Полный текст (778 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
مِنْ قَرْنٍ وَمَنْ مَرَّ مِنْ هَؤُلَاءِ بِالْمَدِينَةِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ إذْ لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى مِيقَاتٍ لَهُ
وَيُحْرِمُ الْحَاجُّ أَوْ الْمُعْتَمِرُ بِإِثْرِ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ يَقُولُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك
ــ
[الفواكه الدواني]
هَؤُلَاءِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مِيقَاتَهُمْ أَمَامَهُمْ، وَلِهَذَا لَوْ أَرَادُوا أَنْ يَذْهَبُوا إلَى مَكَّةَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ بِحَيْثُ لَا يَمُرُّونَ عَلَى مِيقَاتِهِمْ وَلَا يُحَازُونَهُ لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ كَمَا يَجِبُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالْحُلَيْفَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَالْفَاءِ تَصْغِيرُ حَلْفَةٌ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمُ مَاءٍ لِبَنِي جُشَمٍ بِالْجِيمِ وَالشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَهَذَا الْمِيقَاتُ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى عَشْرِ أَوْ تِسْعِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَوْ سِتَّةِ أَوْ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ، وَيُسَمَّى مَسْجِدُهَا مَسْجِدَ الشَّجَرَةِ وَقَدْ خَرِبَ، وَبِهَا بِئْرٌ تُسَمِّيهَا الْعَوَامُّ بِئْرَ عَلِيٍّ، وَلِهَذَا الْمِيقَاتِ خُصُوصِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مِنْهُ يُحْرِمُ مَنْ حَرَمٍ وَيَحِلُّ فِي حَرَمٍ، فَفِيهِ شَرَفُ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ، وَأَيْضًا هُوَ مِيقَاتُهُ ﷺ . (وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْعِرَاقِ) : وَفَارِسَ وَخُرَاسَانَ وَالْمَشْرِقِ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ (ذَاتُ عِرْقٍ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَوْضِعٌ بِالْبَادِيَةِ كَانَ قَرْيَةً وَخَرِبَتْ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، يُقَالُ إنَّ بِنَاءَهَا تَحَوَّلَ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ فَيَتَحَرَّى مُرِيدُ الْإِحْرَامِ مَكَانَ الْقَرْيَةِ الْقَدِيمَةِ وَيُحْرِمُ مِنْهُ،؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ مُعْتَبَرَةٌ بِأَنْفُسِهِمَا لَا بِأَسْمَائِهَا، فَلَوْ تَحَوَّلَتْ الْبَلَدُ أَوْ تَغَيَّرَ اسْمُهَا فَالْمُعْتَبَرُ الْمَحَلُّ الْأَصْلِيُّ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمِنْ عَلَامَاتِ ذَاتِ عِرْقٍ الْمَقَابِرُ الْقَدِيمَةُ.
(وَ) : مِيقَاتُ (أَهْلِ الْيَمَنِ) : وَالْهِنْدِ (يَلَمْلَمُ) : بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَاللَّامِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَالْمِيمُ بَيْنَهُمَا سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ مِيمٌ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ.
(وَ) : مِيقَاتُ (أَهْلِ نَجْدٍ) الْيَمَنِ وَنَجْدٍ وَالْحِجَازِ (قَرْنٌ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ يُقَالُ لَهُ قَرْنُ الْمَنَازِلِ لَا قَرْنُ الثَّعَالِبِ، وَعَنْ الْخَلِيلِ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ قَرْنُ الْمَنَازِلِ وَالثَّعَالِبِ وَهُوَ جَبَلٌ صَغِيرٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ الْجِبَالِ، قَالَ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ: إنَّهُ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ لِمَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْهَا، وَأُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ لَيْسَ مَنْسُوبًا إلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى قَبِيلَةِ قَرَنٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ بَطْنٌ مِنْ مُرَادَ كَمَا قَالَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحْدِيدِ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَقَالَ: هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ الْإِحْرَامَ حَتَّى أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ فِي الْحَجِّ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَيَخْرُجُ يُحْرِمُ بِهَا مِنْ الْحِلِّ» قَالَ صَاحِبُ الْإِكْمَالِ: هَذَا التَّحْدِيدُ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ «؛ لِأَنَّهُ حَدَّدَ الْمَوَاقِيتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَ الْبِلَادَ» ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ بَزِيزَةَ: عَلِمَهُ بِالْوَحْيِ فِي فَتْحِ الْمَدَائِنِ وَالْأَقْطَارِ لِأُمَّتِهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ تَحْدِيدٌ كَمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ، وَلِابْنِ حَبِيبٍ تَقْرِيبٌ، وَيُرْوَى أَنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ كَانَ لَهُ نُورٌ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ يَصِلُ آخِرُهُ لِهَذِهِ الْحُدُودِ، فَمَنَعَ الشَّارِعُ مُجَاوَزَتَهَا الْمُرِيدَ الْحَجَّ بِلَا إحْرَامٍ تَعْظِيمًا لِتِلْكَ الْآيَاتِ، وَلَمَّا قَدَمَ أَنَّ نَحْوَ الْمَصْرِيِّ وَالشَّامِيِّ إذَا مَرَّ بِالْمَدِينَةِ يُنْدَبُ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَكَانَ غَيْرُهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَالَ: (وَمَنْ مَرَّ مِنْ هَؤُلَاءِ) : الْجَمَاعَةِ أَعْنِي أَهْلَ الْعِرَاقِ وَأَهْلَ الْيَمَنِ وَأَهْلَ نَجْدٍ (بِالْمَدِينَةِ) : الْمُشَرَّفَةِ (فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) : وَعَلَّلَ وُجُوبَ الْإِحْرَامِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (إذْ لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى مِيقَاتٍ) : بِالتَّنْوِينِ (لَهُ) : بِخِلَافِ نَحْوِ الْمِصْرِيِّ إذَا مَرَّ عَلَيْهِ يَصِيرُ مِيقَاتُهُ أَمَامَهُ، فَلِذَا نُدِبَ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَحَلَّ إحْرَامِ مَنْ مَسْكَنُهُ بَيْنَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ وَمَكَّةَ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَنْزِلِهِ، وَيُنْدَبُ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْأَبْعَدِ لِمَكَّةَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ الْمَسْجِدِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ عَنْ مَنْزِلِهِ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ عَنْ الْمَوَاقِيتِ، وَيَلْزَمُ مَنْ أَخَّرَ الْإِحْرَامَ حَتَّى جَاوَزَ مَنْزِلَهُ وَأَحْرَمَ مِنْهُ الدَّمُ، كَمَا يَلْزَمُ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتِ حَلَالًا وَأَحْرَمَ مِنْهُ، وَكُلُّ مَنْ سَارَ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ الْمُوَصِّلَةِ لِلْمِيقَاتِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ عِنْدَ مُحَاذَاتِهِ الْمِيقَاتَ الْمُعَدَّلَةَ وَلَوْ مَرَّ فِي الْبَحْرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحَيْثُ حَاذَى وَاحِدًا أَوْ مَرَّ وَلَوْ بِبَحْرٍ، أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ حِينَئِذٍ إلَّا لِمَصْرِيٍّ يَمُرُّ بِالْحُلَيْفَةِ فَهُوَ أَوْلَى وَإِنْ لِحَائِضٍ.
الثَّانِي: يُسْتَحَبُّ لِمُرِيدِ الْإِحْرَامِ مِنْ مِيقَاتِهِ أَنْ يُبَادِرَ بِالْإِحْرَامِ مِنْهُ، كَمَا يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْعِبَادَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَيْضًا إزَالَةُ شَعَثِهِ كَتَقْلِيمِ أَظَافِرِهِ، وَإِزَالَةِ أَدْرَانِهِ وَشَعْرِ مَا عَدَا رَأْسَهُ فَالْأَفْضَلُ إبْقَاؤُهُ وَتَلْبِيدُهُ بِصَمْغٍ أَوْ غَاسُولٍ لِيَلْتَصِقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ زَمَنَ الْإِحْرَامِ سَتْرُهُ بِأَيِّ سَاتِرٍ وَلَوْ غَيْرَ مَخِيطٍ أَوْ مَخِيطٍ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَيْضًا تَرْكُ التَّلَفُّظِ عَنْ الْإِحْرَامِ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى النِّيَّةِ، كَمَا يُكْرَهُ لَهُ التَّلَفُّظُ بِنَوَيْت فِي الصَّلَاةِ أَوْ الصَّوْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُوَسْوِسًا أَوْ يَقْصِدُ مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ مَنْدُوبَةٌ.
[صِفَتِهِ الْإِحْرَام بِالْحَجِّ]
وَلَمَّا بَيَّنَ مَكَانَ الْإِحْرَامِ وَبَيَّنَّا زَمَانَهُ شَرَعَ الْآنَ فِي صِفَتِهِ وَذَكَرَ سُنَّتَهُ بِقَوْلِهِ (وَيُحْرِمُ الْحَاجُّ أَوْ الْمُعْتَمِرُ) : سَيَأْتِي مَعْنَى يُحْرِمُ أَيْ يَنْوِي مَا أَرَادَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (بِإِثْرِ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ) : وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ أَرَادَ
стр. 352
وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك وَيَنْوِي مَا أَرَادَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ
وَيُؤْمَرُ أَنْ يَغْتَسِلَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَيَتَجَرَّدَ مِنْ مَخِيطِ
ــ
[الفواكه الدواني]
أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَنْ يُوقِعَ إحْرَامَهُ عَقِبَ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ أَحْرَمَ عَقِبَ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ حَصَلَتْ السُّنَّةُ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ إيقَاعَهُ عَقِبَ صَلَاةٍ تَخُصُّهُ خِلَافًا لِظَاهِرِ تَخْيِيرِ الْمُصَنِّفِ، فَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ لَا يُصَلَّى فِيهِ أَخَّرَ الْإِحْرَامَ إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ أَصْحَابِهِ أَوْ ضَائِقَةَ الْوَقْتِ أَحْرَمَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ، وَقَوْلُهُ: يُحْرِمُ بِإِثْرِ صَلَاةٍ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ إحْرَامِهِ بَعْدَ السَّلَامِ، بَلْ حَتَّى يَسْتَوِيَ عَلَى رَاحِلَتِهِ إنْ كَانَ لَهُ رَاحِلَةٌ يَرْكَبُهَا، أَوْ حَتَّى يَشْرَعَ فِي مَشْيِهِ حَالَةَ كَوْنِهِ (يَقُولُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ) : يَقُولُهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى اللَّهُمَّ (لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ) : وَمَعْنَى لَبَّيْكَ أَجَبْتُك يَا اللَّهُ إجَابَةً بَعْدَ إجَابَةٍ، أَوْ لَازَمْت الْإِقَامَةَ عَلَى طَاعَتِك، مِنْ أَلَبَ بِالْمَكَانِ إذَا لَزِمَهُ وَأَقَامَ بِهِ، وَلَفْظُهَا مَصْدَرٌ كَبَقِيَّةِ أَخَوَاتِهَا، وَهِيَ مُثَنَّاةٌ لَفْظًا وَمَعْنَاهَا التَّكْثِيرُ لَا خُصُوصُ الِاثْنَيْنِ نَظِيرُ كَرَّتَيْنِ فِي آيَةِ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] وَيَدَاهُ بِمَعْنَى نِعَمُهُ مَبْسُوطَتَانِ إذْ نِعَمُهُ لَا تُحْصَى، وَالْبَصَرُ لَا يَرْجِعُ كَلِيلًا مِنْ كَرَّتَيْنِ، خِلَافًا لِيُونُسَ فِي قَوْلِهِ: إنَّ أَصْلَهُ لَبَّى اسْمٌ مُفْرَدٌ مَقْصُورٌ قُلِبَتْ أَلِفُهُ بِالْإِضَافَةِ لِلضَّمِيرِ كَأَلِفِ لَدَا وَعَلَى فِي لَدَيْهِ وَعَلَيْهِ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِقَلْبِ أَلِفِهِ عِنْدَ الْإِضَافَةِ لِلظَّاهِرِ كَمَا لَبَّى يَدِي مِسْوَرٌ بِخِلَافِ أَلِفِ لَدَا وَعَلَى (أَنَّ الْحَمْدَ) : بِفَتْحِ هَمْزَةِ أَنَّ عَلَى التَّعْلِيلِ، وَيُرْوَى بِالْكَسْرِ؛ لِأَنَّهُ ثَنَاءٌ وَإِخْبَارٌ، فَهُوَ اسْتِئْنَافٌ عَارِيًّا عَنْ التَّعْلِيلِ إشَارَةٌ إلَى اسْتِحْقَاقِ الْحَمْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْجُمْهُورِ، حَتَّى قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إنَّ الْفَتْحَ رِوَايَةُ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَمْدَ إنَّمَا هُوَ لِخُصُوصِ هَذَا الْبَيْتِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّ الْبَارِيَ سُبْحَانَهُ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ حَتَّى لِذَاتِهِ. (وَالنِّعْمَةَ لَك) : بِنَصْبِ لَفْظِ النِّعْمَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِعَطْفِهِ عَلَى مَنْصُوبِ أَنَّ قَبْلَ الِاسْتِكْمَالِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ جَوَازُ الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ لَك، وَخَبَرُ أَنَّ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، وَمَعْنَى النِّعْمَةِ لَك أَنَّهَا مَنْسُوبَةٌ لَك؛ لِأَنَّك الْمُنْعِمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِنْ وَصَلَتْ لَنَا مِنْ يَدِ غَيْرِك؛ لِأَنَّك الْخَالِقُ وَالْعَبْدُ كَاسِبٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْكَسْبِ الْخَلْقُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ. (وَالْمُلْكَ) : بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ بِمَرْجُوحِيَّةِ الرَّفْعِ بِالْعَطْفِ عَلَى مَحَلِّ اسْمِ أَنَّ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَجَائِزٌ رَفْعُك مَعْطُوفًا عَلَى مَنْصُوبِ إنْ بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلَا وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْخَلْقَ وَالتَّصَرُّفَ التَّامَّ فِي جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ لَك، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ: وَالْمُلْكَ يَبْتَدِئُ بِقَوْلِهِ: (لَا شَرِيكَ لَك) : أَيْ فِيهِ، وَهَذِهِ تَلْبِيَةُ الرَّسُولِ ﵊ وَهِيَ مِنْ سُنَنِ الْإِحْرَامِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ، وَقِيلَ: وَاجِبَةٌ وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ شُرَّاحُ الْمُخْتَصَرِ لِلُزُومِ الدَّمِ بِتَرْكِهَا أَوْ الْإِحْرَامِ مَعَ الطَّوْلِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا أَوَّلَهُ مَعَ الطَّوْلِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ تَرْكِهَا جُمْلَةً، وَلَا يُقَالُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: كَيْفَ يَلْزَمُ الدَّمُ بِتَرْكِ السُّنَّةِ؟ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هِيَ سُنَّةٌ شُهِرَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا، وَيَطَّرِدُ هَذَا الْجَوَابُ فِي لُزُومِ الدَّمِ لِمَنْ تَرَكَ سُنَّةَ الْمَشْيِ فِي الطَّوَافِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَيُسْتَحَبُّ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا ذُكِرَ لِقَوْلِ مَالِكٍ: الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا أَفْضَلُ، وَعَنْهُ كَرَاهَةُ الزِّيَادَةِ وَعَنْهُ الْإِبَاحَةُ، وَسَبَبُهَا أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵇ لَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ فَبَنَاهُ فَلَمَّا أَتَمَّهُ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، فَقَالَ: يَا رَبِّ وَأَيْنَ يَبْلُغُ صَوْتِي؟ فَقَالَ: عَلَيْك النِّدَاءُ وَعَلَيْنَا الْبَلَاغُ، فَقِيلَ: إنَّهُ صَعِدَ عَلَى الْمَقَامِ، وَقِيلَ: عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ فَنَادَى: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ بَنَى بَيْتًا فَحُجُّوهُ، فَكَانُوا يُجِيبُونَ مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَمِنْ بُطُونِ النِّسَاءِ وَأَصْلَابِ الرِّجَالِ، فَمَنْ أَجَابَهُ مَرَّةً فَإِنَّهُ يَحُجُّ مَرَّةً، وَمَنْ أَجَابَهُ أَكْثَرَ فَإِنَّهُ يَحُجُّ عَلَى عَدَدِ مَا أَجَابَ ثُمَّ بَيَّنَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ: وَيُحْرِمُ الْحَاجُّ أَوْ الْمُعْتَمِرُ بِقَوْلِهِ: (وَيَنْوِي) : مُرِيدُ الْإِحْرَامِ (مَا أَرَادَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ هُوَ الدُّخُولُ بِالنِّيَّةِ فِي أَحَدِ النُّسُكَيْنِ مَعَ قَوْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِهِ كَالتَّلْبِيَةِ أَوْ فِعْلٍ كَالتَّوَجُّهِ، وَهَذَا هُوَ الْإِحْرَامُ الَّذِي لَا خِلَافَ فِيهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ وَإِنْ خَالَفَهَا لَفْظُهُ وَلَا دَمَ وَإِنْ بِجِمَاعٍ مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ تَعَلَّقَا بِهِ، وَأَمَّا النِّيَّةُ بِدُونِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فَفِي انْعِقَادِهِ بِهَا خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ انْعِقَادُهُ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، بَلْ قَالَ الْمَوَّاقُ: إنَّهُ نَصُّهَا
[سُنَنٍ الْغُسْلُ الْمُتَّصِلُ بِالْإِحْرَامِ]
، وَلَمَّا كَانَ لِمُطْلَقِ الْإِحْرَامِ خَمْسُ سُنَنٍ: الْغُسْلُ الْمُتَّصِلُ بِالْإِحْرَامِ وَلَوْ مِنْ الْحَائِضِ وَالصَّغِيرِ وَالْهَيْئَةُ الْمَطْلُوبَةُ بَعْدَ التَّجَرُّدِ مِمَّنْ يُحْرِمُ مِنْ لُبْسِ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ وَالنَّعْلَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ بِالْحَدْوَةِ كَنِعَالِ التَّكْرُورِ لَا مَا سَيْرُهُ عَرِيضٌ كَالتَّاسُومَةِ، وَهَذِهِ السُّنَّةُ خَاصَّةٌ بِالرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَتَجَرَّدُ عِنْدَ إحْرَامِهَا بَلْ تَكُفُّ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ، وَتَقْلِيدُ مَا مَعَهُ مِنْ الْهَدَايَا وَإِشْعَارُهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُشْعِرُ وَإِيقَاعُهُ عَقِبَ صَلَاةٍ وَيُنْدَبُ كَوْنُهَا نَفْلًا وَالتَّلْبِيَةُ الْمُتَّصِلَةُ بِهِ، وَيَكْفِي فِي أَدَائِهَا وَلَوْ عَلَى وُجُوبِهَا الْمَرَّةُ، وَأَشَارَ إلَى بَعْضِهَا بِقَوْلِهِ: (وَيُؤْمَرُ أَنْ يَغْتَسِلَ) : مُرِيدُ الْإِحْرَامِ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ (عِنْدَ الْإِحْرَامِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ) : وَهُوَ سُنَّةٌ لِكُلِّ إحْرَامٍ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ كَمَا قَدَّمْنَا وَيَتَدَلَّك فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ وَهُوَ لِلنَّظَافَةِ، وَلِذَا يُطْلَبُ مِنْ نَحْوِ النُّفَسَاءِ وَلَوْ فُقِدَ الْمَاءُ أَوْ الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ لَا يَتَيَمَّمُ، وَلَيْسَ عَلَى تَارِكِهِ كَبَاقِي الِاغْتِسَالَاتِ دَمٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى طَلَبِهِ مِنْ
стр. 353
الثِّيَابِ
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ
وَلَا يَزَالُ يُلَبِّي دُبُرَ الصَّلَوَاتِ وَعِنْدَ كُلِّ شَرَفٍ وَعِنْدَ مُلَاقَاةِ الرِّفَاقِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ كَثْرَةُ الْإِلْحَاحِ بِذَلِكَ
فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ أَمْسَكَ عَنْ التَّلْبِيَةِ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى ثُمَّ يُعَاوِدَهَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ
ــ
[الفواكه الدواني]
نَحْوِ النُّفَسَاءِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ «أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ حِينَ وَلَدَتْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلرَّسُولِ ﵊ فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتُهِلَّ» وَإِذَا جَهِلَتْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ الْغُسْلَ حِينَ أَحْرَمَتْ فَقَالَ مَالِكٌ: تَغْتَسِلُ إذَا عَلِمْت وَكَذَا غَيْرُهُمَا، وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ غُسْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْلِيمُ أَظْفَارِهِ وَحَلْقُ عَانَتِهِ وَوَقْصُ شَارِبِهِ بِخِلَافِ شَعْرِ رَأْسِهِ فَالْأَفْضَلُ إبْقَاؤُهُ.
(وَ) : يَجِبُ عَلَى مُرِيدِ الْإِحْرَامِ وَإِنْ كَانَ مُكَلَّفًا وَعَلَى وَلِيِّهِ إنْ كَانَ صَغِيرًا أَنْ (يَتَجَرَّدَ مِنْ مَخِيطِ الثِّيَابِ) : وَمِنْ مُحِيطِهَا وَإِنْ بِعُضْوٍ أَوْ نَسْجٍ أَوْ زِرٍّ أَوْ عَقْدٍ، لِقَوْلِ عَبْدِ الْحَقِّ: أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ تُفْعَلُ عِنْدَ الْمِيقَاتِ: التَّجَرُّدُ أَوَّلًا مِنْ مَخِيطِ الثِّيَابِ، ثُمَّ الْغُسْلُ، ثُمَّ الصَّلَاةُ، ثُمَّ الْإِحْرَامُ وَيَلْبَسُ الْإِزَارَ فِي وَسَطِهِ وَنَعْلَيْنِ كَنِعَالِ التَّكْرُورِ
[الْغُسْلُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ]
وَلَمَّا كَانَتْ اغْتِسَالَاتُ الْحَجِّ ثَلَاثَةً آكَدُهَا الْغُسْلُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَالْغُسْلُ لِعَرَفَةَ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ، وَالْغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ) : أَيْ لِلْمُحْرِمِ وَلَوْ بِعُمْرَةٍ (أَنْ يَغْتَسِلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ) : إنْ كَانَ مِمَّنْ يُخَاطَبُ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلطَّوَافِ، فَلِذَا لَا يُطْلَبُ مِنْ نَحْوِ حَائِضٍ لِمَنْعِهَا مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَلَا يَتَدَلَّكُ فِي هَذَا الْغُسْلِ، وَيُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ بِذِي طُوًى مُثَلَّثُ الطَّاءِ وَهُوَ مَقْصُورٌ، وَهُوَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ مَكَّةَ لَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ حَتَّى يُجَاوِزَهُ فَهُوَ مِنْ أَرْبَاضِهَا كَمَا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِدُخُولِ غَيْرِ حَائِضٍ مَكَّةَ بِذِي طُوًى.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَلَوْ قَالَ وَبِطَوَى بِحَرْفِ الْعَطْفِ لَأَفَادَ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ثَانٍ لِمَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ كَانَ إذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنْ التَّلْبِيَةِ ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ اغْتَسَلَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ عَلَى ذِي طُوًى اغْتَسَلَ مِنْ مِقْدَارِ مَا بَيْنَهُمَا.
(وَ) : إذَا شَرَعَ فِي التَّلْبِيَةِ فَإِنَّهُ (لَا يَزَالُ) : أَيْ يَسْتَمِرُّ (يُلَبِّي دُبُرَ الصَّلَوَاتِ) وَلَوْ نَوَافِلَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجُدِّدَتْ بِتَغَيُّرِ حَالٍ وَخَلْفَ صَلَاةٍ. (وَعِنْدَ) : طُلُوعِ (كُلِّ شَرَفٍ) : أَيْ جَبَلٍ وَفِي بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ. (وَعِنْدَ مُلَاقَاةِ الرِّفَاقِ) : جَمْعُ رُفْقَةٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَنُقِلَ كَسْرُهَا أَيْ الْجَمَاعَةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَرَافَقُونَ فِي الْبَرِّ وَيَرْتَفِقُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَعِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ، وَعِنْدَ سَمَاعِ تَلْبِيَةِ الْغَيْرِ، وَحُكْمُ كُلِّ ذَلِكَ النَّدْبُ، وَقِيلَ السُّنِّيَّةُ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ أَنَّ طَلَبَ تَجْدِيدِ التَّلْبِيَةِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الذَّاهِبِ مُحْرِمًا، وَأَمَّا لَوْ نَسِيَ حَاجَةً وَرَجَعَ إلَيْهَا فَقَالَ مَالِكٌ ﵁: لَا يُلَبِّي؛ لِأَنَّ هَذَا السَّعْيَ لَيْسَ مِنْ سَعْيِ الْإِحْرَامِ، وَقَالَ مَالِكٌ ﵁: وَلَا يَرُدُّ الْمُلَبِّي سَلَامًا حَتَّى يَفْرُغَ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَنَظِيرُهُ عِنْدَنَا الْمُؤَذِّنُ، وَلَيْسَ فِي التَّلْبِيَةِ: دُعَاءٌ وَلَا صَلَاةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ﵊ فِي تَلْبِيَتِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَأَمْرُ الْمَنَاسِكِ اتِّبَاعٌ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا وَرَدَ: «أَنَّهُ ﵊ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ سَأَلَ اللَّهَ الرِّضْوَانَ وَالْجَنَّةَ» ؛ لِأَنَّ هَذَا بَعْدَ قَطْعِ التَّلْبِيَةِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ طَلَبِ التَّلْبِيَةِ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ مُلَازَمَتُهَا قَالَ: (وَلَيْسَ عَلَيْهِ) : أَيْ الْمُحْرِمِ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا. (كَثْرَةُ الْإِلْحَاحِ) أَيْ الْمُلَازَمَةُ (بِذَلِكَ) : أَيْ بِالتَّلْبِيَةِ بَلْ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِمَا يَلْزَمُ عَلَى مُلَازَمَتِهَا مِنْ الْمَلَالَةِ، بَلْ الْمُسْتَحَبُّ التَّوَسُّطُ فِي التَّلْبِيَةِ بِحَيْثُ لَا يُكْثِرُ حَتَّى يَلْحَقَهُ الضَّجَرُ، وَلَا يَتْرُكُ زَمَنًا طَوِيلًا حَتَّى تَفُوتَهُ الشَّعِيرَةُ، كَمَا يُنْدَبُ لَهُ التَّوَسُّطُ فِي تَصْوِيتِهِ بِهَا، فَلَا يُبَالِغُ فِي رَفْعِهِ وَلَا فِي خَفْضِهِ، وَهَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ رَفْعُ الصَّوْتِ فِيهِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمَسْجِدَ مِنًى؛ لِأَنَّهُمَا بُنِيَا لِلْحَجِّ، وَقِيلَ لِلْأَمْنِ فِيهِمَا مِنْ الرِّيَاءِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتُسْمِعُ نَفْسَهَا بِالتَّلْبِيَةِ؛ لِأَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ، وَتُطْلَبُ التَّلْبِيَةُ حَتَّى مِنْ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ؛ لِأَنَّهُ. ﵊ قَالَ لِعَائِشَةَ ﵂ حِينَ حَاضَتْ: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنَّك لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» . ثُمَّ شَرَعَ فِي
بَيَانِ أَمَاكِنَ تُتْرَكُ فِيهَا التَّلْبِيَةُ بِقَوْلِهِ: (فَإِذَا دَخَلَ) : الْمُحْرِمُ بِحَجٍّ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا (مَكَّةَ أَمْسَكَ) : أَيْ كَفَّ نَدْبًا (عَنْ التَّلْبِيَةِ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى) : وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ بِمُجَرَّدِ دُخُولِ مَكَّةَ وَهُوَ مَا شَهَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ، وَمُقَابِلُهُ لَا يَقْطَعُهَا حَتَّى يَبْتَدِئَ الطَّوَافَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِلَى هَذَيْنِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَهَلْ لِمَكَّةَ أَوْ لِلطَّوَافِ خِلَافٌ؟ وَأَنَّمَا نُدِبَ قَطْعُ التَّلْبِيَةِ لِلطَّوَافِ وَالسَّعْيِ لِطَلَبِ الدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ وَالتَّضَرُّعِ فِي حَالِ فِعْلِهِمَا، فَيُكْرَهُ الِاشْتِغَالُ فِي فِعْلِهِمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ كَالصَّلَاةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «وَالصَّلَاةُ لَا تَلْبِيَةَ فِيهَا» وَقَيَّدْنَا الْمُحْرِمَ بِالْحَجِّ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُحْرِمِ بِالْعُمْرَةِ فَقَطْ، سَوَاءٌ أَحْرَمَ بِهَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْحَجِّ أَوْ أَحْرَمَ بِهَا لِفَوَاتِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُلَبِّي لِحَرَمِ مَكَّةَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ وَفَائِتُ الْحَجِّ لِلْحَرَمِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَسْجِدَ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ مَكَّةُ، وَاعْلَمْ أَنَّ مُحْرِمَ مَكَّةَ يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ وَيَنْتَهِي إلَى رَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ كَالْمُحْرِمِ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَأَمَّا الْمُعْتَمِرُ مِنْ الْمِيقَاتِ سَوَاءٌ أَدْرَكَ الْحَجَّ أَوْ فَاتَهُ وَتَحَلَّلَ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ فَإِنَّهُ يُلَبِّي إلَى الْبُيُوتِ، وَأَمَّا الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ يُلَبِّي حَتَّى يَصِلَ إلَى مَحَلِّ الْوُقُوفِ ثُمَّ يُعَاوِدَهَا حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ كَمَا قَالَهُ فِي الْجَلَّابِ، وَيَدُلُّ
стр. 354
يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَرُوحَ إلَى مُصَلَّاهَا
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءِ الثَّنِيَّةِ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ وَإِذَا خَرَجَ خَرَجَ مِنْ كُدًى وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فِي الْوَجْهَيْنِ فَلَا حَرَجَ
قَالَ فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ فَلْيَدْخُلْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمُسْتَحْسَنٌ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ
فَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ بِفِيهِ إنْ قَدَرَ وَإِلَّا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ ثُمَّ يَطُوفُ وَالْبَيْتُ عَلَى
ــ
[الفواكه الدواني]
عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُحْرِم بِالْحَجِّ قَوْلُهُ: (ثُمَّ يُعَاوِدَهَا) : أَيْ التَّلْبِيَةَ أَيْ يَأْتِيَ بِهَا (حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَرُوحَ إلَى مُصَلَّاهَا) : وَإِلَى هَذَا أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَعَاوَدَهَا بَعْدَ سَعْيٍ لِرَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ، وَأَمَّا الْمُعْتَمِرُ فَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِيهِ لِانْقِضَاءِ عُمْرَتِهِ بِتَمَامِ سَعْيِهَا، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي: وَالْعُمْرَةُ يُفْعَلُ فِيهَا كَمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ جِهَةِ الْأَرْكَانِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ يُفْعَلُ وَالتَّلْبِيَةُ قَوْلٌ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ اسْتِمْرَارِ التَّلْبِيَةِ إلَى حُصُولِ الزَّوَالِ وَالرَّوَاحِ إلَى الْمُصَلَّى هُوَ مُخْتَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ، وَقَدْ انْتَهَتْ التَّلْبِيَةُ لِلْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَا تَلْبِيَةَ بَعْدَ الرَّوَاحِ إلَى الْمُصَلَّى حَتَّى تُكْرَهَ الْإِجَابَةُ بِالتَّلْبِيَةِ عِنْدَ النِّدَاءِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ، وَأَمَّا إجَابَةُ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَمِنْ خَصَائِصِهِ، وَأَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: لَمْ يُعَاوِدْهَا أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ، أَمَّا مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ فَهَذَا يُلَبِّي إلَى مُصَلَّى عَرَفَةَ وَلَا يُعَاوِدُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ مِنْ عَرَفَةَ وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ يُلَبِّي حَتَّى يَصِلَ إلَى مَحَلِّ الْوُقُوفِ إنْ أَحْرَمَ قَبْلَهُ، ثُمَّ يُعَاوِدُهَا حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ كَمَا قَدَّمْنَا عَنْ الْجَلَّابِ
، ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْبَابِ الَّذِي يُنْدَبُ دُخُولُهَا مِنْهُ وَالْخُرُوجُ مِنْهَا مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَيُسْتَحَبُّ) : لِكُلِّ مُرِيدِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ) : نَهَارًا وَأَنْ يَدْخُلَهَا (مِنْ كَدَاءِ) : بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ مَعَ الصَّرْفِ وَعَدَمِهِ وَكَدَاءُ هِيَ (الثَّنِيَّةُ) : أَيْ الطَّرِيقُ (الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ) : وَيُسَمُّونَهَا الْيَوْمَ بَابَ الْمُعَلَّى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الدَّاخِلِ أَتَى مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ أَوْ غَيْرِهَا، بَلْ يُسْتَحَبُّ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْآفَاقِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ بَعْدَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي دُخُولِ الْمُصْطَفَى ﷺ مِنْ هَذَا الْمَحَلِّ لِمَا قِيلَ: مِنْ أَنَّ نِسْبَةَ بَابِ الْبَيْتِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ وَجْهِ الْإِنْسَانِ إلَيْهِ، وَأَمَاثِلُ النَّاسِ إنَّمَا يُقْصَدُونَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ مِنْ جِهَةِ وُجُوهِهِمْ لَا مِنْ ظُهُورِهِمْ، وَأَيْضًا هَذَا الْمَوْضِعُ دَعَا فِيهِ إبْرَاهِيمُ ﵊ رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ فَقِيلَ لَهُ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا﴾ [الحج: ٢٧] الْآيَةَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: يَأْتُوك وَلَمْ يَقُلْ يَأْتُونِي. (وَإِذَا خَرَجَ) : أَيْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ (خَرَجَ مِنْ كُدًى) : بِضَمِّ الْكَافِ وَالْقَصْرِ مَعَ التَّنْوِينِ وَلَعَلَّهُ لِلرِّوَايَةِ، وَالدَّالُ مُهْمَلَةٌ مَعَ مَفْتُوحِ الْكَافِ وَمَضْمُومِهَا وَهِيَ الثَّنِيَّةُ الَّتِي بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، وَيُعْرَفُ هَذَا الْمَحَلُّ الْيَوْمَ بِبَابِ شَبِيكَةَ وَهُوَ بَابُ بَنِي سَهْمٍ، وَالْخُرُوجُ مِنْهُ حُكْمُهُ النَّدْبُ اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ .
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَفِي ذَلِكَ مُنَاسَبَةٌ حَسَنَةٌ بَابُ الدُّخُولِ كَدَاءٌ الْمَفْتُوحُ الْكَافِ، وَبَابُ الْخُرُوجِ كُدًى الْمَضْمُومُ الْكَافِ؛ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ لِلدَّاخِلِ الْفَتْحُ وَلِلْخَارِجِ الضَّمُّ. (وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) : مَا نُدِبَ لَهُ فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ بَلْ خَالَفَ (فِي الْوَجْهَيْنِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ) أَيْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَا دَمَ وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّصْرِيحِ بِمَا لَا يُتَوَهَّمُ
. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ دُخُولُ مَكَّةَ مِنْهُ مِنْ الْأَبْوَابِ أَوْ الْخُرُوجَ شَرَعَ فِي بَيَانِ نَدْبِ الْمُسَارَعَةِ إلَى دُخُولِ مَسْجِدِهَا وَبَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ الدُّخُولُ مِنْهُ مِنْ أَبْوَابِهِ بِقَوْلِهِ: (قَالَ) : أَيْ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَلَعَلَّهُ لَمْ يُظْهِرْهُ لِلْعِلْمِ بِهِ (فَإِذَا دَخَلَ) : الْمُحْرِمُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (مَكَّةَ فَلْيَدْخُلْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) : سَرِيعًا وَلَا يُقَدِّمُ عَلَيْهِ إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ كَأَكْلٍ خَفِيفٍ أَوْ حَطِّ رَحْلِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ، فَالتَّأَخُّرُ عَنْهُ إسَاءَةُ أَدَبٍ، وَلَمَّا كَانَ لَهُ أَبْوَابٌ عِدَّةً بَيَّنَ مَا يُنْدَبُ الدُّخُولُ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَمُسْتَحْسَنٌ) : أَيْ مُسْتَحَبٌّ (أَنْ يَدْخُلَ) : أَيْ الَّذِي دَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ الْمَسْجَدَ الْحَرَامَ. (مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) : وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الْيَوْمَ بِبَابِ السَّلَامِ لِدُخُولِهِ ﷺ مِنْهُ، وَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ فَيُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مِنْ بَابِ بَنِي سَهْمٍ، وَجَرَى خِلَافٌ فِي اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ فَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَنَفَاهُ مَالِكٌ، وَإِلَى جَمِيعِ ذَلِكَ قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَدُخُولُ مَكَّةَ نَهَارًا وَالْبَيْتِ مِنْ كَدَاءٍ بِالْمَدِّ وَالْفَتْحِ وَالْمَسْجِدِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ وَخُرُوجُهُ مِنْ كُدًى بِضَمِّ الْكَافِ وَالْقَصْرِ،
وَلَمَّا كَانَتْ تَحِيَّةُ مَسْجِدِ مَكَّةَ الطَّوَافَ بَيَّنَ مَا يَفْعَلُهُ مُرِيدُ الطَّوَافِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (فَيَسْتَلِمُ) : أَيْ يُقَبِّلُ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ (الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ) : بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ (بِفِيهِ إنْ قَدَرَ) : عَلَى ذَلِكَ وَفِي جَوَازِ التَّصْوِيتِ وَكَرَاهَتِهِ قَوْلَانِ، وَأَمَّا تَقْبِيلُهُ فِي غَيْرِ الشَّوْطِ الْأَوَّلِ فَمَنْدُوبٌ وَلَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِهِ بِغَيْرِ طَوَافٍ، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ، وَنَصُّوا هُنَا عَلَى كَرَاهَةِ تَقْبِيلِ الْمُصْحَفِ وَالْخُبْزِ، كَمَا يُكْرَهُ امْتِهَانُهُ أَيْ الْخُبْزِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى طَلَبِ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَاءَ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ وَقَالَ: إنِّي أَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُك مَا قَبَّلْتُك، وَيُقَالُ إنَّ
стр. 355
يَسَارِهِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ
ثَلَاثَةً خَبَبًا ثُمَّ أَرْبَعَةً مَشْيًا
وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ كَمَا ذَكَرْنَا وَيُكَبِّرُ وَلَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ
ــ
[الفواكه الدواني]
عَلِيًّا ﵁ قَالَ: بَلْ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى بَنِي آدَمَ كَتَبَ بِذَلِكَ كِتَابًا فَأَلْقَمَهُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فَهُوَ يَشْهَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَنْ قَبَّلَهُ. (وَإِلَّا) : بِأَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَقْبِيلِ الْحَجَرِ بِفَمِهِ (وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى الْحَجَرِ (ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ) : عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَمَسُّهُ بِعُودٍ ثُمَّ يَضَعُهُ عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرٍ تَقْبِيل، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ كَبَّرَ فَقَطْ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَلَا يَكْفِي الْعُودُ مَعَ إمْكَانِ الْيَدِ وَلَا وَضْعُ الْيَدِ مَعَ إمْكَانِ التَّقْبِيلِ، وَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، وَفُهِمَ مِنْ التَّعْبِيرِ بِوَضْعِ يَدِهِ أَنَّهُ لَا يَضَعُ خَدَّهُ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَوَامّ بَلْ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتُهُ. (ثُمَّ) : بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ (يَطُوفُ وَ) : الْحَالُ أَنَّ (الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ سَبْعَةَ أَطَوَافً) : أَيْ أَشْوَاطٍ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَهَذَا الطَّوَافُ يُسَمَّى طَوَافَ الْقُدُومِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْحَجِّ طَوَافٌ قَبْلَ عَرَفَةَ إلَّا طَوَافَ الْقُدُومِ وَهُوَ وَاجِبٌ فَيَنْجَبِرُ بِالدَّمِ، وَوُجُوبُهُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ إمَّا وُجُوبًا كَالْآفَاقِيِّ الْقَادِمِ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ نَدْبًا كَالْمُقِيمِ الَّذِي مَعَهُ نَفْسٌ وَخَرَجَ وَأَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ، وَسَوَاءٌ أَحْرَمَ مِنْ الْحَجِّ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا، وَكَذَا الْمُحْرِمُ مِنْ الْحَرَمِ إنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْ الْحِلِّ بِأَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ حَلَالًا مُقْتَحِمًا لِلنَّهْيِ، فَمَعْنَى إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ إنْ طُولِبَ بِالْإِحْرَامِ مِنْ الْحِلِّ أَحْرَمَ مِنْهُ أَوْ مِنْ الْحَرَمِ. وَثَانِيهَا: أَنْ لَا يُرَاهِقُ، وَأَمَّا لَوْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ وَخَافَ فَوَاتَ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ. ثَالِثُهَا: أَنْ لَا يُرْدِفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فِي الْحَرَمِ، فَإِنْ أَرْدَفَ بِحَرَمٍ فَلَا قُدُومَ عَلَيْهِ وَيُؤَخِّرُ سَعْيَهُ حَتَّى يَطُوفَ لِلْإِفَاضَةِ،؛ لِأَنَّ السَّعْيَ إنَّمَا يُقَدَّمُ عَلَى عَرَفَةَ إنْ طَافَ لِلْقُدُومِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ طَوَافِ الْقُدُومِ عِنْدَ الْمُرَاهَقَةِ أَوْ الْإِرْدَافِ.
١ -
(تَنْبِيهٌ) : أَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ مُعْظَمَ شُرُوطِ الطَّوَافِ وَهِيَ: الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، فَلَوْ طَافَ مُحْدِثًا وَلَوْ عَجْزًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ أَحْدَثَ مِنْ حَالِ طَوَافِهِ ابْتَدَأَهُ وَيَرْجِعُ لَهُ وَلَوْ مِنْ بَلَدِهِ إنْ كَانَ الطَّوَافُ رُكْنًا لِقَوْلِهِ ﵊: «الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ» وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَهَذَا الشَّرْطُ يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فَلَوْ طَافَ وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَلَى جِهَةِ يَمِينِهِ أَوْ قُبَالَةَ وَجْهِهِ أَوْ وَرَاءَ ظَهْرِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَيَرْجِعُ لَهُ وَلَوْ مِنْ بَلَدِهِ إنْ كَانَ رُكْنِيًّا، وَخُرُوجُ كُلِّ الْبَدَنِ عَنْ الشَّاذَرْوَانِ وَهُوَ الْبِنَاءُ الْمُحْدَوْدَبُ فِي جِدَارِ الْبَيْتِ، وَخُرُوجُ كُلِّ الْبَدَنِ عَنْ سِتَّةِ أَذْرُعٍ مِنْ الْحَجَرِ، فَلَوْ لَمْ يَتْرُكْ السِّتَّةَ أَذْرُعٍ مِنْ الْحَجَرِ بَلْ طَافَ فِيهَا لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهَا مِنْ الْبَيْتِ، وَأَنْ يَكُونَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ، وَأَنْ تَكُونَ الْأَشْوَاطُ مُتَوَالِيَةً، فَلَوْ فَرَّقَهَا لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيقُ يَسِيرًا أَوْ لِعُذْرٍ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى طَهَارَتِهِ فَلَا يَضُرُّ، وَأَمَّا لَوْ نَسِيَ شَوْطًا فَإِنْ ذَكَرَهُ بِالْقُرْبِ مَعَ بَقَاءِ طَهَارَتِهِ عَادَ إلَيْهِ كَمَا يَبْنِي فِي الصَّلَاةِ مَعَ الْقُرْبِ، وَإِنْ تَبَاعَدَ بَطَلَ كَمَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ، وَأَمَّا لَوْ فَرَّقَ لِصَلَاةٍ عَلَى جِنَازَةٍ أَوْ لِطَلَبِ نَفَقَةٍ ضَاعَتْ، فَإِنْ كَانَ طَلَبَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ كَانَتْ الْجِنَازَةُ مُتَعَيِّنَةً وَيَخْشَى تَغَيُّرَهَا فَإِنَّهُ يَبْنِي كَمَا يَبْنِي عِنْدَ قَطْعِهِ لِفَرِيضَةٍ يَلْزَمُهُ الدُّخُولُ فِيهَا مَعَ الْإِمَامِ، أَوْ لِرُعَافِ بَنَى أَوْ لِغُسْلِ نَجَاسَةٍ عَلِمَ بِهَا فِي صَلَاتِهِ أَوْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ طَوْلٌ، وَأَنْ تَكُونَ الْأَشْوَاطُ سَبْعَةً، فَإِنْ نَقَصَ مِنْهَا شَوْطٌ أَوْ بَعْضُهُ وَلَوْ شَكًّا مِنْ الطَّوَافِ الرُّكْنِيِّ رَجَعَ لَهُ، وَأَمَّا لَوْ زَادَ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ سَهْوًا فَلَا تُبْطِلُهُ إلَّا إنْ بَلَغَتْ مِثْلَهُ، وَأَمَّا عَمْدًا فَيَبْطُلُ وَلَوْ بِزِيَادَةِ شَوْطٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ كَالصَّلَاةِ.
قَالَهُ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا، وَلِي فِيهِ بَحْثٌ وَيَظْهَرُ لِي عَدَمُ الْبُطْلَانِ بِيَسِيرِ الزِّيَادَةِ، وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ وَبَنَى عَلَى الْأَقَلِّ عِنْدَ الشَّكِّ إلَّا الْمُسْتَنْكِحَ كَالصَّلَاةِ، وَيُقْبَلُ إخْبَارُ الْغَيْرِ بِالْكَمَالِ وَلَوْ وَاحِدًا حَيْثُ كَانَ عَدْلًا، وَيَنْبَغِي لِلطَّائِفِ أَنْ يَحْتَاطَ عِنْدَ ابْتِدَائِهِ الطَّوَافَ، بِأَنْ يَقِفَ قَبْلَ الرُّكْنِ بِقَلِيلٍ حَيْثُ يَصِيرُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ عَنْ يَمِينِ مَوْقِفِهِ لِيَسْتَوْعِبَ جُمْلَتَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْ الْحَجَرَ لَمْ يُعْتَدَّ بِالشَّوْطِ الْأَوَّلِ فَلْيَنْتَبِهْ لِذَلِكَ، وَقُلْنَا مُعْظَمُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الشُّرُوطِ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ كَمَا بَيَّنَّا. (فَائِدَةٌ) : ابْتِدَاءُ الطَّوَافِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَاجِبٌ يُجْبَرُ بِالدَّمِ.
وَبَيَّنَ صِفَةَ طَوَافِ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ الرِّجَالِ مِنْ الْمِيقَاتِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بِقَوْلِهِ (ثَلَاثَةً) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ سَبْعَةً وَ (خَبَبًا) : مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ عَامِلُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يَخَبُّ فِيهَا خَبَبًا، أَوْ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ يَطُوفُ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الْمُنَكَّرَ يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ أَيْ خَابًّا أَيْ مُسْرِعًا فِيهَا؛ لِأَنَّ الْخَبَبَ وَهُوَ الرَّمَلُ مَا فَوْقَ الْمَشْيِ وَدُونَ الْجَرْيِ بِأَنْ يَمْشِيَ هَازًّا لِمَنْكِبَيْهِ، وَحُكْمُ الْخَبَبِ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ السُّنِّيَّةُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرَمَلُ رَجُلٍ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَإِنَّمَا يُسَنُّ فِيهَا فِي حَقِّ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَرَمَلَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْ طَوَافِ الْقُدُومِ وَمِنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ، وَلَوْ كَانَ الطَّائِفُ صَبِيًّا أَوْ مَرِيضًا وَحُمِلَ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ رَجُلٍ فَيَرْمُلُ الْحَامِلُ وَيُحَرِّكُ الدَّابَّةَ كَمَا يُحَرِّكُهَا بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ، وَالْمَطْلُوبُ عِنْدَ الزَّحْمَةِ الرَّمَلُ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ فَلَا يُكَلَّفُ فَوْقَهَا، وَلَا دَمَ عَلَى التَّارِكِ لَهُ وَلَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَقَيَّدْنَا بِالرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ لَا رَمَلَ عَلَى النِّسَاءِ فِي
стр. 356
بِفِيهِ وَلَكِنْ بِيَدِهِ ثُمَّ يَضَعُهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ
فَإِذَا تَمَّ طَوَافُهُ رَكَعَ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ
ثُمَّ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ إنْ قَدَرَ ثُمَّ
ــ
[الفواكه الدواني]
طَوَافِهِنَّ وَلَا هَرْوَلَةَ فِي سَعْيِهِنَّ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ نَائِبَةً عَنْ رَجُلٍ وَأَحْرَمَتْ عَنْهُ مِنْ الْمِيقَاتِ، كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ النَّائِبَ عَنْ الْمَرْأَةِ لَا يَرْمُلُ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُحْرِمْ مِنْ الْمِيقَاتِ وَإِنَّمَا أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ الْجِعْرَانَةِ أَوْ مِنْ التَّنْعِيمِ: فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الرَّمَلُ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِمَنْ لَمْ يَطُفْ لِلْقُدُومِ وَلَوْ تَرَكَهُ عَمْدًا، وَأَمَّا مَنْ طَافَ لِلْقُدُومِ فَلَا يَرْمُلُ فِي إفَاضَتِهِ وَلَوْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ، وَأَمَّا طَوَافُ التَّطَوُّعِ فَيُكْرَهُ الرَّمَلُ فِيهِمَا.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا يُنْدَبُ: وَرَمَلُ مُحْرِمٍ مِنْ كَالتَّنْعِيمِ أَوْ بِالْإِفَاضَةِ لِمُرَاهِقٍ لَا تَطَوُّعٍ وَوَدَاعٍ، فَتَلَخَّصَ أَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ سُنَّةً، وَتَارَةً يَكُونُ مَنْدُوبًا، وَتَارَةً يَكُونُ مَكْرُوهًا وَقَدْ بَيَّنَّاهَا. (ثُمَّ أَرْبَعَةً) : بِالنَّصْبِ لِعَطْفِهِ عَلَى ثَلَاثَةٍ (مَشْيًا) : أَيْ مِنْ غَيْرِ خَبَبٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى سُنِّيَّةِ الرَّمَلِ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «مِنْ أَنَّهُ ﷺ رَمَلَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ» . وَوَرَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ مَكَّةَ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ وَقَدْ أَوْهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ وَلَقُوا مِنْهَا شَرًّا فَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ قَالَتْ قُرَيْشٌ: بَلْ هُمْ أَقْوَى مِنَّا فَزَالَتْ الْعِلَّةُ وَبَقِيَ الْحُكْمُ» وَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ الْأُولَى مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ لَهُ سُنَنًا سِتَّةً وَثَانِيهَا الْمَشْيُ فِي حَقِّ الْقَادِرِ، فَإِنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا لِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَمْ يُعِدْهُ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ لَزِمَهُ دَمٌ.
