Полный текст (778 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الصَّالِحُ يَقُومُونَ فِيهِ فِي الْمَسَاجِدِ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً ثُمَّ يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ وَيَفْصِلُونَ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ بِسَلَامٍ ثُمَّ صَلَّوْا بَعْدَ
ــ
[الفواكه الدواني]
الْعَاقِلَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ عَمَلَهُ دَائِمًا فِي حَضِيضِ النُّقْصَانِ وَغَيْرَ بَالِغِ دَرَجَةِ الْكَمَالِ، لَعَلَّ الْبَارِيَ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالْقَبُولِ وَالْإِحْسَانِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمَحَلِّ الَّذِي يُنْدَبُ فِعْلُ الْقِيَامِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجُوزُ فِعْلُ صَلَاةِ (الْقِيَامِ فِيهِ) أَيْ فِي رَمَضَانَ (فِي) سَائِرِ (مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ) وَإِنْ كَانَتْ مَسَاجِدَ خُطَبٍ وَيَجُوزُ فِعْلُهُ (بِإِمَامٍ) فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ كَرَاهَةِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَجَمْعُ كَثِيرٍ لِنَفْلٍ أَوْ بِمَكَانٍ مُشْتَهِرٍ لِاسْتِمْرَارِ الْعَمَلِ عَلَى الْجَمْعِ فِيهَا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مِمَّنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ لِاسْتِحْبَابِ خَتْمِهِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ لِيَسْمَعَ جَمِيعَهُ الْمَأْمُومُونَ، وَلَمَّا كَانَ فِعْلُهَا فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلَ قَالَ: (وَمَنْ شَاءَ قَامَ) أَيْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ (فِي بَيْتِهِ وَلَوْ بِإِمَامٍ وَهُوَ أَحْسَنُ) أَيْ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ (لِمَنْ قَوِيَتْ نِيَّتُهُ وَحْدَهُ) وَمَعْنَى قَوِيَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نَشَاطٌ فِي فِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ الْمُتَأَكَّدِ: وَتَرَاوِيحُ وَانْفِرَادٌ فِيهَا إنْ لَمْ تُعَطَّلْ الْمَسَاجِدُ.
قَالَ شُرَّاحُهُ: وَنُدِبَ الِانْفِرَادُ مُقَيَّدٌ بِمَنْ يَنْشَطُ لِفِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ، وَبِعَدَمِ تَعْطِيلِ الْمَسْجِدِ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْبُيُوتِ، وَبِأَنْ لَا يَكُونَ آفَاقِيًّا وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَإِلَّا كَانَ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلَ، وَإِنَّمَا كَانَ فِعْلُهَا فِي الْبُيُوتِ مَعَ الْقُيُودِ أَفْضَلَ لِلسَّلَامَةِ مِنْ الرِّيَاءِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجَلْوَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْخَلْوَةِ، وَلِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاتُكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَالْأَصْلُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ التَّرَاوِيحَ لَيْلَتَيْنِ وَقِيلَ ثَلَاثًا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ امْتَنَعَ مِنْ الْخُرُوجِ فِي الثَّالِثَةِ وَقِيلَ فِي الرَّابِعَةِ لَمَّا بَلَغَهُ ازْدِحَامُهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: رَأَيْت الَّذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إلَّا أَنِّي خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» كَمَا أَشَارَ الْأُجْهُورِيُّ بِقَوْلِهِ:
وَفِيهِ قَدْ صَلَّى نَبِيُّ الرَّحْمَهْ ... قِيَامَهُ بِلَيْلَتَيْنِ فَاعْلَمْهُ
أَوْ بِثَلَاثٍ ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ لَهُ ... خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ
ثَمَّةَ كَانَ الْجَمْعُ فِيهِ مِنْ عُمَرْ ... لَمَّا وَعَاهُ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ خَبَرْ
مِنْ أَنَّهُ يَنْزِلُ أَمْلَاكٌ كِرَامْ ... بِرَمَضَانَ كُلَّ عَامٍ لِلْقِيَامْ
فَمَنْ لَهُمْ قَدْ مَسَّ أَوْ مَسُّوهُ ... يَسْعَدُ وَالشِّقْوَةُ لَا تَعْرُوهُ
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ لَهَا أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، وَقَوْلُ عُمَرَ فِيهَا: نِعْمَةُ الْبِدْعَةِ هَذِهِ لَيْسَ رَاجِعًا لِأَصْلِهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ جَمْعُهُمْ عَلَى إمَامٍ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاظَبَةِ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُمْ حِينَ امْتَنَعَ الْمُصْطَفَى ﷺ مِنْ الْخُرُوجِ صَارُوا يُصَلُّونَهَا فُرَادَى فِي بُيُوتِهِمْ، ثُمَّ بَعْدَ سَنَتَيْنِ حَصَلَ الْأَمْنُ مِنْ خَشْيَةِ فَرْضِيَّتِهَا لِعَدَمِ تَجْدِيدِ الْأَحْكَامِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُصْطَفَى ﵊ أَمَرَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِفِعْلِهَا جَمَاعَةً، وَلَعَلَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ إشْهَارَهَا وَالْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا وَإِحْيَاءَ الْمَسَاجِدِ بِفِعْلِهَا؛ لِأَنَّ إخْفَاءَهَا ذَرِيعَةٌ لِإِهْمَالِهَا وَتَضْيِيعِهَا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَقُولُ الرَّسُولُ ﵊: «إنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْكُمْ خَشْيَةُ فَرْضِهَا عَلَيْكُمْ» مَعَ مَا فِي الْحَدِيثِ حِينَ فَرَضَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: " هُنَّ خَمْسٌ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ إلَخْ " فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ خَشْيَةُ فَرْضِهَا فِي خُصُوصِ رَمَضَانَ، وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَمَفْرُوضَةٌ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَلَى الدَّوَامِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ خَشْيَةُ فَرْضِهَا عَلَيْكُمْ فِي جَمَاعَةٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﷺ : «إنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ الْخُرُوجِ خَشْيَةُ فَرْضِهَا» يَقْتَضِي أَنَّ فِعْلَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ، فَكَيْفَ تَقُولُونَ فِعْلُهَا فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُصْطَفَى ﵊ قَدْ يَفْعَلُ الْمَفْضُولَ لِلتَّشْرِيعِ، فَفِعْلُهُ لَهَا فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْوَاجِبِ ﵊، وَخِلَافُ الْأَفْضَلِ فِي حَقِّنَا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ الَّتِي كَانَ يَفْعَلُهَا الْمُصْطَفَى وَوَاظَبَ عَلَيْهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ بَعْدَ قَوْلِهِ: (وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ) وَهُمْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - (يَقُومُونَ فِيهِ) فِي زَمَنِ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَبِأَمْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (فِي الْمَسَاجِدِ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً) وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ الْآنَ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ. (ثُمَّ) بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشْرِينَ (يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ) مِنْ بَابِ تَغْلِيبِ الْأَشْرَفِ لَا أَنَّ الثَّلَاثَ وِتْرٌ؛ لِأَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا مَرَّ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَيَفْصِلُونَ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ بِسَلَامٍ) اسْتِحْبَابًا وَيُكْرَهُ الْوَصْلُ إلَّا لِاقْتِدَاءٍ بِوَاصِلٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا، وَخُيِّرَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ، وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ النَّاسِ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَالْعِشْرِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا. (ثُمَّ) بَعْدَ وَقْعَةِ الْحَرَّةِ بِالْمَدِينَةِ (صَلَّوْا) أَيْ السَّلَفُ غَيْرَ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ هُنَا مَنْ كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (بَعْدَ ذَلِكَ) الْعَدَدِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ
стр. 317
ذَلِكَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً غَيْرَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ وَيُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ «مَا زَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَنْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَعْدَهَا الْوِتْرُ» .
ــ
[الفواكه الدواني]
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً غَيْرَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ) وَاَلَّذِي أَمَرَهُمْ بِصَلَاتِهَا كَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ لَمَّا رَأَى فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُطِيلُونَ فِي الْقِرَاءَةِ الْمُوجِبَةِ لِلسَّآمَةِ وَالْمَلَلِ، فَأَمَرَهُمْ بِتَقْصِيرِ الْقِرَاءَةِ وَزِيَادَةِ الرَّكَعَاتِ، وَالسُّلْطَانُ إذَا نَهَجَ مَنْهَجًا لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ وَلَا سِيَّمَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁، وَهَذَا اخْتَارَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاسْتَحْسَنَهُ وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَرَجَّحَ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ الْأَوَّلَ الَّذِي جَمَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ عَلَيْهَا لِاسْتِمْرَارِ الْعَمَلِ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ عَلَيْهِ لِذَلِكَ صَدَّرَ بِهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ بِالشَّفْعِ وَالْوِتْرِ. (وَكُلُّ ذَلِكَ) أَيْ الْعَدَدِ مِنْ الْعِشْرِينَ أَوْ السِّتَّةِ وَالثَّلَاثِينَ (وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ وَهَذَا غَيْرُ ضَرُورِيِّ الذِّكْرِ. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ السَّلَامِ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ الْأَفْضَلُ لَهُ السَّلَامُ بَعْدَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَلَمَّا بَيَّنَ قَدْرَ مَا فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ السَّلَفِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ،
شَرَعَ فِي بَيَانِ عَدَدِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْمُصْطَفَى ﷺ فِي رَمَضَانَ وَفِي غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «مَا زَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رَكْعَةً بَعْدَهَا الْوِتْرُ» قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَمَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ هُوَ أَغْلَبُ أَحْوَالِهِ ﷺ ، فَلَا يُعَارِضُ مَا رُوِيَ عَنْهَا بِخَمْسَ عَشْرَةَ وَسَبْعَ عَشْرَةَ، وَرَوَى غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ «أَنَّهُ رَجَعَ إلَى تِسْعٍ ثُمَّ إلَى سَبْعٍ» ، وَلَيْسَ اخْتِلَافًا حَقِيقِيًّا بَلْ اخْتِلَافٌ بِحَسَبِ اعْتِبَارَاتٍ، فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَإِذَا قَامَ يَتَهَجَّدُ افْتَتَحَ وِرْدَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ لِيَنْشَطَ، وَإِذَا خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ رَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فَتَارَةً عَدَّهَا بِفِعْلِهِ فِي لَيْلِهِ وَهُوَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَتَارَةً أَسْقَطَ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ فَعَدَّ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَفِي هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ كَثِيرٍ مِمَّا وَرَدَ.
(خَاتِمَةٌ) قَالَ الْبَاجِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّإِ: هَذَا الْقِيَامُ الَّذِي تَقُومُهُ النَّاسُ بِرَمَضَانَ فِي الْمَسَاجِدِ مَشْرُوعٌ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا يُوقِعُونَهُ فِي بُيُوتِهِمْ، وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ بِرَمَضَانَ لِكَيْ يَحْصُلَ لِعَامَّةِ النَّاسِ فَضْلُ الْقِيَامِ بِالْقُرْآنِ كُلِّهِ، وَيَسْمَعُونَ كَلَامَ رَبِّهِمْ فِي أَفْضَلِ الشُّهُورِ اهـ، وَنَحْوُ هَذَا لِابْنِ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ التَّتَّائِيُّ: وَلَمَّا سَمِعَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ هَذِهِ الْفَائِدَةَ أَنْكَرَهَا غَايَةَ الْإِنْكَارِ حَتَّى أَوْقَفْنَاهُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيِّ وَابْنِ الْحَاجِّ وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ الصِّيَامِ شَرَعَ فِي الِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الصِّيَامِ فَقَالَ:
стр. 318
بَابٌ فِي الِاعْتِكَافِ وَالِاعْتِكَافُ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ وَالْعُكُوفُ الْمُلَازَمَةُ
وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصِيَامٍ وَلَا يَكُونُ إلَّا مُتَتَابِعًا وَلَا يَكُونُ إلَّا فِي
ــ
[الفواكه الدواني]
[بَاب فِي الِاعْتِكَاف]
(بَابٌ فِي) ذِكْرِ أَحْكَامِ (الِاعْتِكَافِ) وَهُوَ لُغَةً مُطْلَقُ اللُّزُومِ لِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَشَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لُزُومُ مَسْجِدٍ مُبَاحٍ لِقُرْبَةٍ قَاصِرَةٍ بِصَوْمٍ مَعْزُومٌ عَلَى دَوَامِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً سِوَى وَقْتِ خُرُوجِهِ لِجُمُعَةٍ أَوْ لِمَعْنِيِّهِ الْمَمْنُوعِ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِاللُّزُومِ الْإِقَامَةُ، وَاحْتَرَزَ بِمَسْجِدٍ مُبَاحٍ عَنْ مُلَازَمَةِ غَيْرِ الْمُبَاحِ، كَمُلَازَمَةِ نَحْوِ الْكَعْبَةِ مِنْ الْمَسَاجِدِ الْمَحْجُورَةِ فَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِيهَا، وَالْمُرَادُ بِالْقُرْبَةِ الْقَاصِرَةِ الصَّلَاةُ وَالذِّكْرُ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَيُكْرَهُ فِعْلُ غَيْرِهَا كَاشْتِغَالٍ كَثِيرٍ بِعِلْمٍ أَوْ كِتَابَةٍ، وَمَعْزُومٌ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِ " لُزُومُ "، وَقَوْلُهُ: سِوَى وَقْتِ خُرُوجِهِ لِجُمُعَةٍ إلَخْ مُسْتَثْنًى مِنْ اللُّزُومِ، فَلَا تَجِبُ إقَامَتُهُ فِي الْمُعْتَكِفِ وَقْتَ خُرُوجٍ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ بَلْ يَخْرُجُ لِلْجُمُعَةِ وَيَرْجِعُ، وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ وَيُتِمُّ عَلَى مَا مَضَى، هَكَذَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ، وَضَعَّفَ الْأَشْيَاخُ كَلَامَهُ فِي هَذَا، وَالْمُعْتَمَدُ بُطْلَانُ اعْتِكَافِهِ لِخُرُوجِهِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَلِذَلِكَ أَوْجَبُوا عَلَيْهِ الِاعْتِكَافَ فِي مَحَلٍّ فِيهِ خُطْبَةٌ إذَا نَذَرَ أَيَّامًا تَأْخُذُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ، وَإِلَّا خَرَجَ وَبَطَلَ اعْتِكَافُهُ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ، وَقَوْلُهُ: أَوْ لِمَعْنِيِّهِ بِنُونٍ وَبَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ أَيْ مَقْصُودِهِ الْمَمْنُوعِ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَا تَلْزَمُ الْإِقَامَةُ زَمَنَهُ بَلْ يَخْرُجُ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَخُرُوجِهِ لِغُسْلِ جَنَابَةٍ مِنْ احْتِلَامٍ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ لِمَرَضِهِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِذَا خَرَجَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ، وَأَشَارَ إلَى حُكْمِ الِاعْتِكَافِ بِقَوْلِهِ: (وَالِاعْتِكَافُ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ) الْمَطْلُوبُ لِلشَّارِعِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ بِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِ، وَاسْتَظْهَرَهُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَائِلًا: إذْ لَوْ كَانَ سُنَّةً لَمَا وَاظَبَ السَّلَفُ عَلَى تَرْكِهِ، وَخَالَفَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَقَالَ: إنَّهُ سُنَّةٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهُوَ مُقْتَضَى الْآثَارِ لِفِعْلِهِ ﷺ مُدَاوِمًا عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْكَافِي: إنَّهُ سُنَّةٌ فِي رَمَضَانَ جَائِزٌ فِي غَيْرِهِ أَيْ جَوْزًا رَاجِحًا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ التَّشَبُّهُ بِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ فِي اسْتِغْرَاقِ الْأَوْقَاتِ بِالْعِبَادَةِ وَحَبْسِ النَّفْسِ عَنْ شَهَوَاتِهَا وَاللِّسَانِ عَنْ الْخَوْضِ فِيمَا لَا يَعْنِي، وَفَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَالْعُكُوفُ الْمُلَازَمَةُ) مِنْ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ لِمَسْجِدٍ مُبَاحٍ بِمُطْلَقِ صَوْمٍ وَلَوْ كَانَ مَنْذُورًا لِقُرْبَةٍ قَاصِرَةٍ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالذِّكْرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ فِعْلُ غَيْرِ ذِكْرٍ وَصَلَاةٍ وَتِلَاوَةٍ كَعِيَادَةٍ وَجِنَازَةٍ وَلَوْ لَاصَقَتْ، وَكَاشْتِغَالٍ بِعِلْمٍ وَكِتَابَتِهِ وَإِنْ مُصْحَفًا إنْ كَثُرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا فَيُبَاحُ لَهُ لِتَمَعُّشِهِ، كَمَا لَا يُكْرَهُ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ الْمُتَعَيَّنِ، وَيَدْخُلُ فِي الْمُمَيِّزِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى الْبَالِغُ، وَغَيْرُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
(تَنْبِيهٌ) : إذَا عَلِمْت مَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ لَك أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ التَّعْرِيفُ بِالْأَعَمِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ الَّذِي يُطْلَبُ مِنْ الْمُعْتَكِفِ مُلَازَمَتُهُ، وَاَلَّذِي يُنْهَى عَنْهُ كَتَعْرِيفِ الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ حَيَوَانٌ وَفِيهِ خِلَافٌ وَالْأَكْثَرُ عَلَى مَنْعِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّاذِلِيِّ: أَنَّ الْمُصَنِّفَ عَرَّفَ الِاعْتِكَافَ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَأَقُولُ فِي جَوَابِهِ ذِكْرُهُ التَّعْرِيفَ بَعْدَ قَوْلِهِ الِاعْتِكَافُ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ يُرْشِدُ إلَى الْمُرَادِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُلَازَمَةُ عَلَى الْقُرْبَةِ الْقَاصِرَةِ كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ التَّعْرِيفُ بِالْأَعَمِّ؛ لِأَنَّ الْفَقِيهَ لَيْسَ مِنْ دَأْبِهِ بَيَانُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَإِنَّمَا غَرَضُهُ بَيَانُ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، وَفِيهِ أَيْضًا تَقْدِيمُ التَّصْدِيقِ عَلَى التَّصَوُّرِ لِأَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا: وَالِاعْتِكَافُ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ وَهَذَا تَصْدِيقٌ، وَالتَّصَوُّرُ قَوْلُهُ: وَالْعُكُوفُ الْمُلَازَمَةُ هَكَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الَّذِي فِي كَلَامِهِ تَقْدِيمُ التَّصْدِيقِ عَلَى التَّصْوِيرِ لَا عَلَى التَّصَوُّرِ، وَالْمَمْنُوعُ الثَّانِي لَا الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَالْعُكُوفُ الْمُلَازَمَةُ تَصْوِيرٌ لَا تَصَوُّرٌ، وَأَشَارَ إلَى شُرُوطِهِ بِقَوْلِهِ:
(وَلَا اعْتِكَافَ يَصِحُّ) عِنْدَنَا (إلَّا بِالصِّيَامِ) وَلَوْ رَمَضَانَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصِحَّتُهُ بِمُطْلَقِ صَوْمٍ وَلَوْ نَذْرًا. (وَلَا يَكُونُ إلَّا مُتَتَابِعًا) إنْ نَذَرَ تَتَابُعَهُ أَوْ أَطْلَقَ بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ شَهْرٍ مَثَلًا.
قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا يَلْزَمُ وَتَتَابُعُهُ فِي مُطْلَقِهِ، وَأَمَّا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ مُدَّةً مُفَرَّقَةً فَلَا يَلْزَمُ تَتَابُعُهَا، بِخِلَافِ مَنْ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ مِنْ غَيْرِ اعْتِكَافٍ وَأَطْلَقَ لَا يَلْزَمُهُ تَتَابُعُهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاعْتِكَافِ وَالصَّوْمِ أَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا يُفْعَلُ بِالنَّهَارِ فَكَيْفَ مَا أَتَى بِهِ بَرِئَتْ
стр. 319
الْمَسَاجِدِ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَإِنْ كَانَ بَلَدٌ فِيهِ الْجُمُعَةُ فَلَا يَكُونُ إلَّا فِي الْجَامِعِ إلَّا أَنْ يَنْذِرَ أَيَّامًا لَا تَأْخُذُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ
وَأَقَلُّ مَا هُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الِاعْتِكَافِ عَشْرَةُ أَيَّامٍ
وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ فَأَكْثَرَ لَزِمَهُ وَإِنْ نَذَرَ لَيْلَةً لَزِمَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ
وَمَنْ أَفْطَرَ فِيهِ مُتَعَمِّدًا فَلْيَبْتَدِئْ اعْتِكَافَهُ وَكَذَلِكَ مَنْ جَامِع فِيهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا نَاسِيًا أَوْ
ــ
[الفواكه الدواني]
ذِمَّتُهُ فَرَّقَهُ أَوْ تَابَعَهُ، بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ يَسْتَغْرِقُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فَكَأَنَّ حُكْمَهُ يَقْتَضِي التَّتَابُعَ اعْتِبَارًا بِأَجَلِ الدَّيْنِ وَالْإِجَازَةِ وَالْخِدْمَةِ وَالْأَيْمَانِ نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا ثَلَاثَ أَيَّامٍ، فَيَحْنَثُ إنْ كَلَّمَهُ فِي لَيَالِيهَا كَمَا يَحْنَثُ بِكَلَامِهِ فِي النَّهَارِ.
(وَ) مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهِ أَيْضًا أَنَّهُ (لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ) الْمُبَاحَةِ فَلَا يَصِحُّ فِي بَيْتٍ وَلَا فِي مَسْجِدٍ مُحَجَّرٍ وَلَا فِي سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَلَا فِي بَيْتِ قَنَادِيلِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُعْتَكِفُ امْرَأَةً، وَاشْتِرَاطُ الْمَسْجِدِ (كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَإِطْلَاقُ الْمَسْجِدِ يَعُمُّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهُ وَهَذَا لَا يُنَافِي اسْتِحْبَابَ عَجْزِهِ، وَلَمَّا كَانَتْ الْمَسَاجِدُ شَامِلَةً لِلْجَوَامِعِ ذَوَاتِ الْخُطَبِ وَغَيْرِهَا، وَالِاعْتِكَافُ تَارَةً يَسْتَلْزِمُ الْجُمُعَةَ وَتَارَةً لَا، وَكَانَ الْأَوَّلُ يَجِبُ فِيهِ الْجَامِعُ دُونَ الثَّانِي قَالَ: (فَإِنْ كَانَ) أَيْ مَحَلُّ مُرِيدِ الِاعْتِكَافِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْمَقَامِ (بَلَدًا فِيهَا الْجُمُعَةُ) وَكَانَ مُرِيدُ الِاعْتِكَافِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَنَوَى أَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ تُدْرِكُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ (فَلَا يَكُونُ) اعْتِكَافُهُ (إلَّا فِي الْجَامِعِ) لِأَجْلِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، فَلَوْ اعْتَكَفَ فِي مَسْجِدٍ لَا خُطْبَةَ فِيهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، فَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْجُمُعَةِ صَغِيرَةٌ، وَالِاعْتِكَافُ إنَّمَا يَبْطُلُ بِارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَتْرُكَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ، وَإِلَّا جَرَى الْخِلَافُ فِي بُطْلَانِهِ بِالْكَبِيرَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: إنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْجَامِعِ قَوْلَهُ: (إلَّا أَنْ يَنْذِرَ) أَوْ يَنْوِيَ (أَيَّامًا لَا تَأْخُذُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ) فَإِنَّهُ يَصِحُّ اعْتِكَافُهُ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ
[أَقَلّ مُدَّة الأعتكاف]
، ثُمَّ بَيَّنَ أَقَلَّ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الِاعْتِكَافِ بِقَوْلِهِ: (وَأَقَلُّ مَا هُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الِاعْتِكَافِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ مَالِكًا أَنْكَرَ مُقَابِلَهُ وَقَالَ: أَقَلُّهُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَعْتَكِفْ أَقَلَّ مِنْهَا، وَأَكْثَرُهُ شَهْرٌ، وَيُكْرَهُ مَا زَادَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: أَكْمَلُهُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ، وَأَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَيُكْرَهُ مَا زَادَ عَلَى عَشْرَةٍ، وَنُقِلَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا فَتَلَخَّصَ أَنَّ لَهُ قَوْلَيْنِ فِي أَقَلِّهِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي الْأَقَلِّ فِيمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا أَوْ دَخَلَ فِيهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ عَدَدًا، فَعَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَلْزَمُهُ اعْتِكَافُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْمُسْتَحَبِّ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ يَلْزَمُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا أَقَلُّ الْمُسْتَحَبِّ عِنْدَهُ
. (وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ فَأَكْثَرَ لَزِمَهُ) مَعَ لَيْلَةٍ فَيَلْزَمُهُ دُخُولُ الْمُعْتَكَفِ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَوْ مَعَهُ.
(وَ) كَذَا (إنْ نَذَرَ) اعْتِكَافَ (لَيْلَةً) فَقَطْ. (لَزِمَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) قَالَ خَلِيلٌ: وَلَزِمَ يَوْمٌ إنْ نَذَرَ لَيْلَةً وَكَذَا عَكْسُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَذَرَ بَعْضَ يَوْمٍ أَوْ بَعْضَ لَيْلَةٍ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْجِوَارَ فَيَلْزَمُهُ مَا نَوَى، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الْأَمْرَانِ بِنَذْرِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّ اللَّيْلَةَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ يَوْمِهَا كَمَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] الْآيَةَ، اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَيَّامُ وَلَيَالِيهَا.
وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَإِنَّ السِّتَّةَ بِلَيَالِيِهَا مِنْ شَوَّالٍ» فَإِنْ قِيلَ: قَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ نَذْرَ أَقَلَّ مِنْ عَشْرَةِ أَيَّامٍ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ بَلْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِكَرَاهَتِهِ فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ مَعَ قَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ فِي ذَلِكَ الْأَقَلِّ شَائِبَتَيْنِ، شَائِبَةَ كَوْنِهِ مُطْلَقَ عِبَادَةٍ، وَشَائِبَةَ التَّجْدِيدِ بِهَذَا الْقَدْرِ الْمَخْصُوصِ، فَيَلْزَمُ النَّاذِرَ الْوَفَاءُ بِهِ لِلشَّائِبَةِ الْأُولَى كَمَا قَالُوهُ فِي نَاذِرِ رَابِعِ النَّحْرِ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَكْرُوهًا قَبْلَ النَّذْرِ، وَمِثْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي لُزُومِهِ الْوَفَاءَ لَوْ نَذَرَ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ الِاعْتِكَافِ
[مُبْطِلَات الِاعْتِكَاف]
، ثُمَّ شَرَعَ فِي بُطْلَانِ الِاعْتِكَافِ بِقَوْلِهِ (وَمَنْ أَفْطَرَ فِيهِ) أَيْ فِي زَمَنِ اعْتِكَافِهِ (مُتَعَمِّدًا فَلْيَبْتَدِئْ اعْتِكَافَهُ) لِبُطْلَانِهِ بِتَعَمُّدِ إفْسَادِ الصَّوْمِ، وَمَفْهُومُ مُتَعَمِّدًا لَوْ بَطَلَ صَوْمُهُ بِغَيْرِ تَعَمُّدٍ وَبِغَيْرِ وَطْءٍ وَمُقَدِّمَاتِهِ كَأَكْلِهِ نَاسِيًا وَكَمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ فَلَا يَبْتَدِئُهُ لِعَدَمِ بُطْلَانِهِ وَيَقْضِي بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ الْيَوْمَ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الْفِطْرُ وَاصِلًا لَهُ بِاعْتِكَافِهِ حَيْثُ كَانَ الصَّوْمُ فَرْضًا بِحَسَبِ الْأَصْلِ كَرَمَضَانَ أَوْ مَنْذُورًا وَلَوْ مُعَيَّنًا، فَلَوْ أَمَرْنَاهُ بِالْبِنَاءِ فَنَسِيَ ابْتِدَاءَ اعْتِكَافِهِ وَلَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ الثَّانِي، بِخِلَافِ مَنْ ذَكَرَ نَجَاسَةً وَهَمَّ بِغَسْلِهَا فَنَسِيَ وَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ النِّسْيَانِ الثَّانِي فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَيُعِيدُ نَدْبًا فِي الْوَقْتِ لِخِفَّةِ أَمْرِ النَّجَاسَةِ لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ إزَالَتَهَا سُنَّةٌ أَوْ مَنْدُوبَةٌ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الصَّوْمُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِي زَمَنِهِ تَطَوُّعًا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ الْفِطْرُ بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ فَكَذَلِكَ يَقْضِيهِ لِمَا مَعَهُ مِنْ التَّفْرِيطِ، وَإِنْ كَانَ الْفِطْرُ لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ مَرَضٍ لَمْ يَلْزَمْ قَضَاؤُهُ، فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَقْضِي مَا أَفْطَرَ فِي زَمَنِهِ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ مَعَ كَوْنِهِ مَنْذُورًا مُعَيَّنًا وَفَاتَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الصَّوْمَ لَمَّا انْضَمَّ لَهُ الِاعْتِكَافُ تَقَوَّى جَانِبُهُ فَلَزِمَ
стр. 320
مُتَعَمِّدًا
وَإِنْ مَرِضَ خَرَجَ إلَى بَيْتِهِ فَإِذَا صَحَّ بَنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَكَذَلِكَ إنْ حَاضَتْ الْمُعْتَكِفَةُ وَحُرْمَةُ الِاعْتِكَافِ عَلَيْهِمَا فِي الْمَرَضِ وَعَلَى الْحَائِضِ فِي الْحَيْضِ فَإِذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ أَفَاقَ الْمَرِيضُ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ رَجَعَا سَاعَتَئِذٍ إلَى الْمَسْجِدِ
وَلَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ
[مَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ]
وَلْيَدْخُلْ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي
ــ
[الفواكه الدواني]
قَضَاؤُهُ وَلَوْ مَنْذُورًا مُعَيَّنًا، وَيَجْرِي مِثْلُ هَذَا الْجَوَابِ وَالسُّؤَالِ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي التَّطَوُّعِ نَاسِيًا، وَيُجَابُ بِأَنَّ الصَّوْمَ لَمَّا كَانَ شَرْطًا فِي الِاعْتِكَافِ وَوَجَبَ قَضَاءُ الِاعْتِكَافِ وَجَبَ قَضَاءُ الصَّوْمِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقَضَاءُ بِالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ حَيْثُ كَانَ الصَّوْمُ تَطَوُّعًا، وَلَزِمَ مَعَ الْفِطْرِ بِالنِّسْيَانِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ النَّاسِيَ عِنْدَهُ نَوْعٌ مِنْ التَّفْرِيطِ مَعَ انْضِمَامِ وُجُوبِ قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ، وَقَيَّدْنَا بِغَيْرِ الْوَطْءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ؛ لِأَنَّ عَمْدَهُمَا وَسَهْوَهُمَا سَوَاءٌ وَإِلَيْهِمَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَكَذَلِكَ) أَيْ يَبْتَدِئُ الِاعْتِكَافَ (مَنْ جَامَعَ فِيهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا نَاسِيًا أَوْ مُتَعَمِّدًا) وَمِثْلُ الْجِمَاعِ قُبْلَةٌ لِشَهْوَةٍ وَاللَّمْسُ بِبَعْضِ جَسَدِ مَنْ يَلْتَذُّ بِهِ مَعَ قَصْدِ اللَّذَّةِ أَوْ وِجْدَانِهَا، فَذِكْرُ الْوَطْءِ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ لَا إنْ قَبَّلَ مَنْ لَا تُشْتَهَى، أَوْ لِوَدَاعٍ أَوْ رَحْمَةٍ وَلَمْ يَجِدْ لَذَّةً.
قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: وَطْءُ الْمُكْرَهَةِ وَالنَّائِمَةِ كَغَيْرِهِمَا فِي بُطْلَانِ اعْتِكَافِهِمَا بِخِلَافِهِ احْتِلَامُهُمَا، وَإِلَى هَذَا كُلِّهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَصِحَّتُهُ بِعَدَمِ وَطْءٍ وَقُبْلَةِ شَهْوَةٍ وَلَمْسٍ وَإِنْ لِحَائِضٍ نَاسِيَةٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ تُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ وَيَبْتَدِئُهُ وَلَوْ كَانَتْ لَا تَبْطُلُ الصَّوْمَ، كَمَا لَوْ وَقَعَتْ مِنْ الْمُعْتَكِفِ لَيْلًا أَوْ فِي تَطَوُّعٍ نَهَارًا نِسْيَانًا، وَمِمَّا يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ تَعَمُّدُ السُّكْرِ وَلَوْ لَيْلًا وَلَوْ صَحَا قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَمَّا سُكْرُهُ بِحَلَالٍ فَإِنَّمَا يُبْطِلُ اعْتِكَافَ يَوْمِهِ إنْ حَصَلَ السُّكْرُ نَهَارًا كَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ فَيَجْرِي فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ مَا جَرَى فِيهِمَا، وَأَمَّا الْكَبَائِرُ غَيْرُ الْمُفْسِدَةِ لِلصَّوْمِ كَالْقَذْفِ وَالْغِيبَةِ فَقِيلَ كَالسُّكْرِ بِالْحَرَامِ وَقِيلَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِزِيَادَتِهِ عَلَيْهَا بِتَعْطِيلِ الزَّمَنِ، وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَلَا تُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ اتِّفَاقًا
[مَالًا يُبْطِل الِاعْتِكَاف]
ثُمَّ شَرَعَ فِي أَعْذَارٍ لَا تُبْطِلُهُ إنَّمَا تُمْنَعُ إمَّا الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الصَّوْمُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ مَرِضَ) الْمُعْتَكِفُ مَرَضًا يَمْنَعُهُ مِنْ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ مِنْ الصَّوْمِ دُونَ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ (خَرَجَ إلَى بَيْتِهِ) وُجُوبًا مَعَ الْمَرَضِ الْمَانِعِ مِنْ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ جَوَازِ الْمَانِعِ مِنْ الصَّوْمِ فَقَطْ.
وَفِي الرَّجْرَاجِيِّ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْمَانِعِ مِنْ الصَّوْمِ فَقَطْ. (وَاذَا صَحَّ) مِنْ مَرَضِهِ وَرَجَعَ إلَى مُعْتَكَفِهِ سَرِيعًا (بَنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ) مِنْ اعْتِكَافِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْبِنَاءِ فِي كَلَامِهِ الْإِتْيَانُ بِبَدَلِ مَا فَاتَ بِالْعُذْرِ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ بِأَنْ كَانَتْ أَيَّامٌ مُعَيَّنَةً وَفَاتَتْ أَوْ لَا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ بِأَنْ كَانَتْ الْأَيَّامُ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ بَلْ مَضْمُونَةً (وَكَذَلِكَ إنْ حَاضَتْ الْمُعْتَكِفَةُ) تَخْرُجُ إلَى بَيْتِهَا كَمَا يَخْرُجُ الْمَرِيضُ (وَحُرْمَةُ الِاعْتِكَافِ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْمَرِيضِ مَا دَامَ (فِي الْمَرَضِ وَعَلَى الْحَائِضِ) مَا دَامَتْ (فِي الْحَيْضِ) فَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَفْعَلَ مَا لَا يَفْعَلُهُ الْمُعْتَكِفُ. (وَإِذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ أَفَاقَ الْمَرِيضُ) وَصِلَةُ طَهُرَتْ وَأَفَاقَ (فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ رَجَعَا) وُجُوبًا (سَاعَتئِذٍ) أَيْ وَقْتَ طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ أَفَاقَ الْمَرِيضُ، وَالْمُرَادُ بَعْدَ طُهْرِهَا وَبُرْءِ الْمَرِيضِ (إلَى الْمَسْجِدِ) وَإِنْ لَمْ يَعْتَدَّا بِيَوْمِ الرُّجُوعِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَنَى. بِزَوَالٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ كَأَنْ مُنِعَ مِنْ الصَّوْمِ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ عِيدٍ وَخَرَجَ وَعَلَيْهِ حُرْمَتُهُ، فَإِنْ أَخَّرَهُ بَطَلَ إلَّا لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ وَالْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ إذَا أَخَّرَ الرُّجُوعَ يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ وَلَوْ لِعُذْرٍ مِنْ نِسْيَانٍ أَوْ إكْرَاهٍ وَيَسْتَأْنِفُ، لَا أَنْ يَكُونَ التَّأْخِيرُ لِخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، كَمَا لَا يَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ إذَا صَادَفَ زَوَالَ الْعُذْرِ لَيْلَةَ الْعِيدِ أَوْ يَوْمَهُ فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، وَلَوْ أَخَّرَ الرُّجُوعَ حَتَّى مَضَى الْعِيدُ وَتَالِيَاهُ فِي الْأَضْحَى لِعَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِ ذَلِكَ الزَّمَنِ، بِخِلَافِ لَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ أَوْ صَحَّ الْمَرِيضُ وَأَخَّرَ كُلٌّ الرُّجُوعَ إلَى الْمَسْجِدِ فَإِنَّ اعْتِكَافَهُ يَبْطُلُ لِصِحَّةِ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِغَيْرِهِمَا، بِخِلَافِ يَوْمِ الْعِيدِ فَإِنَّ صَوْمَهُ لَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْبِنَاءَ فِي كَلَامِهِ مَصْرُوفٌ عَنْ ظَاهِرِهِ إلَى مَعْنًى أَعَمَّ، وَأَنَّ مِثْلَ الْمَرَضِ الْإِغْمَاءُ وَالْجُنُونُ، نَعَمْ كَلَامُهُ كَكَلَامِ خَلِيلٍ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَ الِاعْتِكَافُ بِصَوْمِ فَرْضٍ بِحَسَبِ الْأَصْلِ كَرَمَضَانَ أَوْ بِنَذْرٍ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ أَيَّامُهُ مَضْمُونَةً أَيْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ حُصُولِ الْعُذْرِ قَبْلَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ أَوْ بَعْدَهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً فَلَا يَجِبُ الْبِنَاءُ إلَّا إذَا حَصَلَ الْعُذْرُ بَعْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْمُعْتَكَفِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْمُعْتَمَدُ مِنْهَا عَدَمُ لُزُومِ الْقَضَاءِ.
الثَّانِي: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بَعْضُ تَكْرَارِ بَيَانِهِ أَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا فِي الْمَرِيضِ: فَإِذَا صَحَّ بَنَى، ثُمَّ أَعَادَهُ ثَانِيًا فِي قَوْلِهِ: وَإِذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ أَفَاقَ الْمَرِيضُ، هَكَذَا قَالَ بَعْضٌ، وَظَهَرَ لَنَا جَوَابٌ يَنْدَفِعُ بِهِ دَعْوَى التَّكْرَارِ وَهُوَ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ إعَادَتِهِ ثَانِيًا الْإِشَارَةُ إلَى وُجُوبِ رُجُوعِهِ سَرِيعًا إلَى الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا إذَا صَحَّ بَنَى وُجُوبَ الرُّجُوعِ سُرْعَةً فَنَبَّهَ عَلَيْهِ ثَانِيًا،
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ لِأَجْلِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ) أَيْ مَحَلِّ اعْتِكَافِهِ لِأَنَّ
стр. 321
يُرِيدُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِيهَا اعْتِكَافَهُ
وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا وَلَا يُصَلِّي عَلَى جِنَازَةٍ وَلَا يَخْرُجُ لِتِجَارَةٍ
وَلَا شَرْطَ فِي الِاعْتِكَافِ
وَلَا
ــ
[الفواكه الدواني]
الْخُرُوجَ مُنَافٍ لِلْمُلَازَمَةِ (إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ) الَّتِي لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ كَبَوْلٍ، وَمَا لَا غِنَى لَهُ عَنْ تَحْصِيلِهِ كَشِرَاءِ مَأْكُولِهِ وَمَشْرُوبِهِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ مَحَلًّا قَرِيبًا يُمْكِنُ الشِّرَاءُ مِنْهُ، فَالْمُرَادُ بِحَاجَتِهِ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْخُرُوجِ، فَيَشْمَلُ الْخُرُوجَ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ لِجَنَابَتِهِ أَوْ عِيدِهِ أَوْ جُمُعَتِهِ أَوْ تَبَرُّدِهِ لِحَرٍّ أَصَابَهُ كَمَا قَالَهُ فِي الطِّرَازِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ فِي الْحَمَّامِ، وَقَوْلُ الشَّامِلِ: وَلَا يَدْخُلُ الْمُعْتَكِفُ الْحَمَّامَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يُمْكِنُهُ التَّطَهُّرُ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي مَحَلٍّ أَقْرَبَ مِنْهُ، وَيَجُوزُ لَهُ أَيْضًا الْخُرُوجُ لِغَسْلِ ثِيَابِهِ الَّتِي أَصَابَتْهَا نَجَاسَةٌ وَلَا غِنَى لَهُ عَنْهَا، وَيَجُوزُ لَهُ انْتِظَارُ تَجْفِيفِهِ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِاسْتِنَابَةُ لِغَيْرِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَيْضًا الْخُرُوجُ لِمَرَضِ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ لِحُضُورِ جِنَازَةِ أَحَدِهِمَا وَإِنْ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَإِذَا مَاتَا مَعًا لَا يَخْرُجُ لِجِنَازَتِهِمَا وَلَا لِأَدَاءِ شَهَادَةٍ وَإِنْ وَجَبَتْ وَيُؤَدِّيهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَإِذَا خَرَجَ لِشَيْءٍ مِمَّا لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: يُسْتَحَبُّ لِمُرِيدِ الِاعْتِكَافِ أَنْ يُحَصِّلَ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ قَبْلَ دُخُولِهِ الْمُعْتَكَفِ، وَيُكْرَهُ دُخُولُهُ غَيْرَ مُكَفًّى.
الثَّانِي: إذَا أَرَادَ الْمُعْتَكِفُ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ فَيَأْكُلَ فِي أَيِّ مَحَلٍّ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَيَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ فِي رِحَابِهِ أَوْ فِي الْمَنَارَةِ وَيُغْلِقُهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ أَكَلَ خَارِجَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ أَكَلَ خَارِجًا عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ.
الثَّالِثُ: كَخُرُوجِهِ لِبَعْضِ حَوَائِجِهِ، وَلِمَانِعٍ حَصَلَ لَهُ كَحَيْضٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ وَقَضَى حَاجَتَهُ أَوْ زَالَ مَانِعُهُ وَقُلْنَا يَرْجِعُ سَرِيعًا هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَوَّلًا، أَوْ يَجُوزُ لَهُ الذَّهَابُ إلَى أَيِّ مَسْجِدٍ حَيْثُ كَانَ مِثْلَ الْأَوَّلِ فِي الْقُرْبِ أَوْ أَقْرَبَ؟ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي عَدَمُ تَعْيِينِ الْأَوَّلِ حَيْثُ وُجِدَ مِثْلُ الْأَوَّلِ فِي الْقُرْبِ أَوْ أَقْرَبَ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ ابْتَدَأَ اعْتِكَافَهُ فِي مَسْجِدٍ وَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ لَا لِعُذْرٍ بَلْ لِمُجَرَّدِ الِانْتِقَالِ لِيُكْمِلَ فِيهِ اعْتِكَافَهُ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ عَلَى مَا يَظْهَرُ وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ اخْتِيَارًا لَمَا وَجَبَ عَلَى نَاذِرِ أَيَّامٍ تُدْرِكُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ الِاعْتِكَافُ فِي مَحَلِّ خُطْبَةٍ
ثُمَّ بَيَّنَ الزَّمَنَ الَّذِي يُطْلَبُ مِنْ مُرِيدِ الِاعْتِكَافِ الدُّخُولُ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (وَلْيَدْخُلْ) مُرِيدُ الِاعْتِكَافِ (مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِيهَا اعْتِكَافَهُ) لِيَسْتَكْمِلَ اللَّيْلَةَ، وَحُكْمُ الدُّخُولِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْوُجُوبُ إنْ كَانَ الِاعْتِكَافُ مَنْذُورًا، وَالنَّدْبُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَنْذُورًا، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَوْ أَخَّرَ دُخُولَهُ وَدَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّ إنْ دَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَحَلَّ النِّيَّةِ، بَلْ وَلَوْ دَخَلَ مَعَ الْفَجْرِ بِنَاءً عَلَى صِحَّتِهَا مَعَ الْفَجْرِ لَكِنْ مَعَ الْإِثْمِ عَلَى التَّأْخِيرِ فِي الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ، وَإِنَّمَا أَجْزَأَهُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ الْوَاجِبَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقَلَّهُ يَوْمٌ
. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُنْهَى الْمُعْتَكِفُ عَنْ فِعْلِهِ فَقَالَ: (وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا) أَيْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ، وَالْمُرَادُ فِي الْمَسْجِدِ لَا إنْ كَانَ خَارِجَهُ فَيُمْنَعُ وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، وَأَمَّا سَلَامُهُ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا يَقُومُ مِنْ مَحَلِّهِ لِلتَّعْزِيَةِ وَلَا لِلتَّهْنِئَةِ، وَهَذَا حَيْثُ كَانَ الْمَرِيضُ غَيْرَ أَبَوَيْهِ، وَأَمَّا هُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِعِيَادَتِهِمَا أَوْ لِجِنَازَةِ أَحَدِهِمَا، وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ كَخُرُوجِهِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ. (وَلَا يُصَلِّي) الْمُعْتَكِفُ (عَلَى جِنَازَةٍ) وَلَوْ لَاصَقَتْ وَلَوْ جِنَازَةَ جَارٍ أَوْ صَالِحٍ، وَالْمُرَادُ يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ فَيَجِبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لِتَجْهِيزِهَا إنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَتُبْطِلُ اعْتِكَافَهُ، وَاتَّفَقَ الشُّيُوخُ عَلَى جَوَازِ حِكَايَتِهِ الْآذَانَ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ، وَلَا يُقَالُ: الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَكْبِيرٍ وَهُوَ ذِكْرٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هِيَ تَقْتَضِي الْمَشْيَ وَالِانْتِقَالَ مِنْ مَحَلِّهِ وَالْمُخَالَطَةَ لِلنَّاسِ الْمُنَافِي كُلٌّ مِنْهُمَا لِلِاعْتِكَافِ، وَلَا يُقَالُ: الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ أَحَبُّ مِنْ النَّفْلِ إذَا قَامَ بِهَا الْغَيْرُ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ جَارًا أَوْ صَالِحًا، وَقُلْتُمْ هُنَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُعْتَكِفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَ) كَذَا (لَا يَخْرُجُ لِتِجَارَةٍ) أَيْ يُكْرَهُ إذَا كَانَ مَحَلُّهَا قَرِيبًا مِنْ الْمَسْجِدِ بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ خَارِجًا عَنْ ذَلِكَ فَيُمْنَعُ وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي خُرُوجِهِ لِأَكْلِهِ، وَمَفْهُومُ التِّجَارَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِنَحْوِ أَكْلِهِ فَلَا يُنْهَى عَنْهُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ مِنْ عَيْشِهِ الَّذِي لَا يَشْغَلُهُ، وَأَمَّا شِرَاؤُهُ أَوْ بَيْعُهُ لِلتِّجَارَةِ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ فَيُكْرَهُ أَيْضًا، فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ يَخْرُجُ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُكْرَهُ بَيْعُهُ أَوْ شِرَاؤُهُ لِلتِّجَارَةِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ خَارِجَ الْمَسْجِدِ أَوْ دَاخِلَهُ، وَيَجُوزُ لِغَيْرِهَا مِمَّا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَلَوْ خَارِجَهُ بِحَيْثُ لَا يُجَاوِزُ مَحَلًّا قَرِيبًا يُمْكِنُ الشِّرَاءُ مِنْهُ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ: أَيَجْلِسُ مَجَالِسَ الْعُلَمَاءِ وَيَكْتُبُ الْعِلْمَ؟ فَقَالَ: لَا يَفْعَلُ إلَّا الْأَمْرَ الْخَفِيفَ وَالتَّرْكُ أَحَبُّ إلَيَّ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَلَا يَخْرُجُ لِمُدَاوَاةِ رَمَدٍ بِعَيْنَيْهِ وَلْيَأْتِهِ مَنْ يُعَالِجُهُ، وَلَا يَصْعَدُ لِتَأْذِينٍ بِمَنَارٍ أَوْ سَطْحٍ.
قَالَ خَلِيلٌ مُشِيرًا إلَى مَا يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ بِقَوْلِهِ: وَكُرِهَ أَكْلُهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَاعْتِكَافُهُ غَيْرُ مُكَفًّى، وَدُخُولُهُ مَنْزِلَهُ وَإِنْ لِغَائِطٍ، وَاشْتِغَالُهُ بِعِلْمٍ وَكِتَابَتِهِ وَإِنْ مُصْحَفًا إنْ كَثُرَ، وَفِعْلُ غَيْرِ ذِكْرٍ وَصَلَاةٍ وَتِلَاوَةٍ كَعِيَادَةٍ وَجِنَازَةٍ وَلَوْ لَاصَقَتْ، وَصُعُودُهُ لِتَأْذِينٍ بِمَنَارٍ أَوْ سَطْحٍ، وَإِخْرَاجُهُ لِحُكُومَةٍ إنْ لَمْ يَلُذْ بِهِ، وَأَشَارَ إلَى الْجَائِزِ بِقَوْلِهِ: وَجَازَ
стр. 322
بَأْسَ أَنْ يَكُونَ إمَامَ الْمَسْجِدِ وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْ يَعْقِدَ نِكَاحَ غَيْرِهِ
وَمَنْ اعْتَكَفَ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطَهُ خَرَجَ مِنْ اعْتِكَافِهِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِهِ وَإِنْ اعْتَكَفَ بِمَا يَتَّصِلُ فِيهِ اعْتِكَافُهُ بِيَوْمِ الْفِطْرِ فَلْيَبِتْ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَغْدُوَ مِنْهُ إلَى الْمُصَلَّى.
ــ
[الفواكه الدواني]
إقْرَاءُ قُرْآنٍ وَسَلَامُهُ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِ وَتَطَيُّبُهُ، وَأَنْ يَنْكِحَ وَيُنْكِحَ، وَأَخْذُهُ إذَا خَرَجَ لِغُسْلِ جُمُعَةٍ ظُفْرًا أَوْ شَارِبًا، وَانْتِظَارُ غَسْلِ ثَوْبِهِ وَتَجْفِيفِهِ، وَنُدِبَ إعْدَادُ ثَوْبِهِ وَمُكْثُهُ لَيْلَةَ الْعِيدِ.
(وَلَا شَرْطَ) مَعْمُولٌ بِهِ (فِي الِاعْتِكَافِ) قَالَ الْجُزُولِيُّ: صُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: أَعْتَكِفُ الْأَيَّامَ دُونَ اللَّيَالِي أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ أَعْتَكِفُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ إلَى أَنْ يَبْدُوَ لِي فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ فَأَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: الْمَشْهُورُ مِنْهَا أَنَّهُ يَبْطُلُ الشَّرْطُ وَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَ أَنَّهُ إنْ عَرَضَ لَهُ أَمْرٌ يُوجِبُ الْقَضَاءَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لَمْ يُفِدْهُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يُشْتَرَطَ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِ الْمُعْتَكَفِ أَوْ بَعْدَهُ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَشَرُّ مُنَافِيهِ لَغْوٌ وَقَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ شَرَطَ سُقُوطَ الْقَضَاءِ لَمْ يُفِدْهُ.
(وَلَا بَأْسَ) أَيْ يُنْدَبُ (أَنْ يَكُونَ) الْمُعْتَكِفُ (إمَامًا لِمَسْجِدٍ) وَلَوْ رَاتِبًا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُنَافِي الِاعْتِكَافَ وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ كَوْنُهُ إمَامًا، لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أَمَّ فِي زَمَنِ اعْتِكَافِهِ» ، وَلَا يَفْعَلُ لِنَفْسِهِ إلَّا مَا كَانَ رَاجِحَ الْفِعْلِ، فَمَا فِي خَلِيلٍ مِنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ فَخِلَافُ الْمَشْهُورِ، وَأَمَّا إقَامَةُ الصَّلَاةِ أَوْ صُعُودُهُ لِلْأَذَانِ عَلَى مَنَارٍ أَوْ سَطْحِ فَمَكْرُوهَتَانِ؛ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْمُعْتَكِفِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُبَاحُ لَهُ فِعْلُهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ) أَيْ يُبَاحُ لِلْمُعْتَكِفِ عَقْدُ النِّكَاحِ سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً.
(أَوْ) أَيْ وَيُبَاحُ لَهُ أَنْ (يَعْقِدَ نِكَاحَ غَيْرِهِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ وَيُنْكِحَ بِشَرْطِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ مِنْ غَيْرِ تَشَاغُلٍ بِهِ بِأَنْ كَانَ مُجَرَّدَ إيجَابٍ وَقَبُولٍ، وَأَمَّا لَوْ عَقَدَ بِغَيْرِ مَجْلِسِهِ فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ كُرِهَ، وَإِنْ كَانَ خَارِجَهُ حَرُمَ وَبَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ بِنَحْوِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكِحُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ مُنْعَزِلٌ عَنْ النَّاسِ بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ؛ وَلِأَنَّهُ مَفْسَدَةُ الْإِحْرَامِ أَشَدُّ مِنْ مَفْسَدَةِ الِاعْتِكَافِ، وَمِمَّا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِهِ وَسَمَاعُهُ مِنْ غَيْرِهِ وَسَلَامُهُ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِ مِنْ صَحِيحٍ أَوْ مَرِيضٍ
، ثُمَّ بَيَّنَ وَقْتَ خُرُوجِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ تَمَامِ اعْتِكَافِهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ اعْتَكَفَ) بِالنَّذْرِ أَوْ عَلَى وَجْهِ التَّطَوُّعِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ (أَوَّلَ الشَّهْرِ) رَمَضَانَ أَوْ غَيْرَهُ (أَوْ وَسَطَهُ) وَأَتَمَّهَا (خَرَجَ) جَوَازًا (مِنْ اعْتِكَافِهِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِهِ) لِانْقِضَاءِ اعْتِكَافِهِ بِغُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَهُوَ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ.
(وَ) أَمَّا (إنْ اعْتَكَفَ بِمَا) أَيْ فِي زَمَنٍ يَتَّصِلُ فِيهِ (اعْتِكَافُهُ بِيَوْمِ الْفِطْرِ) الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ آخِرُهُ غُرُوبَ الشَّمْسِ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ، كَمَنْ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ الْأَوَّلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. (فَلْيَبِتْ) عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ (لَيْلَةَ) يَوْمِ عِيدِ (الْفِطْرِ) أَوْ النَّحْرِ (فِي الْمَسْجِدِ) الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ لَهُ الْبَيَاتُ فِي الْمَسْجِدِ (حَتَّى يَغْدُوَ مِنْهُ إلَى الْمُصَلَّى) لِيَصِلَ عِبَادَةً بِعِبَادَةٍ.
قَالَ مَالِكٌ ﵁: «بَلَغَنِي أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ اعْتِكَافِهِ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ» .
١ -
(خَاتِمَةٌ) يَتَأَكَّدُ نَدْبُ الِاعْتِكَافِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْأَفْضَلُ مِنْهُ الْعَشْرُ الْأَخِيرُ لِأَجْلِ طَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يُقَدِّرُ فِيهَا جَمِيعَ الْأُمُورِ وَالْأَحْكَامِ الْجَارِيَةِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ فِي السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] وَمَعْنَى تَقْدِيرِ الْأُمُورِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ سَوْقُهَا إلَى مَوَاقِيتِهَا وَتَنْفِيذُ الْقَضَاءِ الْمُقَدَّرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ كَوْنُهَا فِيهِ لِخَبَرِ: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» وَهِيَ اللَّيْلَةُ الْمُبَارَكَةُ الَّتِي أُنْزِلَ فِيهَا الْقُرْآنُ جُمْلَةً مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ كَانَ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَجْمًا بَعْد نَجْمٍ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَكَانَ نُزُولُ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ فِي عِشْرِينَ سَنَةً، وَمَا قَدَّمْنَاهُ هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ أَشَارَ إلَيْهِمَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَفِي كَوْنِهَا بِالْعَامِ أَوْ بِرَمَضَانَ خِلَافٌ.
قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: فَإِنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِلَيْلَةٍ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَا تَلْزَمُ لَيْلَةٌ بِعَيْنِهَا بَلْ تَنْتَقِلُ، فَإِذَا كَانَتْ فِي سَنَةٍ فِي لَيْلَةٍ تَكُونُ فِي سَنَةٍ فِي لَيْلَةٍ أُخْرَى وَهِيَ بَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى الصَّوَابِ بِدَلِيلِ حَثِّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهَا وَمَا وَرَدَ مِنْ رَفْعِهَا، فَالْمُرَادُ رَفْعُ تَعْيِينِهَا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِرَفْعِهَا جُمْلَةً وَسُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لِتَقْدِيرِ الْكَائِنَاتِ فِيهَا مِنْ أَرْزَاقٍ وَغَيْرِهَا وَإِظْهَارِهَا لِلْمَلَائِكَةِ، وَسَبَبُ امْتِنَانِ اللَّهِ تَعَالَى بِتِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﵊ أَنَّهُ ﷺ نَظَرَ فِي أَعْمَارِ مَنْ مَضَى مِنْ الْأُمَمِ وَتَعَجَّبَ مِنْ طُولِهَا مَعَ قِصَرِ أَعْمَارِ أُمَّتِهِ وَعَدَمِ بُلُوغِهَا عُمُرَ الْأَوَائِلِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَالْمُرَادُ عَمَلُ لَيْلِهَا وَنَهَارِهَا، كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ
стр. 323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
بِالْأَلْفِ شَهْرٍ مَا يَشْمَلُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَوَقَعَ خِلَافٌ هَلْ يَحْصُلُ الثَّوَابُ الْمَذْكُورُ لِمَنْ عَمِلَ عَالِمًا بِهَا أَوْ يَحْصُلُ لِكُلِّ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْعَمَلُ وَلَوْ لَمْ يَشْعُرْ بِهَا؟ وَالصَّوَابُ مِنْ ذَلِكَ الْخِلَافِ حُصُولُ الثَّوَابِ مُطْلَقًا، لَكِنَّ ثَوَابَ مَنْ عَمِلَ مَعَ الْعِلْمِ بِهَا بِظُهُورِ شَيْءٍ مِنْ عَلَامَاتِهَا أَتَمُّ مِنْ ثَوَابِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَعَلَامَاتُهَا كَثِيرَةٌ مِنْهَا: أَنَّ الْمِيَاهَ الْمَالِحَةَ تَعْذُبُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ثُمَّ تَرْجِعُ إلَى أَصْلِهَا، وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّمْسَ لَا تَطْلُعُ يَوْمَهَا عَلَى قَرْنَيْ شَيْطَانٍ بِخِلَافِ يَوْمِ غَيْرِهَا، وَمِنْهَا: اقْشِعْرَارٌ وَبُكَاءٌ، وَمِنْهَا: أَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ تَكُونُ مُشْرِقَةً نَيِّرَةً وَمُعْتَدِلَةً لَا حَارَّةً وَلَا بَارِدَةً وَلَا سَحَابَ فِيهَا وَلَا مَطَرَ وَلَا رِيحَ، وَلَا يُرَى فِيهَا نَجْمٌ، وَتَطْلُعُ الشَّمْسُ صَبِيحَتَهَا مُشَعْشَعَةً حَمْرَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا، كَانَ ﵊ يَأْمُرُ مَنْ رَأَى عَلَامَةً لَيْلَةَ الْقَدْرِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنَّك عَفْوٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَوْ رَأَيْت لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا سَأَلْت اللَّهَ إلَّا الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ. هَذَا مُلَخَّصُ الْكَلَامِ عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: مُقْتَضَى هَذَا اخْتِصَاصُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِهَا، وَثَوَابُ الْعَمَلِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِهِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ قَدْرٍ، وَعِدَّةُ الْأَلْفِ شَهْرٍ بِالسِّنِينَ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً
[بَاب فِي زَكَاة الْعَيْن وَالْحَرْث وَالْمَاشِيَة وَمَا يَخْرَج مِنْ الْمَعْدِن]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مُعْظَمِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ وَهُوَ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ، شَرَعَ فِي الزَّكَاةِ وَكَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمَهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ وَتَأْخِيرَ الصَّوْمِ عَنْهَا كَمَا فِي حَدِيثِ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» وَلَعَلَّهُ إنَّمَا أَخَّرَهَا عَنْ الصَّوْمِ لِمُنَاسَبَةِ الصَّوْمِ لِلصَّلَاةِ فَقَالَ:
стр. 324
بَابٌ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعْدِنِ وَذِكْرُ الْجِزْيَةِ وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْحَرْبِيِّينَ وَزَكَاةُ الْعَيْنِ وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ فَرِيضَةٌ
فَأَمَّا زَكَاةُ الْحَرْثِ فَيَوْمُ حَصَادِهِ وَالْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ فَفِي كُلِّ حَوْلٍ مَرَّةً
وَلَا
ــ
[الفواكه الدواني]
(بَابٌ فِي) بَيَانِ أَحْكَامِ (زَكَاةِ الْعَيْنِ) (وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعْدِنِ وَ) ذِكْرٍ فِي (أَحْكَامِ) وَقَدْرِ (الْجِزْيَةِ) فِي بَيَانِ قَدْرِ (مَا يُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ) بِضَمِّ التَّاءِ جَمْعُ تَاجِرٍ كَفَاجِرٍ وَفُجَّارٍ، وَيُقَالُ تِجَارٌ بِكَسْرِهَا كَصَاحِبٍ وَصِحَابٍ (أَهْلِ الذِّمَّةِ وَ) مِنْ تِجَارَةِ (الْحَرْبِيِّينَ) وَسَتَأْتِي الزِّيَادَةُ عَلَى مَا تَرْجَمَ لَهُ وَهِيَ أَحْكَامُ الرِّكَازِ وَزَكَاةِ الْعُرُوضِ، وَالزَّكَا فِي اللُّغَةِ النُّمُوُّ وَالزِّيَادَةُ، يُقَالُ: زَكَا الزَّرْعُ وَزَكَا الْمَالُ إذَا كَثُرَ، وَفِي الشَّرْعِ بِالْمَعْنَى الِاسْمِيِّ جُزْءٌ مِنْ الْمَالِ شَرْطُ وُجُوبِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ بُلُوغُ الْمَالِ نِصَابًا، وَالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ: إخْرَاجُ جُزْءٍ مِنْ الْمَالِ إلَخْ، وَوَجْهُ تَسْمِيَةِ الْجُزْءِ زَكَاةً عَلَى مَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَنَّ فَاعِلَهَا يَزْكُو بِفِعْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ أَيْ يُرْفَعُ بِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] وَقِيلَ: لِنُمُوِّ ذَلِكَ الْجُزْءِ فِي نَفْسِهِ عِنْدَ اللَّهِ لِخَبَرِ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِكَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا طَيِّبًا كَانَ كَأَنَّمَا يَضَعُهَا فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ يُرَبِّيهَا لَهُ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» أَوْ قِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَبَدَأَ بِحُكْمِهَا فَقَالَ: (وَزَكَاةُ) بِالرَّفْعِ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَهِيَ بِمَعْنَى تَزْكِيَةِ (الْعَيْنِ) أَعْنِي الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ. (وَالْحَرْثِ) وَهِيَ سَائِرُ الْحُبُوبِ الْمَعْرُوفَةِ وَالثِّمَارِ وَذَوَاتِ الزُّيُوتِ الْآتِي بَيَانُهَا. (وَالْمَاشِيَةِ) وَهِيَ خُصُوصُ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ لَا غَيْرِهَا مِنْ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَخَبَرُ الْمُبْتَدَأِ (فَرِيضَةٌ) وَلَوْ كَانَتْ الْمَاشِيَةُ مَعْلُوفَةً أَوْ عَامِلَةً وَلَوْ كَانَ الْحَرْثُ فِي أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، وَفُرِضَتْ فِي ثَانِيَةِ الْهِجْرَةِ بَعْدَ زَكَاةِ الْفِطْرِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» إلَى قَوْلِهِ: «وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَالَ الْقَرَافِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِهَا فَمَنْ جَحَدَهَا فَهُوَ كَافِرٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَأَمَّا مَنْ أَقَرَّ بِوُجُوبِهَا وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ كَرْهًا وَإِنْ بِقِتَالٍ وَتُجْزِيهِ وَفَرْضِيَّتُهَا عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ.
