيهِ، وَكَانَ هُنَاكَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَهُمْ أَخَوَا أُمِّ كُلْثُومٍ وَلَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ مِنْهُمَا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ وَلِيُّ الذَّكَرِ، هَكَذَا قَالَ بَعْدَ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ، وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ خِلَافُ ذَلِكَ، وَأَنَّ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَةَ الْأَفْضَلُ وَلَوْ كَانَ وَلِيَّ الْمَرْأَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَأَفْضَلُ وَلِيٍّ وَلَوْ وَلِيَّ الْمَرْأَةِ، قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَبَالَغَ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ وَلِيَّ الْمَرْأَةِ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ بِتَقْدِيمِ وَلِيِّ الرَّجُلِ عَلَى وَلِيِّ الْمَرْأَةِ وَلَوْ مَفْضُولًا، مُتَمَسِّكًا بِقَضِيَّةِ أُمِّ كُلْثُومٍ وَوَلَدِهَا زَيْدٍ لَمَّا مَاتَا وَصَلَّى وَلِيُّ زَيْدٍ إمَامًا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا حُجَّةَ بِتِلْكَ الْقَضِيَّةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْحُسَيْنَ إنَّمَا قَدَّمَ ابْنَ عُمَرَ لِسِنِّهِ وَلِإِقْرَارِهِ بِفَضْلِهِ لَا؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ قَالَهُ الْمَوَّاقُ، وَلَمَّا قَدَّمَ هُوَ الْأَفْضَلَ جَمْعَ الْجَنَائِزِ فِي الصَّلَاةِ ذَكَرَ هُنَا كَيْفِيَّةَ وَضْعِهِمْ أَمَامَ الْإِمَامِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يُنْدَبُ أَنْ (يَلِيَ الْإِمَامَ) فِي حَالِ الصَّلَاةِ (لِرِجَالٍ) فَاعِلُ يَلِي وَظَاهِرُهُ غَيْرُ صَالِحِينَ (إنْ كَانَ فِيهِمْ) أَيْ الْجَنَائِزِ (نِسَاءٌ وَإِنْ كَانُوا رِجَالًا) وَنِسَاءً وَمَعَهُمْ أَطْفَالٌ (جُعِلَ أَفْضَلُهُمْ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَجُعِلَ مَنْ دُونَهُ) فِي الْفَضْلِ مِنْ (النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ) الْفَاضِلُ مُتَرَتِّبِينَ صَفًّا وَاحِدًا (إلَى الْقِبْلَةِ) بِحَيْثُ يَصِيرُ الْجَمِيعُ أَمَامَ الْإِمَامِ، يَلِي الْإِمَامَ الرَّجُلُ، وَالطِّفْلُ خَلْفَهُ، وَالْمَرْأَةُ خَلْفَ الْجَمِيعِ.
قَالَ خَلِيلٌ: يَلِي الْإِمَامَ رَجُلٌ فَطِفْلٌ فَعَبْدٌ فَخَصِيٌّ فَخُنْثَى كَذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَى كَيْفِيَّةٍ أُخْرَى بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلُوا صَفًّا وَاحِدًا) مُمْتَدًّا مِنْ الشَّرْقِ إلَى الْغَرْبِ. (وَيُقَرَّبُ إلَى الْإِمَامِ
стр. 297
أَفْضَلَهُمْ
وَأَمَّا دَفْنُ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَيُجْعَلُ أَفْضَلُهُمْ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ
وَ مَنْ دُفِنَ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَوُرِيَ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ
وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ قَدْ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَيُصَلَّى عَلَى أَكْثَرِ الْجَسَدِ وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مِثْلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ.
ــ
[الفواكه الدواني]
أَفْضَلُهُمْ) وَعَنْ يَمِينِهِ مَنْ يَلِيه فِي الْفَضْلِ، وَعَنْ يَسَارِهِ مَنْ يَلِيه رَجُلًا الْمَفْضُولُ عِنْدَ رَأْسِ الْفَاضِلِ، وَمَنْ دُونَهُمَا فِي الْفَضْلِ كَذَلِكَ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ جَعْلِ الْجَنَائِزِ صَفًّا مِنْ الْإِمَامِ إلَى الْقِبْلَةِ أَوْ صَفًّا مِنْ الْمَشْرِقِ، إلَى الْمَغْرِبِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: الْأَفْضَلُ الصِّفَةُ الْأُولَى وَقَالَهَا مَالِكٌ أَيْضًا، وَلِذَلِكَ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَرْجِيحُ الصِّفَةِ الْأُولَى لِتَقْدِيمِهِ لَهَا؛ وَلِقَوْلِهِ فِي الثَّانِيَةِ: وَلَا بَأْسَ الْمُشْعِرَةُ غَالِبًا بِالتَّمْرِيضِ.
(تَنْبِيهٌ) : هَذَا إذَا كَانَتْ الْجَنَائِزُ صِنْفًا وَاحِدًا، فَإِنْ تَفَاوَتُوا فِي الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ يَلِي الْإِمَامَ الْأَعْلَمُ ثُمَّ الْأَفْضَلُ ثُمَّ الْأَسَنُّ، وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَيُقَدَّمُ بِالْخِصَالِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي تُرَغِّبُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الْفَضْلِ رُجِّحَ بِالسِّنِّ، فَإِنْ تَسَاوَوْا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، إلَّا أَنْ تَتَرَاضَى الْأَوْلِيَاءُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْقَرَارِيطَ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهِمْ، وَانْظُرْ هَلْ تَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِهِمْ فِي الْفَضْلِ أَمْ لَا؟ وَيَظْهَرُ التَّفَاوُتُ وَحَرِّرْهُ.
[دَفْنُ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ]
(وَأَمَّا) كَيْفِيَّةُ (دَفْنِ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ) عِنْدَ الضَّرُورَةِ الْحَامِلَةِ عَلَى ذَلِكَ كَضِيقِ الْمَحَلِّ أَوْ عَدَمِ الْحَافِرِ.
(فَيُجْعَلُ أَفْضَلُهُمْ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ) قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْجَائِزِ: وَجَمْعُ أَمْوَاتٍ بِقَبْرٍ لِضَرُورَةٍ وَوَلَّى الْقِبْلَةَ الْأَفْضَلَ، وَأَمَّا جَمْعُهُمْ فِي قَبْرٍ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَمَكْرُوهٌ وَإِنْ كَانُوا مَحَارِمَ، وَلَكِنْ يَتَأَكَّدُ نَدْبُ جَعْلِ شَيْءٍ مِنْ التُّرَابِ بَيْنَهُمْ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يَكْفِي الْكَفَنُ، وَكَمَا يَجُوزُ جَمْعُ الْأَمْوَاتِ فِي الْقَبْرِ لِلضَّرُورَةِ وَلَوْ أَجَانِبَ، يَجُوزُ جَمْعُهُمْ فِي كَفَنٍ لِلضَّرُورَةِ وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذُكِرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمَا كَانَ أَكْثَرَ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِير إلَى وَاحِدٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ» .
(تَنْبِيهٌ) : مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ جَوَازِ جَمْعِ الْأَمْوَاتِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ لِلضَّرُورَةِ وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهَا مَحَلُّهُ إذَا كَانَ حَصَلَ دَفْنُهُمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا لَوْ أَرَدْنَا دَفْنَ مَيِّتٍ عَلَى آخَرَ بَعْدَ تَمَامِ دَفْنِهِ فَيَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الْقَبْرَ حَبْسٌ. لَا يُمْشَى عَلَيْهِ وَلَا يُنْبَشُ مَا دَامَ بِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَلَا يَحْرُمُ.
[مَنْ دُفِنَ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ]
(وَمَنْ دُفِنَ) بَعْدَ الْغُسْلِ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَوُرِيَ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرٍ إلَّا أَنْ يُدْفَنَ بِغَيْرِهَا فَيُصَلِّي عَلَى الْقَبْرِ ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ عَدَمُ الصَّلَاةِ عَمْدًا، كَمَا أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ مُجَرَّدَ تَمَامِ الدَّفْنِ مُجَوِّزٌ لِلصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ إخْرَاجُهُ وَلَوْ تَمَّ دَفْنُهُ إلَّا أَنْ يُخْشَى تَغَيُّرُهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَالْفَوَاتُ يَمْنَعُ إخْرَاجَ الْمَيِّتِ مِنْ قَبْرِهِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ خَشْيَةَ تَغَيُّرِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ وَعِيسَى، وَمَحَلُّ طَلَبِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ عِنْدَ خَشْيَةِ تَغَيُّرِهِ إذَا ظُنَّ بَقَاؤُهُ أَوْ شُكَّ فِيهِ، وَأَمَّا لَوْ تُيُقِّنَ ذَهَابُهُ وَلَوْ بِأَكْلِ سَبُعٍ فَإِنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَوْلُنَا بَعْدَ الْغُسْلِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ دُفِنَ قَبْلَ غُسْلِهِ فَإِنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ وَيَجِبُ إخْرَاجُهُ لِلْغُسْلِ إلَّا أَنْ يُخْشَى تَغَيُّرُهُ فَيَسْقُطَانِ لِتَلَازُمِهِمَا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمَدْفُونَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ يُخْرَجُ مَا لَمْ يُخَفْ تَغَيُّرُهُ.
(وَلَا يُصَلَّى) عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ (عَلَى مَنْ قَدْ صَلَّى عَلَيْهِ) جَمَاعَةٌ قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا تُكَرَّرُ وَأَمَّا لَوْ صَلَّى عَلَيْهِ مُنْفَرِدٌ لَنُدِبَ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ عَلَيْهِ (وَ) مَنْ ذَهَبَ بَعْضُهُ يَجِبُ أَنْ (يُصَلَّى عَلَى أَكْثَرِ الْجَسَدِ) مِنْهُ كَالثُّلُثَيْنِ بَعْدَ تَغْسِيلِهِ وَتَكْفِينِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَكْثَرِ وَيَنْوِي الْمُصَلِّي الصَّلَاةَ عَلَى الْجَمِيعِ. (وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مِثْلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ) وَأَمَّا دُونَ الْجُلِّ وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الصَّلَاةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا مَا دُونَ الْجُلِّ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ الرَّأْسُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ: وَإِنَّمَا لَمْ يُصَلَّ عَلَى مَا دُونَ الثُّلُثَيْنِ لِأَدَائِهِ إلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ وَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ عِنْدَ مَالِكٍ ﵁ وَأَصْحَابِهِ، وَاغْتُفِرَ غَيْبَةُ الْيَسِيرِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ، وَبِهَذَا التَّوْجِيهِ انْدَفَعَ اسْتِشْكَالُ التُّونُسِيِّ بِأَنَّ عَدَمَ الصَّلَاةِ عَلَى مَا دُونَ الْجُلِّ يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَوَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى مَا دُونَ الْجُلِّ تُؤَدِّي إلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ وَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ، وَالصَّلَاةُ قِيلَ إنَّهَا سُنَّةٌ وَلَا يُرْتَكَبُ غَيْرُ الْجَائِزِ لِسُنَّةٍ، وَبَحَثَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي ذَلِكَ قَائِلًا: إنَّمَا يَتِمُّ هَذَا الْكَلَامُ إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ عَلَى الْغَائِبِ مُحَرَّمَةً، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِكَرَاهَتِهَا فَلَا كَيْفَ، وَقَدْ قِيلَ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ، فَلَعَلَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِحُرْمَتِهَا وَفِيهِ شَيْءٌ لِاحْتِجَاجِ الْمُخَالِفِ بِصَلَاةِ الْمُصْطَفَى ﷺ عَلَى النَّجَاشِيِّ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ، وَأَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا بِأَنَّ هَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْمُصْطَفَى ﷺ أَوْ أَنَّ الْأَرْضَ رَفَعَتْهُ لَهُ وَرَآهُ وَنَعَاهُ لِأَصْحَابِهِ فَأَمَّهُمْ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُوَارَى، وَيَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا صَلَّى أَحَدٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أَنْ وُورِيَ، الْحَالُ أَنَّ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ أَعْظَمَ رَغْبَةً.
стр. 298
بَابٌ فِي الدُّعَاءِ لِلطِّفْلِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَغُسْلِهِ تُثْنِي عَلَى اللَّهِ ﵎ وَتُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ تَقُولُ اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك أَنْتَ خَلَقْته وَرَزَقْته وَأَنْتَ أَمَتَّهُ وَأَنْتَ تُحْيِيه اللَّهُمَّ فَاجْعَلْهُ لِوَالِدَيْهِ سَلَفًا وَذُخْرًا وَفَرَطًا وَأَجْرًا وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمْ وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمْ وَلَا تَحْرِمْنَا وَإِيَّاهُمْ أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا وَإِيَّاهُمْ بَعْدَهُ اللَّهُمَّ أَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ فِي كَفَالَةِ إبْرَاهِيمَ وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَعَافِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ تَقُولُ ذَلِكَ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَتَقُولُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَسْلَافِنَا وَأَفْرَاطِنَا وَلِمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ
ــ
[الفواكه الدواني]
[بَاب فِي الدُّعَاء لِلطِّفْلِ وَالصَّلَاة عَلَيْهِ وَغَسَلَهُ]
(بَابٌ فِي) صِفَةِ (الدُّعَاءِ لِلطِّفْلِ) وَهُوَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ.
(وَ) فِي حُكْمِ (الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَغُسْلِهِ) وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ عَمَّا قَبْلَهُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا شَفَاعَةٌ وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهَا، وَرَدَّ كَلَامَهُ بِأَنَّ الشَّفَاعَةَ قَدْ تَكُونُ لِمَحْضِ رَفْعِ دَرَجَاتٍ فَلَا تَتَقَيَّدُ بِالْمُذْنِبِينَ وَصِفَتُهَا أَنْ (تُثْنِيَ عَلَى اللَّهِ ﵎ بِأَنْ تَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَدْبًا (وَتُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ) كَذَلِكَ (ثُمَّ) بَعْدَهُمَا (تَقُولُ اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك) وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّثْنِيَةِ، وَقِيلَ تَقُولُ فِي وَلَدِ الزِّنَا (وَابْنُ أَمَتِك) بَدَلٌ، وَابْنُ عَبْدِك (أَنْتَ خَلَقْته وَرَزَقْته) وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ الِاسْتِهْلَالِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ رَزَقَهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ. (وَأَنْتَ أَمَتَّهُ وَأَنْتَ تُحْيِيه) فِي الْآخِرَةِ (اللَّهُمَّ فَاجْعَلْهُ لِوَالِدِيهِ) بِكَسْرِ الدَّالِ (سَلَفًا) أَيْ مُقَدَّمًا بَيْنَ أَيْدِيهمْ (وَذُخْرًا) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْآخِرَةِ بِخِلَافِهِ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فَإِنَّهُ فِي الدُّنْيَا وَقِيلَ بِالْإِهْمَالِ مُطْلَقًا. (وَفَرَطًا) ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا لِسَلَفًا لِمُرَادَفَتِهِ لَهُ قَالَهُ ﷺ : «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ» أَيْ مُتَقَدِّمُكُمْ.
(وَأَجْرًا) أَيْ جَزَاءً عَظِيمًا لِمَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ: «لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَيَحْتَسِبُهُمْ إلَّا كَانُوا لَهُ جُنَّةً مِنْ النَّارِ، قَالَتْ امْرَأَةٌ: وَاثْنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ وَوَرَدَ: لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ» وَهَذَا مَعَ الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى، وَفِي الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ مِنْ الثَّوَابِ مَا لَيْسَ فِي الصَّبْرِ عَلَى الطَّاعَةِ. (وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمْ وَأَعْظِمْ) بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُشَالَةِ أَيْ أَكْثِرْ (بِهِ أُجُورَهُمْ وَلَا تَحْرِمْنَا وَإِيَّاهُمْ أَجْرَهُ) أَيْ أَجْرَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَوْ أَجْرَ الْمُصِيبَةِ. (وَلَا تَفْتِنَّا وَإِيَّاهُمْ بَعْدَهُ) قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ الدُّعَاءَ وَلَوْ كَانَ الْمُصَلِّي أَبًا أَوْ أُمًّا لِلطِّفْلِ؛ لِأَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ هُوَ الْمَأْثُورُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي أَذَانِهِ: «أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَاجْعَلْهُ لِوَالِدِيهِ سَلَفًا يَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِالْمُسْلِمِ الْأَصْلِيِّ، وَأَمَّا مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ أَوْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِلسَّابِي فَلَا يَقُولُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ وَيَسْقُطُ وَإِيَّاهُمْ. (اللَّهُمَّ أَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ) أَوْلَادِ (الْمُؤْمِنِينَ فِي كَفَالَةِ) أَيْ حَضَانَةِ أَبِينَا (إبْرَاهِيمَ) ﵊ فِي الْجَنَّةِ، وَذَلِكَ «؛ لِأَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ رَأَى لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ شَيْخًا فِي السَّمَاءِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ وَحَوْلَهُ صِبْيَانُ فَقَالَ ﵊ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُوك إبْرَاهِيمُ وَهَؤُلَاءِ أَوْلَادُ الْمُؤْمِنِينَ» .
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ، وَالتَّقْيِيدُ بِأَوْلَادِ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُنَافِي أَنَّ غَيْرَهُمْ فِي كَفَالَتِهِ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى دُخُولِ أَوْلَادِ غَيْرِهِمْ الْجَنَّةَ. (وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ) بِأَنْ تَجْعَلَهُ مُجَاوِرًا لِنَحْوِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ (وَعَافِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ) وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَطْفَالَ تُسْأَلُ فِي الْقَبْرِ.
(وَ) عَافِهِ (مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ) وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَطْفَالَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، بَلْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ وُجُودَ الْخِلَافِ مِنْ كَوْنِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، وَالْأَوْلَى فِي تَوْجِيهِ الدُّعَاءِ بِالْمُعَافَاةِ مِنْ الْفِتْنَةِ وَمَا بَعْدَهَا مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى لَهُ تَعْذِيبُ الطَّائِعِ. (تَقُولُ ذَلِكَ) الدُّعَاءَ (فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) أَيْ بَعْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ حَتَّى الرَّابِعَةَ.
(وَ) قِيلَ (تَقُولُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَدْعُو بَعْدَهَا: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَسْلَافِنَا وَأَفْرَاطِنَا وَلِمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ) بِكَسْرِ الْهَاءِ
стр. 299
وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ ثُمَّ تُسَلِّمُ
وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا وَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ وَيُكْرَهُ أَنْ يُدْفَنَ السِّقْطُ فِي الدُّورِ
وَلَا بَأْسَ أَنْ يُغَسِّلَ النِّسَاءُ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ ابْنَ سِتِّ سِنِينَ أَوْ سَبْعٍ وَلَا يُغَسِّلُ الرَّجُلُ الصَّبِيَّةَ وَاخْتُلِفَ فِيهَا إنْ كَانَتْ لَمْ تَبْلُغْ أَنْ تُشْتَهَى وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيْنَا.
ــ
[الفواكه الدواني]
(عَلَى الْإِيمَانِ) الْكَامِلِ (وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ) بِضَمِّ الْهَاءِ (عَلَى الْإِسْلَامِ) وَهُوَ السَّعَادَةُ الْعُظْمَى. (وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ ثُمَّ تُسَلِّمُ) تَسْلِيمَةً خَفِيفَةً وَيُسْمِعُ الْإِمَامُ جَمِيعَ مَنْ يَلِيه، وَهَذَا الدُّعَاءُ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ لِمَا قِيلَ أَنَّ بَعْضَهُ مَرْوِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْضَهُ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ بَلْ الْأَفْضَلُ دُعَاءُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَإِنْ كَانَ يَكْفِي مُطْلَقُ دُعَاءٍ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَبَقَ، بَلْ لَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اُعْفُ عَنْهُ كَفَى وَإِنْ صَغِيرًا.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ اجْتِمَاعِ كِبَارٍ وَأَطْفَالٍ، وَالْمَطْلُوبُ تَقْدِيمُ الدُّعَاءِ لِلْكِبَارِ عَلَى الْأَطْفَالِ أَوْ يَجْمَعُهُمْ فِي دُعَاءٍ وَاحِدٍ، وَيَقُولُ عَقِبَ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ الْأَوْلَادَ سَلَفًا لِوَالِدِيهِمْ وَفَرَطًا وَأَجْرًا، وَهَكَذَا عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَوْ جَمَعَ الْجَمِيعَ فِي دُعَاءٍ أَجْزَأَ، كَمَا لَوْ جَهِلَ كَوْنَ الْمَيِّتِ كَبِيرًا أَوْ طِفْلًا فَيَدْعُو بِنَحْوِ دُعَاءِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ.
(وَلَا يُصَلَّى) عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ (عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا) بِأَنْ نَزَلَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَيِّتًا.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَلَا سِقْطٍ لَمْ يَسْتَهِلَّ وَلَا تَحَرَّكَ أَوْ عَطَسَ أَوْ بَالَ أَوْ رَضَعَ إلَّا أَنْ تَتَحَقَّقَ الْحَيَاةُ وَغُسِلَ دَمُهُ وَلُفَّ بِخِرْقَةٍ وَوُرِيَ، وَحُكْمُ غَسْلِ الدَّمِ النَّدْبُ، وَحُكْمُ الْمُوَارَاةِ وَاللَّفِّ بِخِرْقَةٍ الْوُجُوبُ، وَلَا يُسْأَلُ وَلَا يُبْعَثُ وَلَا يُشَفَّعُ إنْ لَمْ تُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ.
(وَ) كَمَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِعَدَمِ اسْتِهْلَالِهِ (لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْإِرْثِ تَحَقُّقُ حَيَاةِ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ وَاسْتِهْلَالِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ إلَّا الْغُرَّةَ فَتُورَثُ عَنْهُ وَإِنْ نَزَلَ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً؛ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ عَنْ ذَاتِهِ، وَالشَّرْطُ لِمَا يُورَثُ عَنْهُ مِمَّا فِي يَدِهِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُدْفَنَ السِّقْطُ فِي الدُّورِ) وَحَقِيقَتُهُ مَنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا وَهُوَ مُثَلَّثُ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ دَفْنُهُ فِي الدُّورِ خَوْفَ امْتِهَانِهِ عِنْدَ سُقُوطِ الْحَائِطِ، وَإِنْ اشْتَرَى شَخْصٌ دَارًا فَوَجَدَ فِيهَا قَبْرَ سِقْطٍ لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ قَبْرَهُ لَيْسَ حَبْسًا بِخِلَافِ قَبْرِ الْمُسْتَهِلِّ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْكَبِيرِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَبْرُ غَيْرِ السِّقْطِ حَبْسٌ عَلَى الدَّفْنِ بِمُجَرَّدِ وَضْعِ الْمَيِّتِ فِيهِ
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ الْمُبَاشِرِ لِلتَّغْسِيلِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ) أَيْ يَجُوزُ (أَنْ يُغَسِّلَ النِّسَاءُ) الْأَجَانِبُ (الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ ابْنَ سِتِّ سِنِينَ أَوْ سَبْعٍ) قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ غُسْلُ امْرَأَةٍ ابْنَ سَبْعٍ.
قَالَ شُرَّاحُهُ: وَابْنَ ثَمَانٍ، وَرَوَى ابْنَ وَهْبٍ: وَابْنَ تِسْعٍ وَلَوْ مَعَ حُضُورِ الرِّجَالِ، وَلَا تُكَلَّفُ الْغَاسِلَةُ بِسَتْرِ عَوْرَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ نَظَرُهُنَّ إلَى بَدَنِهِ حَيْثُ لَمْ يُنَاهِزْ الْحُلُمَ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَالْمُنَاهِزُ كَكَبِيرٍ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَا دُونَ الْمُنَاهِزِ لِلْحُلُمِ لَهَا نَظَرُ عَوْرَتِهِ، وَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا وَهُوَ يَصْدُقُ بِابْنِ عَشَرٍ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنَاهِزٍ، وَجَوَازُ النَّظَرِ لَا يُنَافِي حُرْمَةَ التَّغْسِيلِ؛ لِأَنَّ التَّغْسِيلَ فِيهِ جَسٌّ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ النَّظَرِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ عَوْرَتَهُ وَتُغَسِّلُهُ، وَقَيَّدْنَا النِّسَاءَ بِالْأَجَانِبِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمَرْأَةِ الْمَحْرَمِ، فَإِنَّ لَهَا تَغْسِيلَ الرَّجُلِ مِنْ مَحَارِمِهَا إنْ لَمْ يُوجَدْ رَجُلٌ يُغَسِّلُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: ثُمَّ أَقْرَبُ أَوْلِيَائِهِ ثُمَّ أَجْنَبِيٌّ ثُمَّ امْرَأَةٌ مَحْرَمٌ، وَهَلْ تَسْتُرُهُ أَوْ عَوْرَتَهُ تَأْوِيلَانِ، ثُمَّ يُيَمَّمُ لِمِرْفَقَيْهِ، ثُمَّ شَرَعَ فِي تَغْسِيلِ الذَّكَرِ لِلْأُنْثَى بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُغَسِّلُ الرِّجَالُ الصَّبِيَّةَ) الَّتِي بَلَغَتْ حَدَّ الشَّهْوَةِ كَبِنْتِ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ لِحُرْمَةِ نَظَرِهِمْ لَهَا بِقَصْدِ الِالْتِذَاذِ، وَأَمَّا الرَّضِيعَةُ وَمَا قَارَبَهَا مِمَّنْ لَا تَمِيلُ لَهَا النَّفْسُ فَيَجُوزُ.
قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَرَجُلٌ كَرَضِيعَةٍ. (وَاخْتُلِفَ فِيهَا) أَيْ الصَّبِيَّةِ (إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَمْ تَبْلُغْ أَنْ تُشْتَهَى) كَبِنْتِ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ فَقِيلَ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ تَغْسِيلُهَا وَقِيلَ يَجُوزُ (وَالْأَوَّلُ) وَهُوَ حُرْمَةُ تَغْسِيلِهَا (أَحَبُّ إلَيْنَا) مَعَاشِرَ أَصْحَابِ الْإِمَامِ كَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَحَبُّ لِلْوُجُوبِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّضِيعَةَ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ تَغْسِيلُهَا، وَاَلَّتِي بَلَغَتْ أَنْ تُشْتَهَى يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَغْسِيلُهَا، وَالْخِلَافُ فِيمَا فَوْقَ الرَّضِيعَةِ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، الْمَنْعُ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ كَانَ الرَّجُلُ مَحْرَمًا لِلصَّبِيَّةِ أَمْ لَا وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشُّيُوخِ، وَقِيلَ: إنَّمَا هَذَا فِي الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ، وَأَمَّا الرِّجَالُ الْمَحْرَمُ فَلَهُ تَغْسِيلُ الْمَرْأَةِ مِنْ مَحَارِمِهِ إنْ لَمْ تُوجَدْ امْرَأَةٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَرْأَةُ أَقْرَبُ امْرَأَةٍ ثُمَّ أَجْنَبِيَّةٌ ثُمَّ مَحْرَمٌ فَوْقَ ثَوْبٍ يُمِّمَتْ لِكُوعَيْهَا.
١ -
(خَاتِمَةٌ) لَوْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ وَجَنِينُهَا يَضْطَرِبُ فِي بَطْنِهَا فَإِنْ أَمْكَنَ إخْرَاجُهُ مِنْ مَحِلِّهِ فُعِلَ اتِّفَاقًا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَلَا تُدْفَنُ مَا دَامَ حَيًّا، وَاخْتُلِفَ هَلْ تُبْقَرُ بَطْنُهَا لِإِخْرَاجِهِ حَيْثُ رُجِيَ خُرُوجُهُ حَيًّا؟ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَعُزِيَ لِأَشْهَبَ أَيْضًا، وَقِيلَ: لَا تُبْقَرُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَوَقَعَتْ فِي زَمَنِهِمَا وَسُئِلَا عَنْهَا فَأَفْتَى أَشْهَبُ بِالْبَقْرِ، وَافَتَى ابْنُ الْقَاسِمِ بِعَدَمِهِ، فَعَمِلُوا فِيهَا بِكَلَامِ أَشْهَبَ فَخَرَجَ الْجَنِينُ حَيًّا وَكَبُرَ وَصَارَ عَالِمًا يُعَلِّمُ الْعِلْمَ وَيَتَّبِعُ قَوْلَ أَشْهَبَ وَيَدَعُ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ ابْتَلَعَ مَالًا وَلَوْ مَمْلُوكًا لَهُ فَإِنَّ بَطْنَهُ تُبْقَرُ حَيْثُ كَانَ بَال
стр. 300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
لَهُ، قَالَ خَلِيلٌ: وَبَقْرٌ عَنْ مَالٍ كَثُرَ وَلَوْ بِشَاهِدٍ لَا عَنْ جَنِينٍ، وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى الْبَقْرِ إنْ رُجِيَ وَإِنْ قُدِرَ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ مَحَلٍّ فُعِلَ، وَمِثْلُ الْمَالِ الْجَوَاهِرُ النَّفِيسَةُ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى الْحَيَوَانُ الْبَهِيمِيُّ يَمُوتُ بِلَا ذَكَاةٍ وَوَلَدُهُ يَضْطَرِبُ فِي بَطْنِهِ فَلَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ بَقْرِ بَطْنِ أُمِّهِ حَيْثُ رُجِيَ خُرُوجُهُ حَيًّا، وَانْظُرْ كَيْفَ تُبْقَرُ بَطْنُ الْمَيِّتِ لِإِخْرَاجِ الْمَالِ إنْفَاقًا وَيُخْتَلَفُ فِي بَقْرِهَا لِإِخْرَاجِ الْجَنِينِ مَعَ عَظَمَةِ النَّفْسِ وَشَرَفِهَا عَلَى الْمَالِ، وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ لُيُونَةٌ بِأَنَّ نَفْعَ الْمَالِ مُحَقَّقٌ دُونَ الْجَنِينِ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ أَوْ بَعْدَهُ بِسُرْعَةٍ مَعَ أَذِيَّةِ الْأُمِّ بِبَقْرِ بَطْنِهَا وَيُؤْذِي الْمَيِّتَ مَا يُؤْذِي الْحَيَّ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى رُكْنَيْ الْإِسْلَامِ وَهُمَا شَهَادَتَا الْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةُ شَرَعَ فِي الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ:
стр. 301
بَابٌ فِي الصِّيَامِ وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ
يُصَامُ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَيُفْطَرُ لِرُؤْيَتِهِ كَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا فَإِنْ غُمَّ الْهِلَالُ
ــ
[الفواكه الدواني]
[بَاب فِي الصِّيَام]
ِ) وَهُوَ لُغَةً الْإِمْسَاكُ وَالتَّرْكُ وَالصَّمْتُ وَلِوُقُوفِ الْفَرَسِ، وَشَرْعًا الْإِمْسَاكُ عَنْ شَهْوَتِي الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا، مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَأَيَّامِ الْعِيدِ، وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ مُخَالَفَةُ النَّفْسِ وَكَسْرُهَا وَتَصْفِيَةُ مِرْآةِ الْعَقْلِ وَتَنْبِيهُ الْعَبْدِ عَلَى مُوَاسَاةِ الْجَائِعِ وَبَيَّنَ حُكْمَهُ بِقَوْلِهِ: (وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ) عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ بَالِغٍ مُطِيقٍ لَهُ غَيْرِ مُسَافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ، دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» ، إلَى قَوْلِهِ: «وَصَوْمِ رَمَضَانَ» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ انْعَقَدَ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ، فَمَنْ جَحَدَهُ قُتِلَ كُفْرًا إلَّا أَنْ يَتُوبَ كَسَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ، وَمَنْ اعْتَرَفَ بِوُجُوبِهِ وَامْتَنَعَ مِنْ فِعْلِهِ عِنَادًا أَوْ كَسَلًا فَنَقَلَ ابْنُ نَاجِي أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا عَلَى الْمَشْهُورِ لَكِنْ بَعْدَ تَأْخِيرِهِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ اللَّيْلِ مِقْدَارَ مَا يُوقِعُ فِيهِ النِّيَّةَ، وَفُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ بَعْدَ لَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَعْبَانَ، وَحِين فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ الشَّخْصُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ، ثُمَّ نُسِخَ التَّخْيِيرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَوَجَبَ الصَّوْمُ إلَى اللَّيْلِ، وَأُبِيحَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْجِمَاعُ إلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ أَوْ نَوْمُ أَحَدِهِمَا فَيَحْرُمُ جَمِيعُ ذَلِكَ، فَاخْتَارَ عُمَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - زَوْجَتَهُ وَكَذَّبَهَا فِي أَنَّهَا نَامَتْ وَوَطِئَهَا فَنَزَلَ " عَلِمَ اللَّهُ " إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَفِي الذَّخِيرَةِ: اُخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ الصَّوْمِ فِي الْإِسْلَامِ فَقِيلَ عَاشُورَاءُ، وَقِيلَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ اسْمٌ لِلشَّهْرِ عَلَى الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النِّيرَانِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ» كَمَا أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ رَمَضَانَ غَيْرِ مُضَافٍ لِلشَّهْرِ سَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ عَلَى الشَّهْرِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى لَمْ يَصِحَّ، وَسُمِّيَ هَذَا الشَّهْرُ بِرَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ يَرْمَدُ الذُّنُوبَ أَيْ يَحْرُقُهَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَمَّا بَيَّنَ حُكْمَ صَوْمِ رَمَضَانَ شَرَعَ فِي بَيَانِ
[مَا يَثْبُتُ بِهِ شَهْر رَمَضَان]
مَا يَثْبُتُ بِهِ بِقَوْلِهِ: (يُصَامُ) أَيْ شَهْرُ رَمَضَانَ (لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ) حَيْثُ كَانَتْ الرُّؤْيَةُ مِنْ عَدْلَيْنِ، وَمِثْلُ الْعَدْلَيْنِ الْجَمَاعَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ أَيْ الْكَثِيرَةُ الَّذِينَ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فَإِنَّ خَبَرَهُمْ يُفِيدُ الْعِلْمَ أَوْ الظَّنَّ الْقَرِيبَ مِنْهُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ زَمَنِ الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ، وَلَا بَيْنَ الْمِصْرِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ، وَمِثْلُ الْعَدْلَيْنِ الْوَاحِدُ الْمَوْثُوقُ بِخَبَرِهِ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً إذَا كَانَ الْمَحَلُّ لَا يَعْتَنِي فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ فِي حَقِّ أَهْلِ الرَّأْيِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَحَلُّ يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ فَلَا يَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ الْوَاحِدِ وَلَوْ فِي حَقِّ أَهْلِهِ وَلَوْ صَدَّقُوهُ، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ أَمْرَهُ إلَى الْحَاكِمِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ فَإِنْ أَفْطَرَ كَفَّرَ وَلَوْ مُتَأَوِّلًا؛ لِأَنَّ تَأْوِيلَهُ بَعِيدٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَى عَدْلٍ أَوْ مَرْجُوٍّ رَفْعُ رُؤْيَتِهِ، وَالْمُخْتَارُ وَغَيْرُهُمَا فَإِنْ أَفْطَرُوا فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ إلَّا بِتَأْوِيلٍ فَتَأْوِيلَانِ وَالرَّاجِحُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ قَبُولِ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ الْوَاحِدِ وَعَدَمِ قَبُولِ قَوْلِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ، مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخَبِّرٌ بِدُخُولِ وَقْتٍ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ يَسْتَنِدُ فِي إخْبَارِهِ إلَى أَمْرٍ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَوْ أَخْطَأَ لَنَبَّهَهُ غَيْرُهُ، بِخِلَافِ الْهِلَالِ وَلَا سِيَّمَا جَمِيعُ النَّاسِ حَرَصَ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَهُمْ كَالْمُعَارِضِينَ لِمُدَّعِي الرُّؤْيَةِ، وَيُفْهَمُ مِنْ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ بِرُؤْيَةٍ أَنَّهُ لَا يُعَوَّلُ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ إنَّهُ مَوْجُودٌ وَلَكِنْ لَا يُرَى؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا يُعَوِّلُ عَلَى الرُّؤْيَةِ لَا عَلَى الْوُجُودِ، خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) : سُمِّيَ الْهِلَالُ هِلَالًا لِرَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وَيُسَمَّى بِذَلِكَ لِثَلَاثِ لَيَالٍ ثُمَّ بَعْدُ يُسَمَّى قَمَرًا، وَسُمِّيَ الشَّهْرُ شَهْرًا لِشُهْرَتِهِ.
(وَ) كَمَا يَجِبُ الصَّوْمُ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ (يُفْطَرُ لِرُؤْيَتِهِ) أَيْ هِلَالِ شَوَّالٍ فَالضَّمِيرُ لِلْمُقَيَّدِ بِدُونِ قَيْدِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ هِلَالُ رَمَضَانَ وَالثَّانِي هِلَالُ شَوَّالٍ وَسَوَاءٌ (كَانَ) رَمَضَانُ (ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا) لِأَنَّ الشَّهْرَ يَأْتِي كَامِلًا
стр. 302
فَيُعَدُّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ غُرَّةِ الشَّهْرِ الَّذِي قَبْلَهُ ثُمَّ يُصَامُ وَكَذَلِكَ فِي الْفِطْرِ
وَيُبَيِّتُ الصِّيَامَ فِي أَوَّلِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْبَيَاتُ فِي بَقِيَّتِهِ، وَيُتِمُّ الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ
وَمِنْ السُّنَّةِ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ وَإِنْ شَكَّ فِي الْفَجْرِ فَلَا يَأْكُلْ
وَلَا يُصَامُ يَوْمُ
ــ
[الفواكه الدواني]
وَنَاقِصًا.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵀: «صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرَ مَا صُمْنَا مَعَهُ ثَلَاثِينَ» ، ثُمَّ ذَكَرَ مَفْهُومَ قَوْلِهِ يُصَامُ لِرُؤْيَتِهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ غُمَّ الْهِلَالُ) أَيْ هِلَالُ رَمَضَانَ بِأَنْ كَثُرَ الْغَيْمُ مَكَانَهُ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مَعَ رُؤْيَةِ هِلَالِ شَعْبَانَ (فَيَعُدُّ) الْمُكَلَّفُ (ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ غُرَّةِ) أَيْ أَوَّلِ الشَّهْرِ (الَّذِي قَبْلَهُ) وَهُوَ شَعْبَانُ (ثُمَّ) بَعْدَ إتْمَامِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، يَوْمًا (يَصُومُ) أَيْ يَثْبُتُ صَوْمُ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْوَاحِدِ وَالثَّلَاثِينَ الَّتِي ابْتِدَاؤُهَا مِنْ غُرَّةِ شَعْبَانَ، وَلَوْ تَوَالَى الْغَيْمُ شُهُورًا فَفِي الطِّرَازِ عَنْ مَالِكٍ يُكْمِلُونَ عِدَّةَ الْجَمِيعِ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُهُ اتِّبَاعًا لِحَدِيثِ: «الشَّهْرُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» وَلَوْ تَوَالَى ثَلَاثَةٌ عَلَى الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ كَمَالُ الشُّهُورِ، وَلَا الْتِفَاتَ إلَى حِسَابِ الْمُنَجِّمِينَ وَلَا لِقَوْلِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ إنَّهُ لَا يَتَوَالَى أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةٍ أَوْ خَمْسَةٍ عَلَى التَّمَامِ وَلَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ عَلَى النُّقْصَانِ، وَإِلَى هَذَا كُلِّهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: يَثْبُتُ رَمَضَانُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ وَلَوْ بِصَحْوٍ بِمِصْرٍ، فَإِنْ لَمْ يُرَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ صَحْوًا كُذِّبَا أَوْ مُسْتَفِيضَةً وَعَمَّ إنْ نَقَلَ بِهِمَا عَنْهُمَا لَا بِمُنْفَرِدٍ إلَّا كَأَهْلِهِ وَمَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِأَمْرِهِ، وَالضَّمِيرُ فِي كُذِّبَا لِلْعَدْلَيْنِ، وَمِثْلُهُمَا مَا زَادَ عَلَيْهِمَا، وَلَمْ يَبْلُغْ عَدَدَ الْمُسْتَفِيضَةِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يُرَ أَيْ بِغَيْرِ الْعَدْلَيْنِ الَّذِينَ ادَّعَيَا رُؤْيَتَهُ وَصَامَتْ النَّاسُ بِشَهَادَتِهِمَا وَمَعَ تَكْذِيبِهِمَا صَوْمُ النَّاسِ بِرُؤْيَتِهِمَا مُعْتَدٌّ بِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَنَظَرَ الْأُجْهُورِيُّ فِيمَا إذَا رَأَى شَخْصٌ الْهِلَالَ وَصَامَ بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ وَلَمْ يُرَ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ صَحْوًا فَهَلْ يُكَذِّبُ نَفْسَهُ أَوْ يَعْمَلُ عَلَى اعْتِقَادِهِ؟ وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ وَهُمْ الَّذِينَ يُفِيدُ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ أَوْ الظَّنَّ الْقَرِيبَ مِنْهُ فَلَا يُحْكَمُ بِتَكْذِيبِهِمْ لِإِسْلَامِ جَمِيعِهِمْ وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ النِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: كَمَا يَثْبُتُ رَمَضَانُ بِرُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ أَوْ بِرُؤْيَةِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ أَوْ بِكَمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ بِرُؤْيَةِ مُنْفَرِدٍ بِمَحَلٍّ لَا يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ يَثْبُتُ بِنَقْلِ عَدْلَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٍ مُسْتَفِيضَةٍ عَنْ عَدْلَيْنِ أَوْ عَنْ جَمَاعَةٍ مُسْتَفِيضَةٍ، لَكِنْ إنْ كَانَ عَنْ رُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْقُلَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ أَوْ عَنْ الثُّبُوتِ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ عَنْ الْجَمَاعَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ فَيُكْتَفَى وَلَوْ بِوَاحِدٍ وَلَوْ فِي مَحَلٍّ يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ، وَكَذَا يَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ الْمَنَائِرِ مَوْقُودَةً حَيْثُ كَانَتْ لَا تُوقَدُ إلَّا بَعْدَ الثُّبُوتِ الشَّرْعِيِّ كَمَا عِنْدَنَا بِمِصْرَ، وَمِثْلُهَا سَمَاعُ الْمَدَافِعِ فَإِنَّهَا لَا تُضْرَبُ عِنْدَ الْغُرُوبِ إلَّا لِثُبُوتِ الشَّهْرِ.
الثَّانِي: وُجُوبُ الصَّوْمِ عِنْدَنَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ، فَلَوْ حَكَمَ مُخَالِفٌ بِثُبُوتِهِ بِرُؤْيَةِ وَاحِدٍ فِي مَحَلٍّ يَعْتَنِي أَهْلُهُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَفِي لُزُومِهِ لِلْمَالِكِيِّ وَعَدَمِ لُزُومِهِ تَرَدُّدٌ، وَلَوْ أَخْبَرَ الْحَاكِمُ شَخْصًا بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِمَنْ أَخْبَرَهُ فِي الْمَذْهَبِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُخَالِفًا فِي الْمَذْهَبِ لِمَنْ أَخْبَرَهُ فَإِنَّهُ يَسْأَلُهُ، فَإِنْ وُجِدَ الثُّبُوتُ بِشَاهِدَيْنِ لَزِمَهُ الصَّوْمُ وَبِوَاحِدٍ جَرَى الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ، وَلَوْ ادَّعَى السُّلْطَانُ أَوْ الْقَاضِي الرُّؤْيَةَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ رُؤْيَةِ الْوَاحِدِ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَ الْمَحَلُّ يُعْتَنَى فِيهِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَلَوْ صَدَّقْنَاهُ لَا يَلْزَمُنَا الصَّوْمُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمَذَاهِبِ.
الثَّالِثُ: لَوْ رَأَى شَخْصٌ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِالصَّوْمِ لَا يَلْزَمُ الرَّائِيَ وَلَا غَيْرَهُ إجْمَاعًا لِاخْتِلَالِ ضَبْطِ النَّائِمِ لَا لِلشَّكِّ فِي رُؤْيَتِهِ ﷺ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ إجْمَاعًا.
(وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَمَا يَجِبُ الصَّوْمُ لِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ أَوْ لِإِتْمَامِ عِدَّةِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا يَفْعَلُ (فِي الْفِطْرِ) فَيَجِبُ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٍ مُسْتَفِيضَةٍ لِهِلَالِ شَوَّالٍ أَوْ لِإِتْمَامِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ غُرَّةِ هِلَالِ رَمَضَانَ لَا بِرُؤْيَةِ مُنْفَرِدٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُفْطِرُ مُنْفَرِدٌ بِشَوَّالٍ وَلَوْ أَمِنَ الظُّهُورَ إلَّا بِمُبِيحٍ كَمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، وَلَكِنْ يُفْطِرُ بِالنِّيَّةِ لِحُرْمَةِ الْإِمْسَاكِ بِالنِّيَّةِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ هِلَالُ شَوَّالٍ بِرُؤْيَةِ الْوَاحِدِ، وَلَا فِي مَحَلٍّ لَا يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ وَهُوَ كَذَلِكَ حَتَّى عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِثُبُوتِ رَمَضَانَ بِعَدْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
[شُرُوطِ الصَّوْمِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَعْضِ شُرُوطِ الصَّوْمِ بِقَوْلِهِ: (وَيُبَيِّتُ الصِّيَامَ) أَيْ يَنْوِي الصَّوْمَ وُجُوبًا (فِي أَوَّلِهِ) بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَغُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصِحَّتُهُ مُطْلَقًا بِنِيَّةٍ مُبَيَّتَةٍ أَوْ مَعَ الْفَجْرِ، وَكَفَتْ نِيَّةٌ لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ لَا مَسْرُودٌ وَيَوْمٌ مُعَيَّنٌ، وَرُؤْيَةٌ عَلَى الِاكْتِفَاءِ فِيهِمَا بِنِيَّةٍ، وَصِفَتُهَا أَنْ يَنْوِيَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَدَاءِ مَا اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِغْرَاقِ النَّهَارِ فِي كُلِّ أَيَّامِهِ بِالْإِمْسَاكِ عَمَّا يُفْطِرُ، وَلَا يَلْزَمُ تَعْيِينُ سَنَةِ رَمَضَانَ كَالْيَوْمِ لِلصَّلَاةِ، فَالْمُرَادُ بِالتَّبْيِيتِ نِيَّةُ الصَّوْمِ لَيْلًا الَّذِي أَوَّلُهُ الْغُرُوبُ وَآخِرُهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ قَوْلُهُ ﷺ : «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ التَّبْيِيتِ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصَّوْمَ» إنَّمَا صَحَّتْ مَعَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النِّيَّةِ مُقَارَنَتُهَا لِأَوَّلِ الْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا اُغْتُفِرَ تَقَدُّمُهَا فِي الصَّوْمِ لِمَشَقَّةِ تَحَرِّي الْفَجْرِ. (وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْبَيَاتُ) كُلَّ لَيْلَةٍ (فِي بَقِيَّتِهِ) وَكَذَلِكَ كُلُّ صَوْمٍ يَجِبُ تَتَابُعُهُ يَكْفِي النِّيَّةُ
стр. 303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
الْوَاحِدَةُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكَفَتْ نِيَّةُ لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ لَا مَسْرُودٌ وَيَوْمٌ مُعَيَّنٌ، وَالْمَنْفِيُّ إنَّمَا هُوَ وُجُوبُ التَّبْيِيتِ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَبْيِيتُهَا كُلَّ لَيْلَةٍ لِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ يَقُولَانِ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ كُلَّ لَيْلَةٍ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ صَوْمُ رَمَضَانَ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ كُلُّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، فَالْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ إنْ تَمَادَيَا عَلَى الصَّوْمِ يَجِبُ عَلَيْهِمَا النِّيَّةُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لِعَدَمِ وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي حَقِّهِمَا وَعِنْدَ صِحَّةِ الْمَرِيضِ، وَقُدُومِ الْمُسَافِرِ يَكْفِيهِمَا نِيَّةٌ لِمَا بَقِيَ كَالْحَائِضِ تَطْهُرُ وَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ وَالْكَافِرِ يُسْلِمُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ.
(وَ) يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ صَامَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا أَنْ (يُتِمَّ الصِّيَامَ إلَى) تَحَقُّقِ دُخُولِ (اللَّيْلِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَقَوْلِهِ ﷺ : «إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» أَيْ انْقَضَى صَوْمُهُ، وَقَوْلُهُ: إلَى تَحَقُّقِ دُخُولِ اللَّيْلِ إشَارَةٌ إلَى خُرُوجِ الْغَايَةِ، وَإِلَى حُرْمَةِ اسْتِعْمَالِ الْمُفْطِرِ عِنْدَ الْغُرُوبِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ غَيْرِ كَفَّارَةٍ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَكْلَهُ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَلَا قَضَاءَ، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: إلَى اللَّيْلِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ الْوِصَالُ لِخَبَرِ: «لَا تُوَاصِلُوا» وَإِنْ أُبِيحَ لَهُ ﷺ الْوِصَالُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شُرُوطَ الصَّوْمِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ وَهُوَ اثْنَانِ: الْبُلُوغُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الصَّوْمِ. وَثَانِيهَا شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ فَقَطْ وَهُوَ أَرْبَعٌ: الْإِسْلَامُ وَالْكَفُّ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ وَالنِّيَّةُ الْمُبَيَّتَةُ وَالزَّمَنُ الْقَابِلُ لِلصَّوْمِ فِيمَا لَيْسَ لَهُ زَمَنٌ مُعَيَّنٌ. ثَالِثُهَا فِي الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: الْعَقْلُ وَالنَّقَاءُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَدُخُولُ وَقْتِ الصَّوْمِ فِيمَا لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ كَرَمَضَانَ
. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُطْلَبُ مِنْ الصَّائِمِ أَوْ مَرِيدِ الصَّوْمِ بِقَوْلِهِ: (وَمِنْ السُّنَّةِ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ) بَعْدَ تَحَقُّقِ الْغُرُوبِ بِغُرُوبِ جَمِيعِ قُرْصِ الشَّمْسِ لِمَنْ يَنْظُرُهُ أَوْ دُخُولِ الظُّلْمَةِ، وَغَلَبَةِ الظَّنِّ بِالْغُرُوبِ لِمَنْ لَمْ يَنْظُرْ قُرْصَ الشَّمْسِ، كَمَحْبُوسٍ بِحُفْرَةٍ تَحْتَ الْأَرْضِ وَلَا مُخْبِرَ لَهُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ تَأْخِيرُ الْفِطْرِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ أَهْلِ التَّشْدِيدِ، وَأَمَّا مَنْ يُؤَخِّرُهُ لِعَارِضٍ أَوْ اخْتِيَارًا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ الصَّوْمَ قَدْ انْتَهَى بِالْغُرُوبِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي فِعْلِهِ، وَيُسْتَحَبُّ فِطْرُهُ عَلَى شَيْءٍ حُلْوٍ فَفِي الْحَدِيثِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رُطَبَاتٍ فَثَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» وَالْحَسَوَاتُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَالْمُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِ الْفِطْرُ عَلَى مَاءِ زَمْزَمَ لِبَرَكَتِهِ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّمْرِ فَحَسَنٌ، وَإِنَّمَا نُدِبَ الْفِطْرُ عَلَى التَّمْرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْحَلْوَيَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ مَا زَاغَ مِنْ الْبَصَرِ بِالصَّوْمِ، وَيَقُولُ نَدْبًا عِنْدَ الْفِطْرِ: اللَّهُمَّ لَك صُمْت وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت، أَوْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَك صُمْت وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْت، ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّ لِلصَّائِمِ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً قِيلَ هِيَ بَيْنَ رَفْعِ اللُّقْمَةِ وَوَضْعِهَا فِي فِيهِ.