وَفِي الْأُجْهُورِيِّ: أَنَّ الْمَشْيَ وَاجِبٌ فِي الطَّوَافِ الْوَاجِبِ بِدَلِيلِ لُزُومِ الدَّمِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ فَسُنَّةٌ وَلَا يَلْزَمُ الدَّمُ فِي تَرْكِهِ اخْتِيَارًا، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ السُّنَّةَ لَا يَلْزَمُ الدَّمُ بِتَرْكِهَا، وَلَنَا فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ مَنْ تَتَبَّعَ أَفْعَالَ الْحَجِّ يَجِدْ لُزُومَ الدَّمِ فِي تَرْكِ السُّنَّةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَتَأَمَّلْهُ. وَثَالِثُهَا الدُّعَاءُ بِلَا حَدٍّ أَوْ يُسَبِّحُ أَوْ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . وَرَابِعُهَا تَقْبِيلُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ بِفَمِهِ فِي الشَّوْطِ الْأَوَّلِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَخَامِسُهَا اسْتِلَامُ أَيْ لَمْسٌ بِغَيْرِ الْفَمِ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ فِي الشَّوْطِ الْأَوَّلِ.
وَسَادِسُهَا صَلَاةُ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ بِنَاءً عَلَى سُنِّيَّةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَأَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَلِلطَّوَافِ الْمَشْيُ وَإِلَّا فَدَمٌ لِقَادِرٍ لَمْ يُعِدْهُ، وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ بِفَمٍ أَوَّلَهُ، وَلِلزَّحْمَةِ لَمْسٌ بِيَدٍ ثُمَّ عُودٍ وَوَضْعِهَا عَلَى فِيهِ وَكَبَّرَ، ثُمَّ الدُّعَاءُ بِلَا حَدٍّ وَرَمَلُ رَجُلٍ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، إلَى أَنْ قَالَ: وَفِي سُنِّيَّةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ أَوْ وُجُوبِهِمَا خِلَافٌ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَالرَّاجِحُ الْوُجُوبُ فِي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ، وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِهِمَا كَمَا سَنُبَيِّنُهُ
، وَأَشَارَ إلَى مَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَسْتَلِمُ) : أَيْ يُقَبِّلُ الطَّائِفُ مُطْلَقًا (الرُّكْنَ) : أَيْ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ فِي غَيْرِ الشَّوْطِ الْأَوَّلِ (كُلَّمَا مَرَّ بِهِ كَمَا ذَكَرْنَا) : فِيمَا تَقَدَّمَ بِأَنْ يُقَبِّلَهُ بِفِيهِ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَيَمَسُّهُ بِيَدِهِ إنْ أَمْكَنَ، ثُمَّ يَضَعُهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَيَمَسُّهُ بِعُودٍ وَيَضَعُهُ عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ سَقَطَ عَنْهُ. (وَيُكَبِّرُ) : فَقَطْ مِنْ غَيْرِ إشَارَةٍ إلَيْهِ بِيَدٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ التَّشْبِيهَ فِي قَوْلِهِ: كَمَا ذَكَرْنَا فِي الصِّفَةِ لَا فِي الْحُكْمِ كَمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ تَقْبِيلَ الْحَجَرِ فِي الشَّوْطِ الْأَوَّلِ سُنَّةٌ وَفِيمَا بَعْدَهُ مُسْتَحَبٌّ، وَلَمَّا كَانَ التَّقْبِيلُ بِالْفَمِ مُخْتَصًّا بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَغَيْرُهُ يُلْمَسُ بِغَيْرِ الْفَمِ قَالَ: (وَلَا يَسْتَلِمُ) : أَيْ لَا يُقَبِّلُ (الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ بِفِيهِ) :؛ لِأَنَّ الْفَمَ لَا يُطْلَبُ وَضْعُهُ إلَّا عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. (وَلَكِنْ) : يَسْتَلِمُهُ بِمَعْنَى يَلْمِسُهُ (بِيَدِهِ) : نَدْبًا فِي غَيْرِ الشَّوْطِ الْأَوَّلِ (ثُمَّ يَضَعُهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ) : فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ كَبَّرَ وَمَضَى، وَالرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ هُوَ الَّذِي يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجَرِ رُكْنَانِ، وَمِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الطَّوَافِ زِيَادَةٌ عَلَى تَقْبِيلِ الْحَجَرِ وَلَمْسِ الْيَمَانِيِّ بَعْدَ الشَّوْطِ الْأَوَّلِ الدُّعَاءُ بِالْمُلْتَزَمِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الطَّوَافِ وَالدُّنُوُّ مِنْ الْبَيْتِ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَالْمُلْتَزَمُ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ.
١ -
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا شُرُوطُ الطَّوَافِ وَسُنَنُهُ وَمُسْتَحَبَّاتُهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَكْرُوهَاتِهِ وَتَزِيدُ عَلَى عَشْرٍ: مِنْهَا الطَّوَافُ مَعَ مُخَالَطَةِ النِّسَاءِ، وَمِنْهَا السُّجُودُ عَلَى الرُّكْنِ، وَمِنْهَا تَقْبِيلُ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، وَمِنْهَا كَثْرَةُ الْكَلَامِ، وَمِنْهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَمِنْهَا إنْشَادُ الشِّعْرِ إلَّا مَا خَفَّ مِمَّا يَشْتَمِلُ عَلَى وَعْظٍ، وَمِنْهَا الشُّرْبُ لِغَيْرِ اضْطِرَارٍ، وَمِنْهَا الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ، وَمِنْهَا تَغْطِيَةُ الرَّجُلِ فَمَه وَانْتِقَابُ الْمَرْأَةِ، وَمِنْهَا الرُّكُوبُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمِنْهَا حَسْرُ الْمَنْكِبَيْنِ، وَمِنْهَا الطَّوَافُ عَنْ الْغَيْرِ قَبْلَ فِعْلِهِ عَنْ نَفْسِهِ، ابْنُ رَاشِدٍ: وَفِي بَعْضِهَا خِلَافٌ
(فَإِذَا تَمَّ) : أَيْ فَرَغَ (طَوَافُهُ) : لِقُدُومِهِ بِدَلِيلِ سَعْيِهِ بَعْدَهُ (رَكَعَ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ) :.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ نِيَّةِ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَا حُكْمُ فِعْلِهِمَا عِنْدَ الْمَقَامِ، وَنَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ فَنَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْمَذْهَبِ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَمِ رُكْنِيَّتِهِمَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي وُجُوبِهِمَا أَوْ سُنِّيَّتِهِمَا، وَالْخِلَافُ جَارٍ حَتَّى فِي رَكْعَتَيْ طَوَافِ الْمُتَطَوِّعِ، وَوَجْهُ وُجُوبِ رَكْعَتَيْ طَوَافِ التَّطَوُّعِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِمَا تَبَعِيَّتُهُمَا لَهُ وَهُوَ قَدْ تَعَيَّنَ إتْمَامُهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَرَجَّحَ الْأُجْهُورِيُّ وُجُوبَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِهِمَا عَلَى السَّوَاءِ، وَأَمَّا حُكْمُ فِعْلِهِمَا عِنْدَ الْمَقَامِ
стр. 357
يَخْرُجُ إلَى الصَّفَا فَيَقِفُ عَلَيْهِ لِلدُّعَاءِ ثُمَّ يَسْعَى إلَى الْمَرْوَةِ وَيَخُبُّ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ فَإِذَا أَتَى الْمَرْوَةَ وَقَفَ عَلَيْهَا لِلدُّعَاءِ ثُمَّ يَسْعَى إلَى الصَّفَا يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَيَقِفُ بِذَلِكَ أَرْبَعَ وَقَفَاتٍ عَلَى الصَّفَا وَأَرْبَعًا عَلَى الْمَرْوَةِ
ثُمَّ يَخْرُجُ
ــ
[الفواكه الدواني]
فَمَنْدُوبٌ، وَالْمُرَادُ بِالْمَقَامِ الْحَجَرُ الَّذِي وَقَفَ عَلَيْهِ إبْرَاهِيمُ حِينَ بَنَى الْبَيْتَ وَغَرِقَتْ قَدَمَاهُ فِيهِ، أَوْ حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلنَّاسِ بِالْحَجِّ.
الثَّانِي: أَفْهَمَ قَوْلُهُ: فَإِذَا تَمَّ طَوَافُهُ رَكَعَ أَنَّهُ يُطْلَبُ اتِّصَالُهُمَا بِالطَّوَافِ لِدَلَالَةِ الْفَاءِ عَلَى التَّعْقِيبِ، فَلَوْ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ بَعْدَ الطَّوَافِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ تَطَهَّرَ وَأَعَادَ الطَّوَافَ لِصَلَاتِهِمَا مُتَّصِلَيْنِ بِهِ، فَإِنْ تَطَهَّرَ وَصَلَّاهُمَا وَسَعَى مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ الطَّوَافِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الطَّوَافَ وَالرَّكْعَتَيْنِ وَالسَّعْيَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، فَإِنْ تَبَاعَدَ مِنْ مَكَّةَ فَلْيَرْكَعْهُمَا بِمَوْضِعِهِ وَيَبْعَثْ بِهَدْيٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ قَهْرًا.
الثَّالِثُ: أَفْهَمَ قَوْلُهُ: فَإِذَا تَمَّ طَوَافُهُ رَكَعَ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْهُمَا الْفَرْضُ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَجْمَعَ أَسَابِيعَ وَيُصَلِّيَ لِجَمِيعِهَا رَكْعَتَيْنِ بَلْ يُكْرَهُ، وَإِنْ وَقَعَ صَلَّى لِكُلِّ سَبْعَةِ أَشْوَاطٍ رَكْعَتَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ، اُنْظُرْ الْأُجْهُورِيَّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
(ثُمَّ) : بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ (اسْتَلَمَ الْحَجَرَ) : الْأَسْوَدَ اسْتِنَانًا (إنْ قَدَرَ) : وَهَذَا التَّقْبِيلُ الْوَاقِعُ بَعْدَ تَمَامِ الطَّوَافِ تَوْدِيعٌ لِلْبَيْتِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَمُرَّ بِزَمْزَمَ لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَدْعُوَ بِمَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا التَّقْبِيلُ تَوْدِيعًا لِلْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الطَّوَافِ وَالرَّكْعَتَيْنِ لِلسَّعْيِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ) : بَعْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ (يَخْرُجُ) : مِنْ الْمَسْجِدِ مِنْ بَابِ الصَّفَا الَّذِي هُوَ بَابُ بَنِي مَخْزُومٍ ذَاهِبًا (إلَى الصَّفَا) : بِالْقَصْرِ وَهُوَ جَبَلٌ بِمَكَّةَ وَبَقِيَ مِنْهُ مَحَلٌّ صَغِيرٌ قَرِيبٌ عَلَى بَابِ الصَّفَا، فَإِذَا وَصَلَ إلَيْهِ يُسَنُّ أَنْ يَرْقَاهُ (فَيَقِفَ عَلَيْهِ لِلدُّعَاءِ) : بِمَا تَيَسَّرَ وَلَا يَدْعُو عَلَى الْأَرْضِ إلَّا مِنْ عِلَّةٍ، وَحُكْمُ الْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ السُّنِّيَّةُ؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ إنَّمَا هُوَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. (ثُمَّ) : بَعْدَ النُّزُولِ مِنْ عَلَى الصَّفَا (يَسْعَى) : أَيْ يَمْشِي ذَاهِبًا (إلَى الْمَرْوَةِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ جَبَلٌ بِمَكَّةَ أَيْضًا مِنْهُ خَالٍ مِنْ الْبِنَاءِ مَحَلٌّ صَغِيرٌ كَالْبَاقِي مِنْ الصَّفَا.
(وَ) : يُسَنُّ أَنْ (يَخُبَّ) : أَيْ يُسْرِعَ إنْ كَانَ رَجُلًا (فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ) : فِي السَّبْعَةِ أَشْوَاطٍ، وَالْمُرَادُ بِبَطْنِ الْمَسِيلِ مَا بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ، فَيَمْشِي بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ فِي حَالِ سَعْيِهِ حَتَّى يَصِلَ إلَى هَذَا الْمَحَلِّ فَيُسْرِعَ فِيهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِسْرَاعٌ بَيْنَ الْأَخْضَرَيْنِ فَوْقَ الرَّمَلِ، وَإِنَّمَا يُسَنُّ الْإِسْرَاعُ لِلرِّجَالِ لَا لِلنِّسَاءِ كَالرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ، وَلَا يَخُبُّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَلَوْ تَرَكَ الْخَبَبَ الْمَطْلُوبَ لَا دَمَ عَلَيْهِ، كَمَا لَا دَمَ عَلَى مَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ كُلًّا سُنَّةٌ خَفِيفَةٌ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِفَرْضِيَّتِهَا فَلَا يَرِدُ أَنَّ التَّلْبِيَةَ سُنَّةٌ، وَإِذَا تَرَكَهَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ، وَالْمَشْيُ فِي الطَّوَافِ لِلْقَادِمِ كَمَا تَقَدَّمَ. (فَإِذَا أَتَى الْمَرْوَةَ وَقَفَ عَلَيْهَا) : اسْتِنَانًا بِحَيْثُ يَرَى الْبَيْتَ (لِلدُّعَاءِ) : كَمَا يَقِفُ عَلَى الصَّفَا، وَالْوُقُوفُ الْمَذْكُورُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ مُطْلَقًا، وَلِلنِّسَاءِ إنْ خَلَا الْمَكَانُ مِنْ مُزَاحِمَةِ الرِّجَالِ، وَعِنْدَ الزَّحْمَةِ تَقِفُ النِّسَاءُ لِلدُّعَاءِ أَسْفَلَهَا. (ثُمَّ) : بَعْدَ الدُّعَاءِ بِمَا تَيَسَّرَ (يَسْعَى إلَى الصَّفَا) : الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ (بِفِعْلِ ذَلِكَ) : الْمَذْكُورِ مِنْ السَّعْيِ وَالْوُقُوفِ (سَبْعَ مَرَّاتٍ) : ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ تَكْرِيرِ السَّعْيِ سَبْعَ مَرَّاتٍ قَوْلَهُ: (فَيَقِفُ بِذَلِكَ أَرْبَعَ وَقَفَاتٍ) : بِفَتْحِ الْقَافِ لِفَتْحِ فَائِهِ (عَلَى الصَّفَا وَأَرْبَعًا عَلَى الْمَرْوَةِ) : وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَبْدَأُ مِنْ الصَّفَا ثُمَّ يَنْتَهِي إلَى الْمَرْوَةِ وَيَرْجِعُ إلَى الصَّفَا فَتَحْصُلُ مِنْ وُقُوفِهِ مَرَّتَيْنِ عَلَى الصَّفَا وَمَرَّةً عَلَى الْمَرْوَةِ طَوَافَانِ، وَلِذَلِكَ يَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ، وَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعُ وَقَفَاتٍ عَلَى الصَّفَا وَأَرْبَعُ وَقَفَاتٍ عَلَى الْمَرْوَةِ.
١ -
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَلَا يُجْبَرُ بِالدَّمِ دَلَّ عَلَى رُكْنِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أَيْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ بِهِمَا أَيْ يَسْعَى بَيْنَهُمَا سَبْعًا، نَزَلَتْ لَمَّا كَرِهَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا يَطُوفُونَ بِهِمَا وَعَلَيْهِمَا صَنَمَانِ يَمْسَحُونَهُمَا، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السَّعْيَ غَيْرُ فَرْضٍ لِمَا أَفَادَهُ رَفْعُ الْإِثْمِ مِنْ التَّخْيِيرِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ فَاسْعَوْا» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. غَيْرُهُ وَقَالَ: «اُبْتُدِئُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» يَعْنِي الصَّفَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ: إنَّمَا أُخِذَتْ الْفَرِيضَةُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَ مُجْتَهِدُو أُمَّةِ نَبِيِّنَا ﵊ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ، خِلَافًا لِابْنِ عَبَّاسٍ لِمَا أَفَادَهُ: رَفْعُ الْإِثْمِ مِنْ التَّخْيِيرِ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا نَزَلَتْ رَدًّا لِمَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ الْمُسْلِمُونَ فَلَا يُنَافِي الْفَرْضِيَّةَ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِنْ ذِكْرِ الْمُصَنِّفِ السَّعْيَ بَعْدَ الطَّوَافِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِحَّتِهِ مِنْ تَقَدُّمِ طَوَافٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصِحَّتُهُ بِتَقَدُّمِ طَوَافٍ وَنَوَى فَرْضِيَّتَهُ أَيْ عُلِمَ أَنَّهُ وَاجِدٌ أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الدَّمُ بِتَرْكِهِ، وَهَذَا مَعْنَى نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْحَطَّابِ عَلَى خَلِيلٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ، إذْ لَا مَعْنَى لِنِيَّةِ فَرِيضَةِ الشَّيْءِ مَعَ عِلْمِهِ فَرْضًا لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ تَتَضَمَّنُ فَرْضِيَّتَهَا وَإِيقَاعُهَا فِي وَقْتِهَا يَتَضَمَّنُ كَوْنَهَا أَدَاءً، وَالْمُرَادُ بِالْفَرْضِ فِي
стр. 358
يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إلَى مِنًى فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ
ثُمَّ يَمْضِي إلَى عَرَفَاتٍ وَلَا يَدَعُ التَّلْبِيَةَ فِي
ــ
[الفواكه الدواني]
قَوْلِ خَلِيلٍ نَوَى فَرْضِيَّتَهُ مَا قَابَلَ التَّطَوُّعَ فَيَشْمَلُ الْوَاجِبَ كَطَوَافِ الْقُدُومِ، فَإِنْ سَعَى مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ طَوَافٍ أَعَادَهُ، وَإِنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ تَطَوُّعٍ أَوْ وَاجِبٍ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ وَاجِبٌ بَلْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ تَطَوُّعٌ لِجَهْلِهِ فَيَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إنْ كَانَ بِالْقُرْبِ وَيُعِيدُهُ بَعْدَ طَوَافٍ يَعْلَمُ وُجُوبَهُ إنْ كَانَ قَبْلَ عَرَفَةَ، وَإِلَّا أَعَادَهُ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَإِنْ بَعُدَ لَزِمَهُ دَمٌ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ صِحَّةَ السَّعْيِ الَّتِي لَا دَمَ مَعَهَا أَنْ يَقَعَ بَعْدَ طَوَافٍ وَاجِبٍ يُلَاحِظُ السَّاعِي وُجُوبَهُ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَصِحُّ بَعْدَ طَوَافٍ غَيْرِ وَاجِبٍ، وَلَكِنْ يَلْزَمُهُ الدَّمُ حَيْثُ بَعُدَ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ إعَادَتَهُ بَعْدَ طَوَافٍ يُلَاحِظُ وُجُوبَهُ، كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ شُرَّاحِ خَلِيلٍ،
١ -
وَمِنْ شُرُوطِهِ أَيْضًا الْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَشْوَاطِهِ، فَلَوْ اشْتَغَلَ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءِ أَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ غَيْرِ مُتَعَيِّنَةٍ: فَإِنْ طَالَ بِحَيْثُ يُعَدُّ تَارِكًا لَهُ ابْتَدَأَهُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الطَّوَافِ يَقْطَعُهُ لِجِنَازَةٍ غَيْرِ مُتَعَيِّنَةٍ فَيَبْتَدِئُهُ وَلَوْ لَمْ يُطِلْ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الطَّوَافَ كَالصَّلَاةِ، وَلِذَا لَوْ أَصَابَهُ حَقْنٌ فِي السَّعْيِ تَوَضَّأَ وَبَنَى، وَالْكَلَامُ فِيهِ أَخَفُّ مِنْ الْكَلَامِ فِي الطَّوَافِ، وَإِنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ تَمَادَى إلَّا أَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ فَلْيُصَلِّ ثُمَّ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى لَهُ كَمَا يَبْنِي فِي الطَّوَافِ، وَمِنْ شُرُوطِهِ كَمَالُ السَّبْعَةِ أَشْوَاطٍ، فَلَوْ تَرَكَ شَوْطًا أَوْ بَعْضَهُ: لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْهُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْهُ إنْ كَانَ بِالْقُرْبِ، وَإِلَّا ابْتَدَأَ السَّعْيَ لِبُطْلَانِهِ بِعَدَمِ الْمُوَالَاةِ وَيَرْجِعُ لَهُ وَلَوْ مِنْ بَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ رُكْنٍ.
الثَّالِثُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ مَنْ سُنَنِ السَّعْيِ الرُّقِيُّ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِلرِّجَالِ مُطْلَقًا كَالنِّسَاءِ إنْ خَلَا الْمَكَانُ، وَمِنْ سُنَنِهِ أَيْضًا تَقْبِيلُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ طَوَافٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَمِنْ اتِّصَالِهِ بِالطَّوَافِ، وَمِنْ سُنَنِهِ الْمَشْيُ إلَّا لِعُذْرٍ، فَإِنْ رَكِبَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَعَادَ سَعْيَهُ إنْ قَرُبَ، وَإِنْ تَبَاعَدَ أَجْزَأَهُ وَأَهْدَى، وَمِنْ سُنَنِهِ الدُّعَاءُ فِي حَالِ سَعْيِهِ وَفِي حَالِ وُقُوفِهِ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَمِنْ سُنَنِهِ الْإِسْرَاعُ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ.
الرَّابِعُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا شُرُوطَ صِحَّةِ السَّعْيِ، وَأَمَّا سُنَنُهُ فَخَمْسَةٌ: الْمَشْيُ فَإِنْ رَكِبَ فِيهِ وَلَمْ يُعِدْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ دَمٌ، وَتَقْبِيلُ الْحَجَرِ قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلسَّعْيِ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ وَرُقِيُّهُ عَلَيْهِمَا كَامْرَأَةٍ إنْ خَلَا، وَإِسْرَاعٌ بَيْنَ الْأَخْضَرَيْنِ فَوْقَ الرَّمَلِ وَدَعَا، فَهَذِهِ خَمْسَةٌ فَإِنْ تَرَكَهَا أَوْ شَيْئًا مِنْهَا لَا دَمَ عَلَيْهِ إلَّا فِي الْمَشْيِ فَإِنَّهُ فِيهِ كَالطَّوَافِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا مَنْدُوبَاتُهُ فَأَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَلِلسَّعْيِ شُرُوطٌ: الصَّلَاةُ مِنْ طَهَارَةٍ حَدَثِيَّةٍ وَخُبْثِيَّةٍ وَسَتْرُ عَوْرَةٍ إلَّا لِاسْتِقْبَالٍ فَلَوْ اُنْتُقِضَتْ طَهَارَتُهُ أَوْ حَصَلَ لَهُ حَقْنٌ تَوَضَّأَ وَبَنَى عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ السَّعْيِ،؛ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالْوُضُوءِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِالْمُوَالَاةِ لِقِصَرِ زَمَنِ الْوُضُوءِ فَلَا يُخِلُّ بِالْمُوَالَاةِ الْوَاجِبَةِ (فَائِدَةٌ) : قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: أَصْلُ السَّعْيِ وَسَبَبُ مَشْرُوعِيَّتِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْحَجِّ مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵊ لَمَّا تَرَكَ وَلَدَهُ إسْمَاعِيلَ مَعَ أُمِّهِ بِمَكَّةَ وَهُوَ رَضِيعٌ نَفِدَ مَاؤُهَا وَعَطِشَ وَلَدُهَا مَعَهَا وَصَارَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ يَتَلَوَّى أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهَةَ أَنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ، فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْوَادِيَ لِتَنْظُرَ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَى أَحَدًا، فَنَهَضَتْ مِنْ الصَّفَا حَتَّى إذَا بَلَغَتْ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا وَسَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتْ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا سَبْعَ مَرَّاتٍ» وَيُقَالُ: إنَّ الصَّفَا أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ مِنْهُ أَرْبَعًا وَمِنْ الْمَرْوَةِ ثَلَاثًا، وَإِنْ كَانَ الْوُقُوفُ عَلَى كُلٍّ أَرْبَعًا، وَمَا كَانَتْ الْعِبَادَةُ فِيهِ أَكْثَرَ فَهُوَ أَفْضَلُ.
(ثُمَّ) : بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ السَّعْيِ (يَخْرُجُ) : الْحَاجُّ مِنْ مَكَّةَ إذَا قَرُبَ زَمَنُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) : بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَهُوَ ثَامِنُ الْحِجَّةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَعِدُّونَ فِيهِ بِالْمَاءِ لِيَوْمِ عَرَفَةَ حَالَةَ كَوْنِهِ ذَاهِبًا (إلَى مِنًى) : وَهُوَ مَحَلٌّ مَعْرُوفٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵇ تَمَنَّى فِيهِ كَشْفَ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ ذَبْحِ وَلَدِهِ. (فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ) : أَوْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ فِي زَمَنٍ بِحَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا صَلَاةُ الظُّهْرِ، وَيُقِيمُ فِيهَا حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَيُكْرَهُ خُرُوجُهُ لِمِنًى قَبْلَ ذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَخُرُوجُهُ لِمِنًى قَدْرَ مَا يُدْرِكُ بِهَا الظُّهْرَ وَبَيَاتُهُ بِهَا وَسَيْرُهُ لِعَرَفَةَ بَعْدَ الطُّلُوعِ وَنُزُولُهُ بِنَمِرَةَ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ فِعْلُهُ ﵊
١ -
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ فِي السَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ قَبْلَ خُرُوجِهِ لِمِنًى وَاَلَّذِي يُسْتَحَبُّ لَهُ إتْيَانُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ صَلَّاهَا بِالنَّاسِ ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَخَطَبَ خُطْبَةً وَاحِدَةً يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ كَالْعِيدِ وَيُخَلِّلُهَا بِهِ وَيَذْكُرُ فِيهَا فَضْلَ الْحَجِّ، وَيُبَيِّنُ فِيهَا لِلنَّاسِ كَيْفِيَّةَ خُرُوجِهِمْ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى يَوْم التَّرْوِيَةِ وَصَلَاتِهِمْ بِهَا تِلْكَ الصَّلَوَاتِ وَمَبِيتِهِمْ بِهَا لَيْلَةَ عَرَفَةَ، وَيُحَرِّضُهُمْ عِنْدَ وُصُولِ عَرَفَةَ عَلَى النُّزُولِ بِنَمِرَةَ وَهِيَ آخِرُ الْحَرَمِ وَأَوَّلُ الْحِلِّ، وَهَذِهِ أُولَى الْخُطَبِ وَقَدْ تُرِكَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَالثَّانِيَةُ يَوْمَ عَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ فِيهَا كَيْفِيَّةَ الْوُقُوفِ وَزَمَنَهُ وَالذَّهَابَ لِلْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ الْغُرُوبِ مَعَ الْبَيَاتِ بِهَا وَالتَّوَجُّهِ مِنْهَا إلَى مِنًى طُلُوعَ الشَّمْسِ لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَقَطْ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ ثُمَّ التَّوَجُّهِ إلَى مَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَالْخُطْبَةِ الثَّالِثَةِ فِي حَادِيَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ فِيهَا مَبِيتَهُمْ بِمِنًى وَكَيْفِيَّةَ الرَّمْيِ وَمَا يَلْزَمُ بِتَرْكِهِ وَحُكْمَ التَّعْجِيلِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَتَلَخَّصَ أَنْ خُطَبَ الْحَجِّ ثَلَاثٌ.
[الْوُقُوفِ بِعَرَفَة]
(ثُمَّ) : بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ التَّاسِعِ فِي
стр. 359
هَذَا كُلِّهِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَرُوحُ إلَى مُصَلَّاهَا وَلْيَتَطَهَّرْ قَبْلَ رَوَاحِهِ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَرُوحُ مَعَهُ إلَى مَوْقِفِ عَرَفَةَ فَيَقِفُ مَعَهُ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ
ثُمَّ يَدْفَعُ بِدَفْعِهِ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ فَيُصَلِّي مَعَهُ
ــ
[الفواكه الدواني]
مِنًى (يَمْضِي) : أَيْ يَخْرُجُ مِنْهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ذَاهِبًا (إلَى عَرَفَاتٍ) : وَهُوَ مَوْضِعُ الْوُقُوفِ، وَقِيلَ عَرَفَاتُ جَمْعُ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهُ يُسَمَّى عَرَفَةَ، وَلِهَذَا يَجُوزُ فِيهِ الصَّرْفُ وَعَدَمُهُ كَمَا قِيلَ فِي أَذْرَعَاتٍ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْأَوْجُهُ الصَّرْفُ عِنْدَ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَسْمَاءِ الصَّرْفُ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ قِيلَ:؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ كَانَ يُعَلِّمُ إبْرَاهِيمَ الْمَنَاسِكَ فِيهَا وَيُرِيهَا لَهُ وَيَقُولُ لَهُ: عَرَفْت؟ فَيَقُولُ: عَرَفْت، وَقِيلَ:؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَرَّفَ فِيهَا آدَمَ مَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَقِيلَ:؛ لِأَنَّ آدَمَ عَرَفَ حَوَّاءَ فِيهَا. (وَلَا يَدَعُ) : أَيْ لَا يَتْرُكُ (التَّلْبِيَةَ فِي هَذَا كُلِّهِ) : أَيْ فِي الزَّمَنِ الَّذِي مَرَّ بَعْدَ سَعْيِهِ؛ لِأَنَّهُ يُعَاوِدُ التَّلْبِيَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ سَعْيِهِ.
(حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَرُوحُ إلَى مُصَلَّاهَا) : وَهُوَ مَسْجِدُ نَمِرَةَ. (وَلْيَتَطَهَّرْ) : أَيْ يَغْتَسِلْ اسْتِنَانًا، وَقِيلَ نَدْبًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَبْلَ رَوَاحِهِ) : إلَى الْمُصَلَّى بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَا يَتَدَلَّكُ، وَهَذَا الِاغْتِسَالُ لِلْوُقُوفِ لَا لِلصَّلَاةِ فَيُطْلَبُ مِنْ الْحَائِضِ، وَهَذَا ثَالِثُ اغْتِسَالَاتِ الْحَجِّ الَّتِي أَوَّلُهَا الْإِحْرَامُ، وَثَانِيهَا لِدُخُولِ مَكَّةَ، وَثَالِثُهَا هَذَا إذَا وَصَلَ إلَى الْمُصَلَّى. (فَيَجْمَعَ) : عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ (بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) : بِمَسْجِدِ نَمِرَةَ جَمْعَ تَقْدِيمٍ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ عَرَفَةَ (مَعَ الْإِمَامِ) : بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْخُطْبَةِ، وَبَعْدَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَكَمَا يُسَنُّ جَمْعُ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ يُسَنُّ قَصْرُهُمَا إلَّا لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ كُلِّ مَحَلٍّ يُتِمُّ بِمَحَلِّهِ، وَإِنْ كَانَ يَجْمَعُ تَبَعًا لِلْإِمَامِ فِي مَحَلِّهِ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ تَرْكُ ذَلِكَ الْجَمْعِ، وَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِالنَّاسِ فِي عَرَفَةَ الظُّهْرَ وَلَوْ وَافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ عَلَى الصَّوَابِ، فَقَدْ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: جَمَعَ هَارُونُ الرَّشِيدُ خَلِيفَةُ زَمَانِهِ مَالِكًا وَأَبَا يُوسُفَ، فَسَأَلَهُ أَبُو يُوسُفَ عَنْ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يُصَلِّهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: قَدْ صَلَّاهَا؛ لِأَنَّهُ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ وَصَلَّى بَعْدَهُمَا رَكْعَتَيْنِ وَهَذِهِ جُمُعَةٌ، فَقَالَ مَالِكٌ: أَجَهْرُ فِيهِمَا كَمَا يُجْهَرُ بِالْجُمُعَةِ؟ فَسَكَتَ أَبُو يُوسُفَ وَسَلَّمَ لِلْإِمَامِ (تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ مَشْرُوعٌ وَلَوْ لِأَهْلِ عَرَفَةَ بِخِلَافِ الْقَصْرِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي أَهْلِ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ، وَالضَّابِطُ أَنَّ أَهْلَ كُلِّ مَحَلٍّ يُتِمُّونَ بِهِ، فَأَهْلُ عَرَفَةَ تَجْمَعُ بِهَا وَلَا تَقْصُرُ، وَأَهْلُ الْمُزْدَلِفَةِ كَذَلِكَ تَجْمَعُ بِهَا وَلَا تَقْصُرُ، وَالْمَنْوِيُّ يَجْمَعُ فِيهَا وَيَقْصُرُ. (ثُمَّ) : بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ مَعَ الْإِمَامِ (يَرُوحُ مَعَهُ إلَى مَوْقِفِ عَرَفَةَ) : الَّذِي وَقَفَ فِيهِ الرَّسُولِ ﵊ فَإِنَّهُ الْمُسْتَحَبُّ، وَهُوَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْعِظَامِ الْمَفْرُوشَةِ فِي أَسْفَلِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي بِوَسَطِ عَرَفَةَ، هَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَحَبَّهُ الْعُلَمَاءُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُعَلَّى وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ الْوُقُوفُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا لِقَوْلِهِ ﵊: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» وَارْتَفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ. (فَيَقِفُ مَعَهُ) : أَيْ مَعَ الْإِمَامِ (إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ) : وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وُضُوءٍ وَرَاكِبًا إلَّا لِتَعَبٍ، وَيَدْعُو وَيُسَبِّحُ أَوْ يُهَلِّلُ فِي حَالَةِ وُقُوفِهِ، وَأَشْعَرَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يَقِفُ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَحُكْمُ الْوُقُوفِ الْوُجُوبُ وَيَتَمَادَى وَلَوْ بِجُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَيَلْزَمُ الدَّمُ بِتَرْكِهِ اخْتِيَارًا، وَأَمَّا الْوُقُوفُ الرُّكْنِيُّ فَزَمَنُهُ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَمُنْتَهَاهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْوُقُوفِ بَيَانٌ لِلْوَجْهِ الْكَامِلِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ إذَا مَرَّ بِعَرَفَةَ لَيْلًا وَلَمْ يَقِفْ فِيهَا يُجْزِئُهُ بِشَرْطَيْنِ: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَنَّ هَذَا الْمَحَلَّ عَرَفَةُ، وَأَنْ يَنْوِيَ الْحُضُورَ بِعَرَفَةَ، لَا الْمَارُّ الْجَاهِلُ بِأَنَّ هَذَا الْمَحَلَّ عَرَفَةُ، وَلَكِنْ يَلْزَمُ الْمَارَّ عَلَى الْوَجْهِ الْمُجْزِئِ الدَّمُ لِوُجُوبِ الطُّمَأْنِينَةِ بِعَرَفَةَ. (تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: إذَا عَرَفْت مَا قَرَّرْنَاهُ لَك مِنْ أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ جُزْءٌ مِنْ النَّهَارِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ، وَأَنَّ الْوُقُوفَ الرُّكْنِيَّ الْوُقُوفُ بِهَا جُزْءٌ مِنْ اللَّيْلِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ظَهَرَ لَك مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْخَفَاءِ بِوَاسِطَةِ التَّعْبِيرِ بِإِلَى الدَّالَّةِ عَلَى خُرُوجِ مَا بَعْدَهَا، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ فِي كَلَامِهِ حَذْفُ عَاطِفٍ وَمَعْطُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَيَقِفُ مَعَهُ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَمُضِيِّ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ.
١ -
الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي الشُّرُوطِ اعْتِبَارُ الْحُرِّيَّةِ وَالتَّكْلِيفِ وَقْتَ الْإِحْرَامِ، وَأَنَّ مَنْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ سَكِرَ بِحَلَالٍ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَوَقَفَ بِهِ وَلِيُّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ أَجْزَأَ وَيَسْقُطُ عَنْهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ الْمُطْبِقِ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَيَقِفُ بِهِ فَيَصِحُّ حَجُّهُ وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ وَقْتَ الْإِحْرَامِ.
١ -
الثَّالِثُ: فُهِمَ مِنْ قَوْلِنَا إنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَذْفَ عَاطِفٍ وَمَعْطُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَمُضِيِّ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ، أَنَّهُ لَوْ نَفَرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَلَا يَكْفِيهِ الْوُقُوفُ وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ انْفَصَلَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَأَمَّا لَوْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ انْفِصَالِهِ مِنْ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ وَيَلْزَمُهُ الْهَدْيُ.
الرَّابِعُ: لَوْ أَخْطَأَ أَهْلُ الْمَوْقِفِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْقَعْدَةِ بِأَنْ خَفِيَ عَلَيْهِمْ الْهِلَالُ فَجَعَلُوا اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الشَّهْرِ هِيَ الْأُولَى وَوَقَفُوا يَوْمَ الْعَاشِرِ لِزَعْمِهِمْ أَنَّهُ التَّاسِعَ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ حَيْثُ خَفِيَ الْهِلَالُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَسَوَاءٌ ظَهَرَ لَهُمْ الْخَطَأُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعَاشِرِ
стр. 360
بِالْمُزْدَلِفَةِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ
ثُمَّ يَقِفُ مَعَهُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ يَوْمئِذٍ بِهَا ثُمَّ يَدْفَعُ بِقُرْبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى مِنًى وَيُحَرِّكُ دَابَّتَهُ بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ
فَإِذَا وَصَلَ إلَى مِنًى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ
ــ
[الفواكه الدواني]
أَوْ فِي حَالِ وُقُوفِهِمْ أَوْ قَبْلَهُ، وَإِنْ وَقَفُوا يَوْمَ الثَّامِنِ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ الْخَطَأُ إلَّا بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ التَّاسِعِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الذَّهَابُ إلَى عَرَفَةَ لِيَقِفُوا يَوْمَ الْعَاشِرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَقَفُوا فِي الْحَادِيَ عَشَرَ أَوْ كَانَ الْخَطَأُ مِنْ بَعْضِ الْحُجَّاجِ وَلَوْ الْمُعْظَمِ فَلَا يُجْزِئُهُمْ وُقُوفُهُمْ وَلَوْ بِالْعَاشِرِ، وَإِذَا وَقَفُوا بِالْعَاشِرِ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ فَإِنَّ أَفْعَالَهُمْ تَنْقَلِبُ كَحَالِ مَنْ لَمْ يُخْطِئْ فَيَتَأَخَّرُ النَّحْرُ وَالرَّمْيُ.
١ -
(فَرْعٌ) : قَالَ السُّيُورِيُّ حِينَ سُئِلَ عَمَّنْ شَكَّ فِي هِلَالِ الْحِجَّةِ: يَنْبَغِي عِنْدِي أَنْ يَقِفَ يَوْمَيْنِ احْتِيَاطًا، وَأَجَابَ اللَّخْمِيُّ: الْمَذْهَبُ لَا يَقِفُ إلَّا يَوْمًا وَاحِدًا لِطَرْحِ يَوْمِ الشَّكِّ وَالِاعْتِدَادِ بِمَا سِوَاهُ
. (ثُمَّ) : بَعْدَ الْغُرُوبِ مِنْ الْيَوْمِ التَّاسِعِ وَمُضِيِّ جُزْءٍ مِنْ لَيْلَةِ الْعَاشِرِ (يَدْفَعُ) : أَيْ يَسِيرُ (بِدَفْعِهِ) : أَيْ الْإِمَامِ (إلَى الْمُزْدَلِفَةِ) : وَيَسِيرُ الْحَاجُّ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ عَرَفَةَ، قِيلَ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ، وَقِيلَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، وَالْمُزْدَلِفَةُ هِيَ الْمَحَلُّ الْمَعْرُوفُ، وَتُسَمَّى جَمْعًا بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ وَمِيمٍ سَاكِنَةٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ. (فَيُصَلِّي مَعَهُ) : أَيْ مَعَ الْإِمَامِ (بِالْمُزْدَلِفَةِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) : مَجْمُوعَتَيْنِ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ؛ لِأَنَّهُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ الْحَاجُّ مَعَ الْإِمَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ إلَّا إذَا وَقَفَ مَعَهُ وَسَارَ مَعَ النَّاسِ أَوْ تَأَخَّرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَقِفْ مَعَ الْإِمَامِ بِأَنْ لَمْ يَقِفْ أَصْلًا أَوْ وَقَفَ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَا بِغَيْرِهَا، وَيُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ لِوَقْتِهَا بِمَنْزِلَةِ غَيْرِ الْحَاجِّ، وَإِنْ وَقَفَ مَعَ الْإِحْرَامِ وَتَأَخَّرَ عَنْ النُّفُورِ مَعَهُ لِعَجْزٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الشَّفَقِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ أَوْ غَيْرِهَا، فَتَلَخَّصَ أَنَّ مَنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَنَفَرَ مَعَهُ يَجْمَعُ مَعَهُ بِالْمُزْدَلِفَةِ مِنْ غَيْرِ إشْكَالٍ، وَمَنْ وَقَفَ مَعَهُ وَتَأَخَّرَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ فِي أَيِّ مَحَلٍّ شَاءَ، فَإِنْ وَقَفَ مَعَهُ وَتَأَخَّرَ اخْتِيَارًا لَا يَجْمَعُ إلَّا فِي الْمُزْدَلِفَةِ، وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَ الْإِمَامِ فَلَا يَجُوزُ جَمْعُهُ مُطْلَقًا بَلْ يُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا،؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ لِمَنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْجَمْعَ سُنَّةٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ كَعَرَفَةَ، كَمَا يُسَنُّ الْقَصْرُ فِيهِمَا لَكِنْ لِغَيْرِ أَهْلِ كُلِّ مَحَلٍّ بِهِ، وَأَمَّا الْبَيَاتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَمَنْدُوبٌ، وَيُسْتَحَبُّ إكْثَارُهُ مِنْ التَّهَجُّدِ وَالذِّكْرِ فِيهَا، وَأَمَّا الْمُكْثُ بِهَا قَدْرَ حَطِّ الرِّحَالِ فَهُوَ وَاجِبٌ يَلْزَمُ بِتَرْكِهِ دَمٌ إلَّا لِعُذْرٍ يَفْعَلُهُ، وَرُبَّمَا يُفْهَمُ نَدْبُ الْبَيَاتِ بِهَا مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَ) يُصَلِّي (الصُّبْحَ) : بِالْمُزْدَلِفَةِ مَعَ الْإِمَامِ
(ثُمَّ) : بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَسَيْرِهِ مُغَلِّسًا (يَقِفُ مَعَهُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) : مُسْتَقْبِلًا مُكَبِّرًا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ إلَى الْإِسْفَارِ (يَوْمَئِذٍ) : أَيْ يَوْمَ النَّحْرِ فَيَوْمَ ظَرْفٌ لِيُصَلِّيَ الصُّبْحَ الْمُقَدَّرَ أَوْ لِيَقِفَ وَالضَّمِيرُ فِي (بِهَا) : لِلْمُزْدَلِفَةِ؛ لِأَنَّ الْمَشْعَرَ جَبَلٌ بِهَا سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانَتْ تُشْعِرُ فِيهِ هَدَايَاهَا، وَالْمُرَادُ بِالْيَوْمِ قِطْعَةٌ مِنْ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّ وُقُوفَهُ يَنْتَهِي بِالْإِسْفَارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (ثُمَّ) : بَعْدَ انْتِهَاءِ وُقُوفِهِ بِالْمَشْعَرِ (يَدْفَعُ بِقُرْبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ) : وَهُوَ الْإِسْفَارُ ذَاهِبًا (إلَى مِنًى) قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَارْتِحَالُهُ بَعْدَ الصُّبْحِ مُغَلِّسًا، وَوُقُوفُهُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ يُكَبِّرُ وَيَدْعُو لِلْإِسْفَارِ وَاسْتِقْبَالُهُ بِهِ، وَلَا وُقُوفَ بَعْدَهُ إلَى الْإِسْفَارِ خِلَافًا لِلْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقِفُونَ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ، فَمَنْ وَقَفَ لِلطُّلُوعِ أَسَاءَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
(وَ) : يُسْتَحَبُّ لِلدَّافِعِ مِنْ الْمَشْعَرِ إلَى جِهَةِ مِنًى وَكَانَ رَجُلًا أَنْ (يُحَرِّكَ دَابَّتَهُ بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ) : إنْ كَانَ رَاكِبًا وَيُسْرِعُ فِي مَشْيِهِ إنْ كَانَ رَاجِلًا، وَبَطْنُ مُحَسِّرٍ وَادٍ بَيْنَ الْمُزْدَلِفَةِ، وَمِنًى قَدْرَ رَمْيَةِ الْحَجَرِ لَيْسَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهَا، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِحَسْرِ أَصْحَابِ الْفِيلِ فِيهِ وَنُزُولِ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ بِهِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ إسْرَاعٌ كَمَا لَا يُطَالَبْنَ بِالرَّمَلِ.
(فَإِذَا وَصَلَ) : السَّائِرُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ (إلَى مِنًى) : يَوْمَ النَّحْرِ (رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) : وُجُوبًا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْمِيَهَا حِينَ وُصُولِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرَمْيُهُ الْعَقَبَةَ حِينَ وُصُولِهِ وَإِنْ رَاكِبًا؛ لِأَنَّهُ تَحِيَّةُ الْحَرَمِ وَالتَّحِيَّةُ يَبْدَأُ بِهَا الدَّاخِلُ، لَكِنْ إنْ وَصَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يُنْدَبُ تَأْخِيرُهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَإِنْ كَانَ يَدْخُلُ وَقْتُ رَمْيِهَا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَيَمْتَدُّ وَقْتُ أَدَائِهَا إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَاللَّيْلِ قَضَاءً، وَالْمُرَادُ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ الْبِنَاءُ، وَمَا تَحْتَهُ الْكَائِنُ فِي آخِرِ مِنًى مِنْ نَاحِيَةِ مَكَّةَ فِي رَأْسِ وَادِي الْمُحَصَّبِ عَنْ يَمِينِ الْمَاشِي إلَى مَكَّةَ، سُمِّيَتْ جَمْرَةً بِاسْمِ مَا يُرْمَى فِيهَا وَهِيَ الْحِجَارَةُ، إلَّا أَنَّ الرَّمْيَ فِي أَسْفَلِ الْبِنَاءِ أَفْضَلُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِ الْبِنَاءِ وَإِنْ أَجْزَأَ، وَلَا فَرْقَ فِي الْإِجْزَاءِ بَيْنَ كَوْنِ الرَّامِي وَاقِفًا أَمَامَ الْبِنَاءِ أَوْ تَحْتَهُ أَوْ خَلْفَهُ،؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ إيصَالُ الْحَصَيَاتِ إلَى أَسْفَلِ الْبِنَاءِ، فَإِنْ وَقَفَ فِي شُقُوقِ الْبِنَاءِ فَفِي الْإِجْزَاءِ تَرَدُّدٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي إجْزَاءِ مَا وَقَفَ بِالْبِنَاءِ تَرَدُّدٌ وَتِلْكَ الْحَصَيَاتُ فِي الْقَدْرِ. (مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ) : بِخَاءٍ وَذَالٍ مُعْجَمَتَيْنِ آخِرُهُ فَاءٌ وَحَصَى الْخَذْفِ هُوَ الَّذِي يُرْمَى بِالْأَصَابِعِ كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، يَجْعَلُ الشَّخْصُ الْحَصَاةَ عَلَى السَّبَّابَةِ أَوْ عَلَى الْوُسْطَى وَيَدْفَعُهَا بِالْإِبْهَامِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِلنَّهْيِ فِي خَبَرِ: «إيَّاكُمْ وَالْخَذْفَ فَإِنَّهُ يَكْسِرُ السِّنَّ وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ وَلَا يُجْزِئُ شَيْئًا» وَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِهِ عَلَى أَقْوَالٍ: فَقِيلَ كَالْفُولَةِ، وَقِيلَ كَالنَّوَاةِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَا يُجْزِئُ مَا صَغُرَ جِدًّا كَالْحِمَّصَةِ بِخِلَافِ الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ مَعَ الْإِجْزَاءِ، وَصِفَةُ الرَّمْيِ لِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَنْ يُعَجِّلَ بِرَمْيِهَا وَلَوْ رَاكِبًا كَمَا قَدَّمْنَا، وَيَسْتَقْبِلُ الْجَمْرَةَ فِي حَالِ الرَّمْيِ وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ
стр. 361
حَصَاةٍ
ثُمَّ يَنْحَرُ إنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ
ثُمَّ يَحْلِقُ
ثُمَّ يَأْتِي الْبَيْتَ فَيُفِيضُ وَيَطُوفُ سَبْعًا وَيَرْكَعُ
ثُمَّ يُقِيمُ بِمِنًى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
فَإِذَا
ــ
[الفواكه الدواني]
وَمَكَّةُ عَنْ يَسَارِهِ، بِخِلَافِ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ فِيهَا الْمَشْيُ، وَيَجْعَلُ الْحَصَاةَ بَيْنَ إبْهَامِهِ وَسَبَّابَتِهِ، وَقِيلَ يُمْسِكُهَا بِإِبْهَامِهِ وَالْوُسْطَى. (وَيُكَبِّرُ) : نَدْبًا (مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) : كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ ﷺ كَمَا يُنْدَبُ تَتَابُعُهَا وَلَقْطُهَا.