١ -
وَلِوُجُوبِهَا شُرُوطٌ سِتَّةٌ: الْإِسْلَامُ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ خِطَابِ الْكُفَّارِ، وَالْمِلْكُ التَّامُّ، وَالنِّصَابُ، وَمُرُورُ الْحَوْلِ فِي غَيْرِ الْمَعْدِنِ، وَمَجِيءُ السَّاعِي فِي الْمَاشِيَةِ، وَعَدَمُ الدَّيْنِ فِي الْعَيْنِ، وَالْمَشْهُورُ خِطَابُ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، فَيَكُونُ الْإِسْلَامُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الزَّكَاةِ، بِخِلَافِ خِطَابِهِمْ بِالْإِيمَانِ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَوْلُنَا عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لِمَا قَالَهُ ابْنُ عَطَاءٍ مِنْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا مِلْكَ لَهُمْ مَعَ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ أَنَّ جَمِيعَ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ وَدَائِعِ اللَّهِ يَبْذُلُونَهُ فِي مَحَلِّهِ؛ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا شُرِعَتْ طُهْرَةً لِمَا عَسَاهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَالْأَنْبِيَاءُ مُبَرَّءُونَ مِنْ الدَّنَسِ لِعِصْمَتِهِمْ.
قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَهَذَا بَنَاهُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ عَلَى مَذْهَبِ إمَامِهِ مِنْ عَدَمِ مِلْكِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ خِلَافُهُ.
[زَكَاة الْحَرْث]
ثُمَّ بَيَّنَ وَقْتَ وُجُوبِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ فِي الْحُبُوبِ بِقَوْلِهِ: (فَأَمَّا زَكَاةُ الْحَرْثِ) كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ وَالْقَطَانِيِّ السَّبْعَةِ وَذَوَاتِ الزُّيُوتِ وَالثِّمَارِ الْآتِيَةِ (فَيَوْمُ حَصَادِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وَقَوْلُنَا وَقْتَ وُجُوبِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ يَدْخُلُ بِمُجَرَّدِ الْإِفْرَاكِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَالْوُجُوبُ بِإِفْرَاكِ الْحَبِّ وَطَيِّبِ الثَّمَرِ فَمَا أُكِلَ بَعْدَ الْإِفْرَاكِ زَمَنَ الْمَسْغَبَةِ مِنْ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالْفُولِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّاهُ وَيُؤَدِّيَ زَكَاتَهُ مِنْ جِنْسِهِ حَبًّا نَاشِفًا أَوْ مِنْ ثَمَنِهِ إنْ بَاعَهُ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّى مَا تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ مَا اسْتَأْجَرَ بِهِ، وَأَمَّا الثِّمَارُ فَوَقْتُ الْوُجُوبِ فِيهَا يَوْمَ الطِّيبِ.
قَالَ مَالِكٌ: إذَا زَهَتْ النَّخْلُ وَطَابَ الْكَرْمُ وَاسْوَدَّ الزَّيْتُونُ أَوْ قَارَبَ وَأَفْرَكَ الزَّرْعُ وَاسْتَغْنَى عَنْ الْمَاءِ وَجَبَ فِيهِ الزَّكَاةُ.
(وَ) أَمَّا تَزْكِيَةُ (الْعَيْنِ) غَيْرَ الْمَعْدِنِ
стр. 325
زَكَاةَ مِنْ الْحَبِّ وَالتَّمْرِ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَذَلِكَ سِتَّةُ أَقْفِزَةٍ وَرُبُعُ قَفِيزٍ وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّهِ ﵊
وَيُجْمَعُ الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ فِي الزَّكَاةِ فَإِذَا اجْتَمَعَ مِنْ جَمِيعِهَا
ــ
[الفواكه الدواني]
(وَالْمَاشِيَةِ فَفِي) تَمَامِ (كُلِّ حَوْلٍ مَرَّةً) حَيْثُ لَا سَاعِيَ فِي الْمَاشِيَةِ وَإِلَّا فَبَعْدَ حُضُورِهِ وَعَدَّهُ حَيْثُ أَمْكَنَ حُضُورُهُ وَحَضَرَ بِالْفِعْلِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَيْنَ إنَّمَا تُزَكَّى بَعْدَ تَمَامِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَذَا الْمَاشِيَةُ الَّتِي لَا سَاعِيَ لَهَا أَوْ لَا يُمْكِنُ وُصُولُهُ وَإِلَّا فَبَعْدَ وُصُولِهِ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَهُوَ شَرْطُ وُجُوبٍ إنْ كَانَ وَبَلَغَ، فَإِنْ تَخَلَّفَ وَأُخْرِجَتْ أَجْزَأَ الْإِخْرَاجُ وَلَوْ تَخَلَّفَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمَحَلُّ الْإِجْزَاءِ إنْ أَثْبَتَ الْمُخْرَجَ وَالْإِخْرَاجَ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنْ أُخْرِجَتْ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي دُونَ تَخَلُّفٍ فَلَا تُجْزِئُ، بِخِلَافِ الَّتِي لَا سَاعِيَ لَهَا فَيُجْزِئُ إخْرَاجُهَا وَلَوْ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ حَيْثُ كَانَ التَّقَدُّمُ بِيَسِيرٍ كَالشَّهْرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: أَوْ قُدِّمَتْ بِكَشَهْرٍ فِي عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ وَقْتِ إخْرَاجِهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ قَدْرِ النِّصَابِ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي بَلَغَهُ الْمَالُ وَجَبَتْ زَكَاتُهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) تُشْرَعُ (زَكَاةٌ مِنْ الْحَبِّ) الَّذِي فِيهِ الزَّكَاةُ وَهُوَ الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ وَالْأُرْزُ وَالدُّخْنُ وَالذُّرَةِ وَالْعَلْسُ وَالْقَطَانِيُّ السَّبْعَةُ الَّتِي هِيَ الْعَدَسُ وَاللُّوبِيَا وَالتُّرْمُسُ وَالْحِمَّصُ وَالْبِسِلَّةُ وَالْفُولُ وَالْجُلْبَانُ وَذَوَاتُ الزُّيُوتِ وَهِيَ حَبُّ الْفُجْلِ الْأَحْمَرِ وَالسِّمْسِمِ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْجُلْجَانِ وَالْقُرْطُمُ وَالزَّيْتُونُ. (وَالتَّمْرُ) وَالزَّبِيبُ فَهَذِهِ عِشْرُونَ نَوْعًا لَا غَيْرَهَا مِنْ نَحْوِ بِزْرِ كَتَّانٍ أَوْ سَلْجَمٍ أَوْ بِزْرِ فُجْلٍ أَبْيَضَ وَلَا فِي فَوَاكِهَ كَرُمَّانٍ أَوْ خَوْخٍ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ (فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) بِنَاءً عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ النِّصَابَ تَحْدِيدٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذِكْرِ قَوْلِهِ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ» .
وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ: «لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ» وَالْأَوْسُقُ جَمْعُ وَسْقٍ بِفَتْحِ الْوَاوِ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ يَقُولُ النِّصَابُ تَقْرِيبٌ فَتَجِبُ عِنْدَ النَّقْصِ الْيَسِيرِ، وَلَمَّا كَانَتْ الْأَوْسُقُ قَدْ لَا تُعْرَفُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ فَسَّرَ قَدْرَهَا بِالْكَيْلِ بِقَوْلِهِ: (وَذَلِكَ) مِنْ الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ قَدْرُهُ بِالْكَيْلِ (سِتَّةُ أَقْفِزَةٍ) جَمْعُ قَفِيزٍ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ صَاعًا وَرُبْعُ قَفِيزٍ فَالسِّتَّةُ أَقْفِزَةُ (وَرُبْعُ) قَفِيزٍ هِيَ الْخَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَقَدْرُهَا بِالْكَيْلِ الْمَصْرِيِّ عَلَى مَا حَرَّرَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ بِالْأَقْدَاحِ أَرْبَعُمِائَةِ قَدَحٍ وَبِالْأَرَادِبِ أَرْبَعَةُ أَرَادِبَ وَوَيْبَةٍ لِكِبَرِ الْكَيْلِ فِي زَمَنِهِ عَمَّا كَانَ فِي الْأَزْمِنَةِ السَّابِقَةِ، فَلَا يُنَافِيهِ ضَبْطُ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ فِي زَمَنِهِ الْأَوْسُقَ بِالْكَيْلِ الْمَصْرِيِّ سِتَّةُ أَرَادِبَ وَنِصْفَ وَيْبَةٍ. (وَالْوَسْقُ) قَدْرُهُ بِالصِّيعَانِ (سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ) أَيْ صَاعُ النَّبِيِّ ﷺ (أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّهِ ﵊) وَالْمُدُّ حُفْنَةٌ وَهِيَ مِلْءُ الْيَدَيْنِ الْمُتَوَسِّطَتَيْنِ لَا مَقْبُوضَتَيْنِ وَلَا مَبْسُوطَتَيْنِ، وَوَزْنُهُ رَطْلٌ وَثُلُثُ بِالْبَغْدَادِيِّ، فَيَكُونُ الصَّاعُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثٍ بِالْبَغْدَادِيِّ، وَحِينَئِذٍ فَالْخَمْسَةُ أَوْسُقٍ بِالْأَرْطَالِ الشَّرْعِيَّةِ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رَطْلٍ كُلُّ رَطْلٍ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا بِالْوَزْنِ الْمَكِّيِّ، وَالرَّطْلُ اثْنَا عَشَرَ أُوقِيَّةً وَالْأُوقِيَّةُ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَوَزْنُ الدِّرْهَمِ خَمْسُونَ وَخُمْسَا حَبَّةٍ مِنْ مُتَوَسِّطِ الشَّعِيرِ، وَأَمَّا بِالْأَرْطَالِ الْمَصْرِيَّةِ فَالْخَمْسَةُ أَوْسُقٍ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ أَلْفُ رَطْلٍ وَأَرْبَعُمِائَةِ رَطْلٍ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ رَطْلًا، فَعُلِمَ أَنَّ الْخَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِالصِّيعَانِ ثَلَاثُمِائَةِ صَاعٍ، وَبِالْأَمْدَادِ أَلْفُ مُدٍّ وَمِائَتَا مُدٍّ، وَبِمَا ذَكَرْنَا عُلِمَ قَدْرُ النِّصَابِ بِالْكَيْلِ الشَّرْعِيِّ وَالْمَصْرِيِّ وَبِالْوَزْنِ الشَّرْعِيِّ وَالْمَصْرِيِّ.
١ -
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الْقَدْرَ الْمَأْخُوذَ مِنْ النِّصَابِ وَهُوَ الْعُشْرُ فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ فَيُدْخِلُ أَرْضَ السَّيْحِ أَيْ الْمَاءِ الْجَارِي، وَمَا سُقِيَ مِنْ السَّمَاءِ، وَمَا سُقِيَ بِقَلِيلِ مَاءٍ كَالذُّرَةِ الصَّيْفِيِّ بِأَرْضِ مِصْرَ فَإِنَّهُ يُصَبُّ عَلَيْهِ قَلِيلُ مَاءٍ عِنْدَ وَضْعِ حَبِّهِ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ لَا يُسْقَى بَعْدَ ذَلِكَ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِمَشَقَّةِ كَالدَّوَالِيبِ وَالدِّلَاءِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» وَإِنْ سُقِيَ بِهِمَا فَعَلَى حُكْمَيْهِمَا حَيْثُ تَسَاوَيَا أَوْ تَقَارَبَا فَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ ذِي السَّيْحِ وَنِصْفُهُ مِنْ ذِي الْآلَةِ، وَإِنْ سُقِيَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرُ فَقِيلَ الْحُكْمُ لِلْأَكْثَرِ وَيُلْغَى الْأَقَلُّ وَقِيلَ لَا تَبَعِيَّةَ وَتُعْتَبَرُ الْقِسْمَةُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ سُقِيَ بِهِمَا فَعَلَى حُكْمَيْهِمَا وَهَلْ يُغَلَّبُ الْأَكْثَرُ خِلَافٌ.
١ -
الثَّانِي: شَرْطُ اعْتِبَارِ الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَنْ تَكُونَ خَالِصَةً مِنْ التِّبْنِ الَّذِي لَا تُخْزَنُ بِهِ، وَأَنْ تَكُونَ مُقَدَّرَةً الْجَفَافِ فِيمَا أُكِلَ أَخْضَرُ كَفَرِيكٍ وَشَعِيرٍ أَوْ فُولٍ أَوْ كَانَ مِمَّا لَا يَجِفُّ أَصْلًا كَعِنَبٍ وَزَيْتُونٍ وَبَلَحِ مِصْرَ، أَوْ مِمَّا يَجِفُّ كَعِنَبٍ وَبَلَحِ غَيْرِ مِصْرَ وَأُكِلَ قَبْلَ جَفَافِهِ.
الثَّالِثُ: شَرْطُ وُجُوبِهَا فِي الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ أَنْ تَكُونَ مَزْرُوعَةً، وَأَمَّا مَا وُجِدَ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ نَابَتَا فِي الْجِبَالِ وَالْأَرَاضِي الْمُبَاحَةِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مَالِكٌ: وَمَا يُجْمَعُ مِنْ الزَّيْتُونِ وَالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ فِي الْجِبَالِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَإِنْ بَلَغَ خَرْصُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَلَا يَكُونُ أَهْلُ قَرْيَةِ ذَلِكَ الْجَبَلِ أَحَقَّ بِهِ وَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: إلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ فَإِنَّ فِي جَمِيعِ مَا سَمَّيْت لَك الْخُمُسَ إنْ جُعِلَ فِي الْغَنَائِمِ
. ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ لِكَمَالِ النِّصَابِ وَمَا لَا يُضَمُّ بِقَوْلِهِ:
стр. 326
خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَلْيُزَكَّ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ تُجْمَعُ أَصْنَافُ الْقَطْنِيَّةِ وَكَذَلِكَ تُجْمَعُ أَصْنَافُ التَّمْرِ وَكَذَلِكَ أَصْنَافُ الزَّبِيبِ وَالْأَرْزِ وَالدُّخْنُ وَالذُّرَةُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا صِنْفٌ لَا يُضَمُّ إلَى الْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ
وَإِذَا كَانَ فِي الْحَائِطِ أَصْنَافٌ مِنْ التَّمْرِ أَدَّى الزَّكَاةَ عَنْ الْجَمِيعِ مِنْ وَسَطِهِ
وَيُزَكَّى الزَّيْتُونُ إذَا بَلَغَ حَبُّهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَخْرَجَ مِنْ زَيْتِهِ وَيُخْرِجُ مِنْ الْجُلْجُلَانِ وَحُبِّ الْفُجْلِ
ــ
[الفواكه الدواني]
(وَيُجْمَعُ الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ) وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِشَعِيرِ النَّبِيِّ ﷺ إذَا لَمْ يَكْمُلْ النِّصَابُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ وَصِلَةُ يُجْمَعُ (فِي الزَّكَاةِ) لِتَقَارُبِ مَنْفَعَتِهَا وَلِذَلِكَ جُعِلَتْ فِي الْبَيْعِ جِنْسًا بِحَيْثُ يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي بَيْعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ. (فَإِذَا اجْتَمَعَ مِنْ جَمِيعِهَا) بَعْدَ الضَّمِّ (خَمْسَةُ أَوْسُقٍ) فَأَكْثَرُ (فَلْيُزَكِّ ذَلِكَ) الْمَجْمُوعَ وَيُخْرِجُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِحِسَابِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأُخِذَ مِنْ الْحَبِّ كَيْفَ كَانَ كَالتَّمْرِ نَوْعًا أَوْ نَوْعَيْنِ وَإِلَّا فَمِنْ أَوْسَطِهَا، فَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ أَحَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ الْأَعْلَى عَنْ الْأَدْنَى أَجْزَأَ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، وَيَجِبُ الضَّمُّ وَلَوْ زُرِعَتْ بِبُلْدَانٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتُضَمُّ الْقَطَانِيُّ كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ وَسُلْتٍ وَإِنْ بِبُلْدَانٍ إنْ زُرِعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ حَصَادِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْحَصْدَ فِي الْحُبُوبِ كَالْحَوْلِ، وَإِنْ زُرِعَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ حَصَادِ الْآخَرِ فَلَا ضَمَّ، فَإِذَا زُرِعَ فِي ثَلَاثَةِ أَمَاكِنَ وَزُرِعَ الثَّانِي قَبْلَ حَصَادِ الْأَوَّلِ وَزُرِعَ الثَّالِثُ بَعْدَ حَصَادِ الْأَوَّلِ وَقَبْلَ حَصَادِ الثَّانِي، فَإِنْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ نِصَابٌ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ نِصَابٌ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ فِي الْأَوَّلِ وَسْقَانِ وَفِي الثَّالِثِ وَسْقَانِ أَيْضًا وَفِي الْوَسَطِ وَهُوَ الثَّانِي ثَلَاثَةُ أَوْسُقٍ فَإِنَّهُ يُضَمُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَيُزَكَّى الْجَمِيعُ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي الضَّمِّ أَنْ يَبْقَى مِنْ حَبِّ الْأَوَّلِ إلَى حَصَادِ الثَّانِي مَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ، فَلَا بُدَّ فِي زَكَاةِ الْجَمِيعِ عِنْدَ ضَمِّ الْوَسَطِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَبْقَى حَبُّ السَّابِقِ لِحَصْدِ اللَّاحِقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَسَطِ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ نِصَابٌ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَسْقَانِ فَلَا زَكَاةَ فِي الْجَمِيعِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَكْمُلُ النِّصَابُ مِنْ الْوَسَطِ مَعَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَسَطِ ثَلَاثَةُ أَوْسُقٍ، وَفِي الْأَوَّلِ اثْنَانِ وَفِي الثَّالِثِ وَاحِدٌ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَنَصَّ اللَّخْمِيُّ: لَا زَكَاةَ عَلَى الْقَاصِرِ، وَاَلَّذِي اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ إنْ كَمُلَ النِّصَابُ مِنْ الْأَوَّلِ وَالْوَسَطِ زُكِّيَ الثَّالِثُ مَعَهُمَا، وَإِنْ كَمُلَ مِنْ الثَّالِثِ وَالْوَسَطِ زَكَّاهُمَا دُونَ الْأَوَّلِ.
قَالَ بَعْضٌ: وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّهُ إذَا كَمُلَ النِّصَابُ مِنْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فَالْأَوَّلُ مَضْمُومٌ لِلثَّانِي فَالْحَوْلُ لِلثَّانِي وَهُوَ خَلِيطٌ لِلثَّالِثِ، وَإِذَا كَمُلَ مِنْ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَالْمَضْمُومُ الثَّانِي لِلثَّالِثِ فَالْحَوْلُ لِلثَّالِثِ وَلَا خُلْطَةَ لِلْأَوَّلِ بِهِ وَهُوَ فَرْقٌ جَيِّدٌ. (وَكَذَلِكَ تُجْمَعُ) لِتَكْمِيلِ النِّصَابِ (أَصْنَافُ التَّمْرِ) كَالصَّيْحَانِيِّ فَإِنَّهُ يُضَمُّ لِلْبَرْنِيِّ وَالْعَجْوَةِ؛ لِأَنَّ الضَّابِطَ أَنَّ الْأَنْوَاعَ الْمُتَقَارِبَةَ فِي الْمَنْفَعَةِ يُضَمُّ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ مُرَاعَاةً لَحِقَ الْفُقَرَاءِ وَيُخْرِجُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِحِسَابِهِ إلَّا إذَا زَادَتْ عَلَى نَوْعَيْنِ فَمِنْ أَوْسَطِهَا كَمَا يَأْتِي، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْقَمْحَ وَمَا مَعَهُ لَا يُضَمُّ لِأَصْنَافِ التَّمْرِ وَهُوَ كَذَلِكَ. (وَكَذَلِكَ تُجْمَعُ أَصْنَافُ الْقَطْنِيَّةِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِهَا لِبَعْضِهَا بِشَرْطِ زَرْعِ الْمَضْمُومِ قَبْلَ حَصَادِ الْمَضْمُومِ إلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ، فَإِذَا اجْتَمَعَ مِنْ جَمِيعِهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ زَكَّى وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهَا فِي الزَّكَاةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ رِفْقًا بِالْفُقَرَاءِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَتُجْمَعُ الْقَطْنِيَّةُ عَلَى قَطَانِيٍّ وَهِيَ كُلُّ مَا لَهُ غِلَافٌ كَالْبَسِيلَةِ وَالْحِمَّصِ وَالْعَدَسِ وَالْجُلْبَانِ وَالْفُولِ وَالتُّرْمُسِ وَاللُّوبِيَا، وَسُمِّيَتْ بِالْقَطَانِيِّ؛ لِأَنَّهَا تَقْطُنُ بِالْمَكَانِ أَيْ تُقِيمُ بِهِ، وَلَيْسَ مِنْهَا الْجُلْجُلَانُ وَلَا حَبُّ الْفُجْلِ وَلَا الْكِرْسِنَّةُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ عِنْدَ الضَّمِّ يُخْرِجُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِحِسَابِهِ، وَإِنْ أُخْرِجَتْ مِنْ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ فَقَطْ أَجْزَأَ إنْ كَانَ الْمُخْرَجُ مِنْهُ أَعْلَى مِنْ الْمُخْرَجِ عَنْهُ. (وَكَذَلِكَ) تُجْمَعُ (أَصْنَافُ الزَّبِيبِ) بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فَيُضَمُّ الْجُعْرُورُ لِغَيْرِهِ وَالْأَسْوَدُ لِلْأَحْمَرِ، فَإِنْ اجْتَمَعَ النِّصَابُ زَكَّى وَإِلَّا فَلَا. وَلَمَّا فَرَغَ مِمَّا يُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ شَرَعَ فِيمَا لَا يُضَمُّ بِقَوْلِهِ: (وَالْأُرْزُ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ: (وَالدُّخْنُ وَالذُّرَةُ) مَعْطُوفَانِ عَلَيْهِ وَجُمْلَةُ (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا صِنْفٌ) خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ لَا يُضَمُّ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ (إلَى الْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ) كَمَا أَنَّهَا أَجْنَاسٌ فِي الْبَيْعِ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيمَا بَيْنَهَا
(وَإِذَا كَانَ فِي الْحَائِطِ أَصْنَافٌ) مُخْتَلِفَةٌ بِالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ (مِنْ التَّمْرِ) وَكَمُلَ النِّصَابُ بِضَمِّ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ (أَدَّى) أَيْ أَخْرَجَ الْمَالِكُ (الزَّكَاةَ عَنْ الْجَمِيعِ مِنْ وَسَطِهِ) أَيْ التَّمْرِ، وَمِثْلُ أَصْنَافِ التَّمْرِ فِي الْإِخْرَاجِ مِنْ الْوَسَطِ أَصْنَافُ الزَّبِيبِ عَلَى مَا رَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَإِنَّمَا أَجْزَأَ ذَلِكَ رِفْقًا بِالْمُزَكِّي وَبِالْفُقَرَاءِ، إذْ لَوْ أُخِذَ مِنْ الْأَعْلَى عَنْ الْجَمِيعِ لَأَضَرَّ بِرَبِّ الْمَالِ، أَوْ مِنْ الْأَدْنَى عَنْ الْجَمِيعِ لَأَضَرَّ بِالْفُقَرَاءِ، فَكَانَ الْعَدْلُ الْوَسَطَ، وَسَكَتَ عَمَّا لَوْ أَخْرَجَ كُلَّ وَاحِدٍ بِحَسَبِهِ وَلَمْ يُخْرِجْ مِنْ أَوْسَطِهَا لِوُضُوحِ أَمْرِهِ وَهُوَ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَوْ كَانَ الْحَائِطُ كُلُّهُ جَيِّدًا أَوْ كُلُّهُ رَدِيئًا لَأُخِذَ مِنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمَفْهُومُ أَصْنَافٍ لَوْ اجْتَمَعَ صِنْفَانِ فَقَطْ جَيِّدٌ وَرَدِيءٌ، فَفِي الْجَوَاهِرِ: يُؤْخَذُ مِنْ كُلٍّ بِقِسْطِهِ وَلَا يُنْظَرُ لِلْأَكْثَرِ، وَمَفْهُومُ أَصْنَافِ التَّمْرِ أَنَّ أَصْنَافَ الْحُبُوبِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ يُؤْخَذُ مِنْ كُلٍّ بِحَسَبِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأُخِذَ مِنْ الْحَبِّ كَيْفَ كَانَ كَالتَّمْرِ نَوْعٍ أَوْ نَوْعَيْنِ وَإِلَّا فَمِنْ أَوْسَطِهَا
، وَلَمَّا كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِي النِّصَابِ الْكَيْلُ وَالْإِخْرَاجُ تَارَةً مِنْ الْحَبِّ وَتَارَةً مِنْ غَيْرِهِ أَشَارَ لِلثَّانِي بِقَوْلِهِ: (يُزَكَّى الزَّيْتُونُ إذَا بَلَغَ حَبُّهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ) مُقَدَّرَةِ الْجَفَافِ
стр. 327
مِنْ زَيْتِهِ فَإِنْ بَاعَ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ ثَمَنِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ
وَلَا زَكَاةَ فِي الْفَوَاكِهِ وَالْخُضَرِ
وَلَا زَكَاةَ مِنْ الذَّهَبِ فِي أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا فَإِذَا بَلَغَتْ عِشْرِينَ دِينَارًا فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ رُبْعُ الْعُشْرِ فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ وَإِنْ قَلَّ
وَلَا زَكَاةَ مِنْ الْفِضَّةِ فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَذَلِكَ خَمْسُ أَوَاقٍ وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا مِنْ وَزْنِ سَبْعَةٍ أَعْنِي أَنَّ السَّبْعَةَ دَنَانِيرَ وَزْنُهَا عَشْرَةُ دَرَاهِمَ فَإِذَا بَلَغَتْ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا رُبْعُ عُشْرِهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ
ــ
[الفواكه الدواني]
فَإِذَا قَالَ الْمُخْرِصُ إنَّهُ بَعْدَ الْجَفَافِ يَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ (أَخْرَجَ) الْمَالِكُ زَكَاتَهُ (مِنْ زَيْتِهِ) إنْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَهُ فِيهَا زَيْتٌ وَلَوْ كَانَ زَيْتُهُ رَطْلًا وَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْ حَبِّهِ وَلِأَئِمَّتِهِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمَا يَأْتِي عَنْ الْمُصَنِّفِ ضَعِيفٌ، فَلَوْ قَالَ الْخَارِصُ أَنَّهُ يَقْصُرُ عَنْ الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَلَوْ كَثُرَ زَيْتُهُ، وَالْقَدْرُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ زَيْتِهِ الْعُشْرُ إنْ سُقِيَ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ، وَنِصْفُهُ إنْ سُقِيَ بِهَا، وَالنَّقْصُ وَالْعَصْرُ عَلَى رَبِّهِ.
(وَ) كَذَلِكَ (يُخْرِجُ) جُزْءَ الزَّكَاةِ (مِنْ الْجُلْجُلَانِ) وَهُوَ السِّمْسِمُ (وَمِنْ حَبِّ الْفُجْلِ) الْأَحْمَرِ إذَا بَلَغَ حَبُّ كُلٍّ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ (مِنْ زَيْتِهِ) وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ زَيْتُهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَكْلِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(تَنْبِيهٌ) : ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْ حَبِّ مَا ذُكِرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُعْتَمَدُ إجْزَاءُ الْإِخْرَاجِ مِنْ حَبِّهِمَا، وَمِثْلُهُمَا الْقُرْطُمُ فَتُسْتَثْنَى هَذِهِ مِنْ ذَوَاتِ الزُّيُوتِ؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِغَيْرِ الْعَصْرِ كَثِيرًا فَلَيْسَتْ كَالزَّيْتُونِ الَّذِي لَهُ زَيْتٌ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْإِخْرَاجُ مِنْ زَيْتِهِ كَتَعَيُّنِ الْإِخْرَاجِ مِنْ ثَمَنِ مَا لَيْسَ لَهُ زَيْتٌ مِنْهُ. (فَإِذَا بَاعَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ مِنْ حَبِّ الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ قَبْلَ الْعَصْرِ (أَجْزَأَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ ثَمَنِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ) تَعَالَى هَذَا ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يُخْرِجُ إلَّا مِنْ زَيْتِهِ كَمَا صَدَّرَ بِهِ بِقَوْلِهِ: وَيُزَكَّى الزَّيْتُونُ إلَى قَوْلِهِ: مِنْ زَيْتِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الزَّيْتُونَ إذَا كَانَ لَهُ زَيْتٌ يَتَعَيَّنُ الْإِخْرَاجُ مِنْ زَيْتِهِ وَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْ حَبِّهِ، وَلِأَئِمَّتِهِ إذَا بَاعَهُ وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَا زَيْتَ لَهُ فِيهَا كَزَيْتُونِ مِصْرَ فَيُخْرِجُ مِنْ ثَمَنِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَمِثْلُهُ مَا لَا يَجِفُّ مِنْ رُطَبِ مِصْرَ وَعِنَبِهَا وَحِمَّصِهَا وَفُولِهَا وَفَرِيكِهَا إذَا بِيعَتْ قَبْلَ جَفَافِهَا، إلَّا أَنَّ هَذَا يَجُوزُ إخْرَاجُ زَكَاتِهَا حَبًّا يَابِسًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَحْوِ الْجُلْجُلَانِ
وَلَمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُزَكَّى مِنْ أَنْوَاعِ النَّبَاتِ عِشْرُونَ نَوْعًا وَكَانَتْ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ صَرِيحًا مِنْ كَلَامِهِ نَصَّ عَلَى مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا زَكَاةَ فِي الْفَوَاكِهِ) كَانَتْ تَيْبَسُ كَالْبُنْدُقِ أَوْ لَا كَالْخَوْخِ وَالرُّمَّانِ.