(وَ) مِنْ السُّنَّةِ أَيْضًا (تَأْخِيرُ السُّحُورِ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ لِلْفِعْلِ، وَبِفَتْحِهَا الْمَأْكُولُ فِي السَّحَرِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» وَوَرَدَ أَيْضًا: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ» وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ سُنَّةِ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرِ السُّحُورِ مِثْلُهُ فِي الْقُرْطِيَّةِ وَالْجَوَاهِرِ لَكِنْ فِي تَعْجِيلِ الْفِطْرِ، وَاَلَّذِي فِي خَلِيلٍ أَنَّهُمَا مُسْتَحَبَّانِ وَلَفْظُهُ: وَنُدِبَ تَعْجِيلُ فِطْرٍ وَتَأْخِيرُ سُحُورٍ.
قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ: وَقَدْرُ التَّأْخِيرِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إلَى الْفَجْرِ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الْقَارِئُ خَمْسِينَ آيَةً وَلَعَلَّ الْمُرَادَ الْقَارِئُ الْمُتَمَهِّلُ فِي قِرَاءَتِهِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ تَأْخِيرِ السُّحُورِ وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ فِعْلِهِ، وَهَذَا النَّدْبُ لِخَبَرِ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ السُّحُورَ بَرَكَةٌ» ؛ لِأَنَّهُ يُقَوِّي عَلَى الصِّيَامِ وَيُنَشِّطُ ". الثَّانِي: فُهِمَ مِنْ نَدْبِ أَوْ سُنَّةِ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ تَقْدِيمُهُ عَلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ وَقَعَ عَلَى نَحْوِ رُطَبَاتٍ مِنْ كُلِّ مَا خَفَّ، وَإِلَّا قُدِّمَتْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مُضَيَّقٌ، هَذَا هُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَبِيبٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا فِي تَقْدِيمِ الطَّعَامِ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا قَالَاهُ عَلَى الْفِطْرِ بِغَيْرِ الْفِطْرِ عَلَى الرُّطَبِ أَوْ الْمَاءِ فَلَا يُخَالِفُ مَا قُلْنَاهُ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ طَلَبِ تَأْخِيرِ السُّحُورِ جَوَازُ فِعْلِهِ عِنْدَ الشَّكِّ فِي الْوَقْتِ قَالَ: (وَإِنْ شَكَّ) مَرِيدُ السُّحُورِ (فِي الْفَجْرِ فَلَا يَأْكُلْ) وَلَا يَشْرَبْ وَلَا يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ الْمُفْطِرَاتِ، وَمِثْلُ الشَّكِّ فِي الْفَجْرِ الشَّكُّ فِي الْغُرُوبِ، وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ فِيهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْأَوَّلِ وَاتِّفَاقًا فِي الثَّانِي، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ وَفِي الثَّانِي بَقَاءُ النَّهَارِ، وَأَيْضًا اللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ غَايَةَ الصَّوْمِ اللَّيْلَ لَا الشَّكَّ فِيهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَنْ أَكَلَ مَعَ الشَّكِّ وَهُوَ الْقَضَاءُ، إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ الْأَكْلَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ
стр. 304
الشَّكِّ لِيَحْتَاطَ بِهِ مِنْ رَمَضَانَ وَمَنْ صَامَهُ كَذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ وَافَقَهُ مِنْ رَمَضَانَ وَلِمَنْ شَاءَ صَوْمَهُ تَطَوُّعًا أَنْ يَفْعَلَ
وَمَنْ أَصْبَحَ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِهِ وَلْيُمْسِكْ عَنْ الْأَكْلِ فِي بَقِيَّتِهِ وَيَقْضِيهِ
وَإِذَا قَدِمَ الْمُسَافِرُ مُفْطِرًا أَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ نَهَارًا فَلَهُمَا الْأَكْلُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِمَا
وَمَنْ أَفْطَرَ فِي تَطَوُّعِهِ عَامِدًا أَوْ سَافَرَ
ــ
[الفواكه الدواني]
بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَلْزَمُ الْمُنْتَهِكَ لِلْحُرْمَةِ، وَمِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ مَنْ أَكَلَ عَلَى يَقِينٍ ثُمَّ طَرَأَ لَهُ الشَّكُّ فِي الْفَجْرِ أَوْ الْغُرُوبِ وَاسْتَمَرَّ عَلَى شَكِّهِ.
الثَّانِي: لَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِالْفِطْرِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إلْقَاءُ مَا فِي فَمِهِ وَنَزْعُ فَرْجِهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، فَلَوْ مَكَثَ قَلِيلًا مُتَعَمِّدًا لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا قَضَاءَ فِي نَزْعِ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ طُلُوعَ الْفَجْرِ.
الثَّالِثُ: لَوْ غَرَّهُ شَخْصٌ وَقَالَ لَهُ كُلْ مَثَلًا فَإِنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ فَأَكَلَ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ طَلَعَ وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ أَكَلَ مِنْ غَيْرِ كَفَّارَةٍ، وَفِي لُزُومِهَا لِلْغَارِّ قَوْلَانِ، وَأَمَّا لَوْ أَكْرَهَ شَخْصٌ شَخْصًا عَلَى الْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ لَلَزِمَ الْمُكْرَهَ بِالْفَتْحِ الْقَضَاءُ وَيَلْزَمُ الْمُكْرِهَ الْكَفَّارَةُ، بِخِلَافِ مَنْ أَكْرَهَ غَيْرَهُ عَلَى جِمَاعِ امْرَأَةٍ لَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الِانْتِشَارَ مَعَهُ نَوْعُ اخْتِيَارٍ، وَإِنَّمَا لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَكْرَهَ غَيْرَهُ عَلَى الْجِمَاعِ لَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَا يَلْزَمُ الْمُكْرَهَ بِالْفَتْحِ أَيْضًا، لِأَنَّ لُزُومَ الْكَفَّارَةِ مَشْرُوطٌ بِالتَّعَمُّدِ.
(وَلَا يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ) أَيْ يُكْرَهُ إذَا صَامَهُ (لِيَحْتَاطَ) أَيْ يَحْتَسِبَ (بِهِ مِنْ رَمَضَانَ) وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي جَزْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ لِخَبَرِ: «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ » وَالْمُرَادُ بِيَوْمِ الشَّكِّ صَبِيحَةُ لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ حَيْثُ تَكُونُ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً وَيَشِيعُ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ الَّذِينَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ أَنَّ النَّاسَ قَدْ رَأَوْا الْهِلَالَ لَا صَبِيحَةَ الْغَيْمِ، وَمَالَ إلَى هَذَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ أَئِمَّتِنَا قَائِلًا: وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي لِأَنَّنَا لَيْلَةَ الْغَيْمِ مَأْمُورُونَ بِإِكْمَالِ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لِخَبَرِ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ أَوْ فَاقْدُرُوا لَهُ» فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ عَمَلًا بِالِاسْتِصْحَابِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: إنَّ تَفْسِيرَ يَوْمِ الشَّكِّ بِمَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إلَى النَّفْسِ أَمْيَلُ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِيَحْتَاطَ بِهِ أَنَّ الْإِمْسَاكَ فِيهِ لِيَتَحَقَّقَ لَا يُنْهَى عَنْهُ بَلْ مَنْدُوبٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ إمْسَاكٌ لِيَتَحَقَّقَ. (وَمَنْ صَامَهُ كَذَلِكَ) أَيْ لِلِاحْتِيَاطِ (لَمْ يُجْزِهِ) لِعَدَمِ جَزْمِ النِّيَّةِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الشَّهْرِ وَقْتَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ. (وَإِنْ وَافَقَهُ مِنْ رَمَضَانَ) خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الشُّهُورُ فَتَحَرَّى شَهْرًا وَصَامَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ رَمَضَانُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَ سَحْنُونٌ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ قَوْلِ شَيْخِهِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ الْمُعْتَمَدِ أَنَّ الْمُتَحَرِّيَ مَأْمُورٌ بِالصَّوْمِ وَجَازِمٌ بِنِيَّتِهِ، بِخِلَافِ الصَّائِمِ احْتِيَاطًا فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَلَّمَ شَاكًّا فِي إتْمَامِ صَلَاتِهِ فَإِنَّهَا بَاطِلَةٌ وَلَوْ تَبَيَّنَ لَهُ الْكَمَالُ، وَكَذَلِكَ مَنْ شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ وَصَلَّى فِي حَالِ شَكِّهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ وَلَوْ تَبَيَّنَ وُقُوعَهَا فِيهِ، وَلَمَّا كَانَ مَحَلُّ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ مُخْتَصًّا بِالِاحْتِيَاطِ قَالَ (وَلِمَنْ شَاءَ صَوْمَهُ تَطَوُّعًا أَنْ يَفْعَلَ) أَيْ لَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصِيمَ عَادَةً وَتَطَوُّعًا وَقَضَاءً وَلِنَذْرٍ صَادَفَ لَا احْتِيَاطًا، بَلْ قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ: لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ صَادَفَ لِمَا عَرَفْت مِنْ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ صَامَهُ احْتِيَاطًا.
(وَمَنْ أَصْبَحَ) أَيْ دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ يَوْمَ الشَّكِّ (فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ) فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ (أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِهِ) لِعَدَمِ تَبْيِيتِهِ النِّيَّةَ الصَّحِيحَةَ.
(وَلْيُمْسِكْ) وُجُوبًا (عَنْ الْأَكْلِ) وَالشُّرْبِ وَسَائِرِ الْمُفْطِرَاتِ (فِي بَقِيَّتِهِ وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَقْضِيَهُ) لِفَسَادِ صَوْمِهِ وَالتَّمَادِي فِيهِ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَلَوْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَلِذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَإِنْ ثَبَتَ نَهَارًا أَمْسَكَ وَإِلَّا كَفَّرَ إنْ انْتَهَكَ بِأَنْ أَفْطَرَ عَالِمًا بِوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ وَحُرْمَةِ الْفِطْرِ، وَمِثْلُهُ الْمُفْطِرُ نِسْيَانًا أَوْ مُكْرَهًا فِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ إنْ انْتَهَكَ كُلَّ بِأَنْ تَمَادَى عَلَى الْفِطْرِ عَالِمًا بِوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ بَعْدَ زَوَالِ النِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ، بِخِلَافِ مَنْ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ كَالْمُضْطَرِّ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى وَاحِدٍ بِأَكْلِهِ أَوْ شُرْبِهِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُفْطِرِ لِإِكْرَاهٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ لِلشَّكِّ فِي أَنَّ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ قَالَ التَّادَلِيُّ: عِبَادَتَانِ يَلْزَمُ التَّمَادِي فِيهِمَا بَعْدَ فَسَادِهِمَا كَمَا يَجِبُ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَهُمَا: الصَّوْمُ وَالْحَجُّ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَيَجِبُ قَطْعُ الْفَاسِدِ مِنْهَا وَيَحْرُمُ التَّمَادِي عَلَيْهَا، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الصَّوْمَ وَالْحَجَّ فَسَادُهُمَا فِي الْغَالِبِ بِشَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَشِدَّةِ مَيْلِ النَّفْسِ، فَأَمَرَ الشَّخْصَ بِالتَّمَادِي فِيهِمَا زَجْرًا لِلنَّفْسِ وَإِنْ وَجَبَ قَضَاؤُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ وُجُوبُ الْإِمْسَاكِ عَلَى مَنْ أَكَلَ نَهَارًا فِي رَمَضَانَ مُخْتَصًّا بِمَنْ أَفْطَرَ نِسْيَانًا أَوْ مُكْرَهًا لَا مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ
قَالَ: (وَإِذَا قَدِمَ الْمُسَافِرُ) مِنْ سَفَرِهِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ فِيهِ الْفِطْرُ حَالَةَ كَوْنِهِ (مُفْطِرًا أَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ) أَوْ النُّفَسَاءُ (نَهَارًا) ظَرْفٌ لَقَدِمَ وَطَهُرَتْ (فَلَهُمَا) أَيْ يَجُوزُ لَهُمَا التَّمَادِي عَلَى نَحْوٍ (الْأَكْلُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِمَا) وَكَالْمُفْطِرِ لِضَرُورَةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ، وَالْمُرْضِعِ يَمُوتُ وَلَدُهَا نَهَارًا، وَالْمَرِيضِ يَقْوَى، وَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ وَلَمْ يَكُنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ أَوْ بَيَّتَهُ وَأَفْطَرَ عَمْدًا قَبْلَ بُلُوغِهِ
стр. 305
فِيهِ فَأَفْطَرَ لِسَفَرِهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَإِنْ أَفْطَرَ سَاهِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْفَرِيضَةِ
وَلَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ فِي جَمِيعِ
ــ
[الفواكه الدواني]
فَلَا يَجِبُ الْإِمْسَاكُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ يُبَيِّتُ الصَّوْمَ وَيَسْتَمِرُّ صَائِمًا حَتَّى بَلَغَ أَوْ أَفْطَرَ نَاسِيًا وَأَمْسَكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ لِعُذْرٍ غَيْرِ إكْرَاهٍ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ، وَأُخْرَى مِنْ ذِي الْعُذْرِ الْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ وَلَا يُسْتَحَبُّ، بِخِلَافِ مَنْ يُبَاحُ لَهُ لَا مَعَ الْعِلْمِ كَالنَّاسِي أَوْ لِعُذْرِ إكْرَاهٍ وَأُلْحِقَ بِهِمَا الشَّاكُّ فِي الْيَوْمِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَضَابِطُ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ مَخْدُوشٌ مَنْطُوقًا بِالْمُكْرَهِ وَمَفْهُومًا بِالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونِ لِمَا قَدَّمْته لَك مِنْ حُكْمِهِمَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى جَوَازِ اسْتِمْرَارِ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ وَمَنْ مَعَهُ جَوَازُ وَطْءِ كُلٍّ زَوْجَتَهُ الَّتِي طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا أَوْ نِفَاسِهَا يَوْمَ قُدُومِهِ وَيَجُوزُ لَهَا تَمْكِينُهُ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ وَطْءُ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ صَائِمَةً أَوْ صَائِمَةً حَيْثُ لَا يُفْسِدُ الْوَطْءُ صَوْمَهَا فِي دِينِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إكْرَاهُهَا عَلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهَا فِي دِينِهَا، كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ التَّوَجُّهِ إلَى نَحْوِ الْكَنِيسَةِ أَوْ مِنْ شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ أَكْلِ خِنْزِيرٍ.
الثَّانِي: وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْكَافِرِ يُسْلِمُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ خِطَابِهِ لَمْ يُنْدَبْ لَهُ الْإِمْسَاكُ كَالصَّبِيِّ يَحْتَلِمُ نَهَارًا، وَإِنْ قُلْنَا بِخِطَابِهِ نُدِبَ لَهُ الْإِمْسَاكُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ لِيَظْهَرَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ بِسُرْعَةٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ قَضَاءُ يَوْمِ الْإِسْلَامِ دُونَ مَا قَبْلَهُ، وَلَمَّا كَانَتْ التَّطَوُّعَاتُ تَصِيرُ عِنْدَنَا وَاجِبَةَ الْإِتْمَامِ بِالشُّرُوعِ فِيهَا وَيَحْرُمُ تَعَمُّدُ فَسَادِهَا قَالَ:
(وَمَنْ أَفْطَرَ) مِنْ الْمُكَلَّفِينَ (فِي تَطَوُّعِهِ عَامِدًا) عَمْدًا حَرَامًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ كَسَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ الَّتِي يَتَعَمَّدُ إفْسَادَهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقَضَاءٌ فِي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ الْحَرَامِ وَلَوْ بِطَلَاقٍ بَتٍّ إلَّا لِوَجْهٍ كَوَالِدٍ وَشَيْخٍ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا فَإِنَّهُمَا إنْ أَمَرَاهُ بِالْفِطْرِ شَفَقَةً عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ: أُحِبُّ أَنْ يُطِيعَهُمَا وَيُفْطِرَ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا وَلَا حُرْمَةَ وَلَا قَضَاءَ، وَمِثْلُ الْوَالِدَيْنِ السَّيِّدُ مَعَ عَبْدِهِ، وَالْمُرَادُ الْوَالِدَانِ دَنِيَّةً لَا الْجَدُّ وَلَا الْجَدَّةُ، وَأَمَّا الْفِطْرُ لِنَحْوِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ جُوعٍ أَوْ مَرَضٍ فَلَا يَلْزَمُ بِهِ قَضَاءٌ؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ غَيْرُ حَرَامٍ. (أَوْ سَافَرَ) عَطْفٌ عَلَى أَفْطَرَ (فِيهِ) أَيْ فِي زَمَنِ تَطَوُّعِهِ بِالصَّوْمِ (فَأَفْطَرَ) فِيهِ عَمْدًا لَا لِعُذْرٍ بَلْ (لِسَفَرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِحُرْمَةِ فِطْرِ الْمُتَطَوِّعِ اخْتِيَارًا؛ لِأَنَّ جَوَازَ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ مُخْتَصٌّ بِرَمَضَانَ لَا فِي غَيْرِهِ مِنْ نَحْوِ كَفَّارَةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ وَالرُّخَصُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا، فَقَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ رَاجِعٌ لِمَنْ أَفْطَرَ فِي تَطَوُّعِهِ عَامِدًا وَلِمَنْ أَفْطَرَ فِي سَفَرِهِ، فَحَذَفَهُ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ جَوَابُ مَنْ الشَّرْطِيَّةِ، فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ حَدِيثُ: «الصَّائِمُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» فَإِنَّهُ يَقْتَضِي جَوَازَ الْفِطْرِ لِلْمُتَطَوِّعِ وَعَدَمَ لُزُومِ الْقَضَاءِ فَمَا الْجَوَابُ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ فِي سَنَدِ الْحَدِيثِ مَقَالًا فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ سَلَّمْنَا صِحَّتَهُ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَجَازِ، وَالْمَجَازُ إمَّا فِي أَوَّلِهِ وَإِمَّا فِي آخِرِهِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّائِمِ فِيهِ إمَّا مَرِيدُ الصَّوْمِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ صَامَ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالصَّائِمِ الْمُتَلَبِّسِ بِالصَّوْمِ فَيَكُونُ الصَّائِمُ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ صَامَ مَعْنَاهُ اسْتَمَرَّ عَلَى صَوْمِهِ فَيَكُونُ مَجَازًا، وَارْتِكَابُ الْمَجَازِ فِي أَوَّلِهِ يُعَيِّنُهُ أَدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] هَكَذَا أَجَابَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ، وَرُبَّمَا يُعَيِّنُ فِيهِ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَدَعَا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ نَاوَلَهَا فَشَرِبَتْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا كُنْت صَائِمَةً، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» فَلَعَلَّ الصَّوَابَ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ لِلْآيَاتِ السَّابِقَةِ، وَلِمَا فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ: «أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ﵄ أَصْبَحَتَا مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأُهْدِيَ لَهُمَا طَعَامٌ فَأَفْطَرَتَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا: اقْضِيَا مَكَانَهُ يَوْمًا آخَرَ» فَلَوْ كَانَ الْفِطْرُ مُبَاحًا لَمْ يَلْزَمْهُمَا الْقَضَاءُ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَى مَا قُلْنَا، أَلَا تَرَى لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ذَلِكَ يَلْعَبُ بِصِيَامِهِ؟ وَأَيْضًا جَاءَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» أَيْ فَلِيَدْعُ إلَى أَهْلِ الطَّعَامِ، وَوَرَدَ صَرِيحًا «فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلَا يَأْكُلْ» وَمُلَخَّصُ الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا عَمَلَ عَلَيْهِ مَعَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ. ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومٍ عَامِدًا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أَفْطَرَ) فِي تَطَوُّعِهِ حَالَ كَوْنِهِ (سَاهِيًا) أَوْ مُكْرَهًا (فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ تَعَمُّدِهِ وَلَكِنْ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي نَدْبِ قَضَائِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَمِثْلُ النَّاسِي الْمُفْطِرُ لِضَرُورَةٍ كَجُوعٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ لِوَجْهٍ كَأَمْرِ شَيْخِهِ أَوْ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، وَالْمُرَادُ شَيْخُهُ فِي الْعِلْمِ أَوْ الطَّرِيقَةِ، وَلَمَّا كَانَ عَدَمُ لُزُومِ الْقَضَاءِ فِي الْفِطْرِ لَا عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ مُخْتَصًّا بِالتَّطَوُّعِ قَالَ: (بِخِلَافِ) صَوْمِ (الْفَرِيضَةِ) فَإِنَّهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ وَلَوْ بِفِطْرِ النِّسْيَانِ، وَسَوَاءٌ رَمَضَانُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ نَحْوِ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ إلَّا الْمُعَيَّنَ يَفُوتُ صَوْمُهُ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِسْيَانٍ عَلَى مَا قَالَ خَلِيلٌ فَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ،
وَلَمَّا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ
стр. 306
نَهَارِهِ
وَلَا تُكْرَهُ لَهُ الْحِجَامَةُ إلَّا خِيفَةَ التَّغْرِيرِ
وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فِي رَمَضَانَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَإِنْ اسْتَقَاءَ فَقَاءَ فَعَلَيْهِ
ــ
[الفواكه الدواني]
فِي حُكْمِ الِاسْتِيَاكِ فِي حَقِّ الصَّائِمِ، أَشَارَ الْمُصَنِّفُ لِبَيَانِ حُكْمِهِ فِي الْمَذْهَبِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ) أَيْ الِاسْتِيَاكِ بِعُودٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ (لِلصَّائِمِ فِي جَمِيعِ نَهَارِهِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ سِوَاكٌ كُلَّ النَّهَارِ، فَلَا بَأْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى الْإِذْنِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ نَدْبُهُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَوَقْتِ الْوُضُوءِ وَلَكِنْ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَالْجَوَازُ مِنْ غَيْرِ نَدْبٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَقَدْ يَجِبُ إذَا تَوَقَّفَ زَوَالُ مَا يُبِيحُ التَّخَلُّفَ عَنْ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ رَائِحَةِ بَصَلٍ أَوْ ثُومٍ، وَقَدْ يَحْرُمُ كَالِاسْتِيَاكِ بِالْجَوْزَاءِ وَلَوْ فِي حَقِّ الصَّائِمِ بِغَيْرِ رَمَضَانَ بَلْ وَلَوْ لِغَيْرِ صَائِمٍ، لِتَعْلِيلِ حُرْمَةِ الِاسْتِيَاكِ بِهَا بِأَنَّهَا مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهَا تُحَمِّرُ الْفَمَ وَحَرَّرَهُ وَقَدْ يُكْرَهُ كَالِاسْتِيَاكِ بِالْعُودِ الْأَخْضَرِ الَّذِي يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا نَصَّ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِيَاكِ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ لِلرَّدِّ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي كَرَاهَتِهِ عِنْدَهُمَا بَعْدَ الزَّوَالِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» وَدَلِيلُنَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» أَيْ لَأَوْجَبْته عَلَيْهِمْ، وَهَذَا يَعُمُّ الصَّائِمَ وَغَيْرَهُ، وَفِي السُّنَنِ الْأَرْبَعِ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَا أُحْصِي وَلَا أَعُدُّ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ» . وَعَنْ عُمَرَ ﵁: «كَانَ يَسْتَاكُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَهُوَ صَائِمٌ» وَلَا دَلَالَةَ لِلْإِمَامَيْنِ وَمَنْ تَبِعَهُمَا فِيمَا تَمَسَّكُوا بِهِ؛ لِأَنَّ الْخُلُوفَ لَا يَنْقَطِعُ مَا دَامَتْ الْمَعِدَةُ مَوْجُودَةً، فَإِنْ قِيلَ: الْخُلُوفُ أَثَرُ عِبَادَةٍ فَلَا يُزَالُ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي التَّطَوُّعَاتِ الْإِخْفَاءُ مَخَافَةَ الرِّيَاءِ، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِإِبْقَاءِ دَمِ الشَّهِيدِ؛ لِأَنَّ الصَّائِمَ مُنَاجٍ لِرَبِّهِ، فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ تَطِيبُ رَائِحَةِ فَمِهِ بِخِلَافِ الشَّهِيدِ، وَأَيْضًا لِلشَّارِعِ غَرَضٌ فِي بَقَاءِ دَمِ الشَّهِيدِ لِيَشْهَدَ لَهُ عَلَى الْخَصْمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِفِعْلِهِ، وَلَا يُقَالُ: كَيْفَ تَكُونُ الرَّائِحَةُ الْمُنْتِنَةُ حِسًّا أَطْيَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ مَعَ عِلْمِهِ تَعَالَى بِأَنَّهَا مُنْتِنَةٌ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا مِنْ بَابِ تَشْبِيهِ الْحَسَنِ الشَّرْعِيِّ بِالْعُرْفِيِّ، أَيْ أَنَّ هَذَا الْمُنْتِنَ عِنْدَنَا فِي الْحُسْنِ أَفْضَلُ وَأَحْسَنُ فِي الشَّرْعِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ عِنْدَ الطَّبْعِ لِصَبْرِ الصَّائِمِ عَلَيْهِ وَالصَّبْرُ عَمَلٌ صَالِحٌ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِطِيبِهِ اسْتِلْذَاذَهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِطِيبِهِ عِنْدَ اللَّهِ رِضَاهُ بِهِ وَثَنَاؤُهُ عَلَى الصَّائِمِ بِسَبَبِهِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: وَقَعَ خِلَافٌ بَيْنَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي كَوْنِ الْخُلُوفِ أَطْيَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ هَلْ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ؟ ذَهَبَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إلَى أَنَّهُ فِي الْآخِرَةِ وَاسْتَدَلَّ بِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ حَيْثُ قَالَ: «أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إنَّ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَقُولُ: لَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِهِ أَطْيَبَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَلْ الْآثَارُ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ.