[شُرُوطِ الرَّمْيِ] ١
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ لِشُرُوطِ الرَّمْيِ وَمُحَصِّلُهَا أَنَّهَا عَلَى قِسْمَيْنِ: شَرَائِطُ صِحَّةٍ: وَشَرَائِطُ كَمَالٍ، فَشَرَائِطُ الصِّحَّةِ كَوْنُ الْمَرْمِيِّ حَجَرًا كَرُخَامٍ أَوْ بِرَامٍ فَلَا يَصِحُّ بِطِينٍ وَلَا مَعْدِنٍ، وَكَوْنُ إيصَالِ الْحَصَاةِ إلَى الْجَمْرَةِ بِوَاسِطَةِ الرَّمْيِ وَكَوْنُ الرَّمْيِ بِالْيَدِ، فَلَا يَصِحُّ بِقَوْسٍ وَلَا بِرِجْلٍ وَلَا بِفَمٍ، وَأَنْ يَرْمِيَ كُلَّ حَصَاةٍ بِانْفِرَادِهَا، فَإِنْ رَمَى بِالسَّبْعِ مَرَّةً وَاحِدَةً اعْتَدَّ بِوَاحِدٍ، وَتُرَتَّبُ الْجَمَرَاتُ الثَّلَاثُ فِي أَيَّامِ الرَّمْيِ، وَشَرَائِطُ الْكَمَالِ: الْمُبَادَرَةُ بِرَمْيِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ حَطِّ الرَّحْلِ وَإِثْرَ الزَّوَالِ قَبْلَ الظُّهْرِ فِي غَيْرِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالتَّكْبِيرُ حَالَ الرَّمْيِ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَتَتَابُعُ الْحَصَيَاتِ فِيمَا بَيْنَهَا وَلَقْطُ الْحَصَيَاتِ فَلَا يَكْسِرُ حَجَرًا كَبِيرًا وَيَرْمِي بِهِ، وَطَهَارَةُ الْحَصَيَاتِ فَيُكْرَهُ الرَّمْيُ بِمُتَنَجِّسٍ، كَمَا يُكْرَهُ الرَّمْيُ بِمَا رَمَاهُ الْغَيْرُ، وَمِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ الرَّمْيُ فِي بَطْنِ الْوَادِي.
الثَّانِي: اعْلَمْ أَنَّ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ تَخْتَصُّ بِأَرْبَعَةِ أُمُورٍ: صِحَّةُ رَمْيِهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ قَبْلَ الزَّوَالِ بِخِلَافِ رَمْيِ غَيْرِهَا لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَلَا يُرْمَى فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ إلَّا هِيَ، وَلَا يُوقَفُ عِنْدَ رَمْيِهَا لِلدُّعَاءِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا وَرَمْيُهَا مِنْ أَسْفَلِهَا.
١ -
الثَّالِثُ: اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ لِلْحَجِّ تَحَلُّلَيْنِ أَصْغَرُ وَأَكْبَرُ، فَالْأَكْبَرُ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ بِهِ كُلُّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى الْمُحْرِمِ، وَالْأَصْغَرُ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحِلُّ بِهِ غَيْرُ النِّسَاءِ وَالصَّيْدِ وَيُكْرَهُ مَعَهُ مَسُّ الطِّيبِ، وَمِثْلُ رَمْيِهَا بِالْفِعْلِ فَوَاتُ وَقْتِ أَدَائِهَا وَهُوَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ قَضَاءٌ
. (ثُمَّ) : بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (يَنْحَرُ) : أَوْ يَذْبَحُ (إنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ) : بِمِنًى وُجُوبًا وَقِيلَ نَدْبًا لَكِنْ بِشَرْطِ إنْ كَانَ مَسُوقًا فِي إحْرَامِ حَجٍّ وَلَوْ لِنَقْصٍ فِي عُمْرَةٍ أَوْ تَطَوُّعًا أَوْ كَانَ جَزَاءَ صَيْدٍ، وَأَنْ يَكُونَ قَدْ وَقَفَ بِهِ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ بِعَرَفَةَ سَاعَةَ لَيْلَةِ النَّحْرِ فِي أَيَّامِ مِنًى، فَإِنْ انْخَرَمَ شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَيَنْحَرُهُ بِمَكَّةَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالنَّحْرُ بِمِنًى إنْ كَانَ فِي حَجٍّ وَوَقَفَ بِهِ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ وَكَانَ الذَّبْحُ بِأَيَّامِهَا، وَإِلَّا فَمَكَّةُ وَمِنًى كُلُّهَا مَحَلٌّ لِلنَّحْرِ إلَّا مَا وَرَاءَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِمَّا يَلِي مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مِنًى، وَلَا يَنْتَظِرُ بِنَحْرِ الْهَدْيِ نَحْرَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مِنًى صَلَاةُ عِيدٍ، وَسَيَأْتِي هَذَا فِي كَلَامِهِ وَإِنَّمَا قَدَّمْنَاهُ لِلْمُنَاسِبَةِ.
١ -
(تَنْبِيهٌ) : لَوْ خَالَفَ الشَّخْصُ بِأَنْ ذَبَحَ أَوْ نَحَرَ فِي مِنًى مَا مَحَلُّهُ مَكَّةَ أَوْ عَكْسُهُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ نَحَرَ فِي مَكَّةَ مَا يُطْلَبُ نَحْرُهُ فِي مِنًى أَجْزَأَ وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ النَّحْرِ فِي مِنًى عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ، وَأَمَّا لَوْ نَحَرَ فِي مِنًى مَا يُطْلَبُ فِعْلُهُ فِي مَكَّةَ فَلَا يُجْزِئُ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْمَرْوَةِ: «هَذَا النَّحْرُ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ وَطُرُقُهَا مَنْحَرٌ»
. (ثُمَّ) : بَعْدَ النَّحْرِ أَوْ الذَّبْحِ (يَحْلِقُ) : وَلَوْ بِنُورَةٍ إنْ عَمَّ رَأْسَهُ بِالْمُزِيلِ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ بَعْضِ الشَّعْرِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، وَيُجْزِئُ التَّقْصِيرُ إلَّا أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّهِنَّ التَّقْصِيرُ وَلَوْ بِنْتَ تِسْعِ سِنِينَ
[طَوَافَ الْإِفَاضَةِ]
. (ثُمَّ) : بَعْدَ الْحَلْقِ فِي مِنًى (يَأْتِي الْبَيْتَ) : الشَّرِيفَ (فَيُفِيضُ وَ) : مَعْنَى يُفِيضُ أَنَّهُ (يَطُوفُ) : بِهِ (سَبْعًا) : وَيُسَمَّى ذَلِكَ الطَّوَافُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] وَلَا رَمَلَ فِي هَذَا الطَّوَافِ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الرَّمَلِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَرْمُلَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَتَقَدَّمَتْ شُرُوطُ الطَّوَافِ مُطْلَقًا.
(وَ) : يُطْلَبُ مِنْهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ طَوَافِهِ أَنْ (يَرْكَعَ) : قَبْلَ نَقْضِ طَهَارَتِهِ رَكْعَتَيْنِ، وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي تِلْكَ الرَّكْعَتَيْنِ.
١ -
(تَنْبِيهَانِ) : الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ الْبَابِ أَنَّهُ رُكْنٌ بَلْ أَعْظَمُ أَرْكَانِ الْحَجِّ لِقُرْبِهِ مِنْ الْبَيْتِ، وَلَا يُشْكِلُ بِالْحَجِّ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ فَوَاتِ الْحَجِّ بِفَوَاتِهِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَوَقْتُهُ بَعْدَ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ آخِرُ أَرْكَانِ الْحَجِّ لِمَنْ قَدَّمَ السَّعْيَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ بَاقِيًا لَسَعَى بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، وَبِالْفَرَاغِ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ أَوْ السَّعْيِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ قَدَّمَهُ يَحِلُّ كُلُّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ كَالنِّسَاءِ وَالصَّيْدِ وَكَرَاهَةِ الطِّيبِ.
١ -
الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَفْعَلُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ: مَرْتَبَةً الرَّمْيَ فَالنَّحْرَ فَالْحَلْقَ فَالطَّوَافَ، لَكِنَّ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ فِي مِنًى وَالرَّابِعَ فِي مَكَّةَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ الصَّحِيحِ: «أَنَّهُ ﷺ رَمَى ثُمَّ نَحَرَ ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ رَكِبَ إلَى الْبَيْتِ فَأَفَاضَ وَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ» لَكِنَّ حُكْمَ هَذَا التَّرْتِيبِ مُخْتَلِفٌ، فَتَقْدِيمُ الرَّمْيِ عَلَى الْحَلْقِ وَعَلَى الْإِفَاضَةِ وَاجِبٌ، فَإِنْ حَلَقَ قَبْلَ الرَّمْي أَوْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَبْلَهُ لَزِمَهُ دَمٌ، بِخِلَافِ تَأْخِيرِ الذَّبْحِ عَنْ الرَّمْيِ أَوْ تَأْخِيرِ الْحَلْقِ عَنْ الذَّبْحِ فَمَنْدُوبٌ، كَتَأْخِيرِ الْإِفَاضَةِ عَنْ الذَّبْحِ، وَمَا وَرَدَ: «مِنْ أَنَّهُ ﷺ حِينَ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ صَارُوا يَسْأَلُونَهُ فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، فَقَالَ: اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ، وَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَقَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ» فَمَا سُئِلَ يَوْمئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ إلَّا
стр. 362
زَالَتْ الشَّمْسُ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا رَمَى الْجَمْرَةَ الَّتِي تَلِي مِنًى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ يَرْمِي الْجَمْرَتَيْنِ كُلَّ جَمْرَةٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَيَقِفُ لِلدُّعَاءِ بِإِثْرِ الرَّمْيِ فِي الْجَمْرَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَلَا يَقِفُ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَلْيَنْصَرِفْ فَإِذَا رَمَى فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَهُوَ رَابِعُ يَوْمِ النَّحْرِ انْصَرَفَ إلَى مَكَّةَ وَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَإِنْ شَاءَ تَعَجَّلَ فِي
ــ
[الفواكه الدواني]
قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ، لَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الَّذِي سُئِلَ عَنْهُ ﵊ غَيْرُ مَا قَدَّمْنَا أَنَّ تَرْتِيبَهُ وَاجِبٌ، وَاَلَّذِي قَالَ فِيهِ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ خَاصٌّ بِمَا سُئِلَ عَنْهُ، وَمَعْنَى افْعَلْ مَعَ وُقُوعِ الْفِعْلِ اعْتَدَّ بِفِعْلِك الصَّادِرِ مِنْك وَلَا تُطَالَبُ بِإِعَادَتِهِ.
(ثُمَّ) : بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَصَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ لِمَنْ قَدَّمَ سَعْيَهُ يَرْجِعُ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى بِحَيْثُ يُدْرِكُ الْبَيَاتَ بِهَا وَ (يُقِيمُ بِمِنًى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) : بِلَيَالِيِهَا إنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ، وَيَوْمَيْنِ إنْ تَعَجَّلَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَادَ لِلْمَبِيتِ بِمِنًى فَوْقَ الْعَقَبَةِ ثَلَاثًا وَلَيْلَتَيْنِ إنْ تَعَجَّلَ، فَلَوْ تَرَكَ جُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِيهَا لَزِمَهُ دَمٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَلَوْ تَرَكَ ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ كَخَوْفِهِ عَلَى مَتَاعِهِ، وَيُسْتَثْنَى رُعَاةُ الْإِبِلِ فَإِنَّهُمْ يُرَخَّصُ لَهُمْ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَنْ يَنْصَرِفُوا إلَى الْمَرْعَى ثُمَّ يَأْتُوا فِي ثَالِثِ النَّحْرِ فَيَرْمُوا لِلْيَوْمِ الْمَاضِي وَهُوَ ثَانِي النَّحْرِ، وَلِلْيَوْمِ الَّذِي حَضَرُوا فِيهِ وَهُوَ ثَالِثُ النَّحْرِ، ثُمَّ إنْ شَاءُوا تَعَجَّلُوا فَيَسْقُطُ عَنْهُمْ رَمْيُ الرَّابِعِ، وَإِنْ شَاءُوا أَقَامُوا الْيَوْمَ الرَّابِعَ فَيَرْمُوهُ مَعَ النَّاسِ، وَمِثْلُ الرُّعَاةِ فِي عَدَمِ لُزُومِ الْمَبِيتِ لَيَالِي مِنًى أَهْلُ السِّقَايَةِ فَيَجُوزُ لَهُمْ الْبَيَاتُ بِمَكَّةَ لِأَجْلِ الْمَاءِ، لَكِنَّ أَهْلَ السِّقَايَةِ يَرْمُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ
، ثُمَّ بَيَّنَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُقِيمُ بِمِنًى بِقَوْلِهِ: (فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا) : أَيْ مِنْ أَيَّامِ مِنًى الثَّلَاثِ وَهِيَ الْأَيَّامُ الْمَعْرُوفَةُ بِأَيَّامِ الرَّمْيِ وَهِيَ ثَانِي النَّحْرِ وَثَالِثُهُ وَرَابِعُهُ. (رَمَى) : أَيْ الْمُقِيمُ بِمِنًى وُجُوبًا (الْجَمْرَةَ) : الْأُولَى وَهِيَ الْكُبْرَى (الَّتِي تَلِي) : مَسْجِدَ (مِنًى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) : فِي سَبْعِ مَرَّاتٍ كَمَا قَدَّمْنَا، وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ الرَّمْيِ إثْرَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا أَنْ (يُكَبِّرَ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) : تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً وَيَرْفَعَ صَوْتَهُ بِهَا. (ثُمَّ) : بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ رَمْيِ الْأُولَى (يَرْمِي الْجَمْرَتَيْنِ) : يُثَنِّي بِالْوُسْطَى وَهِيَ الَّتِي فِي السُّوقِ، ثُمَّ يَخْتِمُ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَالتَّرْتِيبُ بَيْنَ الثَّلَاثِ شَرْطُ صِحَّةٍ، فَإِنْ نَكَّسَ بَطَلَ رَمْيُ الْمُقَدَّمَةِ عَنْ مَحَلِّهَا وَلَوْ سَهْوًا، وَيَرْمِي الْوُسْطَى مِنْ فَوْقِهَا وَالْعَقَبَةَ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَسْفَلِهَا فَمِنْ فَوْقِهَا، وَيَرْمِي (كُلَّ جَمْرَةٍ) : مِنْهَا (بِمِثْلِ ذَلِكَ) : الْمَذْكُورِ فِي رَمْيِ الْأُولَى مِنْ كَوْنِهِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ كُلُّ حَصَاةٍ فِي مَرَّةٍ (وَيُكَبِّرُ مَعَ) : رَمْيِ (كُلِّ حَصَاةٍ) : وَتُنْدَبُ الْمُبَادَرَةُ بِرَمْيِ الثَّانِيَةِ عَقِبَ الْأُولَى وَبِالثَّالِثَةِ عَقِبَ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ التَّرْتِيبِ. بَيْنَهَا الْمُبَادَرَةُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَقِبَ رَمْيِ مَا قَبْلَهَا.
(تَنْبِيهٌ) : تَلَخَّصَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ أَوَّلَ يَوْمٍ إنَّمَا يُرْمَى فِيهِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَهِيَ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ، وَأَنَّ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَالرَّابِعَ وَهِيَ أَيَّامُ الرَّمْيِ وَيُقَالُ لَهَا الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ يُرْمَى فِي كُلِّ يَوْمٍ الثَّلَاثُ جِمَارٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، الْجُمْلَةُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ، وَحَصَيَاتُ الْعَقَبَةِ سَبْعَةٌ الْجُمْلَةُ سَبْعُونَ حَصَاةً لِمَنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَجِّلَ يَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ الرَّابِعِ.
(وَ) : يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَقِفَ لِلدُّعَاءِ) : وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (بِإِثْرِ الرَّمْيِ فِي الْجَمْرَةِ الْأُولَى) : وَهِيَ الْكُبْرَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى.
(وَ) : كَذَا بِإِثْرِ (الثَّانِيَةِ) : الَّتِي هِيَ الْوُسْطَى.
قَالَ خَلِيلٌ: وَوُقُوفُهُ إثْرَ الْأَوَّلِيَّيْنِ قَدْرُ إسْرَاعِ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ. (وَلَا يَقِفُ عِنْدَ) : رَمْيِ (جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) : وَلِذَا قَالَ: (وَلْيَنْصَرِفْ) : سَرِيعًا عَقِبَ رَمْيِهَا مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ لِفِعْلِهِ ﵊.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ مَرْتَبَةٌ، وَإِنْ رَمَى غَيْرَ الْعَقَبَةِ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِالزَّوَالِ، وَيَنْتَهِي الْأَدَاءُ إلَى غُرُوبِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَا بَعْدَهُ قَضَاءٌ لَهُ، وَيَفُوتُ الرَّمْيُ كُلُّهُ بِغُرُوبِ الرَّابِعِ، وَلِذَا قَالُوا: لَا قَضَاءَ لِلرَّابِعِ لِانْقِضَاءِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِغُرُوبِ شَمْسِ الرَّابِعِ، وَيَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ فِي تَرْكِ حَصَاةٍ أَوْ فِي تَرْكِ الْجَمِيعِ، إلَّا إذَا كَانَ قَدْ أَخَّرَ كَتَأْخِيرِ شَيْءٍ مِنْهَا إلَى اللَّيْلِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا يُوجِبُ الدَّمَ: وَتَأْخِيرُ كُلِّ حَصَاةٍ أَوْ الْجَمِيعِ لِلَّيْلِ (فَإِذَا رَمَى) : الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ عَلَى تَرْتِيبِهَا السَّابِقِ رَمْيًا صَحِيحًا (فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ) : مِنْ أَيَّامِ مِنًى. (وَهُوَ رَابِعُ يَوْمِ النَّحْرِ) :؛ لِأَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ لَيْسَ مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُرْمَى فِيهِ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ. (انْصَرَفَ) : مِنْ مِنًى (إلَى مَكَّةَ) : وَيُرَخَّصُ لَهُ فِي تَرْكِ النُّزُولِ بِالْمُحَصَّبِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُقْتَدًى بِهِ،؛ لِأَنَّ الْمُقْتَدَى بِهِ يُسْتَحَبُّ لَهُ النُّزُولُ بِهِ لِيُصَلِّيَ بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ يَدْخُلَ مَكَّةَ لَيْلًا لِفِعْلِهِ ﵊، وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِ النُّزُولِ بِهِ لِلْمُقْتَدَى بِهِ إذَا لَمْ يُصَادِفْ يَوْمُ الِانْصِرَافِ مِنْ مِنًى يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَإِلَّا اسْتَمَرَّ سَائِرًا لِيُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ بِأَهْلِ مَكَّةَ.
(وَ) : بَعْدَ فِعْلِ الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ الْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالرَّمْيِ. (قَدْ تَمَّ حَجُّهُ) : بِفَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ وَفَضَائِلِهِ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْوَدَاعِ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ يُسْتَحَبُّ فِعْلُهَا لِتَوْدِيعِ الْبَيْتِ لِكُلِّ خَارِجٍ مِنْ مَكَّةَ لِكَالْجُحْفَةِ لَا كَالتَّنْعِيمِ وَلَيْسَ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَلَا مِنْ سُنَنِهِ، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ فِيمَا مَرَّ: ثُمَّ يُقِيمُ بِمِنًى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يُوهِمُ الْوُجُوبَ
стр. 363
يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ مِنًى فَرَمَى وَانْصَرَفَ
فَإِذَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ طَافَ لِلْوَدَاعِ وَانْصَرَفَ
وَالْعُمْرَةُ يَفْعَلُ فِيهَا كَمَا ذَكَرْنَا
ــ
[الفواكه الدواني]
لِلثَّلَاثَةِ مُطْلَقًا، بَيَّنَ أَنَّ مَحَلَّ الْوُجُوبِ إنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ شَاءَ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ) : أَيْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ (مِنْ أَيَّامِ مِنًى) : بِأَنْ يَنْصَرِفَ فِي ثَالِثِ أَيَّامِ النَّحْرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: ثُمَّ عَادَ لِلْمَبِيتِ بِمِنًى فَوْقَ الْعَقَبَةِ ثَلَاثًا، أَوْ لَيْلَتَيْنِ إنْ تَعَجَّلَ (فَرَمَى) : أَيْ الْيَوْمَ الثَّانِيَ (وَانْصَرَفَ) : فَيَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ الثَّالِثِ وَهُوَ رَابِعُ النَّحْرِ، وَشَرْطُ التَّعْجِيلِ مُجَاوَزَةُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَبْلَ غُرُوبِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ، فَإِنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ قَبْلَ مُجَاوَزَتِهَا لَزِمَهُ الْبَيَاتُ بِمِنًى؛ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ إنَّمَا أُمِرَ بِالْمَقَامِ فِيهَا لِأَجْلِ الرَّمْيِ فِي النَّهَارِ، فَإِنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْبَيَاتُ لِأَجْلِهِ وَكَأَنَّهُ الْتَزَمَ رَمْيَ الثَّالِثِ؛ وَلِأَنَّ مَنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ شَمْسُ الثَّانِي لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ.
(تَنْبِيهَانِ) : الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِنْ شَاءَ تَعَجَّلَ مُسَاوَاةُ التَّعْجِيلِ لِعَدَمِهِ، مَعَ أَنَّ عَدَمَ التَّعْجِيلِ فِيهِ كَثْرَةُ عَمَلٍ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الظَّاهِرِ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] لِتَرْكِ رُخْصَةِ التَّعْجِيلِ، فَإِنْ قِيلَ: عَدَمُ الْإِثْمِ فِي التَّأْخِيرِ لَا يُتَوَهَّمُ حَتَّى يَنْفِيَهُ فِي الْآيَةِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ رَدٌّ عَلَى الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ بِالْإِثْمِ عَلَى الْمُتَأَخِّرِينَ مَعَ تَعْجِيلِ غَيْرِهِ لِتَوَهُّمِهِمْ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِرُخْصَةِ التَّعْجِيلِ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّ رُخْصَةَ التَّعْجِيلِ عَامَّةٌ فِي حَقِّ كُلِّ حَاجٍّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ خَاصَّةٌ بِغَيْرِ أَمِيرِ الْحَاجِّ، وَأَمَّا هُوَ فَيُكْرَهُ لَهُ التَّعْجِيلُ لِقَوْلِ مَالِكٍ: لَا يُعْجِبُنِي لِأَمِيرِ الْحَاجِّ أَنْ يَتَعَجَّلَ.
(فَإِذَا خَرَجَ) : أَيْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ (مِنْ مَكَّةَ) لِكَالْجُحْفَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي أَحَدِ النُّسُكَيْنِ (طَافَ لِلْوَدَاعِ) : عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ (وَرَكَعَ) : أَيْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ لِكُلِّ طَوَافٍ (وَانْصَرَفَ) : قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَطَوَافُ الْوَدَاعِ إنْ خَرَجَ لِكَالْجُحْفَةِ لَا كَالتَّنْعِيمِ، وَلَا يَنْصَرِفُ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى يُقَبِّلَ الْحَجَرَ وَلَا يَرْجِعُ الْقَهْقَرَى، وَإِذَا فَعَلَ الطَّوَافَ وَأَقَامَ بِمَكَّةَ وَلَوْ بَعْضَ يَوْمٍ أَعَادَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى نَدْبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ» . (تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: إنَّمَا جَعَلْنَا فَاعِلَ خَرَجَ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ لَا الْحَاجَّ، إشَارَةً إلَى أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ مَنْدُوبٌ لِكُلِّ خَارِجٍ مِنْ مَكَّةَ لِكَالْجُحْفَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ بَعْدِ الْمَوَاقِيتِ، سَوَاءٌ كَانَ مَكِّيًّا أَوْ غَيْرَهُ، قَدِمَ بِنُسُكٍ أَوْ تِجَارَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، خَرَجَ عَلَى نِيَّةِ الْعَوْدِ أَمْ لَا، وَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْ مَكَّةَ لِمَحَلٍّ قَرِيبٍ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ طَوَافُ الْوَدَاعِ إلَّا إذَا خَرَجَ عَلَى نِيَّةِ الِانْتِقَالِ، وَمِمَّنْ لَا يُنْدَبُ فِي حَقِّهِ طَوَافُ الْوَدَاعِ الْمُتَرَدِّدُ فِي الْخُرُوجِ كَالْحَطَّابِ وَالْبَيَّاعِ وَكَذَلِكَ الْمُتَعَجِّلُ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ الطَّوَافَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ كَطَوَافِ الْقُدُومِ، وَرُكْنٌ لَا يَسْقُطُ فَرْضُ الْحَجِّ إلَّا بِهِ كَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَمُسْتَحَبٌّ كَطَوَافِ الْوَدَاعِ.
١ -
الثَّالِثُ: قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: مَنْ أَتَى بِأَعْمَالِ الْحَجِّ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ الَّذِي بَيَّنَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَهَا فَرْضٌ وَبَعْضَهُمَا غَيْرُ فَرْضٍ وَلَكِنْ لَا يُمَيِّزُ الْفَرْضَ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنَّ حَجَّهُ صَحِيحٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ، وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّ جَمِيعَهَا فَرْضٌ فَإِنَّ حَجَّهُ لَا يَصِحُّ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَحُكِيَ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ حَجَّهُ صَحِيحٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ، قَالَ ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ نَقْلًا عَنْ جَدِّهِ، وَبَقِيَ مَا لَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ فَرْضِيَّةَ شَيْءٍ مِنْهُ وَأَتَى بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ: وَيُفْهَمُ مِنْ اشْتِرَاطِ عَدَمِ نِيَّةِ النَّفْلِ فِي وُقُوعِهِ فَرْضًا أَنَّ مَنْ نَوَى فِعْلَ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا تَقَعُ صَحِيحَةً وَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ تَوَضَّأَ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ الْوُضُوءَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَوْ نَوَى فِعْلَ الصَّلَاةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا، وَلَمْ يُخِلَّ بِشَيْءٍ مِنْ فَرَائِضِهِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِهَا وَلَا فَعَلَ فِيهَا مَا يُبْطِلُهَا، فَإِنَّ فِعْلَهُ صَحِيحٌ وَلَوْ اعْتَقَدَ فَرْضِيَّةَ إجْزَاءِ الْعِبَادَةِ لَا يُورِثُ بُطْلَانًا، وَمِثْلُهَا الطَّهَارَةُ وَكَذَا يَصِحُّ فِعْلُهُ، وَلَوْ اعْتَقَدَ فَرْضِيَّةَ جَمِيعِ أَفْعَالِ جَمِيعِ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ فَرْضِيَّةِ غَيْرِ الْفَرْضِ تُعَدُّ مُقَوِّيَةً لِغَيْرِ الْفَرْضِ لَا مُنَافِيَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْفَرْضَ سُنَّةٌ أَوْ نَافِلَةٌ أَوْ نَوَى بِالْفَرْضِ غَيْرَهُ لَا يَشُكُّ فِي عَدَمِ إجْزَائِهِ عَنْ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْفَرْضِ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ لِلْمُنَافَاةِ، وَالضَّعِيفُ لَا يُؤَكِّدُ الْقَوِيَّ بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَحَرِّرْ الْحُكْمَ فِي كُلِّ ذَلِكَ فَإِنِّي لَمْ أَجِدْهُ، وَالْمَوْجُودُ فِي كَلَامِ بَعْضِ الشُّيُوخِ مَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْعُمْرَة وَأَرْكَانهَا]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ الْحَجِّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعُمْرَةِ فَقَالَ: (الْعُمْرَةُ) : لُغَةً الزِّيَادَةُ وَاصْطِلَاحًا عِبَادَةٌ يَلْزَمُهَا طَوَافٌ وَسَعْيٌ بَعْدَ إحْرَامٍ. (يُفْعَلُ فِيهَا) : الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ. (كَمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا) : فِي أَوَّلِ الْحَجِّ بِأَنْ يَتَجَرَّدَ وَيَغْتَسِلَ وَيَلْبَسَ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ وَالنَّعْلَيْنِ وَيُصَلِّيَ الرَّكْعَتَيْنِ، ثُمَّ إذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ أَوْ مَشَى يُحْرِمُ مَعَ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ وَيَمْضِي فِي
стр. 364
أَوَّلًا إلَى تَمَامِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ
ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ وَقَدْ تَمَّتْ عُمْرَتُهُ وَالْحِلَاقُ أَفْضَلُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالتَّقْصِيرُ يُجْزِئُ وَالتَّقْصِيرُ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ
وَسُنَّةُ الْمَرْأَةِ التَّقْصِيرُ وَلَا يَجُوزُ لَهَا الْحِلَاقُ وَتَأْخُذُ الْمَرْأَةُ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهَا قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ مِنْ جَمِيعِهِ طَوِيلِهِ وَقَصِيرِهِ وَالرَّجُلُ مِنْ قُرْبِ أَصْلِهِ
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْتُلَ الْمُحْرِمُ الْفَأْرَةَ وَالْحَيَّةَ
ــ
[الفواكه الدواني]
أَفْعَالِهَا. (إلَى تَمَامِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) :؛ لِأَنَّ أَرْكَانَهَا الْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَلَهَا مِيقَاتَانِ: زَمَانِيٌّ وَمَكَانِيٌّ كَالْحَجِّ، فَالزَّمَانِيُّ الْوَقْتُ كُلُّهُ وَلَوْ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ عَرَفَةَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْعُمْرَةِ أَبَدًا إلَّا مَنْ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يَصِحُّ إحْرَامُهُ بِهَا إلَّا بَعْدَ تَحَلُّلِهِ بِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَرَمْيِ الرَّابِعِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِمَنْ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ وَلَمْ يَتَعَجَّلْ أَوْ يَمْضِي قَدْرُ زَمَنِ رَمْيِ الرَّابِعِ إنْ تَعَجَّلَ، فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ، وَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ مَا ذُكِرَ صَحَّ إحْرَامُهُ لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ إنْ كَانَ قَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ، وَلَكِنْ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ بِهَا بَعْدَ مَا ذُكِرَ بَعْدَ غُرُوبِ الرَّابِعِ صَحَّ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ وَأَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ أُخْرَى فَلَا يَصِحُّ إحْرَامُهُ إلَّا بَعْدَ تَحَلُّلِهِ مِنْهَا إذَا لَا تَدْخُلُ عُمْرَةٌ عَلَى أُخْرَى، وَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ قَبْلَ الْحِلَاقِ مِنْ الْحَجِّ لِمَنْ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ، أَوْ قَبْلَ الْحِلَاقِ مِنْ الْعُمْرَةِ لِمَنْ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ كَمَا قَالَهُ الْحَطَّابُ، وَأَمَّا مِيقَاتُهَا الْمَكَانِيُّ فَهُوَ الْحِلُّ سَوَاءً كَانَ آفَاقِيًّا أَوْ مُقِيمًا بِمَكَّةَ، وَمِثْلُ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ الْإِحْرَامُ بِهِمَا مَعًا، فَيَجِبُ أَنْ يَخْرُجَ لِلْحِلِّ وَهُوَ مَا جَاوَزَ الْحَرَمَ، فَيَخْرُجُ إلَى مَسَاجِدِ عَائِشَةَ وَيُحْرِمُ بِهِمَا أَوْ بِالْعُمْرَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهَا وَلِلْقِرَانِ الْحِلُّ لِيَجْمَعَ فِي إحْرَامِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مَكَّةَ أَوْ بِالْقِرَانِ لَمْ يَجْمَعْ فِي إحْرَامِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَهَا تَنْقَضِي فِي الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لِعَرَفَةَ إنَّمَا هُوَ لِلْحَجِّ، فَإِذَا خَالَفَ وَأَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ فَإِنْ أَحْرَمَ لِلْعُمْرَةِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ وَلَكِنْ لَا يَطُوفُ وَلَا يَسْعَى لَهَا حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ، فَإِنْ طَافَ وَسَعَى قَبْلَ خُرُوجِهِ أَعَادَهُمَا بَعْدَهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ أَعَادَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ بَعْدَهُ، وَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ قَارِنًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ أَيْضًا إلَى الْحِلِّ، وَإِنْ كَانَ لَا يَطُوفُ وَلَا يَسْعَى لِلْعُمْرَةِ لِانْدِرَاجِ طَوَافِهَا وَسَعْيِهَا فِي طَوَافِ وَسَعْيِ الْحَجِّ، فَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ الْقَارِنُ إلَى الْحِلِّ حَتَّى خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ فَطَافَ لِلْإِفَاضَةِ وَسَعَى فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ.
قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَسَيَأْتِي أَنَّ حُكْمَهَا السُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ.
(ثُمَّ) : بَعْدَ تَمَامِ عُمْرَتِهِ يَجِبُ أَنْ (يَحْلِقَ رَأْسَهُ) : وَلَوْ بِنُورَةٍ (وَقَدْ تَمَّتْ عُمْرَتُهُ) : وَالْمُرَادُ بِتَمَامِ الْعُمْرَةِ كَمَالُهَا، فَلَا يُنَافَى تَمَامَهَا بِالْفَرَاغِ مِنْ طَوَافِهَا وَسَعْيِهَا؛ لِأَنَّ الْحِلَاقَ مِنْ وَاجِبَاتِهَا وَلَا دَخْلَ لَهُ فِي حَقِيقَتِهَا، وَلَمَّا كَانَ الْحِلَاقُ غَيْرَ مُتَعَيِّنٍ فِي التَّحَلُّلِ قَالَ: (وَالْحِلَاقُ أَفْضَلُ فِي) : التَّحَلُّلِ مِنْ (الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالتَّقْصِيرُ يُجْزِئُ) : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْحِلَاقِ حَدِيثُ: «رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ» وَالدَّلِيلُ عَلَى إجْزَاءِ التَّقْصِيرِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ» وَمَحَلُّ إجْزَاءِ التَّقْصِيرِ إذَا لَمْ يَكُنْ شَعْرُهُ مَضْفُورًا أَوْ مَعْقُوصًا أَوْ مُلَبَّدًا، وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْحِلَاقُ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ تَقْصِيرِ جَمِيعِ الشَّعْرِ، وَمَحَلُّ أَفْضَلِيَّةِ الْحِلَاقِ عَلَى التَّقْصِيرِ لِغَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ، وَأَمَّا الْمُتَمَتِّعُ فَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ عِنْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ عُمْرَتِهِ التَّقْصِيرُ اسْتِبْقَاءً لِلشَّعْرِ حَتَّى يَتَحَلَّلَ مِنْ الْحَجِّ.
(وَ) : صِفَةُ (التَّقْصِيرِ) أَنْ يَجُزَّ (مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ) : طَوِيلِهِ وَقَصِيرِهِ مِنْ قَرُبَ أَصْلِهِ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى جَزِّ بَعْضِهِ لَمْ يُجْزِهِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَيْسَ تَقْصِيرُ الرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ وَلَكِنْ يَجُزُّهُ جَزًّا، وَلَيْسَ كَالْمَرْأَةِ فَإِنْ أَخَذَ مِنْ أَطْرَافِهِ أَخْطَأَ وَيُجْزِئُهُ فَكَوْنُهُ مِنْ قُرْبِ أَصْلِهِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ أَوْ الْوُجُوبِ الْغَيْرِ الشَّرْطِيِّ
، وَلَمَّا كَانَ الْحِلَاقُ قَاصِرًا عَلَى الرِّجَالِ قَالَ: (وَسُنَّةُ الْمَرْأَةِ التَّقْصِيرُ: وَلَا يَجُوزُ لَهَا الْحِلَاقُ) : وَلَوْ بِنْتَ عَشْرِ سِنِينَ، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ جِدًّا فَيَحُوزُ لِوَلِيِّهَا حَلْقُ رَأْسِهَا، وَإِنَّمَا حُرِّمَ الْحَلْقُ عَلَى الْكَبِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ فِي حَقِّهَا إلَّا إنْ كَانَ بِرَأْسِهَا أَذًى فَيَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ إذْ يَجُوزُ لَهَا مَا كَانَ مُحَرَّمًا، وَصِفَةُ تَقْصِيرِهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِ رَأْسِهَا قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ مِنْ جَمِيعِهِ طَوِيلِهِ وَقَصِيرِهِ، لَكِنْ بَعْدَ زَوَالِ عَقْصِهِ أَوْ ضَفْرِهِ أَوْ تَلْبِيدِهِ لِمَنْعِهِ التَّقْصِيرَ كَمَا مَرَّ، وَالْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الطَّرِيقَةُ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ وَاجِبٌ فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الْحِلَاقُ.
قَالَ خَلِيلٌ: ثُمَّ حَلَقَهُ وَلَوْ بِنُورَةٍ إنْ عَمَّ رَأْسَهُ وَالتَّقْصِيرُ مُجْزٍ، وَيُكْرَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَهُوَ سُنَّةُ الْمَرْأَةِ.
(وَ) : بَيَّنَ صِفَةَ التَّقْصِيرِ لِلْمَرْأَةِ بِقَوْلِهِ: (تَأْخُذُ الْمَرْأَةُ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهَا قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ مِنْ جَمِيعِهِ طَوِيلِهِ وَقَصِيرِهِ) : وَلَوْ أَدْخَلَ الْكَافَ عَلَى الْأُنْمُلَةِ لَكَانَ حَسَنًا لِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ: رُوِيَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ أَوْ فَوْقَهَا بِيَسِيرٍ أَوْ دُونَهَا، وَرِوَايَةُ الطِّرَازِ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ لَا أَعْرِفُهَا. (وَ) : صِفَةُ تَقْصِيرِ (الرَّجُلُ) أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِ رَأْسِهِ (مِنْ قُرْبِ أَصْلِهِ) : اسْتِحْبَابًا فَلَوْ أَخَذَ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِ رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ
١ -
. (خَاتِمَةٌ) : الْحِلَاقُ وَالتَّقْصِيرُ تَحَلُّلٌ وَنُسُكٌ أَيْ عِبَادَةٌ تُطْلَبُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى حَلْقِ رَأْسِهِ وَلَا تَقْصِيرِهِ لِوَجَعٍ بِهِ: فَعَلَيْهِ هَدْيُ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ شَاةٍ، فَإِنْ عَجَزَ صَامَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهِ نُسُكًا، وَيَدُلُّ
стр. 365
وَالْعَقْرَبَ وَشِبْهَهَا وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ وَمَا يَعْدُو مِنْ الذِّئَابِ وَالسِّبَاعِ، وَنَحْوِهَا وَيَقْتُلُ مِنْ الطَّيْرِ مَا يُتَّقَى أَذَاهُ مِنْ الْغِرْبَانِ وَالْأَحْدِيَةِ فَقَطْ وَيَجْتَنِبُ فِي حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ النِّسَاءَ
وَالطِّيبَ
وَمِخْيَطَ الثِّيَابِ
وَالصَّيْدَ
وَقَتْلَ الدَّوَابِّ
وَإِلْقَاءَ التَّفَثِ
وَلَا
ــ
[الفواكه الدواني]
عَلَى كَوْنِهِ تَحَلُّلًا مَنَعُ الْوَطْءَ قَبْلَهُ وَلَوْ بَعْدَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ أَوْ الْإِفَاضَةِ.
وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَلَوْ نَسِيَتْ الْمَرْأَةُ التَّقْصِيرَ فَذَكَرَتْهُ بِبَلَدِهَا بَعْدَ سِنِينَ قَصَّرَتْ وَعَلَيْهَا دَمٌ.
[مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَمَا لَا يَحْرُمُ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ صِفَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَمَا لَا يَحْرُمُ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ مُخَالَطَةِ النِّسَاءِ وَالطِّيبِ وَلُبْسِ الثِّيَابِ أَوْ غَيْرِهَا فَقَالَ: (وَلَا بَأْسَ) : أَيْ يَجُوزُ جَوَازًا مُسْتَوَى الطَّرَفَيْنِ (أَنْ يَقْتُلَ الْمُحْرِمُ الْفَأْرَةَ) : بِالْهَمْزَةِ وَتَرْكِهِ (وَالْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ وَشَبَهَهَا) : أَيْ الْمَذْكُورَاتِ فِي الْأَذِيَّةِ مِنْ نَحْوِ ابْنِ عِرْسٍ وَالثُّعْبَانِ وَالرُّتَيْلَاءِ وَالزُّنْبُورِ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ لِاسْتِوَاءِ كُلٍّ فِي الْإِيذَاءِ.
(وَ) : كَذَا لَا بَأْسَ بِقَتْلِ (الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَ) : الْمُرَادُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ بِاتِّفَاقِ الشُّيُوخِ كُلُّ (مَا يَعْدُو مِنْ الذِّئَابِ وَالسِّبَاعِ وَنَحْوِهِمَا) : مِنْ أَسَدٍ وَفَهْدٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْكَلْبُ الْإِنْسِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى قَاتِلِهِ شَيْءٌ وَلَوْ غَيْرَ عَقُورٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الصَّيْدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشُّيُوخُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَلْبِ عَلَى مَا يَعْدُو مِنْ السِّبَاعِ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ مِنْ دُعَائِهِ ﷺ عَلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِك» فَعَدَا عَلَيْهِ الْأَسَدُ فَقَتَلَهُ، وَمَحَلُّ جَوَازِ قَتْلِ الْعَادِي مِنْ السِّبَاعِ أَنْ يَكُونَ كَبِيرًا أَيْ بَلَغَ حَدَّ الْإِيذَاءِ، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَإِنَّهُ يُكْرَهُ قَتْلُهُ وَلَا جَزَاءَ فِيهِ، وَأَمَّا نَحْوُ الْقِرْدِ وَالْخِنْزِيرِ فَلَا يَدْخُلُ فِي عَادِي السِّبَاعِ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مِنْهُ ضَرَرٌ.
(وَ) : كَذَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ (يَقْتُلَ مِنْ الطَّيْرِ مَا يُتَّقَى) : أَيْ يُخْشَى (أَذَاهُ) : وَبَيَّنَ عُمُومَ مَا يَقُولُهُ: (مِنْ الْغِرْبَانِ وَالْأَحْدِيَةِ فَقَطْ) :؛ لِأَنَّ الْغُرَابَ يُؤْذِي الدَّوَابَّ وَغَيْرَهَا، وَالْحِدَأَةُ تَخْطَفُ الْأَمْتِعَةَ، وَلِذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى قَتْلِ كَبِيرِهَا، وَجَرَى الْخِلَافُ فِي صَغِيرِهَا، فَمَنْ نَظَرَ إلَى الْحَالِ مَنَعَ، وَمِنْ نَظَرَ إلَى الْمَآلِ أَجَازَ، وَعَلَى الْمَنْعِ لَا جَزَاءَ فِي قَتْلِهَا مُرَاعَاةً لِلْجَوَازِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْإِحْلَالِ وَالْإِحْرَامِ: الْفَأْرَةُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «خَمْسُ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْحُدَيَّا» فَأَسْقَطَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْعَقْرَبَ وَزَادَ الْحَيَّةَ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ لِصِحَّةِ الْحَدِيثَيْنِ، وَتَرَدَّدَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي لَفْظِ الْغُرَابِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِالْأَبْقَعِ عَمَلًا بِالرِّوَايَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: جَوَازُ تَرْكِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ مُقَيَّدٌ بِقَصْدِ دَفْعِ أَذِيَّتِهَا بِقَتْلِهَا، وَأَمَّا قَتْلُهَا بِقَصْدِ تَذْكِيَتِهَا لِيَأْكُلَهَا أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ فَلَا يَجُوزُ وَلَا تُؤْكَلُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الطَّيْرِ مِنْ الْغِرْبَانِ وَالْأَحْدِيَةِ فَقَطْ يُوهِمُ أَنَّ غَيْرَهُمَا مِنْ الطَّيْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ كَذَلِكَ، فَكَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطَ لَفْظِ فَقَطْ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ كَلَامَهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ مِنْ نَحْوِ الْغِرْبَانِ إلَخْ، وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: كَطَيْرٍ خِيفَ إلَّا بِقَتْلِهِ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي عُمُومِ الطَّيْرِ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ عَلَى النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ حَيْثُ لَا يَنْدَفِعُ أَذَاهُ إلَّا بِقَتْلِهِ.
الثَّالِثُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: الْأَحْدِيَةُ خِلَافُ اللُّغَةِ وَالصَّوَابُ الْحِدَأَةُ بِالْهَمْزَةِ وَالْقَصْرِ وَكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ كَعِنَبَةٍ، وَالْجَمَاعَةُ حِدَأٌ بِكَسْرِ الْحَاءِ مَعَ الْهَمْزَةِ وَالْقَصْرِ.
وَفِي الْأُجْهُورِيِّ مَا يُفِيدُ جَوَازَ تَسْكِينِ الدَّالِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ تَصْوِيبِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فَهُوَ كَسِدْرَةٍ وَسِدَرٍ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ فِعْلُهُ شَرَعَ فِيمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَجْتَنِبُ) : الْمُحْرِمُ وُجُوبًا (فِي حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ النِّسَاءَ) : فَلَا يَقْرَبُهُنَّ بِجِمَاعٍ وَلَا بِمُقَدِّمَاتِهِ وَلَوْ عَلِمَ السَّلَامَةَ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَتُكْرَهُ الْمُقَدِّمَاتُ مَعَ عِلْمِ السَّلَامَةِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ يَسَارَةُ الصَّوْمِ وَعِظَمُ أَمْرِ الْحَجِّ، وَتُسْتَثْنَى قُبْلَةُ الْوَدَاعِ وَالرَّحْمَةِ.
(تَنْبِيهٌ) : بَالَغَ الْمُصَنِّفُ فِي الِاخْتِصَارِ إذْ لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ مَا إذَا جَامَعَ أَوْ تَسَبَّبَ فِي خُرُوجِ مَنِيِّهِ: وَلَمْ يُبَيِّنْ أَيْضًا كَيْفَ مَا يَفْعَلُ مَنْ أَفْسَدَ مَا هُوَ فِيهِ، وَمُحَصِّلُهُ إنْ جَامَعَ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ أَوْ اسْتَدْعَى الْمَنِيَّ حَتَّى خَرَجَ وَلَوْ بِنَظَرٍ سَوَاءٌ فَعَلَ مَا ذُكِرَ عَالِمًا بِإِحْرَامِهِ أَوْ نَاسِيًا عَالِمًا بِالْحُكْمِ أَوْ جَاهِلًا، جَامَعَ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، أَنْزَلَ أَمْ لَا، كَانَ الْجِمَاعُ مُوجِبًا لِلْغُسْلِ أَمْ لَا، فَيَفْسُدُ حَجُّ الْفَاعِلِ، وَلَوْ الصَّبِيَّ بِوَطْئِهِ، ذَكَرَ ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَلِي فِي ذَلِكَ بَحْثٌ، إذْ كَيْفَ يَفْسُدُ حَجُّهُ بِوَطْئِهِ وَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ؟ وَيُشْتَرَطُ فِي حُصُولِ الْفَسَادِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ إنْ كَانَ بِغَيْرِ لَمْسٍ الِاسْتِدَامَةُ بِأَنْ كَانَ بِالنَّظَرِ أَوْ الْفِكْرِ، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ بِقُبْلَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ اللَّمْسِ فَيَفْسُدُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الْخَارِجُ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ أَوْ الْفِكْرِ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ فَسَادٌ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْهَدْيَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ الْحَجُّ بِمَا ذُكِرَ إلَّا إذَا وَقَعَ الْمُفْسِدُ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مُطْلَقًا أَيْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ أَوْ لَا، أَوْ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِشَرْطِ أَنْ يَقَعَ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَقَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ، أَوْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ يَوْمُ
стр. 366
يُغَطِّي رَأْسَهُ فِي الْإِحْرَامِ وَلَا يَحْلِقُهُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ ثُمَّ يَفْتَدِي بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ لِكُلِّ
ــ
[الفواكه الدواني]
الْوُقُوفِ، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَلَوْ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ أَوْ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ: وَلَوْ قَبْلَ الرَّمْيِ لِلْعَقَبَةِ أَوْ بَعْدَهَا يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُمَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَلَا فَسَادَ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ هَدْيٌ، وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا عُمْرَةٌ إنْ وَقَعَ قَبْلَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَيَأْتِي بِهَا بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى لِيَأْتِيَ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ لَا ثَلْمَ فِيهِمَا، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَإِنْ حَصَلَ الْمُفْسِدُ قَبْلَ تَمَامِ سَعْيِهَا وَلَوْ بِشَرْطٍ فَسَدَتْ وَيَجِبُ قَضَاؤُهَا بَعْدَ إتْمَامِهَا؛ لِأَنَّ مَا فَسَدَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ بَعْدَ تَمَامِ سَعْيِهَا وَقَبْلَ حِلَاقِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَى الْهَدْيِ، وَإِذَا فَسَدَ الْحَجُّ أَوْ الْعُمْرَةُ وَجَبَ إتْمَامُهُمَا وَقَضَاؤُهُمَا، وَإِنَّمَا يَجِبُ إتْمَامُ الْحَجِّ الْفَاسِدِ حَيْثُ تَمَكَّنَ مِنْ الْوُقُوفِ عَامَ الْفَسَادِ وَإِلَّا تَحَلَّلَ مِنْهُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ.