(وَ) كَذَا لَا زَكَاةَ فِي (الْخُضَرِ) كَالْبِطِّيخِ وَالْخِيَارِ وَالْبُقُولِ كَالْبَصَلِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: جَرَتْ السُّنَّةُ أَنْ لَا زَكَاةَ فِي الْخُضَرِ عَلَى عَهْدِهِ ﵊ وَعَهْدِ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ
[زَكَاةِ الْعَيْنِ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يُزَكَّى مِنْ الْحُبُوبِ وَمَا لَا يُزَكَّى شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْعَيْنِ وَبَيَانِ قَدْرِ النِّصَابِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا زَكَاةَ مِنْ الذَّهَبِ) مَسْكُوكًا أَوْ غَيْرَهُ (فِي أَقَلَّ مِنْ) وَزْنِ (عِشْرِينَ دِينَارًا) شَرْعِيَّةً بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ النِّصَابَ تَحْدِيدٌ. (فَإِذَا بَلَغَتْ) الْعَيْنُ مِنْ الذَّهَبِ وَزْنَ (عِشْرِينَ دِينَارًا فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ) وَهُوَ (رُبْعُ الْعُشْرِ) وَوَزْنُ الدِّينَارِ الشَّرْعِيِّ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا، وَالْقِيرَاطُ ثَلَاثُ حَبَّاتٍ مِنْ مُتَوَسِّطِ الشَّعِيرِ فَوَزْنُهُ مِنْ الْحَبَّاتِ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّةً مِنْ مُتَوَسِّطِ الشَّعِيرِ، وَأَمَّا الدَّنَانِيرُ الْمَصْرِيَّةُ الْمَوْجُودَةُ فِي زَمَانِنَا مِنْ سِكَّةِ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ فَقَدْ صَغُرَتْ عَنْ الشَّرْعِيَّةِ حَتَّى صَارَ النِّصَابُ مِنْهَا ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ دِينَارًا وَنِصْفَ دِينَارٍ وَخَرُّوبَةً وَسُبْعَيْ خَرُّوبَةٍ كَمَا حَرَّرَهُ عَلَّامَةُ الزَّمَانِ الْأُجْهُورِيُّ، وَلَمَّا كَانَتْ الْعَيْنُ لَا وَقَصَ فِيهَا قَالَ: (فَمَا زَادَ) عَلَى الْعِشْرِينَ دِينَارًا (فَبِحِسَابِ ذَلِكَ وَإِنْ قَلَّ الزَّائِدُ)
(لَا زَكَاةَ فِي الْفِضَّةِ فِي أَقَلَّ مِنْ) وَزْنِ (مِائَتَيْ دِرْهَمٍ) شَرْعِيَّةٍ وَوَزْنُهُ خَمْسُونَ وَخُمُسَا حَبَّةٍ مِنْ مُتَوَسِّطِ الشَّعِيرِ، وَوَزْنُ الْمِائَتَيْنِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ الدَّرَاهِمِ الْمِصْرِيَّةِ فِي زَمَانِنَا عَلَى مَا حَرَّرَهُ الْأُجْهُورِيُّ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَنِصْفُ دِرْهَمٍ وَثُمُنُ دِرْهَمٍ. (وَذَلِكَ) الْقَدْرُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِّ النِّصَابِ وَهُوَ الْمِائَتَا دِرْهَمٍ (خَمْسُ أَوَاقٍ وَالْأُوقِيَّةُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَزْنُهَا بِالدَّرَاهِمِ الشَّرْعِيَّةِ (أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) شَرْعِيَّةً؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنْ ضَرْبِ الْخَمْسَةِ فِي الْأَرْبَعِينَ مِائَتَانِ، وَيُقَالُ لَهَا دَرَاهِمُ الْكَيْلِ؛ لِأَنَّ بِهَا تُقَدَّرُ الْمَكَايِيلُ الشَّرْعِيَّةُ مِنْ أُوقِيَّةٍ وَرَطْلٍ وَمُدٍّ وَصَاعٍ، وَالضَّارِبُ لَهَا النَّاقِشُ عَلَيْهَا عَلَّامَةُ الْإِسْلَامِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَلَمَّا ضَرَبَهَا جَاءَتْ عَلَى حِسَابِ خَمْسِينَ وَخُمُسَيْ حَبَّةٍ وَهِيَ وَزْنُ الدِّرْهَمِ الشَّرْعِيِّ. ثُمَّ بَيَّنَ وَزْنَ الدَّرَاهِمِ بِبَيَانِ صِفَتِهَا بِقَوْلِهِ: (مِنْ وَزْنِ سَبْعَةٍ أَعْنِي أَنَّ السَّبْعَةَ دَنَانِيرَ) الشَّرْعِيَّةِ (وَزْنُهَا عَشْرَةُ دَرَاهِمَ) شَرْعِيَّةٍ؛ لِأَنَّ وَزْنَ السَّبْعَةِ دَنَانِيرَ خَمْسُمِائَةٍ وَأَرْبَعُ حَبَّاتٍ، وَوَزْنُ الْعَشَرَةِ دَرَاهِمَ كَذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّك إذَا اعْتَبَرْت مَا فِي سَبْعَةِ دَنَانِيرَ وَمَا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مِنْ الْحَبَّاتِ وَجَدَتْهُمَا عَدَدًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ وَزْنَ الدِّرْهَمِ كَمَا تَقَدَّمَ خَمْسُونَ وَخُمُسَا حَبَّةٍ مِنْ الشَّعِيرِ الْمُتَوَسِّطِ، وَكُلُّ دِينَارٍ وَزْنُهُ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ شَعِيرَةً، وَإِذَا ضَرَبْت عَشْرَةً عَدَدَ الدَّرَاهِمِ فِي خَمْسِينَ خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسُمِائَةٍ وَتَبْقَى الْأَخْمَاسُ وَهِيَ عِشْرُونَ خُمْسًا الْحَاصِلَةُ مِنْ ضَرْبِ الْعَشَرَةِ فِي الْخُمُسَيْنِ بِضَمِّ الْخَاءِ بِأَرْبَعِ حَبَّاتٍ فَالْجُمْلَةُ خَمْسُمِائَةٍ وَأَرْبَعُ حَبَّاتٍ، وَإِذَا ضَرَبْت سَبْعَةً عِدَّةَ الدَّنَانِيرِ فِي اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ عَدَدَ حَبَّاتِ الدِّينَارِ
стр. 328
وَيُجْمَعُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فِي الزَّكَاةِ فَمَنْ كَانَ لَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَعَشْرَةُ دَنَانِيرَ فَلْيُخْرِجْ مِنْ كُلِّ مَالٍ رُبْعَ عُشْرِهِ
وَلَا زَكَاةَ فِي
ــ
[الفواكه الدواني]
يَخْرُجُ هَذَا الْعَدَدُ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ وَأَرْبَعُ حَبَّاتٍ، فَاتَّفَقَتْ السَّبْعَةُ دَنَانِيرَ وَالْعَشَرَةُ دَرَاهِمَ فِي عِدَّةِ الْحُبُوبِ، وَحَاصِلُ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الدِّرْهَمَ سَبْعَةُ أَعْشَارِ الدِّينَارِ، وَالدِّينَارُ مِثْلُ الدِّرْهَمِ وَثَلَاثَةِ أَسْبَاعٍ مِثْلِهِ، فَكُلُّ سَبْعَةِ دَنَانِيرَ وَزْنُهَا وَزْنُ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ، فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ: وَالْمُرَادُ بِتِلْكَ الدَّرَاهِمِ الَّتِي كُلُّ عَشْرَةٍ مِنْهَا وَزْنُ سَبْعَةِ دَنَانِيرَ، وَقَوْلُنَا: بَيَّنَ وَزْنَ الدَّرَاهِمِ هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ كَلَامِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَصَدَ بِقَوْلِهِ: مِنْ وَزْنِ سَبْعَةٍ بَيَانَ نَوْعِ دَنَانِيرِ الزَّكَاةِ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ بَعِيدٌ لِوُجُودِ الْفَاصِلِ، وَالْأَصْلُ فِي الصِّفَةِ الِاتِّصَالُ بِالْمَوْصُوفِ فَالْمُتَعَيِّنُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَلِذَلِكَ تَعَقَّبَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ بِأَنَّهُ مُشْكِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ مِنْ وَزْنِ سَبْعَةٍ أَحَالَ فِيهِ مَجْهُولًا عَلَى مَجْهُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ وَزْنَ الدِّرْهَمِ لَا وَزْنَ الدِّينَارِ، وَالثَّانِي قَوْلُهُ مِنْ وَزْنِ سَبْعَةٍ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ أَحَالَ الدَّرَاهِمَ عَلَى الدَّنَانِيرِ، وَقَوْلُهُ أَعْنِي يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ الدَّنَانِيرَ يُفَسِّرُهَا بِالدَّرَاهِمِ فَهِيَ مِنْ مُشْكِلَاتِ الرِّسَالَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ وَغَيْرُهُ. (فَإِذَا بَلَغَتْ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ) الَّتِي وَزْنُ كُلِّ عَشْرَةٍ مِنْهَا سَبْعَةُ دَنَانِيرَ (مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا رُبْعُ عُشْرِهَا) وَهُوَ (خَمْسَةُ دَرَاهِمَ) ؛ لِأَنَّ عُشْرَ الْمِائَتَيْنِ عِشْرُونَ وَالْخَمْسَةُ رُبْعُهَا، وَهَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَلَا زَكَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَلَمَّا كَانَتْ الْعَيْنُ لَا وَقَصَ فِيهَا قَالَ: (فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ) قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا فَأَكْثَرَ وَمُجْمَعٍ مِنْهُمَا بِالْجُزْءِ رُبْعُ الْعُشْرِ.
قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ: وَهَذَا فِيمَا يُمْكِنُ إخْرَاجُ رُبْعِ عُشْرِهِ، وَمَا لَا يُمْكِنُ إخْرَاجُ رُبْعِ عُشْرِهِ يُشْتَرَى بِهِ نَحْوُ طَعَامٍ مِمَّا يُمْكِنُ قَسْمُهُ عَلَى أَرْبَعِينَ جُزْءًا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ عَفَوْت عَنْكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ فَهَاتُوا صَدَقَةَ الْوَرِقِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ» وَلَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمِائَةٍ شَيْءٌ فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ.
١ -
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَحْدِيدِ النِّصَابِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الدَّرَاهِمِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا عَرَفْت، وَأَمَّا بِالدَّرَاهِمِ الْمَصْرِيَّةِ فَالنِّصَابُ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَنِصْفُ دِرْهَمٍ وَثُمُنُ دِرْهَمٍ، وَذَلِكَ لِنَقْصِ الدِّرْهَمِ الشَّرْعِيِّ عَنْ الدِّرْهَمِ الْمَصْرِيِّ خَرُّوبَةً وَعُشْرَ خَرُّوبَةٍ وَنِصْفَ عُشْرِ خَرُّوبَةٍ، وَأَمَّا مِقْدَارُ النِّصَابِ مِنْ الْفِضَّةِ الْعَدَدِيَّةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْأَنْصَافِ فَهُوَ سِتُّمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ نِصْفًا وَثُلُثَا نِصْفٍ.
قَالَهُ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا، وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ أَوْ الْمُتَعَيِّنُ التَّعْوِيلُ عَلَى مَا يُسَاوِي الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ شَرْعِيَّةٍ وَزْنًا؛ لِأَنَّ الْأَنْصَافَ لَا ضَبْطَ لَهَا لِاخْتِلَافِهَا بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، فَكُلُّ مَنْ مَلَكَ ذَلِكَ الْوَزْنَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَى الْعَدَدِ، إذْ الْأَنْصَافُ الْمَقْصُوصَةُ قَدْ لَا يَعْدِلُ الْأَلْفُ مِنْهَا وَزْنَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ مِنْ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَمَّا مِقْدَارُهُ مِنْ الْقُرُوشِ فَيَنْضَبِطُ لِانْضِبَاطِهَا بِالْوَزْنِ، وَإِلَّا اخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِ نَوْعِهَا، فَالْكِلَابُ وَالرِّيَالُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ وَرُبْعٌ لِاتِّفَاقِهِمَا وَزْنًا، وَأَمَّا الْبَنَادِقَةُ فَالنِّصَابُ مِنْهَا عِشْرُونَ وَأَبُو طَافَّةَ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ.
١ -
الثَّانِي: أَفْهَمَ قَوْلُهُ: فَإِذَا بَلَغَتْ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ إلَخْ أَنَّهَا لَوْ نَقَصَتْ عَنْ ذَلِكَ لَا زَكَاةَ فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُسْقِطُ لِلزَّكَاةِ إنَّمَا هُوَ النَّقْصُ الَّذِي يَحُطُّهَا فِي الرَّوَاجِ عَنْ زِنَةِ الْكَامِلَةِ لَا الَّذِي تَرُوجُ مَعَهُ كَالْكَامِلَةِ فَإِنَّهُ لَا يُسْقِطُهَا قَالَ خَلِيلٌ مُبَالِغًا فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ بِرَدَاءَةِ أَصْلٍ أَوْ إضَافَةٍ وَرَاجَتْ كَكَامِلَةِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ تَرُجْ كَالْكَامِلَةِ فَإِنَّ زَكَاتَهَا تَسْقُطُ إنْ كَانَ نَقْصُهَا حِسِّيًّا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَعْنَوِيًّا فَيُعْتَبَرُ الْخَالِصُ مِنْهَا فَإِنْ كَانَ نِصَابًا زَكَّى وَإِلَّا فَلَا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِلَّا حَسَبَ الْخَالِصِ، فَإِنْ قِيلَ: زَكَاةُ النَّاقِصَةِ الَّتِي تَرُوجُ كَالْكَامِلَةِ مُنَافٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النِّصَابَ تَحْدِيدٌ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا تَقْرِيبٌ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ وَلَا إشْكَالَ؛ لِأَنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يَبْنُونَ مَشْهُورًا عَلَى ضَعِيفٍ، أَوْ أَنَّ النَّقْصَ الْيَسِيرَ الَّتِي تَرُوجُ مَعَهُ رَوَاجَ الْكَامِلَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ كَنَقْصِ الْمِكْيَالِ الْمُتَعَارَفِ.
الثَّالِثُ: أَفْهَمَ اقْتِصَارُهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُصَنَّفِينَ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَنَّ الْفُلُوسَ الْجُدُدَ لَا زَكَاةَ فِيهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، قَالَ فِي الطِّرَازِ الْمَذْهَبُ لَا زَكَاةَ فِي أَعْيَانِهَا وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تُعُومِلَ بِهَا عَدَدًا خِلَافًا لِبَعْضِ الشُّيُوخِ.
وَلَمَّا كَانَ اخْتِلَافُ قَدْرِ النِّصَابِ مِنْ الْعَيْنَيْنِ مُوهِمًا لِعَدَمِ جَوَازِ جَمِيعِ النِّصَابِ مِنْهُمَا دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يُجْمَعَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ) لِنَقْصِ كُلٍّ عَنْ النِّصَابِ (فِي الزَّكَاةِ) رِفْقًا بِالْفُقَرَاءِ فَقَدْ مَضَتْ السُّنَّةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَمَّ الذَّهَبَ إلَى الْفِضَّةِ وَالْفِضَّةَ إلَى الذَّهَبِ وَأَخْرَجَ الزَّكَاةَ عَنْهُمَا» . ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى الْجَمْعِ قَوْلَهُ: (فَمَنْ كَانَ لَهُ) مِنْ الْوَرِقِ وَزْنُ (مِائَةِ دِرْهَمٍ) مِنْ الْفِضَّةِ (وَ) لَهُ مِنْ الذَّهَبِ وَزْنُ (عَشْرَةِ دَنَانِيرَ) أَوْ عِنْدَهُ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَعِنْدَهُ دِينَارٌ يُسَاوِي عِشْرِينَ دِرْهَمًا (فَلْيُخْرِجْ مِنْ كُلِّ مَالٍ رُبْعَ عُشْرِهِ) لَكِنْ بِالتَّجْزِئَةِ وَالْمُقَابَلَةِ بِأَنْ يَجْعَلَ كُلَّ دِينَارٍ فِي مُقَابَلَةِ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ دِينَارَ الزَّكَاةِ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ لَا بِالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا فَأَكْثَرَ وَمُجْمَعٍ مِنْهُمَا بِالْجُزْءِ رُبْعُ الْعُشْرِ وَإِنْ لِطِفْلٍ أَوْ مَجْنُونٍ.
١ -
стр. 329
الْعُرُوضِ حَتَّى تَكُونَ لِلتِّجَارَةِ
فَإِذَا بِعْتهَا بَعْد حَوْلٍ فَأَكْثَرَ مِنْ يَوْمِ أَخَذْت ثَمَنَهَا أَوْ زَكَّيْته فَفِي ثَمَنِهَا الزَّكَاةُ لِحَوْلٍ وَاحِدٍ أَقَامَتْ قَبْلَ الْبَيْعِ حَوْلًا أَوْ أَكْثَرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُدِيرًا لَا يَسْتَقِرُّ بِيَدِك عَيْنٌ وَلَا عَرَضٌ فَإِنَّك تُقَوِّمُ عُرُوضَك كُلَّ عَامٍ وَتُزْكِي ذَلِكَ مَعَ مَا بِيَدِك مِنْ الْعَيْنِ
وَحَوْلُ رِبْحِ الْمَالِ حَوْلُ أَصْلِهِ وَكَذَلِكَ حَوْلُ نَسْلِ الْأَنْعَامِ حَوْلُ الْأُمَّهَاتِ
وَمَنْ لَهُ مَالٌ
ــ
[الفواكه الدواني]
تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: رُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَلْيُخْرِجْ مِنْ كُلٍّ عَدَمُ جَوَازِ إخْرَاجِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ إخْرَاجُ ذَهَبٍ عَنْ وَرِقٍ وَعَكْسُهُ بِصَرْفِ وَقْتِهِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا إخْرَاجُ الْفُلُوسِ الْجُدُدِ عَنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ فَلَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً وَيُجْزِئُ بَعْدَ الْوُقُوعِ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي نَوَادِرِهِ.
الثَّانِي: فُهِمَ مِنْ جَعْلِ الْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ مُقَابِلَةً لِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ أَنَّ صَرْفَ دِينَارِ الزَّكَاةِ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ كَدِينَارِ الْجِزْيَةِ بِخِلَافِ صَرْفِ دِينَارِ غَيْرِهِمَا فَإِنَّهُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا.
[زَكَاة عُرُوض التِّجَارَة]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْحُبُوبِ وَالْعَيْنِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعُرُوضِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا زَكَاةَ فِي) أَعْوَاضِ (الْعُرُوضِ) وَمِثْلُهَا الْكُتُبُ وَالْحَدِيدُ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا زَكَاةَ فِي أَعْيَانِهَا، وَالْمُرَادُ بِالْعُرُوضِ هُنَا مَا عَدَا النُّقُودِ وَمَاشِيَةُ الْأَنْعَامِ وَأُلْحِقَ بِهَا مَا فِي عَيْنِهِ الزَّكَاةُ وَنَقَصَ عَنْ النِّصَابِ أَوْ كَمُلَ، وَأُخْرِجَتْ زَكَاةُ عَيْنِهِ كَالْحَبِّ الْمُزَكَّى حِينَ التَّصْفِيَةِ فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ زَكَاةُ عَيْنِهِ مَرَّةً أُخْرَى، وَإِنَّمَا قُدِّرَتْ فِي أَعْوَاضِ الْعُرُوضِ؛ لِأَنَّ ذَاتَ الْعُرُوضِ لَا زَكَاةَ فِيهَا وَلَوْ نَوَى بِهَا الْمَالِكُ التِّجَارَةَ. (حَتَّى تَكُونَ) أَيْ تَصِيرَ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتُ (لِلتِّجَارَةِ) بِأَنْ يَنْوِيَ حِينَ اسْتِحْدَاثِ مِلْكِهِ التِّجَارَةَ فَإِنَّهُ يُخَاطَبُ بِزَكَاةِ عِوَضِهِ إذَا بَاعَهُ وَلَوْ صَاحَبَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ غَيَّرَهَا كَنِيَّةِ قِنْيَةٍ أَوْ غَلَّةٍ أَوْ هُمَا، وَأَمَّا لَوْ اسْتَحْدَثَ مِلْكَهُ بِنِيَّةِ الْقِنْيَةِ أَوْ الِاغْتِلَالِ أَوْ بِلَا نِيَّةٍ أَصْلًا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا زَكَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَلَا عَبْدِهِ» . وَاعْلَمْ أَنَّ التِّجَارَةَ عَلَى قِسْمَيْنِ: إمَّا احْتِكَارٌ بِأَنْ يَنْتَظِرَ بِالْبَيْعِ الرِّبْحَ وَيَرْصُدَ الْأَسْوَاقَ، وَإِمَّا إدَارَةٌ يَبِيعُ وَلَوْ بِالرُّخْصِ، وَلِلْقِسْمَيْنِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ، أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ الْعَرْضَ مُلِكَ بِمُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ، لَا إنْ مُلِكَ بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ بِمُعَاوَضَةٍ غَيْرِ مَالِيَّةٍ. كَالْمَأْخُوذِ مِنْ خُلْعٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ إذَا بَاعَهُ وَلَوْ نَوَى بِهِ حِينَ تَمَلَّكَهُ التِّجَارَةَ بَلْ ثَمَنُهُ فَائِدَةٌ يَسْتَقْبِلُ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ، فَلَوْ أَخَّرَ ثَمَنَهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَلَوْ أَخَّرَ قَبْضَهُ هُرُوبًا مِنْ الزَّكَاةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ نَوَى بِشِرَائِهِ التِّجَارَةَ وَلَوْ صَاحَبَ نِيَّتَهَا نِيَّةُ غَيْرِهَا كَمَا قَدَّمْنَا. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ عَيْنًا اشْتَرَاهُ بِهَا وَلَوْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ أَوْ عَرْضًا مَلَكَهُ بِمُعَاوَضَةٍ وَلَوْ لِلْقِنْيَةِ ثُمَّ بَاعَهُ وَاشْتَرَى بِهِ ذَلِكَ الْعَرْضَ بِقَصْدِ التِّجَارَةِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ الْعَرْضَ بِعَيْنٍ لَا أَنْ يَبِيعَهُ أَوْ بَاعَهُ بِغَيْرِ عَيْنٍ، إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِبَيْعِهِ بِغَيْرِ الْعَيْنِ الْهُرُوبَ مِنْ الزَّكَاةِ، وَالْبَيْعُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَقِيقِيِّ مِنْهُ وَالْمَجَازِيِّ بِأَنْ يَسْتَهْلِكَهُ شَخْصٌ وَيَأْخُذَ التَّاجِرُ قِيمَتَهُ، لَكِنْ إنْ كَانَ التَّاجِرُ مُحْتَكِرًا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَبِيعَ بِنِصَابٍ؛ لِأَنَّ عُرُوضَ الِاحْتِكَارِ لَا تُقَوَّمُ، وَإِنْ كَانَ مُدِيرًا فَيَكْفِي فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي حَقِّهِ مُطْلَقُ الْبَيْعِ وَلَوْ كَانَ ثَمَنُ مَا بَاعَهُ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْوِيمُ بَقِيَّةِ عُرُوضِهِ
[زَكَاة عُرُوضِ الِاحْتِكَارِ]
، وَبَدَأَ بِحُكْمِ عُرُوضِ الِاحْتِكَارِ بِقَوْلِهِ: (فَإِذَا بِعْتهَا) أَوْ اسْتَهْلَكَهَا شَخْصٌ وَأَخَذْت قِيمَتَهَا أَيْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِكَارِ (بَعْدَ حَوْلٍ فَأَكْثَرَ) ابْتِدَاؤُهُ (مِنْ يَوْمِ أَخَذْت) أَيْ مَلَكْت (ثَمَنَهَا) إنْ لَمْ تَكُنْ زَكَّيْته (أَوْ) مِنْ يَوْمِ (زَكَّيْته فَفِي ثَمَنِهَا الزَّكَاةُ) حَيْثُ كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا لَا إنْ كَانَ عَرْضًا، إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِأَخْذِ الْعَرْضِ ثَمَنًا الْهُرُوبَ مِنْ الزَّكَاةِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ (لِحَوْلٍ وَاحِدٍ) سَوَاءٌ (أَقَامَتْ قَبْلَ الْبَيْعِ حَوْلًا أَوْ أَكْثَرَ) وَيُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى الْمُحْتَكِرِ أَنْ يَكُونَ بَاعَ بِنِصَابٍ كَمَا قَدَّمْنَا، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: بِعْتهَا بَعْدَ حَوْلٍ عَمَّا لَوْ بَاعَهَا قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ فَإِنَّهُ لَا يُزَكِّي إلَّا بَعْدَ تَمَامِهِ.
(تَنْبِيهَانِ) : الْأَوَّلُ: إذَا عَرَفْت مَا قَدَّمْت لَك مِنْ الشُّرُوطِ ظَهَرَ لَك مَا فِي كَلَامِهِ مِنْ الْإِجْمَالِ الْحَامِلِ عَلَيْهِ الِاخْتِصَارُ.
الثَّانِي: رُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ بِالْعِنَايَةِ جَوَازُ الِاحْتِكَارِ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ وَلَوْ فِي الْأَطْعِمَةِ، لَكِنْ يُفِيدُ الْجَوَازَ بِمَا إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ بِالنَّاسِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ جَمِيعَ مَا فِي السُّوقِ بِحَيْثُ لَا يَتْرُكُ لِغَيْرِهِ شَيْئًا مِمَّا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ فَيُمْنَعُ، وَلَا يُمْكِنُ إلَّا مِنْ شِرَاءِ قَدْرِ حَاجَتِهِ، وَثَنَّى بِالْكَلَامِ عَلَى عُرُوضِ الْإِعَارَةِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ تَكُونَ مُدِيرًا) أَيْ حَرِيصًا عَلَى سُرْعَةِ الْبَيْعِ بِحَيْثُ (لَا يَسْتَقِرُّ) أَيْ لَا يَمْكُثُ (بِيَدِك عَيْنٌ وَلَا عَرْضٌ) بَلْ تَبِيعُ وَلَوْ بِلَا رِبْحٍ وَتَخْلُفُهُ بِغَيْرِهِ كَالْعَطَّارِينَ وَالزَّيَّاتِينَ وَنَحْوِهِمْ مِنْ كُلِّ مَا لَا يَرْصُدُ الْأَسْوَاقَ. (فَإِنَّك) يَا مُدِيرُ إذَا بِعْت بِنَقْدٍ وَلَوْ دِرْهَمًا (تُقَوِّمُ عُرُوضَك) قِيمَةَ عَدْلٍ تُرَاعِي فِيهَا الزَّمَانَ وَالْمَكَانَ فِي (كُلِّ عَامٍ) وَالتَّقْوِيمُ عَامٌّ فِي سَائِرِ عُرُوضِهِ الْمُعَدَّةِ لِلتِّجَارَةِ وَلَوْ طَعَامَ سَلَمٍ وَلَوْ بَارَتْ عِنْدَهُ سِنِينَ؛ لِأَنَّ بَوَارَهَا وَكَسَادَهَا لَا يَنْقُلُهَا لِلْقِنْيَةِ وَلَا لِلِاحْتِكَارِ، وَكَذَا دُيُونُهُ الَّتِي عَلَى النَّاسِ الْمُؤَجَّلَةُ الْكَائِنَةُ مِنْ بَيْعٍ كَانَتْ عُرُوضًا أَوْ نُقُودًا حَيْثُ كَانَتْ مَرْجُوَّةً، لَكِنَّ الْعَرْضَ يَوْمٌ بِعَيْنٍ وَالنَّقْدَ بِعَرْضٍ ثُمَّ بِنَقْدٍ لَا دُيُونُهُ الْغَيْرُ الْمَرْجُوَّةِ، وَلَا دَيْنُ الْقَرْضِ أَوْ دُيُونُهُ الْكَائِنَةُ مِنْ بَيْعٍ إذَا كَانَتْ مِنْ النَّقْدِ الْحَالِّ الْمَرْجُوِّ فَالْمُعْتَبَرُ عَدَدُهَا، وَأَمَّا دَيْنُ الْقَرْضِ فَلَا يُزَكَّى إلَّا بَعْدَ قَبْضِهِ لِسَنَةٍ مِنْ أَصْلِهِ وَلَوْ مَكَثَ أَعْوَامًا عَلَى الْمَدِينِ.
(وَ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّقْوِيمِ (تُزَكِّي ذَلِكَ) الْقَدْرَ الْمَجْمُوعَ مِنْ الْقِيَمِ (مَعَ مَا بِيَدِك مِنْ الْعَيْنِ) النَّاضَّةِ عِنْدَك وَكَذَلِكَ
стр. 330
تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ أَوْ يَنْقُصُهُ وَعَنْ مِقْدَارِ مَالِ الزَّكَاةِ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِمَّا لَا يُزَكَّى مِنْ
ــ
[الفواكه الدواني]
النَّقْدُ الْحَالُّ الْمَرْجُوُّ وَالْمُعَدُّ لِلنَّمَاءِ، لَا إنْ كَانَ سَلَفًا عَلَى النَّاسِ فَلَا يُعْتَبَرُ عَدَدُ الْحَالِّ مِنْهُ، وَلَا يُقَوَّمُ الْمُؤَجَّلُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَتَأَوَّلَتْهُ الْمُدَوَّنَةُ بِتَقْوِيمِ الْمُؤَجَّلِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ الْمُدِيرَ لَا يَلْزَمُهُ تَقْوِيمُ عُرُوضِهِ إلَّا إنْ بَاعَ شَيْئًا وَلَوْ بِدِرْهَمٍ حَيْثُ قَبَضَهُ وَلَوْ أَتْلَفَهُ سَرِيعًا بَعْدَ قَبْضِهِ، لَا إنْ لَمْ يَبِعْ شَيْئًا أَوْ بَاعَ عُرُوضَهُ بِعُرُوضٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِالْبَيْعِ بِالْعُرُوضِ الْهُرُوبَ مِنْ الزَّكَاةِ.
الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كُلَّ عَامِ لَمْ يُبَيِّنْ أَوَّلَ الْعَامِ إحَالَةً عَلَى الْمُحْتَكِرِ مِنْ أَنَّهُ يُزَكِّي مِنْ يَوْمِ تَزْكِيَةِ الْأَصْلِ أَوْ مِلْكِهِ.