الثَّانِي: الْخُلُوفُ رِيحٌ مُتَغَيِّرٌ كَرِيهُ الشَّمِّ يَحْدُثُ مِنْ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ وَهُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَحَكَى عِيَاضٌ فَتْحَهَا وَهُوَ خَطَأٌ
(وَلَا تُكْرَهُ لَهُ) أَيْ لِلصَّائِمِ (الْحِجَامَةُ) وَلَا الْفَصَادَةُ (إلَّا خِيفَةَ التَّغْرِيرِ) لِأَدَائِهَا إلَى الْفِطْرِ، وَرُبَّمَا أَشْعَرَ قَوْلُهُ خِيفَةَ التَّغْرِيرِ بِأَنَّ هَذَا فِي حَقِّ الْمَرِيضِ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ: يُكْرَهُ ذَوْقُ مِلْحٍ وَعِلْكٍ ثُمَّ يَمُجُّهُ وَمُدَاوَاةُ حَفْرِ زَمَنِهِ إلَّا لِخَوْفِ ضَرَرٍ وَنَذْرُ يَوْمٍ مُكَرَّرٍ وَمُقَدِّمَةُ جِمَاعٍ كَقُبْلَةٍ وَفِكْرٍ إنْ عُلِمَتْ السَّلَامَةُ وَإِلَّا حُرِّمَتْ وَحِجَامَةُ مَرِيضٍ فَقَطْ، وَأَمَّا الصَّحِيحُ فَلَا تُكْرَهُ لَهُ إلَّا إذَا شَكَّ فِي السَّلَامَةِ وَعَدَمِهَا، وَاَلَّذِي حَرَّرَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ أَنَّ الْحِجَامَةَ وَالْفَصَادَةَ يَحْرُمَانِ عِنْدَ عِلْمِ عَدَمِ السَّلَامَةِ حَتَّى عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُكْرَهَانِ عِنْدَ الشَّكِّ فِي السَّلَامَةِ وَلَوْ لِلصَّحِيحِ، وَأَمَّا عِنْدَ اعْتِقَادِ السَّلَامَةِ فَالْكَرَاهَةُ لِلْمَرِيضِ وَعَدَمُهَا لِلصَّحِيحِ وَجْهُهُ أَنَّ الْمَرِيضَ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الْجَزْمُ بِالسَّلَامَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَرِيضِ مَنْ قَامَ بِهِ الْمَرَضُ وَمِثْلُهُ ضَعِيفُ الْبِنْيَةِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَضَعْفُ بِنْيَةِ الصَّحِيحِ وَشَيْخُوخَتِهِ كَالْمَرِيضِ.
(تَنْبِيهٌ) إنَّمَا نَصَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى خُصُوصِ الْحِجَامَةِ لِلرَّدِّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٍ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّ الْحِجَامَةَ تُفْطِرُ بِنَفْسِهَا أَخْذًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ : «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمُحْتَجِمُ» وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، أَوْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى فِطْرِهِمَا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ» وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَأَمَّا قَوْلُ الْفَاكِهَانِيِّ نَقْلًا عَنْ ابْنِ مَعِينٍ فِي الْجَوَابِ أَنَّ حَدِيثَ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمُحْتَجِمُ» لَمْ يَصِحَّ غَيْرُ مُسَلَّمٍ مَعَ ذِكْرِ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ لَهُ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ لَمْ يَصِحَّ عَلَى مَعْنًى لَمْ يَحْكُمْ أَحَدٌ بِتَصْحِيحِهِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُمْ ذَكَرُوهُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا أَوْ مَنْسُوخًا كَمَا تَقَدَّمَ
(وَمَنْ ذَرَعَهُ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ خَرَجَ مِنْهُ غَلَبَةً (الْقَيْءُ فِي) صِيَامِ (رَمَضَانَ) وَأَوْلَى غَيْرُهُ (فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا وَلَوْ خَرَجَ مُتَغَيِّرًا، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرْجِعَ مِنْهُ شَيْءٌ إلَى حَلْقِهِ، فَإِنْ رَجَعَ مِنْهُ شَيْءٌ فِي حَلْقِهِ كَفَّرَ إنْ تَعَمَّدَ، وَإِلَّا قَضَى وَلَوْ مَعَ الشَّكِّ فِي الْوُصُولِ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَالْقَلْسُ كَالْقَيْءِ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الْمَعِدَةِ عِنْدَ امْتِلَائِهَا فَإِنْ بَلَغَ إلَى فِيهِ وَأَمْكَنَهُ طَرْحُهُ وَلَمْ يَفْعَلْ فَقَالَ مَالِكٌ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ
стр. 307
الْقَضَاءُ
وَإِذَا خَافَتْ الْحَامِلُ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا أَفْطَرَتْ وَلَمْ تُطْعِمْ وَقِيلَ تُطْعِمُ وَلِلْمُرْضِعِ إنْ خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا وَلَمْ تَجِدْ مَنْ تَسْتَأْجِرُهُ لَهُ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ غَيْرَهَا أَنْ تُفْطِرَ وَتُطْعِمَ وَيُسْتَحَبُّ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ إذَا أَفْطَرَ أَنْ يُطْعِمَ وَالْإِطْعَامُ فِي هَذَا كُلِّهِ مُدٌّ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يَقْضِيهِ وَكَذَلِكَ يُطْعِمُ مَنْ فَرَّطَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ
وَلَا صِيَامَ عَلَى
ــ
[الفواكه الدواني]
الْبَلْغَمُ يَخْرُجُ مِنْ الصَّدْرِ إلَى طَرَفِ اللِّسَانِ وَيَبْلَعُهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ طَرْحِهِ، وَمِثْلُهُ النُّخَامَةُ وَلَوْ وَصَلَتْ إلَى طَرَفِ اللِّسَانِ وَتَعَمَّدَ ابْتِلَاعَهَا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، خِلَافًا لِخَلِيلٍ فِي إيجَابِهِ الْقَضَاءَ عَلَى مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ طَرْحِهِ، وَمِمَّا لَا قَضَاءَ فِيهِ بِالْأَوْلَى الرِّيقُ يَتَعَمَّدُ جَمْعَهُ فِي فِيهِ وَيَبْلَعُهُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ وَأَظُنُّهُ الرَّاجِحُ، وَمِمَّا لَا قَضَاءَ فِيهِ مَا غَلَبَ مِنْ ذُبَابٍ أَوْ دَقِيقٍ أَوْ جِبْسٍ لِصَانِعِهِ أَوْ بَائِعِهِ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ يَغْلِبُ الصَّائِمَ، وَمِمَّا لَا قَضَاءَ فِيهِ الْحُقْنَةُ مِنْ الْإِحْلِيلِ وَهُوَ غَيْرُ الذَّكَرِ وَلَوْ بِمَائِعٍ، وَأَمَّا مِنْ الدُّبُرِ أَوْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فَفِيهَا الْقَضَاءُ، وَمِمَّا لَا قَضَاءَ فِيهِ أَيْضًا الْجَائِفَةُ حَيْثُ لَمْ تَصِلْ إلَى مَحَلِّ الطَّعَامِ أَوْ الشَّرَابِ، وَكَذَا الْمَنِيُّ أَوْ الْمَذْيُ الْمُسْتَنْكَحَانِ، وَلَا فِي نَزْعِ الْمَأْكُولِ أَوْ الْمَشْرُوبِ طُلُوعَ الْفَجْرِ أَيْ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الْفَجْرُ، ثُمَّ ذَكَرَ مَفْهُومَ قَوْلِهِ ذَرَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ اسْتَقَاءَ) بِالْمَدِّ أَيْ اسْتَدْعَى خُرُوجَ الْقَيْءِ (فَقَاءَ) أَيْ خَرَجَ مِنْهُ الْقَيْءُ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تَيَقَّنَ عَدَمَ رُجُوعِ شَيْءٍ مِنْهُ إلَى حَلْقِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَإِنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ وَضَعَّفَهُ الْبَغَوِيّ
[أَسْبَابٍ تُبِيحُ الْفِطْرَ]
. ثُمَّ شَرَعَ فِي أَسْبَابٍ تُبِيحُ الْفِطْرَ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا خَافَتْ الْحَامِلُ) عَلَى نَفْسِهَا أَوْ (عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا أَفْطَرَتْ) وُجُوبًا وَلَوْ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ حَيْثُ خَافَتْ هَلَاكًا أَوْ شَدِيدَ أَذًى وَنَدْبًا فِيمَا دُونَ ذَلِكَ. (وَلَمْ تُطْعِمُ) عَلَى الْمَشْهُورِ وَإِنَّمَا تَقْضِي فَقَطْ فِي نَظَرِ رَمَضَانَ وَإِنَّمَا لَمْ تُطْعِمْ؛ لِأَنَّهَا مَرِيضَةٌ، وَأَشَارَ إلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ قِيلَ تُطْعِمُ) وَمِثْلُ الْحَامِلِ الْمَرِيضُ.
قَالَ خَلِيلٌ عَطْفًا عَلَى الْجَائِزِ: وَلِمَرَضٍ خَافَ زِيَادَتَهُ أَوْ تَمَادِيهِ وَوَجَبَ إنْ خَافَ هَلَاكًا أَوْ شَدِيدَ أَذًى كَحَامِلٍ وَمُرْضِعٍ لَمْ يُمْكِنْهُمَا اسْتِئْجَارٌ أَوْ غَيْرُهُ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا إذَا شَمَّتْ الْحَامِلُ شَيْئًا وَتَخْشَى إنْ لَمْ تَأْكُلْ مِنْهُ سَرِيعًا أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، وَأَمَّا الصَّحِيحُ يَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ بِدَوَامِ صَوْمِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ إلَّا لِخَوْفِ الْمَوْتِ أَوْ حُدُوثِ الْمَرَضِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: الْخَوْفُ الْمُجَوِّزُ لِلْفِطْرِ هُوَ الْمُسْتَنِدُ صَاحِبُهُ إلَى قَوْلِ طَبِيبٍ ثِقَةٍ حَاذِقٍ، أَوْ لِتَجْرِبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ لِإِخْبَارٍ مِمَّنْ هُوَ مُوَافِقٌ لَهُ فِي الْمِزَاجِ كَمَا قَالُوهُ فِي التَّيَمُّمِ.
الثَّانِي: اسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ لَفْظَةَ مَا فِي قَوْلِهِ: مَا فِي بَطْنِهَا إمَّا عَلَى الْقَلِيلِ أَوْ نَظَرًا إلَى الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ فِي حُكْمِ غَيْرِ الْعَاقِلِ.
(وَ) يُؤْذَنُ (لِلْمُرْضِعِ إنْ خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا) الْمَشَقَّةَ الشَّدِيدَةَ بِإِدَامَةِ الصَّوْمِ (وَلَمْ تَجِدْ مَنْ تَسْتَأْجِرُهُ لَهُ أَوْ) وَجَدَتْهُ وَلَكِنْ (لَمْ يَقْبَلْ غَيْرَهَا) أَوْ قَبِلَ لَكِنْ لَمْ تَجِدْ أُجْرَةً لِمَنْ لَمْ تَرْضَ بِدُونِهَا (أَنْ تُفْطِرَ) وُجُوبًا إنْ خَافَتْ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ أَوْ شَدِيدَةَ الْأَذَى، وَنَدْبًا فِيمَا دُونَ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ قُلْنَا يُؤْذَنُ لِيَشْمَلَ.
(وَ) يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ (تُطْعِمَ) بَعْدَ أَكْلِ يَوْمٍ بِخِلَافِ الْحَامِلِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَامِلَ مُلْحَقَةٌ بِالْمَرِيضِ وَهُوَ لَا إطْعَامَ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ الْأُمِّ فِي ذَلِكَ الْمُسْتَأْجَرَةُ لِلرَّضَاعِ حَيْثُ احْتَاجَتْ لِلْأُجْرَةِ، أَوْ لِكَوْنِ الْوَلَدِ لَا يَقْبَلُ غَيْرَهَا كَمَا قَالَهُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ وَبَعْضُ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ، وَنَظِيرُهَا الْحَصَّادُ الَّذِي يَخْرُجُ لِلْحَصَادِ بِأُجْرَتِهِ الْمُحْتَاجُ إلَيْهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ وَلَوْ أَدَّى إلَى فِطْرِهِ حَيْثُ يَضْطَرُّ إلَى الْأُجْرَةِ لَكِنْ بِشَرْطِ تَبْيِيتِ الصَّوْمِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ بِالْفِعْلِ إلَّا عِنْدَ حُصُولِ الْمَشَقَّةِ فَلَيْسَ كَالْمُسَافِرِ، وَمِثْلُهُ صَاحِبُ الزَّرْعِ حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّفُ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْخَوْفِ عَلَى زَرْعِهِ فَافْهَمْ.
(تَنْبِيهٌ) إذَا اسْتُئْجِرَتْ الْمُرْضِعُ فَإِنَّ الْأُجْرَةَ تَكُونُ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ حَيْثُ كَانَ لَهُ مَالٌ لِأَنَّهَا كَالنَّفَقَةِ، وَالْأَبُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مَعَ وُجُودِ مَالٍ لَهُ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ مَالِ الْأَبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ مَالٌ فَمِنْ مَالِ الْأُمِّ، هَكَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ فَيَكُونُ مُقَيَّدًا لِتَرْجِيحِ الْقَوْلِ بِتَقْدِيمِ مَالِ الْأَبِ عَلَى مَالِ الْأُمِّ، وَالْخِلَافُ فِي مَالِ الْأُمِّ الَّتِي يَلْزَمُهَا الرَّضَاعُ وَإِلَّا اُتُّفِقَ عَلَى تَقْدِيمِ مَالِ الْأَبِ عَلَى مَالِ الْأُمِّ، وَكُلُّ مَنْ قِيلَ بِأَنَّهُ يُطْعِمُ فَالْإِطْعَامُ فِي حَقِّهِ وَاجِبٌ إلَّا فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُسْتَحَبُّ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ إذَا أَفْطَرَ أَنْ يُطْعِمَ) مُدًّا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ، وَإِنَّمَا يُكْتَفَى بِالْإِمَامِ إذَا كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ جُمْلَةً، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَوْ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا إطْعَامَ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ تَرْكَ الْمَاءِ لِشِدَّةِ الْعَطَشِ فِي جَمِيعِ الزَّمَنِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَفِدْيَةٌ لِهَرَمٍ وَعَطَشٍ، وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الصَّوْمَ، وَمُرَادُهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ فَلَا يُنَافِي النَّدْبَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ مَشَقَّةٍ لَا إطْعَامَ عَلَيْهِ، إلَّا مَنْ يَسْقُطُ عَنْهُ الصَّوْمُ لِكِبَرٍ أَوْ عَطَشٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِلَّا الْحَامِلُ وَالْمُفَرِّطُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ، وَبَيَّنَ قَدْرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَالْإِطْعَامُ فِي هَذَا) الْمَذْكُورِ (كُلِّهِ) أَيْ الْمَنْدُوبِ وَالْوَاجِبِ (مُدٌّ) بِمُدِّهِ
стр. 308
الصِّبْيَانِ حَتَّى يَحْتَلِمَ الْغُلَامُ وَتَحِيضَ الْجَارِيَةُ وَبِالْبُلُوغِ لَزِمَتْهُمْ أَعْمَالُ الْأَبْدَانِ فَرِيضَةً قَالَ اللَّهُ ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]
ــ
[الفواكه الدواني]
﵊ «عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يَقْضِيهِ» إنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَلَا يَرِدُ الشَّيْخُ الْهَرِمُ وَالْعَطِشُ فَإِنَّهُمَا يُطْعِمَانِ وَلَا يَقْضِيَانِ لِسُقُوطِ الصَّوْمِ عَنْهُمَا لِعَدَمِ إطَاقَتِهِمَا الْمَشْرُوطَةِ فِي وُجُوبِ الصَّوْمِ، وَيَكُونُ الْإِخْرَاجُ مَعَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ فِيمَنْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْإِطْعَامُ إلَّا بَعْدَ الْوُجُوبِ، وَيَجِبُ أَنْ يَدْفَعَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا وَاحِدًا، فَلَا يَصِحُّ إعْطَاءُ الْمُدِّ لِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَلَا إعْطَاءُ أَكْثَرَ مِنْ مُدٍّ لِوَاحِدٍ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُعْتَدَّ بِالزَّائِدِ. (وَكَذَلِكَ) يَجِبُ أَنْ (يُطْعِمُ مَنْ فَرَّطَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ) قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْوَاجِبِ: وَإِطْعَامُ مُدٍّ بِمُدِّهِ ﵊ لِمُفَرِّطٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ لِمِثْلِهِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ لِمِسْكِينٍ، وَلَا يُعْتَدُّ بِالزَّائِدِ إنْ أَمْكَنَ قَضَاؤُهُ لِشَعْبَانَ لَا إنْ اتَّصَلَ مَرَضُهُ مَعَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهَذَا شُرِعَ فِي الْكَفَّارَةِ الصُّغْرَى، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ فَرَّطَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ إلَى أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ بِإِخْرَاجِ مُدٍّ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يَقْضِيهِ يَدْفَعُهُ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ أَعْطَى الْمُدَّ لِاثْنَيْنِ كَمَّلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ، وَإِنْ أَعْطَى مُدَّيْنِ لِوَاحِدٍ انْتَزَعَ وَاحِدًا إنْ كَانَ بَاقِيًا وَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ كَفَّارَةٌ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فَرَّطَ أَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ الْقَضَاءِ فِي آخِرِ شَعْبَانَ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَيَّامِ، فَلَوْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ حَتَّى بَقِيَ مِنْ شَعْبَانَ قَدْرَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَيَّامِ، فَمَرِضَ أَوْ سَافَرَ أَوْ حَاضَتْ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ لَمْ يَلْزَمْ كَفَّارَةٌ لِعَدَمِ التَّفْرِيطِ، وَأَمَّا لَوْ أَخَّرَهُ نَاسِيًا حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ لَكَانَ مُفَرِّطًا.
قَالَهُ الْحَطَّابُ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، بِخِلَافِ التَّأْخِيرِ لِإِكْرَاهٍ أَوْ جَهْلٍ فَلَا كَفَّارَةَ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ الْكُبْرَى إذَا كَانَتْ لَا تَجِبُ بِالْفِطْرِ مَعَ الْإِكْرَاهِ أَوْ الْجَهْلِ فَأَحْرَى الصُّغْرَى، وَمِنْ الْعُذْرِ تَأْخِيرُ الْحَامِلِ الْقَضَاءَ لِتَأْخِيرِ وَضْعِهَا حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانَ لِأَنَّهَا مَرِيضَةٌ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ التَّفْرِيطَ الْمُوجِبَ لِلْكَفَّارَةِ إنَّمَا يُنْظَرُ فِيهِ لِشَعْبَانَ الْوَالِي لِعَامِ الْقَضَاءِ خَاصَّةً، فَمَنْ اتَّصَلَ مَرَضُهُ بِرَمَضَانَ الْوَالِي لِعَامِ الْقَضَاءِ وَفَرَّطَ فِي الْعَامِ الثَّانِي حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ السَّنَةَ الثَّالِثَةَ فَإِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ الْمُدُّ بِتَعَدُّدِ السِّنِينَ الَّتِي فَرَّطَ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ مُدٌّ إذَا فَرَّطَ فِي الْقَضَاءِ فِي شَعْبَانَ الْوَالِي لِعَامِ الْقَضَاءِ.
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ زَمَنَ الْقَضَاءِ وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: بِزَمَنٍ أُبِيحَ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا، فَلَا يَقْضِي فِي رَابِعِ النَّحْرِ وَلَا فِي سَابِقَيْهِ وَلَا فِيمَا وَجَبَ صَوْمُهُ وَلَوْ بِنَذْرٍ، وَيَصِحُّ فِي يَوْمِ الشَّكِّ؛ لِأَنَّهُ يُصَامُ تَطَوُّعًا
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ طَلَبُ الصِّبْيَانِ بِالصَّوْمِ كَسَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ قَالَ: (وَلَا صِيَامَ عَلَى الصِّبْيَانِ) لَا وُجُوبًا لَا نَدْبًا (حَتَّى يَحْتَلِمَ الْغُلَامُ) أَوْ يَرَى عَلَامَةً لِلْبُلُوغِ سَوَاءً.
(وَ) حَتَّى (تَحِيضَ الْجَارِيَةُ) أَوْ تَرَى عَلَامَةً سِوَى الْحَيْضِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالصَّبِيُّ لِبُلُوغِهِ بِثَمَانِ عَشْرَةَ أَوْ الْحُلُمِ أَوْ الْحَيْضِ أَوْ الْحَمْلِ أَوْ الْإِنْبَاتِ، وَمَفْهُومُ الصِّيَامِ أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيُنْدَبُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِهِ وَيُنْدَبُ لَهُمْ فِعْلُهُ وَيُكْتَبُ لَهُمْ ثَوَابُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَنَحْوِ الصَّلَاةِ مَشَقَّةُ الصَّوْمِ دُونَ الصَّلَاةِ، وَأَيْضًا تَكْرَارُ الصَّلَاةِ فَنَاسَبَ أَمْرَهُمْ بِهَا لِيَتَمَرَّنُوا عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ: وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا ثَوَابَ فِي صِيَامِ الصِّبْيَانِ لِعَدَمِ أَمْرِهِمْ بِهِ، وَالثَّوَابُ إنَّمَا يَكُونُ فِي فِعْلِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْفَاعِلُ، وَيُفْهَمُ مِنْ حَدِيثِ: «أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَك أَجْرٌ» أَنَّهُ يُنْدَبُ حَجُّ الصَّغِيرِ وَتَلِفَتْ النَّفْسُ لِلْفَرْقِ، ا. هـ.
كَلَامُ الْأُجْهُورِيِّ، وَأَقُولُ: لَعَلَّ الْفَرْقَ مَا مَرَّ مِنْ مَشَقَّةِ الصِّيَامِ دُونَ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ وَإِنْ عَظُمَتْ مَشَقَّتُهُ إنَّمَا هِيَ لِغَيْرِ الصَّبِيِّ، وَأَمَّا هُوَ فَيَحْمِلُهُ الْوَلِيُّ فِيمَا لَا يُطِيقُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحَمْلُ مُطِيقٍ وَرَمْيٍ إلَخْ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «أَنَّ لَهُ حَجًّا وَلِمَنْ أَحَجَّهُ أَجْرًا» أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِفِعْلِهِ ابْتِدَاءً كَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنُصُّوا عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْوَلِيِّ إحْجَاجُ الصَّغِيرِ، وَإِنَّمَا نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ إذَا اتَّفَقَ أَنَّ الْوَلِيَّ أَخَذَ الصَّغِيرَ مَعَهُ إلَى الْحَجِّ يَأْمُرُهُ بِالْإِحْرَامِ إنْ كَانَ مُمَيِّزًا أَوْ يَنْوِي إدْخَالَهُ فِي حُرُمَاتِ الْحَجِّ إنْ كَانَ لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ، وَعَدَمِ جَوَازِ دُخُولِ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ لِغَيْرِ الْمُصْطَفَى ﷺ ، وَمَنْ اُسْتُثْنِيَ مِمَّنْ هُوَ مُتَرَدِّدٌ عَلَيْهَا كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَحَلِّهِ وَحَرَّرَهُ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ حَتَّى يَحْتَلِمَ بِقَوْلِهِ: (وَبِالْبُلُوغِ) وَهُوَ قُوَّةٌ تَحْدُثُ فِي الصَّغِيرِ يَخْرُجُ بِهَا مِنْ حَالِ الطُّفُولِيَّةِ إلَى حَالِ الرُّجُولِيَّةِ وَقَدْ قَدَّمْنَا عَلَامَاتِهِ (لَزِمَتْهُمْ) أَيْ فُرِضَتْ وَتَحَتَّمَتْ عَلَيْهِمْ (أَعْمَالُ الْأَبَدَانِ) كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَسَائِرِ الْمَأْمُورَاتِ وَشُرُوطِهَا وَجَمِيعِ مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا مَفْهُومَ لِأَعْمَالِ الْأَبَدَانِ بَلْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ كَالنِّيَّةِ وَسَائِرِ الْمُعْتَقِدَاتِ الْوَاجِبَةِ الِاعْتِقَادِ، وَلَا يَرِدُ لُزُومُ الْعِدَّةِ وَالْإِحْدَادِ لِلصَّغِيرَةِ وَلُزُومُ نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْوَلِيُّ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَعْمَالِ الْأَبَدَانِ خُصُوصُ الصِّيَامِ وَمَا أَشْبَهَ مِنْ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَالْغَزْوِ وَالْحَجِّ مِنْ كُلِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْبُلُوغِ فَلَا تَرِدُ الْمَذْكُورَاتُ، وَقَوْلُهُ: (فَرِيضَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ لِعَامِلِهَا؛ لِأَنَّ اللُّزُومَ وَالْفَرِيضَةَ مُتَرَادِفَانِ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
قَالَ اللَّهُ
стр. 309
وَمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا وَلَمْ يَتَطَهَّرْ أَوْ امْرَأَةٌ حَائِضٌ طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَمْ يَغْتَسِلَا إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُمَا صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ
وَلَا يَجُوزُ صِيَامُ يَوْمِ الْفِطْرِ وَلَا يَوْمُ النَّحْرِ
وَلَا يَصُومُ الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ إلَّا الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي لَا يَجِدُ هَدْيًا وَالْيَوْمُ الرَّابِعُ لَا يَصُومُهُ مُتَطَوِّعٌ وَيَصُومُهُ مَنْ نَذَرَهُ أَوْ مَنْ كَانَ فِي صِيَامٍ مُتَتَابِعٍ
ــ
[الفواكه الدواني]
: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] وَهُمْ الْكِبَارُ، فَوُجُوبُ الِاسْتِئْذَانِ بِالْبُلُوغِ عَلَامَةٌ عَلَى لُزُومِ سَائِرِ الْفَرَائِضِ، إذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ حُكْمٍ وَحُكْمٍ، لَكِنْ يُشْكِلُ الِاسْتِدْلَال بِتِلْكَ الْآيَةِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ شَرْطَ الدَّلِيلِ الْمُطَابِقَةُ لِلْمَدْلُولِ أَوْ كَوْنُهُ أَعَمَّ، وَوُجُوبُ الِاسْتِئْذَانِ أَخَصُّ مِنْ الْمَدْلُولِ الَّذِي هُوَ سَائِرُ الْفَرَائِضِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ مُطَابِقٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَلِذَلِكَ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَهَذَا الِاسْتِئْذَانُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مُطَابِقٌ لِلدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ أَخَصَّ فَهُوَ مِنْ بَابِ يُؤْخَذُ مِنْ النَّصِّ مَعْنًى يَعُمُّهُ، وَسَبَبُ نُزُولِ تِلْكَ الْآيَةِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَلَ يَتِيمًا إلَى عُمَرَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَكْشُوفٌ فَتَغَيَّظَ مِنْ دُخُولِهِ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ فَذَهَبَ إلَى الْمُصْطَفَى يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَوَجَدَهَا قَدْ نَزَلَتْ» وَالْخِطَابُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بِتَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلَى الْإِنَاثِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَبِالْبُلُوغِ لَزِمَتْهُمْ إلَخْ، أَنَّ لُزُومَ الْأَعْمَالِ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْبُلُوغِ وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ وُجِدَتْ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ، فَلَا تَرِدُ عَدَمُ لُزُومِ الصَّوْمِ إذَا بَلَغَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِفَوَاتِ وَقْتِ النِّيَّةِ الَّتِي شَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ مُبَيَّتَةً فَلَا يَلْزَمُهُ إمْسَاكٌ وَلَا قَضَاءٌ.