(وَ) : يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَلَوْ أُنْثَى اجْتِنَابُ (الطِّيبِ) : الْمُؤَنَّثِ وَهُوَ مَا يَظْهَرُ رِيحُهُ وَأَثَرُهُ بِالْبَدَنِ أَوْ بِالثَّوْبِ كَالْوَرْسِ وَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ، فَلَوْ لَمْ يَجْتَنِبْ الطِّيبَ الْمُحَرَّمَ عَلَيْهِ بِأَنْ مَسَّهُ وَجَبَ الْفِدْيَةُ وَلَوْ أَزَالَهُ سَرِيعًا وَلَوْ لَمْ يَعْلَقْ أَوْ كَانَ فِي طَعَامٍ حَيْثُ لَمْ يُمِتْهُ الطَّبْخُ، بِخِلَافِ مُذَكَّرِ الطِّيبِ وَهُوَ مَا يَظْهَرُ رِيحُهُ وَيَخْفَى أَثَرُهُ كَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ مَسُّهُ وَلَا فِدْيَةَ، وَأَمَّا حَمْلُهُ فِي قَارُورَةٍ مَسْدُودَةٍ أَوْ أَكْلُهُ مَطْبُوخًا فِي طَعَامٍ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَلَوْ صَبَغَ الْفَمَ، وَاسْتَثْنَى أَهْلُ الْمَذْهَبِ الْبَاقِيَ مِمَّا قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَالْمُصِيبُ مِنْ إلْقَاءِ الرِّيحِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمُصِيبُ مِنْ خَلُوقِ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ فِيهِ وَلَا فِدْيَةَ حَيْثُ كَانَ يَسِيرًا، وَأَمَّا كَثِيرُهُ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ إلَّا أَنْ يَنْزِعَهُ سَرِيعًا.
(وَ) : كَذَا يَجِبُ عَلَى الذَّكَرِ أَنْ يَجْتَنِبَ فِي إحْرَامِهِ لُبْسَ (مَخِيطِ) : أَوْ مُحِيطِ (الثِّيَابِ) وَلَوْ بِنَسْجٍ أَوْ زِرٍّ أَوْ عَقْدٍ لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ ﷺ : لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَيَلْبَسَ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبِسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانُ وَلَا وَرْسُ» وَقَيَّدْنَا بِالذَّكَرِ لِإِخْرَاجِ الْأُنْثَى فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا.
(وَ) : كَذَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ اجْتِنَابُ (الصَّيْدَ) وَهُوَ الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ وَلَوْ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَلَوْ مُتَأَنِّسًا فَرْخًا أَوْ بَيْضًا سِوَى مَا تَقَدَّمَ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ الْفَوَاسِقِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] أَيْ مُحْرِمِينَ أَوْ فِي الْحَرَمِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحُرِّمَ بِهِ وَبِالْحَرَمِ مِنْ نَحْوِ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةَ أَمْيَالٍ أَوْ خَمْسَةً لِلتَّنْعِيمِ، وَمِنْ الْعِرَاقِ ثَمَانِيَةَ لِلْمُنْقَطِعِ، وَمِنْ عَرَفَةَ تِسْعَةً، وَمِنْ جُدَّةَ عَشْرَةَ لِآخِرِ الْحُدَيْبِيَةِ، إلَى قَوْلِهِ: تَعَرُّضُ بَرِّيٍّ وَإِنْ تَأَنَّسَ أَوْ لَمْ يُؤْكَلْ أَوْ طَيْرُ مَاءٍ أَوْ جُزْءٌ وَلْيُرْسِلْهُ بِيَدِهِ أَوْ رُفْقَتِهِ وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ فَلَا يُسْتَحْدَثُ مِلْكُهُ وَلَا يَقْبَلْهُ وَدِيعَةً مِنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا الْبَحْرِيُّ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ لِلْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُحْرِمَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّعَرُّضُ لِصَيْدِ الْبَرِّ وَلَوْ فِي الْحِلِّ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى كُلِّ مَنْ فِي الْحَرَمِ التَّعَرُّضُ لَهُ وَلَوْ حَلَالًا، وَمَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ صِيدَ لَهُ مَيْتَةً يَحْرُمُ أَكْلُهُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ.
(وَ) : كَذَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُحْرِمٍ اجْتِنَابُ جَمِيعِ (قَتْلَ الدَّوَابِّ) كَالْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ وَالْبَعُوضِ، فَإِنْ قَتَلَ شَيْئًا مِنْهَا لَزِمَهُ إطْعَامُ حُفْنَةٍ مِنْ طَعَامٍ وَهِيَ مِلْءُ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ، إلَّا أَنْ يَكْثُرَ مَا قَتَلَهُ بِأَنْ يَزِيدَ عَلَى الْعَشَرَةِ وَمَا قَارَبَهَا فَتَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ، وَمَفْهُومُ الْقَتْلِ لَوْ طَرَحَ شَيْئًا مِنْ الدَّوَابِّ مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ: فَإِنْ كَانَ قَمْلًا أَوْ قُرَادًا مِمَّا لَا يَعِيشُ فِي طَرْحِهِ فَكَالْقَتْلِ فَيَلْزَمُهُ حُفْنَةٌ فِي قَلِيلِهِ وَفِدْيَةٌ فِي كَثِيرِهِ، وَأَمَّا طَرْحُ نَحْوِ الْعَلَقَةِ وَالْبُرْغُوثِ مِمَّا يَعِيشُ فِي الْأَرْضِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ
. (وَ) : كَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ اجْتِنَابُ (إلْقَاءَ) : أَيْ إزَالَةَ (التَّفَثِ) بِالْمُثَلَّثَةِ أَيْ الْوَسَخِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَا يَقُصُّ أَظْفَارَهُ لِغَيْرِ كَسْرٍ وَلَا يَغْتَسِلُ وَلَا يُتَدَلَّكُ لِغَيْرِ جَنَابَةٍ وَلَا يَنْتِفُ إبْطَهُ وَلَا يَحْلِقُ عَانَتَهُ، فَإِنْ أَزَالَ شَيْئًا مِنْ شَعْرِهِ أَطْعَمَ حُفْنَةً إذَا كَانَ الْمُزَالُ شَيْئًا قَلِيلًا كَعَشْرِ شَعَرَاتٍ وَمَا قَارَبَهَا حَيْثُ أَزَالَهَا لَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى، وَإِلَّا بِأَنْ زَادَ الْمُزَالُ عَلَى الْعَشَرَةِ وَمَا قَارَبَهَا أَوْ كَانَتْ الْإِزَالَةُ لِإِمَاطَةِ الْأَذَى فَتَجِبُ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ فِي فِعْلِ كُلِّ مَا يُتَرَفَّهُ بِهِ أَوْ يُزِيلُ أَذًى.
١ -
(تَنْبِيهٌ) : يُسْتَثْنَى مِمَّا ذُكِرَ إزَالَةُ الشَّعْرِ عِنْدَ الْوُضُوءِ أَوْ الرُّكُوبِ وَقَتْلُ بَعْضِ الدَّوَابِّ وَإِزَالَةُ الْأَوْسَاخِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَقَلْمُ الظُّفْرِ الْمَكْسُورِ: حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى مَحَلِّ الْكَسْرِ، وَمِثْلُ الْوَاحِدِ الِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لَا شَيْءَ فِيهَا، وَأَمَّا قَلْمُهُ لِغَيْرِ كَسْرٍ فَإِنْ قَلَمَهُ لَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى فَفِيهِ فِدْيَةٌ وَإِلَّا فَحُقْنَةٌ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْوَاحِدِ، وَأَمَّا مَا زَادَ فَفِي قَلْمِهِ الْفِدْيَةُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا قَلْمُ ظُفْرِ الْغَيْرِ فَلَغْوٌ
. (وَ) : كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ اجْتِنَابُ مَا سَبَقَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (لَا يُغَطِّيَ رَأْسَهُ فِي) حَالِ (الْإِحْرَامِ) إنْ كَانَ رَجُلًا، فَإِنْ غَطَّى وَجْهَهُ أَوْ رَأْسَهُ وَلَوْ بِطِينٍ كُلًّا أَوْ بَعْضًا افْتَدَى لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ إحْرَامَ الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ.
(وَ) : كَمَا لَا يُغَطِّي رَأْسَهُ (لَا يَحْلِقُهُ) : اسْتِبْقَاءً لِلشَّعَثِ (إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ) : تَلْحَقُهُ فِي حَالِ إحْرَامِهِ فَيَجُوزُ لَهُ فِعْلُ مَا يُزِيلُ ضَرُورَتَهُ مِنْ تَغْطِيَةِ رَأْسِهِ أَوْ حَلْقِهِ. (ثُمَّ يَفْتَدِي بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) : وَلَوْ مُتَفَرِّقَةً؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ إنَّمَا تُسْقِطُ الْإِثْمَ. (أَوْ إطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ) : أَحْرَارٍ
стр. 367
مِسْكِينٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ يَنْسُكُ بِشَاةٍ يَذْبَحُهَا حَيْثُ شَاءَ مِنْ الْبِلَادِ
وَتَلْبَسُ الْمَرْأَةُ الْخُفَّيْنِ وَالثِّيَابَ فِي إحْرَامِهَا وَتَجْتَنِبُ مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الرَّجُلُ وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا
وَإِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ
وَلَا يَلْبَسُ الرَّجُلُ الْخُفَّيْنِ فِي الْإِحْرَامِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ
وَالْإِفْرَادُ بِالْحَجِّ أَفْضَلُ عِنْدَنَا مِنْ
ــ
[الفواكه الدواني]
مُسْلِمِينَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ (مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ) : وَهُمَا نِصْفُ صَاعٍ يَكُونَانِ مِنْ غَالِبِ الْقُوتِ (أَوْ يَنْسُكُ) : أَيْ يَفْتَدِي (بِشَاةٍ) : فَأَعْلَى؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ كَالضَّحِيَّةِ الْأَفْضَلُ فِيهَا طِيبُ اللَّحْمِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ (يَذْبَحَهَا حَيْثُ شَاءَ مِنْ الْبِلَادِ) : قَالَ خَلِيلٌ: الْفِدْيَةُ فِيمَا يُتَرَفَّهُ بِهِ أَوْ يُزِيلُ أَذًى كَقَصِّ الشَّارِبِ وَظُفْرٍ وَقَتْلِ قَمْلٍ كَثُرَ وَخَضْبٍ بِكَحِنَّاءٍ وَإِنْ رُقْعَةً إنْ كَبُرَتْ وَاتَّحَدَتْ إنْ ظَنَّ الْإِبَاحَةَ وَتَعَدَّدَ مُوجِبُهَا بِفَوْرٍ أَوْ نَوَى التَّكْرَارَ أَوْ قَدَّمَ الثَّوْبَ عَلَى السَّرَاوِيلِ، وَشَرْطُهَا فِي اللُّبْسِ انْتِفَاعٌ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ إنْ نَزَعَ الثَّوْبَ مَكَانَ اللُّبْسِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] الْآيَةَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فَلْيَفْعَلْ مَا يُزِيلُ أَذَاهُ وَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْفِدْيَةَ تَجِبُ مَعَ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُسْقِطْ إلَّا الْإِثْمَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْفِدْيَةَ مُخَيَّرَةٌ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ كَمَا يَأْتِي.
الثَّانِي: عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّ إخْرَاجَهَا لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَمْ تَخْتَصَّ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالذَّبْحِ الْهَدْيَ بِأَنْ يُقَلِّدَهُ أَوْ يُشْعِرَهُ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْهَدْيِ يُذَكِّيهِ بِمِنًى إنْ سَاقَهُ فِي إحْرَامِ حَجٍّ وَوَقَفَ بِهِ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ جُزْءًا مِنْ اللَّيْلِ وَإِلَّا فَمَكَّةُ، وَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ فَمَحَلُّهُ مِنًى أَوْ مَكَّةَ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ.
الثَّالِثُ: عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِإِطْعَامِ بِمَعْنَى تَمْلِيكٍ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْفِدْيَةِ الْغَدَاءُ وَالْعَشَاءُ إلَّا أَنْ يَسْتَوْفِيَ كُلُّ مِسْكِينٍ مُدَّيْنِ وَلَوْ فِي غَدَاءٍ أَوْ عَشَاءٍ
. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ سَتْرُهُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَمَا لَا يَحْرُمُ بِقَوْلِهِ: (وَتَلْبَسُ الْمَرْأَةُ) : وَكَذَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ (الْخُفَّيْنِ) : وَلَوْ مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ. (وَالثِّيَابَ) : وَالْحُلِيَّ (فِي) : حَالِ (إحْرَامِهَا) : بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ (وَ) : يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ (تَجْتَنِبَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الرَّجُلُ) : مِنْ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ وَإِلْقَاءِ التَّفَثِ وَمَسِّ الطِّيبِ وَالتَّعَرُّضِ لِلصَّيْدِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَرْأَةَ كَالرَّجُلِ فِي كُلِّ مَا يَجْتَنِبُهُ فِي الْإِحْرَامِ، سِوَى لُبْسِ الْمِخْيَطِ وَالْمُحِيطِ وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ وَلُبْسِ الْخُفَّيْنِ مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ، وَسِوَى رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وَالرَّمَلِ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَالْخَبَبِ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالْإِسْرَاعِ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ وَحَلْقِ الرَّأْسِ.
(وَ) : اعْلَمْ أَنَّ (إحْرَامَ الْمَرْأَةِ) : حُرَّةً أَوْ أَمَةً وَكَذَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ (فِي وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا) : وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ أَثَرَ الْإِحْرَامِ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحَرُمَ بِالْإِحْرَامِ عَلَى الْمَرْأَةِ لُبْسُ قُفَّازٍ وَسَتْرُ وَجْهٍ إلَّا لِسَتْرٍ بِلَا غَرْزٍ وَلَا رَبْطٍ فَلَا تَلْبَسُ نَحْوَ الْقُفَّازِ، وَأَمَّا الْخَاتَمُ فَيَجُوزُ لَهَا لُبْسُهُ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْحُلِيِّ، وَلَا تَلْبَسُ نَحْوَ الْبُرْقُعِ وَلَا اللِّثَامِ إلَّا أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يُخْشَى مِنْهَا الْفِتْنَةُ فَيَجِبُ عَلَيْهَا السَّتْرُ بِأَنْ تُسْدِلَ شَيْئًا عَلَى وَجْهِهَا مِنْ غَيْرِ غَرْزٍ وَلَا رَبْطٍ، فَإِنْ فَعَلَتْ شَيْئًا مِمَّا نُهِيَتْ عَنْهُ بِأَنْ لَبِسَتْ نَحْوَ الْقُفَّازَيْنِ أَوْ سَتَرَتْ وَجْهَهَا وَلَوْ بِطِينٍ لِغَيْرِ سَتْرٍ بَلْ فَعَلْته تَرَفُّهًا، أَوْ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ لِأَجْلِ السَّتْرِ لَكِنْ مَعَ الْغَرْزِ أَوْ الرَّبْطِ لَزِمَتْهَا الْفِدْيَةُ، وَأَمَّا سَتْرُ الْكَفَّيْنِ بِغَيْرِ نَحْوِ الْقُفَّازَيْنِ مِمَّا لَيْسَ مُعَدًّا لِسَتْرِهِمَا فَلَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ تَجْرِيدَهُمَا مِنْ غَيْرِ نَحْوِ الْقُفَّازَيْنِ مَنْدُوبٌ، وَالْقُفَّازُ كَرُمَّانٍ مَا يُعْمَلُ عَلَى صِفَةِ الْكَفِّ مِنْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ وَنَحْوِهِ لِيَقِيَ الْكَفَّ الشَّعَثَ.
(وَإِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ) : وَالْمَعْنَى: أَنَّ أَثَرَ إحْرَامِ الرَّجُلِ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ سَتْرُهُمَا بِكُلِّ شَيْءٍ وَلَوْ طِينًا قَالَ خَلِيلٌ: بِالْعَطْفِ عَلَى مَا يَحْرُمُ وَسَتْرُ وَجْهِهِ أَوْ رَأْسٍ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا كَطِينٍ، فَإِنْ سَتَرَ وَجْهَهُ أَوْ رَأْسَهُ أَوْ بَعْضَ أَحَدِهِمَا وَانْتَفَعَ بِهِ افْتَدَى، وَلَوْ فَعَلَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُضْطَرًّا، إلَّا إنْ أَزَالَ السَّاتِرَ سَرِيعًا: فَلَا فِدْيَةَ؛ لِأَنَّ شَرْطَهَا فِي اللُّبْسِ الِانْتِفَاعُ مِنْ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ التَّعْمِيمِ حَمْلُ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى رَأْسِهِ: كَخُرْجِهِ وَجِرَابِهِ لِغَيْرِ تِجَارَةٍ أَوْ لَهَا لِتَمَعُّشِهِ وَإِلَّا افْتَدَى؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ مَا حَرُمَ فِيهِ الْفِدْيَةُ إلَّا حَمْلَ السَّيْفِ فِي رَقَبَتِهِ بِلَا عُذْرٍ فَيَحْرُمُ وَلَا فِدْيَةَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا فِدْيَةَ فِي سَيْفٍ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ مِنْ الرَّجُلِ فَلَا يَحْرُمُ سَتْرُهُ إلَّا بِالْمَخِيطِ، فَيَجُوزُ لَهُ الِاتِّزَارُ بِالْحِرَامِ وَالِارْتِدَاءُ بِالدَّلَقِ، وَلَا يَضُرُّ مَا فِيهِ مِنْ الْخِيَاطَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُحِيطًا بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَعْقِدَ طَرَفَيْهِ وَلَا يَغْرِزَهُمَا
، وَلَمَّا كَانَ الْمُحْرِمُ عَلَيْهِ فِي بَقِيَّةِ جَسَدِهِ إنَّمَا هُوَ الْمُحِيطُ قَالَ: (وَلَا يَلْبَسُ الرَّجُلُ الْخُفَّيْنِ فِي الْإِحْرَامِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ) : أَوْ يَجِدَهُمَا لَكِنْ بِثَمَنٍ زَائِدٍ عَلَى الْمُعْتَادِ (فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ) : قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ خُفٌّ قُطِعَ أَسْفَلَ مِنْ كَعْبٍ لِفَقْدِ نَعْلٍ أَوْ غُلُوِّهِ فَاحِشًا بِأَنْ يَزِيدَ عَلَى الثَّمَنِ الْمُعْتَادِ الثُّلُثُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْقَطْعِ مِنْهُ أَوْ مِنْ بَائِعِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ الْقَطْعِ ثَنِيَّةُ أَسْفَلَ
стр. 368
التَّمَتُّعِ وَمِنْ الْقِرَانِ
فَمَنْ قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ يَذْبَحُهُ أَوْ يَنْحَرُهُ بِمِنًى إنْ أَوْقَفَهُ بِعَرَفَةَ وَإِنْ لَمْ يُوقِفْهُ بِعَرَفَةَ فَلْيَنْحَرْهُ بِمَكَّةَ بِالْمَرْوَةِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ بِهِ مِنْ الْحِلِّ
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ يَعْنِي مِنْ وَقْتِ
ــ
[الفواكه الدواني]
مِنْ كَعْبٍ وَلَا فِدْيَةَ فِي لُبْسِهِمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، بِخِلَافِ لُبْسِهِمَا لِمَرَضٍ أَوْ دَوَا: فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَلَوْ قَطَعَهُمَا أَوْ ثَنَاهُمَا.
(تَنْبِيهٌ) : إذَا عَلِمْت مَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ لَك أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: إحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَإِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ إحْرَامَ الرَّجُلِ فِي جَمِيعِ جَسَدِهِ لَا فِي خُصُوصِ وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ، وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَعَلُّقُ الْإِحْرَامِ بِالْوَجْهِ وَالرَّأْسِ أَشَدَّ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِبَقِيَّةِ الْجَسَدِ إذْ يَحْرُمُ سَتْرُهُمَا بِكُلِّ سَاتِرٍ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْجَسَدِ، إنَّمَا يَحْرُمُ سَتْرُهُ بِالْمُحِيطِ جَعَلَ إحْرَامَهُ مُخْتَصًّا بِوَجْهِهِ وَرَأْسِهِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ إحْرَامَ الرَّجُلِ عَلَى قِسْمَيْنِ: خَاصٍّ وَعَامٍّ، فَالْخَاصُّ هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِبَعْضِ الْأَعْضَاءِ، وَالْعَامُّ هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِجَمِيعِ أَعْضَائِهِ، وَالْمَرْأَةُ إنَّمَا لَهَا إحْرَامٌ خَاصٌّ فَقَطْ، وَالْمُنْقَسِمُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إنَّمَا هُوَ الْخَاصُّ الْمُتَعَلِّقُ بِبَعْضِ الْأَعْضَاءِ
١ -
(تَنْبِيهٌ آخَرُ) : لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا إذَا فَعَلَ الْمُحْرِمُ شَيْئًا مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ وَمُحَصِّلُهُ أَنَّهُ يَفْتَدِي وَلَوْ لَبِسَ جَمِيعَ ثِيَابِهِ، وَكَذَا تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ وَلَوْ لَبِسَ جَمِيعَ ثِيَابِهِ لِضَرُورَةٍ، وَتَتَّحِدُ إنْ ظَنَّ الْإِبَاحَةَ أَوْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهَا بِفَوْرٍ أَوْ نَوَى التَّكْرَارَ أَوْ قَدَّمَ الثَّوْبَ عَلَى السَّرَاوِيلِ وَإِلَّا تَعَدَّدَتْ، وَشَرْطُهَا فِي اللُّبْسِ الِانْتِفَاعُ مِنْ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ، وَأَمَّا لَوْ نَزَعَ مَا لَبِسَهُ قَبْلَ انْتِفَاعِهِ بِهِ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا غَيْرُ اللُّبْسِ كَمَسِّ الطِّيبِ أَوْ حَلْقِ الشَّعْرِ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ شَيْءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[أَفْضَل أَنْوَاع الْحَجّ]
وَلَمَّا كَانَ فِعْلُ الْحَجِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ بَيَّنَ الْأَفْضَلَ مِنْهَا: بِقَوْلِهِ: (وَالْإِفْرَادُ بِالْحَجِّ أَفْضَلُ عِنْدَنَا) : مَعَاشِرَ الْمَالِكِيَّةِ (مِنْ التَّمَتُّعِ وَمِنْ الْقِرَانِ) : وَصِفَةُ الْإِحْرَامِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، ثُمَّ إذَا فَرَغَ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَ الْعُمْرَةَ؛ لِأَنَّ الْإِفْرَادَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عُمْرَةٍ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، بِخِلَافِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ فَلَا بُدَّ فِي تَحَقُّقِهِمَا مِنْ فِعْلِ عُمْرَةٍ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ حَقِيقَةِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُقَدِّمَ بَيَانَ صِفَتِهَا عَلَى صِفَةِ الْإِحْرَامِ تَحَاشِيًا عَنْ تَقْدِيمِ التَّصْدِيقِ عَلَى التَّصَوُّرِ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ عَلَى الْإِفْرَادِ بِالْأَفْضَلِيَّةِ وَعَلَى التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ بالمفضولية قَبْلَ بَيَانِهِمَا، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الَّذِي فِي كَلَامِهِ إنَّمَا هُوَ تَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى التَّصْوِيرِ لَا عَلَى التَّصَوُّرِ وَالْمَمْنُوعُ الثَّانِي فَقَطْ، وَإِنَّمَا كَانَ الْإِفْرَادُ أَفْضَلَ لِمَا فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ إنَّمَا حَجَّ مُفْرِدًا» وَاتَّصَلَ عَمَلُ الْخُلَفَاءِ وَالْأَئِمَّةِ بِذَلِكَ، فَقَدْ أَفْرَدَ الصِّدِّيقُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَعُمَرُ بَعْدَهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَعُثْمَانُ بَعْدَهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَيْضًا حَجُّ الْإِفْرَادِ لَا هَدْيَ فِيهِ، بِخِلَافِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْهَدْيُ يَنْشَأُ عَنْ النَّقْصِ، وَمَا جَاءَ مِنْ «أَنَّهُ ﷺ قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ» فَأَجَابَ عَنْهُ الْإِمَامُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ أَمَرَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ بِالْقِرَانِ وَأَمَرَ بَعْضًا بِالتَّمَتُّعِ، فَنُسِبَ ذَلِكَ إلَيْهِ عَنْ طَرِيقِ الْمَجَازِ، وَلَمْ يُعْلَمْ بِذَلِكَ هَلْ الْأَفْضَلُ الْقِرَانُ أَوْ التَّمَتُّعُ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ إفْرَادٌ ثُمَّ قِرَانٌ ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ مَفْضُولِيَّةِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ بِقَوْلِهِ:
(فَمَنْ قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ) : الْمُقِيمِينَ بِهَا وَقْتَ الْإِحْرَامِ (فَعَلَيْهِ هَدْيٌ) : قَالَ خَلِيلٌ: وَشَرْطُ دَمِهَا عَدَمُ إقَامَةٍ بِمَكَّةَ أَوْ ذِي طُوًى وَقْتَ فِعْلِهِمَا وَإِنْ بِانْقِطَاعٍ بِهَا أَوْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمُقِيمَ بِمَكَّةَ أَوْ مَا فِي حُكْمِهَا لَا يَلْزَمُهُ قِرَانٌ وَلَا تَمَتُّعٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَحَلَّ تَزْكِيَةِ الْهَدْيِ بِقَوْلِهِ: (يَذْبَحُهُ أَوْ يَنْحَرُهُ بِمِنًى) : وَكُلُّهَا تَصِحُّ الزَّكَاةُ فِيهَا إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى، وَلَا يَجُوزُ دُونَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِمَّا يَلِي مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِنًى وَشَرْطُ ذَبْحِهِ أَوْ نَحْرِهِ بِمِنًى (إنْ أَوْقَفَهُ بِعَرَفَةَ) : هُوَ أَوْ نَائِبُهُ بِإِذْنِهِ سَاعَةَ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَبَقِيَ شَرْطَانِ آخَرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَسُوقًا فِي إحْرَامِ حَجٍّ وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ فِي عُمْرَةٍ أَوْ كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ جَزَاءَ صَيْدٍ، وَثَانِيهِمَا أَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ فِي أَيَّامِ مِنًى فَتَخَلَّصَ أَنَّ الشُّرُوطَ ثَلَاثَةٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالنَّحْرُ بِمِنًى إنْ كَانَ فِي حَجٍّ وَوَقَفَ بِهِ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ كَهُوَ بِأَيَّامِهَا.
(وَ) : مَفْهُومُ كَلَامِهِ (إنْ لَمْ يُوقِفْهُ بِعَرَفَةَ) : أَوْ كَانَ غَيْرَ مَسُوقٍ فِي إحْرَامِ حَجٍّ أَوْ كَانَ بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى (فَلْيَنْحَرْهُ) : أَوْ يَذْبَحْهُ (بِمَكَّةَ) : وَالْمُرَادُ الْبَلَدُ وَمَا يَلِيهَا مِنْ مَنَازِلِ النَّاسِ وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَكُونَ (بِالْمَرْوَةِ) : لِقَوْلِهِ ﷺ عِنْدَ الْمَرْوَةِ: «هَذَا الْمَنْحَرُ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ وَطُرُقِهَا مَنْحَرٌ» . فَإِنْ نَحَرَ خَارِجًا عَنْ بُيُوتِهَا فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ وَلَوْ بِلَوَاحِقِهَا، فَقَدْ نَصَّ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الذَّبْحُ أَوْ النَّحْرُ بِذِي طُوًى، وَلَمَّا كَانَ الْهَدْيُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ قَالَ: فِيمَا يُذْبَحُ بِمَكَّةَ وَقَدْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْحَرَمِ (بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ بِهِ مِنْ الْحِلِّ) : وَأَمَّا لَوْ كَانَ قَدْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْحِلِّ فَالْجَمْعُ حَاصِلٌ فِيهِ قَطْعًا، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بَيْنَ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ وَالتَّطَوُّعِ.
١ -
(تَنْبِيهَانِ) : الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ تَذْكِيَةِ الْهَدْيِ فِي مِنًى مَعَ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ مَا إذَا
стр. 369
يُحْرِمُ إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ فَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ صَامَ أَيَّامَ مِنًى وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ
وَصِفَةُ التَّمَتُّعِ أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ يَحِلَّ مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ عَامِهِ قَبْلَ الرُّجُوعِ إلَى أُفُقِهِ أَوْ إلَى مِثْلِ أُفُقِهِ فِي الْبُعْدِ وَلِهَذَا أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مَكَّةَ إنْ كَانَ بِهَا وَلَا يُحْرِمُ
ــ
[الفواكه الدواني]
خَالَفَ الْمَطْلُوبَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا يُفِيدُ أَنَّ ذَكَاتَهُ فِي مِنًى مَعَ الشُّرُوطِ فِيهَا قَوْلَانِ بِالْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَعَلَى كِلَيْهِمَا لَوْ خَالَفَ وَذَبْحُهُ أَوْ نَحْرُهُ فِي مَكَّةَ مَعَ الشُّرُوطِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ذَبَحَ أَوْ نَحَرَ فِي مِنًى مَا يُطْلَبُ ذَبْحُهُ أَوْ نَحْرُهُ فِي مَكَّةَ.
١ -
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا سِنَّ الْهَدْيِ ولَا مَا الْأَفْضَلُ فِيهِ، وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَسِنُّ الْجَمِيعِ وَعَيْبُهُ كَالضَّحِيَّةِ وَالْمُعْتَبَرُ السَّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ الْمَانِعَةِ الْإِجْزَاءِ وَقْتَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ، فَلَا يَضُرُّ الْعَيْبُ الطَّارِئُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخِلَافِ لَوْ قَلَّدَ أَوْ أَشْعَرَ مَعِيبًا فَلَا يُجْزِئُ وَلَوْ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ وَمِنْهُ النَّذْرُ الْمَضْمُونُ، وَأَمَّا الْمُتَطَوِّعُ بِهِ وَمِثْلُهُ الْمَنْذُورُ الْمُعَيَّنُ فَهَذَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ بِتَقْلِيدِهِ وَلَوْ مَعِيبًا بِعَيْبٍ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، رَاجِعْ الْأُجْهُورِيَّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَالنَّهَارُ شَرْطٌ فِي ذَكَاةِ الْهَدْيِ كَالضَّحِيَّةِ أَيْضًا فَلَا تُجْزِئُ ذَكَاتُهُ لَيْلًا، وَالْأَفْضَلُ فِي الْهَدْيِ مَا كَثُرَ لَحْمُهُ، فَالْأَفْضَلُ الْإِبِلُ وَيَلِيهَا الْبَقَرُ وَأَدْنَاهَا الْغَنَمُ،
وَلَمَّا كَانَ غَيْرُ الْفِدْيَةِ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ مُرَتَّبًا قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) : مَنْ حَصَلَ مِنْهُ نَقْصٌ فِي حَجِّهِ (هَدْيًا) وَلَوْ يَتَسَلَّفُ ثَمَنَهُ مِنْ الْغَيْرِ (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) : قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَبَيَّنَ دُخُولَ وَقْتِهَا بِقَوْلِهِ: (يَعْنِي) : أَيْ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ الشَّارِعُ أَوْ الْإِمَامُ مَالِكٍ أَيْ يُرِيدُ أَنَّهُ يَدْخُلُ زَمَنُ صَوْمِهَا (مِنْ وَقْتِ يُحْرِمُ إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ) : وَالْمَعْنَى: أَنَّ النَّقْصَ الْمُوجِبَ لِلْهَدْيِ إنْ كَانَ سَابِقًا عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ زَمَنَ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ مِنْ إحْرَامِهِ وَيَمْتَدُّ إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَصُومَهُ. (فَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ) : أَيْ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَجِّ (صَامَ أَيَّامَ مِنًى) : وَهِيَ ثَانِي الْعِيدِ وَثَالِثُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصَامَ أَيَّامَ مِنًى بِنَقْصٍ فِي حَجٍّ إنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْوُقُوفِ، وَحُكْمُ تَأْخِيرِ الثَّلَاثَةِ إلَى أَيَّامِ مِنًى الْحُرْمَةُ إنْ أَخَّرَهَا عَمْدًا وَعَدَمُهَا إنْ أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ (وَ) : صِيَامُ (سَبْعَةِ) : أَيَّامٍ أَيْ بَقِيَّةِ الْعَشَرَةِ (إذَا رَجَعَ) : مِنْ مِنًى الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَفَسَّرَهُ مَالِكٌ بِالرُّجُوعِ مِنْ مِنًى، وَالْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الرَّمْيِ لِيَشْمَلَ أَهْلَ مِنًى أَوْ مَنْ أَقَامَ بِهَا، فَلَوْ قَدَّمَ السَّبْعَةَ عَلَى وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ لَمْ تُجْزِهِ، وَكَذَا لَوْ صَامَ شَيْئًا مِنْ السَّبْعَةِ بِمِنًى؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ شَرْطٌ فِي صَوْمِهَا، وَإِذَا صَامَ الْعَشَرَةَ قَبْلَ رُجُوعِهِ: فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجْتَزِئُ مِنْهَا بِثَلَاثَةٍ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُتَرَتِّبَ مِنْ الدِّمَاءِ إنْ كَانَ لِنَقْصٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَإِنَّهُ يُسَمَّى هَدْيًا وَهُوَ مُرَتَّبٌ، فَلَا يَصُومُ الْعَشَرَةَ أَيَّامٍ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْهَدْيِ، وَلَا يَصِحُّ الْإِطْعَامُ فِي الْهَدْيِ بِخِلَافِ الْفِدْيَةِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ:. الثَّانِي: عُلِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: مِنْ وَقْتِ يُحْرِمُ أَنَّ النَّقْصَ الْمُوجِبَ لِلْهَدْيِ سَابِقٌ عَلَى الْوُقُوفِ كَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ أَوْ تَعَدِّي الْمِيقَاتِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِيمَا سَبَقَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْوُقُوفِ أَوْ كَانَ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ كَتَرْكِ الْوُقُوفِ نَهَارًا أَوْ تَرْكِ النُّزُولِ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَوْ الْبَيَاتِ بِمِنًى فَإِنَّهُ يَصُومُ الْعَشَرَةَ أَيَّامٍ مَتَى شَاءَ، كَمَا أَنَّهُ يَصُومُ الثَّلَاثَةَ مَتَى شَاءَ إذَا لَمْ يَصُمْهَا فِي أَيَّامِ مِنًى.
١ -
الثَّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ مَا إذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ لِلْعَجْزِ عَنْ الْهَدْيِ ثُمَّ أَيْسَرَ، وَمُحَصِّلُهُ: إنْ أَيْسَرَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ وَقَبْلَ إكْمَالِ الْيَوْمِ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِلْهَدْيِ، وَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَ إتْمَامِ الْيَوْمِ وَقَبْلَ كَمَالِ الثَّالِثِ يُسْتَحَبُّ لَهُ الرُّجُوعُ، وَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَ إتْمَامِ الثَّالِثِ لَا يُنْدَبُ لَهُ الرُّجُوعُ بَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّمَادِي عَلَى الصَّوْمِ وَالرُّجُوعُ، وَهَذَا فِيمَنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ عِنْدَ تَيَقُّنِ الْعَجْزِ عَنْ الْهَدْيِ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا
. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَتِهِمَا فَقَالَ: (وَصِفَةُ التَّمَتُّعِ أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ) : فَقَطْ وَلَوْ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ (ثُمَّ يَحِلُّ مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ عَامِهِ) : بِأَنْ يَحُجَّ (قَبْلَ الرُّجُوعِ إلَى أُفُقِهِ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْفَاءِ وَسُكُونِهَا أَيْ بَلَدِهِ، فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ فِعْلِ عُمْرَتِهِ إلَى أُفُقِهِ (أَوْ إلَى مِثْلِ أُفُقِهِ فِي الْبُعْدِ) : عَنْ مَكَّةَ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا وَلَوْ كَانَ بَلَدُهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، وَأَمَّا لَوْ رَجَعَ إلَى أَقَلَّ مِنْ بَلَدِهِ حَجَّ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلتَّمَتُّعِ عَدَمُ عَوْدٍ إلَى بَلَدِهِ أَوْ مِثْلِهِ وَلَوْ بِالْحِجَازِ لَا أَقَلَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَلَدُهُ بَعِيدًا كَإِفْرِيقِيَّةَ، فَإِنَّ هَذَا إذَا رَجَعَ إلَى مِصْرَ بَعْدَ فِعْلِ عُمْرَتِهِ قَبْلَ حَجِّهِ وَعَادَ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا مَعَ كَوْنِهِ رَجَعَ إلَى أَقَلَّ مِنْ بَلَدِهِ، وَهَذَا التَّقْيِيدُ لِلْمُصَنِّفِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، فَمَفْهُومُ أَقَلَّ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ يُدْرِكُ أُفُقَهُ إذَا رَجَعَ وَيَعُودُ يُدْرِكُ الْحَجَّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ الْمُتَمِّمُ لَهَا قَبْلَ فِعْلِ الْحَجِّ مُتَمَتِّعًا لِتَمَتُّعِهِ بِكُلِّ مَا لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ فِعْلُهُ أَوْ لِإِسْقَاطِهِ أَحَدَ السَّفَرَيْنِ.
(وَ) : يَجُوزُ (لِهَذَا) : الَّذِي حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (أَنْ يُحْرِمَ) : بِالْحَجِّ (مِنْ مَكَّةَ إنْ كَانَ) : مُقِيمًا (بِهَا) : سَوَاءٌ كَانَ آفَاقِيًّا أَوْ مُسْتَوْطِنًا، وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ
стр. 370
مِنْهَا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ
وَصِفَةُ الْقِرَانِ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا وَيَبْدَأُ بِالْعُمْرَةِ فِي نِيَّتِهِ وَإِذَا أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ وَيَرْكَعَ فَهُوَ قَارِنٌ
وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ هَدْيٌ فِي تَمَتُّعٍ وَلَا قِرَانٍ
وَمَنْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ
وَمَنْ أَصَابَ صَيْدًا فَعَلَيْهِ جَزَاءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ
ــ
[الفواكه الدواني]
الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ:؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ لِلْحِلِّ فِي عَرَفَةَ فَيَحْصُلُ فِي إحْرَامِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَلَمَّا كَانَ كُلُّ إحْرَامٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْن الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَكَانَتْ أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ تَنْقَضِي فِي الْحَرَمِ (وَلَا يُحْرِمُ مِنْهَا) : أَيْ مِنْ مَكَّةَ (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ) : وَهُوَ مَا جَاوَزَ الْحَرَمَ وَالْأُولَى مِنْهُ الْجِعْرَانَةُ وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ لِاعْتِمَارِهِ ﷺ مِنْهَا، ثُمَّ يَلِيهَا فِي الْفَضْلِ التَّنْعِيمُ وَهُوَ مَسَاجِدُ عَائِشَةَ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ لَكِنْ يَخْرُجُ قَبْلَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ، فَإِنْ طَافَ وَسَعَى قَبْلَ الْخُرُوجِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِمَا، قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ أَعَادَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ بَعْدَهُ وَافْتَدَى إنْ حَلَقَ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ فِي صِفَةِ التَّمَتُّعِ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْقِرَانِ فَقَالَ: (وَصِفَةُ الْقِرَانِ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا وَ) : يَجِبُ أَنْ (يَبْدَأَ) : أَيْ يُقَدِّمَ (الْعُمْرَةَ فِي نِيَّتِهِ) : قَالَ خَلِيلٌ: ثُمَّ قِرَانٌ بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا وَقَدَّمَهَا وُجُوبًا فِي نِيَّتِهِ وَنَدْبًا فِي تَلَفُّظِهِ، وَأَشَارَ إلَى صِفَةٍ أُخْرَى لِلْقِرَانِ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا) : أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ أَوَّلًا، وَ (أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ وَيَرْكَعَ فَهُوَ قَارِنٌ) : وَكَذَا لَوْ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَيْهَا فِي أَثْنَاءِ طَوَافِهَا، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ ذَلِكَ الطَّوَافَ وَيَنْقَلِبَ تَطَوُّعًا وَلَا يَسْعَى بَعْدَهُ لِانْدِرَاجِ أَفْعَالِهَا فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَشَرْطُ الْإِرْدَافِ الْمَذْكُورِ صِحَّةُ الْعُمْرَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: أَوْ يُرْدِفُهُ بِطَوَافِهَا إنْ صَحَّتْ وَكَمَّلَهُ وَلَا يَسْعَى، فَلَوْ أَرْدَفَ حَجَّةً عَلَى عُمْرَةٍ فَاسِدَةٍ لَمْ يَصِحَّ إرْدَافُهُ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى عُمْرَتِهِ وَلَا يَحُجُّ حَتَّى يَقْضِيَهَا، فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ قَضَائِهَا فَإِنْ كَانَ بَعْدَ إتْمَامِهَا صَحَّ إحْرَامُهُ.
(تَنْبِيهٌ) : إذَا عَلِمْت مَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ لَك أَنَّ قَوْلَهُ قَبْلَ طَوَافِهِ مُرَادُهُ قَبْلَ إتْمَامِ طَوَافِهِ فَيَصْدُقُ بِإِحْرَامِهِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَرْدَفَ بَعْدَ إكْمَالِ الطَّوَافِ: فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إرْدَافُهُ وَلَا يَكُونُ قَارِنًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ صَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ صَحَّ الْإِرْدَافُ وَإِنْ كُرِهَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَا يَصِحُّ الْإِرْدَافُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: إذَا أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ انْدَرَجَتْ أَفْعَالُهَا فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ أَرْكَانَهَا عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِطَوَافِ وَسَعْيِ الْحَجِّ بَلْ يَقَعَانِ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
الثَّانِي: رُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْ اشْتِرَاطِ تَقَدُّمِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ فِي الْإِرْدَافِ عَدَمُ صِحَّةِ إرْدَافِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ كَثْرَةُ أَفْعَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ، فَلِذَلِكَ صَحَّ إرْدَافُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَكَمَا لَا يَصِحُّ إرْدَافُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ لَا يَصِحُّ إرْدَافُ عُمْرَةٍ عَلَى عُمْرَةٍ وَلَا حَجٍّ عَلَى حَجٍّ.
١ -
الثَّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَحَلَّ الْإِحْرَامِ لِلْقِرَانِ وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَلَهَا وَلِلْقِرَانِ الْحِلُّ الْجِعْرَانَةُ أَوْلَى ثُمَّ التَّنْعِيمُ، فَلَوْ خَالَفَ وَأَحْرَمَ فِي مَكَّةَ بِالْعُمْرَةِ أَوَّلَهُمَا انْعَقَدَ إحْرَامُهُ فِي الصُّورَتَيْنِ، لَكِنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَصِحُّ أَرْكَانُهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ لِلْحِلِّ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا الْقَارِنُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِلْحِلِّ وَإِنْ كَانَ يُؤَخِّرُ السَّعْيَ وَالطَّوَافَ لِإِرْدَافِهِ بِالْحَرَمِ، فَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ لِلْحِلِّ قَبْلَ عَرَفَةَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ طَوَافُهُ وَسَعْيُهُ الْوَاقِعَيْنِ لِلْحَجِّ بَعْدَ عَرَفَةَ وَيَكْفِيهِ خُرُوجُهُ لِعَرَفَةَ؛ لِأَنَّهَا حِلٌّ، وَأَفْعَالُ الْعُمْرَةِ انْدَرَجَتْ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
الرَّابِعُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: إفْرَادٌ وَقِرَانٌ وَتَمَتُّعٌ، وَبَقِيَ لَوْ أَحْرَمَ وَأَبْهَمَ أَوْ أَحْرَمَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ زَيْدٌ، وَالْحُكْمُ الْمُبْهَمُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِي صَرْفِهِ لِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ، وَالْأَحَبُّ عِنْدَ مَالِكٍ صَرْفُهُ لِلْإِفْرَادِ وَالْقِيَاسُ لِلْقِرَانِ، وَأَمَّا الْإِحْرَامُ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ زَيْدٌ فَقِيلَ يَصِحُّ وَيَكُونُ مُحْرِمًا بِمَا أَحْرَمَ بِهِ زَيْدٌ، وَقِيلَ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ، وَعَلَى الصِّحَّةِ لَوْ تَبَيَّنَ عَدَمَ إحْرَامِ زَيْدٍ يَكُونُ كَمَنْ أَحْرَمَ مُبْهَمًا، وَكَذَا لَوْ مَاتَ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا أَحْرَمَ بِهِ أَوْ وَجَدَهُ مُحْرِمًا عَلَى الْإِبْهَامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَفْهُومَ قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ مِنْ قَرْنٍ أَوْ تَمَتُّعٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ هَدْيٌ فِي تَمَتُّعٍ وَلَا) : فِي (قِرَانٍ) قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَقَالَ خَلِيلٌ: وَشَرْطُ دَمِهِمَا عَدَمُ إقَامَةٍ بِمَكَّةَ أَوْ ذِي طُوًى وَقْتَ فِعْلِهِمَا، وَلِلتَّمَتُّعِ عَدَمُ عَوْدَةٍ لِبَلَدِهِ أَوْ مِثْلِهِ وَلَوْ بِالْحِجَازِ وَقَدَّمْنَا مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ، وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْهُمْ الْهَدْيُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ لِمَسَاكِينِ مَكَّةَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَبَقِيَ لَوْ كَانَ لِلْمُتَمَتِّعِ أَهْلَانِ أَهْلٌ بِمَكَّةَ وَأَهْلٌ بِغَيْرِهَا وَالْمَذْهَبُ اسْتِحْبَابُهُ وَلَوْ غَلَبَتْ إقَامَتُهُ فِي أَحَدِهِمَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ لِذِي أَهْلَيْنِ وَأَهَلَّ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ فَيُعْتَبَرُ تَأْوِيلَانِ وَقَدْ عَلِمْت الْمَذْهَبَ مِنْهُمَا
. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ شَرْطَ التَّمَتُّعِ أَنْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ) : بِأَنْ فَرَغَ مِنْ أَرْكَانِهَا (قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ) : وَلَوْ أَخَّرَ حِلَاقَهُ إلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ (ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ) : الَّذِي اعْتَمَرَ فِيهِ وَأَوْلَى لَوْ حَجَّ فِي عَامٍ بَعْدَهُ (فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ) : لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ
стр. 371
ذَوَا عَدْلٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَمَحَلُّهُ مِنًى إنْ وَقَفَ بِهِ بِعَرَفَةَ وَإِلَّا فَمَكَّةُ وَيَدْخُلُ بِهِ مِنْ الْحِلِّ وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ ذَلِكَ أَوْ كَفَّارَةَ طَعَامِ مَسَاكِينَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى قِيمَةِ الصَّيْدِ طَعَامًا فَيَتَصَدَّقَ بِهِ أَوْ عَدْلَ ذَلِكَ صِيَامًا أَنْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَلِكَسْرِ
ــ
[الفواكه الدواني]
مَنْ تَحَلَّلَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ عُمْرَتِهِ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ
، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمُحْرِمَ يَجْتَنِبُ التَّعَرُّضَ لِلصَّيْدِ بَيَّنَ هُنَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ أَصَابَ صَيْدًا) : فِي إحْرَامِهِ أَوْ فِي الْحَرَمِ وَقَتَلَهُ أَوْ جَرَحَهُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ سَلَامَتَهُ (فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ) : وَلَوْ قَتَلَهُ لِمَخْمَصَةٍ أَوْ لِجَهْلٍ أَوْ نِسْيَانٍ، إلَّا مَا تَقَدَّمَ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ الْفَوَاسِقِ، وَالنَّعَمُ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، وَالْمُرَادُ بِالْمِثْلِ الْمُقَارِبِ لِلصَّيْدِ فِي قَدْرِهِ وَصُورَتِهِ، فَمِثْلُ النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ وَالْفِيلُ بَدَنَةٌ خُرَاسَانِيَّةٌ ذَاتُ سَنَامَيْنِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فَقِيمَتُهُ طَعَامًا بِأَنْ يُوزَنَ بِطَعَامٍ وَيُخْرَجَ مَا يُعَادِلُهُ، وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يُجْعَلَ الْفِيلُ فِي مَرْكَبٍ وَيُنْظَرَ إلَى الْحَدِّ الَّذِي نَزَلَ فِي الْمَاءِ مِنْ الْمَرْكَبِ ثُمَّ يُخْرَجَ الْفِيلُ وَيُوضَعَ مَكَانَهُ الطَّعَامُ حَتَّى تَبْلُغَ الْمَرْكَبُ فِي الْمَاءِ مَا بَلَغَتْهُ مِنْ الْفِيلِ، وَقِيلَ يُوزَنُ بِالْقَبَّانِي وَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ حَيْثُ لَا إمْكَانَ وَإِلَّا فَالتَّحَرِّي كَافٍ، وَيَنْبَغِي إذَا تَعَذَّرَ الْإِطْعَامُ فَالصَّوْمُ، وَمِثْلُ الْبَقَرَةِ الْوَحْشِيَّةِ أَوْ مَا قَارَبَهَا وَهُوَ الْأُيَّلُ وَالْأُيَّلُ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ حَيَوَانٌ وَحْشِيٌّ أَوْ حِمَارُ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ إنْسِيَّةٌ، وَمِثْلُ الضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ وَالظَّبْيِ شَاةٌ إنْسِيَّةٌ، وَيَجِبُ فِي صَغِيرِ الصَّيْدِ مَا يَجِبُ فِي كَبِيرِهِ، كَمَا يَجِبُ فِي الْمَعِيبِ مِنْهُ مَا يَجِبُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ كَوْنِهِ سَلِيمًا مِنْ الْعُيُوبِ، وَبَلَغَ سِنَّ الضَّحِيَّةِ كَمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ سِنَّ الْهَدَايَا وَالْفِدْيَةِ وَالْجَزَاءِ كَسِنِّ الضَّحِيَّةِ وَفِي الْعَيْبِ كَذَلِكَ، وَأَمَّا نَحْوُ الضَّبِّ وَالْأَرْنَبِ وَالْيَرْبُوعِ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ الْأَنْعَامِ فَالْوَاجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ طَعَامًا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَكَمَّلَ لِكَسْرِهِ، وَكَذَا جَمِيعُ الطُّيُورِ خَلَا حَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامِهِمَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْوَاحِدَةِ شَاةٌ بِلَا حُكْمٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا صَامَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يُخْرِجُ طَعَامًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي حَمَامِ مَكَّةَ، وَالْحَرَمِ بِمَنْزِلَةِ الْهَدْيِ لَا يُجْزِئُ فِيهِ الْإِطْعَامُ، وَإِنَّمَا شَدَّدَ فِي حَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامِهِمَا؛ لِأَنَّ النَّاسَ تُبَادِرُ إلَى قَتْلِهِمَا لِكَثْرَتِهِمَا وَعَدَمِ نُفُورِهِمَا مِنْ النَّاسِ.