١ -
الثَّالِثُ: لَوْ بَاعَ الْعُرُوضَ بَعْدَ التَّقْوِيمِ فَزَادَ ثَمَنَهَا عَلَى قِيمَتِهَا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي الزِّيَادَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: ثُمَّ زِيَادَتُهُ مُلْغَاةٌ بِخِلَافِ حُلِيِّ التَّجْرِ، كَمَا أَنَّهَا لَوْ بِيعَتْ بِبَخْسٍ فَلَا تُسْتَرَدُّ الزِّيَادَةُ مِنْ الْفَقِيرِ.
١ -
الرَّابِعُ: لَوْ كَانَ الْمُدِيرُ كَافِرًا وَأَسْلَمَ وَبَاعَ بِعَيْنٍ فَهَلْ يُقَوِّمُ عُرُوضَهُ لِحَوْلٍ مِنْ يَوْمِ إسْلَامِهِ أَوْ يَسْتَقْبِلُ بِثَمَنِهِ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ الْقَبْضِ؟ قَوْلَانِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ الْمُحْتَكِرُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ بِالثَّمَنِ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ الْقَبْضِ قَوْلًا وَاحِدًا كَالْفَائِدَةِ
، وَأَمَّا الْعَيْنُ لَا تُزَكَّى كَغَيْرِهَا إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ عَامٍ، وَكَانَ حَوْلُ الرِّبْحِ وَالنِّتَاجِ حَوْلَ أَصْلِهِ قَالَ: (وَحَوْلُ رِبْحِ الْمَالِ حَوْلُ أَصْلِهِ) فَيُضَمُّ لِأَصْلِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَضَمُّ الرِّبْحِ لِأَصْلِهِ كَغَلَّةِ مُكْتَرٍ لِلتِّجَارَةِ وَلَوْ رِبْحَ دَيْنٍ لَا عِوَضَ لَهُ عِنْدَهُ، فَإِذَا اسْتَلَفَ قَدْرًا وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ وَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً ثُمَّ بَاعَهَا بِزِيَادَةٍ عَلَى مَا تَسَلَّفَهُ عِشْرِينَ دِينَارًا مَثَلًا بَعْد حَوْلٍ مِنْ يَوْمِ السَّلَفِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِقَدْرٍ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ بَاعَهَا بَعْدَ حَوْلٍ بِثَمَنٍ زَائِدٍ عَلَى ثَمَنِهَا نِصَابًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَفَائِدَةُ بِنَاءِ حَوْلِهِ عَلَى حَوْلِ أَصْلِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَصْلُهُ مِنْ نِصَابٍ وَكَمُلَ بِهِ النِّصَابُ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ كَامِنٌ فِي أَصْلِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ رِبْحِ الْفَوَائِدِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهِ كَمَا يَسْتَقْبِلُ بِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَاسْتَقْبَلَ بِفَائِدَةٍ تَجَدَّدَتْ لَا عَنْ مَالٍ كَعَطِيَّةِ أَوْ غَيْرِ مُزَكًّى كَثَمَنِ مُقْتَنًى، وَحَقِيقَةُ رِبْحِ الْمَالِ الَّذِي حَوْلُهُ حَوْلُ أَصْلِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ زَائِدُ ثَمَنٍ مُبِيحٍ تَجُرُّ عَلَى ثَمَنِهِ الْأَوَّلِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً. (تَنْبِيهٌ) : لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ ﵀ حَوْلَ أَصْلِهِ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا تَسَلَّفَهَا، أَوْ عَرْضَا تَسَلَّفَهُ، أَوْ عَرَضًا اشْتَرَاهُ لِلتِّجَارَةِ، أَوْ عَرَضًا اشْتَرَاهُ لِلْقِنْيَةِ، وَبَدَا لَهُ التَّجْرُ فِيهِ، فَالْحَوْلُ فِي الْأَوَّلِ مِنْ يَوْمِ الْقَرْضِ، وَفِي الثَّانِي مِنْ يَوْمِ التَّجْرِ، وَفِي الثَّالِثِ مِنْ يَوْمِ الشِّرَاءِ.
وَفِي الرَّابِعِ مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ (وَكَذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ رِبْحِ الْمَالِ (حَوْلُ نَسْلِ الْأَنْعَامِ) هُوَ (حَوْلُ الْأُمَّهَاتِ) وَلَوْ كَانَتْ الْأُمَّهَاتُ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ ثَلَاثٌ مِنْ الْإِبِلِ فَوَلَدَتْ مَا يُكْمِلُ النِّصَابَ أَوْ كَانَ عِنْدَهُ عِشْرُونَ مِنْ الضَّأْنِ فَوَلَدَتْ تَمَامَ النِّصَابِ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ بَعْدَ تَمَامِ حَوْلِ الْأُمَّهَاتِ، لِأَنَّ نَسْلَ الْحَيَوَانِ كَرِبْحِ الْمَالِ يُضَمُّ لِأَصْلِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ النَّسْلُ مِنْ غَيْرِ نَوْعِ الْأُمَّهَاتِ فَلَوْ نَتَجَتْ الْإِبِلُ غَنَمًا أَوْ الْبَقَرُ إبِلًا نِصَابًا لَكَانَ حَوْلُ النَّسْلِ حَوْلَ الْأُمَّهَاتِ، لَكِنْ يُرَاعَى النِّصَابُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِتَكْمِيلِ النِّصَابِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ النَّسْلُ مِنْ نَوْعِ الْأَصْلِ، فَلَا تُضَمُّ الْإِبِلُ لِلْبَقَرِ وَلَا عَكْسُهُ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ.
(خَاتِمَةٌ) لَمْ يُنَبِّهْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مَا لَوْ اسْتَفَادَ شَيْئًا وَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ مَا اسْتَفَادَهُ عَيْنًا بِأَنْ وَرِثَ نَقْدًا أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ بَاعَ دَارًا أَوْ ثَوْبًا أَوْ قَبَضَ أُجْرَةً فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ الْقَبْضِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَاسْتَقْبَلَ بِفَائِدَةٍ تَجَدَّدَتْ لَا عَنْ مَالٍ كَعَطِيَّةٍ أَوْ ثَمَنِ غَيْرِ مُزَكًّى، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَا اسْتَفَادَهُ مَاشِيَةً فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ نَوْعِهَا نِصَابٌ ضَمَّهَا إلَيْهِ وَزَكَّاهَا لِحَوْلِ الْأَصْلِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَضُمَّتْ الْفَائِدَةُ لَهُ وَإِنْ قَبْلَ حَوْلِهِ بِيَوْمٍ لَا لِأَقَلَّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ فَائِدَةِ الْعَيْنِ وَفَائِدَةِ الْمَاشِيَةِ أَنَّ زَكَاةَ الْمَاشِيَةِ مَوْكُولَةٌ لِلسَّاعِي فَلَوْ لَمْ تُضَمَّ لَخَرَجَ السَّاعِي فِي كُلِّ زَمَنٍ وَفِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ زَكَاةِ الْعَيْنِ فَإِنَّهَا مَوْكُولَةٌ لِأَرْبَابِهَا
. وَلَمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعَيْنِ عَدَمُ الدَّيْنِ قَالَ: (وَمَنْ لَهُ مَالٌ) أَيْ مِنْ الْعَيْنِ (تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ) لِكَوْنِهِ نِصَابًا (وَ) لَكِنْ (عَلَيْهِ دَيْنُ مِثْلِهِ) أَيْ قَدْرُهُ كَأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ عِشْرُونَ دِينَارًا وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا أَوْ مَا قِيمَتُهُ ذَلِكَ (أَوْ) أَقَلُّ مِنْهُ لَكِنْ (يُنْقِصُهُ عَنْ مِقْدَارِ مَالِ الزَّكَاةِ) أَيْ عَنْ النِّصَابِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ عِشْرُونَ دِينَارًا وَعَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ (فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ) لِخَبَرِ: «إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ» وَلِمَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَقْضِهِ فَإِنْ فَضَلَ لَهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلْيُزْكِهِ ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ. (تَنْبِيهٌ) : ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ فِي الدَّيْنِ شُمُولُهُ لِدَيْنِ الزَّكَاةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِذَا تَجَمَّدَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ مَا يُعَادِلُ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعَيْنِ النِّصَابَ أَوْ يُنْقِصَهُ عَنْ النِّصَابِ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَشُمُولُهُ لِلْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ، وَلَوْ مَهْرَ زَوْجَتِهِ الْمُؤَجَّلَ لِمَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَاهُ لَا دَيْنَ كَفَّارَةٍ أَوْ هَدْيٍ أَوْ نَذْرٍ فَلَا يُسْقِطُ زَكَاةَ مَا عِنْدَهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ دَيْنَ الزَّكَاةِ تَتَوَجَّهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ مِنْ الْإِمَامِ الْعَادِلِ وَتُؤْخَذُ وَلَوْ كَرْهًا، بِخِلَافِ نَحْوِ الْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ. وَلَمَّا كَانَ إسْقَاطُ
стр. 331
عُرُوضٍ مُقْتَنَاةٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ حَيَوَانٍ مُقْتَنَاةٍ أَوْ عَقَارٍ أَوْ رَيْعٍ مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِدَيْنِهِ فَلْيُزَكِّ مَا بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ تَفِ عُرُوضُهُ بِدَيْنِهِ حَسَبَ بَقِيَّةِ دَيْنِهِ فِيمَا بِيَدِهِ فَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّاهُ
وَلَا يُسْقِطُ الدَّيْنُ زَكَاةَ حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ وَلَا مَاشِيَةٍ
وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي دَيْنٍ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَإِنْ أَقَامَ أَعْوَامًا فَإِنَّمَا يُزَكِّيهِ لِعَامٍ وَاحِدٍ بَعْدَ قَبْضِهِ وَكَذَلِكَ الْعَرْضُ حَتَّى يَبِيعَهُ وَإِنْ
ــ
[الفواكه الدواني]
الدَّيْنِ الزَّكَاةِ مِنْ الْعَيْنِ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ وُجُودِ مَا يُجْعَلُ فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ مِنْ الْعُرُوضِ قَالَ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ) أَيْ مَنْ لَهُ مَالُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ قَدْرُهُ وَلَا يَنْقُصُ النِّصَابُ (مِمَّا لَا يُزَكَّى) وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ عُرُوضٍ مُقْتَنَاةٍ) كَثِيَابٍ (أَوْ رَقِيقٍ أَوْ حَيَوَانٍ مُقْتَنًى أَوْ عَقَارٍ أَوْ رُبْعِ مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِدَيْنِهِ) أَوْ مُعَشَّرٍ وَإِنْ زُكِّيَ أَوْ مَعْدِنٍ أَوْ قِيمَةِ كِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ (فَلْيُزَكِّ مَا بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ) وَيُجْعَلُ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ حَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَا يُجْعَلُ فِي الدَّيْنِ. (تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِمَّا لَا يُزَكَّى إلَخْ الظَّرْفُ خَبَرُ يَكُونَ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاسْمِ وَمَا فِيهِ وَفَاءٌ اسْمُهَا مُؤَخَّرٌ، وَقَوْلُهُ مِمَّا لَا يُزَكَّى رُتْبَتُهُ التَّأْخِيرُ؛ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِمَا الْوَاقِعَةِ اسْمًا، فَفِي كَلَامِهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَا فِيهِ وَفَاءٌ مِمَّا لَا يُزَكَّى مِنْ عَرَضٍ إلَخْ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِدَيْنِهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ تَفِ عُرُوضُهُ) الَّتِي عِنْدَهُ (بِدَيْنِهِ) بِأَنْ زَادَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ عَلَى قِيمَةِ الْعُرُوضِ الَّتِي عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْعُرُوضَ فِي مُقَابَلَةِ بَعْضِهِ (حَسَبَ بَقِيَّةِ دَيْنِهِ) مِمَّا خَرَجَ عَنْ قِيمَةِ الْعَرَضِ (فِيمَا بِيَدِهِ) مِنْ الْمَالِ (فَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ) الْمَحْسُوبُ فِي الدَّيْنِ (مَا فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّاهُ) مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ ثَلَاثُونَ دِينَارًا وَعَلَيْهِ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَعِنْدَهُ مِنْ الْعُرُوضِ الَّتِي تُبَاعُ فِي الدَّيْنِ وَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مَا يُوفِي عَشْرَةً تَبْقَى عَشْرَةُ مِنْ الدَّيْنِ بِحَسَبِهَا وَيَأْخُذُهَا مِنْ الثَّلَاثِينَ الَّتِي عِنْدَهُ وَيُعْطِيهَا لِصَاحِبِ الدَّيْنِ يَبْقَى بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ عِشْرُونَ فَيُزَكِّيهَا، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ إذَا لَمْ يَبْقَ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ، مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ عِشْرُونَ وَعَلَيْهِ عِشْرُونَ دِينَارًا وَعِنْدَهُ مِنْ الْعُرُوضِ مَا يَفِي بِعَشْرَةٍ يَبْقَى مِنْ الدَّيْنِ عَشْرَةٌ يُعْطِيهَا مِنْ الْعِشْرِينَ الَّتِي عِنْدَهُ يَفْضُلُ لَهُ بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ عَشْرَةٌ لَا زَكَاةَ فِيهَا
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الدَّيْنَ إنَّمَا يُسْقِطُ زَكَاةَ الْعَيْنِ فَقَطْ ذَكَرَ مُحْتَرِزَهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُسْقِطُ الدَّيْنَ زَكَاةُ حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ وَلَا مَاشِيَةٍ) وَلَا مَعْدِنٍ وَلَا رِكَازٍ، فَمَنْ خَرَجَ مِنْ زَرْعِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أَوْ وَجَدَ فِي مَاشِيَتِهِ نِصَابًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَزِيدُ عَلَى قِيمَةِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ وَيُوَفِّي دَيْنَهُ مِنْ الْبَاقِي.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا تَسْقُطُ زَكَاةُ حَرْثٍ وَلَا مَاشِيَةٍ وَمَعْدِنٍ بِدَيْنٍ أَوْ فَقْدٍ أَوْ أَسْرٍ وَظَاهِرُهُ كَالْمُصَنِّفِ، وَلَوْ اسْتَدَانَ الدَّيْنَ لِإِحْيَاءِ الزَّرْعِ أَوْ الْمَاشِيَةِ أَوْ اسْتَعَانَ بِهِ عَلَى إخْرَاجِ الْمَعْدِنِ وَهُوَ كَذَلِكَ إذْ لَمْ يُقَيِّدْهُ أَحَدٌ فِيمَا نَعْلَمُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَبَيْنَ الْعَيْنِ أَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ ظَاهِرَةٌ وَزَكَاتُهَا مَوْكُولَةٌ إلَى السَّاعِي يَأْخُذُهَا قَهْرًا، بِخِلَافِ الْعَيْنِ فَإِنَّ زَكَاتَهَا مَوْكُولَةٌ إلَى أَمَانَةِ أَرْبَابِهَا لِخَفَائِهَا فَيُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي أَنَّ عَلَيْهِمْ دَيْنًا كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي إخْرَاجِهَا، وَهَذَا تَوْجِيهٌ لِمَا فَرَّقَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ قَالَ: لِأَنَّ السُّنَّةَ جَاءَتْ بِإِسْقَاطِ الدَّيْنِ لِزَكَاةِ الْعَيْنِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَبْعَثُونَ الْخُرَّاصَ وَالسُّعَاةَ وَلَا يُنْقِصُونَ شَيْئًا لِأَجْلِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَرَةٍ وَلَا مِنْ مَاشِيَةٍ وَكَانُوا يَسْأَلُونَهُمْ عَنْ الدَّيْنِ فِي الْعَيْنِ» .
١ -
. (تَنْبِيهٌ) : وَقَعَ الْخِلَافُ فِي إسْقَاطِ الدَّيْنِ لِصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَدَمُ إسْقَاطِهَا بِالدَّيْنِ لِوُجُوبِ تَسَلُّفِ الصَّاعِ عَنْهُ فِي الْحَالِّ لِلْقَادِرِ عَلَى وَفَائِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ خَلِيلٌ
. وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْمَدِينَ إذَا نَصَّ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ جَمِيعِ مَا عِنْدَهُ وَمَا لَهُ مِنْ الدَّيْنِ الْمَرْجُوِّ كُلَّ عَامٍ، بِخِلَافِ الْمُحْتَكِرِ إنَّمَا يُزَكِّي إذَا بَاعَ بِنِصَابٍ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ دَيْنِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُحْتَكِرِ وَمِثْلُهُ الْمُقْرِضُ (فِي دَيْنٍ) لَهُ عَلَى آخَرَ مَا دَامَ عَلَى الْمَدِينِ سَوَاءٌ كَانَ ثَمَنَ سِلْعَةٍ بَاعَهَا الْمُحْتَكِرُ أَوْ عَيْنًا أَقْرَضَهَا لَهُ. (حَتَّى يَقْبِضَهُ) عَيْنًا وَبَالَغَ عَلَى عَدَمِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أَقَامَ أَعْوَامًا) فَإِنْ قَبَضَهُ عَيْنًا (فَإِنَّمَا يُزَكِّيهِ لِعَامٍ وَاحِدٍ) مِنْ يَوْمِ مَلَكَ أَوْ زَكَّى الْأَصْلَ (بَعْد قَبْضِهِ) حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنَّمَا يُزَكَّى دَيْنٌ إنْ كَانَ أَصْلُهُ عَيْنًا بِيَدِهِ أَوْ عَرْضَ تِجَارَةٍ وَقُبِضَ عَيْنًا وَلَوْ بِهِبَةٍ أَوْ إحَالَةً لِسَنَةٍ مِنْ أَصْلِهِ، فَأَفَادَ أَنَّهُ إنَّمَا يُزَكَّى بِشُرُوطٍ: مِنْهَا أَنْ يَكُونَ أَصْلُ هَذَا الدَّيْنِ عَيْنًا بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ وَكِيلِهِ أَوْ عَرْضًا مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ فَأَقْرَضَ الْعَيْنَ أَوْ بَاعَ الْعَرْضَ، لَا إنْ كَانَتْ الْعَيْنُ بِيَدِ غَيْرِهِ مِنْ نَحْوِ إرْثٍ أَوْ كَانَ الْعَرْضُ الَّذِي بَاعَهُ عَرْضَ قِنْيَةٍ فَلَا زَكَاةَ إلَّا بَعْدَ اسْتِقْبَالِ حَوْلٍ مِنْ يَوْمِ قَبْضِ الْمَالِ الْمُورَثِ أَوْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ الَّتِي كَانَتْ لِلْقِنْيَةِ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَقْبِضَ الدَّيْنَ حَقِيقَةً وَهُوَ وَاضِحٌ، أَوْ حُكْمًا بِأَنْ وَهَبَهُ الْمُحْتَكِرُ لِغَيْرِ الْمَدِينِ وَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْمُحْتَكِرُ يُزَكِّيهِ لَكِنْ مِنْ غَيْرِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَاهِبُ أَرَادَ أَنَّ الزَّكَاةَ مِنْهُ وَأَوْلَى لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاهِبُ، وَأَمَّا لَوْ وَهَبَهُ لِلْمَدِينِ فَلَا زَكَاةَ عَلَى الْوَاهِبِ وَمِنْ الْقَبْضِ الْحُكْمِيِّ الْإِحَالَةُ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُحْتَكِرِ مِائَةُ دِينَارٍ عَلَى شَخْصٍ وَمَضَى لَهَا حَوْلٌ فَأَكْثَرُ وَعَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ حَالَ حَوْلُهَا فَأَحَالَ بِاَلَّتِي عَلَيْهِ عَلَى الَّتِي لَهُ، فَعَلَى الْمُحْتَكِرِ الْمُحِيلِ زَكَاةُ الْمِائَةِ الَّتِي لَهُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ، لِأَنَّ قَبُولَ الْمُحَالِ لِلْحَوَالَةِ بِمَنْزِلَةِ قَبْضِ الْمُحِيلِ، وَهَذَا
стр. 332
كَانَ الدَّيْنُ أَوْ الْعَرْضُ مِنْ مِيرَاثٍ فَلْيَسْتَقْبِلْ حَوْلًا بِمَا يَقْبِضُ مِنْهُ
وَعَلَى الْأَصَاغِرِ الزَّكَاةُ فِي أَمْوَالِهِمْ فِي الْعَيْنِ وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ وَزَكَاةُ الْفِطْرِ
وَلَا زَكَاةَ عَلَى عَبْدٍ وَلَا عَلَى مَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَإِذَا أُعْتِقَ فَلْيَأْتَنِفْ حَوْلًا مِنْ يَوْمئِذٍ بِمَا يَمْلِكُ مِنْ مَالِهِ
وَلَا زَكَاةَ عَلَى أَحَدٍ فِي عَبْدِهِ وَخَادِمِهِ وَفَرَسِهِ وَدَارِهِ وَلَا مَا يُتَّخَذُ لِلْقِنْيَةِ مِنْ الرِّبَاعِ وَالْعُرُوضِ
ــ
[الفواكه الدواني]
بِخِلَافِ الْمَالِ الْمَوْهُوبِ لَا يُزَكِّيهِ الْوَاهِبُ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الدَّيْنُ الْمُحَالُ بِهِ يُزَكِّيهِ ثَلَاثَةٌ فِي عَامٍ وَاحِدٍ: الْمُحِيلُ وَالْمُحَالُ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْمُحِيلَ يُزَكِّيهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ حَيْثُ كَانَ عِنْدَهُ مَا يَجْعَلُهُ فِي مُقَابَلَتِهِ وَالْمُحَالُ يُزَكِّيهِ مِنْهُ، وَمَفْهُومُ هَذَا الشَّرْطِ لَا زَكَاةَ وَلَوْ أَخَّرَ الْمُحْتَكِرُ قَبْضَهُ هُرُوبًا مِنْ الزَّكَاةِ وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَقْبِضَ عَيْنًا إنْ قَبَضَ عَرْضًا بَدَلَهُ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ بَيْعِهِ فَإِنَّهُ يُزَكِّيهِ لِسَنَةٍ مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْبُوضُ مِنْ الدَّيْنِ نِصَابًا أَوْ يَكُونُ عِنْدَهُ مَا يُكْمِلُ النِّصَابَ وَلَوْ فَائِدَةً جَمَعَهَا مَعَ الْمَقْبُوضِ مِلْكًا وَحَوْلًا، فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ وَجَبَتْ زَكَاتُهُ لِعَامٍ وَاحِدٍ مِنْ يَوْمِ مَلَكَ أَوْ زَكَّى أَصْلَهُ وَلَوْ تَلِفَ الْمَقْبُوضُ أَوَّلًا أَوْ آخِرًا أَوْ هُمَا حَيْثُ حَصَلَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْإِخْرَاجِ لَا إنْ تَلِفَ النِّصَابُ أَوْ بَعْضُهُ سَرِيعًا.
(تَنْبِيهٌ) : حَمَلْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى دَيْنِ الْقَرْضِ وَدَيْنِ الْمُحْتَكِرِ لِقَوْلِهِ: حَتَّى يَقْبِضَهُ؛ لِأَنَّ الْمُدِيرَ يُزَكِّي كُلَّ عَامٍ حَيْثُ نَضَّ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ وَلَوْ دِرْهَمًا، وَلَوْ الدَّيْنَ الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ، إمَّا عَدَدُهُ إنْ كَانَ نَقْدًا حَالًّا مَرْجُوًّا، وَإِمَّا قِيمَتُهُ إنْ كَانَ عَرْضًا أَوْ نَقْدًا مُؤَجَّلًا مَرْجُوًّا، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ إرْثٍ وَنَحْوِهِ فَسَيَأْتِي. ثُمَّ شَبَّهَ فِي دَيْنِ الْمُحْتَكِرِ قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ الْعَرْضُ) الَّذِي بِيَدِهِ لِلِاحْتِكَارِ لَا يُزَكِّيهِ (حَتَّى يَبِيعَهُ) بِعَيْنٍ وَيَكُونُ نِصَابًا فَيُزَكِّيهِ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ سَابِقًا: فَإِذَا بِعْتهَا بَعْدَ حَوْلٍ فَأَكْثَرَ مِنْ يَوْمِ أَخَذْت ثَمَنَهَا أَوْ زَكَّيْته، فَفِي ثَمَنِهَا الزَّكَاةُ لِحَوْلٍ وَاحِدٍ قَامَتْ قَبْلَ الْبَيْعِ حَوْلًا أَوْ أَكْثَرَ، فَتَلَخَّصَ مِنْ الْكَلَامِ السَّابِقِ أَنَّ الْمُدِيرَ يُزَكِّي كُلَّ سَنَةٍ إذَا نَضَّ لَهُ شَيْءٌ مَا مِنْ الْمَالِ وَيُقَوِّمُ عُرُوضَهُ، وَالْمُحْتَكِرُ لَا يُزَكِّي إلَّا إذَا بَاعَ بِنِصَابٍ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الدَّيْنِ النَّاشِئِ عَنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا كَانَ مِنْ إرْثٍ أَوْ هِبَةٍ فَقَالَ: (وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ أَوْ الْعَرْضُ) حَاصِلًا (مِنْ إرْثٍ) أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ أَوْ مَهْرٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ صُلْحٍ عَنْ دَمٍ خَطَأٍ أَوْ عَمْدٍ أَوْ عَمَلِ يَدٍ (فَلْيَسْتَقْبِلْ) الْمَالِكُ (حَوْلًا بِمَا يَقْبِضُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ ثَمَنِ مَا بَاعَهُ لِأَنَّهُ فَائِدَةٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَاسْتَقْبَلَ بِفَائِدَةٍ تَجَدَّدَتْ لَا عَنْ مَالٍ كَعَطِيَّةٍ أَوْ غَيْرِ مُزَكًّى كَثَمَنِ مُقْتَنًى، وَهُوَ كَقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي تَعْرِيفِهَا مَا مُلِكَ لَا عَنْ عِوَضٍ مُلِكَ لِتَجْرٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِقْبَالِ حَوْلًا كَامِلًا بِثَمَنِ مَا ذَكَرَ بَعْدَ قَبْضِهِ عَيْنًا، وَلَوْ فَرَّ بِتَأْخِيرِ الْقَبْضِ أَعْوَامًا قَالَ الْعَلَّامَةُ بَهْرَامُ شَامِلَةً، وَإِنْ وَرِثَ عَيْنًا اسْتَقْبَلَ بِهَا حَوْلًا كَامِلًا مِنْ قَبْضِهِ أَوْ قَبْضِ رَسُولِهِ، وَلَوْ أَقَامَ أَعْوَامًا أَوْ عَلِمَ بِهِ أَوْ وَقَفَ لَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ الْجَارِي عَلَى الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِمَا فِي خَلِيلٍ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ مَا يَتَحَصَّلُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ يَسْتَقْبِلُ بِهِ، وَمِثْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ مَا يَقْبِضُهُ مِنْ وَظَائِفِهِ أَوْ جَرَامِكَةٍ لِصِدْقِ حَدِّ الْفَائِدَةِ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا كَانَ الْخِطَابُ بِالزَّكَاةِ وَضْعِيًّا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَكْلِيفُ الْمَالِكِ قَالَ: (وَعَلَى الْأَصَاغِرِ) وَهُمْ غَيْرُ الْبَالِغِينَ وَمِثْلُهُمْ الْمَجَانِينُ (الزَّكَاةُ فِي أَمْوَالِهِمْ فِي الْحَرْثِ وَالْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ) لَكِنْ اتِّفَاقًا فِي الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ لِنُمُوِّهِمَا بِنَفْسِهِمَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْعَيْنِ، وَلِذَلِكَ قَالَ خَلِيلٌ فِي الْعَيْنِ: وَإِنْ لِطِفْلٍ أَوْ مَجْنُونٍ دَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] ظَاهِرُهَا الْعُمُومُ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «اتَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لِئَلَّا تَأْكُلَهَا الزَّكَاةُ» وَالْمُخَاطَبُ بِالْإِخْرَاجِ الْوَلِيُّ فَالْمُعْتَبَرُ مَذْهَبُهُ، فَإِذَا كَانَ مَذْهَبُهُ يَرَى الْوُجُوبَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ حَاكِمٌ أَوْ كَانَ مَذْهَبُهُ يَرَى الْوُجُوبَ فَلَا حَاجَةَ إلَى رَفْعٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَرَى سُقُوطَ الزَّكَاةِ عَنْ مَالِ الصَّغِيرِ فَلَا يُخْرِجُ حَتَّى يَرْفَعَ لِمَنْ يَرَى الْوُجُوبَ، كَمَا لَوْ جَهِلَ فَيَنْبَغِي الرَّفْعُ إلَيْهِ لَعَلَّهُ مِمَّنْ لَا يَرَى الزَّكَاةَ عَلَى الْأَصَاغِرِ فَيَمْنَعُهُمْ مِنْ إخْرَاجِهَا، كَمَا يَفْعَلُهُ بِخَمْرٍ يَجِدُهَا فِي التَّرِكَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَرَى تَحْلِيلَهَا لِإِرَاقَتِهَا فَيَضْمَنُهَا إنْ أَرَاقَهَا.
(وَ) عَلَى الْأَصَاغِرِ أَيْضًا (زَكَاةُ الْفِطْرِ) لَكِنَّ الْمُطَالَبَ بِالْإِخْرَاجِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ كَمَا يَأْتِي فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ،
وَلَمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ الْحُرِّيَّةُ قَالَ: (وَلَا زَكَاةَ عَلَى عَبْدٍ) لَا شَائِبَةَ حُرِّيَّةٍ فِيهِ (وَلَا عَمَّنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ) كَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَلَا فِيمَا يُرَبِّيهِ لِلتِّجَارَةِ بِلَا خِلَافٍ لِعَدَمِ تَمَامِ مِلْكِهِ، وَلَا زَكَاةَ عَلَى سَيِّدِهِ أَيْضًا فِيمَا بِيَدِهِ وَلَوْ انْتَزَعَهُ مِنْهُ اسْتَقْبَلَ بِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَى الْعَبْدِ فِي مَالِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] وَخَبَرُ لَا النَّافِيَةِ مُتَعَلِّقٌ (فِي ذَلِكَ) الْمُتَقَدِّمِ (كُلِّهِ) مِنْ حَرْثٍ وَمَاشِيَةٍ أَوْ عَيْنٍ، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ اسْمِ الْإِشَارَةِ زَكَاةُ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ الْبَابَ لِزَكَاةِ الْأَمْوَالِ. (فَإِذَا أُعْتِقَ) الْعَبْدُ وَلَمْ يَشْتَرِطْ سَيِّدُهُ أَخْذَ مَالِهِ (فَلْيَأْتَنِفْ حَوْلًا مِنْ يَوْمئِذٍ) أَيْ مِنْ يَوْمِ نَجَزَ عِتْقُهُ (بِمَا يَمْلِكُ) فِي الْحَالِ (مِنْ مَالِهِ) الَّذِي فِيهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ كَمَالِ مِلْكِهِ،
стр. 333
وَلَا فِيمَا يُتَّخَذُ لِلِّبَاسِ مِنْ الْحُلِيِّ
وَمَنْ وَرِثَ عَرْضًا أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ رُفِعَ مِنْ أَرْضِهِ زَرْعًا فَزَكَّاهُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يُبَاعَ وَيَسْتَقْبِلَ بِهِ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ يَقْبِضُ ثَمَنَهُ
وَفِيمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعْدِنِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ الزَّكَاةُ إذَا بَلَغَ
ــ
[الفواكه الدواني]
بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَنْ يُمَلِّكَ يُعَدُّ مَالِكًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاسْتِقْبَالَ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِي تَزْكِيَتِهِ مُرُورُ الْحَوْلِ كَالْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ، وَأَمَّا الثِّمَارُ وَالْحُبُوبُ فَيُنْظَرُ إنْ عَتَقَ قَبْلَ الطِّيبِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ عَتَقَ بَعْدَ الطِّيبِ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا: وَلَمْ يُشْتَرَطْ إلَخْ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ يَكُونُ لَهُ فِي الْعِتْقِ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ السَّيِّدُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ مَالَ الْعَبْدِ يَبْقَى لِسَيِّدِهِ بَعْدَ بَيْعِهِ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُشْتَرِي.