الثَّانِي: إذَا ظَهَرَ الْحَمْلُ بِأُنْثَى فِي أَوَّلِ الْحِجَّةِ وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ إلَّا بَعْدَ ثَلَاثِ أَشْهُرٍ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا بَلَغَتْ مِنْ ابْتِدَاءِ رَمَضَانَ أَوْ قَبْلَهُ، فَإِنْ ظَهَرَ فِي نِصْفِ الْحِجَّةِ وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ نِصْفِهِ.
(وَمَنْ أَصْبَحَ) أَيْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ (جُنُبًا) فِي زَمَنِ صَوْمِهِ (وَلَمْ يَتَطَهَّرْ أَوْ) أَصْبَحَتْ (امْرَأَةٌ حَائِضٌ طَهُرَتْ) أَيْ طَاهِرَةٌ لِرُؤْيَتِهَا عَلَامَةَ الطُّهْرِ وَلْيُتِمَّا الصَّوْمَ (قَبْلَ الْفَجْرِ، وَ) الْحَالُ أَنَّهُمَا (لَمْ يَغْتَسِلَا إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُمَا صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ) لِوُقُوعِ النِّيَّةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَلَا يَضُرُّ الْإِصْبَاحُ بِلَا غُسْلٍ وَلَوْ مَعَ الْعِلْمِ بِالْجَنَابَةِ وَانْقِطَاعِ الْحَيْضِ لَيْلًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ إصْبَاحٌ بِجَنَابَةٍ، وَالْجَوَازُ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْأَفْضَلِ الِاغْتِسَالَ لَيْلًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ خَبَرُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ يَصُومُ» وَأَمَّا صِحَّةُ صَوْمِ الْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إذَا كَانَ طُهْرُهَا فِي زَمَنٍ يَسَعُ الْغُسْلَ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ إذَا كَانَ فِي زَمَنٍ بِحَيْثُ تُدْرِكُ فِيهِ النِّيَّةَ، وَإِذَا شَكَّتْ هَلْ طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ وَجَبَ عَلَيْهَا الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ، وَالْإِمْسَاكُ لِاحْتِمَالِ طُهْرِهَا قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالْقَضَاءُ لِاحْتِمَالِ طُهْرِهَا بَعْدَهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَلَا يَلْزَمُهَا قَضَاؤُهَا إذَا شَكَّتْ هَلْ طَهُرَتْ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا أَوْ بَعْدَهُ؟ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ أَدَاءَ الصَّلَاةِ وَقَضَاءَهَا، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ أَدَاءَهُ لَا قَضَاءَهُ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ عِنْدَ الشَّكِّ؛ لِأَنَّهَا تَقْضِي أَيَّامَ الْحَيْضِ الْمُحَقَّقِ فَأَيَّامُ الشَّكِّ فِيهِ أَحْرَى، فَإِنْ قِيلَ: الْحَيْضُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَوُجُوبَهُمَا، فَمَا وَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ قَضَاءِ الصَّوْمِ دُونَ الصَّلَاةِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ قَضَاءَ الصَّوْمِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ.
(وَلَا يَجُوزُ) لِأَحَدٍ بَلْ وَلَا يَصِحُّ (صِيَامُ يَوْمِ الْفِطْرِ وَلَا النَّحْرِ) لِمَا صَحَّ مِنْ نَهْيِهِ ﵊ عَنْ صَوْمِهِمَا وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِهِمَا، وَاخْتُلِفَ هَلْ الْمَنْعُ لِلتَّعَبُّدِ أَوْ مُعَلَّلٌ بِضِيَافَةِ اللَّهِ لِعِبَادِهِ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا قَضَاءَ عَلَى نَاذِرِهِمَا، وَعَلَى الثَّانِي وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهٌ) : إنَّمَا قُلْنَا: وَلَا يَصِحُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ الصِّحَّةِ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ هُنَا عَنْ ذَاتِ الْعِبَادَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِكَوْنِهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ، وَمِثْلُهَا الْمَنْهِيُّ عَنْهَا لِذَاتِ الْمَكَانِ كَالْفَرِيضَةِ عَلَى الْكَعْبَةِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْهَا لِأَمْرٍ عَارِضٍ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ لَا لِذَاتِ زَمَانِهَا وَلَا لِذَاتِ مَكَانِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَحَلِّ الْغَيْرِ وَلَوْ بِغَيْرِ صَلَاةٍ؟
(وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا وَلَا يَصِحُّ أَنْ (يُصَامَ الْيَوْمَانِ اللَّذَانِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ إلَّا) أَنْ يَصُومَهُمَا (الْمُتَمَتِّعُ) أَوْ الْقَارِنُ (الَّذِي لَا يَجِدُ هَدْيًا) وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ حَصَلَ مِنْهُ نَقْصٌ فِي حَجٍّ مُتَقَدِّمٍ عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَعَجَزَ عَنْ الْهَدْيِ فَإِنَّهُ يَصُومُ عَشْرَةَ أَيَّامٍ ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى كَمَا يَأْتِي فِي بَابِ الْحَجِّ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَصَامَ أَيَّامَ مِنًى بِنَقْصٍ فِي حَجٍّ إنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْوُقُوفِ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى وَلَمْ تُجْزِ إنْ قُدِّمَتْ عَلَى وُقُوفِهِ، وَالْأَصْلُ فِي حُرْمَةِ صَوْمِهِمَا لِغَيْرِ نَحْوِ الْمُتَمَتِّعِ قَوْلُهُ ﷺ : «إنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» وَفِي الصَّوْمِ إعْرَاضٌ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ تَحْرِيمُ صَوْمِهِمَا لِمَحْضِ التَّعَبُّدِ وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي نَاذِرِ صَوْمِهَا، فَعَلَى أَنَّهُ مُعَلَّلٌ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى نَاذِرِهِمَا
стр. 310
قَبْلَ ذَلِكَ
وَمَنْ أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ
وَكَذَلِكَ مَنْ أَفْطَرَ فِيهِ لِضَرُورَةٍ مِنْ مَرَضٍ وَمَنْ سَافَرَ
ــ
[الفواكه الدواني]
قَضَاؤُهُمَا وَعَلَى التَّعَبُّدِ لَا قَضَاءَ.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِنْ رَفْعِنَا يَوْمَانِ بِالنِّيَابَةِ عَنْ فَاعِلِ يُصَامُ وَرُفِعَ الْمُتَمَتِّعُ بِالْفَاعِلِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ اسْتِقَامَةُ الْكَلَامِ وَصِحَّةُ الْإِعْرَابِ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْمُصَنِّفِ ﵀ بِحَسَبِ ظَاهِرِهِ يُخَالِفُ قَاعِدَةَ النَّحْوِ الْمُقَرَّرَةِ فِي الِاسْمِ الْوَاقِعِ بَعْدَ إلَّا مَعَ التَّفْرِيغِ، فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ إعْرَابُهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مَا قَبْلَهَا لَوْ كَانَتْ إلَّا مَحْذُوفَةً مُشَارٌ إلَيْهِ بِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ:
وَأَنْ يُفَرَّغُ سَابِقٌ إلَّا لِمَا ... بَعْدَ يَكُنْ كَمَا لَوْ إلَّا عُدِمَا
وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: الصَّوَابُ بِنَاءُ يَصُومُ لِلْفَاعِلِ وَنَصْبُ الْيَوْمَيْنِ وَصِفَتِهِمَا وَرَفْعُ الْمُتَمَتِّعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ بِيَصُومُ، وَمَا فِي الْمُصَنِّفِ زَلَّةُ قَلَمٍ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْمُصَنِّفِ، وَمَا أَجَابَ بِهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ مِنْ تَجْرِيحِهِ عَلَى رَفْعِ رِجَالٍ عَلَى قِرَاءَةِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور: ٣٦] ﴿رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٧] بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَرَفْعُ رِجَالٍ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ لَا يَصِحُّ هُنَا لِوُجُودِ إلَّا قَبْلَ الْمَرْفُوعِ وَتَفْرِيغِ الْعَامِلِ، وَهَذَا تَوْضِيحٌ لِتَصْوِيبِ سَيِّدِي يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ (وَالْيَوْمُ الرَّابِعُ) لِيَوْمِ النَّحْرِ (لَا يَصُومُهُ مُتَطَوِّعٌ) أَيْ يُكْرَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّابِعِ وَسَابِقَيْهِ أَنَّ التَّعْجِيلَ يُسْقِطُ رَمْيَهُ فَهُوَ أَضْعَفُ رُتْبَةً مِنْهُمَا.
(وَ) إنَّمَا (يَصُومُهُ مَنْ نَذَرَهُ) وَلَوْ قَصْدًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرَابِعُ النَّحْرِ لِنَاذِرِهِ وَإِنْ تَعْيِينًا، وَإِنَّمَا لَزِمَ النَّاذِرَ صَوْمُهُ مَعَ كَرَاهَتِهِ، وَالنَّذْرُ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ إلَّا إذَا كَانَ مَنْدُوبًا أَوْ مَسْنُونًا قَبْلَ النَّذْرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ نَظَرًا إلَى كَوْنِهِ مُطْلَقَ عِبَادَةٍ، وَيُفْهَمُ مِنْ لُزُومِ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ قَصْدًا لُزُومُهُ فِي ضِمْنِ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ مَنْذُورَةٍ بِالْأَوْلَى، وَأَمَّا لَوْ نَذَرَ سَنَةً مُبْهَمَةً أَوْ شَهْرًا مُبْهَمًا فَلَا يَصُومُهُ (أَوْ) أَيْ وَكَذَا يَصُومُهُ (مَنْ كَانَ فِي صِيَامٍ) غَيْرِ مَنْذُورٍ لَكِنْ (مُتَتَابِعٍ) وُجُوبًا (قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّابِعِ، كَمَنْ صَامَ شَوَّالًا وَذَا الْقَعْدَةِ عَنْ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ ثُمَّ مَرِضَ ثُمَّ صَحَّ فِي لَيْلَةِ الرَّابِعِ فَإِنَّهُ يَصُومُهُ، وَيَلْزَمُ مِنْ صَوْمِهِ لِنَاذِرِهِ جَوَازُ صَوْمِهِ لِلْمُتَمَتِّعِ بِالْأَوْلَى عَنْ سَابِقَيْهِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الرَّابِعَ يُكْرَهُ صَوْمُهُ وَيَصِحُّ لِنَاذِرِهِ وَلِنَحْوِ الْمُتَمَتِّعِ وَكُلُّ مَنْ كَانَ فِي صِيَامٍ مُتَتَابِعٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا غَيْرِ مَنْذُورٍ لِتَقَدُّمِ الْمَنْذُورَةِ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّ صِيَامَ السَّنَةِ عَلَى أَقْسَامٍ: وَاجِبٌ كَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَرَامٌ كَيَوْمَيْ الْعِيدِ، وَمَكْرُوهٌ كَأَيَّامِ اللَّيَالِي الْبِيضِ وَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ لِمَنْ يُقْتَدَى بِهِ أَوْ يَعْتَقِدُهَا غَيْرَ مَنْدُوبَةٍ، وَجَائِزٌ لِنَحْوِ الْمُتَمَتِّعِ كَثَانِي النَّحْرِ وَثَالِثِهِ، وَجَائِزٌ لِثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ: النَّاذِرِ وَالْمُتَمَتِّعِ وَالصَّائِمِ لِأَيَّامٍ وَاجِبَةِ التَّتَابُعِ اتَّصَلَ بِهَا وَهُوَ رُبَاعُ النَّحْرِ، وَمَا رَغِبَ الشَّارِعُ فِيهِ بِخُصُوصِهِ كَعَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ، وَمَا يُصَامُ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ كَيَوْمِ الشَّكِّ، وَمَا رَغِبَ فِيهِ الشَّارِعُ لَا عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ كَصِيَامِ بَعْضِ أَيَّامٍ غَيْرِ مَا سَبَقَ أَوْ الدَّهْرِ.
[أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ حَالَ كَوْنِهِ نَاسِيًا]
(وَمَنْ أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ) حَالَ كَوْنِهِ (نَاسِيًا) الصَّوْمَ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ) خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِعَدَمِ لُزُومِ الْقَضَاءِ كَالشَّافِعِيِّ، وَخِلَافًا لِمَنْ قَالَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مَعَ الْكَفَّارَةِ، وَلِذَلِكَ رَدَّ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ فَقَطْ: وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ لِحُرْمَةِ الزَّمَنِ، فَإِنْ تَمَادَى عَلَى الْفِطْرِ غَيْرَ مُتَأَوِّلٍ لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ، وَأَمَّا لَوْ تَمَادَى عَلَى الْفِطْرِ مُتَأَوِّلًا بِأَنْ ظَنَّ إبَاحَةَ الْأَكْلِ لِمَنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَأْوِيلٌ قَرِيبٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ لُزُومِ الْكَفَّارَةِ قَوْلُهُ ﷺ : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ، وَالْمَرْفُوعُ الْإِثْمُ، فَلِذَا ارْتَفَعَتْ الْكَفَّارَةُ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَنْ الْفِطْرِ فِي قَضَائِهِ، فَفِي لُزُومِ قَضَاءِ الْقَضَاءِ فَيَلْزَمُهُ يَوْمَانِ وَعَدَمُ لُزُومِهِ فَيَلْزَمُهُ يَوْمٌ فَقَطْ خِلَافٌ، وَعَمَّا لَوْ أَفْطَرَ فِي التَّطَوُّعِ نَاسِيًا فَإِنَّهُ يُمْسِكُ وُجُوبًا وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ فِي عَدَمِ الْقَضَاءِ الزَّمَنُ الْمَنْذُورُ الْمُعَيَّنُ يُفْطِرُ فِيهِ نَاسِيًا عَلَى مَا قَالَ خَلِيلٌ، أَوْ يَفُوتُ صِيَامُهُ لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ لِمَرَضٍ، الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: إلَّا الْمُعَيَّنَ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِسْيَانٍ، وَسَيَأْتِي مَفْهُومُ أَفْطَرَ نَاسِيًا وَهُوَ الْمُتَعَمَّدُ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ.
(وَكَذَلِكَ) أَيْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ (مَنْ أَفْطَرَ عَلَيْهِ) أَيْ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ (لِضَرُورَةٍ) يَشُقُّ مَعَهَا الصَّوْمُ وَبَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ: (مِنْ مَرَضٍ) يُخْشَى بِالصَّوْمِ زِيَادَتُهُ أَوْ تَأْخِيرُ بُرْئِهِ، وَاسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ لِتَجْرِبَةٍ فِي نَفْسِهِ أَوْ إخْبَارِ طَبِيبٍ حَاذِقٍ أَوْ مُوَافِقٍ لَهُ فِي الْمِزَاجِ، وَحُكْمُ الْفِطْرِ الْوُجُوبُ إنْ خَافَ الْهَلَاكَ أَوْ شَدِيدَ الْأَذَى.
قَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ إنْ خَافَ هَلَاكًا أَوْ شَدِيدَ أَذًى، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَخْشَ ذَلِكَ وَلَكِنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَلَهُ الْفِطْرُ وَيَقْضِي أَوْ يُمْسِكُ، وَأَمَّا الْمَرَضُ الْخَفِيفُ الَّذِي لَا يَشُقُّ مَعَهُ الصَّوْمُ فَيَحْرُمُ لِأَجْلِهِ الْفِطْرُ، فَإِنْ أَفْطَرَ كَفَّرَ مَعَ الْقَضَاءِ، وَمَفْهُومٌ لِضَرُورَةٍ أَنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ الْمَشَقَّةُ بِالصَّوْمِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ بِحَيْثُ يَخْشَى الْهَلَاكَ، أَوْ شَدِيدَ الْأَذَى الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ مَعَهُ عَلَى الصَّوْمِ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الصَّائِمَ تَطَوُّعًا لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ اخْتِيَارًا وَكَانَ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ الْجَوَازِ لِصَائِمِ رَمَضَانَ بِالْأَوْلَى رَفَعَ ذَلِكَ الْإِيهَامَ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ سَافَرَ) أَيْ أَنْشَأَ السَّفَرَ
стр. 311
سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَإِنْ لَمْ تَنَلْهُ ضَرُورَةٌ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالصَّوْمُ أَحَبُّ إلَيْنَا وَمَنْ سَافَرَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَظَنَّ أَنَّ الْفِطْرَ مُبَاحٌ لَهُ فَأَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَكُلُّ مَنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ
وَإِنَّمَا الْكَفَّارَةُ
ــ
[الفواكه الدواني]
أَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ وَهُوَ مُسَافِرٌ (سَفَرًا تَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةُ) بِأَنْ كَانَ مُبَاحًا وَمَسَافَتُهُ أَرْبَعُ بُرُدٍ ذَهَابًا بِأَنْ قُصِدَتْ دَفْعَةً (فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَإِنْ لَمْ تَنَلْهُ) أَيْ تَلْحَقُهُ (ضَرُورَةٌ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ» (وَ) لَكِنَّ (الصَّوْمُ أَحَبُّ إلَيْنَا) مَعَاشِرَ الْمَالِكِيَّةِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَفِطْرُهُ مَكْرُوهٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَلَا يُشْكَلُ عَلَيْهِ أَفْضَلِيَّةُ قَصْرِ الصَّلَاةِ عَلَى الْإِتْمَامِ لِأَنَّ الذِّمَّةَ تَبْرَأُ مَعَ الْقَصْرِ، بِخِلَافِ الْفِطْرِ لَا بَرَاءَةَ مَعَهُ فَفَضْلُ الصِّيَامِ لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِهِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: أَحَبُّ إلَيْنَا إلَى الرَّدِّ عَلَى ابْنِ حَنْبَلٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا حَيْثُ قَالُوا: إنَّ الْأَفْضَلَ الْفِطْرُ لِمَا فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» وَأَجَابَ أَصْحَابُ الْمَشْهُورِ بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ أَوَّلَتْ كُلَّ مَا دَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَيَتَضَرَّرُ بِهِ لِاشْتِغَالِهِ بِنَحْوِ الْقِتَالِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﷺ : «تَقَوَّوْا لِعَدُوِّكُمْ» وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ عَاطِفًا عَلَى الْجَائِزِ: وَفِطْرٌ بِسَفَرِ قَصْرٍ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَنْوِهِ فِيهِ وَإِلَّا قَضَى وَلَوْ تَطَوُّعًا وَلَا كَفَّارَةَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ بِسَفَرِهِ، وَمَعْنَى الشُّرُوعِ قَبْلَ الْفَجْرِ أَنْ يَصِلَ إلَى مَحَلِّ بَدْءِ الْقَصْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَمَعْنَى الْفِطْرِ قَبْلَ الْفَجْرِ تَبْيِيتُ الْفِطْرِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْفَجْرَ يَطْلُعُ عَلَيْهِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى مَحَلِّ بَدْئِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَبْيِيتُ الْفِطْرِ وَإِنْ بَيَّتَهُ كَفَّرَ وَلَوْ مُتَأَوِّلًا، وَكَأَنَّ جَوَازَ تَبْيِيتِ الْفِطْرِ مَشْرُوطٌ بِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُجَاوِزُ مَحَلَّ بَدْءِ الْقَصْرِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَمَّا مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى مَحَلِّ بَدْءِ الْقَصْرِ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْيِيتُ الصَّوْمِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْفِطْرُ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَالْحَاضِرِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ يَصِلُ إلَّا مَحَلِّ بَدْءِ الْقَصْرِ قَبْلَ الْفَجْرِ يَجُوزُ لَهُ تَبْيِيتُ الْفِطْرِ، فَإِنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَغَيْرِ الْمُسَافِرِ؛ لِأَنَّهُ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ بِتَبْيِيتِ الصَّوْمِ، فَإِنْ أَفْطَرَ اخْتِيَارًا كَفَّرَ، وَأَمَّا مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَّا إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْيِيتُ الصَّوْمِ، فَإِنْ بَيَّتَ الْفِطْرَ كَفَّرَ وَلَوْ كَانَ مُتَأَوِّلًا لِأَنَّهُ رَفَعَ نِيَّةَ الصَّوْمِ نَهَارًا، وَأَمَّا لَوْ بَيَّتَ الصَّوْمَ عَمَلًا بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَإِنْ أَفْطَرَ كَفَّرَ إنْ أَفْطَرَ قَبْلَ عَزْمِهِ عَلَى السَّفَرِ وَلَوْ تَأَوَّلَ، وَإِنْ أَفْطَرَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فَلَا كَفَّارَةَ وَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ، وَإِنْ أَفْطَرَ بَعْدَ عَزْمِهِ وَقَبْلَ شُرُوعِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَأَوِّلًا كَفَّرَ وَإِلَّا فَلَا إنْ سَافَرَ مِنْ يَوْمِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: يَقْطَعُ جَوَازَ الْفِطْرِ مَا يَقْطَعُ جَوَازَ قَصْرِ الصَّلَاةِ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَقَطَعَهُ نِيَّةُ إقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ وَلَوْ بِخِلَالِهِ إلَّا لِعَسْكَرٍ بِدَارِ الْحَرْبِ.
الثَّانِي: مَنْ أَرَادَ إدَامَةَ الصَّوْمِ فِي سَفَرِ الْقَصْرِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لِانْقِطَاعِ وُجُوبِ التَّتَابُعِ بِسَفَرِ الْقَصْرِ.
الثَّالِثُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ كُلَّ مَنْ سَافَرَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ بِالشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَلَوْ أَنْشَأَ السَّفَرَ لِأَجْلِ الْفِطْرِ وَنَظَرَ فِيهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ قَائِلًا: لَوْ تَعَمَّدَ السَّفَرَ لِأَجْلِ الْإِفْطَارِ كَمَنْ أَخَّرَتْ الصَّلَاةَ لِحَيْضٍ فَحَاضَتْ أَوْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ لِيُسْقِطَ عَنْهُ الْحَجَّ أَوْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ فِي الْحَضَرِ لِيُصَلِّيَهَا مَقْصُورَةً فِي السَّفَرِ، اللَّخْمِيُّ: وَجَمِيعُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّهُ مَأْثُومٌ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ وَلَا يُصَلِّي أَرْبَعًا وَلَا تَقْضِي الْحَائِضُ، لَكِنْ يُنَاقِضُ ذَلِكَ مَنْ أَبْدَلَ إبِلًا بِذَهَبٍ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ، أَوْ مَنْ جَمَعَ أَوْ فَرَّقَ فِي الْخَلْطَةِ فِرَارًا، وَأَصْلُ الْمَذْهَبِ الْمُعَامَلَةُ بِنَقِيضِ الْقَصْدِ الْفَاسِدِ.
قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَفِطْرُ هَذَا لَا يَتَأَتَّى عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الْمَكْرُوهِ أَوْ الْحَرَامِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْحَطَّابِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَصْرِ جَوَازِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ عَلَى سَفَرِ الْقَصْرِ لُزُومُ الْكَفَّارَةِ لِمَنْ أَفْطَرَ فِي غَيْرِهِ مُطْلَقًا قَالَ: (وَمَنْ سَافَرَ أَقَلَّ مِنْ) مَسَافَةِ (أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَظَنَّ أَنَّ الْفِطْرَ مُبَاحٌ لَهُ فَأَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ انْتِهَاكِهِ بَلْ هُوَ مِنْ أَصْحَابِ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ وَهُوَ مَا اسْتَنَدَ صَاحِبُهُ لِسَبَبٍ مَوْجُودٍ (وَ) إنَّمَا (عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ) مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ (وَ) مِثْلُهُ (كُلُّ مَنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا) تَأْوِيلًا قَرِيبًا (فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) وَمَثَّلَ خَلِيلٌ لِأَصْحَابِ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ بِقَوْلِهِ: لَا إنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ أَوْ تَسَحَّرَ قُرْبَهُ أَوْ قَدِمَ لَيْلًا أَوْ سَافَرَ دُونَ الْقَصْرِ أَوْ رَأَى شَوَّالًا نَهَارًا فَظَنَّ الْإِبَاحَةَ، بِخِلَافِ بَعِيدِ التَّأْوِيلِ وَهُوَ مَا لَمْ يُوجَدْ سَبَبُهُ فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: بِخِلَافِ بَعِيدِ التَّأْوِيلِ كَرًّا وَلَمْ يَقْبَلْ أَوْ لِحُمَّى ثُمَّ حُمَّ أَوْ الْحَيْضِ ثُمَّ حَصَلَ أَوْ حِجَامَةٍ أَوْ غَيْبَةٍ، وَكَذَا مَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَلَمْ يَرْفَعْ شَهَادَتَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَكَذَا مَنْ أَكَلَ بَعْدَ ثُبُوتِ الصَّوْمِ نَهَارًا مَعَ الْعِلْمِ بِوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مِمَّنْ ذَكَرَ الْكَفَّارَةَ وَلَوْ أَفْطَرَ ظَانًّا الْإِبَاحَةَ، إلَّا مَنْ حَجَمَ أَوْ احْتَجَمَ وَأَفْطَرَ ظَانًّا الْإِبَاحَةَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَهُوَ
стр. 312
عَلَى مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ جِمَاعٍ مَعَ الْقَضَاءِ
وَالْكَفَّارَةُ فِي ذَلِكَ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ فَذَلِكَ أَحَبُّ إلَيْنَا وَلَهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ
وَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ
ــ
[الفواكه الدواني]
قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لِاسْتِنَادِهِ إلَى سَبَبٍ مَوْجُودٍ فَهُوَ مِنْ أَمْثِلَةِ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ، خِلَافًا لِخَلِيلٍ فِي مَشْيِهِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: أَوْ تَسَحَّرَ قُرْبَ الْفَجْرِ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ مَنْ تَسَحَّرَ قُرْبَ الْفَجْرِ وَأَفْطَرَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، بِخِلَافِ مَنْ تَسَحَّرَ فِي الْفَجْرِ وَيُفْطِرُ ظَانًّا الْإِبَاحَةَ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ صَاحِبَ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ لَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ بِخِلَافِ الْبَعِيدِ، فَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّأْوِيلِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ
. (وَإِنَّمَا الْكَفَّارَةُ) وَاجِبَةٌ (عَلَى مَنْ أَفْطَرَ) فِي رَمَضَانَ الْحَاضِرِ (مُتَعَمِّدًا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ جِمَاعٍ) أَوْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا تَأْوِيلًا بَعِيدًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَكَفَّرَ إنْ تَعَمَّدَ بِلَا تَأْوِيلٍ قَرِيبٍ وَجَهِلَ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ جِمَاعًا أَوْ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا بِفَمٍ فَقَطْ، أَوْ رَفَعَ نِيَّةً نَهَارًا، أَوْ كَانَ فِطْرُهُ بِاسْتِيَاكٍ بِجَوْزَاءَ، أَوْ تَعَمَّدَ إخْرَاجَ مَنِيٍّ وَإِنْ بِإِدَامَةِ فِكْرٍ أَوْ نَظَرٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ شُرُوطَ الْكَفَّارَةِ خَمْسٌ: الْعَمْدُ وَالِاخْتِيَارُ وَالِانْتِهَاكُ لِلْحُرْمَةِ وَالْعِلْمُ بِحُرْمَةِ الْمُوجِبِ الَّذِي فَعَلَهُ وَإِنْ جَهِلَ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِخِلَافِ جَهْلِ رَمَضَانَ فَيُسْقِطُهَا اتِّفَاقًا، وَخَامِسُ الشُّرُوطِ كَوْنُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ الْحَاضِرِ وَحَيْثُ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَنْ الْمُكَفِّرِ فَتَجِبُ. (مَعَ الْقَضَاءِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَيَجِبُ مَعَهَا الْقَضَاءُ إنْ كَانَتْ لَهُ، وَأَمَّا لَوْ كَفَّرَ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ أَكْرَهَ زَوْجَتَهُ أَوْ غَيْرَهَا عَلَى الْجِمَاعِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ وَإِنَّمَا الْقَضَاءُ عَلَيْهَا.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُقَيِّدْ الْأَكْلَ بِالْفَمِ اعْتِمَادًا عَلَى الْمُتَعَارَفِ مِنْ أَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ إنَّمَا يَكُونَانِ بِالْفَمِ، وَأَمَّا لَوْ أَفْطَرَ بِمَا وَصَلَ مِنْ أَنْفِهٍ أَوْ أُذُنِهِ أَوْ عَيْنِهِ أَوْ رَأْسِهِ كَدَهْنِ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا نَهَارًا بِمَا يَصِلُ إلَى حَلْقِهَا لَوَجَبَ الْقَضَاءُ فَقَطْ، وَيُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ بِالْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ وُصُولُ الْمَأْكُولِ أَوْ الْمَشْرُوبِ إلَى الْجَوْفِ فَلَا كَفَّارَةَ بِمَا يَصِلُ إلَى الْحَلْقِ، وَرَدَّهُ وَإِنْ لَزِمَ الْقَضَاءُ بِوُصُولِ الْمُنْحَلِ إلَى الْحَلْقِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى الْجَوْفِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُنْحَلِ نَحْوِ الدِّرْهَمِ يَصِلُ إلَى حَلْقِهِ وَيَرُدُّهُ فَلَا قَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْجِمَاعِ الْمُوجِبِ لِلْكَفَّارَةِ كَوْنُهُ مُوجِبًا لِلْغُسْلِ عَلَى الْفَاعِلِ، لَا إنْ وَطِئَ الصَّائِمُ الْبَالِغُ غَيْرَ الْمُطِيقَةِ وَلَمْ يُنْزِلْ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى كَبِيرَةٍ وَطِئَهَا صَبِيٌّ وَلَمْ تُنْزِلْ وَمَعَ الْمَذْيِ الْقَضَاءُ.
الثَّانِي: إذَا عَرَفْت مَا ذَكَرْنَاهُ لَك مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، عَلِمْت أَنْ حَصْرَ الْمُصَنِّفِ الْكَفَّارَةَ فِي تَعَمُّدِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ نَظَرَ إلَى الْغَالِبِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا قَدْ تَجِبُ بِغَيْرِ مَا ذَكَرَهُ.
الثَّالِثُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِحُكْمِ مَا إذَا تَعَدَّدَ مِنْهُ مُوجِبُ الْكَفَّارَةِ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّهَا لَا تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْأَكَلَاتِ أَوْ الْوَطَآتِ، وَلَا بِأَكْلٍ وَوَطْءٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانَ أَخْرَجَ لِلْأَوَّلِ كَفَّارَةً قَبْلَ فِعْلِ الثَّانِي، وَإِنَّمَا تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْأَيَّامِ، وَهَذَا حُكْمُ الْكَفَّارَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى غَيْرِهِ فَتَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ بِتَعَدُّدِ الْمُكَفَّرِ عَنْهُ.
الرَّابِعُ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَّارَةِ الِانْتِهَاكُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ بِالظَّاهِرِ، وَفِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ فِي يَوْمٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ، أَوْ أَفْطَرَتْ الْمَرْأَةُ مُتَعَمِّدَةً ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا حَائِضٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا، خِلَافًا لِحَمْدِيسٍ وَمَنْ وَافَقَهُ، بِخِلَافِ مَنْ أَفْطَرَتْ مُتَعَمِّدَةً ثُمَّ يَأْتِيهَا بَعْدَ فِطْرِهَا الْحَيْضُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ.
الْخَامِسُ: صَرِيحُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَلْزَمُ بِالْأَكْلِ أَوْ غَيْرِهِ بَعْدَ حُصُولِهِ، وَأَمَّا لَوْ عَزَمَ عَلَى الْأَكْلِ أَوْ الْجِمَاعِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَلَا الْقَضَاءُ، كَمَنْ عَزَمَ عَلَى نَقْضِ وُضُوئِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ النَّاقِضُ بِالْفِعْلِ وَلَا يُعَدُّ قَصْدُهُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ رَفْضًا، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
[مُوجِبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الصَّائِم فِي رَمَضَان]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مُوجِبِ الْكَفَّارَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِهَا قَوْلُهُ: (وَالْكَفَّارَةُ) الْكُبْرَى (فِي ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْأَكْلِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ فِي حَقِّ الْحُرِّ الرَّشِيدِ وَأَشَارَ إلَى أَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: (إطْعَامُ) أَيْ تَمْلِيكُ (سِتِّينَ مِسْكِينًا) أَحْرَارًا مُسْلِمِينَ، وَالْمُرَادُ بِالْمِسْكِينِ مَا يَشْمَلُ الْفَقِيرَ وَثَانِي مَفْعُولَيْ إطْعَامُ (هَذَا لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ) فَلَا يُجْزِئُ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، كَمَا لَا يُجْزِئُ دَفْعُهَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ وَلَا لِأَكْثَرَ، وَيَسْتَرْجِعُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا زَادَ عَلَى الْمُدِّ إنْ كَانَ بَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ كَفَّارَةٌ وَبَقِيَ بِيَدِهِ وَكَمَّلَ السِّتِّينَ، فَإِنْ ذَهَبَ مِنْ يَدِهِ فَلَا يُتْبَعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُسَلِّطُ لَهُ فِي إتْلَافِهِ، وَيُكْمِلُ لِمَنْ أَخَذَ النَّاقِصَ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَمِقْدَارُ الْمُدِّ رَطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ، وَهُوَ مِلْءُ الْيَدَيْنِ الْمُتَوَسِّطَتَيْنِ لَا مَقْبُوضَتَيْنِ وَلَا مَبْسُوطَيْنِ، وَهَلْ تَكُونُ مِنْ عَيْشِ الْمُكَفِّرِ أَوْ مِنْ غَالِبِ عَيْشِ أَهْلِ الْبَلْدَةِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ؟ قَالَ اللَّخْمِيُّ: يُجْزِئُ ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ وَهِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَأَفْضَلُ أَنْوَاعِهَا الْإِطْعَامُ. فَلِذَلِكَ صَدَّرَ بِهِ وَقَالَ: (فَذَلِكَ) أَيْ الْإِطْعَامُ (أَحَبُّ إلَيْنَا) مُعْظَمِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَالْمُصَنِّفِ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ الْإِطْعَامُ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ نَفْعًا وَأَفْضَلِيَّةً فِي حَقِّ الْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكَفَّرَ إنْ تَعَمَّدَ بِلَا تَأْوِيلٍ قَرِيبٍ وَجَهِلَ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ جِمَاعًا أَوْ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا بِفَمٍ فَقَطْ، بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا لِكُلِّ مُدٍّ.
стр. 313
مُتَعَمِّدًا كَفَّارَةٌ
وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ لَيْلًا فَأَفَاقَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّوْمِ وَلَا يَقْضِي مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ
وَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ وَجَوَارِحَهُ
وَيُعَظِّمَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مَا عَظَّمَ اللَّهُ
وَلَا يَقْرَبُ
ــ
[الفواكه الدواني]
وَهُوَ الْأَفْضَلُ، أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ كَالظِّهَارِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ مَا أَجَابَ بِهِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْأَمِيرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حِينَ سَأَلَ الْفُقَهَاءَ عَنْ وَطْئِهِ جَارِيَتَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مِنْ لُزُومِ تَكْفِيرِهِ بِالصَّوْمِ، وَسَكَتَ الْحَاضِرُونَ ثُمَّ سَأَلُوهُ: لِمَ لَمْ تُخَيِّرْهُ؟ فَقَالَ: لَوْ خَيَّرْته لَوَطِئَ كُلَّ يَوْمٍ وَأَعْتَقَ فَلَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ مَا مَعْنَاهُ: أَنَّ الْكَفَّارَاتِ شُرِعَتْ لِلزَّجْرِ، وَالْمُلُوكُ لَا تَنْزَجِرُ بِالْإِعْتَاقِ لِسُهُولَتِهِ عَلَيْهِمْ فَتَعَيَّنَ مَا هُوَ زَاجِرٌ لَهُمْ، وَهَذَا مِنْ النَّظَرِ فِي الْمَصْلَحَةِ وَلَا تَأْبَاهُ الْقَوَاعِدُ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُنَافٍ لِلتَّخْيِيرِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ التَّخْيِيرِ عَلَى فَقْدِ الْمُعَيِّنِ لِنَوْعٍ مِنْهَا، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ، وَأَشَارَ إلَى ثَانِي أَنْوَاعِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَهُ) أَيْ الْحُرِّ الرَّشِيدِ (أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ) مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ وَمُحَرَّرَةٍ لِخُصُوصِ الْكَفَّارَةِ، وَرُتْبَتُهُ تَلِي رُتْبَةَ الْإِطْعَامِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْغَيْرِ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَشَارَ إلَى ثَالِثِ الْأَنْوَاعِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ) يُكَفِّرُ بِ (صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) بِنِيَّةِ التَّتَابُعِ وَالْكَفَّارَةِ، وَقَيَّدْنَا بِالْحُرِّ الرَّشِيدِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْعَبْدِ فَإِنَّمَا يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ، إلَّا أَنْ يَعْجَزَ عَنْهُ أَوْ يَمْنَعَهُ سَيِّدُهُ لِإِضْرَارِهِ بِخِدْمَتِهِ فَيَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ إلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْإِطْعَامِ، وَلِلِاحْتِرَازِ عَنْ السَّفِيهِ فَإِنَّ وَلِيَّهُ يَأْمُرُهُ بِالصَّوْمِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أَوْ أَبَى كَفَّرَ عَنْهُ بِأَدْنَى النَّوْعَيْنِ أَيْ قِيمَةِ الْإِطْعَامِ أَوْ الرَّقَبَةِ، وَهَذَا فِي تَكْفِيرِ الشَّخْصِ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَفَّرَ عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّمَا يُكَفِّرُ عَنْهُ بِالْإِطْعَامِ أَوْ الْعِتْقِ إنْ كَانَ الْمُكَفَّرُ عَنْهُ حُرًّا، أَوْ بِالْإِطْعَامِ فَقَطْ إنْ كَانَ رَقِيقًا، كَمَا لَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ.
(تَنْبِيهٌ) كَمَا يَلْزَمُ الْمُعْتَمَدَ لِلْفِطْرِ الْكَفَّارَةُ يَلْزَمُهُ الْأَدَبُ أَيْضًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأُدِّبَ الْمُفْطِرُ عَمْدًا إلَّا أَنْ يَأْتِيَ تَائِبًا.
قَالَ شُرَّاحُهُ: وَلَوْ كَانَ فِطْرُهُ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ الْمَالِ وَهِيَ الْكَفَّارَةُ، وَعُقُوبَةُ الْبَدَنِ وَهِيَ الْحَدُّ، وَالْأَدَبُ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ، فَإِنْ جَاءَ تَائِبًا سَقَطَ الْأَدَبُ فَقَطْ وَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ وَالْكَفَّارَةُ، كَمَا يَسْقُطُ الْأَدَبُ إنْ جَاءَ مُسْتَفْتِيًا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى عَدَمِ الِاسْتِفْتَاءِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُؤَدِّبْ الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي جَاءَ مُسْتَفْتِيًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا كَانَتْ الْكَفَّارَةُ مُخْتَصَّةً بِالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ الْحَاضِرِ شَرَعَ فِي مُحْتَرِزِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا كَفَّارَةٌ) لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا، خِلَافًا لِمُجَاهِدٍ الْقَائِلِ: بِوُجُوبِهَا، وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ مَا قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ مِنْ أَنَّ الْكَفَّارَةَ سَبَبُهَا انْتِهَاكُ حُرْمَةِ رَمَضَانَ بِإِفْسَادِ الصَّوْمِ فِيهِ وَالْوَقْتُ الْحَاضِرُ لَهُ حُرْمَةٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَ خِلَافٌ فِي لُزُومِ قَضَاءِ الْقَضَاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي لُزُومِ قَضَاءِ الْقَضَاءِ خِلَافٌ، فَعَلَى اللُّزُومِ يَلْزَمُهُ يَوْمَانِ: يَوْمٌ لِلْأَصْلِ وَيَوْمٌ لِلْمُفْسِدِ، وَقِيلَ: يَوْمٌ فَقَطْ، وَالْقَوْلَانِ جَارِيَانِ فِي الْفِطْرِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا عَلَى مَا ارْتَضَاهُ السَّنْهُورِيُّ وَالشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ، وَمِثْلُ قَضَاءِ رَمَضَانَ قَضَاءُ النَّفْلِ الْمُفْسِدِ
وَلَمَّا كَانَ الْإِغْمَاءُ مُسْقِطًا لِوُجُوبِ الصَّوْمِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ لِشَرْطِيَّةِ الْعَقْلِ فِيهَا وَكَانَ يُتَوَهَّمُ سُقُوطُ قَضَائِهِ كَالصَّلَاةِ قَالَ: (وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ لَيْلًا) فِي شَهْرِ رَمَضَانَ (فَأَفَاقَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ) وَلَوْ يَسِيرًا (فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّوْمِ) لِفَوَاتِ مَحَلِّ النِّيَّةِ الَّذِي هُوَ اللَّيْلُ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ الصَّائِمَ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ الْإِغْمَاءُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَزَالَ بَعْدَهُ بِيَسِيرٍ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِمُقَارَنَةِ الْإِغْمَاءِ لِوَقْتِ النِّيَّةِ، زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْ الْأَكْلِ بَقِيَّةَ النَّهَارِ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى إذَا اسْتَمَرَّ الْإِغْمَاءُ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ جُلَّ الْيَوْمِ وَلَوْ سَلِمَ أَوَّلُهُ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ دُونَ الْجُلِّ وَلَمْ يَسْلَمْ أَوَّلُهُ بَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مَغْمِيٌّ عَلَيْهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَأَمَّا لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ دُونَ الْجُلِّ وَسَلِمَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ اسْتَمَرَّ سَالِمًا نَاوِيًا الصَّوْمَ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْإِغْمَاءُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ إلَخْ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا إنْ سَلِمَ أَوَّلُهُ وَلَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ نِصْفَهُ، وَأَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ إلَخْ أَنَّ مَنْ سَكِرَ بِحَرَامٍ لَيْلًا وَاسْتَمَرَّ عَلَى سُكْرِهِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ بَابِ أَوْلَى لِتَسَبُّبِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ اسْتِعْمَالُ الْفِطْرِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَأَمَّا السَّكْرَانُ بِحَلَالٍ فَكَالْمَجْنُونِ، وَالْمَجْنُونُ فِي التَّفْصِيلِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَمَّا النَّائِمُ يَمْضِي عَلَيْهِ أَيَّامٌ وَهُوَ نَائِمٌ بَعْدَ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِصِحَّةِ صَوْمِهِ وَبَقَاءِ تَكْلِيفِهِ، وَإِنَّمَا السَّاقِطُ عَنْ النَّائِمِ الْإِثْمُ فَقَطْ، حَتَّى لَوْ بَيَّتَ النِّيَّةَ بَعْدَ ثُبُوتِ الشَّهْرِ وَنَامَ جَمِيعَهُ صَحَّ صَوْمُهُ وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَلَيْسَ السَّكْرَانُ بِحَلَالٍ كَالنَّائِمِ بَلْ كَالْمَجْنُونِ كَمَا عَلِمْت، فَمَا شَرَحَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيِّ مِنْ أَنَّهُ كَالنَّائِمِ زَلَّةُ قَلَمٍ. (وَلَا يَقْضِي) أَيْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ (مِنْ الصَّلَوَاتِ) فَرْضًا (إلَّا مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ) وَلَوْ الضَّرُورِيَّ، وَإِنَّمَا كَرَّرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ لِيُنَبِّهَ عَلَى مُخَالَفَةِ الصَّوْمِ لِلصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ الصَّلَاةُ دُونَ الصَّوْمِ لِتَكَرُّرِهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ يَقْضِيَانِهِ دُونَ الصَّلَاةِ؟ (تَنْبِيهٌ) : كَانَ الْأَنْسَبُ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ لَوْ قَالَ: وَلَا يُطَالَبُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمَا خَرَجَ وَقْتُهُ، وَمَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ أَدَاءٌ لَا قَضَاءٌ
. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُطْلَبُ مِنْ الصَّائِمِ وَمَا يُنْهَى عَنْهُ مُبْتَدِئًا بِالْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (وَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ) أَيْ
стр. 314
الصَّائِمُ النِّسَاءَ بِوَطْءٍ وَلَا مُبَاشَرَةٍ وَلَا قُبْلَةٍ لِلَذَّةٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي لَيْلِهِ
وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصْبِحَ جُنُبًا مِنْ الْوَطْءِ
وَمَنْ الْتَذَّ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ قُبْلَةٍ فَأَمْذَى لِذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ حَتَّى أَمْنَى فَعَلَيْهِ
ــ
[الفواكه الدواني]
يُطْلَبُ مِنْهُ (أَنْ يَحْفَظَ) أَيْ يَصُونَ (لِسَانَهُ وَجَوَارِحَهُ) عَمَّا لَا ثَوَابَ فِي فِعْلِهِ، وَعَطْفُ الْجَوَارِحِ عَلَى اللِّسَانِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ اقْتِصَارِ خَلِيلٍ عَلَى اللِّسَانِ حَيْثُ قَالَ: وَكَفُّ لِسَانٍ، وَفَسَّرْنَا يَنْبَغِي بِيُطْلَبُ؛ لِأَنَّ مَا لَا ثَوَابَ فِي فِعْلِهِ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبُ التَّرْكِ كَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَمِنْهُ مَا تَرْكُهُ مَنْدُوبٌ وَهُوَ كُلُّ مَا لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَوْ مُبَاحًا لِغَيْرِ الصَّائِمِ كَتَرْكِ الْإِكْثَارِ مِنْ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ، وَإِنَّمَا خُصَّ رَمَضَانُ بِالذِّكْرِ وَإِنْ شَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ فِيهِ أَشَدُّ، إذْ الْمَعَاصِي تُغَلَّظُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، فَمَنْ عَصَى اللَّهَ فِي الْحَرَمِ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِمَّنْ عَصَاهُ خَارِجًا عَنْهُ، وَمَنْ عَصَاهُ فِي مَكَّةَ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِمَّنْ عَصَاهُ فِي خَارِجِهَا، وَالْجَوَارِحُ سَبْعَةٌ: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَاللِّسَانُ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالْبَطْنُ وَالْفَرْجُ وَاللِّسَانُ بَعْضُهَا، وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ مَعَ دُخُولِهِ فِيهَا لِأَنَّهُ أَعْظَمُهَا آفَةً، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا رَأَيْت قَسَاوَةً فِي قَلْبِك وَوَهَنًا فِي بَدَنِك وَحِرْمَانًا فِي رِزْقِك فَاعْلَمْ أَنَّك تَكَلَّمْت فِيمَا لَا يَعْنِيك، فَبِالْجُمْلَةِ اللِّسَانُ شَرُّ الْجَوَارِحِ، فَإِنْ اسْتَقَامَ اسْتَقَامَتْ الْجَوَارِحُ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ: «إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ فَقَدْ كَمُلَ نِصْفُ الدِّينِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي» قِيلَ: النِّصْفُ الْبَاقِي اللِّسَانُ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ أَنْ يُقِلُّوا الْكَلَامَ فِيمَا لَا يَعْنِي، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الصَّائِمِ وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «الصَّوْمُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثُ وَلَا يَجْهَلُ، فَإِنْ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ» وَالرَّفَثُ الْجِمَاعُ وَالْفُحْشُ مِنْ الْقَوْلِ وَكَلَامُ النِّسَاءِ فِي الْجِمَاعِ، وَقَوْلُهُ: «فَلْيَقُلْ إنِّي صَائِمٌ» أَيْ بِلِسَانِ حَالِهِ لَا بِلِسَانِ مَقَالِهِ.
(وَ) مِمَّا يَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَيْضًا أَنْ (يُعَظِّمَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مَا عَظَّمَ اللَّهُ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ؛ " مِنْ " زَائِدَةٌ " وَمَا " مَوْصُولَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: وَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يُعَظِّمَ شَهْرَ رَمَضَانَ الَّذِي عَظَّمَهُ اللَّهُ إذْ أَنْزَلَ فِيهِ الْقُرْآنَ وَأَنْزَلَ فِيهِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى تَعْظِيمِهِ، وَخَصَّهُ بِإِيجَابِ الصَّوْمِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَتَعْظِيمُ الصَّائِمِ لَهُ بِتَمْيِيزِهِ بِفِعْلِ الْمَبَرَّاتِ وَكَثْرَةِ الْعِبَادَاتِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَصَحَّحَ بَعْضُ الشُّيُوخِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِادِّعَاءِ أَنَّ مِنْ بِمَعْنَى فِي وَهَذِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُعَظِّمُ، وَالْمَعْنَى: وَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يُعَظِّمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالتَّسْبِيحِ وَالصَّلَاةِ، وَتَعْظِيمُهَا بِالْإِكْثَارِ مِنْهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَيُكْرَهُ تَعْظِيمُهُ بِغَيْرِ مَا عَظَّمَ اللَّهُ كَكَثْرَةٍ وَقَيْدِ النَّارِ فِي الْمَسَاجِدِ وَتَزْوِيقِهَا بِبَعْضِ فُرُشٍ نَفِيسَةٍ
(وَ) يَنْبَغِي لِلصَّائِمِ وَلَوْ غَيْرَ رَمَضَانَ أَنْ (لَا يَقْرَبَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالرَّاءِ عَلَى الْأَفْصَحِ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ الَّذِي هُوَ (الصَّائِمُ النِّسَاءَ بِوَطْءٍ وَلَا مُبَاشَرَةٍ وَلَا قُبْلَةٍ لِلَذَّةٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ) لِأَنَّ قُرْبَ النِّسَاءِ ذَرِيعَةٌ إلَى إفْسَادِ الصَّوْمِ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ عَيْنُ الْحُكْمِ وَمُحَصِّلُهُ: إنَّ قُرْبَهُنَّ بِوَطْءٍ حَرَامٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَأَمَّا بِغَيْرِهِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ فَمَكْرُوهٌ مَعَ عِلْمِ السَّلَامَةِ وَحَرَامٌ عِنْدَ عَدَمِ عِلْمِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَمُقَدِّمَةُ جِمَاعٍ كَقُبْلَةٍ وَفِكْرٍ إنْ عُلِمَتْ السَّلَامَةُ وَإِلَّا حُرِّمَتْ، وَقَوْلُنَا: وَلَوْ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ دَفْعًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ اخْتِصَاصِهِ بِصِيَامِ رَمَضَانَ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ. (وَ) مَفْهُومٌ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَنَّهُ (لَا يَحْرُمُ) وَلَا يُكْرَهُ شَيْءٌ مِنْ (ذَلِكَ) أَنَّ الْمَذْكُورَ مِنْ وَطْءٍ وَغَيْرِهِ (عَلَيْهِ فِي لَيْلِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَكِفًا أَوْ مُحْرِمًا أَوْ صَائِمًا فِي كَفَّارَةِ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ، فَيَسْتَوِي عِنْدَهُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فَلَا يَطَأُ الْمُظَاهِرُ مِنْهَا وَلَوْ لَيْلًا.