وَفِي جَنِينِ الصَّيْدِ الْغَيْرِ الْمُسْتَهِلِّ، وَفِي الْبَيْضَةِ الْغَيْرِ الْمَذِرَةِ عُشْرُ دِيَةِ الْأُمِّ، وَفِي الصَّيْدِ الْمُعَلَّمِ مَنْفَعَةُ شَرْعِيَّةِ الْمَمْلُوكِ لِلْغَيْرِ وَيَقْتُلُهُ الْمُحْرِمُ أَوْ الْحَلَالُ فِي الْحَرَمِ قِيمَتَانِ: إحْدَاهُمَا لِرَبِّهِ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا مِنْ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا سَلِيمًا أَوْ مَعِيبًا، وَالثَّانِيَةُ لِمَسَاكِينِ مَحَلِّ الصَّيْدِ فَجَزَاؤُهُ كَجَزَاءِ الْكَبِيرِ فَيَكُونُ سِنُّهُ كَسِنِّ الضَّحِيَّةِ وَسَالِمًا مِنْ الْعُيُوبِ، وَلَمَّا كَانَ جَزَاءُ الصَّيْدِ مُخَالِفًا لِلْهَدْيِ وَالْفِدْيَةِ بَيَّنَ مَا انْفَرَدَ بِهِ الْجَزَاءُ: بِقَوْلِهِ: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ) : قَالَ خَلِيلٌ: وَالْجَزَاءُ بِحُكْمِ عَدْلَيْنِ فَقِيهَيْنِ بِذَلِكَ مِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ أَوْ إطْعَامٌ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ يَوْمَ التَّلَفِ بِمَحَلِّهِ وَإِلَّا فَبِقُرْبِهِ وَلَا يُجْزِئُ بِغَيْرِهِ، فَالنَّعَامَةُ بَدَنَةٌ وَالْفِيلُ بِذَاتِ سَنَامَيْنِ وَحِمَارُ الْوَحْشِ وَبَقَرَةٌ وَالضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ شَاةٌ كَحَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامِهِ بِلَا حُكْمٍ وَالْوَاجِبُ فِي حَمَامِ الْحِلِّ وَفِي الضَّبِّ وَالْأَرْنَبِ وَالْيَرْبُوعِ وَجَمِيعِ الطَّيْرِ الْقِيمَةُ طَعَامًا وَالصَّغِيرُ مِنْ الصَّيْدِ كَالْكَبِيرِ وَالْمَرِيضُ كَالسَّلِيمِ وَالْجَمِيلُ كَالْوَحْشِ؛ لِأَنَّهُ دِيَةٌ، وَاشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ يَسْتَلْزِمُ الْحُرِّيَّةَ وَالْبُلُوغَ وَمَعْرِفَةَ مَا يَحْكُمُ بِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ وَمِنْ عِلْمِهِمَا بِبَابِ الْجَزَاءِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُمَا بِغَيْرِهِ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَلِيَ فِي أَمْرٍ إنَّمَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهُ بِمَا وَلِيَ فِيهِ وَلَوْ جَهِلَ سِوَاهُ، وَإِنَّمَا خَرَجَ عَنْ اشْتِرَاطِ الْحُكْمِ حَمَامُ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ لِلدَّلِيلِ وَهُوَ قَضَاءُ عُثْمَان ﵁ بِالشَّاةِ فِي الْوَاحِدَةِ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ إلْحَاقُ الْقُمْرِيِّ وَالْفَوَاخِتِ وَشَبَهِهَا بِالْحَمَامِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَحَلَّ إخْرَاجِ الْجَزَاءِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْحَاجِّ بِقَوْلِهِ: (وَمَحَلُّهُ) : أَيْ الْجَزَاءِ وَالْمُرَادُ مَوْضِعُ تَذْكِيَتِهِ (مِنًى إنْ وَقَفَ) : الَّذِي أَصَابَ الصَّيْدَ (بِهِ) : أَيْ بِالْجَزَاءِ (بِعَرَفَةَ) : جُزْءًا مِنْ اللَّيْل وَأَنْ تَكُونَ تَذْكِيَتُهُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ تَالِيَيْهِ لَا الرَّابِعِ (وَإِلَّا) : بِأَنْ لَمْ يَقِفْ بِهِ وَلَا نَائِبُهُ بِعَرَفَةَ أَوْ فَاتَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ الثَّلَاثَةُ (فَمَكَّةُ) : مَحَلُّ تَذْكِيَتِهِ وَالْمُرَادُ بِمَكَّةَ الْبَلَدُ وَمَا يَلِيهَا مِنْ مَنَازِلِ النَّاسِ وَأَفْضَلُهَا الْمَرْوَةُ.
(وَ) : الْجَزَاءُ كَالْهَدْيِ (يَدْخُلُ بِهِ) : مَكَّةَ (مِنْ الْحِلِّ) : لِيَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ إنْ كَانَ اشْتَرَاهُ مِنْ الْحَرَمِ، وَقَيَّدْنَا الْمُتَرَتِّبَ عَلَى الْحَاجِّ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْجَزَاءِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِعُمْرَةٍ أَوْ عَلَى الْحَلَالِ بِقَتْلِ صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّ مَحَلَّ تَذْكِيَتِهِ فِي حَقِّهِمَا مَكَّةُ،؛ لِأَنَّ مَحَلَّ ذَكَاةِ الْجَزَاءِ مَحَلُّ ذَكَاةِ الْهَدَايَا، بِخِلَافِ مَحَلِّ الْفِدْيَةِ يَذْبَحُهَا كَيْفَ شَاءَ إلَّا أَنْ يُقَلِّدَهَا وَيُشْعِرَهَا فَتَصِيرَ كَالْهَدْيِ وَلَمَّا كَانَ جَزَاءُ الصَّيْدِ وَالْفِدْيَةِ وَكَفَّارَةُ الصِّيَامِ غَيْرَ مُرَتَّبَةٍ قَالَ: (وَلَهُ) : أَيْ قَاتِلِ الصَّيْدِ (أَنْ يَخْتَارَ ذَلِكَ) : أَيْ إخْرَاجَ الْمِثْلِ مِنْ النَّعَمِ (أَوْ) : أَيْ وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ (كَفَّارَةً) : بِالنَّصْبِ لِعَطْفِهِ عَلَى اسْمِ الْإِشَارَةِ (طَعَامَ مَسَاكِينَ) : وَيَجُوزُ فِي طَعَامِ الْحُرِّ لِإِضَافَةِ كَفَّارَةٍ إلَيْهِ وَتَكُونُ بَيَانِيَّةً وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ كَفَّارَةً عِنْدَ تَنْوِينِهَا، وَقَوْلُهُ أَنْ يَنْظُرَ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَصِفَةُ إخْرَاجِ الطَّعَامِ (أَنْ يَنْظُرَ) : الْقَاتِلُ لِلصَّيْدِ إنْ كَانَ عَارِفًا (إلَى قِيمَةِ الصَّيْدِ طَعَامًا) : أَيْ مِنْ الطَّعَامِ وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ التَّلَفِ بِمَحَلِّ الْإِتْلَافِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الطَّعَامُ مِنْ جُلِّ عَيْشِ أَهْلِ مَحَلِّ التَّلَفِ فَيُقَالُ: كَمْ يُسَاوِي هَذَا الطَّيْرُ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ؟ فَيَلْزَمُ إخْرَاجُهُ وَلَوْ زَادَ عَلَى إطْعَامِ سِتِّينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّيْدِ قِيمَةٌ بِمَحَلِّ التَّلَفِ اُعْتُبِرَ قِيمَتُهُ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَيْهِ. (فَيَتَصَدَّقُ بِهِ) : عَلَى مَسَاكِينِ
стр. 372
الْمُدِّ يَوْمًا كَامِلًا
وَالْعُمْرَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ
[حُكْم الْحَجّ وَالْعُمْرَة]
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ انْصَرَفَ مِنْ مَكَّةَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَنْ يَقُولَ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ.
ــ
[الفواكه الدواني]
ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا وَاحِدًا لَا أَكْثَرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِمَوْضِعِ التَّلَفِ مَسَاكِينُ فَعَلَى مَسَاكِينِ أَقْرَبِ مَكَان إلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يُطْعِمْ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ وَأَرَادَ الْإِطْعَامَ فَإِنَّهُ يُحَكِّمُ اثْنَيْنِ مِمَّنْ يَجُوزُ تَحْكِيمُهُمَا وَيَصِفُ لَهُمَا الصَّيْدَ وَيَذْكُرُ لَهُمَا سِعْرَ الطَّعَامِ بِمَوْضِعِ الصَّيْدِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمَا تَقْوِيمُهُ بِالطَّعَامِ قَوَّمَاهُ بِالدَّرَاهِمِ، وَيَبْعَثُ بِالطَّعَامِ إلَى مَوْضِعِ الصَّيْدِ كَمَا يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ إلَى مَكَّةَ.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: قِيمَةُ الصَّيْدِ طَعَامًا أَنَّهُ لَا يُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ وَهُوَ الْأَصْوَبُ عِنْدَ مَالِكٍ فَلَوْ قُوِّمَ بِالدَّرَاهِمِ أَجْزَأَ، وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّ الْمُقَوَّمَ نَفْسُ الصَّيْدِ لَا مِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ، وَيُفْهَمُ مِنْ تَنْوِيعِ الْجَزَاءِ إلَى كَوْنِهِ مِنْ النَّعَمِ أَوْ الطَّعَامِ أَوْ الصَّوْمِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهِ التَّلْفِيقُ، وَقَيَّدْنَا بِمَحَلِّ التَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ بِغَيْرِهِ كَمَا لَا يُجْزِئُ الْإِطْعَامُ بِغَيْرِهِ مَعَ الْإِمْكَانِ بِهِ، وَلَا إعْطَاءُ الْمَسَاكِينِ دَرَاهِمَ وَلَا عَرْضًا، وَعُلِمَ مِنْ كَوْنِ الْإِطْعَامِ بِمَحَلِّ التَّلَفِ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِمَكَّةَ أَوْ مِنًى بِخِلَافِ الْمِثْلِ مِنْ النَّعَمِ كَمَا مَرَّ (أَوْ) : أَيْ وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ (عَدْلَ ذَلِكَ) : الطَّعَامِ (صِيَامًا) : وَصِفَةُ ذَلِكَ (أَنْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَ) : يَجِبُ أَنْ يَصُومَ (لِكَسْرِ الْمُدِّ يَوْمًا كَامِلًا) :؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلْغَاؤُهُ وَالصَّوْمُ لَا يَتَبَعَّضُ كَالْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْجَزَاءِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ إذَا كَانَ لِلصَّيْدِ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ كَالْأَرْنَبِ وَالطَّيْرِ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ، سِوَى حَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامِهِمَا فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ شَاةٌ وَلَا يَصِحُّ الْإِطْعَامُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَاةً صَامَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى حُكْمٍ فِيهِمَا.
الثَّانِي: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ اشْتِرَاطِ الْحَكَمَيْنِ وَتَخْيِيرِ الْقَاتِلِ لِلصَّيْدِ؛ لِأَنَّ الْحَكَمَيْنِ إنَّمَا يُطْلَبَانِ بَعْدَ اخْتِيَارِ الْقَاتِلِ أَحَدَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِيمَا فِيهِ ثَلَاثَةٌ، فَإِذَا اخْتَارَ أَحَدَهَا طُلِبَ لَهُ الْحَكَمَانِ لِيَجْتَهِدَا فِيهِ وَإِنْ رُوِيَ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ الشَّارِعِ، وَإِذَا أَرَادَ الِانْتِقَالَ عَمَّا حُكِمَ عَلَيْهِ بِهِ فَلَهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ وَلَوْ الْتَزَمَ إخْرَاجَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِيمَا وَقَعَ بِهِ الْحُكْمُ فَإِنَّهُ يُعَادُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا كَمَا يُعَادُ إنْ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى بَيَانِ صِفَةِ مَا يُفْعَلُ فِي الْحَجِّ وَفِي الْعُمْرَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِهِمَا: بِقَوْلِهِ: (وَالْعُمْرَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) : وَالْعُمْرَةُ لُغَةً الزِّيَادَةُ وَشَرْعًا عِبَادَةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِفِعْلِهَا (مَرَّةً فِي الْعُمُرِ) : وَتُنْدَبُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا لَكِنْ فِي عَامٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ، إلَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ دُخُولُهُ مَكَّةَ مِنْ مَوْضِعٍ يَجِبُ عَلَيْهِ مَعَهُ الْإِحْرَامُ، كَمَا لَوْ خَرَجَ مَعَ الْحَجِّ وَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ مَكْرُوهٌ بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ مِيقَاتُهَا الزَّمَانِيُّ الْأَبَدُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ سُنَّةِ الْعُمْرَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ لِخَبَرِ جَابِرٍ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْحَجِّ أَفَرِيضَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ: وَالْعُمْرَةُ؟ قَالَ. لَا، وَلَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَك» وَلِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» وَلَا يُشْكِلُ عَلَى الْمَشْهُورِ قَوْله تَعَالَى: لِقَوْلِهِ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِتْمَامِ يَقْتَضِي الشُّرُوعَ فِي الْعِبَادَةِ، وَيَجِبُ الْإِتْمَامُ بَعْدَ الشُّرُوعِ وَلَوْ كَانَتْ الْعِبَادَةُ مَنْدُوبَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لِقَوْلِهِ ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَقَدَّمْنَا مِنْ أَحْكَامِهَا مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ.
(تَنْبِيهٌ) : لَفْظُ مَرَّةً مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ الْمُبَيِّنَةِ لِلْعَدَدِ، وَقِيلَ فِي تَوْجِيهِ النَّصْبِ غَيْرُ ذَلِكَ
. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ شَرَعَ فِيمَا يُطْلَبُ مِنْ الشَّخْصِ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ مَكَّةَ بِقَوْلِهِ: (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ انْصَرَفَ مِنْ مَكَّةَ) : بَعْدَ فَرَاغِهِ (مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَنْ يَقُولَ) : عِنْدَ الِانْصِرَافِ (آيِبُونَ) : مِنْ الْإِيَابِ أَيْ رَاجِعُونَ بِالْمَوْتِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. (تَائِبُونَ) : إلَى اللَّهِ مِنْ الذُّنُوبِ (عَابِدُونَ) : مُحْسِنُونَ فِي أَعْمَالِنَا «؛ لِأَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْإِحْسَانِ فَقَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ» الْحَدِيثَ. (لِرَبِّنَا) : صِلَةُ (حَامِدُونَ) : قُدِّمَ الْمَعْمُولُ عَلَى الْعَامِلِ لِلْحَصْرِ، وَالْمَعْنَى: حَامِدُونَ لِرَبِّنَا عَلَى أَقْدَارِهِ لَنَا عَلَى أَدَاءِ مَا طَلَبَهُ مِنَّا مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَأَمَّا صِلَةُ الْأَوْصَافِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَمَحْذُوفَةٌ كَمَا بَيَّنَّا. (صَدَقَ اللَّهُ وَعَدَهُ) : أَيْ مَا وَعَدَ نَبِيَّهُ ﵊ بِهِ فِي نَصْرِهِ لَهُ بِالرُّعْبِ مِنْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وَأَنْجَزَ لَهُ مَا وَعَدَهُ بِهِ مِنْ دُخُولِهِ مَكَّةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لِقَوْلِهِ ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) : ﵇ (وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ) : أَيْ الْمُشْرِكِينَ حِينَ تَحَزَّبُوا عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ الرِّيحَ وَهِيَ الشَّرْقِيَّةُ وَيُقَالُ لَهَا الصَّبَا.
قَالَ ﷺ : «نُصِرْت بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» وَهِيَ الْغَرْبِيَّةُ، وَقَوْلُهُ: (وَحْدَهُ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ نَصَرَ أَوْ هَزَمَ وَهُوَ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ الْعَائِدُ عَلَى اللَّهِ، وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهُ مُتَنَازَعًا فِيهِ لَهُمَا؛ لِأَنَّ التَّنَازُعَ لَا يَقَعُ فِي الْحَالِ.
١ -
(خَاتِمَةٌ) : تَشْتَمِلُ عَلَى فَوَائِدَ مِنْهَا: بَيَانُ فَائِدَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ
стр. 373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
عَلَيْهِمَا الْمُشَارِ إلَيْهَا بِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ وَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَالرَّفَثُ الْجِمَاعُ وَقِيلَ الْفُحْشُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفُسُوقُ الْمَعَاصِي، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةَ» .
قَالَ الْحَافِظُ الْمَبْرُورُ: الَّذِي لَمْ يَتَعَمَّدْ فِيهِ صَاحِبُهُ مَعْصِيَةً، وَقَالَ عِيَاضٌ: هُوَ الَّذِي لَمْ يُخَالِطْهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَأْثَمِ، وَيَتَعَذَّرُ وُقُوعُهُ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ كَمَا شَاهَدْنَاهُ، وَقِيلَ الْمَقْبُوضُ
١ -
وَمِنْ عَلَامَاتِ الْقَبُولِ أَنْ يَزْدَادَ الشَّخْصُ بَعْدَ فِعْلِهِ خَيْرًا، وَقَوْلُهُ: «خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ صَارَ بِلَا ذَنْبٍ وَظَاهِرُهُ غُفْرَانُ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ وَالتَّبِعَاتِ، وَقَالَ الْأَبِيُّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَمَّا الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَلَا يَهْدِمَانِ إلَّا الصَّغَائِرَ وَفِي هَدْمِهِمَا لِلْكَبَائِرِ نَظَرٌ.
قَالَ الْأَبِيُّ: قُلْت الْأَظْهَرُ هَدْمُهَا ذَلِكَ، وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ الَّذِي يُسْقِطُهُ الْحَجُّ إثْمَ مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ التَّشْبِيهَ بِيَوْمِ الْوِلَادَةِ يَقْتَضِي سُقُوطَ تَبِعَاتِ الْعِبَادِ وَقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَجَابَ بِأَنَّ لَفْظَ الذُّنُوبِ لَا يَتَنَاوَلُهَا؛ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ وَحُقُوقَ عِبَادِهِ فِي الذِّمَّةِ لَيْسَتْ ذَنْبًا إنَّمَا الذَّنْبُ الْمَطْلُ فِيهِ، فَيَتَوَقَّفُ حَقُّ الْآدَمِيِّ عَلَى إسْقَاطِ صَاحِبِهِ، فَاَلَّذِي يُسْقِطُهُ الْحَجُّ إثْمَ مُخَالَفَةِ اللَّهِ فَقَطْ، وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَعْيَانَ الْمَغْصُوبَةَ لَيْسَتْ ذَنْبًا، وَإِنَّمَا الذَّنْبُ أَخْذُهَا مِنْ مَالِكِهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَحَبْسُهَا عَنْهُ، وَكَذَا أَعْيَانُ الصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ لَيْسَتْ ذُنُوبًا، وَإِنَّمَا الذَّنْبُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَجَّ يُسْقِطُ الصَّغَائِرَ اتِّفَاقًا وَكَذَا الْكَبَائِرُ عَلَى مَا قَالَهُ الْحَافِظُ وَالْأَبِيُّ، وَأَمَّا التَّبِعَاتُ كَالْغَيْبَةِ وَالْقَذْفِ وَالْقَتْلِ: فَعِنْدَ الْحَافِظِ تَسْقُطُ وَعِنْد الْقَرَافِيِّ لَا تَسْقُطُ، وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ الْمُتَرَتِّبَةُ فِي الذِّمَّةِ وَالْكَفَّارَاتُ وَالدُّيُونُ وَالْوَدَائِعُ وَنَحْوُهَا مِنْ الْأَعْيَانِ الْمُسْتَحَقَّةِ لِلْغَيْرِ فَلَا تَسْقُطُ بِالْحَجِّ وَلَا غَيْرِهِ بِإِجْمَاعِ الشُّيُوخِ، نَعَمْ إذَا عَجَزَ عَنْ اسْتِحْلَالِ الْمُسْتَحِقِّ لِمَوْتِهِ أَوْ لِلْخَوْفِ مِنْهُ فَلْيَلْجَأْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يُرْجَى مِنْ كَرَمِهِ أَنْ يُرْضِيَ خَصْمَهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَمِنْ الْفَوَائِدِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمُرِيدِ الْحَجِّ إخْلَاصُ النِّيَّةِ فِي سَفَرِهِ لِتَكُونَ جَمِيعُ حَرَكَاتِهِ لِلَّهِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ وَصِيَّتَهُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي السَّفَرِ، ثُمَّ يَنْظُرَ فِي أَمْرِ الزَّادِ وَمَا يُنْفِقُهُ فَيَكُونَ مِنْ أَطْيَبِ جِهَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَلَالَ يُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ وَيُكَسِّلُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَكْثِيرُ الزَّادِ لِيُوَاسِيَ مِنْهُ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ لِمَا وَرَدَ: أَنَّ النَّفَقَةَ فِي الْحَجِّ كَالنَّفَقَةِ فِي الْجِهَادِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ عَدَمُ الْمُشَارَكَةِ فِي الزَّادِ؛ لِأَنَّ شَرِيكَهُ رُبَّمَا يَمْتَنِعُ مِنْ فِعْلِ الْمَعْرُوفِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ رَفِيقًا صَالِحًا يُعِينُهُ عَلَى الْخَيْرِ وَيَرَى لَهُ عَلَيْهِ الْفَضْلُ، فَإِنْ تَغَيَّرَ حَالُهُ مَعَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَارِقَهُ لِيَذْهَبَ مِنْ بَيْنِهِمَا الْحِقْدُ وَالْغِلُّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَنْبَغِي التَّفْتِيشُ عَلَى الرَّفِيقِ الصَّالِحِ الْحَافِظِ لِدِينِهِ الْمُتَحَرِّي فِي عَمَلِهِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَافِرَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَإِذَا فَاتَهُ فَيَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالتَّبْكِيرُ أَحْسَنُ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّهُ ﵊ مَا خَرَجَ مِنْ سَفَرِهِ إلَّا يَوْمَ خَمِيسٍ أَوْ اثْنَيْنِ» وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إذَا خَرَجَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ لِمَا فِي الطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ ﵊: «مَا خَلَّفَ أَحَدٌ عِنْدَ أَهْلِهِ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يَرْكَعُهُمَا عِنْدَهُمْ حِينَ يُرِيدُ سَفَرًا» أَوْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَلِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ثَلَاثًا لِلْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ عَنْ السَّلَفِ، وَيَدْعُو مَعَ حُضُورِ قَلْبِهِ بِحُصُولِ مَا يَطْلُبُهُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَبِالتَّوْفِيقِ وَالْإِعَانَةِ فِي سَفَرِهِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوَدِّعَ أَهْلَهُ وَجِيرَانَهُ فَيَقُولُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ: أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَك وَأَمَانَتَك وَخَوَاتِيمَ عَمَلِك، زَوَّدَك اللَّهُ التَّقْوَى وَغَفَرَ لَك ذَنْبَك وَيَسَّرَ لَك الْخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْت، وَيَقُولُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊: «أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: هُدِيت وَكُفِيت وَوُقِيت» وَكَانَ ﵊ يَقُولُ أَيْضًا عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» . وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ وَلَوْ بِالْقَلِيلِ عِنْدَ خُرُوجِهِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْأُمُورِ وَلَا سِيَّمَا حَجُّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ إظْهَارُ الِانْكِسَارِ وَالتَّضَرُّعِ إلَى اللَّهِ بِالْأَدْعِيَةِ الصَّالِحَةِ، وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ دُعَاءِ الْكَرْبِ هُنَا وَفِي كُلِّ مَوْطِنٍ وَهُوَ مَا صَحَّ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: «لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» وَفِي التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِك أَسْتَغِيثُ» .
قَالَ الْحَاكِمُ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَتْرُكَ مَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ الْعَوَامّ مِنْ تَزْيِينِ الْجِمَالِ وَالْمَحْمَلِ بِالْحَرِيرِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُرِيحَ دَابَّتَهُ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الْعَقَبَاتِ، وَلَا يُكْثِرُ النَّوْمَ عَلَيْهَا وَلَا يُحَمِّلُهَا مَا لَا تُطِيقُ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَةِ ذَلِكَ وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ عَدَمُ زِيَادَةِ التَّنَعُّمِ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ لِيَتَذَكَّرَ مَا يَئُولُ إلَيْهِ وَيُطْلَبُ مِنْهُ الرِّفْقُ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ، وَيَجْتَنِبُ مَا يَفْعَلُهُ الْجَهَلَةُ مِنْ الْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ عِنْدَ الْمِيَاهِ، وَيَحْرُمُ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْجَبَّارِينَ مِنْ مَنْعِهِمْ غَيْرَهُمْ حَتَّى
стр. 374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
تَمْضِيَ جِمَالُهُمْ، كَمَا يَحْرُمُ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَقْطِيعِ جِمَالِ النَّاسِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ، وَلْيَسْتَحْضِرْ قَوْلَهُ ﷺ : «مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَرْفُثْ» الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِصْحَابُ الْكِلَابِ أَوْ الْجَرَسِ لِمَا صَحَّ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَصْحَبُ رُفْقَةً فِيهَا ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَإِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْك مِمَّا يَفْعَلُهُ هَؤُلَاءِ فَلَا تَحْرِمْنِي ثَمَرَةَ صُحْبَةِ مَلَائِكَتِك. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إذَا أَشْرَفَ عَلَى مَحَلِّ النُّزُولِ أَوْ عَلَى قَرْيَةٍ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَإِذَا نَزَلَ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإِنَّهُ ﵊ قَالَ: مَنْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ، وَإِذَا انْفَلَتَتْ دَابَّتُهُ قَالَ: يَا عِبَادَ اللَّهِ احْبِسُوا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَإِنَّ اللَّهَ حَاضِرٌ، وَإِذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَلْيَقُلْ: يَا أَرْضُ رَبِّي وَرَبُّك اللَّهُ، أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّك وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيك وَشَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيْك، أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَسَدٍ وَأَسْوَدَ، وَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، وَمِنْ سَاكِنِ الْبَلَدِ، وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. وَالْأَسْوَدُ الشَّخْصُ كَمَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَسَاكِنُ الْبَلَدِ الْجِنُّ، وَالْبَلَدُ الْأَرْضُ الَّتِي صَارَتْ مَأْوَى لِلْحَيَوَانَاتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنَاءٌ، وَالْمُرَادُ بِالْوَالِدِ إبْلِيسُ، وَبِمَا وَلَدَ الشَّيَاطِينُ، وَلْيُكْثِرْ مِنْ الدُّعَاءِ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِأَصْحَابِهِ فِي السَّفَرِ لِمَا صَحَّ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٍ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ» . وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ مِنْ التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ مَعَهُ لِظَنِّهِ أَنَّ مُجَرَّدَ السَّفَرِ مَسْحٌ لِلتَّيَمُّمِ، بَلْ إنْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ فَإِنْ كَانَ فِي الرُّفْقَةِ مَنْ يَضْطَرُّ لَهُ وَيَعْجَزُ عَنْ الشِّرَاءِ يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُهُ لَهُ وَيَتَيَمَّمُ، فَإِنْ لَمْ تَسْمَحْ نَفْسُهُ اسْتَعْمَلَهُ مَعَ إثْمِهِ بِتَرْكِ الْمُوَاسَاةِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ تَحْصِيلًا لِلْفَائِدَةِ وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا شَرَعَ فِي أُمُورٍ لَا غِنَى لِلشَّخْصِ عَنْهَا عَادَةً فَقَالَ:
стр. 375
بَابٌ فِي الضَّحَايَا وَالذَّبَائِحِ وَالْعَقِيقَةِ وَالصَّيْدِ وَالْخِتَانِ وَمَا يَحْرُمُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ اسْتَطَاعَهَا.
وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِيهَا مِنْ الْأَسْنَانِ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ وَهُوَ ابْنُ سَنَةٍ
ــ
[الفواكه الدواني]
[بَاب فِي الضَّحَايَا وَالذَّبَائِح وَالْعَقِيقَة وَالصَّيْد وَالْخِتَان]
بَابٌ فِي أَحْكَامِ الضَّحَايَا. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا شَرَعَ فِي أُمُورٍ لَا غِنَى لِلشَّخْصِ عَنْهَا عَادَةً فَقَالَ: وَمَنْ يَخْطُبُ بِهَا، وَمَا يُجْزِئُ مِنْهَا، وَمَكَانُهَا وَزَمَانُهَا، وَهِيَ جَمْعُ ضَحِيَّةٍ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: مَا تُقَرِّبَ بِذَكَاتِهِ مِنْ جَذَعِ ضَأْنٍ أَوْ ثَنِيِّ سَائِرِ النَّعَمِ سَلِيمَيْنِ مِنْ بَيْنِ عَيْبٍ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ فِي نَهَارِ عَاشِرِ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ تَالِيَيْهِ بَعْدَ صَلَاةِ إمَامٍ عِيدَهُ لَهُ، وَقَدْرَ زَمَنِ ذَبْحِهِ لِغَيْرِهِ وَلَوْ تَحَرِّيًا لِغَيْرِ حَاضِرِهِ، وَقَوْلُهُ: مَشْرُوطًا حَالٌ مِنْ الْمُتَقَرِّبِ لِإِخْرَاجِ الْعَقِيقَةِ وَالْهَدْيِ وَالنُّسُكِ لِعَدَمِ اخْتِصَاصِهَا بِالْوَقْتِ الْمَذْكُورِ، وَالضَّمِيرُ فِي عِيدِهِ يَرْجِعُ لِعَاشِرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَالضَّمِيرُ فِي لَهُ عَائِدٌ عَلَى الْإِمَامِ. وَقَوْلُهُ: بَعْدَ صَلَاةِ إمَامٍ عِيدِهِ لَهُ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ وَخُطْبَتُهُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَذْبَحُ إلَّا بَعْدَ خُطْبَتِهِ.
(وَ) فِي أَحْكَامِ (الذَّبَائِحِ) جَمْعُ ذَبِيحَةٍ، وَهِيَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَقَبٌ لِمَا يَحْرُمُ بَعْضُ أَفْرَادِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ لِعَدَمِ ذَكَاتِهِ أَوْ سَلْبِهَا عَنْهُ، وَمَا يُبَاحُ بِهَا مَقْدُورًا عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: لِعَدَمِ ذَكَاتِهِ أَيْ مِمَّا يَقْبَلُهَا، وَقَوْلُهُ: أَوْ سَلْبِهَا عَنْهُ أَيْ لِكَوْنِهِ مِمَّا لَا يَقْبَلُهَا كَالْخِنْزِيرِ.
(وَ) فِي أَحْكَامِ (الْعَقِيقَةِ وَالصَّيْدِ وَالْخِتَانِ، وَمَا يَحْرُمُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ) ، وَمَا لَا يَحْرُمُ، وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الشُّيُوخِ قَوْلَهُ: وَالْأَشْرِبَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْهَا، وَأَجَابَ بَعْضٌ آخَرُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَشْرِبَةِ الْمَائِعَاتِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ الْآتِي: وَمَا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ مِنْ سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ عَسَلٍ، وَإِنْ بَحَثَ فِيهِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي تَفْصِيلِ مَا تَرْجَمَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْ التَّرْتِيبَ فَقَالَ: (وَالْأُضْحِيَّةُ) حُكْمُهَا أَنَّهَا (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «أُمِرْت بِالْأُضْحِيَّةِ فَهِيَ لَكُمْ سُنَّةٌ» ، وَإِنَّمَا تُسَنُّ (عَلَى مَنْ اسْتَطَاعَهَا) ، وَهُوَ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى ثَمَنِهَا فِي عَامِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: سُنَّ لِحُرٍّ غَيْرِ حَاجٍّ بِمِنًى ضَحِيَّةٌ لَا تُجْحِفُ، وَإِطْلَاقُ الْحُرِّ يَتَنَاوَلُ الصَّغِيرَ وَالْأُنْثَى الْمُقِيمَ وَالْمُسَافِرَ، وَلِذَا قَالَ: وَإِنْ يَتِيمًا؛ لِأَنَّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ التَّضْحِيَةِ عَنْ يَتِيمٍ لَهُ ثَلَاثُونَ دِينَارًا قَالَ: يُضَحِّي عَنْهُ وَرِزْقُهُ عَلَى اللَّهِ، وَبِقَوْلِهِ: غَيْرِ حَاجٍّ يَعْلَمُ طَلَبَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ مُقِيمًا بِمِنًى؛ لِأَنَّ سُنَّةَ الْحَاجِّ الْهَدْيُ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَى مَنْ اسْتَطَاعَهَا أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ غَيْرُ الْمُسْتَطِيعِ بِتَسَلُّفِهَا بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ فَرْضٌ وَالضَّحِيَّةُ سُنَّةٌ، وَإِطْلَاقُ الْحُرِّ يَشْمَلُ الْكَافِرَ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ خِطَابِهِ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ لِفَقْدِ الْإِسْلَامِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: عَلَى مَنْ اسْتَطَاعَهَا إجْمَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ هَلْ يُخَاطَبُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ فَقَطْ أَوْ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ؟ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَيْضًا زَمَنَ الْخِطَابِ بِهَا، وَنَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَنَقُولُ: لَا شَكَّ فِي خِطَابِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَكَذَا عَنْ أَوْلَادِهِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ الْفُقَرَاءِ الذُّكُورِ حَتَّى يَحْتَمِلُوا، وَالْإِنَاثِ حَتَّى يَدْخُلَ بِهِنَّ الْأَزْوَاجُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَيُضَحِّي عَنْ أَبَوَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ، وَلَا يُخَاطَبُ بِهَا الرَّجُلُ عَنْ زَوْجَتِهِ، وَإِنْ خُوطِبَ بِزَكَاةِ فِطْرِهَا؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلنَّفَقَةِ وَلِقَوْلِهِ ﵊: «أَدِّ الزَّكَاةَ عَمَّنْ تُمَوِّنْهُ» وَزَمَنُ الْخِطَابِ بِهَا هُوَ زَمَنُ فِعْلِهَا، وَهُوَ الثَّلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَكُلُّ مَنْ وُجِدَ أَوْ أَسْلَمَ فِيهَا مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ تُسَنُّ فِي حَقِّهِ وَلِأَجْلِهِ فَلَيْسَتْ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ.
وَفِي الْحَطَّابِ: وَيُقَاتَلُ أَهْلُ الْبَلَدِ عَلَى تَرْكِهَا كَمَا يُقَاتَلُونَ عَلَى تَرْكِ الْأَذَانِ وَالْجَمَاعَةِ بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْعِيدِ لَا يُقَاتَلُونَ عَلَى تَرْكِهَا، وَعِنْدِي وَقْفَةٌ فِي كَلَامِ الْحَطَّابِ إذْ يَبْعُدُ قِتَالُهُمْ عَلَى تَرْكِ الضَّحِيَّةِ وَعَدَمُ قِتَالِهِمْ عَلَى تَرْكِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ لِسُنَّةِ الضَّحِيَّةِ وَفَرْضِيَّةِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ.
الثَّانِي: فُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ كُلَّ مُسْتَطِيعٍ يُطْلَبُ بِضَحِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، فَلَا يَجُوزُ التَّشْرِيكُ فِيهَا كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَوَامّ فِي الْأَرْيَافِ مِنْ شِرَائِهِمْ نَحْوَ الْجَامُوسَةِ وَيَذْبَحُونَهَا ضَحِيَّةً عَنْ جَمِيعِهِمْ فَهَذِهِ لَا تُجْزِئُ، وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ حَيْثُ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهُمْ عَلَى سَبْعٍ، وَأَمَّا التَّشْرِيكُ فِي الْأَجْرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَهُ صُورَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يُشْرِكَ الْمُضَحِّي جَمَاعَةً مَعَهُ، وَهَذِهِ
стр. 376
وَقِيلَ ابْنُ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ وَقِيلَ ابْنُ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ وَهُوَ مَا أَوْفَى سَنَةً وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ وَلَا يُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا مِنْ الْمَعْزِ وَالْبَقَرِ وَالْإِبِلِ إلَّا الثَّنِيُّ وَالثَّنِيُّ مِنْ الْبَقَرِ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ وَالثَّنِيُّ مِنْ الْإِبِلِ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ.
وَفُحُولُ الضَّأْنِ فِي الضَّحَايَا أَفْضَلُ مِنْ خُصْيَانِهَا، وَخُصْيَانُهَا أَفْضَلُ مِنْ إنَاثِهَا، وَإِنَاثُهَا أَفْضَلُ مِنْ ذُكُورِ الْمَعْزِ، وَمِنْ إنَاثِهَا وَفُحُولُ الْمَعْزِ أَفْضَلُ مِنْ إنَاثِهَا، وَإِنَاثُ الْمَعْزِ أَفْضَلُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي الضَّحَايَا، وَأَمَّا فِي الْهَدَايَا فَالْإِبِلُ أَفْضَلُ ثُمَّ
ــ
[الفواكه الدواني]
لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ شُرُوطٍ: أَحَدِهَا أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَشْرَكَهُ مَعَهُ قَرِيبًا لَهُ وَلَوْ حُكْمًا لِتَدْخُلَ الزَّوْجَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي نَفَقَتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ سَاكِنًا مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ تَبَرُّعًا كَأَخِيهِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ عَمِّهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وُجُوبًا فَيَكْفِي الشَّرْطَانِ الْأَوَّلَانِ.
ثَانِيهِمَا: أَنْ يُشْرِكَ جَمَاعَةً فِي ضَحِيَّةٍ وَلَا يُدْخِلَ نَفْسَهُ مَعَهُمْ، وَهَذِهِ جَائِزَةٌ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الصُّورَتَيْنِ عَدَدٌ بَلْ وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ، وَفَائِدَةُ التَّشْرِيكِ سُقُوطُ الضَّحِيَّةِ عَنْ الْجَمِيعِ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْرَكُ بِالْفَتْحِ مَلِيًّا، وَلَكِنْ لَا حَقَّ لِلْمُشْرَكِ بِالْفَتْحِ فِي اللَّحْمِ، وَأَمَّا لَوْ شَرَكَ مَعَهُ مَنْ لَمْ يَجُزْ تَشْرِيكُهُ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
الثَّالِثِ: كَثِيرًا مَا يَقَعُ السُّؤَالُ عَنْ جَمَاعَةٍ مُشْتَرِكِينَ فِي الْمُؤْنَةِ، وَالْحُكْمُ فِيهِمْ أَنْ يُضَحِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا تُجْزِئُ وَاحِدَةٌ عَنْ الْجَمِيعِ؛ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي ذَاتِهَا، وَلَا يُشْرِكُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ غَيْرَهُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ؛ لِعَدَمِ إنْفَاقِهِ عَلَيْهِ، نَعَمْ لِكُلِّ وَاحِدٍ إنْ اسْتَقَلَّ بِضَحِيَّةٍ أَنْ يُشْرِكَ صِغَارَ أَوْلَادِهِ وَزَوْجَاتِهِ فِي أَجْرِ ضَحِيَّتِهِ، وَيَنْبَغِي إنْ شَحَّ الْجَمِيعُ فِي تَضْحِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ شَاةٌ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يُقَلِّدَ الشَّافِعِيَّ أَوْ أَبَا حَنِيفَةَ، وَتُجْزِئُ وَاحِدَةٌ عَنْهُمْ إنْ لَمْ يَزِيدُوا عَنْ سَبْعَةٍ.
الرَّابِعِ: لَفْظِ أُضْحِيَّةٍ فِي كَلَامِهِ لَيْسَ مُفْرَدُ الضَّحَايَا كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ ذِكْرِهِ بَعْدَ لَفْظِ الضَّحَايَا، بَلْ هُوَ مُفْرَدٌ لِجَمْعٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَرْبَعَ لُغَاتٍ: إحْدَاهَا أُضْحِيَّةٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِهَا مَعَ سُكُونِ الضَّادِ، وَكَسْرِ الْحَاءِ وَشَدِّ الْيَاءِ فَهَاتَانِ لُغَتَانِ وَالْجَمْعُ فِيهِمَا أَضَاحِيُّ بِشَدِّ الْيَاءِ. وَثَالِثُهَا ضَحِيَّةٌ بِفَتْحِ الضَّادِ وَالْيَاءِ مُشَدَّدَةٌ وَجَمْعُهَا ضَحَايَا. وَرَابِعَتُهَا أَضْحَاةٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَإِسْكَانِ الضَّادِ كَأَرْطَاةٍ وَأَرْطَى وَجَمْعُهَا أَضَاحٍ وَأَضْحَى، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تُذْبَحُ يَوْمَ الْأَضْحَى وَقْتَ الضُّحَى، وَسُمِّيَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْأَضْحَى؛ لِأَجْلِ صَلَاةِ الْعِيدِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُضَحِّي مِنْهُ وَبَيَانِ سِنِّهِ فَقَالَ: (وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِيهَا) أَيْ الضَّحِيَّةِ (مِنْ الْأَسْنَانِ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ) وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ ابْنُ سَنَةٍ) بِأَنْ وَفَّاهَا وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ دُخُولًا تَامًّا، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ. (وَقِيلَ ابْنُ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ) وَيُرْوَى عَنْ مَالِكٍ. (وَقِيلَ) هُوَ (ابْنُ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ) ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ وَلِسَحْنُونٍ ابْنُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَجُمْلَةُ الْأَقْوَالِ أَرْبَعَةٌ أَرْجَحُهَا أَوَّلُهَا كَمَا قَرَّرْنَا (وَ) أَمَّا أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنْ غَيْرِ الضَّأْنِ فَهُوَ (الثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ، وَهُوَ مَا أَوْفَى سَنَةً وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ) دُخُولًا بَيِّنًا كَالشَّهْرِ (وَ) الْحَاصِلُ أَنَّهُ (لَا يُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا مِنْ الْمَعْزِ وَالْبَقَرِ وَالْإِبِلِ إلَّا الثَّنِيُّ) هَذَا عَلَى سَائِرِ الْمَذَاهِبِ الْمُعَوَّلِ عَلَيْهَا لِمَا فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَذْبَحُوا إلَّا الْمُسِنَّةُ فَإِنْ عَسَرَ عَلَيْكُمْ فَاذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ» وَالْمُسِنَّةُ هِيَ الثَّنِيَّةُ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالسِّرُّ فِي إجْزَاءِ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ يَصِحُّ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ أَنَّ الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ أَنْ يُلَقَّحَ أَيْ يَحْمِلَ، وَلَا يَصِحُّ فِي جَذَعٍ غَيْرِهِ.
قَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: يُؤْخَذُ مِنْ إجْزَاءِ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ أَحْرَوِيَّةُ إجْزَاءِ الثَّنِيِّ، وَمِنْ إجْزَاءِ ثَنِيِّ الْمَعْزِ عَدَمُ إجْزَاءِ جَذَعِهَا، وَلَمَّا كَانَ الثَّنِيُّ يَخْتَلِفُ سِنُّهُ بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ قَالَ:.
(وَالثَّنِيُّ مِنْ الْبَقَرِ مَا) أَوْفَى ثَلَاثَ سِنِينَ وَ (دَخَلَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ وَالثَّنِيُّ مِنْ الْإِبِلِ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ) وَالْمُرَادُ تَمَّ خَمْسَ سِنِينَ، وَدَخَلَ فِي السَّادِسَةِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: فُهِمَ مِنْ حَصْرِ الْمُصَنِّفِ الضَّحِيَّةَ فِي تِلْكَ الْأَنْوَاعِ عَدَمُ إجْزَائِهَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْوَحْشِيَّةِ، وَلَا مِنْ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالْإِنْسِيِّ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْأُمُّ وَحْشِيَّةً، وَالْأَبُ إنْسِيٌّ أَوْ عَكْسُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، كَمَا لَا زَكَاةَ فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْإِنْسِيِّ وَالْوَحْشِيِّ وَالْهَدَايَا وَالْجَزَاءُ وَالْفِدْيَةُ مِثْلُ الضَّحَايَا فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ وَفِي اشْتِرَاطِ السِّنِّ الْمَذْكُورِ.
الثَّانِي: قَدْ قَدَّمْنَا مَا يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ حِكْمَةَ اخْتِلَافِ الْأَسْنَانِ، وَهُوَ اخْتِلَافُ أَمَدِ الْحَمْلِ، وَالْمُرَادُ السُّنُونَ الْقَمَرِيَّةُ لَا الشَّمْسِيَّةُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْأَفْضَلِ مِنْ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ بِقَوْلِهِ: (وَفُحُولُ الضَّأْنِ فِي الضَّحَايَا أَفْضَلُ) أَيْ أَكْثَرُ ثَوَابًا (مِنْ خُصْيَانِهَا) لِطِيبِ لَحْمِ الْفَحْلِ، وَقِيلَ لِبَقَاءِ كَمَالِ خِلْقَتِهِ، وَمَحَلُّ الْفَضْلِ مَا لَمْ يَكُنْ الْخَصِيُّ أَسْمَنَ، وَإِلَّا كَانَ أَفْضَلَ. (وَخُصْيَانُهَا) أَيْ الضَّأْنِ (أَفْضَلُ مِنْ إنَاثِهَا) لِفَضْلِ الذُّكُورِ عَلَى الْإِنَاثِ، وَهَذَا فِي الْخَصِيِّ الْمَقْطُوعِ الذَّكَرِ قَائِمِ الْأُنْثَيَيْنِ، وَأَمَّا مَقْطُوعُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ فَتُكْرَهُ التَّضْحِيَةُ كَالْمَخْلُوقِ بِغَيْرِهِمَا. (وَإِنَاثُهَا) أَيْ الضَّأْنِ (أَفْضَلُ مِنْ ذُكُورِ الْمَعْزِ، وَ) أَوْلَى (مِنْ إنَاثِهَا) لِطِيبِ لَحْمِ الضَّأْنِ، وَفُحُولُ الْمَعْزِ أَفْضَلُ مِنْ خُصْيَانِهَا، وَخُصْيَانُهَا أَفْضَلُ مِنْ إنَاثِهَا. (وَإِنَاثُ الْمَعْزِ أَفْضَلُ مِنْ) جَمِيعِ (الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي الضَّحَايَا) وَذَكَرُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ إنَاثِهِمَا عَلَى نَسَقِ مَا مَرَّ، فَالْمَرَاتِبُ اثْنَتَا
стр. 377
الْبَقَرُ ثُمَّ الضَّأْنُ ثُمَّ الْمَعْزُ.
وَلَا يَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَوْرَاءُ وَلَا مَرِيضَةٌ، وَلَا الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ضِلْعُهَا، وَلَا الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا شَحْمَ فِيهَا وَيُتَّقَى فِيهَا الْعَيْبُ كُلُّهُ وَلَا الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، وَكَذَلِكَ الْقَطْعُ، وَمَكْسُورَةُ الْقَرْنِ إنْ كَانَ يُدْمِي فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يُدْمِ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
وَلْيَلِ الرَّجُلُ ذَبْحَ أُضْحِيَّتِهِ بِيَدِهِ.
بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ أَوْ نَحْرِهِ يَوْمَ النَّحْرِ ضَحْوَةً
ــ
[الفواكه الدواني]
عَشْرَةَ أَعْلَاهَا فَحْلُ الضَّأْنِ وَأَدْنَاهَا أُنْثَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ نَوْعَيْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْأَطْيَبِ لَحْمًا مِنْهُمَا. ثُمَّ بَيَّنَ مُحْتَرَزَ قَوْلِهِ فِي الضَّحَايَا بِقَوْلِهِ: (وَأَمَّا فِي الْهَدَايَا فَالْإِبِلُ أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهَا كَثْرَةُ اللَّحْمِ بِخِلَافِ الضَّحَايَا الْمَطْلُوبُ فِيهَا طِيبُ اللَّحْمِ (ثُمَّ) يَلِي الْإِبِلَ فِي الْفَضْلِ (الْبَقَرُ ثُمَّ) يَلِي الْبَقَرَ (الضَّأْنُ ثُمَّ الْمَعْزُ) وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ» . وَفِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: «أَنَّهُ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ» زَادَ النَّسَائِيُّ: «وَيَأْكُلُ فِي سَوَادٍ» .
وَرُوِيَ أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ صِفَةُ الْكَبْشِ الَّذِي فَدَى بِهِ سَيِّدُنَا إبْرَاهِيمُ وَلَدَهُ ﵉ مِنْ الذَّبْحِ، وَأَفْضَلُ الضَّحَايَا الْأَبْيَضُ الْأَقْرَنُ الْأَعْيَنُ الَّذِي يَمْشِي فِي سَوَادٍ، وَالْعُفْرُ الْمَذْكُورَةُ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ هِيَ الْبَيْضَاءُ، وَالْأَعْيَنُ الْمُرَادُ بِهِ الْوَاسِعُ الْعَيْنِ، وَالْأَمْلَحُ الَّذِي بَيَاضُهُ أَكْثَرُ مِنْ سَوَادِهِ أَوْ الَّذِي لَوْنُهُ كَلَوْنِ الْمِلْحِ، وَمَعْنَى يَطَأُ فِي سَوَادٍ وَيَأْكُلُ فِي سَوَادٍ وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ أَنَّ قَوَائِمَهُ وَبَطْنَهُ، وَمَا حَوْلَ عَيْنَيْهِ أَسْوَدُ.