(تَنْبِيهٌ) : قَدْ عَلِمْت مِنْ قَوْلِنَا فِي الْحَالِّ دَفْعَ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ يَمْلِكُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَعْدَ الْعِتْقِ دُونَ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ فِي يَدِهِ حِينَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَأْتِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ، وَأَيْضًا قَرِينَةُ الْحَالِ تُعَيِّنُ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَالِ الْكَائِنِ بِيَدِهِ زَمَنَ الرِّقِّيَّةِ، فَنَسَخَهُ مَلَكَ بِلَفْظِ الْمَاضِي
. وَلَمَّا كَانَتْ الْمَاشِيَةُ الَّتِي فِي عَيْنِهَا الزَّكَاةُ بَهِيمَةَ الْأَنْعَامِ خَاصَّةً قَالَ: (وَلَا زَكَاةَ عَلَى أَحَدٍ فِي عَبْدِهِ) الذَّكَرِ (وَخَادِمِهِ) الْأُنْثَى وَلَوْ قَالَ فِي رَقِيقِهِ لَشَمَلَهَا (وَ) لَا زَكَاةَ عَلَى أَحَدٍ أَيْضًا فِي (فَرَسِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ: «إلَّا صَدَقَةَ الْفِطْرِ» .
(وَ) لَا زَكَاةَ عَلَى أَحَدٍ أَيْضًا فِي (دَارِهِ وَلَا فِيمَا يُتَّخَذُ لِلْقِنْيَةِ مِنْ الرِّبَاعِ وَالْعُرُوضِ الْمُقْتَنَاةِ) يَنْبَغِي رُجُوعُ الْمُقْتَنَاةِ لِكُلِّ مَا تَقَدَّمَ سِوَى الرِّبَاعِ، وَأَمَّا الْمُتَّخَذُ لِلتِّجَارَةِ مِنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ فَالزَّكَاةُ فِي قِيمَتِهِ أَوْ ثَمَنِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَنْوِيعِ التِّجَارَةِ إلَى إدَارَةٍ وَاحْتِكَارٍ وَالْمَنْفِيِّ زَكَاةُ عَيْنِهِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ التَّكْرَارِ. (وَلَا) زَكَاةَ أَيْضًا عَلَى أَحَدٍ (فِيمَا يُتَّخَذُ لِلِّبَاسِ مِنْ الْحُلِيِّ) الْمُبَاحِ سَوَاءٌ كَانَ مُقْتَنًى أَوْ مُتَّخَذًا لِلْكِرَاءِ كَانَ لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، وَسَوَاءً كَانَ بَاقِيًا عَلَى حَالِهِ أَوْ تَكَسَّرَ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ عَدَمَ إصْلَاحِهِ فَتَجِبُ زَكَاتُهُ كَمَا لَوْ تَهَشَّمَ وَلَوْ نَوَى إصْلَاحَهُ، وَقَيَّدْنَا بِالْمُبَاحِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُحَرَّمِ الِاسْتِعْمَالِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَلَوْ كَانَ مُرَصَّعًا عَلَى جَوْهَرٍ فَيُزَكَّى زِنَتُهُ إنْ أَمْكَنَ نَزْعُهُ بِغَيْرِ فَسَادٍ وَإِلَّا تَحَرَّى، وَالْمُحَرَّمُ عَلَى الْمَرْأَةِ غَيْرُ الْمَلْبُوسِ كَالْمِرْوَدِ وَالْمُكْحُلَةِ وَآلَةِ نَحْوِ الْأَكْلِ، وَعَلَى الرَّجُلِ خَاتَمُ الذَّهَبِ أَوْ الْخِنْجَرُ أَوْ الرِّكَابُ وَلَوْ كَانَ الْمُحَرَّمُ مُعَدًّا لِلْعَاقِبَةِ لِيُجْعَلَ صَدَاقًا أَوْ مَنْوِيًّا بِهِ التِّجَارَةُ، فَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ الزَّكَاةُ، وَلَيْسَ مِنْ الْحُلِيِّ مَا تَجْعَلُهُ الْمَرْأَةُ عَلَى رَأْسِهَا مِنْ الْقُرُوشِ أَوْ الْفِضَّةِ الْعَدَدِيَّةِ أَوْ الذَّهَبِ الْمَسْكُوكِ فَإِنَّ عَلَيْهَا فِيهِ الزَّكَاةَ، بِخِلَافِ مَا صَاغَتْهُ لِتُلَبِّسَهُ لِبِنْتِهَا إذَا كَبُرَتْ أَوْ وَجَدَتْ فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ يَشْتَرِي أَوْ يَصُوغُ حُلِيًّا لِمَا يُحْدِثُهُ اللَّهُ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ أَوْ الْإِمَاءِ فَعَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ.
(تَنْبِيهٌ) : حُلِيٌّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ عَلَى وَزْنِ ثَدْيٍ فَيَكُونُ مُفْرَدًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ فَيَكُونُ جَمْعًا، وَقَدْ تُكْسَرُ الْحَاءُ فِي الْجَمْعِ مِثْلَ عِصِيٍّ، وَقُرِئَ بِذَلِكَ ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا﴾ [الأعراف: ١٤٨] بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ.
(وَمَنْ وَرِثَ عَرْضًا أَوْ وُهِبَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرُ الْعَرْضِ وَالضَّمِيرُ فِي (لَهُ) : عَائِدٌ عَلَى مَنْ (أَوْ رَفَعَ) : بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيْ حَصَدَ (مِنْ أَرْضِهِ زَرْعًا فَزَكَّاهُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) : الْمَذْكُورِ مِنْ عَرْضٍ أَوْ زَرْعٍ فَمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ الزَّمَانِ وَلَوْ مَضَى أَعْوَامٌ. (حَتَّى يُبَاعَ) : ذَلِكَ الْمَذْكُورُ بِعَيْنِ نِصَابٍ. (وَيُسْتَقْبَلُ بِهِ) : أَيْ بِالثَّمَنِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْبَيْعِ (حَوْلًا مِنْ يَوْمِ يَقْبِضُ) : الْمَالِكُ (ثَمَنَهُ) ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ مَا ذُكِرَ كَالْفَائِدَةِ يَسْتَقْبِلُ بِهِ كَمَا مَرَّ، لَا إنْ لَمْ يَقْبِضْهُ وَلَوْ هَارِبًا أَوْ بَاعَ بِعُرُوضٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهٌ) : هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ لَمْ يَحْتَرِزْ الْمُصَنِّفُ بِهَا عَنْ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِزَكَاةِ عَيْنِ الْعُرُوضِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ ثَمَنَهَا بَعْدَ بَيْعِهَا فَائِدَةٌ يَجِبُ الِاسْتِقْبَالُ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ مِنْ زَرْعِهِ فَالتَّقْيِيدُ بِهِ بِالنَّظَرِ إلَى الْغَالِبِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ مَا اشْتَرَاهُ لِيَأْكُلَهُ أَوْ وَجَدَهُ نَابِتًا فِي الْجَبَلِ كَذَلِكَ لَا زَكَاةَ فِي عَيْنِهِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْحَبَّ الَّذِي يُزَكَّى مَا زَرَعَهُ الْإِنْسَانُ لَا مَا وَجَدَهُ نَابِتًا فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ فَإِنَّ هَذَا لَا زَكَاةَ فِيهِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: احْتَرَزَ بِذَلِكَ عَمَّا لَوْ اكْتَرَى أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ فَإِنَّهُ يُزَكِّيهِ مَرَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: زَكَاةُ عَيْنِهِ إنْ كَانَ نِصَابًا، وَالثَّانِيَةُ: ثَمَنُهُ إذَا بَاعَ بِنِصَابٍ بَعْدَ الْحَوْلِ إنْ كَانَ مُحْتَكِرًا، أَوْ يُقَوِّمُهُ كُلَّ سَنَةٍ إنْ كَانَ مُدِيرًا وَنَضَّ عِنْدَهُ شَيْءٌ كَمَا تَقَدَّمَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنْ اكْتَرَى وَزَرَعَ لِلتِّجَارَةِ زَكَّى ثُمَّ زَكَّى الثَّمَنَ لِحَوْلِ التَّزْكِيَةِ
[زَكَاة الْمَعَادِن]
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَعْدِنِ فَقَالَ: (وَفِيمَا يُخْرَجُ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَالنَّائِبُ ضَمِيرُ الْمُسْتَتِرِ فِي يُخْرَجُ عَائِدٌ عَلَى مَا (مِنْ الْمَعْدِنِ) : بِكَسْرِ الدَّالِ مِنْ عَدَنَ بِفَتْحِ الدَّالِ فِي الْمَاضِي يَعْدِنُ بِكَسْرِهَا فِي الْمُضَارِعِ إذَا أَقَامَ بِهِ.
قَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَالْقِيَاسُ إنْ كَانَ اسْمَ مَكَانِ الْفَتْحِ كَمَذْهَبٍ وَمَقْعَدٍ. ثُمَّ بَيَّنَ الْمُخْرَجَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (مَنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) : وَقَوْلُهُ: (الزَّكَاةُ) : بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ: فِيمَا يَخْرُجُ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ مَعْدِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْخَبَرَ لِلْحَصْرِ أَيْ لَا يُزَكَّى مِنْ الْمَعَادِنِ إلَّا مَعْدِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، كَقَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنَّمَا يُزَكَّى مَعْدِنُ عَيْنٍ لَا مَعْدِنُ نُحَاسٍ
стр. 334
وَزْنَ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ خَمْسَ أَوَاقٍ فِضَّةً فَفِي ذَلِكَ رُبُعُ الْعُشْرِ يَوْمَ خُرُوجِهِ وَكَذَلِكَ فِيمَا يَخْرُجُ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِهِ وَإِنْ قَلَّ فَإِنْ انْقَطَعَ نَيْلُهُ بِيَدِهِ وَابْتَدَأَ غَيْرَهُ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا حَتَّى يَبْلُغَ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ
وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ رِجَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ وَتُؤْخَذُ مِنْ الْمَجُوسِ وَمِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ
وَالْجِزْيَةُ عَلَى
ــ
[الفواكه الدواني]
وَلَا رَصَاصٍ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا زَكَاةَ فِي مَعَادِنِ الرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَالزَّرْنِيخِ وَاللُّؤْلُؤِ وَسَائِرِ الْجَوَاهِرِ، قَالَ فِي الْجَلَّابِ؛ لِأَنَّهَا عُرُوضٌ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ قَدْرَ النِّصَابِ مِنْ الْمَعْدِنِ كَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: (إذَا بَلَغَ) : الْخَارِجُ مِنْهُ (وَزْنَ عِشْرِينَ دِينَارًا) : إنْ كَانَ مَعْدِنَ ذَهَبٍ (أَوْ) : بَلَغَ وَزْنَ (خَمْسِ أَوَاقٍ فِضَّةً) : إنْ كَانَ مَعْدِنَ فِضَّةٍ، وَقَوْلُهُ: (فَفِي ذَلِكَ رُبْعُ الْعُشْرِ) : جَوَابُ إذَا الشَّرْطِيَّةِ وَالتَّقْدِيرُ: إذَا خَرَجَ مِنْ مَعْدِنِ الْعَيْنِ النِّصَابُ فَفِيهِ رُبْعُ الْعُشْرِ لَا الْخُمُسُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَلَمَّا كَانَ الْحَوْلُ لَا يُشْتَرَطُ فِي زَكَاةِ الْمَعْدِنِ قَالَ: (يَوْمَ خُرُوجِهِ) : وَقِيلَ: إنَّمَا تَجِبُ بِتَصْفِيَتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِإِخْرَاجِهِ أَوْ تَصْفِيَتِهِ تَرَدُّدٌ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ إذَا رَفَعَ مِنْ الْمَعْدِنِ شَيْئًا وَلَمْ يَضَعْهُ إلَّا بَعْدَ حَوْلٍ مِنْ يَوْمِ خُرُوجِهِ، فَمَنْ قَالَ: الْوُجُوبُ بِالتَّصْفِيَةِ يَقُولُ بِزَكَاتِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَمَنْ قَالَ: الْوُجُوبُ بِخُرُوجِهِ كَالْمُصَنِّفِ يَقُولُ يُزَكِّيهِ مَرَّتَيْنِ، وَتَظْهَرُ أَيْضًا فِيمَا لَوْ أَنْفَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ وَقَبْلَ التَّصْفِيَةِ هَلْ يُحْسَبُ أَمْ لَا؟ (وَكَذَلِكَ) : يَجِبُ رُبْعُ الْعُشْرِ (فِيمَا يَخْرُجُ) : مِنْهُ (بَعْدَ ذَلِكَ) : أَيْ بَعْدَ تَمَامِ النِّصَابِ حَيْثُ خَرَجَ (مُتَّصِلًا بِهِ) : بِأَنْ كَانَ بَعْضَ الْخَارِجِ لِكَوْنِهِ مِنْ عِرْقِهِ (وَإِنْ قَلَّ) : قَالَ خَلِيلٌ: وَضَمُّ بَقِيَّةِ عِرْقِهِ وَإِنْ تَرَاخَى الْعَمَلُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ زَكَاةُ الْخَارِجِ بَعْدَ تَمَامِ النِّصَابِ وَإِنْ قَلَّ؛ لِأَنَّهُ كَالدَّيْنِ يُزَكَّى الْمَقْبُوضُ مِنْهُ بَعْدَ النِّصَابِ وَإِنْ قَلَّ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ مُتَّصِلٍ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ انْقَطَعَ نِيلُهُ) : أَيْ عِرْقُهُ الَّذِي فِي الْمَعْدِنِ؛ لِأَنَّ النِّيلَ يُسَمَّى عِرْقًا بِأَنْ تَرَكَ الْعَمَلَ (بِيَدِهِ وَابْتَدَأَ غَيْرُهُ لَمْ) : يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ (يُخْرِجَ شَيْئًا حَتَّى يَبْلُغَ) : الْخَارِجُ (مَا فِيهِ الزَّكَاةُ) : بِأَنْ بَلَغَ نِصَابًا؛ لِأَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ مَعْدِنٍ أَوْ عِرْقٍ لَا يُضَمُّ لِغَيْرِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا مَعَادِنَ وَلَا عِرْقَ لِآخَرَ بَلْ يُعْتَبَرُ كُلُّ عِرْقٍ عَلَى حِدَتِهِ وَإِنْ تَرَاخَى الْعَمَلُ فِيهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ ثَلَاثٌ، إحْدَاهَا: أَنْ يَتَّصِلَ الْعَمَلُ وَالنَّيْلُ وَيَخْرُجُ نِصَابٌ فَالزَّكَاةُ حَتَّى فِي الْخَارِجِ بَعْدَ النِّصَابِ وَإِنْ قَلَّ. ثَانِيهَا: أَنْ يَنْقَطِعَ النَّيْلُ وَيَتَّصِلَ الْعَمَلُ فَالْمَذْهَبُ لَا زَكَاةَ فِي الثَّانِي حَتَّى يَبْلُغَ نِصَابًا لَا أَقَلَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُضَمُّ نِيلٌ لِغَيْرِهِ. ثَالِثُهَا: أَنْ يَنْقَطِعَا مَعًا فَلَا زَكَاةَ فِي الثَّانِي حَتَّى يَبْلُغَ نِصَابًا اتِّفَاقًا.
١ -
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: يُسْتَثْنَى مِنْ الْمَعْدِنِ النَّدْرَةُ فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا الْخُمُسُ لَا الزَّكَاةُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي نَدْرَتِهِ الْخُمُسُ كَالرِّكَازِ، وَالنَّدْرَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْقِطْعَةُ الْخَالِصَةُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ، وَيُدْفَعُ ذَلِكَ الْخُمُسُ لِلْإِمَامِ إنْ كَانَ عَدْلًا وَإِلَّا فُرِّقَ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَعْدِنِ يَقْطَعُهَا الْإِمَامُ لِمَنْ شَاءَ.
١ -
الثَّانِي: فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ يُزَكَّى الْخَارِجُ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْوَاجِدِ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِأَنْ يَكُون حُرًّا مُسْلِمًا؛ لِأَنَّ الْمَعْدِنَ شَبِيهٌ بِالزَّرْعِ لَا يُزَكِّيهِ نَصْرَانِيٌّ وَلَا عَبْدٌ.
الثَّالِثُ: إذَا كَانَ الْمُخْرِجُ لِلْمَعْدِنِ جَمَاعَةٌ اُعْتُبِرَ مِلْكُ كُلٍّ عَلَى انْفِرَادِهِ، كَالشُّرَكَاءِ فِي الزَّرْعِ أَوْ فِي الْمَاشِيَةِ أَوْ فِي الْعَيْنِ لَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّتُهُ نِصَابًا.
١ -
الرَّابِعُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ الْمَعَادِنِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْأَرَاضِي، وَالْحُكْمُ فِيهَا جَمِيعِهَا الْإِمَامُ يَقْطَعُهَا لِمَنْ يَشَاءُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحُكْمُهُ لِلْإِمَامِ يَقْطَعُهُ لِمَنْ يَعْلَمُ فِيهِ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ، إمَّا حَيَاةَ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ أَوْ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ، أَوْ يُوَكِّلُ مَنْ يَعْمَلُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا جُعِلَ لِلْإِمَامِ وَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ وَاجِدُهُ لِمَا يَحْصُلُ فِيهِ مِنْ الْهَرَجِ وَالْفِتَنِ بَيْنَ النَّاسِ، فَالْوَاجِدُ لَهُ لَا يَتَصَرَّفُ حَتَّى يُخْبِرَ بِهِ الْإِمَامَ وَيُمَكِّنُهُ مِنْهُ وَيَحُوزُهُ؛ لِأَنَّ عَطَايَا الْإِمَامِ تَفْتَقِرُ لِلْحَوْزِ كَعَطِيَّةِ غَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، إلَّا أَنْ يُوجَدَ فِي أَرْضِ الصُّلْحِ الْمَمْلُوكَةِ لِمُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِهِ فَحُكْمُهُ لِلْمُصَالِحِ أَوْ وَارِثِهِ لَا لِلْإِمَامِ.
[الْجِزْيَةَ وَشُرُوطهَا]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ غَيْرِ الْمَاشِيَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ تَأْخِيرَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا بَعْدَ الْجِهَادِ لِتَسَبُّبِهَا عَنْهُ، وَيُقَدِّمُ الْكَلَامَ عَلَى زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ وَالْفِطْرَةِ، وَتَنْقَسِمُ إلَى صُلْحِيَّةٍ وَعَنْوِيَّةٍ، فَالصُّلْحِيَّةُ مَا الْتَزَمَ كَافِرٌ مَنْعَ نَفْسِهِ أَدَاءَهُ عَلَى إبْقَائِهِ بَلْدَةً تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ بِحَيْثُ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ، وَالْعَنْوِيَّةُ مَا لَزِمَ الْكَافِرَ مِنْ مَالٍ لِأَمْنِهِ بِاسْتِقْرَارِهِ تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَصَوْنِهِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمُجَازَاةِ، وَالْجَزَاءُ بِمَعْنَى الْمُقَابَلَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْطَوْا الْمَالَ فِي مُقَابَلَةِ الْأَمَانِ، وَمُجَازَاةٌ لِكَفِّنَا عَنْهُمْ وَتَمْكِينِهِمْ مِنْ سُكْنَى بِلَادِنَا، وَشُرِعَتْ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ، وَقِيلَ التَّاسِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَمُدَّتُهَا مُغَيَّاةٌ بِنُزُولِ عِيسَى ﵇، وَبَعْدَ نُزُولِهِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ وَإِنَّمَا يُطَالِبُهُمْ ﵇ بِالْإِيمَانِ وَإِلَّا قَتَلَهُمْ وَحُكْمُ ضَرْبِهَا الْجَوَازُ، وَقَدْ يَعْرِضُ وُجُوبُهَا إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ضَرْبِهَا، وَأَشَارَ إلَى مَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ) : صُلْحِيَّةً أَوْ عَنْوِيَّةً (مِنْ رِجَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ) : وَالْمُرَادُ بِهِمْ كُلُّ كَافِرٍ يَصِحُّ سَبْيُهُ وَلَوْ قُرَشِيًّا، وَطَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ مُخَالِفَةٌ لِمَشْهُورِ الْمَذْهَبِ. (الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ) : الْعُقَلَاءِ فَلَا
стр. 335
أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَيُخَفَّفُ عَنْ الْفَقِيرِ
وَيُؤْخَذُ مِمَّنْ تَجِرَ مِنْهُمْ مِنْ أُفُقٍ إلَى أُفُقٍ
ــ
[الفواكه الدواني]
تُؤْخَذُ مِنْ الْمَجَانِينِ وَلَا مِمَّنْ لَا يَصِحُّ سَبْيُهُ كَالْمُعَاهِدِ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ عَهْدِهِ وَالْمُرْتَدِّ لِعَدَمِ صِحَّةِ سَبْيِهِمَا، وَيُشْتَرَطُ فِيمَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مُخَالِطًا لِأَهْلِ دِينِهِ، وَأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى أَدَائِهَا، فَلَا تُؤْخَذُ مِنْ الْمُنْعَزِلِ بِدَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ كَالرُّهْبَانِ، وَلَا مِنْ الْعَاجِزِ عَنْ أَدَائِهَا، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ مِمَّنْ أَعْتَقَهُ مُسْلِمٌ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ كَافِرٍ أَعْتَقَهُ كَافِرٌ أَوْ مُسْلِمٌ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ فَتُؤْخَذُ مِنْهُ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ شَرْطَ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ الْجِزْيَةُ عَنْوِيَّةً أَوْ صُلْحِيَّةً: الذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَصِحَّةُ سَبْيِهِ وَعَدَمُ عِتْقِ مُسْلِمٍ لَهُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْأَدَاءِ وَالْمُخَالَطَةُ لِأَهْلِ دِينِهِ وَلَوْ رَاهِبَ كَنِيسَةٍ، بِخِلَافِ رَاهِبِ الدَّيْرِ أَوْ الصَّوْمَعَةِ فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُمَا لِعَدَمِ مُخَالَطَتِهِمَا.
قَالَ خَلِيلٌ: عَقْدُ الْجِزْيَةِ إذْنُ الْإِمَامِ لِكَافِرٍ صَحَّ سَبْيُهُ حُرٍّ قَادِرٍ مُخَالِطٍ لَمْ يَعْتِقْهُ مُسْلِمٌ سَكَنَ غَيْرَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ. ثُمَّ ذَكَرَ مُحْتَرَزَاتِ الْقُيُودِ السَّابِقَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تُؤْخَذُ) : الْجِزْيَةُ (مِنْ نِسَائِهِمْ) : أَيْ رِجَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ (وَ) : لَا تُؤْخَذُ مِنْ (صِبْيَانِهِمْ وَ) : لَا مِنْ (عَبِيدِهِمْ) : وَلَا مِنْ الرُّهْبَانِ الْمُنْعَزِلِينَ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَرَهُّبُهُمْ بَعْدَ ضَرْبِهَا فَلَا يُمْنَعُ لِاتِّهَامِهِمْ عَلَى قَوْلِ الْأَخَوَيْنِ، وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ تَسْقُطُ بِالتَّرَهُّبِ، فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُمَا سَرِيعًا كَمَا لَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، وَلَا يُنْتَظَرُ بِالْأَخْذِ مُرُورُ الْحَوْلِ. (وَتُؤْخَذُ) : الْجِزْيَةُ (مِنْ الْمَجُوسِيِّ) : نِسْبَةً إلَى مَحَلِّهِ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي شَأْنِهِمْ: «سُنُّوا لَهُمْ سُنَّةَ الْكِتَابِ» قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى ذَلِكَ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ وَلَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ، فَعَلَى هَذَا لَمْ تَتَعَدَّ السُّنَّةُ إلَى ذَبَائِحِهِمْ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ الصَّحَابَةِ. (وَتُؤْخَذُ) : الْجِزْيَةُ أَيْضًا (مِنْ رِجَالِ نَصَارَى الْعَرَبِ) :؛ لِأَنَّهُ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نَصَارَى الرُّومِ أَوْ قُرَيْشٍ.
١ -
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْعَاقِدِ لَهَا مَعَ الْكُفَّارِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ بِأَنَّهُ الْإِمَامُ فَلَوْ عَقَدَهَا مُسْلِمٌ غَيْرُ الْإِمَامِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لَمْ يَصِحَّ عَقْدُهُ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْكَافِرِ الْمَأْذُونِ لَهُ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ وَلَا أَسْرُهُ، وَيُفْعَلُ بِهِ غَيْرُ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، وَسَكَتَ عَنْ مَحَلِّ إقَامَتِهِمْ مَعَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ أَيْضًا بِأَنَّهُ غَيْرُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ الَّتِي هِيَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَنُ، وَأَمَّا هَذِهِ الْأَمَاكِنُ الثَّلَاثَةُ فَلَا يَجُوزُ سُكْنَاهُمْ فِيهَا وَلَا يُدْفَنُونَ بِهَا إنْ مَاتُوا وَإِنْ كَانَ يَمْضِي بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ إلَّا الْمَيِّتَ فِي الْحَرَمِ فَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهِ مِنْهُ وَلَوْ بَعْدَ دَفْنِهِ كَمَا قَالَهُ السَّنْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ لِخَبَرِ: «لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ» نَعَمْ يَجُوزُ لَهُمْ الْمُرُورُ إذَا كَانَ لِمَصْلَحَةٍ.
الثَّانِي: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَفْسَدَةُ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مَفْسَدَةً، فَكَيْفَ نُقِرُّهُمْ عَلَيْهَا بِأَخْذِ الْمَالِ مَعَ وُجُوبِ دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ؟ وَأَجَابَ الْعَلَّامَةُ الْقَرَافِيُّ بَعْدَ اسْتِشْكَالِهِ الْمَسْأَلَةَ: بِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الدُّنْيَا لِتَوَقُّعِ الْمَصْلَحَةِ الْعُلْيَا؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ إذَا قُتِلَ انْسَدَّ بَابُ الْإِيمَانِ، فَشُرِعَتْ الْجِزْيَةُ لِرَجَاءِ الْإِسْلَامِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ هُوَ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ.
الثَّالِثُ: قَالَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ: وَمَا الْحِكْمَةُ فِي تَغْيِيرِ حُكْمِ الشَّرْعِ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى بَعْدَ قَبُولِ الْجِزْيَةِ؟ وَبَيَّنَهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِقَوْلِهِ: السِّرُّ فِي ذَلِكَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ الْمَالِ بَعْدَ نُزُولِ عِيسَى ﵇،؛ لِأَنَّهُ يَفِيضُ وَيَكْثُرُ فِي أَيَّامِهِ حَتَّى لَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْ الْكَافِرِ إذْ ذَاكَ إلَّا الْإِيمَانُ أَوْ يَقْتُلُهُ، وَأَجَابَ وَلِيُّ الدِّينِ الْقَرَافِيُّ: بِأَنَّ قَبُولَ الْجِزْيَةِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِشُبْهَةِ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ لِتَعَلُّقِهِمْ بِزَعْمِهِمْ بِشَرْعٍ قَدِيمٍ، فَإِذَا نَزَلَ عِيسَى انْقَطَعَتْ شُبْهَتُهُمْ بِحُصُولِ مُعَايَنَتِهِ
[قَدْرُ الْجِزْيَةِ الْعَنْوِيَّةِ]
ثُمَّ ذَكَرَ الْقَدْرَ الْمَأْخُوذَ بِقَوْلِهِ: (وَ) : قَدْرُ (الْجِزْيَةِ) : الْعَنْوِيَّةِ (عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ) : فِي كُلِّ سَنَةٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ (وَ) : قَدْرُهَا (عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ) : أَيْ الْفِضَّةِ (أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) : هَذَا هُوَ الْمُقَدَّرُ الَّذِي فَرَضَهُ عُمَرُ ﵁ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إلَّا الْمَوَاشِي فَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَهُ، وَنَقَلَ بَعْضٌ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّ عَلَيْهِمْ مَا أَرْضَاهُمْ عَلَيْهِ الْإِمَامُ مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ، وَقَصَرْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْعَنْوِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ مِمَّنْ فُتِحَتْ بَلَدُهُمْ قَهْرًا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ وَهِيَ الْمَأْخُوذَةُ مِمَّنْ مَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ وَحَفِظُوهَا وَطَلَبُوا الْإِقَامَةَ بِأَمَاكِنِهِمْ فَلَا تَحْدِيدَ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُمْ مَا شَرَطُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَرَضِيَ بِهِ الْإِمَامُ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، إذْ لَهُ أَنْ لَا يَرْضَى وَيُقَاتِلَهُمْ، وَإِنْ أَطْلَقَ لَهُمْ الْإِمَامُ وَأَطْلَقُوا لَهُ وَلَمْ يُسَمُّوا قَدْرًا حِينَ الصُّلْحِ فَيَلْزَمُهُمْ مَا يَلْزَمُ الْعَنْوِيَّ. (تَنْبِيهٌ) : لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ هَلْ تُؤْخَذُ فِي أَوَّلِ الْعَامِ أَوْ آخِرِهِ؟ وَبَيَّنَهُ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَالظَّاهِرُ آخِرُهَا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَالْبَاجِيُّ: لَا نَصَّ لِمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَالْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا تُؤْخَذُ بِآخِرِ الْعَامِ كَالزَّكَاةِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا صِفَةَ أَخْذِهَا وَبَيَّنَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: مَعَ الْإِهَانَةِ عِنْدَ أَخْذِهَا، وَلِذَا لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِي دَفْعِهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْسُطَ الْكَافِرُ كَفَّهُ بِهَا وَيَأْخُذُهَا الْمُسْلِمُ مِنْ كَفِّهِ لِتَكُونَ يَدُ الْمُسْلِمِ هِيَ الْعُلْيَا، وَالْقَدْرُ الْمَذْكُورُ إنْ يَجِبُ عَلَى الْغَنِيِّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (وَيُخَفَّفُ عَنْ الْفَقِيرِ) : قَالَ خَلِيلٌ: وَنَقْصُ الْفَقِيرِ بِوُسْعِهِ وَلَا تُزَادُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى شَيْءٍ سَقَطَتْ عَنْهُ كَمَا تَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ صُلْحِيَّةً
стр. 336
عُشْرُ ثَمَنِ مَا يَبِيعُونَهُ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي السَّنَةِ مِرَارًا
وَإِنْ حَمَلُوا الطَّعَامَ خَاصَّةً إلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ خَاصَّةً أُخِذَ مِنْهُمْ نِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ ثَمَنِهِ
وَيُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ الْحَرْبِيِّينَ الْعُشْرُ إلَّا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ
وَفِي الرِّكَازِ وَهُوَ دِفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ الْخُمُسُ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ.