(تَنْبِيهٌ) اعْتَرَضَ ابْنُ الْفَخَّارِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَيَّدَ الْقُبْلَةَ بِكَوْنِهَا اللَّذَّةَ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي إبَاحَتَهَا بِدُونِ اللَّذَّةِ، مَعَ أَنَّ اللَّذَّةَ قَدْ تَحْدُثُ عِنْدَهَا، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ بِقَصْدِهَا فَالصَّوَابُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا عِنْدَ عِلْمِ عَدَمِ السَّلَامَةِ، وَالْكَرَاهَةُ عِنْدَ عِلْمِ السَّلَامَةِ كَمَا قَدَّمْنَا عَنْ خَلِيلٍ حَيْثُ قَالَ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَمُقَدِّمَةُ جِمَاعٍ كَقُبْلَةٍ وَفِكْرٍ إنْ عُلِمَتْ السَّلَامَةُ وَإِلَّا حَرُمَتْ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ النَّهْيُ عَنْ الْقُبْلَةِ لِكُلِّ صَائِمٍ وَلَوْ نَقْلًا لِحُرْمَةِ إبْطَالِ التَّطَوُّعَاتِ عِنْدَنَا اخْتِيَارًا، كَمَا أَنَّ ظَاهِرَهُ سَوَاءٌ كَانَ الصَّائِمُ شَابًّا أَوْ شَيْخًا كَبِيرًا وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنْ التَّفَكُّرَ أَوْ النَّظَرَ لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَجَعَلَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ كَالْقُبْلَةِ وَخَلِيلٌ أَيْضًا، وَجَعَلَ اللَّخْمِيُّ النَّظَرَ الْمُسْتَدَامَ كَالْقُبْلَةِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ ابْنِ الْفَخَّارِ بِتَصَرُّفٍ وَإِيضَاحٍ، وَأَقُولُ: كَلَامُ ابْنِ الْفَخَّارِ الْمُتَضَمِّنُ عَدَمَ جَوَازِ الْقُبْلَةِ وَلَوْ لِغَيْرِ قَصْدِ اللَّذَّةِ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ خَلِيلٍ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا الشَّاذِلِيُّ فَتَمَحَّلَ لِلْمُصَنِّفِ جَوَابًا وَقَالَ: كَأَنَّهُ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ لِلَذَّةٍ عِنْدَ الْقُبْلَةِ لِلْوَدَاعِ أَوْ الرَّحْمَةِ مِمَّا لَا الْتِذَاذَ بِهِ عَادَةً، وَارْتَضَى تَقْيِيدَهُ الْأُجْهُورِيُّ فَلَا يُنَافِي عَدَمَ جَوَازِهَا لِغَيْرِ الْوَدَاعِ أَوْ الرَّحْمَةِ وَلَوْ بِغَيْرِ قَصْدِ اللَّذَّةِ.
(وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصْبِحَ) الصَّائِمُ (جُنُبًا مِنْ الْوَطْءِ) وَأَوْلَى مِنْ الِاحْتِلَامِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْجَائِزِ: وَإِصْبَاحٌ بِجَنَابَةٍ وَالْمُرَادُ بِلَا بَأْسٍ وَبِالْجَوَازِ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ
стр. 315
الْكَفَّارَةُ
وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَإِنْ قُمْت فِيهِ بِمَا تَيَسَّرَ فَذَلِكَ مَرْجُوٌّ فَضْلُهُ وَتَكْفِيرُ الذُّنُوبِ بِهِ
وَالْقِيَامُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ بِإِمَامٍ وَمَنْ شَاءَ قَامَ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ أَحْسَنُ لِمَنْ قَوِيَتْ نِيَّتُهُ وَحْدَهُ
وَكَانَ السَّلَفُ
ــ
[الفواكه الدواني]
عَدَمُ الْكَرَاهَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى
، وَلَمَّا قَدَّمَ الصَّائِمَ يُنْهَى عَنْ مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ وَلَوْ مَعَ عِلْمِ السَّلَامَةِ شَرَعَ فِي الْحُكْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى مَنْ ارْتَكَبَهَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ الْتَذَّ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِمُبَاشَرَةٍ) وَلَوْ بِبَعْضِ أَعْضَائِهِ كَرِجْلِهِ (أَوْ قُبْلَةٍ فَأَمْذَى لِذَلِكَ) الْمَذْكُورِ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) وَلَوْ نَسِيَ كَوْنَهُ فِي رَمَضَانَ، وَقِيلَ لَا قَضَاءَ عَلَى النَّاسِي، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُمْذِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَنْعَظَ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِالْإِنْعَاظِ، وَمَشَى عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ فِي تَعْرِيفِ الصَّوْمِ، وَلَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: قَاعِدَةُ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ تَقْدِيمُ مَا رَوَاهُ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى مَا يَقُولُهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِهَا وَمِثْلُ الْإِمْذَاءِ بِالْمُبَاشَرَةِ الْإِمْذَاءُ بِالْفِكْرِ وَالنَّظَرِ وَلَوْ لَمْ يُدِمْهُمَا عَلَى مَا فِي بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ وَفِي الْأُجْهُورِيِّ هُنَا، فَإِنْ كَانَ عَنْ فِكْرٍ غَيْرِ مُسْتَدَامٍ أَوْ نَظَرٍ غَيْرِ مُسْتَدَامٍ فَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ فَقَطْ.
قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: وَأَقُولُ ظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ لُزُومُ الْقَضَاءِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْفِكْرِ وَالْقُبْلَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إنْ أَمَذَى قَضَى مِنْ غَيْرِ شَرْطِ اسْتِدَامَةٍ.
(وَ) مَفْهُومُ أَمَذَى أَنَّهُ (إنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ (حَتَّى أَمْنَى فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) مَعَ الْقَضَاءِ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَتَعْبِيرُهُ بِحَتَّى يُوهِمُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ بِمُجَرَّدِ الْقُبْلَةِ أَوْ الْمُبَاشَرَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ الْمُعْتَمَدُ لُزُومُ الْكَفَّارَةِ بِتَعَمُّدِ إخْرَاجِ الْمَنِيِّ بِالْقُبْلَةِ أَوْ الْمُبَاشَرَةِ أَوْ الْمُلَاعَبَةِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ عَادَةٍ وَلَا اسْتِدَامَةٍ، وَأَمَّا تَعَمُّدُ إخْرَاجِهِ بِنَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِدَامَةِ مِمَّنْ عَادَتُهُ الْإِنْزَالُ بِهِمَا أَوْ اسْتَوَتْ حَالَتَاهُ، وَأَمَّا مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ السَّلَامَةُ مَعَ إدَامَتِهِمَا فَتَخَلَّفَتْ وَأَمْنَى فَقَوْلَانِ اسْتَظْهَرَ اللَّخْمِيُّ مِنْهُمَا عَدَمَ لُزُومِ الْكَفَّارَةِ، وَنَقَلَ بَعْضَ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ عَامًّا فِي جَمِيعِ مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ وَهُوَ أَظْهَرُ، وَأَمَّا مَنْ أَمْنَى بِتَعَمُّدِ نَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمُقَابِلُهُ لِلْقَابِسِيِّ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَنْ عَادَتُهُ الْإِمْنَاءُ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ وَإِلَّا اُتُّفِقَ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ الْكَفَّارَةِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ مَعَ بَيَانِ الرَّاجِحِ
[حُكْمِ التَّرَاوِيحِ فِي رَمَضَانَ]
. ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ التَّرَاوِيحِ الْمَعْرُوفَةِ بِقِيَامِ رَمَضَانَ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ) أَيْ صَلَّى فِيهِ التَّرَاوِيحَ وَيُقَالُ لَهَا الْقِيَامُ (إيمَانًا) أَيْ مُصَدِّقًا بِالْأَجْرِ الْمَوْعُودِ عَلَيْهِ (وَاحْتِسَابًا) أَيْ مُخْلِصًا فِي فِعْلِهِ وَمُحْتَسِبًا أَجْرَهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَفْعَلْهُ لِرِيَاءٍ وَلَا سُمْعَةٍ (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) هَذَا جَوَابُ مَنْ الشَّرْطِيَّةِ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَ بِعَزِيمَةٍ فَيَقُولُ: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» وَالْمُرَادُ ذُنُوبُهُ الصَّغَائِرُ، وَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ أَوْ عَفْوُ اللَّهِ، وَأَمَّا تَبِعَاتُ الْعِبَادِ فَلَا يُكَفِّرُهَا التَّوْبَةُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِحْلَالِ أَرْبَابِهَا؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ لَا يُقَالُ لَهَا ذُنُوبٌ إنَّمَا الذَّنْبُ إثْمُ الْجُرْأَةِ، فَهَذَا يُكَفَّرُ بِالتَّوْبَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ نَحْوِ الْحَجِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ، لَكِنَّ حَمْلَ الذُّنُوبِ عَلَى الصَّغَائِرِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا لِأَنَّهَا الَّتِي تُكَفَّرُ بِالْقِيَامِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّغَائِرَ تُغْفَرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، وَكَذَلِكَ بِالْوُضُوءِ وَبِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا مِمَّا نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْمُكَفِّرَاتِ، فَأَيْنَ الصَّغَائِرُ الَّتِي يُكَفِّرُهَا الْقِيَامُ؟ وَقَدْ سَبَقَ هَذَا الْإِشْكَالُ بِعَيْنِهِ فِي بَحْثِ الْعَقِيدَةِ، وَأَحْسَنُ مَا يُجَابُ بِهِ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ أَنْ يُقَالَ: الذُّنُوبُ كَالْأَمْرَاضِ وَالْمُكَفِّرَاتُ كَالْأَدْوِيَةِ لَهَا، فَمِنْ الذُّنُوبِ مَا لَا يُكَفِّرُهُ إلَّا الْوُضُوءُ، وَمِنْهَا مَا لَا يُكَفِّرُهُ إلَّا الصَّوْمُ، وَمِنْهَا مَا لَا يُكَفِّرُهُ إلَّا الْقِيَامُ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْجَوَابِ حَدِيثُ: «إنَّ مِنْ الذُّنُوبِ مَا لَا يُكَفِّرُهُ الصَّوْمُ وَلَا الصَّلَاةُ وَإِنَّمَا يُكَفِّرُهُ السَّعْيُ عَلَى الْعِيَالِ» وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْمُكَفِّرَاتِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الذُّنُوبِ يُرْفَعُ لَهُ بِهَا دَرَجَاتٌ، وَحُكْمُ الْقِيَامِ الَّذِي أَرَادَهُ الْمُصَنِّفُ النَّدْبُ وَيَتَأَكَّدُ النَّدْبُ فِي رَمَضَانَ حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّ حُكْمَهُ السُّنِّيَّةُ، وَلَكِنَّ الَّذِي رَجَّحَهُ خَلِيلٌ النَّدْبُ حَيْثُ قَالَ: وَوَقْتُهُ وَقْتُ الْوِتْرِ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ وَشَفَقٍ لِلْفَجْرِ، فَلَا يُصَلَّى قَبْلَ الْعِشَاءِ وَلَا بَعْدَ عِشَاءٍ مُقَدَّمَةٍ عَلَى مَحَلِّهَا الضَّرُورِيِّ، وَاخْتُلِفَ هَلْ الِاشْتِغَالُ بِهِ أَفْضَلُ أَوْ مُذَاكَرَةُ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ وَفِعْلُهُ مُسْتَحَبٌّ قَوْلَانِ وَلَمَّا شَاعَ فِي الْأَمْصَارِ تَحْدِيدُهُ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً غَيْرِ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ وَكَانَ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ حُصُولِ ذَلِكَ الثَّوَابِ بِأَقَلَّ مِنْهَا دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ قُمْت فِيهِ) أَيْ فِي رَمَضَانَ (بِمَا تَيَسَّرَ) مِنْ الصَّلَاةِ وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ رَكْعَةً (فَذَلِكَ) الَّذِي تَيَسَّرَ لَك (مَرْجُوٌّ فَضْلُهُ) أَيْ ثَوَابُهُ لِاشْتِمَالِ كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى قِيَامٍ وَسُجُودٍ وَقِرَاءَةٍ: وَاَللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) وَرَجَاءُ الْفَضْلِ مِنْ الْقِيَامِ الْقَلِيلِ لَا يُنَافِي أَنَّ الْكَثِيرَ أَكْثَرُ ثَوَابًا (وَ) مَرْجُوٌّ (تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ بِهِ) وَإِنَّمَا قَالَ: مَرْجُوٌّ فَضْلُهُ وَلَمْ يَجْزِمْ بِحُصُولِهِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْإِثَابَةَ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهَا، إذْ الْإِثَابَةُ عَلَيْهَا مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ وَالْقَبُولِ، وَلِذَلِكَ نَصُّوا عَلَى أَنَّ
стр. 316
الصَّالِحُ يَقُومُونَ فِيهِ فِي الْمَسَاجِدِ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً ثُمَّ يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ وَيَفْصِلُونَ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ بِسَلَامٍ ثُمَّ صَلَّوْا بَعْدَ
ــ
[الفواكه الدواني]
الْعَاقِلَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ عَمَلَهُ دَائِمًا فِي حَضِيضِ النُّقْصَانِ وَغَيْرَ بَالِغِ دَرَجَةِ الْكَمَالِ، لَعَلَّ الْبَارِيَ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالْقَبُولِ وَالْإِحْسَانِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمَحَلِّ الَّذِي يُنْدَبُ فِعْلُ الْقِيَامِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجُوزُ فِعْلُ صَلَاةِ (الْقِيَامِ فِيهِ) أَيْ فِي رَمَضَانَ (فِي) سَائِرِ (مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ) وَإِنْ كَانَتْ مَسَاجِدَ خُطَبٍ وَيَجُوزُ فِعْلُهُ (بِإِمَامٍ) فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ كَرَاهَةِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَجَمْعُ كَثِيرٍ لِنَفْلٍ أَوْ بِمَكَانٍ مُشْتَهِرٍ لِاسْتِمْرَارِ الْعَمَلِ عَلَى الْجَمْعِ فِيهَا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مِمَّنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ لِاسْتِحْبَابِ خَتْمِهِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ لِيَسْمَعَ جَمِيعَهُ الْمَأْمُومُونَ، وَلَمَّا كَانَ فِعْلُهَا فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلَ قَالَ: (وَمَنْ شَاءَ قَامَ) أَيْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ (فِي بَيْتِهِ وَلَوْ بِإِمَامٍ وَهُوَ أَحْسَنُ) أَيْ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ (لِمَنْ قَوِيَتْ نِيَّتُهُ وَحْدَهُ) وَمَعْنَى قَوِيَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نَشَاطٌ فِي فِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ الْمُتَأَكَّدِ: وَتَرَاوِيحُ وَانْفِرَادٌ فِيهَا إنْ لَمْ تُعَطَّلْ الْمَسَاجِدُ.
قَالَ شُرَّاحُهُ: وَنُدِبَ الِانْفِرَادُ مُقَيَّدٌ بِمَنْ يَنْشَطُ لِفِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ، وَبِعَدَمِ تَعْطِيلِ الْمَسْجِدِ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْبُيُوتِ، وَبِأَنْ لَا يَكُونَ آفَاقِيًّا وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَإِلَّا كَانَ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلَ، وَإِنَّمَا كَانَ فِعْلُهَا فِي الْبُيُوتِ مَعَ الْقُيُودِ أَفْضَلَ لِلسَّلَامَةِ مِنْ الرِّيَاءِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجَلْوَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْخَلْوَةِ، وَلِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاتُكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَالْأَصْلُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ التَّرَاوِيحَ لَيْلَتَيْنِ وَقِيلَ ثَلَاثًا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ امْتَنَعَ مِنْ الْخُرُوجِ فِي الثَّالِثَةِ وَقِيلَ فِي الرَّابِعَةِ لَمَّا بَلَغَهُ ازْدِحَامُهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: رَأَيْت الَّذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إلَّا أَنِّي خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» كَمَا أَشَارَ الْأُجْهُورِيُّ بِقَوْلِهِ:
وَفِيهِ قَدْ صَلَّى نَبِيُّ الرَّحْمَهْ ... قِيَامَهُ بِلَيْلَتَيْنِ فَاعْلَمْهُ
أَوْ بِثَلَاثٍ ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ لَهُ ... خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ
ثَمَّةَ كَانَ الْجَمْعُ فِيهِ مِنْ عُمَرْ ... لَمَّا وَعَاهُ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ خَبَرْ
مِنْ أَنَّهُ يَنْزِلُ أَمْلَاكٌ كِرَامْ ... بِرَمَضَانَ كُلَّ عَامٍ لِلْقِيَامْ
فَمَنْ لَهُمْ قَدْ مَسَّ أَوْ مَسُّوهُ ... يَسْعَدُ وَالشِّقْوَةُ لَا تَعْرُوهُ
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ لَهَا أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، وَقَوْلُ عُمَرَ فِيهَا: نِعْمَةُ الْبِدْعَةِ هَذِهِ لَيْسَ رَاجِعًا لِأَصْلِهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ جَمْعُهُمْ عَلَى إمَامٍ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاظَبَةِ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُمْ حِينَ امْتَنَعَ الْمُصْطَفَى ﷺ مِنْ الْخُرُوجِ صَارُوا يُصَلُّونَهَا فُرَادَى فِي بُيُوتِهِمْ، ثُمَّ بَعْدَ سَنَتَيْنِ حَصَلَ الْأَمْنُ مِنْ خَشْيَةِ فَرْضِيَّتِهَا لِعَدَمِ تَجْدِيدِ الْأَحْكَامِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُصْطَفَى ﵊ أَمَرَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِفِعْلِهَا جَمَاعَةً، وَلَعَلَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ إشْهَارَهَا وَالْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا وَإِحْيَاءَ الْمَسَاجِدِ بِفِعْلِهَا؛ لِأَنَّ إخْفَاءَهَا ذَرِيعَةٌ لِإِهْمَالِهَا وَتَضْيِيعِهَا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَقُولُ الرَّسُولُ ﵊: «إنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْكُمْ خَشْيَةُ فَرْضِهَا عَلَيْكُمْ» مَعَ مَا فِي الْحَدِيثِ حِينَ فَرَضَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: " هُنَّ خَمْسٌ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ إلَخْ " فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ خَشْيَةُ فَرْضِهَا فِي خُصُوصِ رَمَضَانَ، وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَمَفْرُوضَةٌ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَلَى الدَّوَامِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ خَشْيَةُ فَرْضِهَا عَلَيْكُمْ فِي جَمَاعَةٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﷺ : «إنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ الْخُرُوجِ خَشْيَةُ فَرْضِهَا» يَقْتَضِي أَنَّ فِعْلَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ، فَكَيْفَ تَقُولُونَ فِعْلُهَا فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُصْطَفَى ﵊ قَدْ يَفْعَلُ الْمَفْضُولَ لِلتَّشْرِيعِ، فَفِعْلُهُ لَهَا فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْوَاجِبِ ﵊، وَخِلَافُ الْأَفْضَلِ فِي حَقِّنَا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ الَّتِي كَانَ يَفْعَلُهَا الْمُصْطَفَى وَوَاظَبَ عَلَيْهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ بَعْدَ قَوْلِهِ: (وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ) وَهُمْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - (يَقُومُونَ فِيهِ) فِي زَمَنِ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَبِأَمْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (فِي الْمَسَاجِدِ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً) وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ الْآنَ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ. (ثُمَّ) بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشْرِينَ (يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ) مِنْ بَابِ تَغْلِيبِ الْأَشْرَفِ لَا أَنَّ الثَّلَاثَ وِتْرٌ؛ لِأَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا مَرَّ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَيَفْصِلُونَ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ بِسَلَامٍ) اسْتِحْبَابًا وَيُكْرَهُ الْوَصْلُ إلَّا لِاقْتِدَاءٍ بِوَاصِلٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا، وَخُيِّرَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ، وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ النَّاسِ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَالْعِشْرِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا. (ثُمَّ) بَعْدَ وَقْعَةِ الْحَرَّةِ بِالْمَدِينَةِ (صَلَّوْا) أَيْ السَّلَفُ غَيْرَ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ هُنَا مَنْ كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (بَعْدَ ذَلِكَ) الْعَدَدِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ
стр. 317
ذَلِكَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً غَيْرَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ وَيُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ «مَا زَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَنْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَعْدَهَا الْوِتْرُ» .
ــ
[الفواكه الدواني]
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً غَيْرَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ) وَاَلَّذِي أَمَرَهُمْ بِصَلَاتِهَا كَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ لَمَّا رَأَى فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُطِيلُونَ فِي الْقِرَاءَةِ الْمُوجِبَةِ لِلسَّآمَةِ وَالْمَلَلِ، فَأَمَرَهُمْ بِتَقْصِيرِ الْقِرَاءَةِ وَزِيَادَةِ الرَّكَعَاتِ، وَالسُّلْطَانُ إذَا نَهَجَ مَنْهَجًا لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ وَلَا سِيَّمَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁، وَهَذَا اخْتَارَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاسْتَحْسَنَهُ وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَرَجَّحَ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ الْأَوَّلَ الَّذِي جَمَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ عَلَيْهَا لِاسْتِمْرَارِ الْعَمَلِ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ عَلَيْهِ لِذَلِكَ صَدَّرَ بِهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ بِالشَّفْعِ وَالْوِتْرِ. (وَكُلُّ ذَلِكَ) أَيْ الْعَدَدِ مِنْ الْعِشْرِينَ أَوْ السِّتَّةِ وَالثَّلَاثِينَ (وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ وَهَذَا غَيْرُ ضَرُورِيِّ الذِّكْرِ. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ السَّلَامِ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ الْأَفْضَلُ لَهُ السَّلَامُ بَعْدَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَلَمَّا بَيَّنَ قَدْرَ مَا فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ السَّلَفِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ،
شَرَعَ فِي بَيَانِ عَدَدِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْمُصْطَفَى ﷺ فِي رَمَضَانَ وَفِي غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «مَا زَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رَكْعَةً بَعْدَهَا الْوِتْرُ» قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَمَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ هُوَ أَغْلَبُ أَحْوَالِهِ ﷺ ، فَلَا يُعَارِضُ مَا رُوِيَ عَنْهَا بِخَمْسَ عَشْرَةَ وَسَبْعَ عَشْرَةَ، وَرَوَى غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ «أَنَّهُ رَجَعَ إلَى تِسْعٍ ثُمَّ إلَى سَبْعٍ» ، وَلَيْسَ اخْتِلَافًا حَقِيقِيًّا بَلْ اخْتِلَافٌ بِحَسَبِ اعْتِبَارَاتٍ، فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَإِذَا قَامَ يَتَهَجَّدُ افْتَتَحَ وِرْدَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ لِيَنْشَطَ، وَإِذَا خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ رَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فَتَارَةً عَدَّهَا بِفِعْلِهِ فِي لَيْلِهِ وَهُوَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَتَارَةً أَسْقَطَ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ فَعَدَّ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَفِي هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ كَثِيرٍ مِمَّا وَرَدَ.