وَلَمَّا بَيَّنَ السِّنَّ الْمُجْزِئَ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْعُيُوبِ الَّتِي تَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تُجْزِئُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا (عَوْرَاءُ) بِالْمَدِّ، وَهِيَ فَاقِدَةُ جَمِيعِ أَوْ مُعْظَمِ نُورِ إحْدَى عَيْنَيْهَا، وَلَوْ بَقِيَتْ الْحَدَقَةُ، وَأَحْرَى فِي عَدَمِ الْإِجْزَاءِ الْعَمْيَاءُ، وَلَوْ كَانَتْ سَمِينَةً. (وَلَا) يُجْزِئُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا (مَرِيضَةٌ) مَرَضًا بَيِّنًا، وَهُوَ الَّذِي لَا تَتَصَرَّفُ مَعَهُ تَصَرُّفَ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ الْبَيِّنَ يُفْسِدُ اللَّحْمَ، وَمِنْهُ الْجَرَبُ الْكَثِيرُ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْأَكْلِ (وَلَا) يُجْزِئُ أَيْضًا (الْعَرْجَاءُ) بِالْمَدِّ (الْبَيِّنُ) أَيْ الْفَاحِشُ (ضِلْعُهَا) يُرْوَى بِالضَّادِ وَالظَّاءِ أَيْ عَرَجُهَا بِحَيْثُ لَا تَلْحَقُ الْغَنَمَ (وَلَا) يُجْزِئُ أَيْضًا (الْعَجْفَاءُ) بِالْمَدِّ وَفَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ: (الَّتِي لَا شَحْمَ فِيهَا) لِشِدَّةِ هُزَالِهَا وَالْأَكْثَرُ تَفْسِيرُهَا بِأَنَّهَا الَّتِي لَا مُخَّ فِي عِظَامِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي عِظَامِهَا مُخٌّ تُجْزِئُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَحْمٌ، وَهَذِهِ الْعُيُوبُ الْأَرْبَعَةُ مُجْمَعٌ عَلَى وُجُوبِ اتِّقَائِهَا لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَمَّا يُتَّقَى فِي الضَّحَايَا فَأَشَارَ بِيَدِهِ، وَكَانَ الْبَرَاءُ يُشِيرُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: يَدِي أَقْصَرُ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ضِلْعُهَا وَالْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنَقَّى أَيْ لَا مُخَّ فِي عِظَامِهَا لِشِدَّةِ هُزَالِهَا.
قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَلَمَّا كَانَ الْمَطْلُوبُ سَلَامَةَ الضَّحِيَّةِ وَنَحْوِهَا مِنْ عَقِيقَةٍ، وَهَدْيٍ وَجَزَاءٍ وَفِدْيَةٍ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَا خُصُوصِ مَا سَبَقَ قَالَ: (وَ) كَذَلِكَ (يُتَّقَى فِيهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا (الْعَيْبُ كُلُّهُ) وُجُوبًا حَيْثُ كَانَ فَاحِشًا كَالْجُنُونِ، وَهُوَ فَقْدُ الْإِلْهَامِ، وَالْبَشَمُ، وَهُوَ التُّخَمَةُ الَّتِي تَحْصُلُ لِلْحَيَوَانِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ، وَكَذَا نَقْصُ جُزْءٍ غَيْرِ خَصِيِّهِ، وَمِنْهُ صِغَرُ الْأُذُنِ الْفَاحِشُ، وَهِيَ الصَّمَّاءُ، وَيُقَالُ لَهَا عِنْدَ الْعَامَّةِ الْمَلْصَاءُ بِخِلَافِ صِغَرِ الْأُذُنِ الْخَفِيفِ، وَتُعْرَفُ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالْكَرْتَاءِ فَلَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ.
وَمِثْلُهُ لَوْ قُطِعَ مِنْ أُذُنِهَا الثُّلُثُ فَأَقَلُّ بِخِلَافِ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، وَمِمَّا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ الْبَتْرُ، وَهُوَ عَدَمُ الذَّنَبِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضٍ مِنْهُ إنْ كَانَ لَهُ بَالٌ، وَلَوْ الثُّلُثُ فَأَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ ثُلُثِ الذَّنَبِ وَثُلُثِ الْأُذُنِ أَنَّ الذَّنَبَ مُشْتَمِلٌ عَلَى لَحْمٍ وَشَحْمٍ، بِخِلَافِ الْأُذُنِ فَإِنَّهَا مَحْضُ جِلْدٍ، وَهَذَا فِي ذَنَبِ الْغَنَمِ الَّتِي لَهَا لِيَّةٌ كَبِيرَةٌ، وَأَمَّا نَحْوُ الثَّوْرِ وَالْجَمَلِ وَالْغَنَمِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ مِمَّا لَا لَحْمَ، وَلَا شَحْمَ فِي ذَنَبِهِ فَاَلَّذِي يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ مِنْهُ مَا يُنْقِصُ الْجَمَالَ، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالثُّلُثِ، وَمِمَّا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ الْبَخَرُ، وَهُوَ تَغَيُّرُ رَائِحَةِ الْفَمِ لِتَنْقِيصِهِ الْجَمَالِ وَتَغْيِيرِهِ اللَّحْمِ حَيْثُ كَانَ عَارِضًا لَا مَا كَانَ أَصْلِيًّا.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْعَارِضَ نَشَأَ عَنْ مَرَضٍ بِبَاطِنِ الْحَيَوَانِ، وَمِمَّا يَمْنَعُ أَيْضًا الْإِجْزَاءَ الْبُكْمُ، وَهُوَ فَقْدُ الصَّوْتِ مِنْ الْحَيَوَانِ إلَّا لِعَارِضٍ كَالنَّاقَةِ بَعْدَ حَمْلِهَا فَلَا يَضُرُّ، وَمِمَّا يَضُرُّ أَيْضًا عَدَمُ اللَّبَنِ بِخِلَافِ قِلَّتِهِ فَلَا تَمْنَعُ، وَمِمَّا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ شَقُّ الْأُذُنِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ) الشَّقُّ (يَسِيرًا) بِأَنْ يَكُونَ الثُّلُثَ فَأَقَلَّ فَلَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، وَلَمَّا كَانَ الْقَطْعُ أَشَدَّ مِنْ الشَّقِّ فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مَنْعُهُ الْإِجْزَاءَ مُطْلَقًا قَالَ: (وَكَذَلِكَ الْقَطْعُ) مِثْلُ الشَّقِّ فِي مَنْعِهِ الْإِجْزَاءِ إنْ كَثُرَ بِأَنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ شَقَّ الْأُذُنِ كَقَطْعِهَا فَإِنْ كَانَ الْمَشْقُوقُ أَوْ الْمَقْطُوعُ زَائِدًا عَلَى الثُّلُثِ مَنَعَ الْإِجْزَاءَ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ فِي الْأُذُنِ مِنْ حَيِّزِ الْيَسِيرِ، بِخِلَافِ الذَّنَبِ فَإِنَّ الثُّلُثَ كَثِيرٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْفَرْقَ، وَمِمَّا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ كَسْرُ الْقَرْنِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَ) كَذَلِكَ (مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ إنْ كَانَ) قَرْنُهَا (يُدْمِي) أَيْ لَمْ يَبْرَأْ (فَلَا يَجُوزُ) ذَبْحُهَا ضَحِيَّةً، وَلَا هَدْيًا.
(وَ) مَفْهُومُ يُدْمِي (إنْ لَمْ يُدْمِ) بِأَنْ بَرِئَ (فَذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ تَضْحِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (جَائِزٌ) ، وَلَوْ انْكَسَرَ مِنْ أَصْلِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَمِنْ لَازِمِ الْجَوَازِ الْإِجْزَاءُ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الْقَرْنِ لَيْسَ نَقْصًا فِي الْخِلْقَةِ، وَلَا فِي اللَّحْمِ، إذْ لَا خِلَافَ فِي إجْزَاءِ الْجَمَّاءِ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا بِالْأَصَالَةِ
стр. 378
وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ الْإِمَامُ أَوْ يَنْحَرَ أَعَادَ أُضْحِيَّتَهُ
وَمَنْ لَا إمَامَ لَهُمْ فَلْيَتَحَرَّوْا صَلَاةَ أَقْرَبِ الْأَئِمَّةِ إلَيْهِمْ وَذَبْحَهُ.
وَمَنْ
ــ
[الفواكه الدواني]
وَمَفْهُومُ الْقَرْنِ أَنَّ كَسْرَ نَحْوِ الرِّجْلِ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ بِالْأَوْلَى.
وَأَمَّا مَكْسُورَةُ السِّنِّ أَوْ مَقْلُوعَتُهَا فَفِيهَا تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ أَنَّ فَقْدَ الْوَاحِدَةِ وَأَوْلَى كَسْرُهَا لِغَيْرِ إثْغَارٍ، وَلِغَيْرِ كِبَرٍ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، وَذَهَابُ الِاثْنَيْنِ كَغَيْرِهِمَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ عَلَى الرَّاجِحِ، وَإِمَّا لِإِثْغَارٍ أَوْ كِبَرٍ فَلَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، وَلَوْ الْجَمِيعُ، وَأَمَّا الْعُيُوبُ غَيْرُ الْفَاحِشَةِ فَالسَّلَامَةُ مِنْهَا مَنْدُوبَةٌ فِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا بِأَنْ لَا تَكُونَ خَرْقَاءَ حَيْثُ كَانَ الثُّلُثُ فَأَقَلُّ، وَأَنْ لَا تَكُونَ مُقَابَلَةً، وَهِيَ الْمَقْطُوعَةُ بَعْضِ الْأُذُنِ وَيُتْرَكُ الْمَقْطُوعُ مُعَلَّقًا قِبَلَ وَجْهِهَا فَإِنْ كَانَ مُؤَخَّرًا فَهِيَ الْمُدَابَرَةُ، وَأَنْ لَا يَكُونَ شَرْقَاءُ، وَهُوَ الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ حَسَنَةَ الصُّورَةِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ سَمِينَةً، وَأَنْ تَكُونَ بَيْضَاءَ وَقَرْنَاءَ كَمَا يُفْهَمُ مِمَّا قَدَّمْنَا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَذْكِيَتِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلْيَلِ الرَّجُلُ) أَيْ الْمُضَحِّي مُطْلَقًا عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ (ذَبْحَ) الْمُرَادُ تَذْكِيَتَهُ (أُضْحِيَّتِهِ) أَوْ هَدْيِهِ أَوْ فِدْيَتِهِ (بِيَدِهِ) ، وَلَوْ كَانَ صَغِيرًا فَإِنْ لَمْ يُطِقْ إلَّا بِمُعِينٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا نُدِبَتْ مُبَاشَرَةُ الذَّكَاةِ اقْتِدَاءً بِالْمُصْطَفَى ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ يَذْبَحُ أُضْحِيَّتَهُ بِيَدِهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ التَّوَاضُعِ، وَلِذَلِكَ تُكْرَهُ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْمُبَاشَرَةَ صَحَّ إنَابَتُهُ مُسْلِمًا صَالِحًا، فَإِنْ، وَكَّلَ تَارِكَ الصَّلَاةِ صَحَّتْ ضَحِيَّتُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَإِنْ، وَكَّلَ كَافِرًا لَمْ تَصِحَّ، وَلَوْ كِتَابِيًّا وَتَصِيرُ شَاةَ لَحْمٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كِتَابِيًّا لَمْ تُؤْكَلْ، وَإِنْ كَانَ كِتَابِيًّا حَلَّ أَكْلُهَا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّ إنَابَةٌ بِلَفْظٍ إنْ أَسْلَمَ، وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ أَوْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ أَوْ بِعَادَةٍ كَقَرِيبٍ، وَإِلَّا فَتَرَدُّدٌ لَا إنْ غَلِطَ فَلَا تُجْزِئُ عَنْ أَحَدِهِمَا.
ثُمَّ بَيَّنَ زَمَنَ ذَبْحِ الضَّحِيَّةِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ) مَا يُذْبَحُ (أَوْ نَحْرِهِ) مَا يُنْحَرُ حَيْثُ كَانَ الذَّبْحُ (فِي) أَوَّلِ (يَوْمٍ) مِنْ أَيَّامِ (النَّحْرِ ضَحْوَةً) ، وَهُوَ وَقْتُ حِلِّ النَّافِلَةِ، وَهَذَا أَوَّلُ وَقْتِهَا لِغَيْرِ الْإِمَامِ، وَأَمَّا أَوَّلُ وَقْتِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَبَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ صَلَاتِهِ وَخُطْبَتِهِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِمَامِ إمَامُ الصَّلَاةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامُ الطَّاعَةِ أَخْرَجَ أُضْحِيَّتَهُ فَيَكُونُ الْمُعْتَبَرُ ذَبْحَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] فَإِنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ قَالَ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ ذَبَحُوا قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَيَّدْنَا بِالضَّحِيَّةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْهَدْيِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِكَوْنِهِ بَعْدَ ذَبْحِ إمَامٍ؛ لِأَنَّ الْحَاجَّ لَا يُصَلِّي الْعِيدَ، وَمَفْهُومُ قَوْلِنَا أَوَّلَ يَوْمٍ أَنَّ مَا عَدَاهُ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ لَا يُرَاعَى قَدْرُ زَمَنِ ذَبْحِ الْإِمَامِ، بَلْ يَدْخُلُ وَقْتُ الذَّبْحِ أَوْ النَّحْرِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ لِحِلِّ النَّافِلَةِ.
(تَنْبِيهٌ) إذَا عَلِمَ أَنَّ ذَبْحَ غَيْرِ الْإِمَامِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يُبْرِزَ أُضْحِيَّتَهُ لِلْمُصَلَّى لِيَرَى النَّاسُ ذَبْحَهُ فَإِنْ لَمْ يُبْرِزْهَا فَسَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِهِ.
ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى مَا قَبْلَهُ قَوْلَهُ: (، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ الْإِمَامُ أَوْ) قَبْلَ أَنْ (يَنْحَرَ أَعَادَ أُضْحِيَّتَهُ) لِشَرْطِيَّةِ تَأْخِيرِ ذَبْحِهِ بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ، سَوَاءٌ كَانَ صَلَّى الْعِيدَ مَعَ الْإِمَامِ أَمْ لَا، وَهَذَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ أَخْرَجَ الضَّحِيَّةَ إلَى الْمُصَلَّى، سَوَاءٌ عَلِمَ الَّذِي ذَبَحَ قَبْلَهُ بِإِبْرَازِهَا أَوْ لَا، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ أَخْرَجَ أُضْحِيَّتَهُ إلَى الْمُصَلَّى فَإِنَّ غَيْرَهُ يَتَحَرَّى قَدْرَ ذَبْحِهِ بِمَنْزِلَةٍ وَيَذْبَحُ وَيُجْزِئُهُ ذَبْحُهُ، وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ ذَبَحَ قَبْلَهُ حَيْثُ كَانَ عَدِمَ ذَبْحَ الْإِمَامِ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَى مَنْزِلِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَدِمَ مُبَادَرَتَهُ إلَى الذَّبْحِ لِعُذْرٍ كَاشْتِغَالِهِ بِقِتَالِ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ ذَبْحَهُ إلَى أَنْ يَبْقَى لِلزَّوَالِ قَدْرَ ذَبْحِهِ فَيَذْبَحُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: تَلَخَّصَ أَنَّ التَّحَرِّيَ لِذَبْحِ الْإِمَامِ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ لَمْ يُبْرِزْ أُضْحِيَّتَهُ، وَأَمَّا لَوْ أَبْرَزَهَا فَلَا يُعْتَبَرُ التَّحَرِّي مِنْ أَحَدٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَةِ الضَّحِيَّةِ حَيْثُ بَانَ السَّبْقُ صَلَّى السَّابِقُ مَعَ الْإِمَامِ أَمْ لَا، عَلِمَ إبْرَازَ الْإِمَامِ أَمْ لَا.
الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِهِ: وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّ الذَّابِحَ مَعَهُ يَصِحُّ ذَبْحُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ الْمُسَاوَاةُ كَالسَّبْقِ، وَمِثْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَوْلُ خَلِيلٍ وَأَعَادَ سَابِقُهُ إلَّا الْمُتَحَرِّيَ أَقْرَبَ إمَامٍ فَإِنْ لَمْ يُبْرِزْهَا وَتَوَانَى بِلَا عُذْرٍ قَدْرَهُ وَبِهِ انْتَظَرَ لِلزَّوَالِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَاجِبَ التَّأْخِيرُ عَنْ فِعْلِ الْإِمَامِ كَوُجُوبِ تَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَخَلِيلٌ: وَمَنْ ذَبَحَ مَعَ الْإِمَامِ أَعَادَ لَفُهِمَ مِنْهُ إعَادَةُ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَهُ بِالْأَوْلَى
، وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى ذَبْحِ مَنْ لَهُ إمَامٌ شَرَعَ فِي وَقْتِ ذَبْحِ مَنْ لَا إمَامَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ لَا إمَامَ لَهُمْ) فِي صَلَاةِ الْعِيدِ (فَلْيَتَحَرَّوْا صَلَاةَ أَقْرَبِ الْأَئِمَّةِ إلَيْهِمْ وَذَبْحَهُ) بَعْدَ خُطْبَتِهِ، وَإِذَا تَحَرَّوْا وَبَانَ سَبْقُهُمْ لَهُ أَجْزَأَهُمْ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأَعَادَ سَابِقُهُ إلَّا الْمُتَحَرِّيَ أَقْرَبَ إمَامٍ أَيْ فَلَا يُعِيدُ، وَحَدَّ بَعْضُهُمْ الْقُرْبَ بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَنَارِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَأْتِي لِصَلَاةِ الْعِيدِ مِنْهُ، وَأَمَّا مَا بَعُدَ عَنْ الثَّلَاثَةِ أَمْيَالِ فَلَا يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُهُ؛ لِأَنَّ الضَّحِيَّةَ تَبَعٌ لِلصَّلَاةِ. (تَنْبِيهٌ) بَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ مَنْ لَهُمْ إمَامٌ، وَلَيْسَ لَهُ أُضْحِيَّةٌ وَيَظْهَرُ أَنْ يَتَحَرَّوْا وَقْتَ فَرَاغِ ذَبْحِهِ بَعْدَ خُطْبَتِهِ وَصَلَاتِهِ أَنْ لَوْ كَانَ لَهُ أُضْحِيَّةٌ، وَكَذَا مَنْ لَيْسَ لَهُمْ إمَامٌ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَتَحَرَّوْا ذَبْحَهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَحَرَّوْا ذَبْحَ إمَامِهِمْ إنْ لَوْ كَانَ لَهُمْ إمَامٌ بَلْ هُوَ الْأَوْلَى بِالتَّحَرِّي، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ اكْتَفَى بِذَبْحِ مَنْ تَحَرَّى فِي مَحَلِّهِ وَتَبَيَّنَ سَبْقُهُ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِصَلَاةِ أَوْ صَوْمِ مَنْ تَحَرَّى وَتَبَيَّنَ سَبْقُهُ لِلْفَجْرِ أَوْ لِزَمَنِ الصَّوْمِ؟
стр. 379
ضَحَّى بِلَيْلٍ أَوْ أَهْدَى لَمْ يُجْزِهِ
وَأَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ يُذْبَحُ فِيهَا أَوْ يُنْحَرُ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِهَا وَأَفْضَلُ أَيَّامِ النَّحْرِ أَوَّلُهَا
وَمَنْ فَاتَهُ الذَّبْحُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ إلَى الزَّوَالِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَصْبِرَ إلَى ضُحَى الْيَوْمِ الثَّانِي
وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ جِلْدٌ وَلَا غَيْرُهُ.
وَتُوَجَّهُ الذَّبِيحَةُ عِنْدَ الذَّبْحِ إلَى الْقِبْلَةِ.
وَلْيَقُلْ الذَّابِحُ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ
ــ
[الفواكه الدواني]
فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْوَقْتَ لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ شَرْطٌ وَالْمَشْرُوطُ لَا يَصِحُّ بِدُونِ شَرْطِهِ، وَقِيلَ؛ لِأَنَّ الضَّحِيَّةَ مَالٌ، وَإِخْرَاجُهُ مِمَّا يَشُقُّ عَلَى النَّفْسِ غَالِبًا.
، وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ شَرْطًا فِي ذَبْحِ الضَّحِيَّةِ، وَمَا مَاثَلَهَا فِي الشُّرُوطِ مِنْ الْهَدَايَا وَالْجَزَاءِ قَالَ: (وَمَنْ ضَحَّى) أَيْ ذَبَحَ (بِلَيْلٍ أَوْ أَهْدَى) أَوْ ذَبَحَ الْجَزَاءَ (لَمْ يُجْزِهِ) ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ شَرْطٌ فِيهَا، وَالْمُرَادُ بِاللَّيْلِ هُنَا مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَبِالنَّهَارِ مَا بَعْدَ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى ثَانِي النَّحْرِ وَثَالِثِهِ، وَأَمَّا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ فَأَوَّلُهُ بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ أَوْ تَحَرِّي ذَبْحِهِ عَلَى مَا مَرَّ، فَمَنْ ضَحَّى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ التَّأْخِيرَ لِحِلِّ النَّافِلَةِ، بِخِلَافِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى شَرْطِيَّةِ النَّهَارِ مَا قِيلَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «، وَمَنْ ضَحَّى بِلَيْلٍ فَلْيُعِدْ» ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ أَيْضًا الذَّبْحُ لِهَدْيٍ، وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْقُرْبِ فِي غَيْرِ النَّهَارِ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ إظْهَارُ الشَّعَائِرِ، وَأَيْضًا لَوْ ذَبَحَ الْهَدْيَ أَوْ الْجَزَاءَ لَيْلًا قَدْ لَا يَجِدُ الْمَسَاكِينَ فَيَفْسُدُ اللَّحْمُ بِتَأْخِيرِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ عِدَّةِ أَيَّامِ النَّحْرِ بِقَوْلِهِ: (وَأَيَّامُ النَّحْرِ) أَيْ الذَّبْحِ لِلضَّحِيَّةِ (ثَلَاثَةٌ) الْيَوْمُ الْأَوَّلُ وَتَالِيَاهُ يَجُوزُ أَنْ (يَذْبَحَ فِيهَا أَوْ يَنْحَرَ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِهَا) عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَرَدَّ بِقَوْلِهِ ثَلَاثَةً عَلَى الشَّافِعِيِّ حَيْثُ قَالَ: أَيَّامُ النَّحْرِ أَرْبَعَةٌ، وَقَوْلُنَا لِلضَّحِيَّةِ احْتِرَازًا مِنْ الْهَدَايَا، وَمَا فِي حُكْمِهَا فَإِنَّ وَقْتَ ذَبْحِهَا بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَجِّ (تَنْبِيهٌ) تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ لِغَايَةِ الذَّبْحِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ هُنَا لِوَقْتِ الِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ مِمَّا سَبَقَ، وَقَدْ وَضَّحْنَاهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِمَامِ، وَلِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ إمَامٌ، وَمَنْ لَا إمَامَ لَهُ فَرَاجِعْهُ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الذَّبْحَ فِي الثَّلَاثَةِ مُسْتَوْفَى الْفَضْلِ قَالَ: (وَأَفْضَلُ أَيَّامِ النَّحْرِ أَوَّلُهَا) اقْتِدَاءً بِالْمُصْطَفَى ﷺ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَلِأَنَّ فِيهِ الْمُبَادَرَةَ لِلْقُرْبَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ابْتِدَاءَهُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ خُطْبَتِهِ بَعْدَ صَلَاتِهِ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ،
، وَلَمَّا جَرَى خِلَافٌ بَيْنَ أَفْضَلِيَّةِ أَوَّلِ الثَّانِي وَآخِرِ الْأَوَّلِ قَالَ: (وَمَنْ فَاتَهُ الذَّبْحُ) أَوْ النَّحْرُ لِأُضْحِيَّتِهِ (فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ إلَى) دُخُولِ (الزَّوَالِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ) ، وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ (يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَصْبِرَ) مِنْ غَيْرِ ذَبْحٍ (إلَى ضُحَى الْيَوْمِ الثَّانِي) وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ لِفَضْلِ جَمِيعِ الْأَوَّلِ عَلَى أَوَّلِ الثَّانِي، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَرَجَّحَهُ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَالْيَوْمُ الْأَوَّلُ فَجَزَمَ بِأَنَّ الْأَوَّلَ بِتَمَامِهِ أَفْضَلُ مِنْ الثَّانِي حَتَّى أَنْكَرَ الْقَابِسِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ حَبِيبٍ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الرَّاجِحَ أَفْضَلِيَّةُ أَوَّلِ يَوْمٍ بِتَمَامِهِ عَلَى تَالِيَيْهِ، وَضَعُفَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَيُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّ أَوَّلَ الثَّانِي مِنْ فَجْرِهِ إلَى زَوَالِهِ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ أَيَّامِ النَّحْرِ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَ آخِرِ الثَّانِي وَأَوَّلِ الثَّالِثِ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَفِي أَفْضَلِيَّةِ أَوَّلِ الثَّالِثِ عَلَى آخِرِ الثَّانِي تَرَدُّدٌ،
، وَلَمَّا كَانَتْ الضَّحِيَّةُ قُرْبَةً، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ دَفْعُهُ بِعِوَضٍ قَالَ: (وَلَا) يَحِلُّ أَنْ (يُبَاعَ شَيْءٌ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ جِلْدٌ، وَلَا غَيْرُهُ) ، وَلَا يَشْتَرِي بِشَيْءٍ مِنْهَا نَحْوَ مَاعُونٍ لِخُرُوجِهَا قُرْبَةً، وَهِيَ لَا يُعَاوَضُ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا أَبَاحَ اللَّهُ الِانْتِفَاعَ بِهَا مِنْ أَكْلٍ وَصَدَقَةٍ، وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا ذُبِحَتْ قَبْلَ الْإِمَامِ بِحَيْثُ لَا تُجْزِئُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمُنِعَ الْبَيْعُ، وَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ تَعَيَّبَتْ حَالَةَ الذَّبْحِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ ذَبَحَ مَعِيبًا جَهْلًا، وَمِثْلُ الضَّحِيَّةِ الْهَدْيُ وَالْفِدْيَةُ وَالْعَقِيقَةُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: بَنَى يُبَاعُ لِلْمَجْهُولِ، وَهُوَ يُوهِمُ حُرْمَةَ بَيْعِهَا، وَلَوْ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَجُوزُ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ بَيْعُهَا، وَلَوْ عَلِمَ الْمُتَصَدِّقُ بِالْكَسْرِ أَنَّ الْمِسْكِينَ يَبِيعُهَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَكَذَلِكَ الْمُهْدَى لَهُ لِوَجْهِهِ فَلَا مَفْهُومَ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ.
الثَّانِي: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ الْبَيْعِ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَالْحُكْمُ فِيهِ الْفَسْخُ إنْ كَانَ الشَّيْءُ الْمُبَاعُ قَائِمًا، وَأَمَّا لَوْ فَاتَ فَإِنَّهُ يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِالْعِوَضِ أَوْ بِبَدَلِهِ إنْ فَاتَ حَيْثُ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُضَحِّي أَوْ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَيْثُ صَرَفَ الْعِوَضَ فِيمَا يَلْزَمُ الْمُضَحِّيَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْبَائِعُ غَيْرَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَصَرَفَهُ الْبَائِعُ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُضَحِّي، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَكَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُضَحِّي التَّصَدُّقُ بِالْعِوَضِ كَمَا ذَكَرْنَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِأَرْشِ عَيْبٍ رَجَعَ بِهِ عَلَى بَائِعِ الضَّحِيَّةِ بَعْدَ تَعْيِينِهَا بِنَذْرٍ أَوْ ذَبْحٍ حَيْثُ كَانَ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ لِظُهُورِ كَوْنِهَا خَرْقَاءَ أَوْ شَرْقَاءَ، وَأَمَّا أَرْشُ عَيْبٍ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فَالتَّصَدُّقُ بِهِ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهَا.
الثَّالِثُ: لَوْ فَعَلَ بِأُضْحِيَّتِهِ سَنَةَ عُرْسِهِ أَجْزَأَتْهُ بِخِلَافِ لَوْ عَقَّ بِهَا عَنْ مَوْلُودٍ لَمْ يُجْزِهِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْوَلِيمَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ذَبْحٌ أَصْلًا، بَلْ يَكْفِي فِيهَا مُجَرَّدُ طَعَامٍ، بِخِلَافِ الْعَقِيقَةِ فَإِنَّهَا يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الضَّحِيَّةِ، فَلَا تُجْزِئُ ضَحِيَّتُهُ إلَّا إذَا ذَبَحَهَا بِنِيَّةِ الضَّحِيَّةِ.
، وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ
стр. 380
أَكْبَرُ.
وَإِنْ زَادَ فِي الْأُضْحِيَّةِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَمَنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي ذَبْحِ أُضْحِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ.
وَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ لَمْ تُؤْكَلْ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ إرْسَالِ الْجَوَارِحِ عَلَى الصَّيْدِ.
وَلَا يُبَاعُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ وَالنُّسُكِ لَحْمٌ
ــ
[الفواكه الدواني]
الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ الضَّحِيَّةِ شَرَعَ فِي صِفَةِ ذَبْحِهَا كَغَيْرِهَا بِقَوْلِهِ: (وَتُوَجَّهُ الذَّبِيحَةُ عِنْدَ الذَّبْحِ) عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ (إلَى الْقِبْلَةِ) كَمَا يُسْتَحَبُّ إضْجَاعُهَا عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ؛ لِأَنَّهُ أَعْوَنُ لِلذَّبْحِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْسَرَ فَيُضْجِعَهَا عَلَى شِقِّهَا الْأَيْمَنِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: السُّنَّةُ أَخْذُ الشَّاةِ بِرِفْقٍ وَتُضْجَعُ عَلَى شِقِّهَا الْأَيْسَرِ وَرَأْسُهَا مُشْرِفٌ بِالْفَاءِ وَتَأْخُذُ بِيَدِك الْيُسْرَى جِلْدَةَ حَلْقِهَا مِنْ اللَّحْيِ الْأَسْفَلِ بِالصُّوفِ أَوْ غَيْرِهِ فَتَمُدُّهُ حَتَّى تُبَيِّنَ الْبَشَرَةَ وَتَضَعَ السِّكِّينَ فِي الْمَذْبَحِ حَتَّى تَكُونَ الْجَوْزَةُ فِي الرَّأْسِ، ثُمَّ تُسَمِّيَ اللَّهَ وَتُمِرَّ السِّكِّينَ مَرًّا مُجْهِزًا مِنْ غَيْرِ تَرْدِيدٍ ثُمَّ تَرْفَعُ، وَلَا تَنْخَعُ، وَلَا تَضْرِبُ بِهَا الْأَرْضَ، وَلَا تَجْعَلْ رِجْلَك عَلَى عُنُقِهَا فَإِنْ خَالَفَ تِلْكَ الصِّفَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ أَسَاءَ وَتُؤْكَلُ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ ﵊ «وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِهَا» ،؛ لِأَنَّ الدَّمِيرِيَّ قَالَ فِيهِ. إنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ، وَعَلَى فَرْضِ ثُبُوتِهِ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْمُصْطَفَى ﷺ ، وَمَفْهُومُ الذَّبِيحَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بَلْ يَنْدُبُ تَوْجِيهُ الْمَنْحُورِ لِلْقِبْلَةِ أَيْضًا.
(وَلْيَقُلْ الذَّابِحُ) أَوْ النَّاحِرُ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ عِنْدَ شُرُوعِهِ (بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) قَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ نِيَّتُهَا وَتَسْمِيَةٌ إنْ ذَكَرَ أَوْ قَدَرَ، وَاشْتِرَاطُ الذِّكْرِ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ فِيمَا يَأْتِي، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي صِفَةِ التَّسْمِيَةِ إنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِلْوَجْهِ الْأَكْمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ. بِسْمِ اللَّهِ فَقَطْ أَوْ اللَّهُ أَكْبَرُ أَوْ لَا حَوْلَ، وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَجْزَأَهُ، بَلْ فِي كَلَامِ سَنَدٍ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهَ مُقْتَصِرًا عَلَى لَفْظِ الْجَلَالَةِ أَجْزَأَهُ وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ لَمْ يُلَاحِظْ لَهُ خَبَرًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ ذِكْرُ اللَّهِ وَأَمَّا لَوْ قَالَ: بِسْمِ الرَّحْمَنِ أَوْ الْعَزِيزِ أَوْ الْخَالِقِ فَلَا يَكْفِي، وَقَيَّدْنَا بِالذِّكْرِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ النَّاسِي، فَإِنَّ ذَكَاتَهُ تُؤْكَلُ كَمَا يَأْتِي، وَقَيَّدْنَا بِالْقَادِرِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِ الْقَادِرِ كَالْأَخْرَسِ فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ سَاقِطَةٌ عَنْهُ كَسُقُوطِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَنْهُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَوْ عَجَزَ عَنْ التَّسْمِيَةِ بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ وَقَدَرَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: الظَّاهِرُ سُقُوطُهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ صِحَّةُ ذَبْحِ الْعَاجِزِ عَنْ التَّسْمِيَةِ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْقَادِرِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ.
(وَإِنْ زَادَ) الذَّابِحُ عَلَى التَّسْمِيَةِ (فِي) ذَبْحِ (الْأُضْحِيَّةِ) أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْقُرْبِ (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ) أَيْ مُبَاحٌ، وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: إنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ مِنْك، وَإِلَيْك فِي ذَبْحِ الضَّحِيَّةِ فَيُكْرَهُ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِمَا إذَا كَانَ قَائِلُهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ التَّسْمِيَةِ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ.
(وَمَنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي) حَالِ (ذَبْحِ أُضْحِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا) وَاسْتَمَرَّ نَاسِيًا حَتَّى فَرَغَ مِنْ ذَكَاتِهَا (فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ) ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ التَّسْمِيَةِ مُقَيَّدٌ بِالذِّكْرِ كَمَا قَدَّمْنَا.
(وَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ) إمَّا ابْتِدَاءً وَاسْتَمَرَّ عَلَى تَرْكِهَا حَتَّى أَنْفَذَ مَقْتَلَ الْحَيَوَانِ أَوْ بَعْدَ قَطْعِ بَعْضِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ إنْ نَسِيَهَا ابْتِدَاءً وَتَذَكَّرَهَا فِي الْأَثْنَاءِ وَتَرَكَهَا. (لَمْ تُؤْكَلْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] لِحَمْلِهِ عَلَى التَّرْكِ عَمْدًا، وَمِنْ التَّعَمُّدِ تَرْكُهَا مُتَهَاوِنًا. وَأَمَّا لَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ ابْتِدَاءً ثُمَّ قَبْلَ قَطْعِ تَمَامِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ سَمَّى فَيَنْبَغِي الْإِجْزَاءُ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ مَحَلَّ الْإِجْزَاءِ إنْ أَتَى بِالتَّسْمِيَةِ قَبْلَ إنْفَاذِ مَقْتَلِ الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ فِي مَنْفُوذِ الزَّمِنِ، وَهَذَا بِخِلَافِ لَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ نِسْيَانًا وَتَذَكَّرَهَا فِي أَثْنَاءِ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ يُطَالَبُ بِهَا وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ، وَلَوْ كَانَ التَّذْكِرَةُ بَعْدَ إنْفَاذِ الْمَقَاتِلِ، وَالْفَرْقُ لَا يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ، وَلَمَّا كَانَتْ التَّسْمِيَةُ مَطْلُوبَةً حَتَّى فِي الصَّيْدِ قَالَ: (وَكَذَلِكَ) تَرْكُ التَّسْمِيَةِ (عِنْدَ إرْسَالِ الْجَوَارِحِ) أَوْ السَّهْمِ (عَلَى الصَّيْدِ) فَإِنْ كَانَ نِسْيَانًا أُكِلَ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا لَمْ يُؤْكَلْ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: نَصَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ تَرْكِهَا عَمْدًا وَنِسْيَانًا، وَسَكَتَ عَنْ تَرْكِهَا جَهْلًا وَتَهَاوُنًا، وَمِنْهُ مَنْ يَكْثُرُ نِسْيَانُهُ لَهَا، وَالْحُكْمُ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ كَتَرْكِهَا عَمْدًا وَأَمَّا تَرْكُهَا عَجْزًا أَوْ مُكْرَهًا فَتُؤْكَلُ إلْحَاقًا لَهُمَا بِالنِّسْيَانِ.
الثَّانِي: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ حُكْمُ التَّسْمِيَةِ، وَهُوَ الْوُجُوبُ، وَسَكَتَ عَنْ نِيَّةِ الذَّكَاةِ وَحُكْمُهَا الْوُجُوبُ مِنْ غَيْرٍ قَيْدٍ مِمَّا قُيِّدَتْ بِهِ التَّسْمِيَةُ، وَالْمُرَادُ نِيَّةُ الْفِعْلِ، وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْ التَّحْلِيلَ، وَلَا التَّقَرُّبَ، وَعَلَيْهِ فَمَنْ رَمَى صَيْدًا بِسِكِّينٍ فَقَطَعَ رَأْسَهُ مَثَلًا نَاوِيًا بِاصْطِيَادِهِ أُكِلَ،، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الِاصْطِيَادَ بِأَنْ نَوَى قَتْلَهُ أَوْ رَمَى حَجَرًا مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةِ الصَّيْدِ فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ، وَمِثْلُهُ مَنْ رَمَى حَيَوَانًا بِمُدْيَةٍ فَقَطَعَتْ حُلْقُومَهُ وَوَدَجَهُ أُكِلَ مَعَ قَصْدِ ذَبْحِهِ فَقَطْ لَا مَعَ قَصْدِ زَجْرِهِ عَنْهُ أَوْ قَتْلِهِ أَوْ لَا قَصْدَ لَهُ.
الثَّالِثُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ طَلَبُ التَّسْمِيَةِ وَالنِّيَّةِ عِنْدَ الذَّكَاةِ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: مَحَلُّ الْوُجُوبِ فِيهِمَا إذَا كَانَ الْمُذَكِّي مُسْلِمًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ كَافِرًا فَلَا يُعْتَبَرُ فِي أَكْلِ ذَكَاتِهِ نِيَّةٌ، وَلَا تَسْمِيَةٌ، وَقَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ: إنَّ نِيَّةَ الذَّكَاةِ لَا بُدَّ مِنْهَا حَتَّى فِي حَقِّ الْكَافِرِ، وَأَمَّا نِيَّةُ التَّقَرُّبِ فَتُطْلَبُ مِنْ الْمُسْلِمِ دُونَ الْكَافِرِ، وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ نِيَّةَ الْفِعْلِ كَافِيَةٌ عَلَى الصَّوَابِ، وَلَوْ لَمْ يُلَاحِظْ التَّقَرُّبَ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ صِحَّةِ ذَكَاةِ الْكِتَابِيِّ، وَلَوْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ
стр. 381
وَلَا جِلْدٌ وَلَا وَدَكٌ وَلَا عَصَبٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ
وَيَأْكُلُ الرَّجُلُ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ وَيَتَصَدَّقُ مِنْهَا أَفْضَلُ لَهُ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ
وَلَا يَأْكُلُ مِنْ فِدْيَةِ الْأَذَى وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَنَذْرِ الْمَسَاكِينِ، وَمَا عَطِبَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ مَحِلِّهِ وَيَأْكُلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ إنْ شَاءَ.
وَالذَّكَاةُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ رَفَعَ يَدَهُ بَعْدَ قَطْعِ بَعْضِ ذَلِكَ ثُمَّ أَعَادَ يَدَهُ
ــ
[الفواكه الدواني]
قَيَّدَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَكَّاهُ بِاسْمِ الصَّنَمِ، وَإِلَّا وَجَبَتْ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ حَتَّى يَحِلَّ أَكْلُهُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ افْتِقَارِ ذَكَاةِ الْكِتَابِيِّ إلَى تَسْمِيَةٍ أَوْ نِيَّةٍ فِيمَا ذَكَّاهُ إلَى نَفْسِهِ وَيَحِلُّ لَنَا أَكْلُهُ، وَأَمَّا مَا ذَكَّاهُ لِمُسْلِمٍ فَفِي صِحَّتِهِ قَوْلَانِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي ذَبْحِ كِتَابِيٍّ لِمُسْلِمٍ قَوْلَانِ فِي جَوَازِ الْأَكْلِ وَعَدَمِهِ فِي غَيْرِ الضَّحِيَّةِ، وَأَمَّا الضَّحِيَّةُ فَلَا تَصِحُّ ضَحِيَّتُهُ إذَا وَيُخْلَى الْكِتَابِيُّ اتِّفَاقًا وَيَجْرِي فِي أَكْلِهَا الْقَوْلَانِ.
(وَ) قَوْلُهُ وَ (لَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ وَالنُّسُكِ) أَيْ الْفِدْيَةِ (لَحْمٌ، وَلَا جِلْدٌ، وَلَا وَدَكٌ، وَلَا عَصَبٌ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ) مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا مَرَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ مَا سَبَقَ فِي خُصُوصٍ، وَهَذَا أَعَمُّ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَنْدُبُ لِصَاحِبِ الْأُضْحِيَّةِ بِقَوْلِهِ: (وَيَأْكُلُ الرَّجُلُ) الْمُرَادُ الْمُضَحِّي مُطْلَقًا (مِنْ أُضْحِيَّتِهِ وَيَتَصَدَّقُ مِنْهَا) عَلَى الْفُقَرَاءِ وَيُهْدِي مِنْهَا لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ (أَفْضَلُ لَهُ) مِنْ أَكْلِ جَمِيعِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَمْعُ أَكْلٍ وَصَدَقَةٍ، وَإِعْطَاءٍ بِلَا حَدٍّ، وَإِنَّمَا نُدِبَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] وَقَالَ أَيْضًا: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] وَالْقَانِعُ مَنْ لَا يَسْأَلُ بَلْ يَقْنَعُ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ فِي مَنْزِلِهِ، وَالْمُعْتَرَّ الدَّائِرُ الْمُتَعَرِّضُ لَهُ يُعْطَى مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ، وَالْبَائِسُ الْفَقِيرُ الزَّمِنُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ وَيُكْرَهُ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِ الضَّحِيَّةِ «؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَمَرَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِقِطْعَةٍ فَطُبِخَتْ لِيَكُونَ قَدْ أَكَلَ مِنْ الْجَمِيعِ» ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْجَمْعِ، وَقَوْلُ خَلِيلٍ: بِلَا حَدٍّ لَا يُنَافِي أَنَّ الْمُخْتَارَ أَكْلُ الْأَقَلِّ، وَإِطْعَامُ الْأَكْثَرِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُضَحِّي أَنْ لَا يَأْكُلَ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى يَفْطُرَ عَلَى كَبِدِ أُضْحِيَّتِهِ، وَكَرِهَ مَالِكٌ إطْعَامَ الْجَارِ النَّصْرَانِيِّ، وَأَمَّا أَكْلُهُ فِي بَيْتِ رَبِّهَا فَلَا يُكْرَهُ. (وَلَيْسَ) الْأَكْلُ مَعَ التَّصَدُّقِ (بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ) غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِ أَفْضَلُ.
، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ مُشَارَكَةِ الْفِدْيَةِ وَالْهَدْيِ لِلضَّحِيَّةِ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ مُشَارَكَتُهَا لَهُمَا فِي جَوَازِ الْأَكْلِ قَالَ: (وَلَا) يَجُوزُ لِمَنْ لَزِمَتْهُ فِدْيَةٌ أَنْ (يَأْكُلَ مِنْ فِدْيَةِ الْأَذَى) الْمَنْوِيِّ بِهَا الْهَدْيَ بِأَنْ قَلَّدَهَا أَوْ أَشْعَرَهَا (وَ) لَا مِنْ (جَزَاءِ الصَّيْدِ وَ) لَا مِنْ (نَذْرِ الْمَسَاكِينِ) الَّذِي لَمْ يُعَيَّنْ لَا بِلَفْظٍ، وَلَا نِيَّةٍ إذَا وَصَلَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ لِمَحِلِّ ذَكَاتِهَا، وَهُوَ مِنًى إنْ وَقَفَ بِهَا، وَكَانَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، أَوْ مَكَّةَ إنْ لَمْ يَكُنْ وَقَفَ بِهَا أَوْ خَرَجَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا حَرُمَ الْأَكْلُ مَعَ الْمَذْكُورَاتِ بَعْدَ الْوُصُولِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سَمَّى الْفِدْيَةَ وَالْجَزَاءَ كَفَّارَةً، وَالْإِنْسَانُ لَا يَأْكُلُ مِنْ صَدَقَتِهِ، وَلَا كَفَّارَتِهِ، وَأَمَّا لَوْ عَطِبَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ قَبْلَ وُصُولِهَا إلَى مَحِلِّهَا لَجَازَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْبَدَلَ (وَ) عَكْسُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ (مَا عَطِبَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ) أَوْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ لَا بِقَيْدِ الْمَسَاكِينِ (قَبْلَ مَحِلِّهِ) فَإِنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُهُ لِاتِّهَامِهِ عَلَى إرَادَةِ أَكْلِهِ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَنْ يَنْحَرَهُ وَيُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَيُلْقِيَ قِلَادَتَهُ بِدَمِهِ، وَأَمَّا نَذْرُ الْمَسَاكِينِ الْمُعَيَّنُ وَالْفِدْيَةُ الَّتِي لَمْ تُجْعَلْ هَدْيًا، وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ الْمَجْعُولُ لِلْمَسَاكِينِ بِاللَّفْظِ أَوْ بِالنِّيَّةِ فَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهَا لَا قَبْلَ الْمَحِلِّ، وَلَا بَعْدَ الْمَحِلِّ.
(وَ) يَجُوزُ أَنْ (يَأْكُلَ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ قَبْلَ الْمَحِلِّ وَبَعْدَهُ كَهَدْيِ التَّمَتُّعِ أَوْ الْقِرَانِ أَوْ تَعَدِّي الْمِيقَاتِ وَنَحْوِهَا مِنْ كُلِّ هَدْيٍ وَجَبَ لِنَقْصِ شَعِيرَةٍ، وَمِثْلُهَا فِي الْجَوَازِ مُطْلَقًا الْهَدْيُ الْمَضْمُونُ الَّذِي لَمْ يُعَيَّنْ لِلْمَسَاكِينِ لَا بِلَفْظٍ، وَلَا نِيَّةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَقْسَامَ أَرْبَعَةٌ: قِسْمٌ لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ لَا قَبْلُ، وَلَا بَعْدُ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: نَذْرُ الْمَسَاكِينِ الْمُعَيَّنُ، وَالْفِدْيَةُ الَّتِي لَمْ تُجْعَلْ هَدْيًا، وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ وَالْمَجْعُولُ لِلْمَسَاكِينِ، وَقِسْمٌ يُؤْكَلُ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَا وَجَبَ لِنَقْصِ شَعِيرَةٍ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ عَكْسُ الْجَمِيعِ، وَقِسْمٌ يُؤْكَلُ مِنْهُ بَعْدُ وَيَحْرُمُ قَبْلُ، وَهُوَ هَدْيُ التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنُ لَا بِقَيْدِ الْمَسَاكِينِ، وَقِسْمٌ يُؤْكَلُ مِنْهُ قَبْلُ وَيَحْرُمُ بَعْدُ، وَهُوَ نَذْرُ الْمَسَاكِينِ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ، وَالْفِدْيَةُ الْمَجْعُولَةُ هَدْيًا، وَالْجَزَاءُ هَذَا هُوَ التَّحْرِيرُ، وَعِبَارَةُ التَّتَّائِيِّ فِيهَا بَعْضُ تَغْيِيرٍ يَظْهَرُ مِنْ تَحْرِيرِنَا، وَقَدْ أَشَارَ خَلِيلٌ إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ تُؤْكَلْ مِنْ نَذْرِ الْمَسَاكِينِ عَيْنٌ مُطْلَقًا عَكْسُ الْجَمِيعِ فَلَهُ إطْعَامُ الْغَنِيِّ وَالْقَرِيبِ، وَكُرِهَ لِذِمِّيٍّ إلَّا نَذْرًا لَمْ يُعَيَّنْ، وَالْفِدْيَةُ وَالْجَزَاءُ بَعْدَ الْمَحِلِّ، وَهَدْيِ تَطَوُّعٍ إنْ عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ فَتَلْقَى قِلَادَتَهُ بِدَمِهِ وَيُخَلَّى لِلنَّاسِ كَرَسُولِهِ، وَانْظُرْ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَكْلِهِ مِنْهُ أَوْ أَمَرَهُ غَيْرُهُ بِالْأَكْلِ فِي الْمُطَوَّلَاتِ. وَقَوْلُهُ: (إنْ شَاءَ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْهَدَايَا عَدَمُ الْأَكْلِ مِنْهَا خِلَافُ الضَّحِيَّةِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ الضَّحَايَا شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الذَّكَاةِ فَقَالَ: (وَالذَّكَاةُ) فِي اللُّغَةِ التَّمَامُ، يُقَالُ: ذَكَّيْت الذَّبِيحَةَ إذَا أَتْمَمْت ذَكَاتَهَا، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَهِيَ كَمَا قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ السَّبَبُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إبَاحَةِ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ، وَتَحْتَ هَذَا أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: ذَبْحٌ وَنَحْرٌ فِي إنْسِيٍّ أَوْ وَحْشِيٍّ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، وَعَقْرٌ فِي وَحْشِيٍّ مَعْجُوزٍ عَنْهُ، وَمَا يُعَجَّلُ الْمَوْتُ فِي نَحْوِ الْجَرَادِ، وَحَقِيقَةُ الذَّكَاةِ بِمَعْنَى الذَّبْحِ. (قَطْعُ) جَمِيعِ (الْحُلْقُومِ) ، وَهُوَ الْقَصَبَةُ
стр. 382
فَأَجْهَزَ فَلَا تُؤْكَلُ.