ــ
[الفواكه الدواني]
أَوْ عَنْوِيَّةً، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ ظَهَرَ مِنْهُ التَّحَيُّلُ بِالْإِسْلَامِ عَلَى إسْقَاطِ مَا كَانَ مُنْكَسِرًا وَهُوَ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ بِتَرَهُّبِهِ فِي دَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ التَّحَيُّلَ عَلَى إسْقَاطِهَا، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ أَنَّ الرَّاهِبَ بَاقٍ عَلَى كُفْرِهِ فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ مَنْ نَطَقَ بِالْإِسْلَامِ.
(خَاتِمَةٌ) : يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ عِنْدَ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ أَنْ يُلْزِمَهُمْ بِلُبْسِ عَلَامَةٍ تُمَيِّزُهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَبِتَرْكِ رُكُوبِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالسُّرُوجِ، وَإِنَّمَا يَرْكَبُونَ الْحَمِيرَ عَلَى نَحْوِ الْبَرْذعَةِ وَأَرْجُلِهِمْ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ بِالْمَشْيِ فِي جَنْبِ الطَّرِيقِ وَبِالتَّأَدُّبِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْنَا الذَّبُّ عَنْ أَذِيَّتِهِمْ لِعِصْمَتِهِمْ بِدَفْعِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ صَدَرَ مِنْهُمْ مَا يُنَافِي الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ عَزَّرَهُمْ الْإِمَامُ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَاقِضًا لِعَهْدِهِمْ، كَقِتَالِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَمَنْعِ الْجِزْيَةِ أَوْ إكْرَاهِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ عَلَى الزِّنَا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ، وَيَجِبُ لَهَا مِنْ مَالِهِ الصَّدَاقُ وَوَلَدُهَا مِنْهُ عَلَى دِينِهَا لَا بِغَصْبِ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَا بِغَصْبِ حُرَّةٍ ذِمِّيَّةٍ وَخَرَجَ بِالْإِكْرَاهِ الطَّوْعُ فَلَيْسَ نَقْضًا عِنْدَ مَالِكٍ خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ، قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ التَّتَّائِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ عِصْمَتِهِمْ وَحُرْمَةِ التَّعَرُّضِ حَتَّى لِأَمْوَالِهِمْ عَدَمُ جَوَازِ أَخْذِ الْعُشْرِ مِنْهُمْ دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَ) : يَجُوزُ أَنْ (يُؤْخَذَ مِمَّنْ تَجَرَ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ فِي الْمَاضِي وَضَمِّهَا فِي الْمُضَارِعِ (مِنْهُمْ) : أَيْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا بِالْمَعْنَى السَّابِقِ بَلْ بِمَعْنَى جَمِيعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا، صِغَارًا أَوْ كِبَارًا، أَحْرَارًا أَوْ عَبِيدًا. (مِنْ أُفُقٍ) : بِضَمِّ الْفَاءِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا أَيْ إقْلِيمٍ (إلَى أُفُقٍ) : أَيْ إقْلِيمٍ آخَرَ، وَالْأَقَالِيمُ خَمْسَةٌ: مِصْرُ وَالشَّامُ وَالْعِرَاقُ وَبَرُّ الْأَنْدَلُسِ وَبَرُّ الْمَغْرِبِ، وَالِاعْتِبَارُ بِهَذَا لَا بِالسَّلَاطِينِ إذْ لَا يَجُوزُ تَعَدُّدُ السُّلْطَانِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ عِنْدَ تَنَائِي الْأَقْطَارِ، وَأَمَّا الْأُفُقُ فِي بَابِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْجَوُّ الَّذِي بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
وَفِي بَابِ الْحَجِّ الْمُرَادُ بِهِ الْبَلَدُ، فَالْأُفُقُ لَهُ مَعَانٍ ثَلَاثَةٍ. (عُشْرُ ثَمَنِ مَا يَبِيعُونَهُ) : مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ أَوْ مِنْ الطَّعَامِ فِي غَيْرِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَا اتَّصَلَ بِهِمَا مِنْ قُرَاهُمَا بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا قَدِمُوا بِهِ عَيْنًا أَوْ عَرْضًا، فَإِذَا قَدِمُوا بِعَيْنٍ وَأَخَذُوا بَدَلَهَا عَرْضًا فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُ الْعَرْضِ لَا عُشْرُ قِيمَتِهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَمَّا مَا يَشْتَرُونَهُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُ قِيمَتِهِ لَا عُشْرُ ثَمَنِهِ.
قَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إجْمَالٌ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ إقْلِيمِهِ وَيَبِيعَ فِي غَيْرِهِ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ حِينَ الشِّرَاءِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ إذَا بَاعَ، وَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ غَيْرِ إقْلِيمِهِ وَيَبِيعَ فِي إقْلِيمِهِ فَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي الشِّرَاءِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إذَا بَاعَ، وَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ غَيْرِ إقْلِيمِهِ وَيَبِيعَ فِي إقْلِيمٍ آخَرَ فَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حِينَ الشِّرَاءِ وَحِينَ الْبَيْعِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرُ ثَمَنِ مَا بَاعَ وَعُشْرُ قِيمَةِ مَا اشْتَرَى، بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا وَقَعَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي إقْلِيمِهِ، فَهَذِهِ أَقْسَامٌ ثَلَاثَةٌ، وَبَقِيَ قِسْمَانِ آخَرَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَتْجُرُ فِي إقْلِيمِهِ مِنْ أَعْلَاهُ إلَى أَسْفَلِهِ، وَهَذَا لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ فِي إقْلِيمِهِ، وَشَرْطُ أَخْذِ الْعُشْرِ مُرَكَّبٌ مِنْ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا انْتِقَالُهُ مِنْ أُفُقٍ إلَى آخَرَ وَالثَّانِي انْتِفَاعُهُ إمَّا بِالْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ، ثَانِيهِمَا أَنْ يَتْجُرَ فِي غَيْرِ إقْلِيمِهِ مِنْ أَعْلَاهُ إلَى أَسْفَلِهِ، فَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً حِينَ الشِّرَاءِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حِينَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ وَاشْتَرَى فِي إقْلِيمٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ اشْتَرَى بِعَيْنٍ قَدِمَ بِهَا سَلَمًا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرُهَا.
(تَنْبِيهٌ) : الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْعُشْرِ قَوْلُهُ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ إنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى» وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَمَشَى عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ وَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ. (وَإِنْ اخْتَلَفُوا) : أَيْ كَرَّرُوا التِّجَارَةَ (فِي السَّنَةِ مِرَارًا) : فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ عُشْرُ ثَمَنِ مَا بَاعُوهُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَهُوَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْجَمِيعِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عِنْدَ التَّكْرَارِ لِحُصُولِ النَّفْعِ لَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: عُشْرُ ثَمَنِ إلَخْ أَنَّ الْغَلَّاتِ الَّتِي تَحْصُلُ مِنْ كِرَاءِ الدَّوَابِّ الْمُعَدَّةِ لِلتِّجَارَةِ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُهَا
(وَإِنْ حَمَلُوا) : أَيْ أَهْلُ الذِّمَّةِ مُطْلَقًا (الطَّعَامَ إلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ خَاصَّةً) وَأُلْحِقَ بِهِمَا الْقُرَى الْمُتَّصِلَةُ بِهِمَا (أُخِذَ مِنْهُمْ نِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ ثَمَنِهِ) لَا جَمِيعُ الْعُشْرِ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الْجَلْبِ إلَيْهِمَا لِشِدَّةِ حَاجَةِ أَهْلِهِمَا إلَى الطَّعَامِ، وَمَفْهُومُ الطَّعَامِ أَنَّ غَيْرَهُ يُؤْخَذُ مِنْ ثَمَنِهِ جَمِيعُ الْعُشْرِ كَالْعَرْضِ وَالْبُنِّ. (تَنْبِيهٌ) : ظَهَرَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ جَمِيعُ الْمُقْتَاتِ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ كَالْقَطَانِيِّ وَالْأَدْهَانِ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِالْحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ، وَمُقْتَضَى التَّعْيِينِ أَنَّ الْحَرْبِيِّينَ إذَا حَمَلُوا الطَّعَامَ إلَى هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ نِصْفُ عُشْرِ الثَّمَنِ
[مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ]
وَلَمَّا قَدَّمَ بَيَانَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ بِقَوْلِهِ: (وَيُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ الْحَرْبِيِّينَ) : وَهُمْ الْقَادِمُونَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَيْنَا بِأَمَانٍ (الْعُشْرُ) : مِنْ نَفْسِ السِّلَعِ الَّتِي قَدِمُوا بِهَا لَمْ يَبِيعُوا. (إلَّا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) :
стр. 337
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
أَيْ الْعُشْرِ فَإِنْ نَزَلُوا عَلَى أَنْ يَدْفَعُوا أَكْثَرَ مِنْ الْعُشْرِ فَيَجُوزُ أَخْذُهُ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا اتَّجَرَ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَدَخَلَ عَلَى شَيْءٍ يُعْطِيهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ الْعُشْرِ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ زَائِدٍ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَدَمِ تَعْيِينِ جُزْءٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْعُشْرُ إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الْإِمَامُ اجْتِهَادَهُ إلَى أَخْذِ أَقَلَّ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ وَالزِّيَادَةَ مَوْكُولَانِ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا حَدَّ لِمَأْخُوذٍ مِنْهُمْ سَوَاءً كَانَ قَبْلَ النُّزُولِ أَوْ بَعْدَهُ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُ الثَّمَنِ إذَا اشْتَرَوْا مِنْ أُفُقٍ وَبَاعُوا فِي أُفُقٍ آخَرَ، وَأَمَّا الْحَرْبِيُّونَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَبِيعُوا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُ الْأَعْيَانِ لَا بِشَرْطِ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، إلَّا فِي الطَّعَامِ الْمَحْمُولِ إلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَكَأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ بِلَادَ الْإِسْلَامِ كَالْبَلَدِ الْوَاحِدِ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ، بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَا يَكْمُلُ النَّفْعُ لَهُمْ إلَّا بِالِانْتِقَالِ مِنْ أُفُقٍ إلَى آخَرَ وَبَاعُوا بِالْفِعْلِ.
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ عَلَى الْحَرْبِ إلَّا حُكْمَ مَا قَدِمُوا بِهِ مِنْ السِّلَعِ الَّتِي يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ تَمَلُّكُهَا لَوْلَا الْأَمَانُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ الْعَيْنِ الَّتِي قَدِمُوا بِهَا إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ لِيَشْتَرُوا بِهَا، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُ الْقِيمَةِ، وَقَيَّدْنَا بِاَلَّتِي يَحِلُّ تَمَلُّكُهَا إلَخْ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَا يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ شَرْعًا كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ هُنَاكَ أَهْلُ ذِمَّةٍ يَشْتَرُونَهُ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ يُتْرَكُونَ وَيُمَكَّنُونَ مِنْ الدُّخُولِ بِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُ الثَّمَنِ بَعْدَ الْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَشْتَرِيهِ بِهِ فِي بَلَدِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّهُمْ يُرَدُّونَ بِهِ وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الدُّخُولِ بِهِ، هَذَا مُلَخَّصُ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْحَرْبِيِّينَ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَقَدْ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُمْ لِخَبَرِ: «إنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ» وَحِينَئِذٍ فَمَا يُؤْخَذُ فِي زَمَانِنَا مِنْهُمْ عِنْدَ نُزُولِ قَوَافِلِ الْبُنِّ أَوْ الْقُمَاشِ فَهُوَ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا، فَإِنْ كَانَ مَعَ اسْتِحْلَالِ الْأَخْذِ فَكُفْرٌ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِحُرْمَتِهِ فَهُوَ عِصْيَانٌ يَسْتَحِقُّ آخِذُهُ التَّعْزِيرَ بَعْدَ الرُّجُوعِ بِعَيْنِهِ أَوْ مِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ كَالْغَاصِبِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسْأَلَةٍ زِيَادَةً عَلَى مَا تَرْجَمَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَفِي الرِّكَازِ وَهُوَ) : لُغَةً مَا يُوضَعُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعْدِنِ مِنْ الْقِطَعِ الْخَالِصَةِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ وَاصْطِلَاحًا (دِفْنُ) : بِكَسْرِ الدَّالِ بِمَعْنَى مَدْفُونٍ (الْجَاهِلِيَّةُ) : خَاصَّةً بِخِلَافِ الْكَنْزِ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ وَدِفْنِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقِيلَ مَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ الْجَاهِلِيَّةُ أَهْلُ الْفَتْرَةِ وَمَنْ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا يُقَالُ لَهُمْ جَاهِلِيَّةٌ، وَهَذَا الثَّانِي كَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ شَارِحِ الْمُدَوَّنَةِ. (الْخُمُسُ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ) : أَيْ وَجَدَهُ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا أَوْ مَدِينًا، سَوَاءً كَانَ نِصَابًا أَوْ لَا، سَوَاءً عَيْنًا أَوْ عَرْضًا، فَالنُّحَاسُ وَالرَّصَاصُ وَالْحَدِيدُ وَالرُّخَامُ يُسَمَّى رِكَازًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَحَقُّقِ كَوْنِهِ دَفْنَ جَاهِلِيٍّ أَوْ شَكٍّ فِيهِ لِعَدَمِ عَلَامَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْمَوْجُودِ فِي الْأَرْضِ كَوْنُهُ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَشْعَرَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَيْسَ حُكْمُهُ لِلْإِمَامِ كَالْمَعْدِنِ بَلْ الْبَاقِي بَعْدَ إخْرَاجِ خُمُسِهِ لِوَاجِدِهِ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا حَيْثُ وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ لَا مَالِكَ لَهَا، كَمَوَاتِ أَرْضِ الْإِسْلَامِ أَوْ فَيَافِي الْعَرَبِ الَّتِي لَمْ تُفْتَحْ عَنْوَةً وَلَا أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَأَمَّا لَوْ وُجِدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَيَكُونُ مَا فِيهِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ وَلَوْ جَيْشًا، وَتَعْبِيرُهُ بِدِفْنِ يُوهِمُ أَنَّ مَا وَجَدَهُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لَيْسَ مِنْ الرِّكَازِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مِنْهُ، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَفِي مَالِ الْجَاهِلِيِّ الْخُمُسُ لِشَمْلِ الْمَدْفُونِ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: مَا وُجِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ مَالِ جَاهِلِيٍّ أَوْ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ تَصَاوِيرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلِوَاجِدِهِ يُخَمَّسُ، وَأَمَّا مَا وَجَدَهُ وَعَلَيْهِ عَلَامَةُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَهُوَ لُقَطَةٌ سَوَاءٌ وُجِدَ مَدْفُونًا أَوْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَجِبُ عَلَى وَاجِدِهِ تَعْرِيفُهُ سَنَةً، وَإِنَّمَا كَانَ مَالَ الذِّمِّيّ كَالْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ بِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ.
١ -
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَنْ يَأْخُذُ الْخُمُسَ، وَاَلَّذِي يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ الْعَدْلُ يَصْرِفُهُ فِيهِ مَصَارِفِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْإِمَامُ الْعَدْلُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى وَاجِدِهِ التَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ.
١ -
الثَّانِي: مَحَلُّ تَخْمِيسِهِ مَا لَمْ يَحْتَجْ لِنَفَقَةٍ كَثِيرَةٍ وَإِلَّا فَيُزَكَّى.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي نَدْرَةِ الْمَعْدِنِ الْخُمُسُ كَالرِّكَازِ وَهُوَ دِفْنٌ جَاهِلِيٌّ، وَإِنْ يَشُكُّ أَوْ قَلَّ أَوْ وَجَدَهُ عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ إلَّا كَبِيرَ نَفَقَةٍ أَوْ عَمِلَ فِي تَخْلِيصِهِ فَالزَّكَاةُ لِقَوْلِ مَالِكٍ: الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَاَلَّذِي سَمِعْته مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إنَّ الرِّكَازَ إنَّمَا هُوَ دِفْنٌ يُوجَدُ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ مَا لَمْ يُطْلَبْ بِمَالٍ، وَأَمَّا مَا طُلِبَ بِمَالٍ وَتَكَلَّفَ كَثِيرًا فَلَيْسَ بِرِكَازٍ، وَإِنَّمَا فِيهِ الزَّكَاةُ بَعْدَ وُجُودِ شُرُوطِ الزَّكَاةِ حَيْثُ اسْتَأْجَرَ عَلَى الْعَمَلِ لَا إنْ عَمِلَ بِنَفْسِهِ أَوْ عَبِيدُهُ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ الرِّكَازِ:
الثَّالِثُ: يُسْتَثْنَى مِنْ الرِّكَازِ الَّذِي يُخَمَّسُ مَا وُجِدَ مَدْفُونًا فِي أَرْضِ الصُّلْحِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ دَفْنِهِمْ أَوْ مِنْ دَفْنِ غَيْرِهِمْ، فَهَذَا لَا يُخَمَّسُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا يَكُونُ لِوَاجِدِهِ وَإِنَّمَا هُوَ لِأَهْلِ الصُّلْحِ جَمِيعًا، إلَّا أَنْ يَجِدَهُ رَبُّ دَارٍ مِنْهُمْ بِهَا فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فَهُوَ لَهُمْ:
١ -
الرَّابِعُ: مَا طَرَحَهُ الْبَحْرُ فِي جَوَانِبِهِ مِنْ نَحْوِ اللُّؤْلُؤِ وَالْجَوَاهِرِ وَكُلِّ نَفِيسٍ مِمَّا لَمْ يُوجَدْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِوَاجِدِهِ بِلَا تَخْمِيسٍ.
قَالَ خَلِيلٌ:
стр. 338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
وَمَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ كَعَنْبَرٍ فَلِوَاجِدِهِ بِلَا تَخْمِيسٍ، فَلَوْ رَآهُ جَمَاعَةٌ فَهُوَ لِمَنْ بَادَرَ إلَيْهِ، كَالصَّيْدِ يَمْلِكُهُ الْمُبَادِرُ لَهُ وَلَوْ رَآهُ غَيْرُهُ قَبْلَهُ، وَأَمَّا مَا يَتْرُكُهُ صَاحِبُهُ بِالْبَرِّ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ ثُمَّ يَأْخُذُهُ آخَرُ فَأَشَارَ ابْنُ عَرَفَةَ إلَى حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ: سَمَحَ ابْنُ الْقَاسِمِ لِمَنْ أَسْلَمَ دَابَّةً فِي سَفَرٍ آيِسًا مِنْهَا أَخَذَهَا مِمَّنْ أَخَذَهَا وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا وَعَاشَتْ وَعَلَى رَبِّهَا دَفْعُ كُلْفَةِ الَّذِي أَخَذَهَا كَأُجْرَةِ قِيَامِهِ عَلَيْهَا إنْ قَامَ عَلَيْهَا كَرَبِّهَا، وَلِابْنِ رُشْدٍ كَلَامٌ تَرَكْنَاهُ خَوْفَ الْإِطَالَةِ، وَسَمَحَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا لِمَنْ طَرَحَ مَتَاعَهُ خَوْفَ غَرَقِهِ أَخْذَهُ مِمَّنْ غَاصَ عَلَيْهِ وَحَمَلَهُ يَغْرَمُ أَجْرَهُمَا، وَأَجْرَى فِيهَا أَيْضًا ابْنُ رُشْدٍ خِلَافًا كَالسَّابِقَةِ، وَلِسَحْنُونٍ: مَنْ أَخْرَجَ ثَوْبًا مِنْ جُبٍّ وَأَبَى مِنْ رَدِّهِ إلَى رَبِّهِ وَطَرَحَهُ فِي الْجُبِّ فَطَلَبَهُ رَبُّهُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَعَلَيْهِ إخْرَاجُهُ ثَانِيًا وَإِلَّا ضَمِنَهُ، مُحَمَّدٌ: إنْ أَخْرَجَهُ فَلَهُ أَجْرُهُ إنْ كَانَ رَبُّهُ لَا يَصِلُ إلَيْهِ إلَّا بِأَجْرٍ، وَسَمَحَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا لِمَنْ أَسْلَمَ مَتَاعَهُ بِفَلَاةٍ لِمَوْتِ رَاحِلَتِهِ أَخَذَهُ مِمَّنْ احْتَمَلَهُ بِغُرْمِ أَجْرِهِ، وَلِابْنِ رُشْدٍ فِيهَا كَلَامٌ سِوَى هَذَا، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا تِلْكَ الْمَسَائِلَ لِعِزَّةِ وُجُودِهَا فِي صِغَارِ الْكُتُبِ
[بَاب فِي زَكَاة الْمَاشِيَة]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا كَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ لِزِيَادَتِهِ عَلَى التَّرْجَمَةِ وَعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَاقِي مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَقَالَ:
стр. 339
بَابٌ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ وَزَكَاةُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَرِيضَةٌ
وَلَا زَكَاةَ مِنْ الْإِبِلِ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ ذَوْدٍ وَهِيَ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ جَذَعَةٌ أَوْ ثَنِيَّةٌ مِنْ جُلِّ غَنَمِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ مِنْ ضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ إلَى تِسْعٍ ثُمَّ فِي الْعَشْرِ شَاتَانِ إلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ ثُمَّ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ إلَى تِسْعَةَ عَشَرَ فَإِذَا كَانَتْ عِشْرِينَ فَأَرْبَعُ شِيَاهٍ إلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ثُمَّ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ
ــ
[الفواكه الدواني]
(بَابٌ فِي) : بَيَانِ (زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ) : وَقَدْرُ النِّصَابِ وَهِيَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ لَا تُطْلَقُ إلَّا عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَهِيَ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، فَلَا تَجِبُ فِي خَيْلٍ وَبِغَالٍ وَحَمِيرٍ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا لِوُجُودِ كَمَالِ النَّمَاءِ فِيهَا مِنْ لَبَنٍ وَصَفّ وَنَسْلٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الِانْتِفَاعِ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ بَقِيَّةِ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ، وَكَرَّرَ بَيَانَ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ: (وَزَكَاةُ) : مُبْتَدَأٌ أَيْ تَزْكِيَةُ (الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ) وَهِيَ الْمُرَادَةُ بِالْمَاشِيَةِ وَخَبَرُ الْمُبْتَدَأِ (فَرِيضَةٌ) : بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَلَا فَرْقَ عِنْدَ مَالِكٍ بَيْنَ الْمَعْلُوفَةِ وَالسَّائِمَةِ وَلَا بَيْنَ الْعَامِلَةِ وَالْمُهْمَلَةِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْجَمِيعِ، دَلِيلُنَا عُمُومُ مَنْطُوقِ قَوْلِهِ ﵊: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ وَفِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ فَدُونَهَا الْغَنَمُ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ» وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ» قِيَامُ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَقْدِيمِ الْمَنْطُوقِ عَلَى الْمَفْهُومِ فِي بَابِ الِاحْتِجَاجِ، وَالْجَوَابُ عَلَى تَقْدِيرِ حُجِّيَّةِ الْمَفْهُومِ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالسَّائِمَةِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا لِلِاحْتِرَازِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْأَنْعَامِ فِي أَرْضِ الْحِجَازِ السَّوْمُ وَالتَّقْيِيدُ إذَا كَانَ بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ لَا يَكُونُ حُجَّةً بِالْإِجْمَاعِ
وَبَدَأَ الْكَلَامَ عَلَى بَيَانِ فُرُوضِ أَنْصِبَةِ الْإِبِل اقْتِدَاءً بِالْحَدِيثِ إذْ فَعَلَ ذَلِكَ ﷺ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ الْمَكْتُوبِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَفُرُوضُ زَكَاتِهَا إحْدَى عَشْرَ فَرِيضَةً: أَرْبَعَةٌ مِنْهَا الْمَأْخُوذُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا وَيُسَمَّى الْمُزَكَّى بِهَا شَنَقًا بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالنُّونِ، وَسَبْعَةٌ الزَّكَاةُ فِيهَا مِنْ جِنْسِهَا، وَبَدَأَ بِالْأُولَى وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا زَكَاةَ فِي الْإِبِلِ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ ذَوْدٍ) : الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إضَافَةُ خَمْسٍ إلَى ذَوْدٍ فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْعَدَدِ إلَى الْمَعْدُودِ كَقَوْلِهِمْ: خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ وَخَمْسُ جَمَالٍ نُوقٍ، وَرُوِيَ بِتَنْوِينِ خَمْسٍ وَذَوْدٌ بَدَلٌ مِنْهُ، وَالذَّوْدُ بِدَالٍ مُعْجَمَةٍ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الذَّوْدُ مِنْ ثَلَاثٍ إلَى عَشْرَةٍ.