(خَاتِمَةٌ) قَالَ الْبَاجِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّإِ: هَذَا الْقِيَامُ الَّذِي تَقُومُهُ النَّاسُ بِرَمَضَانَ فِي الْمَسَاجِدِ مَشْرُوعٌ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا يُوقِعُونَهُ فِي بُيُوتِهِمْ، وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ بِرَمَضَانَ لِكَيْ يَحْصُلَ لِعَامَّةِ النَّاسِ فَضْلُ الْقِيَامِ بِالْقُرْآنِ كُلِّهِ، وَيَسْمَعُونَ كَلَامَ رَبِّهِمْ فِي أَفْضَلِ الشُّهُورِ اهـ، وَنَحْوُ هَذَا لِابْنِ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ التَّتَّائِيُّ: وَلَمَّا سَمِعَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ هَذِهِ الْفَائِدَةَ أَنْكَرَهَا غَايَةَ الْإِنْكَارِ حَتَّى أَوْقَفْنَاهُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيِّ وَابْنِ الْحَاجِّ وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ الصِّيَامِ شَرَعَ فِي الِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الصِّيَامِ فَقَالَ:
стр. 318
بَابٌ فِي الِاعْتِكَافِ وَالِاعْتِكَافُ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ وَالْعُكُوفُ الْمُلَازَمَةُ
وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصِيَامٍ وَلَا يَكُونُ إلَّا مُتَتَابِعًا وَلَا يَكُونُ إلَّا فِي
ــ
[الفواكه الدواني]
[بَاب فِي الِاعْتِكَاف]
(بَابٌ فِي) ذِكْرِ أَحْكَامِ (الِاعْتِكَافِ) وَهُوَ لُغَةً مُطْلَقُ اللُّزُومِ لِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَشَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لُزُومُ مَسْجِدٍ مُبَاحٍ لِقُرْبَةٍ قَاصِرَةٍ بِصَوْمٍ مَعْزُومٌ عَلَى دَوَامِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً سِوَى وَقْتِ خُرُوجِهِ لِجُمُعَةٍ أَوْ لِمَعْنِيِّهِ الْمَمْنُوعِ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِاللُّزُومِ الْإِقَامَةُ، وَاحْتَرَزَ بِمَسْجِدٍ مُبَاحٍ عَنْ مُلَازَمَةِ غَيْرِ الْمُبَاحِ، كَمُلَازَمَةِ نَحْوِ الْكَعْبَةِ مِنْ الْمَسَاجِدِ الْمَحْجُورَةِ فَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِيهَا، وَالْمُرَادُ بِالْقُرْبَةِ الْقَاصِرَةِ الصَّلَاةُ وَالذِّكْرُ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَيُكْرَهُ فِعْلُ غَيْرِهَا كَاشْتِغَالٍ كَثِيرٍ بِعِلْمٍ أَوْ كِتَابَةٍ، وَمَعْزُومٌ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِ " لُزُومُ "، وَقَوْلُهُ: سِوَى وَقْتِ خُرُوجِهِ لِجُمُعَةٍ إلَخْ مُسْتَثْنًى مِنْ اللُّزُومِ، فَلَا تَجِبُ إقَامَتُهُ فِي الْمُعْتَكِفِ وَقْتَ خُرُوجٍ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ بَلْ يَخْرُجُ لِلْجُمُعَةِ وَيَرْجِعُ، وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ وَيُتِمُّ عَلَى مَا مَضَى، هَكَذَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ، وَضَعَّفَ الْأَشْيَاخُ كَلَامَهُ فِي هَذَا، وَالْمُعْتَمَدُ بُطْلَانُ اعْتِكَافِهِ لِخُرُوجِهِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَلِذَلِكَ أَوْجَبُوا عَلَيْهِ الِاعْتِكَافَ فِي مَحَلٍّ فِيهِ خُطْبَةٌ إذَا نَذَرَ أَيَّامًا تَأْخُذُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ، وَإِلَّا خَرَجَ وَبَطَلَ اعْتِكَافُهُ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ، وَقَوْلُهُ: أَوْ لِمَعْنِيِّهِ بِنُونٍ وَبَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ أَيْ مَقْصُودِهِ الْمَمْنُوعِ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَا تَلْزَمُ الْإِقَامَةُ زَمَنَهُ بَلْ يَخْرُجُ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَخُرُوجِهِ لِغُسْلِ جَنَابَةٍ مِنْ احْتِلَامٍ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ لِمَرَضِهِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِذَا خَرَجَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ، وَأَشَارَ إلَى حُكْمِ الِاعْتِكَافِ بِقَوْلِهِ: (وَالِاعْتِكَافُ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ) الْمَطْلُوبُ لِلشَّارِعِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ بِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِ، وَاسْتَظْهَرَهُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَائِلًا: إذْ لَوْ كَانَ سُنَّةً لَمَا وَاظَبَ السَّلَفُ عَلَى تَرْكِهِ، وَخَالَفَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَقَالَ: إنَّهُ سُنَّةٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهُوَ مُقْتَضَى الْآثَارِ لِفِعْلِهِ ﷺ مُدَاوِمًا عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْكَافِي: إنَّهُ سُنَّةٌ فِي رَمَضَانَ جَائِزٌ فِي غَيْرِهِ أَيْ جَوْزًا رَاجِحًا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ التَّشَبُّهُ بِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ فِي اسْتِغْرَاقِ الْأَوْقَاتِ بِالْعِبَادَةِ وَحَبْسِ النَّفْسِ عَنْ شَهَوَاتِهَا وَاللِّسَانِ عَنْ الْخَوْضِ فِيمَا لَا يَعْنِي، وَفَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَالْعُكُوفُ الْمُلَازَمَةُ) مِنْ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ لِمَسْجِدٍ مُبَاحٍ بِمُطْلَقِ صَوْمٍ وَلَوْ كَانَ مَنْذُورًا لِقُرْبَةٍ قَاصِرَةٍ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالذِّكْرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ فِعْلُ غَيْرِ ذِكْرٍ وَصَلَاةٍ وَتِلَاوَةٍ كَعِيَادَةٍ وَجِنَازَةٍ وَلَوْ لَاصَقَتْ، وَكَاشْتِغَالٍ بِعِلْمٍ وَكِتَابَتِهِ وَإِنْ مُصْحَفًا إنْ كَثُرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا فَيُبَاحُ لَهُ لِتَمَعُّشِهِ، كَمَا لَا يُكْرَهُ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ الْمُتَعَيَّنِ، وَيَدْخُلُ فِي الْمُمَيِّزِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى الْبَالِغُ، وَغَيْرُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
(تَنْبِيهٌ) : إذَا عَلِمْت مَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ لَك أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ التَّعْرِيفُ بِالْأَعَمِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ الَّذِي يُطْلَبُ مِنْ الْمُعْتَكِفِ مُلَازَمَتُهُ، وَاَلَّذِي يُنْهَى عَنْهُ كَتَعْرِيفِ الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ حَيَوَانٌ وَفِيهِ خِلَافٌ وَالْأَكْثَرُ عَلَى مَنْعِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّاذِلِيِّ: أَنَّ الْمُصَنِّفَ عَرَّفَ الِاعْتِكَافَ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَأَقُولُ فِي جَوَابِهِ ذِكْرُهُ التَّعْرِيفَ بَعْدَ قَوْلِهِ الِاعْتِكَافُ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ يُرْشِدُ إلَى الْمُرَادِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُلَازَمَةُ عَلَى الْقُرْبَةِ الْقَاصِرَةِ كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ التَّعْرِيفُ بِالْأَعَمِّ؛ لِأَنَّ الْفَقِيهَ لَيْسَ مِنْ دَأْبِهِ بَيَانُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَإِنَّمَا غَرَضُهُ بَيَانُ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، وَفِيهِ أَيْضًا تَقْدِيمُ التَّصْدِيقِ عَلَى التَّصَوُّرِ لِأَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا: وَالِاعْتِكَافُ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ وَهَذَا تَصْدِيقٌ، وَالتَّصَوُّرُ قَوْلُهُ: وَالْعُكُوفُ الْمُلَازَمَةُ هَكَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الَّذِي فِي كَلَامِهِ تَقْدِيمُ التَّصْدِيقِ عَلَى التَّصْوِيرِ لَا عَلَى التَّصَوُّرِ، وَالْمَمْنُوعُ الثَّانِي لَا الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَالْعُكُوفُ الْمُلَازَمَةُ تَصْوِيرٌ لَا تَصَوُّرٌ، وَأَشَارَ إلَى شُرُوطِهِ بِقَوْلِهِ:
(وَلَا اعْتِكَافَ يَصِحُّ) عِنْدَنَا (إلَّا بِالصِّيَامِ) وَلَوْ رَمَضَانَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصِحَّتُهُ بِمُطْلَقِ صَوْمٍ وَلَوْ نَذْرًا. (وَلَا يَكُونُ إلَّا مُتَتَابِعًا) إنْ نَذَرَ تَتَابُعَهُ أَوْ أَطْلَقَ بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ شَهْرٍ مَثَلًا.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا يَلْزَمُ وَتَتَابُعُهُ فِي مُطْلَقِهِ، وَأَمَّا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ مُدَّةً مُفَرَّقَةً فَلَا يَلْزَمُ تَتَابُعُهَا، بِخِلَافِ مَنْ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ مِنْ غَيْرِ اعْتِكَافٍ وَأَطْلَقَ لَا يَلْزَمُهُ تَتَابُعُهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاعْتِكَافِ وَالصَّوْمِ أَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا يُفْعَلُ بِالنَّهَارِ فَكَيْفَ مَا أَتَى بِهِ بَرِئَتْ
стр. 319
الْمَسَاجِدِ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَإِنْ كَانَ بَلَدٌ فِيهِ الْجُمُعَةُ فَلَا يَكُونُ إلَّا فِي الْجَامِعِ إلَّا أَنْ يَنْذِرَ أَيَّامًا لَا تَأْخُذُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ
وَأَقَلُّ مَا هُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الِاعْتِكَافِ عَشْرَةُ أَيَّامٍ
وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ فَأَكْثَرَ لَزِمَهُ وَإِنْ نَذَرَ لَيْلَةً لَزِمَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ
وَمَنْ أَفْطَرَ فِيهِ مُتَعَمِّدًا فَلْيَبْتَدِئْ اعْتِكَافَهُ وَكَذَلِكَ مَنْ جَامِع فِيهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا نَاسِيًا أَوْ
ــ
[الفواكه الدواني]
ذِمَّتُهُ فَرَّقَهُ أَوْ تَابَعَهُ، بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ يَسْتَغْرِقُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فَكَأَنَّ حُكْمَهُ يَقْتَضِي التَّتَابُعَ اعْتِبَارًا بِأَجَلِ الدَّيْنِ وَالْإِجَازَةِ وَالْخِدْمَةِ وَالْأَيْمَانِ نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا ثَلَاثَ أَيَّامٍ، فَيَحْنَثُ إنْ كَلَّمَهُ فِي لَيَالِيهَا كَمَا يَحْنَثُ بِكَلَامِهِ فِي النَّهَارِ.
(وَ) مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهِ أَيْضًا أَنَّهُ (لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ) الْمُبَاحَةِ فَلَا يَصِحُّ فِي بَيْتٍ وَلَا فِي مَسْجِدٍ مُحَجَّرٍ وَلَا فِي سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَلَا فِي بَيْتِ قَنَادِيلِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُعْتَكِفُ امْرَأَةً، وَاشْتِرَاطُ الْمَسْجِدِ (كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَإِطْلَاقُ الْمَسْجِدِ يَعُمُّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهُ وَهَذَا لَا يُنَافِي اسْتِحْبَابَ عَجْزِهِ، وَلَمَّا كَانَتْ الْمَسَاجِدُ شَامِلَةً لِلْجَوَامِعِ ذَوَاتِ الْخُطَبِ وَغَيْرِهَا، وَالِاعْتِكَافُ تَارَةً يَسْتَلْزِمُ الْجُمُعَةَ وَتَارَةً لَا، وَكَانَ الْأَوَّلُ يَجِبُ فِيهِ الْجَامِعُ دُونَ الثَّانِي قَالَ: (فَإِنْ كَانَ) أَيْ مَحَلُّ مُرِيدِ الِاعْتِكَافِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْمَقَامِ (بَلَدًا فِيهَا الْجُمُعَةُ) وَكَانَ مُرِيدُ الِاعْتِكَافِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَنَوَى أَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ تُدْرِكُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ (فَلَا يَكُونُ) اعْتِكَافُهُ (إلَّا فِي الْجَامِعِ) لِأَجْلِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، فَلَوْ اعْتَكَفَ فِي مَسْجِدٍ لَا خُطْبَةَ فِيهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، فَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْجُمُعَةِ صَغِيرَةٌ، وَالِاعْتِكَافُ إنَّمَا يَبْطُلُ بِارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَتْرُكَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ، وَإِلَّا جَرَى الْخِلَافُ فِي بُطْلَانِهِ بِالْكَبِيرَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: إنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْجَامِعِ قَوْلَهُ: (إلَّا أَنْ يَنْذِرَ) أَوْ يَنْوِيَ (أَيَّامًا لَا تَأْخُذُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ) فَإِنَّهُ يَصِحُّ اعْتِكَافُهُ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ
[أَقَلّ مُدَّة الأعتكاف]
، ثُمَّ بَيَّنَ أَقَلَّ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الِاعْتِكَافِ بِقَوْلِهِ: (وَأَقَلُّ مَا هُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الِاعْتِكَافِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ مَالِكًا أَنْكَرَ مُقَابِلَهُ وَقَالَ: أَقَلُّهُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَعْتَكِفْ أَقَلَّ مِنْهَا، وَأَكْثَرُهُ شَهْرٌ، وَيُكْرَهُ مَا زَادَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: أَكْمَلُهُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ، وَأَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَيُكْرَهُ مَا زَادَ عَلَى عَشْرَةٍ، وَنُقِلَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا فَتَلَخَّصَ أَنَّ لَهُ قَوْلَيْنِ فِي أَقَلِّهِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي الْأَقَلِّ فِيمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا أَوْ دَخَلَ فِيهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ عَدَدًا، فَعَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَلْزَمُهُ اعْتِكَافُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْمُسْتَحَبِّ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ يَلْزَمُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا أَقَلُّ الْمُسْتَحَبِّ عِنْدَهُ
. (وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ فَأَكْثَرَ لَزِمَهُ) مَعَ لَيْلَةٍ فَيَلْزَمُهُ دُخُولُ الْمُعْتَكَفِ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَوْ مَعَهُ.
(وَ) كَذَا (إنْ نَذَرَ) اعْتِكَافَ (لَيْلَةً) فَقَطْ. (لَزِمَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) قَالَ خَلِيلٌ: وَلَزِمَ يَوْمٌ إنْ نَذَرَ لَيْلَةً وَكَذَا عَكْسُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَذَرَ بَعْضَ يَوْمٍ أَوْ بَعْضَ لَيْلَةٍ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْجِوَارَ فَيَلْزَمُهُ مَا نَوَى، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الْأَمْرَانِ بِنَذْرِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّ اللَّيْلَةَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ يَوْمِهَا كَمَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] الْآيَةَ، اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَيَّامُ وَلَيَالِيهَا.
وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَإِنَّ السِّتَّةَ بِلَيَالِيِهَا مِنْ شَوَّالٍ» فَإِنْ قِيلَ: قَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ نَذْرَ أَقَلَّ مِنْ عَشْرَةِ أَيَّامٍ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ بَلْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِكَرَاهَتِهِ فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ مَعَ قَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ فِي ذَلِكَ الْأَقَلِّ شَائِبَتَيْنِ، شَائِبَةَ كَوْنِهِ مُطْلَقَ عِبَادَةٍ، وَشَائِبَةَ التَّجْدِيدِ بِهَذَا الْقَدْرِ الْمَخْصُوصِ، فَيَلْزَمُ النَّاذِرَ الْوَفَاءُ بِهِ لِلشَّائِبَةِ الْأُولَى كَمَا قَالُوهُ فِي نَاذِرِ رَابِعِ النَّحْرِ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَكْرُوهًا قَبْلَ النَّذْرِ، وَمِثْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي لُزُومِهِ الْوَفَاءَ لَوْ نَذَرَ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ الِاعْتِكَافِ
[مُبْطِلَات الِاعْتِكَاف]
، ثُمَّ شَرَعَ فِي بُطْلَانِ الِاعْتِكَافِ بِقَوْلِهِ (وَمَنْ أَفْطَرَ فِيهِ) أَيْ فِي زَمَنِ اعْتِكَافِهِ (مُتَعَمِّدًا فَلْيَبْتَدِئْ اعْتِكَافَهُ) لِبُطْلَانِهِ بِتَعَمُّدِ إفْسَادِ الصَّوْمِ، وَمَفْهُومُ مُتَعَمِّدًا لَوْ بَطَلَ صَوْمُهُ بِغَيْرِ تَعَمُّدٍ وَبِغَيْرِ وَطْءٍ وَمُقَدِّمَاتِهِ كَأَكْلِهِ نَاسِيًا وَكَمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ فَلَا يَبْتَدِئُهُ لِعَدَمِ بُطْلَانِهِ وَيَقْضِي بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ الْيَوْمَ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الْفِطْرُ وَاصِلًا لَهُ بِاعْتِكَافِهِ حَيْثُ كَانَ الصَّوْمُ فَرْضًا بِحَسَبِ الْأَصْلِ كَرَمَضَانَ أَوْ مَنْذُورًا وَلَوْ مُعَيَّنًا، فَلَوْ أَمَرْنَاهُ بِالْبِنَاءِ فَنَسِيَ ابْتِدَاءَ اعْتِكَافِهِ وَلَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ الثَّانِي، بِخِلَافِ مَنْ ذَكَرَ نَجَاسَةً وَهَمَّ بِغَسْلِهَا فَنَسِيَ وَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ النِّسْيَانِ الثَّانِي فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَيُعِيدُ نَدْبًا فِي الْوَقْتِ لِخِفَّةِ أَمْرِ النَّجَاسَةِ لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ إزَالَتَهَا سُنَّةٌ أَوْ مَنْدُوبَةٌ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الصَّوْمُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِي زَمَنِهِ تَطَوُّعًا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ الْفِطْرُ بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ فَكَذَلِكَ يَقْضِيهِ لِمَا مَعَهُ مِنْ التَّفْرِيطِ، وَإِنْ كَانَ الْفِطْرُ لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ مَرَضٍ لَمْ يَلْزَمْ قَضَاؤُهُ، فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَقْضِي مَا أَفْطَرَ فِي زَمَنِهِ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ مَعَ كَوْنِهِ مَنْذُورًا مُعَيَّنًا وَفَاتَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الصَّوْمَ لَمَّا انْضَمَّ لَهُ الِاعْتِكَافُ تَقَوَّى جَانِبُهُ فَلَزِمَ
стр. 320
مُتَعَمِّدًا
وَإِنْ مَرِضَ خَرَجَ إلَى بَيْتِهِ فَإِذَا صَحَّ بَنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَكَذَلِكَ إنْ حَاضَتْ الْمُعْتَكِفَةُ وَحُرْمَةُ الِاعْتِكَافِ عَلَيْهِمَا فِي الْمَرَضِ وَعَلَى الْحَائِضِ فِي الْحَيْضِ فَإِذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ أَفَاقَ الْمَرِيضُ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ رَجَعَا سَاعَتَئِذٍ إلَى الْمَسْجِدِ
وَلَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ
[مَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ]
وَلْيَدْخُلْ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي
ــ
[الفواكه الدواني]
قَضَاؤُهُ وَلَوْ مَنْذُورًا مُعَيَّنًا، وَيَجْرِي مِثْلُ هَذَا الْجَوَابِ وَالسُّؤَالِ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي التَّطَوُّعِ نَاسِيًا، وَيُجَابُ بِأَنَّ الصَّوْمَ لَمَّا كَانَ شَرْطًا فِي الِاعْتِكَافِ وَوَجَبَ قَضَاءُ الِاعْتِكَافِ وَجَبَ قَضَاءُ الصَّوْمِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقَضَاءُ بِالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ حَيْثُ كَانَ الصَّوْمُ تَطَوُّعًا، وَلَزِمَ مَعَ الْفِطْرِ بِالنِّسْيَانِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ النَّاسِيَ عِنْدَهُ نَوْعٌ مِنْ التَّفْرِيطِ مَعَ انْضِمَامِ وُجُوبِ قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ، وَقَيَّدْنَا بِغَيْرِ الْوَطْءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ؛ لِأَنَّ عَمْدَهُمَا وَسَهْوَهُمَا سَوَاءٌ وَإِلَيْهِمَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَكَذَلِكَ) أَيْ يَبْتَدِئُ الِاعْتِكَافَ (مَنْ جَامَعَ فِيهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا نَاسِيًا أَوْ مُتَعَمِّدًا) وَمِثْلُ الْجِمَاعِ قُبْلَةٌ لِشَهْوَةٍ وَاللَّمْسُ بِبَعْضِ جَسَدِ مَنْ يَلْتَذُّ بِهِ مَعَ قَصْدِ اللَّذَّةِ أَوْ وِجْدَانِهَا، فَذِكْرُ الْوَطْءِ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ لَا إنْ قَبَّلَ مَنْ لَا تُشْتَهَى، أَوْ لِوَدَاعٍ أَوْ رَحْمَةٍ وَلَمْ يَجِدْ لَذَّةً.
قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: وَطْءُ الْمُكْرَهَةِ وَالنَّائِمَةِ كَغَيْرِهِمَا فِي بُطْلَانِ اعْتِكَافِهِمَا بِخِلَافِهِ احْتِلَامُهُمَا، وَإِلَى هَذَا كُلِّهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَصِحَّتُهُ بِعَدَمِ وَطْءٍ وَقُبْلَةِ شَهْوَةٍ وَلَمْسٍ وَإِنْ لِحَائِضٍ نَاسِيَةٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ تُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ وَيَبْتَدِئُهُ وَلَوْ كَانَتْ لَا تَبْطُلُ الصَّوْمَ، كَمَا لَوْ وَقَعَتْ مِنْ الْمُعْتَكِفِ لَيْلًا أَوْ فِي تَطَوُّعٍ نَهَارًا نِسْيَانًا، وَمِمَّا يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ تَعَمُّدُ السُّكْرِ وَلَوْ لَيْلًا وَلَوْ صَحَا قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَمَّا سُكْرُهُ بِحَلَالٍ فَإِنَّمَا يُبْطِلُ اعْتِكَافَ يَوْمِهِ إنْ حَصَلَ السُّكْرُ نَهَارًا كَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ فَيَجْرِي فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ مَا جَرَى فِيهِمَا، وَأَمَّا الْكَبَائِرُ غَيْرُ الْمُفْسِدَةِ لِلصَّوْمِ كَالْقَذْفِ وَالْغِيبَةِ فَقِيلَ كَالسُّكْرِ بِالْحَرَامِ وَقِيلَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِزِيَادَتِهِ عَلَيْهَا بِتَعْطِيلِ الزَّمَنِ، وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَلَا تُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ اتِّفَاقًا
[مَالًا يُبْطِل الِاعْتِكَاف]
ثُمَّ شَرَعَ فِي أَعْذَارٍ لَا تُبْطِلُهُ إنَّمَا تُمْنَعُ إمَّا الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الصَّوْمُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ مَرِضَ) الْمُعْتَكِفُ مَرَضًا يَمْنَعُهُ مِنْ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ مِنْ الصَّوْمِ دُونَ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ (خَرَجَ إلَى بَيْتِهِ) وُجُوبًا مَعَ الْمَرَضِ الْمَانِعِ مِنْ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ جَوَازِ الْمَانِعِ مِنْ الصَّوْمِ فَقَطْ.
وَفِي الرَّجْرَاجِيِّ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْمَانِعِ مِنْ الصَّوْمِ فَقَطْ. (وَاذَا صَحَّ) مِنْ مَرَضِهِ وَرَجَعَ إلَى مُعْتَكَفِهِ سَرِيعًا (بَنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ) مِنْ اعْتِكَافِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْبِنَاءِ فِي كَلَامِهِ الْإِتْيَانُ بِبَدَلِ مَا فَاتَ بِالْعُذْرِ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ بِأَنْ كَانَتْ أَيَّامٌ مُعَيَّنَةً وَفَاتَتْ أَوْ لَا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ بِأَنْ كَانَتْ الْأَيَّامُ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ بَلْ مَضْمُونَةً (وَكَذَلِكَ إنْ حَاضَتْ الْمُعْتَكِفَةُ) تَخْرُجُ إلَى بَيْتِهَا كَمَا يَخْرُجُ الْمَرِيضُ (وَحُرْمَةُ الِاعْتِكَافِ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْمَرِيضِ مَا دَامَ (فِي الْمَرَضِ وَعَلَى الْحَائِضِ) مَا دَامَتْ (فِي الْحَيْضِ) فَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَفْعَلَ مَا لَا يَفْعَلُهُ الْمُعْتَكِفُ. (وَإِذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ أَفَاقَ الْمَرِيضُ) وَصِلَةُ طَهُرَتْ وَأَفَاقَ (فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ رَجَعَا) وُجُوبًا (سَاعَتئِذٍ) أَيْ وَقْتَ طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ أَفَاقَ الْمَرِيضُ، وَالْمُرَادُ بَعْدَ طُهْرِهَا وَبُرْءِ الْمَرِيضِ (إلَى الْمَسْجِدِ) وَإِنْ لَمْ يَعْتَدَّا بِيَوْمِ الرُّجُوعِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَنَى. بِزَوَالٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ كَأَنْ مُنِعَ مِنْ الصَّوْمِ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ عِيدٍ وَخَرَجَ وَعَلَيْهِ حُرْمَتُهُ، فَإِنْ أَخَّرَهُ بَطَلَ إلَّا لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ وَالْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ إذَا أَخَّرَ الرُّجُوعَ يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ وَلَوْ لِعُذْرٍ مِنْ نِسْيَانٍ أَوْ إكْرَاهٍ وَيَسْتَأْنِفُ، لَا أَنْ يَكُونَ التَّأْخِيرُ لِخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، كَمَا لَا يَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ إذَا صَادَفَ زَوَالَ الْعُذْرِ لَيْلَةَ الْعِيدِ أَوْ يَوْمَهُ فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، وَلَوْ أَخَّرَ الرُّجُوعَ حَتَّى مَضَى الْعِيدُ وَتَالِيَاهُ فِي الْأَضْحَى لِعَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِ ذَلِكَ الزَّمَنِ، بِخِلَافِ لَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ أَوْ صَحَّ الْمَرِيضُ وَأَخَّرَ كُلٌّ الرُّجُوعَ إلَى الْمَسْجِدِ فَإِنَّ اعْتِكَافَهُ يَبْطُلُ لِصِحَّةِ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِغَيْرِهِمَا، بِخِلَافِ يَوْمِ الْعِيدِ فَإِنَّ صَوْمَهُ لَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْبِنَاءَ فِي كَلَامِهِ مَصْرُوفٌ عَنْ ظَاهِرِهِ إلَى مَعْنًى أَعَمَّ، وَأَنَّ مِثْلَ الْمَرَضِ الْإِغْمَاءُ وَالْجُنُونُ، نَعَمْ كَلَامُهُ كَكَلَامِ خَلِيلٍ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَ الِاعْتِكَافُ بِصَوْمِ فَرْضٍ بِحَسَبِ الْأَصْلِ كَرَمَضَانَ أَوْ بِنَذْرٍ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ أَيَّامُهُ مَضْمُونَةً أَيْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ حُصُولِ الْعُذْرِ قَبْلَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ أَوْ بَعْدَهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً فَلَا يَجِبُ الْبِنَاءُ إلَّا إذَا حَصَلَ الْعُذْرُ بَعْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْمُعْتَكَفِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْمُعْتَمَدُ مِنْهَا عَدَمُ لُزُومِ الْقَضَاءِ.
الثَّانِي: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بَعْضُ تَكْرَارِ بَيَانِهِ أَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا فِي الْمَرِيضِ: فَإِذَا صَحَّ بَنَى، ثُمَّ أَعَادَهُ ثَانِيًا فِي قَوْلِهِ: وَإِذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ أَفَاقَ الْمَرِيضُ، هَكَذَا قَالَ بَعْضٌ، وَظَهَرَ لَنَا جَوَابٌ يَنْدَفِعُ بِهِ دَعْوَى التَّكْرَارِ وَهُوَ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ إعَادَتِهِ ثَانِيًا الْإِشَارَةُ إلَى وُجُوبِ رُجُوعِهِ سَرِيعًا إلَى الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا إذَا صَحَّ بَنَى وُجُوبَ الرُّجُوعِ سُرْعَةً فَنَبَّهَ عَلَيْهِ ثَانِيًا،
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ لِأَجْلِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ) أَيْ مَحَلِّ اعْتِكَافِهِ لِأَنَّ
следующие страницы →