وَإِنْ تَمَادَى حَتَّى قَطَعَ الرَّأْسَ أَسَاءَ وَلْتُؤْكَلْ.
وَمَنْ ذَبَحَ مِنْ الْقَفَا لَمْ تُؤْكَلْ.
وَالْبَقَرُ تُذْبَحُ فَإِنْ نُحِرَتْ
ــ
[الفواكه الدواني]
الَّتِي يَجْرِي فِيهَا النَّفَسُ. (وَ) قَطْعُ جَمِيعِ (الْأَوْدَاجِ) جَمْعُ وَدَجٍ، وَهُوَ الْعِرْقُ الْكَائِنُ فِي صَفْحَةِ الْعُنُقِ وَيَتَّصِلُ بِالْوَدَجِ أَكْثَرُ عُرُوقِ الْبَدَنِ وَيَتَّصِلُ بِالدِّمَاغِ وَالْحَيَوَانُ لَهُ وَدَجَانِ، وَإِنَّمَا جُمِعَ عَلَى طَرِيقِ مَنْ يُطْلِقُ الْجَمْعَ عَلَى مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ، وَلَا يُشْتَرَطُ عَلَى الْمَشْهُورِ قَطْعُ الْمَرِيءِ، وَهُوَ الْعِرْقُ الْأَحْمَرُ الَّذِي تَحْتَ الْحُلْقُومِ، وَمُتَّصِلٌ بِالْفَمِ وَبِرَأْسِ الْمَعِدَةِ وَالْكِرْشُ يَجْرِي فِيهِ الطَّعَامُ مِنْهُ إلَيْهَا وَيُسَمَّى الْبُلْعُومُ، ثُمَّ أَكَّدَ مَا سَبَقَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ) ، وَلَوْ بَقِيَ بَعْضُ وَدَجٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَإِنْ شُهِرَ الْقَوْلُ بِالِاكْتِفَاءِ بِقَطْعِ نِصْفِ الْحُلْقُومِ وَتَمَامِ الْوَدَجَيْنِ قَالَ خَلِيلٌ: الذَّكَاةُ قَطْعٌ مُمَيَّزٌ يُنَاكَحُ تَمَامَ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ مِنْ الْمُقَدَّمِ بِلَا رَفْعٍ قَبْلَ التَّمَامِ، فَلَوْ ذَبَحَهُ مِنْ الْقَفَا أَوْ مِنْ إحْدَى صَفْحَتَيْ الْعُنُقِ أَوْ أَدْخَلَ السِّكِّينَ مِنْ تَحْتِ الْعُرُوقِ وَقَطَعَهَا إلَى فَوْقٍ لَمْ تُؤْكَلْ، سَوَاءٌ أَدْخَلَ السِّكِّينَ مِنْ تَحْتِ الْعُرُوقِ ابْتِدَاءً أَوْ قَطَعَ بَعْضَ الْحُلْقُومِ مِنْ الْمُقَدَّمِ ابْتِدَاءً ثُمَّ لَمْ تُسَاعِدْهُ السِّكِّينُ فَأَدْخَلَهَا مِنْ تَحْتِهَا وَقَطَعَهَا إلَى فَوْقِهِ؛ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ أَيْضًا:
وَالْقَطْعُ مِنْ فَوْقِ الْعُرُوقِ بَتَّهْ ... وَإِنْ يَكُنْ مِنْ تَحْتِهَا فَمَيْتَهْ
وَسَوَاءٌ فَعَلَ مَا ذَكَرَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَسَيُشِيرُ الْمُصَنِّفُ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: قَطْعُ الْحُلْقُومِ أَنَّ الْمُغَلْصَمَةَ لَا تُؤْكَلُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْمُرَادُ بِهَا الَّتِي حِيزَتْ حَوْزَتَهَا لِبَدَنِهَا؛ لِأَنَّهَا الْغَلْصَمَةُ آخِرُ الْحُلْقُومِ مِنْ جِهَةِ الرَّأْسِ، فَلَوْ بَقِيَ مِنْ الْجَوْزَةِ مَعَ الرَّأْسِ قَدْرُ حَلَقَةِ الْخَاتَمِ أُكِلَتْ، وَأَمَّا لَوْ بَقِيَ لِجِهَةِ الرَّأْسِ قَدْرُ نِصْفِ حَلْقَةٍ فَلَا تُؤْكَلُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَقَوْلُنَا: حَقِيقَةُ الذَّكَاةِ بِمَعْنَى الذَّبْحِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الذَّكَاةِ بِمَعْنَى النَّحْرِ فَإِنَّهَا طَعْنٌ بِلَبَّةٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالنَّحْرُ طَعْنٌ بِلَبَّةٍ، وَمَعْنَى الطَّعْنِ الدَّكُّ، وَاللَّبَّةُ مَحَلُّ الْقِلَادَةِ مِنْ الصَّدْرِ، وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ قَطْعٌ لِشَيْءٍ مِنْ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْآلَةِ فِي اللَّبَّةِ مُوجِبٌ لِلْمَوْتِ سَرِيعًا لِوُصُولِهَا لِلْقَلْبِ، وَحِكْمَةُ الذَّكَاةِ إزْهَاقُ الرُّوحِ بِسُرْعَةٍ وَاسْتِخْرَاجُ الْفَضَلَاتِ، وَلَمَّا قَضَى اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ بِالْفَنَاءِ وَشَرَّفَ بَنِي آدَمَ بِالْعَقْلِ أَبَاحَ لَهُمْ أَكْلَ الْحَيَوَانِ قُوَّةً لِأَجْسَادِهِمْ وَتَصْفِيَةً لِمِرْآةِ عُقُولِهِمْ لِيَسْتَدِلُّوا بِطِيبِ لَحْمِهَا عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَيَنْتَبِهُوا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِلْمَوْلَى بِهِمْ عِنَايَةً لِإِيثَارِهِمْ بِالْحَيَاةِ عَلَى غَيْرِهِمْ أَيْ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْمَأْكُولَةِ.
وَلَمَّا كَانَ يُشْتَرَطُ فِي الذَّكَاةِ الْفَوْرِيَّةُ وَعَدَمُ رَفْعِ الْمُذَكِّي يَدَهُ قَبْلَ تَمَامِ الذَّكَاةِ بَيَّنَ مُحْتَرِزَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ رَفَعَ) الْمُذَكِّي (يَدَهُ بَعْدَ قَطْعِ بَعْضِ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ (ثُمَّ أَعَادَ يَدَهُ فَأَجْهَزَ) أَيْ تَمَّ الذَّكَاةَ (فَلَا تُؤْكَلُ) ذَبِيحَتُهُ حَيْثُ كَانَ رَفَعَ يَدَهُ بَعْدَ إنْفَاذِ مَقْتَلِهَا وَعَادَ عَنْ بَعْدُ، وَلَوْ كَانَ رَفَعَ يَدَهُ عَلَى جِهَةِ الِاضْطِرَارِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ رَفَعَ يَدَهُ قَبْلَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مَقَاتِلِهَا فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ، وَلَوْ عَادَ عَنْ بَعْدُ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ ذَكَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَكَذَا تُؤْكَلُ مَعَ إنْفَاذِ مَقْتَلِهَا حَيْثُ عَادَ عَنْ قُرْبٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُنْفِذْ مَقْتَلَهَا تُؤْكَلُ مُطْلَقًا، وَكَذَا إنْ أَنْفَذَ حَيْثُ عَادَ مِنْ قُرْبٍ، وَالْقُرْبُ وَالْبُعْدُ بِالْعُرْفِ وَيَجِبُ مَعَ الْبُعْدِ النِّيَّةُ وَالتَّسْمِيَةُ، وَلَوْ كَانَ الْمُتَمِّمُ لِلذَّكَاةِ هُوَ الْأَوَّلُ لِتَعْلِيلِهِمْ بِأَنَّ الثَّانِيَةَ ذَكَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَكَذَا مَعَ الْقُرْبِ حَيْثُ كَانَ الْمُتَمِّمُ لِلذَّكَاةِ غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَلَوْ كَانَ الْمُذَكِّي حَصَلَ لَهُ إنْفَاذُ مَقْتَلٍ مِنْ فِعْلِ الْأَوَّلِ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّتِهِمَا حَيْثُ تَمَّمَهَا غَيْرُ الْأَوَّلِ، كَاشْتِرَاكِ شَخْصَيْنِ فِي الذَّكَاةِ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ مِنْ كُلٍّ.
(تَنْبِيهٌ) مِثْلُ الرَّفْعِ فِي التَّفْصِيلِ إبْقَاءُ الشَّفْرَةِ عَلَى مَحَلِّ الذَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ إمْرَارٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا عَبَّرَ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ خَشِيَ تَوَهُّمَ عَدَمِ جَوَازِ أَكْلِ مُبَانِ الرَّأْسِ فَدَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ تَمَادَى) الذَّابِحُ (حَتَّى قَطَعَ) أَيْ أَبَانَ (الرَّأْسَ) مِنْ الْجَسَدِ (أَسَاءَ) أَيْ أَثِمَ بِتَعَمُّدِ ذَلِكَ. (وَلْتُؤْكَلْ) مَعَ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَتَعَمَّدَ إبَانَةَ رَأْسٍ وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ الْأَكْلِ إنْ قَصَدَهُ، وَإِذَا كَانَتْ تُؤْكَلُ مَعَ التَّعَمُّدِ فَأَحْرَى مَعَ الْغَلَبَةِ وَالسَّهْوِ، وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ: مِنْهَا غَسْلُ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ بَدَلَ الْمَسْحِ، وَمِنْهَا مَنْ بِجَبْهَتِهِ قُرُوحٌ تَمْنَعُ السُّجُودَ فَتَكَلَّفَ السُّجُودَ عَلَى الْأَنْفِ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْإِيمَاءِ.
وَلَمَّا كَانَ شَرْطُ الذَّكَاةِ الْقَطْعَ مِنْ الْمُقَدَّمِ قَالَ: (وَمَنْ ذَبَحَ مِنْ الْقَفَا) أَوْ مِنْ إحْدَى صَفْحَتَيْ الْعُنُقِ (لَمْ تُؤْكَلْ) ذَبِيحَتُهُ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ مِنْ الْمُقَدَّمِ وَاجِبٌ، فَلَوْ أَدْخَلَ السِّكِّينَ مِنْ تَحْتِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ وَقَطَعَهُمَا لِأَعْلَى لَمْ تُؤْكَلْ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَهُ سَحْنُونٌ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي مُقَدِّمَتِهِ:
وَالْقَطْعُ مِنْ فَوْقِ الْعُرُوقِ بَتَّهْ ... وَإِنْ يَكُنْ مِنْ تَحْتِهَا فَمَيْتَهْ
وَقَالَ خَلِيلٌ أَيْضًا مِنْ الْمُقَدَّمِ، وَصَرِيحُ هَذَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْقَطْعِ مِنْ تَحْتِهَا ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ ابْتِدَائِهِ مِنْ الْمُقَدَّمِ خِلَافًا لِمَنْ فَصَّلَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَنْ تَصِحُّ ذَكَاتُهُ، وَمَنْ لَا تَصِحُّ، وَنَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ فَنَقُولُ: شَرْطُهُ التَّمْيِيزُ، وَكَوْنُهُ مِمَّنْ يَصِحُّ لَنَا وَطْءُ نِسَائِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَلَوْ خَصِيًّا أَوْ فَاسِقًا، أَوْ مَجُوسِيًّا حَيْثُ تَنَصَّرَ أَوْ تَهَوَّدَ
стр. 383
أُكِلَتْ، وَالْإِبِلُ تُنْحَرُ فَإِنْ ذُبِحَتْ لَمْ تُؤْكَلْ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَكْلِهَا وَالْغَنَمُ تُذْبَحُ فَإِنْ نُحِرَتْ لَمْ تُؤْكَلْ وَقَدْ اُخْتُلِفَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ
وَذَكَاةُ مَا فِي الْبَطْنِ ذَكَاةُ أُمِّهِ إذَا تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ.
وَالْمُنْخَنِقَةُ بِحَبْلٍ وَنَحْوِهِ وَالْمَوْقُوذَةُ بِعَصًا وَشِبْهِهَا
ــ
[الفواكه الدواني]
وَإِنْ كُرِهَتْ مِنْ الْخَصِيِّ وَالْفَاسِقِ وَالْأَغْلَفِ وَالْخُنْثَى، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ لَا تَصِحُّ ذَكَاتُهُ سَوَاءٌ كَانَ عَدَمُ تَمَيُّزِهِ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ سُكْرٍ، وَلَوْ أَصَابَ وَجْهَ الذَّكَاةِ، وَكَذَا مَنْ شُكَّ فِي تَمْيِيزِهِ حِينَ تَذْكِيَتِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ يُحَقِّقُ تَمْيِيزَهُ حِينَ الذَّكَاةِ، فَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ مُتَقَطِّعِ الْجُنُونِ حَيْثُ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَبْحُهُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ.
وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ ذَبَحَ فِي حَالِ صَحْوِهِ لَمْ يُقْبَلْ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ وَيَدِينُ بِالنِّسْبَةِ لِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالصَّلَاحِ فَيَنْبَغِي تَصْدِيقُهُ، وَلَوْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ؟ وَقَوْلُنَا: وَلَوْ مَجُوسِيًّا تَنَصَّرَ أَيْ تَصِحُّ ذَكَاتُهُ وَيُؤْكَلُ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَمَّا لَوْ وَكَّلَهُ مُسْلِمٌ لِيَذْبَحَ لَهُ فَفِي صِحَّةِ ذَبْحِهِ قَوْلَانِ. الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ آلَةَ الذَّبْحِ، وَهِيَ كُلُّ مَا لَهُ حَدٌّ بِحَيْثُ يَقْطَعُ مَا يُشْتَرَطُ قَطْعُهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَدِيدًا، وَإِنْ اُسْتُحِبَّ الْحَدِيدُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ احْتَاجَ إلَى أَنْ يَذْبَحَ بِمَرْوَةَ أَوْ عُودٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ عَظْمٍ أَوْ غَيْرِهِ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ ذَبَحَ بِذَلِكَ، وَمَعَهُ سِكِّينٌ فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ إذَا أَفْرَى الْأَوْدَاجَ، أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ أَسَاءَ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا بَأْسَ بِالذَّبْحِ بِشَفْرَةٍ لَا نِصَابَ لَهَا وَالرُّمْحِ وَالْقَدُومِ وَالْمِنْجَلِ الْأَمْلَسِ الَّذِي يُؤَبَّرُ بِهِ، فَأَمَّا الْمُضَرَّسُ الَّذِي يُحْصَدُ بِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَدَّدُ، وَلَوْ قَطَعَ كَقَطْعِ الشَّفْرَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَكِنْ مَا أَرَاهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
قَالَهُ الْعَلَّامَةُ بَهْرَامُ فِي كَبِيرِهِ.
وَتَنَاوَلَ مَا قَدَّمْنَاهُ السِّنَّ وَالظُّفُرَ عَلَى أَحَدِ أَقْوَالٍ أَرْبَعَةٍ ذَكَرَهَا خَلِيلٌ، وَمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ» . فَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى حَالَةِ الِاخْتِيَارِ، فَلَا يُنَافِيَ الْجَوَازَ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ أَوْ عَلَى مَنْ لَا يُحْسِنُ الذَّبْحَ بِهِمَا.
الثَّالِثِ: لَمْ نَرَ مَنْ شَرَطَ اتِّحَادَ الْمُذَكِّي بَلْ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِمْ عَلَى مَنْ رَفَعَ يَدَهُ قَبْلَ إتْمَامِ جَوَازِ التَّعَدُّدِ بِأَنْ يَضَعَ كُلَّ يَدِهِ عَلَى مُدْيَةٍ وَاحِدَةٍ نَاوِيًا مُسَمِّيًا، أَوْ يَضَعَ كُلَّ وَاحِدِ مُدْيَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَيَحْصُلُ الْقَطْعُ دَفْعَةً وَاحِدَةً مَعَ نِيَّةِ كُلٍّ وَتَسْمِيَتِهِ.
الرَّابِعِ: إذَا وُجِدَتْ الذَّكَاةُ عَلَى الصِّفَةِ الْمَطْلُوبَةِ شَرْعًا أُكِلَتْ الذَّبِيحَةُ، وَلَوْ ذُكِّيَتْ وَرَأْسُهَا فِي الْمَاءِ، وَلَوْ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ إخْرَاجِهَا مِنْ الْمَاءِ حَيْثُ تَحَقَّقَ أَنَّ مَوْتَهَا مِنْ الذَّكَاةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُذْبَحُ وَيُنْحَرُ، وَمَا يَجِبُ فِيهِ أَحَدُهُمَا بِقَوْلِهِ: (وَالْبَقَرُ تُذْبَحُ) نَدْبًا بِدَلِيلٍ (فَإِنْ نُحِرَتْ) أَيْ طُعِنَتْ فِي لِيَّتِهَا (أُكِلَتْ) ، وَلَوْ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ (وَالْإِبِلُ تُنْحَرُ) وُجُوبًا بِدَلِيلٍ (فَإِنْ ذُبِحَتْ) اخْتِيَارًا (لَمْ تُؤْكَلْ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَكْلِهَا) فَإِنَّ هَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ ضَعْفُ الْمُقَابِلِ، وَقَيَّدْنَا بِاخْتِيَارًا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ حَالَةِ الضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ذَبْحُ مَا يُنْحَرُ وَنَحْرُ مَا يُذْبَحُ. (وَالْغَنَمُ) وَسَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ سِوَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالطَّيْرِ، وَلَوْ نَعَامًا (تُذْبَحُ) وُجُوبًا بِدَلِيلٍ (فَإِنْ نُحِرَتْ) اخْتِيَارًا، وَلَوْ سَهْوًا (لَمْ تُؤْكَلْ) عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَمُقَابِلُهُ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا) ضَعِيفٌ فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْإِبِلَ تُنْحَرُ وَالْغَنَمَ، وَمَا شَابَهَهَا تُذْبَحُ، وَالْبَقَرَ يَجُوزُ فِيهَا الْأَمْرَانِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْوَاجِبِ: وَنَحْرُ إبِلٍ وَذَبْحُ غَيْرِهِ إنْ قَدَرَ وَجَازَ لِلضَّرُورَةِ إلَّا الْبَقَرَ فَيَنْدُبُ الذَّبْحُ، وَمِنْ الضَّرُورَةِ وُقُوعُ الْجَمَلِ فِي مُهْوَاةٍ بِحَيْثُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى مَحَلِّ النَّحْرِ، وَوُقُوعُ الْغَنَمِ فِي مُهْوَاةٍ بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَبْحِهَا، وَجَزَمَ فِي الشَّامِلِ بِأَنَّ عَدَمَ الْآلَةِ مِنْ الضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنْ عَكَسَ فِي الْأَمْرَيْنِ لِعُذْرٍ كَعَدَمِ مَا يَنْحَرُ بِهِ صَحَّ، وَلَا يُعْذَرُ بِنِسْيَانٍ، وَلَا بِجَهْلٍ بِالْحُكْمِ، وَفِي جَهْلِ الصِّفَةِ بِمَعْنَى عَدَمِ مَعْرِفَةِ الذَّبْحِ فِيمَا يُذْبَحُ وَالنَّحْرِ فِيمَا يُنْحَرُ قَوْلَانِ.
وَلَمَّا كَانَتْ الذَّكَاةُ الْحُكْمِيَّةُ كَالْحَقِيقَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْجَنِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَيِّتًا بِسَبَبِ ذَكَاتِهَا قَالَ: (وَذَكَاةُ مَا) أَيْ الْجَنِينِ الْمُسْتَقِرِّ فِي الْبَطْنِ (ذَكَاةُ أُمِّهِ) بِشَرْطَيْنِ أَشَارَ لَهُمَا بِقَوْلِهِ: (إذَا تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ) وَفِي شَرْطٍ آخَرَ، وَهُوَ مُحَقَّقٌ مَوْتُهُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ لَا إنْ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ عِنْدَ ذَبْحِ أُمِّهِ فَلَا يُؤْكَلُ كَمَا قَالَ فِي التَّحْقِيقِ عَنْ الْفَاكِهَانِيِّ، وَلَعَلَّهُ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ الْأُجْهُورِيِّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: أَنَّ الْمَشْكُوكَ فِي حَيَاتِهِ قَبْلَ مَوْتِ أُمِّهِ مِثْلُ مُحَقَّقِهَا، وَالْمُرَادُ بِالشَّعْرِ الْمُشْتَرَطِ أَيْضًا نَبَاتُهُ شَعْرُ الْجَسَدِ لَا شَعْرُ عَيْنَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِتَمَامِ خَلْقِهِ تَنَاهِي خِلْقَتِهِ وَوُصُولُهَا إلَى الْحَدِّ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، لَا كَمَالِ أَطْرَافِهِ فَيُؤْكَلُ نَاقِصَ رِجْلٍ، وَبَقِيَ شَرْطٌ أَيْضًا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يُؤْكَلُ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ نَوْعِ الْأُمِّ فَيُؤْكَلُ جَنِينُ الْبَقَرَةِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَوْ كَانَ شَاةً، وَعَكْسُهُ بِخِلَافِ لَوْ نَزَلَ جَنِينُ الْبَقَرَةِ أَوْ الشَّاةِ كَلْبًا أَوْ حِمَارًا فَلَا يُؤْكَلُ لِحُرْمَةِ نَوْعِهِ، كَمَا لَا يُؤْكَلُ جَنِينُ الْحِمَارَةِ أَوْ الْفَرَسِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ نَوْعِ مَا يُؤْكَلُ لِخَبَرِ: «كُلُّ ذَاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا» وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، وَلَوْ نَزَلَ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً وَتَمَكَّنَّا مِنْ ذَكَاتِهِ، وَأَشْعَرَ كَلَامُهُ عَلَى مَا قَرَّرْنَا أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ حَيًّا بَعْدَ ذَكَاةِ أُمِّهِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يُؤْكَلْ بِذَكَاةِ أُمِّهِ، وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ مُحَصِّلُهُ إنْ كَانَ مُحَقَّقَ الْحَيَاةِ أَوْ مَشْكُوكَهَا وَجَبَتْ ذَكَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَهَّمًا نُدِبَتْ ذَكَاتُهُ فَلَوْ بَادَرْنَا إلَى ذَكَاتِهِ فَمَاتَ قَبْلَهَا لَمْ يُؤْكَلْ فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَيُؤْكَلُ مَا كَانَتْ حَيَاتُهُ مُتَوَهَّمَةً، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ «قَوْلِهِ ﵊ حِينَ سُئِلَ
стр. 384
وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ، وَأَكِيلَةُ السَّبُعِ إنْ بَلَغَ ذَلِكَ مِنْهَا فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ مَبْلَغًا لَا تَعِيشُ مَعَهُ لَمْ تُؤْكَلْ بِذَكَاةٍ.
وَلَا بَأْسَ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ وَيَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ فَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهَا طَرَحَهَا.
وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهَا إذَا دُبِغَ.
وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ
ــ
[الفواكه الدواني]
عَنْ الْبَقَرَةِ وَالنَّاقَةِ يَنْحَرُهَا أَحَدُنَا فَيَجِدُ فِي بَطْنِهَا جَنِينًا أَيَأْكُلُهُ أُمّ يُلْقِيهِ؟ : كُلُوا إنْ شِئْتُمْ ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» رُوِيَ بِرَفْعِ ذَكَاةُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ قَاعِدَةِ حَصْرِ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ أَيْ ذَكَاتُهُ مَحْصُورَةٌ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ فَلَا يَحْتَاجُ لِذَكَاةٍ ثَانِيَةٍ.
وَبِرِوَايَةِ الرَّفْعِ أَخَذَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَيُرْوَى بِالنَّصْبِ فِي ذَكَاةٍ الثَّانِيَةِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْعَامِلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَنْ يُذَكَّى ذَكَاةً مِثْلَ ذَكَاةِ أُمِّهِ، وَأَخَذَ بِهَا أَبُو حَنِيفَةَ فَاشْتَرَطَ فِي حِلِّ أَكْلِهِ ذَكَاةً مُسْتَقِلَّةً.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَالْحَذْفُ خِلَافُ الْأَصْلِ وَرِوَايَةُ النَّصْبِ مُنْكَرَةٌ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ الْخَارِجِ مِنْ بَطْنِ الْمُذَكَّى، وَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْ جَوْفِ الْحَيِّ أَوْ مِنْ جَوْفِ الْمَيِّتِ حَتْفَ أَنْفِهِ فَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّ الْخَارِجَ مَيِّتًا لَا يُؤْكَلُ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَأَمَّا الْخَارِجُ حَيًّا فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَحْيَا فَإِنَّهُ يُذَكَّى وَيُؤْكَلُ، وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَذَكَّى الزَّلِق إنْ حَيِيَ مِثْلَهُ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ أَيْضًا حُكْمُ الْخَارِجِ مَعَ الْجَنِينِ الْمَأْكُولِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ مِنْ نَحْوِ الْمَشِيمَةِ وَيُقَالُ لَهَا السُّلَّا، وَهِيَ وِعَاءُ الْوَلَدِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَكْلُ مُطْلَقًا عَدَمُهُ مُطْلَقًا، ثَالِثُهَا يَتْبَعُ الْوَلَدَ فِي الْأَكْلِ وَعَدَمِهِ.
وَلَمَّا كَانَتْ الذَّكَاةُ عِنْدَنَا لَا تَعْمَلُ فِي مَنْفُوذِ الْمَقْتَلِ وَتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ قَالَ: (وَالْمُنْخَنِقَةُ بِحَبْلٍ وَنَحْوِهِ وَالْمَوْقُوذَةُ) أَيْ الْمَضْرُوبَةُ (بِعَصًا وَشِبْهِهَا) مَحْجَرٌ (وَالْمُتَرَدِّيَةُ) أَيْ السَّاقِطَةُ مِنْ عُلُوٍّ إلَى أَسْفَلَ. (وَالنَّطِيحَةُ) أَيْ الَّتِي نَطَحَتْهَا أُخْرَى (وَأَكِيلَةُ السَّبُعِ) وَنَحْوِهِ (إنْ بَلَغَ ذَلِكَ) الْفِعْلُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ خَنْقٍ أَوْ غَيْرِهِ. (مِنْهَا) أَيْ الْمُنْخَنِقَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا بَعْدَهَا (فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ) الْخَمْسَةِ (مَبْلَغًا لَا تَعِيشُ مَعَهُ) بِأَنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهَا بِأَنْ قَطَعَ نُخَاعَهَا أَوْ نَثَرَ دِمَاغَهَا أَوْ نَثَرَ حَشْوَهَا (لَمْ تُؤْكَلْ بِذَكَاةٍ) هَذَا خَبَرُ الْمُنْخَنِقَةِ، وَمَا بَعْدَهَا، وَإِنَّمَا لَمْ تُؤْكَلْ لِشِبْهِهَا بِالْمَيْتَةِ، وَالذَّكَاةُ لَا تَعْمَلُ فِي الْمَيْتَةِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَعِيشَ مَعَ الْخَنْقِ وَنَحْوِهِ بِأَنْ لَمْ يَحْصُلْ بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورِ إنْفَاذُ مَقْتَلٍ فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَصِحُّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْوَاقِعِ فِي الْآيَةِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا عَلَى مَعْنَى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] مِنْهَا وَذَلِكَ إنْ لَمْ يَنْفُذْ مَقْتَلُهَا، وَمُنْقَطِعًا عَلَى مَعْنَى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] مِنْ غَيْرِهَا، وَيُحْمَلُ عَلَى مَا أَنْفَذَ مَقْتَلَهَا، وَهَذَا هُوَ التَّقْرِيرُ الْوَجِيهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْزِمُ بِالِانْقِطَاعِ إلَّا بِدَعْوَى الْمُلَازَمَةِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ، وَإِنْفَاذِ الْمَقَاتِلِ، وَالْوَاقِعُ خِلَافُ ذَلِكَ أَوْ بِدَعْوَى عَدَمِ صِحَّةِ ذَكَاةِ الْمَذْكُورَاتِ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ إنْفَاذِ مَقْتَلٍ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُصَنِّفِ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
(تَنْبِيهٌ) الْحَيَوَانُ الَّذِي يُرَادُ ذَكَاتُهُ عَلَى قِسْمَيْنِ: إمَّا غَيْرَ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ، وَهَذَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ، وَإِنْ كَانَ مَيْئُوسًا مِنْ حَيَاتِهِ بِشَرْطِ أَنْ يُوجَدَ فِيهِ دَلِيلُ الْحَيَاةِ بِأَنْ يَتَحَرَّكَ حَرَكَةً قَوِيَّةٍ عِنْدَ الذَّبْحِ، أَوْ يَشْخُبَ دَمُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَرَكَةِ الْقَوِيَّةِ، وَأَمَّا سَيَلَانُهُ مِنْ غَيْرِ شَخْبٍ فَلَا يَكْفِي فِي الْمَرِيضَةِ وَيَكْفِي فِي الصَّحِيحَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأَكْلُ الْمُذَكَّى، وَإِنْ أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ، وَقَالَ: وَكَفَى سَيْلُ دَمٍ إنْ صَحَّتْ، وَأَمَّا مَنْفُوذُ الْمَقَاتِلِ فَلَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ عِنْدَنَا لَوْ تَحَرَّكَ حَرَكَةً قَوِيَّةً أَوْ شَخَبَ دَمُهُ، وَإِنْفَاذُ الْمَقْتَلِ يَكُونُ بِقَطْعِ النُّخَاعِ، وَهُوَ الْمُخُّ الْأَبْيَضُ الَّذِي فِي عَظْمِ الرَّقَبَةِ وَالصُّلْبِ وَقَطْعِ الْأَوْدَاجِ وَخَرْقِ الْمُصْرَانِ مِنْ أَعْلَاهُ وَنَثْرِ الْحَشْوَةِ مِنْ الْجَوْفِ عِنْدَ شَقِّهِ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهَا، وَالْحَشْوَةُ مَا حَوَاهُ الْبَطْنُ مِنْ كَبِدٍ وَطِحَالٍ وَقَلْبٍ، وَالْمُرَادُ بِنَثْرِهَا تَفْرِقَتُهَا بَعْدَ اتِّصَالِهَا لَا خُرُوجُهَا مِنْ الْبَطْنِ مَعَ اتِّصَالِهَا؛ لِأَنَّهَا إذَا رُدَّتْ إلَى الْبَطْنِ يُمْكِنُ أَنْ يَعِيشَ وَيَنْثُرُ الدِّمَاغَ، وَهُوَ الدُّهْنُ الَّذِي تَحُوزُهُ الْجُمْجُمَةُ، وَأَمَّا ثَقْبُ الْكَرِشِ، وَكَذَا شَقُّ الْقَلْبِ، وَمِثْلُهُ الْكَبِدُ، وَكَسْرُ الرَّأْسِ أَوْ خَرْقُ خَرِيطَةِ الدِّمَاغِ أَوْ رَضُّ الْأُنْثَيَيْنِ أَوْ كَسْرُ عَظْمِ الصَّدْرِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَتَالِفِ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ بِمَقْتَلٍ، وَلِذَلِكَ أَفْتَى ابْنُ رِزْقٍ بِأَكْلِ ثَوْرٍ ذَكِيٍّ وَوُجِدَ كِرْشُهُ مَثْقُوبًا، وَمِمَّا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ الْحَيَوَانُ الَّذِي يَنْتَفِخُ مِنْ أَكْلِ خِلْفَةِ الْبِرْسِيمِ مَثَلًا، وَيَسْقُطُ وَيَحْصُلُ الْيَأْسُ مِنْ حَيَاتِهِ، وَالْحَيَوَانُ الَّذِي يَبْلَعُ شَيْئًا وَيَقِفُ فِي حَلْقِهِ، وَيَحْصُلُ الْيَأْسُ مِنْ حَيَاتِهِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ إنْفَاذُ مَقْتَلٍ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ إبَاحَةَ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ مَشْرُوطَةٌ بِذَكَاتِهِ لِحُرْمَةِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ بِالْإِجْمَاعِ بَيَّنَ أَنَّ مَحِلَّ حُرْمَةِ أَكْلِهَا فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ) أَيْ يُؤْذَنَ (لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ) غَيْرَ الْآدَمِيِّ، وَمِثْلُهَا ضَالَّةُ الْإِبِلِ، وَلَهُ أَنْ يَشْرَبَ كُلَّ مَائِعٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ غَيْرَ آدَمِيٍّ وَخَمْرٍ.
(وَ) يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ حَتَّى (يَشْبَعَ) عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِقَوْلِ خَلِيلٍ: يَقْتَصِرُ عَلَى مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ أَيْ يَحْفَظُ الْحَيَاةَ، وَالْمُرَادُ بِالِاضْطِرَارِ خَوْفُ الْهَلَاكِ، وَلَوْ ظَنًّا، وَلَا يُشْتَرَطُ الْوُصُولُ إلَى حَدِّ الْإِشْرَافِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَنْتَفِعُ بِالْأَكْلِ بَعْدَهُ. .
(وَ) يَجُوزُ لَهُ (أَنْ يَتَزَوَّدَ) مِنْهَا حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ وُجُودِ شَيْءٍ مِمَّا يَقْدَمُ عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ فِي مُدَّةِ سَفَرِهِ. (فَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهَا طَرَحَهَا) وَقَيَّدْنَا بِغَيْرِ الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّ النَّصَّ عَدَمُ جَوَازِهِ لِلْمُضْطَرِّ، وَلَوْ كَافِرًا مِمَّا لَا حُرْمَةَ لَهُ كَالْمُرْتَدِّ وَالْحَرْبِيِّ، وَالْمَحْضُ إمَّا؛ لِأَنَّهُ يُؤْذِي أَكْلُهُ أَوْ لِمَحْضِ التَّعَبُّدِ، وَقَوْلُنَا: وَمِثْلُهَا ضَالَّةُ الْإِبِلِ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَلَا يَقْرَبُ الْمُضْطَرُّ
стр. 385
وَلَا يُبَاعُ.
وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ إذَا ذُكِّيَتْ وَبَيْعِهَا.
وَيُنْتَفَعُ بِصُوفِ الْمَيْتَةِ وَشَعْرِهَا، وَمَا يُنْزَعُ مِنْهَا فِي حَالِ
ــ
[الفواكه الدواني]
ضَالَّةَ الْإِبِلِ، وَقَيَّدْنَا الْمَشْرُوبَ بِغَيْرِ الْخَمْرِ؛ لِاسْتِمْرَارِ حُرْمَةِ الْخَمْرِ لِعَدَمِ إزَالَتِهَا الْعَطَشَ بَلْ رُبَّمَا تَزِيدُهُ، وَأَمَّا شُرْبُهَا لِلْغُصَّةِ فَيَجُوزُ عِنْدَ خَلِيلٍ وَيَحْرُمُ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ جَوَازُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَلَوْ مُسَافِرًا عَاصِيًا بِسَفَرِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الرُّخْصَةَ لَا تَتَقَيَّدُ بِالسَّفَرِ.
الثَّانِي: مَحَلُّ جَوَازِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ حَيْثُ لَمْ يَجِدْ طَعَامَ الْغَيْرِ، وَإِلَّا قَدَّمَهُ عَلَيْهَا حَيْثُ لَمْ تَكُنْ ضَالَّةُ إبِلٍ، وَلَمْ يَخَفْ الْقَطْعَ فِيمَا فِيهِ الْقَطْعُ أَوْ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ فِيمَا لَا قَطْعَ فِيهِ، فَإِذَا أَكَلَ مِنْ طَعَامِ الْغَيْرِ عِنْدَ عَدَمِ خَوْفِ الْقَطْعِ أَوْ الضَّرْبِ فَقِيلَ: يَقْتَصِرُ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ مِنْ غَيْرِ شِبَعٍ وَتَزَوُّدٍ وَعَلَيْهِ الْمَوَّاقُ، وَقِيلَ: يَشْبَعُ، وَلَا يَتَزَوَّدُ وَعَلَيْهِ الْحَطَّابُ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: إذَا عَلِمَ طُولَ سَفَرِهِ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّدَ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ لِوُجُوبِ مُوَاسَاتِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَإِذَا امْتَنَعَ صَاحِبُ الطَّعَامِ مِنْ مُوَاسَاةِ الْمُضْطَرِّ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْ الْمَيْتَةِ مَا يَكْفِيهِ فَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ إعْلَامِهِ بِالِاضْطِرَارِ وَبِالْمُقَاتَلَةِ إنْ مَنَعَهُ فَدَمُ صَاحِبِ الطَّعَامِ هَدَرٌ، بِخِلَافِ الْمُضْطَرِّ، وَحَيْثُ أَكَلَ طَعَامَ الْغَيْرِ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ أَكْلِهِ بِأَنْ خَافَ الْقَطْعَ أَوْ الضَّرْبَ، وَكَانَ مَعَهُ مِنْ الْمَيْتَةِ مَا يُغْنِيهِ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَيْتَةٌ أَكَلَ مِنْهُ، وَلَوْ خَافَ الْقَطْعَ لِوُجُوبِ حِفْظِ النَّفْسِ، وَلِصَاحِبِهِ الثَّمَنُ إنْ وُجِدَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَعَهُ مَيْتَةٌ، وَلَمْ يَخَفْ الْقَطْعَ فَقِيلَ لَا ثَمَنَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ يَلْزَمُهُ إنْ وُجِدَ رَاجِعْ الْأُجْهُورِيَّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
الثَّالِثُ: الظَّاهِرُ مِنْ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ بِلَا بَأْسٍ إبَاحَةُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَجَرَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ، وَقِيلَ إنَّهَا مِنْ بَابِ النَّجَسِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ، وَعَلَى الثَّانِي هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى نَجَاسَتِهَا، هَكَذَا قَالَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ، إذْ الضَّرُورَةُ لَيْسَتْ مِمَّا يَرْفَعُ حُكْمَ الْخَبَثِ، غَايَتُهَا رَفْعُ الْحَرَجِ عِنْدَ التَّنَاوُلِ كَمَا فِي الْمَعْفُوَّاتِ، فَظَهَرَ أَنَّهَا مِنْ النَّجَسِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ حُرْمَةِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ حُرْمَةُ الِانْتِفَاعِ بِسَائِرِ أَجْزَائِهَا قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهَا) أَيْ الْمَيْتَةِ، وَهِيَ كُلُّ مَا مَاتَ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ (إذَا دُبِغَ) أَيْ فُعِلَ بِهِ مَا يُزِيلُ الرِّيحَ وَالرُّطُوبَةَ وَيَحْفَظُهُ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ كَمَا تَحْفَظُهُ الْحَيَاةُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَرُخِّصَ فِيهِ مُطْلَقًا إلَّا مِنْ خِنْزِيرٍ بَعْدَ دَبْغِهِ فِي يَابِسٍ، وَمَاءٍ، وَمَعْنَى الْإِطْلَاقِ كَانَ مِمَّا يَحِلُّ أَكْلُهُ أَوْ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الْيَابِسَ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَالْمَاءُ لَهُ قُوَّةُ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ فَيُخَزَّنُ فِي الْجُلُودِ نَحْوَ الْقَمْحِ وَالْفُولِ، وَلَا يُطْحَنُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَنْفَصِلَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيَدْخُلُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ لُبْسُهُ وَالْجُلُوسُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَلَا يَجُوزُ وَضْعُ نَحْوِ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَالزَّيْتِ فِيهِ لِضَعْفِ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ بِخِلَافِ الْمَاءِ، وَمَفْهُومُ دُبِغَ أَنَّ غَيْرَ الْمَدْبُوغِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي شَيْءٍ، وَلَوْ يَابِسًا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إذَا عَلِمْتَ مَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ لَك أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْإِجْمَالَ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا إطْلَاقُهُ فِي الِانْتِفَاعِ مَعَ تَقْيِيدِهِ بِالْيَابِسِ وَالْمَاءِ. وَالثَّانِي شُمُولُهُ لِجِلْدِ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ مَعَ أَنَّهُمَا لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا مُطْلَقًا لِقَذَارَةِ الْأَوَّلِ وَشَرَفِ الثَّانِي. الثَّانِي: إنَّمَا قَصَرَ الِانْتِفَاعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ عَلَى الْيَابِسِ وَالْمَاءِ لِعَدَمِ طَهَارَتِهَا عِنْدَنَا بِالدِّبَاغِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : «أَيُّمَا إهَابٍ» أَيْ جِلْدٍ «دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» فَالْمُرَادُ الطَّهَارَةُ اللُّغَوِيَّةُ بِمَعْنَى النَّظَافَةِ لَا الشَّرْعِيَّةُ، وَقَدْ أَسْلَفْنَا مَا يُعْرَفُ بِهِ حَقِيقَةُ الدِّبَاغِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إزَالَةُ الشَّعْرِ عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ.
وَلَمَّا كَانَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ لَا يَطْهُرُ عِنْدَنَا بِالدِّبَاغِ قَالَ: (وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) ، وَلَا فِيهِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مُرِيدُ الصَّلَاةِ سِوَاهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ السَّتْرُ بِهِ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْخَبَثِ إنَّمَا تَجِبُ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ، وَأَفْهَمَ فَرْضُ الْكَلَامِ فِي الْجِلْدِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ طَوِيلٌ بِحَيْثُ يَسْتُرُ الْجِلْدَ سَتْرًا قَوِيًّا بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ شَيْءٌ وَأَيْقَنَ بِطَهَارَتِهِ فَإِنَّهُ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَلَوْ جِلْدَ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ عِنْدَنَا طَاهِرٌ فَيُشْبِهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ الْحَصِيرَ الْمُتَّصِلَ بِأَسْفَلِهِ نَجَاسَةٌ.
(وَ) كَذَا (لَا يُبَاعُ) جِلْدُ الْمَيْتَةِ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ عِنْدَنَا طَهَارَةُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ثَمَنًا أَوْ مُثَمَّنًا، وَكَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ، وَلَا دَفْعُهُ قِيمَةَ الشَّيْءِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ جُرْحَةً فِي شَهَادَةِ الْفَاعِلِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَدْبُوغًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَدْبُوغًا فَلَا يُجْرَحُ لِلْخِلَافِ فِيهِ بَعْدَ الدَّبْغِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يُرَدُّ الْبَيْعُ مَا لَمْ يَفُتْ، وَإِلَّا يَرُدَّ الثَّمَنُ وَغَرِمَ الْمُشْتَرِي الْقِيمَةَ عَلَى تَقْدِيرِ جَوَازِ بَيْعِهِ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ حُرْمَةِ الْبَيْعِ وَغُرْمِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ حِلِّ الْبَيْعِ وَغُرْمِ الْقِيمَةِ، بِدَلِيلِ كَلْبِ الصَّيْدِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ فَإِنَّهَا لَا تُبَاعُ وَعَلَى مُتْلِفِهَا قِيمَتُهَا.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى جُلُودِ الْمَيْتَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى جِلْدِ الْمُذَكَّى فَقَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ) وَنَحْوِهَا مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ مَكْرُوهِ الْأَكْلِ لِيَشْمَلَ الْفِيلَ وَالذِّئْبَ وَالثَّعْلَبَ وَالضَّبُعَ وَالْهِرَّ، وَبَيَّنَ شَرْطَ الْجَوَازِ بِقَوْلِهِ: (إذَا ذُكِّيَتْ) ، وَلَوْ بِالْعُقْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَبْحِهَا سَوَاءٌ ذُبِحَتْ لِجِلْدِهَا أَوْ لِلَحْمِهَا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ تَبَعُّضِ الذَّكَاةِ، وَارْتَضَاهُ الْبُرْهَانُ اللَّقَانِيُّ، وَأَمَّا عَلَى مَا ارْتَضَاهُ الْأُجْهُورِيُّ. مِنْ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهَا تَتَبَعَّضُ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهَا إلَّا إذَا ذُكِّيَتْ لِأَخْذِ جِلْدِهَا، وَأَوْلَى لَوْ ذُكِّيَتْ لَهُمَا، وَمَفْهُومُ
стр. 386
الْحَيَاةِ، وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يُغْسَلَ وَلَا يُنْتَفَعُ بِرِيشِهَا وَلَا بِقَرْنِهَا، وَأَظْلَافِهَا، وَأَنْيَابِهَا.
وَكُرِهَ الِانْتِفَاعُ بِأَنْيَابِ الْفِيلِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ
وَمَا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ مِنْ سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ عَسَلٍ ذَائِبٍ طُرِحَ، وَلَمْ يُؤْكَلْ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَصْبَحَ بِالزَّيْتِ وَشِبْهِهِ فِي
ــ
[الفواكه الدواني]
السِّبَاعِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا جِلْدٌ مُبَاحُ الْأَكْلِ بَعْدَ ذَكَاتِهِ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ بِالْأَوْلَى، وَثَانِيهِمَا مُحَرَّمُ الْأَكْلِ يُذَكَّى لِأَكْلِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَلَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى جِلْدِهِ؛ لِأَنَّ مُحَرَّمَ الْأَكْلِ عِنْدَنَا لَا يَطْهُرُ بِتَذْكِيَتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الطَّاهِرِ: وَمَا ذُكِّيَ وَجُزْؤُهُ إلَّا مُحَرَّمَ الْأَكْلِ. (وَ) كَمَا لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ إذَا ذُكِّيَتْ (لَا بَأْسَ بِبَيْعِهَا) وَلَوْ كَانَتْ عَلَى ظُهُورِ السِّبَاعِ قَبْلَ ذَكَاتِهَا، بِخِلَافِ جُلُودِ الْغَنَمِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا عَلَى ظُهُورِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَيَصِحُّ عَطْفُ بَيْعِهَا عَلَى الصَّلَاةِ، وَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلسِّبَاعِ لَا لِجُلُودِهَا، وَيُقَيَّدُ بِمَا إذَا كَانَ شِرَاؤُهَا لِجِلْدِهَا أَوْ عَظْمِهَا قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ هُوَ وَسَبُعٌ لِلْجِلْدِ، وَأَمَّا بَيْعُهَا لِلَحْمِهَا أَوْ لِلَحْمِهَا وَجِلْدِهَا فَمَكْرُوهٌ، وَإِذَا ذُكِّيَتْ لِجِلْدِهَا فَقَطْ فَيُؤْكَلُ لَحْمُهَا عَلَى عَدَمِ تَبْعِيضِ الذَّكَاةِ.
وَلَمَّا كَانَ الشَّعْرُ عِنْدَنَا طَاهِرًا، وَلَوْ مِنْ مَيْتَةٍ قَالَ: (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يُنْتَفَعَ بِصُوفِ الْمَيْتَةِ وَشَعْرِهَا) الْمَنْزُوعِ مِنْهَا بَعْدَ الْمَوْتِ. (وَ) كَذَا (مَا) أَيْ الصُّوفُ وَالشَّعْرُ الَّذِي (يُنْزَعُ مِنْهَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ) قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الطَّاهِرِ: وَصُوفٍ وَوَبَرٍ وَزَغَبِ رِيشٍ وَشَعْرٍ، وَلَوْ مِنْ خِنْزِيرٍ، وَإِنْ جُزَّتْ، وَالْمُرَادُ بِالْجَزِّ مَا قَابَلَ النَّتْفَ، وَالْحُكْمُ بِطَهَارَةِ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ الْمَيْتَةِ لَا يُنَافِي وُجُوبَ بَيَانِ حَالِهَا عِنْدَ الْبَيْعِ إنْ جُزَّتْ مِنْ الْمَيْتَةِ لِضَعْفِ قُوَّةِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْمَيْتَةِ دُونَ غَيْرِهَا. (وَأَحَبُّ إلَيْنَا) مَعَاشِرَ الْمَالِكِيَّةِ إذَا شَكَكْنَا فِي حِلِّ الشَّعْرِ أَوْ الصُّوفِ بَعْدَ الْجَزِّ (أَنْ يُغْسَلَ) ، وَلَوْ جُزَّ مِنْ حَيٍّ، وَأَمَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ النَّجَاسَةِ فَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ غَسْلِهِ، وَعِنْدَ تَحَقُّقِ الطَّهَارَةِ النَّدْبُ فَالصُّوَرُ ثَلَاثٌ فِي الْمَجْزُوزِ، وَأَمَّا الْمَنْتُوفُ مِنْ غَيْرِ الْمُذَكَّى فَيَجِبُ أَنْ يُجَزَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ.
(وَ) مَفْهُومُ الصُّوفِ وَالشَّعْرِ أَنَّهُ (لَا يُنْتَفَعُ بِرِيشِهَا) أَيْ بِقَصَبَةِ الرِّيشِ (وَلَا بِقَرْنِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَنْيَابِهَا) لِنَجَاسَتِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ: وَمَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ وَمَيِّتٍ مِنْ قَرْنٍ وَعَظْمٍ وَظِلْفٍ وَعَاجٍ وَظُفُرٍ وَقَصَبَةِ رِيشٍ، وَمَفْهُومُ مِنْ حَيٍّ، وَمَيِّتٍ أَنَّ الْمُبَانَ عَنْ الْمُذَكَّى ذَكَاةً شَرْعِيَّةً مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ طَاهِرٍ.
(تَنْبِيهٌ) عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالِانْتِفَاعِ وَسَكَتَ عَنْ الطَّهَارَةِ لِفَهْمِهَا مِنْ حِلِّ الِانْتِفَاعِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّ نَجَسَ الْعَيْنِ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَيُنْتَفَعُ بِمُتَنَجِّسٍ لَا نَجِسٍ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَآدَمِيٍّ إلَّا الْجِلْدَ بَعْدَ دَبْغِهِ عَلَى مَا مَرَّ فَيُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ نَجَاسَتِهِ فَهُوَ مُسْتَثْنًى، وَعَكَسَ مَعَ الْأَشْيَاءِ النَّجِسَةِ فَسَلَبَ الِانْتِفَاعَ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُنْتَفَعُ بِرِيشِهَا لِفَهْمِ نَجَاسَتِهَا مِنْ حُرْمَةِ الِانْتِفَاعِ بِهَا
وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: وَأَنْيَابِهَا شَامِلًا لِنَابِ الْفِيلِ مَعَ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا قَالَ: (وَكُرِهَ الِانْتِفَاعُ بِأَنْيَابِ الْفِيلِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْكَرَاهَةِ فَبَعْضُهُمْ حَمَلَ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَبَعْضُهُمْ حَمَلَهَا عَلَى التَّحْرِيمِ، وَصَرِيحُ الْمُدَوَّنَةِ الْقَرِيبُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْبَابِ الْمَأْخُوذِ مِنْ مَيْتَةٍ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ: وَأَكْرَهُ الْأَدْهَانَ فِي أَنْيَابِ الْفِيلِ وَالتَّمَشُّطَ بِهَا وَالتِّجَارَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مَيْتَةٌ فَتُحْمَلُ الْكَرَاهَةُ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَمِثْلُ نَابِ الْمَيْتَةِ الْمُنْفَصِلِ مِنْ الْفِيلِ حَالَ حَيَاتِهِ، وَأَمَّا نَابُ الْفِيلِ الْمُذَكَّى، وَلَوْ بِالْعُقْرِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَالْكَرَاهَةُ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الشُّيُوخِ فِي نَجَاسَةِ الزَّيْتِ الْمَوْضُوعِ فِي إنَاءِ الْعَاجِ، وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ يَقِينًا فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ كَعَظْمِ الْحِمَارِ الْبَالِي فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُ مَا وَقَعَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا شَكَّ فِي نَجَاسَتِهِ، وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ سَائِرَ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ الْجَافَّةِ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ فِي حُكْمِ الطَّعَامِ إذَا حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ بِقَوْلِهِ: (وَمَا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ) بِالْهَمْزِ عَلَى الصَّوَابِ (مِنْ سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ عَسَلٍ ذَائِبٍ) رَاجِعٌ لِلسَّمْنِ وَالزَّيْتِ، وَكُلُّ مَائِعٍ مِنْ غَيْرِهَا كَذَلِكَ. (طُرِحَ، وَلَمْ يُؤْكَلْ) لِنَجَاسَةِ الطَّعَامِ عِنْدَنَا بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ قَالَ خَلِيلٌ: يَنْجُسُ كَثِيرُ طَعَامٍ مَائِعٍ بِنَجَسٍ قَلَّ كَجَامِدٍ إنْ أَمْكَنَ السَّرَيَانُ، وَإِلَّا فَبِحَسَبِهِ، وَلِلْمَاءِ الْمُضَافِ حُكْمُ الطَّعَامِ فِي التَّنْجِيسِ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ الَّتِي يُمْكِنُ تَحَلُّلُ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّغَيُّرُ إلَّا فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ «خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ» ، وَلِأَنَّ الْمَاءَ لَهُ قُوَّةُ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ. وَمَفْهُومُ مَاتَتْ أَنَّهَا لَوْ أُخْرِجَتْ حَيَّةً لَا يُطْرَحُ وَيُؤْكَلُ لِطَهَارَةِ الْحَيِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى جَسَدِهَا نَجَاسَةٌ، وَمَفْهُومُ فَأْرَةٍ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ كَالْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ فَلَا يُطْرَحُ مُطْلَقًا، بَلْ إنْ أَمْكَنَ إزَالَتُهُ أُزِيلَ، وَأُكِلَ نَحْوَ السَّمْنِ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا لَوْ تَعَذَّرَ تَمْيِيزُهُ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الطَّعَامِ أُكِلَ مَعَ الطَّعَامِ، وَإِنْ سَاوَى الطَّعَامَ فَقَوْلَانِ الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا حُرْمَةُ أَكْلِهِ؛ لِأَنَّ نَحْوَ الْخُنْفُسِ مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إلَّا بِذَكَاةٍ، وَهِيَ مَفْقُودَةٌ هُنَا، وَاغْتُفِرَ أَكْلُ الْقَلِيلِ تَبَعًا لِلطَّعَامِ كَسُوسِ الْفُولِ وَالْعَدَسِ وَالتَّمْرِ، وَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ ﵊ كَانَ يُفَتِّشُهُ فَلِإِعَافَةِ النَّفْسِ لَا لِحُرْمَةِ أَكْلِهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ طَرْحُهُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ طَهَارَةِ مَيْتَةِ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ الَّذِي لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ جَوَازُ أَكْلِهِ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا حَيَوَانُ الْبَحْرِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى ذَكَاةٍ، وَلَمَّا قَالَ: طُرِحَ، وَلَمْ يُؤْكَلْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ
стр. 387
غَيْرِ الْمَسَاجِدِ وَلْيُتَحَفَّظْ مِنْهُ
وَإِنْ كَانَ جَامِدًا طُرِحَتْ، وَمَا حَوْلَهَا وَأُكِلَ مَا بَقِيَ قَالَ سَحْنُونٌ إلَّا أَنْ يَطُولَ مُقَامُهَا فِيهِ فَإِنَّهُ يُطْرَحُ كُلُّهُ.
وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَذَبَائِحِهِمْ.
وَكُرِهَ أَكْلُ شُحُومِ الْيَهُودِ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ.
وَلَا يُؤْكَلُ مَا ذَكَّاهُ
ــ
[الفواكه الدواني]
الْمُحَرَّمَ أَكْلُهُ فَقَطْ فَلِذَا قَالَ: (وَلَا بَأْسَ) أَيْ يَجُوزُ (أَنْ يُسْتَصْبَحَ) أَيْ يُوقَدَ (بِالزَّيْتِ وَشِبْهِهِ) مِمَّا لَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ (فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ) كَالْبُيُوتِ، وَمِثْلُهَا الْمَسَاجِدُ حَيْثُ كَانَ الدُّخَانُ يَخْرُجُ عَنْهَا.
(وَ) يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَصْبِحِ بِهِ أَنْ (يَتَحَفَّظَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ نَجَسٌ) أَيْ مُتَنَجِّسٌ، وَلِذَا لَا يُوقَدُ بِهِ الْمَسْجِدُ حَيْثُ كَانَ يَنْعَكِسُ الدُّخَانُ فِيهِ، وَكَذَا لَا يُبْنَى بِمُونَةٍ عُجِنَتْ بِزَيْتٍ مُتَنَجِّسٍ، وَلَا بِطُوبٍ مُتَنَجِّسٍ، وَلَا يُسْقَفُ بِخَشَبٍ مُتَنَجِّسٍ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ يَجِبُ تَنْزِيهُهَا عَنْ النَّجَاسَاتِ، فَإِنْ وَقَعَ وَبُنِيَ الْمَسْجِدُ بِطِينٍ أَوْ مُونَةٍ مَخْلُوطَةٍ بِنَجَاسَةٍ فَإِنَّهُ يُهْدَمُ، وَإِنَّمَا تُلْبَسُ الْأَشْيَاءُ الْمُتَنَجِّسَةُ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَيُنْتَفَعُ بِمُتَنَجِّسٍ لَا نَجَسٍ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَآدَمِيٍّ فَيُعْمَلُ الزَّيْتُ الْمُتَنَجِّسُ صَابُونًا، وَتُغْسَلُ بِهِ الثِّيَابُ وَتُغْسَلُ بَعْدَهُ بِمُطْلَقٍ، وَيُدْهَنُ بِهِ الْحَبْلُ وَالْعَجَلَةُ وَالطَّاحُونُ وَالدِّلَاءُ، وَيُعْلَفُ الْعَسَلُ لِلنَّحْلِ، وَيُطْعَمُ الطَّعَامُ لِلدَّوَابِّ، وَلَوْ مَأْكُولَةَ اللَّحْمِ، وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَسَاجِدِ؛ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ أَحْرَى فِي عَدَمِ جَوَازِ أَكْلِهٍ أَوْ ادِّهَانِهِ بِالزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ، وَيُفْهَمُ مِنْ نَجَاسَةِ مَا ذَكَرَ عَدَمُ حِلِّ بَيْعِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَشَرْطٌ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ طَهَارَةٌ لَا كَزِبْلٍ وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ؛ لِعَدَمِ قَبُولِهَا الطَّهَارَةِ، فَأَشْبَهَتْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتُ مَا نَجَاسَتُهُ أَصْلِيَّةٌ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ بَيْعُ الثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ مَعَ وُجُوبِ بَيَانِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي غَيْرَ مُصَلٍّ، وَلَوْ لَمْ يُفْسِدْهُ الْغُسْلُ لِكَرَاهَةِ النُّفُوسِ، ذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَدِيدِ وَالْمَلْبُوسِ، وَفُهِمَ مِنْ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِي الزَّيْتِ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ كُلِّ مَا أَصْلُهُ طَاهِرٌ وَتَطْرَأُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ، أَنَّ الْأَعْيَانَ النَّجِسَةَ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهَا لَا فِي مَسْجِدٍ، وَلَا غَيْرِهِ إلَّا الْمَيْتَةُ لِلْكِلَابِ أَوْ الْإِيقَادِ بِهَا أَوْ بِعَظْمِهَا عَلَى طُوبٍ لِحَرْقِهِ، أَوْ لِتَخْلِيصِ نَحْوِ الْفِضَّةِ أَوْ دُهْنِ نَحْوِ الطَّاحُونِ أَوْ السَّاقِيَةِ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ، أَوْ جَعْلِ الْعَذِرَةِ فِي الْمَاءِ لِسَقْيِ الزَّرْعِ أَوْ الشَّجَرِ، أَوْ التَّبْخِيرِ بِلَحْمِ مَيْتَةِ السَّبُعِ إذَا لَمْ يَعْلَقْ دُخَّانُهَا بِالثِّيَابِ، وَالِاصْطِيَادِ بِهَا حَيْثُ كَانَتْ غَيْرَ خَمْرٍ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ جَائِزَةٌ، وَأَمَّا الْخَمْرُ فَلَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي شَيْءٍ، وَيَجِبُ إرَاقَةُ الْخَمْرِ، وَلَوْ قَصَدَ الْإِرَاقَةَ فَتَحَ بَالُوعَةً خِلَافًا لِبَحْثِ الْحَطَّابِ، رَاجِعْ شَرْحَ الْأُجْهُورِيِّ عَلَى خَلِيلٍ.
(وَ) مَفْهُومُ السَّمْنِ أَوْ الْعَسَلِ أَوْ الزَّيْتِ الذَّائِبِ أَنَّهُ (إنْ كَانَ) الَّذِي مَاتَتْ فِيهِ الْفَأْرَةُ (جَامِدًا طُرِحَتْ) مِنْهُ (وَ) طُرِحَ (مَا حَوْلَهَا) مِمَّا يُظَنُّ فِيهِ سَرَيَانُ النَّجَاسَةِ (وَأُكِلَ) أَوْ بِيعَ (مَا بَقِيَ) مِنْهُ (قَالَ سَحْنُونٌ) ، وَمَحَلُّ الِاكْتِفَاءِ بِطَرْحِ مَا حَوْلَهَا (إلَّا أَنْ يَطُولَ مَقَامُهَا فِيهِ) بِحَيْثُ يُظَنُّ السَّرَيَانُ بِجَمِيعِهِ (فَإِنَّهُ يُطْرَحُ كُلُّهُ) قَالَ خَلِيلٌ: وَيَنْجُسُ كَثِيرُ طَعَامٍ مَائِعٍ بِنَجَسٍ قَلَّ كَجَامِدٍ إنْ أَمْكَنَ السَّرَيَانُ، وَإِلَّا فَبِحَسَبِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «إذَا وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» .
وَمِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهِيَ: مَنْ فَرَّغَ عَشَرَ قِلَالٍ سَمْنٍ فِي زِقَاقٍ ثُمَّ وَجَدَ بِقُلَّةٍ مِنْهَا فَأْرَةً يَابِسَةً لَا يَدْرِي فِي أَيِّ الزِّقَاقِ فَرَّغَهَا حَرُمَ أَكْلُ جَمِيعِ الزِّقَاقِ وَبَيْعُهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَوْلُ خَلِيلٍ: يَنْجُسُ مِثْلُهُ لِمُتَنَجِّسٍ وَلِابْنِ عَرَفَةَ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ: مَنْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي آنِيَةُ زَيْتٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ ثُمَّ بَانَ بِأَوَّلِهَا فَأْرَةٌ مَيِّتَةٌ فَالثَّلَاثَةُ نَجِسَةٌ وَفِي الرَّابِعِ فَمَا فَوْقَهُ خِلَافٌ، نَقَلَ ابْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَائِلًا: وَلَوْ كَانَتْ مِائَةَ وَقَوْلُ أَصْبَغَ. اهـ. .
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مِثْلُ مَوْتِ الْفَأْرَةِ فِي الطَّعَامِ سُقُوطُ شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ أَنْوَاعِ مَا يُعْفَى عَنْهُ كَيَسِيرِ الدَّمِ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ، وَلَوْ كَانَتْ الْفَأْرَةُ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا فَتْوَى ابْنِ عَرَفَةَ بِأَكْلِ طَعَامٍ طُبِخَ فِيهِ رَوْثُ الْفَأْرَةِ إذَا كَانَتْ كَثِيرَةً وَيَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا بِحَيْثُ يَغْلِبُ سُقُوطُ رَوْثِهَا فِيهِ، فَأَجَابَ عَنْهُ الْبُرْزُلِيُّ بِأَنَّهُ إمَّا لِلضَّرُورَةِ كَفَتْوَى سَحْنُونٍ فِي الْعَفْوِ عَنْ بَوْلِ الدَّوَابِّ عَلَى الزَّرْعِ فِي حَالِ دَرْسِهَا، أَوْ لِلْخِلَافِ الْوَاقِعِ فِي طَهَارَةِ فَضْلَتِهَا.
الثَّانِي: مِثْلُ الزَّيْتِ فِي صَيْرُورَتِهِ نَجَسًا بِمُجَرَّدِ سُقُوطِ مَائِعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَعَدَمِ قَبُولِهِ التَّطْهِيرِ اللَّحْمُ الْمَطْبُوخُ بِالنَّجَسِ، وَالْبَيْضُ الْمَسْلُوقُ بِهِ وَالزَّيْتُونُ يُمَلَّحُ بِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يَطْهُرُ زَيْتٌ خُولِطَ، وَلَحْمٌ طُبِخَ وَزَيْتُونٌ مُلِّحَ وَبَيْضٌ سُلِقَ بِنَجَسٍ وَفَخَّارٌ بِغَوَّاصٍ، وَمِثْلُ سَلْقِ الْبَيْضِ بِالْمَاءِ النَّجَسِ أَوْ الْمُتَنَجِّسِ وُجُودُ وَاحِدَةِ مَذِرَةٍ فِيهِ بَعْدَ السَّلْقِ، وَمِثْلُ الزَّيْتُونِ الْمُمَلَّحِ بِالنَّجَاسَةِ الْجُبْنُ الْمُتَحَوْلِمُ مَعَ النَّجَاسَةِ، وَمِثْلُ طَبْخِ اللَّحْمِ مُصَاحِبًا لِلنَّجَاسَةِ وَضْعُهُ نِيًّا فِيهَا بِحَيْثُ يُظَنُّ سَرَيَانُهَا فِيهِ. وَمَفْهُومُ مَا ذَكَرَ أَنَّ سُقُوطَ النَّجَاسَةِ عَلَى اللَّحْمِ بَعْدَ تَنَاهِي طَبْخِهِ، أَوْ عَلَى الزَّيْتُونِ بَعْدَ تَنَاهِي تَمْلِيحِهِ، أَوْ عَلَى الْجُبْنِ بَعْدَ تَحَوْلُمِهِ لَا يَكُونُ حُكْمُهُ كَذَلِكَ يَلِ يُغْسَلُ وَيُؤْكَلُ، وَإِنْ كَانَ اللَّحْمُ فِي طَبِيخٍ تَنَجَّسَ الطَّبِيخُ وَيُغْسَلُ اللَّحْمُ كَمَا يَتَنَجَّسُ الزَّيْتُ أَوْ مِشُّ الْجُبْنِ، وَيُغْسَلُ الزَّيْتُونُ وَالْجُبْنَةُ غَيْرُ الْقَرِيشَةِ، كَمَا أَنَّ الرَّأْسَ وَالْأَكَارِعَ إذَا شُوِيَتْ بِدَمِهَا عَلَى النَّارِ لَا تُنَجَّسُ بَلْ تُغْتَسَلُ وَتُؤْكَلُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَمَّا وَضْعُ الْفِرَاخِ فِي الْمَاءِ السُّخْنِ أَوْ فِي مَحَلِّ الْخَبْزِ بَعْدَ بَلِّهَا وَبَعْدَ ذَبْحِهَا وَقَبْلَ غَسْلِ دَمِهَا لِيَسْهُلَ نَتْفُ رِيشِهَا فَلَا يُنَجِّسُهَا
стр. 388
الْمَجُوسِيُّ
، وَمَا كَانَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ذَكَاةٌ مِنْ طَعَامِهِمْ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ
وَالصَّيْدُ لِلَّهْوِ مَكْرُوهٌ وَالصَّيْدُ لِغَيْرِ اللَّهْوِ مُبَاحٌ.
وَكُلُّ مَا
ــ
[الفواكه الدواني]
فَيَكْفِي غَسْلُهَا قَبْلَ طَبْخِهَا، رَاجِعْ الْأُجْهُورِيَّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
[أَكْلُ ذَبِيحَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ تَنَاوُلِ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَنَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ أَكْلُ ذَبِيحَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهِيَ الْمُرَادَةُ بِطَعَامِهِمْ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: لَا بَأْسَ بِطَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَذَبَائِحهمْ، وَعَلَيْهِ يَكُونُ عَطْفُ ذَبَائِحهمْ عَلَى طَعَامِهِمْ عَطْفَ تَفْسِيرٍ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الصَّغِيرُ مِنْهُمْ وَالْكَبِيرُ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] الْآيَةَ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: حَمَلُوا طَعَامَهُمْ عَلَى ذَبَائِحِهِمْ فَلَا بَأْسَ هُنَا لِلْإِبَاحَةِ، وَلَا بُدَّ لِلْجَوَازِ مِنْ شُرُوطٍ أَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: إنْ ذَبَحَ لِنَفْسِهِ مُسْتَحِلَّةً، وَإِنْ أَكَلَ الْمَيْتَةَ إنْ لَمْ يَغِبْ عَلَيْهِ بِأَنْ يَذْبَحَهُ بِحَضْرَةِ مُسْلِمٍ يَعْرِفُ صِفَةَ الذَّكَاةِ، وَبَقِيَ شَرْطٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ لَا يَذْبَحَهُ بِاسْمٍ نَحْوِ الصَّنَمِ فَإِنْ ذَبَحَهُ بِاسْمِ الصَّنَمِ فَقَطْ حَرُمَ عَلَيْنَا أَكْلُهُ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْنَا أَكْلُ مَا ذَبَحَهُ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ فِي شَرْعِنَا كَذَوَاتِ الظُّفُرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ذَبَحَ مَا هُوَ حَلَالٌ لَهُ بِشَرْعِنَا، وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ فِي شَرْعِهِ فَقَطْ كَالطَّرِيفَةِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْنَا أَكْلُهُ بَلْ يُكْرَهُ فَقَطْ، فَجُمْلَةُ الشُّرُوطِ ثَلَاثَةٌ: أَنْ يَذْبَحَ مَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَذْبُوحُهُ حَلَالًا لَهُ بِشَرْعِنَا، وَأَنْ لَا يَذْبَحَهُ بِاسْمِ الصَّنَمِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي إبَاحَةِ أَكْلِ مَا ذَكَّاهُ مَعَ الشُّرُوطِ نِيَّةٌ، وَلَا تَسْمِيَةٌ، وَأَمَّا لَوْ اسْتَنَابَهُ مُسْلِمٌ وَذَبَحَ لَهُ فَحَكَى فِيهِ خَلِيلٌ قَوْلَيْنِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي ذَبْحِ كِتَابِيٍّ لِمُسْلِمٍ قَوْلَانِ.
(وَكُرِهَ) لِلْمُسْلِمِ (أَكْلُ شُحُومِ) ذَبَائِحِ (الْيَهُودِ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ بِشَرْعِنَا، كَشَحْمِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الْخَالِصِ كَالثَّرْبِ بِالْمُثَلَّثَةِ الشَّحْمُ الرَّقِيقُ الَّذِي يَغْشَاهُ الْكِرْشُ وَالْأَمْعَاءُ، وَلَمَّا خَشِيَ مِنْ حَمْلِ الْكَرَاهَةِ عَلَى التَّحْرِيمِ قَالَ: (مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ) فَإِنْ قِيلَ: الشَّحْمُ الْمَذْكُورُ مُحَرَّمٌ عَلَى الْيَهُودِ بِشَرْعِنَا فَلِمَ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ جُزْءٌ مُذَكَّى حَلَالٌ لَهُ لَكِنْ لِحُرْمَتِهِ عَلَيْهِ كُرِهَ لَنَا أَكْلُهُ، وَأَيْضًا لَمَّا لَمْ يَقْصِدْ الشَّحْمَ بِالتَّذْكِيَةِ أَشْبَهَ الدَّمَ الَّذِي لَمْ يَقْصِدْهُ الْمُسْلِمُ.
(وَ) مَفْهُومُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ (لَا يُؤْكَلُ مَا ذَكَّاهُ الْمَجُوسِيُّ) وَغَيْرُهُ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَوْ ذَكَّى مَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَتَنَصَّرَ أَوْ يَتَهَوَّدَ أَوْ يَأْمُرَهُ الْمُسْلِمُ بِالذَّبْحِ وَيَقُولُ لَهُ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ وَيَقُولُهَا فَإِنَّ ذَكَاتَهُ تُؤْكَلُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْنَا أَكْلُ مَا ذَكَّاهُ الْمَجُوسِيُّ سَوَاءٌ ذَكَّى مَا يَمْلِكُهُ أَوْ ذَبَحَ مِلْكَ مُسْلِمٍ نِيَابَةً عَنْهُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، بِخِلَافِ الْكِتَابِيِّ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَنَا أَكْلٌ مِمَّا ذَكَّاهُ لِنَفْسِهِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَفِي جَوَازِ أَكْلِ مَا ذَكَّاهُ لِمُسْلِمٍ نِيَابَةً عَنْهُ خِلَافٌ، وَلَعَلَّهُ مَا لَمْ يَأْمُرْهُ الْمُسْلِمُ بِالتَّسْمِيَةِ وَيُسَمِّي اللَّهَ فَيَحِلُّ أَكْلُهُ بِالْأَوْلَى مِنْ أَكْلِ مَا ذَكَّاهُ الْمَجُوسِيُّ مَعَ التَّسْمِيَةِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَرُبَّمَا يَبْحَثُ فِي كَلَامِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُمَرَ بِمَفْهُومِ آيَةِ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فَإِنَّ الْمُرَادَ ذَبَائِحُهُمْ، وَبِصَرِيحِ الْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ، وَلَا يُؤْكَلُ مَا ذَكَّاهُ الْمَجُوسِيُّ وَبِاشْتِرَاطِهِمْ فِي صِحَّةِ الذَّكَاةِ كَوْنُ الْمُذَكِّي مِمَّنْ تُوطَأُ نِسَاؤُهُ، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ التَّسْمِيَةِ كَافٍ فِي جَوَازِ أَكْلِ مُذَكَّى الْمَجُوسِيِّ لَجَعَلَتْ الْفُقَهَاءُ الشَّرْطَ تَسْمِيَةَ الذَّابِحِ فَقَطْ، وَلَوْ كَانَ مَجُوسِيًّا وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ.
(تَنْبِيهٌ) مِثْلُ الْمَجُوسِيِّ فِي عَدَمِ أَكْلِ ذَبِيحَتِهِ مَنْ لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ لِصَبًى أَوْ جُنُونٍ أَوْ سُكْرٍ، وَمِثْلُهُمْ الْمُرْتَدُّ، وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا، وَالْكِتَابِيُّ إذَا ذَبَحَ شَيْئًا بِاسْمِ الصَّنَمِ كَمَا أَشَرْنَا لَهُ فِيمَا سَبَقَ.
(وَ) أَمَّا (مَا كَانَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ذَكَاةٌ مِنْ طَعَامِهِمْ) كَالْخُبْزِ وَالْعَسَلِ وَالزَّيْتِ (فَلَيْسَ بِحَرَامٍ) وَالضَّمِيرُ فِي طَعَامِهِمْ لِلْمَجُوسِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ بِالْأَوْلَى، فَيَجُوزُ لَنَا أَكْلُ خُبْزِ الْمَجُوسِيِّينَ وَزَيْتِهِمْ حَيْثُ تُيُقِّنَتْ طَهَارَتُهُ، لَا إنْ شُكَّ فِي طَهَارَتِهِ فَيَحْرُمُ عَلَيْنَا أَكْلُهُ حَيْثُ غَلَبَ مُخَالَطَتُهُ لِلنَّجَاسَةِ كَجُبْنِهِمْ؛ لِأَنَّ ابْنَ رُشْدٍ حَمَلَ الْكَرَاهَةَ الْوَاقِعَةَ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَلَى التَّحْرِيمِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، حَتَّى قَالَ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى تَحْرِيمِهِ حَتَّى قَالَ: لَا يَنْبَغِي الشِّرَاءُ مِنْ حَانُوتٍ فِيهِ جُبْنُهُمْ لِتَنْجِيسِهِ الْمِيزَانَ وَيَدَ بَائِعِهِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى ذَكَاةِ الْحَيَوَانِ الْإِنْسِيِّ، وَمِثْلُهُ الْوَحْشِيُّ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْوَحْشِيِّ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّيْدُ، وَحَقِيقَتُهُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ أَخْذُ مُبَاحٍ أَكْلُهُ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ مِنْ وَحْشِ طَيْرٍ أَوْ بَرٍّ أَوْ حَيَوَانِ بَحْرٍ بِقَصْدٍ أَيْ نِيَّةِ الِاصْطِيَادِ، وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الِاسْمِيِّ فَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْ وَحْشِ طَيْرٍ أَوْ بَرٍّ إلَخْ، وَحُكْمُهُ الْأَصْلِيُّ الْجَوَازُ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ وَالْحُرْمَةُ وَالْكَرَاهَةُ وَالنَّدْبُ فَأَحْكَامُهُ خَمْسَةٌ، فَالْمَكْرُوهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَالصَّيْدُ لِلَّهْوِ) بِقَصْدِ الذَّكَاةِ (مَكْرُوهٌ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ.
(وَ) أَمَّا حُكْمُ (الصَّيْدِ لِغَيْرِ اللَّهْوِ) ، وَلِغَيْرِ مَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ أَوْ النَّدْبَ أَوْ الْحُرْمَةَ فَهُوَ (مُبَاحٌ) وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فَالْوُجُوبُ، وَأَمَّا لِقَصْدِ التَّصَدُّقِ بِذَاتِهِ
стр. 389
قَتَلَهُ كَلْبُك الْمُعَلَّمُ أَوْ بَازُك الْمُعَلَّمُ فَجَائِزٌ أَكْلُهُ إذَا أَرْسَلْته عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ مَا أَنْفَذَتْ الْجَوَارِحُ مَقَاتِلَهُ قَبْلَ قُدْرَتِك عَلَى ذَكَاتِهِ، وَمَا أَدْرَكْته قَبْلَ إنْفَاذِهَا لِمَقَاتِلِهِ لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِذَكَاةٍ.
وَكُلُّ مَا صِدْته بِسَهْمِك أَوْ رُمْحِك فَكُلْهُ فَإِنْ أَدْرَكْت ذَكَاتَهُ
ــ
[الفواكه الدواني]
أَوْ ثَمَنِهِ أَوْ التَّوْسِيعِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ فَالنَّدْبُ، وَأَمَّا لِقَصْدِ حَبْسِهِ لِلْفُرْجَةِ عَلَيْهِ فَالْحُرْمَةُ دَلَّ عَلَى حُكْمِهِ الْأَصْلِيِّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، فَالْكِتَابُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ ﷺ : «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَك الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْك» ، وَإِنَّمَا قُلْت بِقَصْدِ الذَّكَاةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الِاصْطِيَادِ لَا بِنِيَّةِ الذَّكَاةِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحَرُمَ اصْطِيَادُ مَأْكُولٍ لَا بِنِيَّةِ الذَّكَاةِ، وَلِلصَّيْدِ أَرْكَانٌ وَشُرُوطٌ، فَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ: صَائِدٌ، وَمَصِيدٌ، وَمَصِيدٌ بِهِ، وَشَرْطُ الصَّائِدِ الْإِسْلَامُ وَالتَّمْيِيزُ فَلَا يُؤْكَلُ مَا صَادَهُ غَيْرُ الْمُسْلِمِ، وَلَوْ كِتَابِيًّا، وَلَا مَا صَادَهُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ إلَّا أَنْ يُدْرِكَهُ غَيْرَ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ فَيُذَكِّيَهُ الْمُسْلِمُ، وَلَوْ كَانَ الصَّائِدُ لَهُ مَجُوسِيًّا، وَشَرْطُ الصَّيْدِ أَنْ يَكُونَ وَحْشِيًّا مَرْئِيًّا لِلصَّائِدِ، أَوْ يَكُونَ فِي مَكَان مَحْصُورٍ كَغَارٍ أَوْ غَيْضَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ جُمْلَةً أَوْ فِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ، كَكَوْنِهِ فِي شَاهِقِ جَبَلٍ أَوْ عَلَى شَجَرَةٍ، وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِأَمْرٍ يَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ الْعَطَبِ، أَوْ كَانَ فِي جَزِيرَةٍ كَبِيرَةٍ فَلَا يُؤْكَلُ الْإِنْسِيُّ بِالْعُقْرِ، وَلَوْ فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْهُ كَفَحْلِ الْجَامُوسِ عِنْدَ كِبَرِهِ، وَلَا الْوَحْشِيِّ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ فَادِحَةٍ، وَشَرْطُ الْمَصِيدِ بِهِ أَنْ يَكُونَ سِلَاحًا مَحْدُودًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ حَدِيدٍ، أَوْ حَيَوَانًا مُعَلَّمًا، وَإِنْ كَانَ كَلْبًا، وَتَعْلِيمُهُ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إذَا أُرْسِلَ أَطَاعَ، وَإِذَا زُجِرَ انْزَجَرَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ طَيْرًا فَيَكْفِي فِيهِ الْإِطَاعَةُ عِنْدَ إرَادَةِ إرْسَالِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ الِانْزِجَارِ بَعْدَ الْإِرْسَالِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ، فَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى تِلْكَ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَاطِفًا عَلَى الذَّكَاةِ بِمَعْنَى الذَّبْحِ أَوْ الْعُقْرِ بِقَوْلِهِ: وَجُرْحُ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ وَحْشِيًّا، وَإِنْ تَأَنَّسَ عَجَزَ عَنْهُ إلَّا بِعُسْرٍ لَا نَعَمْ شَرَدَ أَوْ تَرَدَّى بِكَهُوَّةٍ بِسِلَاحٍ مُحَدَّدٍ أَوْ حَيَوَانٍ عُلِّمَ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى مَا يُفِيدُ شُرُوطَ الْمَصِيدِ بِهِ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ) أَيْ جَمِيعُ (مَا قَتَلَهُ كَلْبُك الْمُعَلَّمُ) قَدْ مَرَّ مَعْنَى التَّعْلِيمِ (أَوْ) قَتَلَهُ (بَازُك الْمُعَلَّمُ فَجَائِزٌ أَكْلُهُ) فَاعِلُ جَائِزٍ الْوَاقِعُ خَبَرُ كُلٍّ؛ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَقَرَنَ الْخَبَرَ هُنَا بِالْفَاءِ لِشِبْهِ الْمُبْتَدَأِ هُنَا بِالشَّرْطِ فِي الْعُمُومِ، وَمَا يُقَالُ: الْخَبَرُ الَّذِي يُقْرَنُ بِالْفَاءِ يَكُونُ جُمْلَةً، وَمَا هُنَا مُفْرَدٌ فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: الْمُفْرَدُ هُنَا شَبِيهٌ بِالْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهُ وُصِفَ مَعَ مَرْفُوعِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ مَا مَاتَ بِجُرْحِ الْحَيَوَانِ الْمُعَلَّمِ أَوْ السِّلَاحِ الْمُحَدَّدِ بَعْدَ النِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ وَوُجُودِ مَا يُشْتَرَطُ مِنْ الشُّرُوطِ يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَلَوْ تَعَدَّدَ حَيْثُ نَوَى الْجَمِيعَ، وَيُشْتَرَطُ فِي صَيْدِ الْحَيَوَانِ (إذَا أَرْسَلْته) أَيْ الْجَارِحَ (عَلَيْهِ) وَذَهَبَ إلَيْهِ بِإِرْسَالِك مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ تَرْكٍ.
قَالَ: خَلِيلٌ: بِإِرْسَالٍ مِنْ يَدِهِ بِلَا ظُهُورِ تَرْكٍ، وَلَوْ تَعَدَّدَ مَصِيدُهُ، وَقَوْلُنَا حَيْثُ نَوَى الْجَمِيعَ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا نَوَى مُعَيَّنًا، فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ إذَا قَتَلَهُ أَوَّلًا وَعَلِمَ أَنَّهُ الْأَوَّلُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْأَوَّلُ أَوْ قَتَلَ غَيْرَهُ قَبْلَهُ فَلَا يُؤْكَلُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ، وَأَمَّا لَوْ رَأَى جَمَاعَةً وَنَوَى وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا الْأَوَّلُ حَيْثُ عُلِمَ أَنَّهُ الْأَوَّلُ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: إذَا أَرْسَلْته أَنَّك لَوْ لَمْ تُرْسِلْهُ لَا يُؤْكَلُ مَا جَرَحَهُ أَوْ أَرْسَلَهُ، لَكِنْ لَمْ يَذْهَبْ بِإِرْسَالِهِ بِأَنْ أَظْهَرَ التَّرْكَ بِأَنْ وَجَدَ جِيفَةً فِي الطَّرِيقِ فَاشْتَغَلَ بِالْأَكْلِ مِنْهَا ثُمَّ ذَهَبَ إلَى الصَّيْدِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ.
قَالَ خَلِيلٌ: بِإِرْسَالِهِ مِنْ يَدِهِ بِلَا ظُهُورِ تَرْكٍ ثُمَّ قَالَ فِي مُحْتَرَزِهِ لَا إنْ أَغْرَى فِي الْوَسَطِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا يَجْرَحُهُ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ مَاتَ بِمُجَرَّدِ الْعَضِّ أَوْ الصَّدْمِ مِنْ غَيْرِ جُرْحٍ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ.
(وَ) كَمَا يَجُوزُ أَكْلُ مَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ أَوْ الْبَازُ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ (كَذَلِكَ) يَجُوزُ أَكْلُ (مَا أَنْفَذَتْ الْجَوَارِحُ) أَوْ الْكِلَابُ شَيْئًا مِنْ (مَقَاتِلِهِ قَبْلَ قُدْرَتِك عَلَى ذَكَاتِهِ) ، وَلَوْ أَدْرَكْته حَيًّا حَيْثُ لَمْ تَتَرَاخَ فِي اتِّبَاعِهِ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَلْحَقْهُ قَبْلَ إنْفَاذِهَا، وَلَوْ لَمْ يَتَرَاخَ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْإِجْهَازُ عَلَى مَا أَدْرَكَهُ حَيًّا بَعْدَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مَقَاتِلِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَفَرْيُ وَدَجَيْ صَيْدٍ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ: أَنْفَذَتْ الْجَوَارِحُ بِقَوْلِهِ: (وَمَا أَدْرَكْته) أَوْ أَدْرَكَهُ غَيْرُك مِمَّنْ تَصِحَّ ذَكَاتُهُ وَتَمَكَّنَ مِنْ ذَكَاتِهِ (قَبْلَ إنْفَاذِهَا) أَيْ الْجَوَارِحِ (لِمَقَاتِلِهِ لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِذَكَاةٍ) حَيْثُ تَمَكَّنَ مِنْ تَخْلِيصِهِ مِنْ الْكَلْبِ أَوْ الْبَازِ قَبْلَ قَتْلِهِ أَوْ إنْفَاذِ مَقْتَلِهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ تَخْلِيصِهِ صَارَ مِنْ الْمَقْدُورِ عَلَى ذَكَاتِهِ، فَلَوْ تَرَكَهُ حَتَّى قَتَلَهُ الْجَارِحُ لَمْ يُؤْكَلْ.
قَالَ خَلِيلٌ: أَوْ يَنْهَشُهُ مَا قَدَرَ عَلَى خَلَاصِهِ مِنْهُ، وَقَوْلُنَا: أَوْ أَدْرَكَهُ غَيْرُك إشَارَةٌ إلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ مَرَّ عَلَى صَيْدٍ قَبْلَ إنْفَاذِ الْجَارِحِ شَيْئًا مِنْ مَقَاتِلِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ تَذْكِيَتُهُ، فَإِنْ تَرَكَهَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهَا ضَمِنَ قِيمَتَهُ، قَالَ خَلِيلٌ: وَضَمِنَ مَارٌّ أَمْكَنَتْهُ ذَكَاتُهُ وَتَرَكَ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَى رَبِّهِ، فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَجْرُوحًا لِلصَّائِدِ لِحُرْمَةِ أَكْلِهِ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّ مُرُورَ غَيْرِ رَبِّهِ بِمَنْزِلَةِ مُرُورِ رَبِّهِ، وَرَبُّهُ إذَا مَرَّ بِهِ قَبْلَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مَقَاتِلِهِ، وَتَرَكَهُ حَتَّى قَتَلَهُ الْجَارِحُ يَصِيرُ مَيْتَةً.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْمَصِيدِ بِهِ الْحَيَوَانَ شَرَعَ فِي السِّلَاحِ الْمُحَدَّدِ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ) أَيْ جَمِيعُ (مَا صِدْته بِسَهْمِك أَوْ رُمْحِك) أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ كُلِّ مُحَدَّدٍ، وَلَوْ غَيْرَ حَدِيدٍ وَقَتَلَهُ السَّهْمُ أَوْ الرُّمْحُ أَوْ جَرَحَهُ، وَمَاتَ قَبْلَ قُدْرَتِك عَلَى ذَكَاتِهِ
стр. 390
فَذَكِّهِ، وَإِنْ فَاتَ بِنَفْسِهِ فَكُلْهُ إذَا قَتَلَهُ سَهْمُك مَا لَمْ يَبِتْ عَنْك، وَقِيلَ إنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا بَاتَ عَنْك مِمَّا قَتَلَتْهُ الْجَوَارِحُ، وَأَمَّا السَّهْمُ يُوجَدُ فِي مَقَاتِلِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ.
وَلَا تُؤْكَلُ الْإِنْسِيَّةُ بِمَا يُؤْكَلُ بِهِ الصَّيْدُ.
وَالْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ وَيُعَقُّ عَنْ الْمَوْلُودِ
ــ
[الفواكه الدواني]
(فَكُلْهُ) حَيْثُ نَوَيْت وَسَمَّيْت عِنْدَ رَمْيِ السَّهْمِ أَوْ الرُّمْحِ (فَإِنْ أَدْرَكْت ذَكَاتَهُ) قَبْلَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مَقَاتِلِهِ (فَذَكِّهِ) وُجُوبًا، وَأَمَّا إنْ أَدْرَكْته حَيًّا بَعْدَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مَقَاتِلِهِ نُدِبَ لَك تَذْكِيَتُهُ كَمَا قَدَّمْنَا.
(وَ) مَفْهُومُ أَدْرَكْت ذَكَاتَهُ (إنْ مَاتَ بِنَفْسِهِ) بِأَنْ أَدْرَكْته مَيِّتًا (فَكُلْهُ إذَا قَتَلَهُ سَهْمُك) أَوْ رُمْحُك (مَا لَمْ يَبِتْ عَنْك) ، وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْك أَكْلُهُ، وَلَوْ بَاتَ عَنْك بَعْضَ اللَّيْلِ، وَلَوْ وَجَدْت السَّهْمَ فِي مَقَاتِلِهِ مَعَ إنْفَاذِهَا، وَلَوْ مَعَ الْجَدِّ فِي اتِّبَاعِهِ، وَلَا مَفْهُومَ لِلسَّهْمِ فِي عَدَمِ جَوَازِ أَكْلِ مَا بَاتَ عَنْك.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا بَاتَ الصَّيْدُ عَنْ الصَّائِدِ وَوَجَدَهُ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ لَمْ يُؤْكَلْ، وَالْكَلْبُ وَالسَّهْمُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ اللَّيْلَ تَكْثُرُ فِيهِ الْهَوَامُّ بِخِلَافِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ يَمْنَعُ نَفْسَهُ فِيهِ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ رَجُلًا يَصِيدُ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إنِّي رَمَيْته مِنْ اللَّيْلِ فَأَعْيَانِي وَوَجَدْت سَهْمِي فِيهِ مِنْ الْغَدِ وَعَرَفْت سَهْمِي، فَقَالَ: اللَّيْلُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَظِيمٌ لَعَلَّهُ أَعَانَك عَلَيْهِ شَيْءٌ أَنْفَذَهَا عَنْك» .
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلْ مَا أَصْمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْتَ وَالْإِصْمَاءُ مَا حَضَرْت مَوْتَهُ، وَالْإِنْمَاءُ مَا غَابَ عَنْك مَوْتُهُ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ رَمَاهُ نَهَارًا، وَغَابَ عَنْهُ يَوْمًا كَامِلًا وَوَجَدَهُ مَيِّتًا بِجُرْحِ السَّهْمِ أَنَّهُ يُؤْكَلُ، وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَرَاخَ فِي اتِّبَاعِهِ، ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ مِنْ حُرْمَةِ أَكْلِ مَا بَاتَ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَنَسَبَهُ بَعْضُهُمْ فِيهِ إلَى الْوَهْمِ وَرَجَحَ الْقَوْلُ بِأَكْلِهِ حَيْثُ وُجِدَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا لَمْ يَرَ الصَّائِدُ إنْفَاذَ السَّهْمِ أَوْ الْجَارِحُ إنْفَاذَ مَقْتَلِهِ قَبْلَ الْبَيَاتِ، وَإِلَّا أُكِلَ اتِّفَاقًا، وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ مُسَاوَاةِ الْجَارِحِ لِلسَّهْمِ فِي الْأَحْكَامِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَمُقَابِلُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَقِيلَ) أَيْ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ (إنَّمَا حُرْمَةُ ذَلِكَ) أَيْ أَكْلُ مَا مَاتَ (فِيمَ بَاتَ عَنْك مِمَّا قَتَلَهُ الْجَوَارِحُ وَأَمَّا) الصَّيْدُ الَّذِي يُضْرَبُ (بِالسَّهْمِ فَيُوجَدُ فِي مَقَاتِلِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ) أَيْ يَجُوزُ أَكْلُهُ، وَوَجْهُ تَفْرِقَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ السَّهْمَ إذَا وُجِدَ فِي مَقَاتِلِهِ وَقَدْ أَنْفَذَهَا يَغْلِبُ مَعَهُ الظَّنُّ بِأَنَّ الْمَوْتَ لِلصَّيْدِ مِنْ السَّهْمِ، بِخِلَافِ الْجَارِحِ كَالْكَلْبِ أَوْ الصَّقْرِ يَجْرَحُ الصَّيْدَ وَيَبِيتُ عِنْدَ رَبِّهِ وَيُوجَدُ الصَّيْدُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْجَارِحِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: قَيَّدْنَا السَّهْمَ وَالرُّمْحَ بِالْمُحَدَّدِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِ الْمُحَدَّدِ، كَالْبُنْدُقِ وَالشَّرَكِ وَالشَّبَكَةِ وَالْعَصًا الَّتِي لَا حَدَّ لَهَا، فَلَا يُؤْكَلُ مَا صِيدَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ، وَلَوْ وُجِدَ حَيًّا بَعْدَ إنْفَاذِ مَقْتَلِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَدْرَكَ حَيًّا قَبْلَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مَقَاتِلِهِ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ بِالذَّكَاةِ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الَّذِي يُدْرَكُ حَيًّا، وَلَوْ بَعْدَ إنْفَاذِ مَقْتَلِهِ بِالْبُنْدُقِ مَثَلًا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ لَيْسَ مَذْهَبًا لَنَا.
الثَّانِي: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي أَكْلِ الصَّيْدِ أَنْ يَجْرَحَهُ الْكَلْبُ أَوْ السَّهْمُ، وَلَا يَكْفِي مَوْتُهُ بِمُجَرَّدِ الْعَضِّ، وَالْمُرَادُ بِالْجُرْحِ مَا يَشْمَلُ قَطْعَ الرِّجْلِ أَوْ الْأُذُنِ.
وَفِي كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: الْمُرَادُ بِالْجُرْحِ سَيَلَانُ الدَّمِ، وَإِنْ لَمْ يَشُقَّ الْجِلْدَ، وَحَكَى قَوْلَيْنِ فِي شَقِّ الْجِلْدِ مِنْ غَيْرِ سَيَلَانِ دَمٍ، وَأَقُولُ: مُقَابَلَتُهُمْ لِلْجُرْحِ بِالصَّدْمِ وَالْعَضِّ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ شَقَّ الْجِلْدِ يَكْفِي فِي جَوَازِ أَكْلِ الصَّيْدِ، وَإِنْ لَمْ يَسِلْ مَعَهُ دَمٌ وَحَرَّرَهُ، بَلْ شَقُّ الْجِلْدِ أَوْلَى مِنْ سَيَلَانِ الدَّمِ مِنْ غَيْرِ شَقٍّ.
الثَّالِثُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ أَكْلِ مَا يَنْفَصِلُ مِنْ الصَّيْدِ عِنْدَ الِاصْطِيَادِ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ: إنْ انْفَصَلَ شَيْءٌ وَحَصَلَ بِهِ إنْفَاذُ مَقْتَلٍ أُكِلَ سَوَاءٌ كَانَ نِصْفًا أَوْ أَقَلَّ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ إنْفَاذُ مَقْتَلٍ أُكِلَ إنْ كَانَ نِصْفًا لَا أَقَلَّ.
قَالَ خَلِيلٌ. وَدُونَ نِصْفٍ أُبِينَ مَيْتَةٌ إلَّا الرَّأْسَ.
وَلِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الصَّيْدَ مُخْتَصٌّ بِالْوَحْشِيِّ شَرَعَ هُنَا فِي بَيَانِ مُحْتَرَزِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تُؤْكَلُ) الذَّاتُ (الْإِنْسِيَّةُ) أَصَالَةً، وَإِنْ تَوَحَّشَتْ (بِمَا يُؤْكَلُ بِهِ الصَّيْدُ) مِنْ الْجُرْحِ قَالَ خَلِيلٌ: لَا نَعَمَ شَرَدَ أَوْ تَرَدَّى بِكَهُوَّةٍ فَلَا يُؤْكَلُ الْفَحْلُ الْجَامُوسُ الَّذِي نَفَرَ، وَلَا الْجَمَلُ الشَّارِدُ، وَمِثْلُ النَّعَمِ الْحَيَوَانُ الْوَحْشِيُّ إذَا تَأَنَّسَ أَوْ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ كَالْغَزَالَةِ وَبَقَرِ الْوَحْشِ يُصَادَانِ مِنْ غَيْرِ جُرْحٍ فَلَا يُؤْكَلُ شَيْءٌ مِنْهُمَا بِالْعُقْرِ، وَإِنَّمَا يُؤْكَلَانِ بِمَا يُؤْكَلُ بِهِ الْحَيَوَانُ الْإِنْسِيُّ، وَهُوَ الذَّبْحُ.
(تَنْبِيهٌ) لَيْسَ مِنْ الْإِنْسِيِّ الَّذِي يُذْبَحُ نَحْوَ الْجَرَادِ بَلْ ذَكَاتُهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ أَوْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ مَا يُعَجِّلُ مَوْتَهُ، بَلْ سَائِرُ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ ذَكَاتُهَا مَا يُعَجِّلُ مَوْتَهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَافْتَقَرَ نَحْوُ الْجَرَادِ لَهَا بِمَا يَمُوتُ بِهِ، وَلَوْ لَمْ يُعَجِّلْ كَقَطْعِ جُنَاحٍ أَوْ إلْقَاءٍ فِي نَارٍ، فَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالْإِنْسِيِّ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ، وَمَا شَابَهَهَا مِنْ نَحْوِ الدَّجَاجِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الذَّكَاةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: ذَبْحٍ وَنَحْرٍ وَعُقْرٍ، وَمَا يُعَجِّلُ الْمَوْتَ وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِيمَا سَبَقَ أَتَمَّ بَيَانٍ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَقِيَّةِ مَا تَرْجَمَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَالْعَقِيقَةُ) فِي اللُّغَةِ الْقَطْعُ فَهِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الذَّبِيحَةُ الَّتِي تُفْعَلُ فِي سَابِعِ وِلَادَةِ الْمَوْلُودِ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: مَا تُقَرِّبَ بِذَكَاتِهِ مِنْ جَذَعِ ضَأْنٍ أَوْ ثَنِيِّ سَائِرِ النَّعَمِ سَلِيمَيْنِ مِنْ بَيْنِ عَيْبٍ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ فِي نَهَارِ سَابِعِ وِلَادَةِ آدَمِيٍّ حَيٍّ عُقَّ عَنْهُ فَلَيْسَتْ قَاصِرَةً عَلَى الْغَنَمِ خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ، وَبَيَّنَ حُكْمَهَا بِقَوْلِهِ: (سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ) مُرَادُهُ أَنَّهَا سُنَّةٌ خَفِيفَةٌ غَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ أَوْ أَرَادَ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةَ فَلَا يُنَافِي الْوَصْفَ بِمُسْتَحَبَّةٍ، فَإِنْ قِيلَ: الْمُسْتَحَبُّ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا أَنَّ الْمَسْنُونَ فَعَلَهُ أَيْضًا فَمَا
следующие страницы →