قَالَ سِيبَوَيْهِ: تَقُولُ ثَلَاثُ ذَوْدٍ بِحَذْفِ التَّاءِ مِنْ ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّ الذَّوْدَ مُؤَنَّثٌ وَلَا مُفْرَدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ كَرَهْطٍ وَقَوْمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ قَوْلُهُ ﷺ : «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» أَيْ زَكَاةٌ فَمَا فِي الْمُصَنِّفِ حَدِيثٌ مَعَ تَغْيِيرٍ لِبَعْضِ أَلْفَاظِهِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى بِخِلَافِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ فَسَّرَ الذَّوْدَ بِقَوْلِهِ: (وَهِيَ) : أَيْ الذَّوْدُ (خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ) : فَإِذَا بَلَغَتْ هَذَا الْعَدَدَ. (فَفِيهَا شَاةٌ جَذَعَةٌ أَوْ ثَنِيَّةٌ) : وَهُمَا مَا أَوْفَى سَنَةً وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ دُخُولًا بَيِّنًا، وَالتَّاءُ فِيهِمَا لِلْوَحْدَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْإِجْزَاءِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَتُؤْخَذُ (مِنْ جُلِّ غَنَمِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ مِنْ ضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ) : فَإِنْ كَانَ جُلُّهَا الْمَعْزَ أُخِذَ مِنْهَا شَاةٌ وَلَا نَظَرَ إلَى غَنَمِ الْمَالِكِ، فَإِنْ تَطَوَّعَ وَأَخْرَجَ ضَائِنَةً فَتُجْزِي؛ لِأَنَّ الضَّائِنَةَ أَفْضَلُ،؛ لِأَنَّ الضَّابِطَ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ إنْ أَخْرَجَ غَيْرَ مَا طُلِبَ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا، وَيَسْتَمِرُّ أَخْذُ الشَّاةِ (إلَى تِسْعٍ) : إلَّا أَنَّ الْخَمْسَ هِيَ النِّصَابُ وَالْأَرْبَعَ وَقَصٌ. (ثُمَّ) : إنْ زَادَتْ عَلَى التِّسْعِ (فِي الْعَشْرِ شَاتَانِ) : وَيَسْتَمِرُّ أَخْذُهَا (إلَى) : أَنْ تَبْلُغَ (أَرْبَعَ عَشْرَةَ ثُمَّ) : إذَا زَادَتْ وَاحِدَةً وَجَبَ عَلَيْهِ (فِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ إلَى تِسْعَ عَشْرَةَ فَإِذَا كَانَتْ) : أَيْ صَارَتْ (عِشْرِينَ فَأَرْبَعُ شِيَاهٍ إلَى أَرْبَعً وَعِشْرِينَ) : فَالْوَقْصُ فِي هَذِهِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا أَرْبَعٌ وَلَيْسَ فِيهَا إلَّا الْغَنَمُ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَانَ الْأَصْلُ الْإِخْرَاجَ مِنْهَا لَكِنَّ الشَّارِعَ خَفَّفَ عَنْ الْمَالِكِ رِفْقًا بِهِ، فَإِذَا شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَخْرَجَ مِنْهَا فَالْأَصَحُّ إجْزَاءُ الْبَعِيرِ عَنْ الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ حَيْثُ سَاوَتْ قِيمَتُهُ قِيمَةَ الشَّاةِ، فَإِذَا زَادَتْ الْإِبِلُ بِحَيْثُ زَادَتْ عَلَى الْأَرْبَعِ وَالْعِشْرِينَ زُكِّيَتْ مِنْ جِنْسِهَا؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا عَظُمَتْ النِّعَمُ وَزَادَ الْمَالُ يَنْبَغِي الزِّيَادَةُ فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ تَعْظِيمًا لِشُكْرِ الْمُنْعِمِ، وَذَلِكَ فِي سَبْعِ فَرَائِضَ تُزَكَّى مِنْ جِنْسِهَا أَشَارَ إلَى أَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ) : إذَا زَادَتْ الْإِبِلُ عَلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ
стр. 340
وَهِيَ بِنْتُ سَنَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهَا فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ ثُمَّ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَهِيَ بِنْتُ ثَلَاثِ سِنِينَ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ ثُمَّ فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ وَهِيَ الَّتِي يَصْلُحُ عَلَى ظَهْرِهَا الْحَمْلُ وَيَطْرُقُهَا الْفَحْلُ وَهِيَ بِنْتُ أَرْبَعِ سِنِينَ إلَى سِتِّينَ ثُمَّ فِي إحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ وَهِيَ بِنْتُ خَمْسِ سِنِينَ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ ثُمَّ فِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ إلَى تِسْعِينَ ثُمَّ فِي إحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ
وَلَا زَكَاةَ مِنْ الْبَقَرِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا تَبِيعٌ عِجْلٌ جَذَعٌ قَدْ أَوْفَى سَنَتَيْنِ ثُمَّ
ــ
[الفواكه الدواني]
يَكُونُ الْوَاجِبُ (فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ) : وَهِيَ الَّتِي حَمَلَتْ أُمُّهَا بَعْدَهَا. (وَ) : لِذَا بَيَّنَ سِنَّهَا بِقَوْلِهِ: (هِيَ بِنْتُ سَنَتَيْنِ) : أَيْ وَفَتْ سَنَةً وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ عَادَةَ النَّاقَةِ تُرَبِّي وَلَدَهَا سَنَةً وَتَحْمِلُ فِي الثَّانِيَةِ وَحِينَ حَمْلِهَا يَكُونُ الْجَنِينُ كَمَخْضٍ بِبَطْنِهَا فَلِذَلِكَ تُسَمَّى الْمُخْرَجَةُ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَتُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي تَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فِي الضَّحِيَّةِ. (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) : أَيْ تُوجَدْ بِنْتُ مَخَاضٍ (فِيهَا) : أَيْ الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ أَوْ وُجِدَتْ لَكِنْ مَعِيبَةً (فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ) : يُؤْخَذُ عِوَضًا عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ تَعَيَّنَتْ بِنْتُ الْمَخَاضِ أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، فَجَعَلَ حُكْمَ عَدَمِ الصِّنْفَيْنِ كَحُكْمِ وُجُودِهِمَا، فَإِنْ أَتَاهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِابْنِ لَبُونٍ ذَكَرٍ فَذَلِكَ إلَى السَّاعِي إنْ رَأَى أَخْذَهُ نَظَرًا جَازَ وَإِلَّا لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَلَوْ لَمْ يُلْزِمْ السَّاعِي صَاحِبَ الْإِبِلِ بِنْتَ مَخَاضٍ حَتَّى أَتَاهُ بِابْنِ اللَّبُونِ أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا فِيهَا ابْتِدَاءً وَيَسْتَمِرُّ أَخْذُهَا (إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ) :؛ لِأَنَّ الْوَقْصَ فِي هَذِهِ الْفَرِيضَةِ عَشْرَةٌ. (ثُمَّ) : إنْ زَادَتْ عَلَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ (فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَهِيَ بِنْتُ ثَلَاثِ سِنِينَ) : أَيْ أَتَمَّتْ سَنَتَيْنِ وَدَخَلَتْ فِي الثَّالِثَةِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أُمَّهَا ذَاتَ لَبَنٍ، فَلَوْ لَمْ تُوجَدْ عِنْدَهُ أَوْ وُجِدَتْ مَعِيبَةً لَمْ يُؤْخَذْ عَنْهَا حِقٌّ بِخِلَافِ ابْنِ اللَّبُونِ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَالْفَرْقُ أَنَّ ابْنَ اللَّبُونِ يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ وَيَرِدُ الْمَاءَ وَيَرْعَى الشَّجَرَ، فَعَادَلَتْ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ فَضِيلَةَ أُنُوثَةِ بِنْتِ الْمَخَاضِ، وَالْحِقُّ لَا يَخْتَصُّ بِمَنْفَعَةٍ وَغَايَةُ أَخْذِ ابْنِ اللَّبُونِ (إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ) :؛ لِأَنَّ الْوَقْصَ هُنَا تِسْعٌ (ثُمَّ) : إذَا زَادَتْ عَلَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ (فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (وَهِيَ الَّتِي يَصْلُحُ عَلَى ظَهْرِهَا الْحَمْلُ) : أَيْ اسْتَحَقَّتْ أَنْ تُرْكَبَ وَيُحْمَلَ عَلَيْهَا (وَيَطْرُقُهَا الْفَحْلُ) : فَلَوْ دَفَعَ عَنْهَا بِنْتَيْ لَبُونٍ لَمْ يُجْزِئَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَادَلَتْ قِيمَتُهَا قِيمَةَ الْحِقَّةِ (وَهِيَ) : أَيْ الْحِقَّةُ (بِنْتُ أَرْبَعِ سِنِينَ) : الْمُرَادُ أَتَمَّتْ ثَلَاثَةً وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ وَيَسْتَمِرُّ يَدْفَعُهَا (إلَى) تَمَامِ (سِتِّينَ) :؛ لِأَنَّ الْوَقْصَ هُنَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ. (ثُمَّ) : إذَا زَادَتْ وَاحِدَةً عَلَى السِّتِّينَ فَعَلَيْهِ (فِي إحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ وَهِيَ بِنْتُ خَمْسِ سِنِينَ) : الْمُرَادُ دَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ سُمِّيَتْ جَذَعَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَجْذَعُ أَيْ تَسْقُطُ سِنُّهَا وَيَنْبُتُ غَيْرُهَا وَهِيَ آخِرُ الْأَسْنَانِ الَّتِي تُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ مِنْ الْإِبِلِ وَغَايَةُ أَخْذِهَا (إلَى) : تَمَامِ (خَمْسٍ وَسَبْعِينَ) :؛ لِأَنَّ الْوَقْصَ فِي هَذِهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا (ثُمَّ) : إذَا زَادَتْ عَلَى الْخَمْسِ وَسَبْعِينَ فَعَلَيْهِ (فِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ) : يَسْتَمِرُّ أَحَدُهُمَا (إلَى) : تَمَامِ (تِسْعِينَ) لِأَنَّ الْوَقْصَ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ أَيْضًا (ثُمَّ) : إذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَعَلَيْهِ (فِي إحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ) : وَغَايَةُ أَخْذِهِمَا (إلَى) : تَمَامِ (عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) : فَالْوَقْصُ فِي هَذِهِ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ (فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ) : أَيْ الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ وَلَوْ وَاحِدَةً عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ. (فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ) : وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ يَتَغَيَّرُ بِمُطْلَقِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ وَلَوْ وَاحِدَةً هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَيَجِبُ عِنْدَهُ فِي الْمِائَةِ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ إلَى تِسْعٍ وَعِشْرِينَ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ مِنْ غَيْرِ تَجْبِيرٍ لِلسَّاعِي، وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ مَالِكٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي يَتَغَيَّرُ بِهَا الْوَاجِبُ هِيَ زِيَادَةُ الْعَشْرَاتِ عَلَى الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ، وَأَمَّا زِيَادَةُ أَقَلَّ مِنْ عَشْرَةٍ عَلَى الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ فَالسَّاعِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِ حِقَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَفِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ إلَى تِسْعٍ حِقَّتَانِ أَوْ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ الْخِيَارُ لِلسَّاعِي إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ فِي كُلِّ عَشْرٍ يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ فَيَتَغَيَّرُ فِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي قَالَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ مُخَالِفًا لِشَيْخِهِ أَنَّ فِي الْمِائَةِ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ إلَى تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ ثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَبِهِ أَقُولُ، وَاَلَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ وَمَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ أَنَّ فِي الْمِائَةِ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ، إلَى تِسْعٍ الْخِيَارَ لِلسَّاعِي فِي أَخْذِ حِقَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَهَذِهِ إحْدَى الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ الَّتِي أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا بِغَيْرِ قَوْلِ الْإِمَامِ، وَبَاقِيهَا فِي التَّتَّائِيِّ فِي شَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ قَوْلُهُ ﷺ بَعْدَ أَنْ أَوْجَبَ فِي الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ حِقَّتَيْنِ: «فَمَا زَادَ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ» هَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مُطْلَقِ الزِّيَادَةِ؟ فَيَتَغَيَّرُ الْفَرْضُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ وَلَوْ بِزِيَادَةِ الْوَاحِدَةِ فَيُؤْخَذُ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ تَبَعًا لِابْنِ شِهَابٍ
стр. 341
كَذَلِكَ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ فَيَكُونُ فِيهَا مُسِنَّةٌ وَلَا تُؤْخَذُ إلَّا أُنْثَى وَهِيَ بِنْتُ أَرْبَعِ سِنِينَ وَهِيَ ثَنِيَّةٌ فَمَا زَادَ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ وَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ
وَلَا زَكَاةَ فِي الْغَنَمِ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ شَاةً فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا شَاةٌ جَذَعَةٌ أَوْ ثَنِيَّةٌ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا شَاتَانِ إلَى مِائَتَيْ شَاةٍ فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَمَا زَادَ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ
وَلَا زَكَاةَ فِي الْأَوْقَاصِ وَهِيَ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ مِنْ كُلِّ الْأَنْعَامِ
وَيُجْمَعُ الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ فِي
ــ
[الفواكه الدواني]
مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ لِلسَّاعِي أَوْ زِيَادَةِ الْعَشْرَاتِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَشْهَبُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ، فَلَا يَنْتَقِلُ الْفَرْضُ حَتَّى تَصِيرَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ فَالْوَاجِبُ حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ الْحِقَّةُ فِي خَمْسِينَ وَبِنْتَا لَبُونٍ فِي الثَّمَانِينَ، ثُمَّ إذَا زَادَتْ عَشْرًا بَدَّلَ بِنْتَ اللَّبُونِ بِحِقَّةٍ، فَإِذَا صَارَ جَمِيعُ الْوَاجِبِ حِقَاقًا بِأَنْ بَلَغَتْ مِائَةً وَخَمْسِينَ ثُمَّ زَادَتْ عَشْرَةً بَدَّلَ الْحِقَاقَ بِبَنَاتِ لَبُونٍ وَزَادَ وَاحِدَةً مِنْ بَنَاتِ اللَّبُونِ، ثُمَّ إذَا زَادَتْ عَشْرَةً بَدَّلَ بِنْتَ لَبُونٍ بِحَقَّةٍ ثُمَّ كَذَلِكَ، فَفِي الْمِائَةِ وَالْأَرْبَعِينَ حِقَّتَانِ وَبِنْتُ لَبُونٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَشْرًا فَثَلَاثُ حِقَاقٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَشْرَةً فَأَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ ثُمَّ كَذَلِكَ، ثُمَّ لَا يُعْمَلُ بِهَذَا الضَّابِطِ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ خَمْسُ حِقَاقٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَشْرَةً فَلَوْ عَلِمْنَا بِهِ لَزِمَ وُجُوبُ سِتِّ بَنَاتِ لَبُونٍ وَقَدْ عَلِمْت وُجُوبَهَا فِي مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعَةٍ، وَفِي مِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ الْخِيَارُ لِلسَّاعِي بَيْنَ أَرْبَعِ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ، هَذَا إنْ وُجِدَ السِّنَّانِ أَوْ فُقِدَا، فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا وَفُقِدَ الْآخَرُ خُيِّرَ رَبُّ الْمَالِ بَيْنَ دَفْعِ الْمَوْجُودِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى السَّاعِي أَخْذُهُ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُكَلِّفَ نَفْسَهُ وَيَشْتَرِيَ السِّنَّ الْوَاجِبَ فَلَا حَظْرَ
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْإِبِلِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْبَقَرِ وَنُصِبُهَا ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ وَأَرْبَعُونَ وَمَا زَادَ، وَاَلَّذِي يُزَكَّى بِهِ شَيْئَانِ مِنْ نَوْعِهَا تَبِيعٌ وَمُسِنَّةٌ، وَبَدَأَ بِأَقَلِّ النُّصُبِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا زَكَاةَ فِي الْبَقَرِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ) : بَقَرَةً بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بُلُوغِ الثَّلَاثِينَ. (فَإِذَا بَلَغَتْهَا) : وَصَارَتْ ثَلَاثِينَ (فَفِيهَا تَبِيعٌ) : بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ أَوْ لِتَبَعِيَّةِ قَرْنَيْهِ أُذُنَيْهِ وَالتَّبِيعُ (عِجْلٌ جَذَعٌ) : أَيْ ذَكَرٌ فَلَا تُجْزِئُ الْأُنْثَى (قَدْ أَوْفَى سَنَتَيْنِ) : عَلَى الصَّحِيحِ خِلَافًا لِعَبْدِ الْوَهَّابِ فِي قَوْلِهِ: أَنَّهُ مَا أَوْفَى سَنَةً وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ (ثُمَّ كَذَلِكَ) : يُؤْخَذُ التَّبِيعُ (حَتَّى تَبْلُغَ) : أَيْ تَكْمُلَ بَقَرُ الْمُزَكَّى (أَرْبَعِينَ) : فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ صَارَ نِصَابًا آخَرَ (فَيَكُونُ فِيهَا مُسِنَّةٌ) : وَالْوَقْصُ هُنَا تِسْعَةٌ (وَلَا تُؤْخَذُ إلَّا أُنْثَى) : خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ فِي تَجْوِيزِهِ أَخْذَ الذَّكَرِ، وَالْأَوَّلُ لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - (وَ) : الْمُسِنَّةُ (هِيَ بِنْتُ أَرْبَعِ سِنِينَ) : أَيْ دَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ وَقْتَهَا وَلِذَا غَايَرَ فِي التَّعْبِيرِ (وَهِيَ ثَنِيَّةٌ) : أَيْ تُسَمَّى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا زَالَتْ ثَنَايَاهَا. (فَمَا زَادَ) : عَلَى أَرْبَعِينَ يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ (فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ وَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ) : فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ وَذَلِكَ نَحْوُ سَبْعِينَ فَإِنَّ فِيهَا مُسِنَّةً وَتَبِيعًا، فَإِذَا زَادَتْ عَشْرَةً فَفِيهَا مُسِنَّتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَشْرَةً فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَتْبِعَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَشْرَةً فَفِيهَا تَبِيعَانِ وَمُسِنَّةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَشْرَةً فَفِيهَا تَبِيعٌ وَمُسِنَّتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَشْرَةً بِأَنْ صَارَتْ مِائَةً وَعِشْرِينَ فَيُخَيَّرُ السَّاعِي بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَتْبِعَةٍ أَوْ ثَلَاثِ مُسِنَّاتٍ إنْ وُجِدَا أَوْ فُقِدَا، وَيَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا مُنْفَرِدًا، كَمَا يُخَيَّرُ فِي مِائَتَيْ الْإِبِلِ فِي أَخْذِ أَرْبَعِ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَفِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ كَمِائَتَيْ الْإِبِلِ. (تَنْبِيهٌ) : إذَا عَلِمْت مَا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ ظَهَرَ لَك أَنَّ قَوْلَهُ: فَمَا زَادَ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ وَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ فِي مِائَةٍ وَسَبْعِينَ خَمْسَةَ أَتْبِعَةٍ، مَعَ أَنَّ الْخَمْسَةَ أَتْبِعَةٍ تَجِبُ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ؛ لِأَنَّهَا ثَلَاثُونَ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَيَلْزَمُ أَنَّ عِشْرِينَ لَا زَكَاةَ فِيهَا، وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِصِحَّةِ هَذَا الضَّابِطِ بِأَنْ جَعَلَ فِي الْمِائَةِ وَالسَّبْعِينَ مُسِنَّتَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَتْبِعَةٍ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ بِغَيْرِ زَكَاةٍ، وَلَعَلَّ الْحَامِلَ لِلْمُصَنِّفِ عَلَى ارْتِكَابِ تِلْكَ الضَّوَابِطِ الْمَنْقُوضَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ مُرَاعَاةُ حَالِ الطَّالِبِ؛ لِأَنَّهُ يُكْتَفَى بِبَعْضِ الْأَمْثِلَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الضَّابِطَ وَلَوْ كَانَ مَنْقُوضًا يَصْدُقُ بِبَعْضِ أَمْثِلَةٍ صَحِيحَةٍ.
[نِصَابِ الْغَنَمِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي نِصَابِ الْغَنَمِ فَقَالَ: (وَلَا زَكَاةَ) : وَاجِبَةٌ (فِي الْغَنَمِ حَتَّى تَبْلُغَ) : أَيْ تَكْمُلَ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ بِالزَّكَاةِ (أَرْبَعِينَ شَاةً) : وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، وَوَرَدَ أَيْضًا بِلَفْظِ «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» . (فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا شَاةٌ جَذَعَةٌ أَوْ ثَنِيَّةٌ) : وَلَوْ مَعْزًا وَهِيَ الْمُوفِيَةُ سَنَةً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْأَقْوَالِ الْوَارِدَةِ فِي تَفْسِيرِ الْجَذَعِ، وَالشَّاةُ تُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، فَقَوْلُهُ: جَذَعَةٌ أَيْ سِنُّهَا سِنُّ الْجَذَعَةِ أَوْ الثَّنِيَّةِ لَا خُصُوصَ الْأُنْثَى، فَقَوْلُهُ: أَوْ ثَنِيَّةٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِلَفْظِ شَاةٍ وَيَسْتَمِرُّ أَخْذُ الشَّاةِ (إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَإِذَا بَلَغَتْ) : أَيْ كَمُلَتْ غَنَمُ الْمُزَكِّي وَصَارَتْ (إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا شَاتَانِ) : وَتَسْتَمِرُّ الشَّاتَانِ (إلَى مِائَتَيْ شَاةٍ) : فَالْوَقْصُ هُنَا ثَمَانُونَ (فَإِذَا زَادَتْ) : غَنَمُ الْمُزَكِّي عَلَى الْمِائَتَيْنِ (وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ) : وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ (فَمَا زَادَ) : عَلَى الثَّلَثِمِائَةِ مَعَ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ بِأَنْ كَمُلَتْ أَرْبَعَمِائَةٍ (فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ) : قَالَهُ خَلِيلٌ، الْغَنَمُ فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، وَفِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاتَانِ، وَفِي مِائَتَيْنِ وَشَاةٍ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي أَرْبَعِمِائَةٍ أَرْبَعٌ، ثُمَّ لِكُلِّ مِائَةٍ
стр. 342
الزَّكَاةِ وَالْجَوَامِيسُ وَالْبَقَرُ وَالْبُخْتُ وَالْعِرَابُ
وَكُلُّ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَادَّانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ
وَلَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّتُهُ عَدَدَ الزَّكَاةِ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمَعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ وَذَلِكَ إذَا قَرُبَ الْحَوْلُ فَإِذَا كَانَ يَنْقُصُ
ــ
[الفواكه الدواني]
شَاةٌ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: إلَى ثَلَثِمِائَةٍ يُوهِمُ أَنَّ الثَّلَثَمِائَةِ غَايَةُ أَخْذِ الثَّلَاثِ شِيَاهٍ وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، الْمَشْهُورُ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ خِلَافُهُ، وَأَنَّ الثَّلَاثَ يَسْتَمِرُّ أَخْذُهَا إلَى ثَلَثِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ، وَلَا يُؤْخَذُ لِكُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْأَرْبَعِمِائَةِ كَمَا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، فَالْوَقْصُ فِي هَذَا لِلْفَرْضِ الرَّابِعِ مِائَتَانِ غَيْرَ شَاتَيْنِ، وَعَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الضَّعِيفِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ فُرُوضَ الْغَنَمِ أَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَمِائَةٌ، وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ وَمِائَتَانِ وَشَاةٌ إلَى ثَلَثِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَأَرْبَعِمِائَةٍ أَوْ خَمْسِمِائَةٍ لِكُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالْوَقْصُ فِي هَذَا الْفَرْضِ الرَّابِعِ مِائَتَانِ غَيْرَ شَاتَيْنِ
[حُكْمِ مَا بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَهُوَ الْوَقْصُ]
. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ فُرُوضِ أَنْوَاعِ الْمَاشِيَةِ الثَّلَاثَةِ شَرَعَ فِي حُكْمِ مَا بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَهُوَ الْوَقْصُ: فَقَالَ: (وَلَا زَكَاةَ فِي الْأَوْقَاصِ) : جَمْعُ وَقَصٍ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَسْكِينُهَا خَطَأٌ وَهَذَا حَيْثُ لَا خُلْطَةَ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا قَدْ تُزَكَّى عِنْدَهَا (وَهُوَ) : فِي اللُّغَةِ مِنْ وَقَصِ الْعُنُقِ الَّذِي هُوَ الْقِصَرُ لِقُصُورِهِ عَنْ النِّصَابِ وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ (مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ مِنْ كُلِّ الْأَنْعَامِ) : وَقَوْلُهُ: مِنْ كُلِّ الْأَنْعَامِ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهَا مِمَّا يُزَكَّى كَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ وَالْعَيْنِ لَا وَقَصَ فِيهَا
. وَلَمَّا كَانَتْ الْحُبُوبُ الْمُتَقَارِبَةُ فِي الِانْتِفَاعِ يُضَمُّ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ لِيَكْمُلَ النِّصَابُ بَيَّنَ أَنَّ الْمَاشِيَةَ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَيُجْمَعُ الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ) : وَهُمَا مَعْرُوفَانِ (فِي الزَّكَاةِ) : إذَا نَقَصَ كُلُّ صِنْفٍ عَنْ النِّصَابِ،؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ جَمَعَهُمَا فِي قَوْلِهِ ﵊: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» .
(وَ) كَذَلِكَ تُجْمَعُ فِي الزَّكَاةِ (وَالْجَوَامِيسُ وَالْبَقَرُ) ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ جَمَعَهُمَا فِي قَوْلِهِ ﵊: «فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعٌ» . (وَ) كَذَلِكَ (الْبُخْتُ) : وَهِيَ الْإِبِلُ ذَاتُ السَّنَامَيْنِ (وَالْعِرَابُ) وَهِيَ الْإِبِلُ ذَاتُ السَّنَمِ الْوَاحِدِ، وَإِنَّمَا جَمَعَهُمَا لِصِدْقِ لَفْظِ الْإِبِلِ عَلَى الصِّنْفَيْنِ فِي قَوْلِهِ ﵊: «فِي كُلِّ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ» وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَخَيَّرَ السَّاعِيَ إنْ وَجَبْت وَاحِدَةٌ وَتَسَاوَيَا كَعِشْرِينَ ضَائِنَةً وَمِثْلِهَا مَعْزًا، وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا فَمِنْ الْأَكْثَرِ كَعِشْرِينَ ضَائِنَةً وَثَلَاثِينَ مَعْزًا، أَوْ بِالْعَكْسِ أَخَذَ الشَّاةَ مِنْ الْأَكْثَرِ وَإِنْ وَجَبَتْ شَاتَانِ، فَإِنْ اسْتَوَى الصِّنْفَانِ كَإِحْدَى وَسِتِّينَ ضَائِنَةً مِثْلِهَا مَعْزًا أَخَذَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ شَاةً، وَكَذَا إنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا حَيْثُ كَانَ الْأَقَلُّ نِصَابًا وَهُوَ غَيْرُ وَقَصٍ كَمِائَةِ ضَائِنَةٍ وَأَرْبَعِينَ مَعْزًا أَوْ بِالْعَكْسِ، فَلَوْ كَانَ الْأَقَلُّ نِصَابًا وَلَكِنْ وَقَصًا كَمِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ضَائِنَةً وَأَرْبَعِينَ مَعْزًا أَوْ بِالْعَكْسِ أُخِذَتْ الشَّاتَانِ مِنْ الْأَكْثَرِ، وَأَوْلَى لَوْ كَانَ الْأَقَلُّ دُونَ نِصَابٍ، وَأَمَّا لَوْ وَجَبَ ثَلَاثٌ فَإِنْ تَسَاوَى الصِّنْفَانِ كَمِائَةٍ وَشَاةٍ مِنْ الضَّأْنِ وَمِثْلِهَا مِنْ الْمَعْزِ أَخَذَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ شَاةً، وَخَيَّرَ السَّاعِيَ فِي الثَّالِثَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا، فَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ نِصَابًا وَهُوَ غَيْرُ وَقَصٍ كَمِائَةٍ وَسَبْعِينَ مَعْزًا وَأَرْبَعِينَ مِنْ الضَّأْنِ أَوْ كَانَ وَقَصًا أَوْ غَيْرَ نِصَابٍ، فَالْحُكْمُ فِي الْجَمِيعِ أَخْذُ كُلِّ الْوَاجِبِ مِنْ الْأَكْثَرِ، وَإِنْ وَجَبَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ فَيَأْخُذْ مِنْ كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ، وَالْمِائَةُ الْمُلَفَّقَةُ مِنْ الصِّنْفَيْنِ يَأْخُذُ وَاجِبَهُمَا مِنْ أَيِّهِمَا عِنْدَ التَّسَاوِي وَمِنْ أَكْثَرِهِمَا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ
[زَكَاةِ الْخُلْطَةِ فِي الْأَنْعَام]
. ثُمَّ شَرَعَ فِي زَكَاةِ الْخُلْطَةِ وَهِيَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: اجْتِمَاعُ نِصَابَيْ نَوْعِ نَعَمٍ مَالِكَيْنِ فَأَكْثَرَ فِيمَا يُوجِبُ تَزْكِيَتُهُمَا عَلَى مِلْكٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: (وَكُلُّ خَلِيطَيْنِ) : فِي مَاشِيَةِ الْأَنْعَامِ فَإِنَّهُمَا كَالْمَالِكِ الْوَاحِدِ فِيمَا يَجِبُ، فَإِنْ أَخَذَ السَّاعِي الْوَاجِبَ مِنْ مَاشِيَةِ أَحَدِهِمَا (فَإِنَّهُمَا يَتَرَادَّانِ بِالسَّوِيَّةِ) : فَإِنْ كَانَ لِوَاحِدٍ أَرْبَعُونَ شَاةً وَلِخَلِيطَةٍ مِثْلُهَا فَإِنَّ السَّاعِيَ يَأْخُذُ وَاحِدَةً عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرَاجَعَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ شَرِيكَهُ بِنِسْبَةِ عَدَدَيْهِمَا، وَلَوْ انْفَرَدَ وَنَصَّ لِأَحَدِهِمَا فِي الْقِيمَةِ كَأَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا تِسْعٌ مِنْ الْإِبِلِ وَلِلْآخَرِ سِتٌّ فَتُقَسَّمُ الثَّلَاثُ شِيَاهٍ عَلَى خَمْسَةَ عَشْرَ لِكُلِّ ثَلَاثَةٍ خُمُسٌ، فَعَلَى صَاحِبِ التِّسْعَةِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الثَّلَاثَةِ، وَعَلَى صَاحِبِ السِّتَّةِ خُمُسَاهَا، وَكَذَا إذَا انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالْوَقَصِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الْأَوْقَاصَ مُزَكَّاةٌ، كَأَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا تِسْعٌ وَلِلْآخِرِ خَمْسٌ، فَإِنْ أَخَذَ الشَّاتَيْنِ مِنْ صَاحِبِ التِّسْعَةِ رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِخَمْسَةِ أَسْبَاعٍ مِنْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ سُبُعًا مِنْ قِيمَةِ الشَّاتَيْنِ، أَوْ مِنْ صَاحِبِ الْخَمْسَةِ يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِتِسْعَةِ أَسْبَاعٍ مِنْ قِيمَةِ الشَّاتَيْنِ بَعْدَ جَعْلِهِمَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ سُبُعًا، أَوْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ شَاةً رَجَعَ صَاحِبُ الْخَمْسَةِ عَلَى صَاحِبِهِ بِسُبُعَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ الَّتِي أَخَذَهَا السَّاعِي، وَكُلُّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَزْكِيَةِ الْأَوْقَاصِ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ يَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ شَاةٌ.
[شُرُوطِ زَكَّاهُ الْخَلِيطِينَ]
وَلَمَّا كَانَ مِنْ شُرُوطِهَا أَنْ يَمْلِكَ كُلَّ نِصَابًا قَالَ: (وَلَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّتُهُ عَدَدَ الزَّكَاةِ) : وَمِنْ شُرُوطِهَا النِّيَّةُ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ تَغْيِيرَ الْحُكْمِ فَتَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ كَالصَّلَاةِ، وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْخَلِيطَانِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا أَوْ كَافِرًا زَكَّى الْحُرُّ الْمُسْلِمُ مَاشِيَتَهُ عَلَى حُكْمِ الِانْفِرَادِ، وَمِنْهَا: أَنْ يَجْتَمِعَا فِي الْأَكْثَرِ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الْمَاءِ وَالْمَرَاحِ وَالْمَبِيتِ وَالرَّاعِي وَالْفَحْلِ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا إنْ كَانَ يَضْرِبُ فِي الْجَمِيعِ بِرِفْقٍ، مِنْهَا أَنْ لَا يَقْصِدَا بِهَا الْفِرَارَ مِنْ تَكْثِيرِ الْوَاجِبِ كَمَا يَأْتِي،
стр. 343
أَدَاؤُهُمَا بِافْتِرَاقِهِمَا أَوْ بِاجْتِمَاعِهِمَا أُخِذَا بِمَا كَانَا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ
وَلَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ السَّخْلَةُ وَتُعَدُّ عَلَى رَبِّ الْغَنَمِ وَلَا تُؤْخَذُ الْعَجَاجِيلُ فِي الْبَقَرِ وَلَا الْفُصْلَانُ فِي الْإِبِلِ وَتُعَدُّ عَلَيْهِمْ وَلَا يُؤْخَذُ تَيْسٌ وَلَا هَرِمَةٌ وَلَا الْمَاخِضُ وَلَا فَحْلُ الْغَنَمِ وَلَا شَاةُ الْعَلَفِ وَلَا الَّتِي تُرَبِّي وَلَدَهَا وَلَا خِيَارُ أَمْوَالِ النَّاسِ وَلَا يُؤْخَذُ فِي ذَلِكَ عَرْضٌ وَلَا ثَمَنٌ فَإِنْ أَجْبَرَهُ الْمُصَدِّقُ عَلَى أَخْذِ الثَّمَنِ فِي الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ
وَلَا يُسْقِطُ الدَّيْنَ زَكَاةُ حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ وَلَا مَاشِيَةٍ.
ــ
[الفواكه الدواني]
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْحَوْلُ مَرَّ عَلَى مَاشِيَةِ كُلٍّ وَلَوْ وَقَعَتْ الْخُلْطَةُ فِي أَثْنَائِهِ، وَمِنْهَا اتِّحَادُ نَوْعِهَا بِأَنْ يَجُوزَ جَمْعُهَا فِي الزَّكَاةِ لَا بَقَرٍ مَعَ غَنَمٍ أَوْ إبِلٍ، فَإِنْ كَانَ الْفَحْلُ وَاحِدًا اُشْتُرِطَ اتِّحَادُ الصِّنْفِ، فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ صَارَ كَالْمَالِكِ الْوَاحِدِ فِيمَا وُجِدَ مِنْ قَدْرٍ وَسِنٍّ وَصِنْفٍ، مِثَالُ الْأَوَّلِ: لَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعُونَ ضَأْنًا الْوَاجِبُ شَاةٌ عَلَى كُلٍّ ثُلُثُهَا فَالْخُلْطَةُ أَفَادَتْ التَّخْفِيفَ. وَالثَّانِي: كَاثْنَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا جَذَعَةٌ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى كُلٍّ بِنْتَ لَبُونٍ. وَالثَّالِثُ: كَأَنْ يَكُونَ لِوَاحِدٍ ثَمَانُونَ مِنْ الضَّأْنِ وَالْآخَرِ أَرْبَعُونَ مِنْ الْمُعِزِّ الْوَاجِبُ شَاةٌ مِنْ الضَّأْنِ عَلَى صَاحِبِ الثَّمَانِينَ ثُلُثَاهَا وَعَلَى الْآخَرِ ثُلُثُهَا. وَلَمَّا كَانَ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِالْخُلْطَةِ الْفِرَارَ قَالَ: (وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ) : وَهَذَا حَدِيثٌ وَلَفْظُهُ: «وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَادَّانِ بِالسَّوِيَّةِ. (وَ) : مَحَلُّ النَّهْيِ عَنْ (ذَلِكَ) التَّفْرِيقِ (إذَا قَرُبَ الْحَوْلُ) : فَإِنَّهُ قَرِينَةٌ عَلَى قَصْدِ التَّقْلِيلِ بِسَبَبِ الْهُرُوبِ وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضٌ: وَيَثْبُتُ الْفِرَارُ بِالْإِفْرَارِ أَوْ الْقَرِينَةِ أَوْ الْقُرْبِ الْمُوجِبِ تُهْمَتَهُمَا عَلَى أَحَدِ أَقْوَالٍ خَمْسَةٍ.
(تَنْبِيهٌ) : قَوْلُهُ: خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ مَنْصُوبٌ لِيُجْمَع أَوْ يُفَرَّقُ، وَمَعْنَى خَشْيَةِ الصَّدَقَةِ الْخَوْفُ مِنْ كَثْرَتِهَا عِنْدَ عَدَمِ التَّفَرُّقِ إذَا كَانَتْ مُفِيدَةً لِلتَّقْلِيلِ، أَوْ عِنْدَ عَدَمِ الِاجْتِمَاعِ إذَا كَانَتْ تُفِيدُ التَّخْفِيفَ كَأَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعُونَ، فَلَا يَجُوزُ اخْتِلَاطُهُمَا لِلْخَوْفِ مِنْ دَفْعِ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدَةً عِنْدَ عَدَمِ الْخُلْطَةِ. ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى مَا إذَا ارْتَكَبَا النَّهْيَ بِالْخُلْطَةِ قَوْلُهُ: (فَإِذَا كَانَ يَنْقُصُ أَدَاؤُهُمَا) : بِسَبَبِ (افْتِرَاقِهِمَا) : افْتِرَاقًا مَنْهِيًّا عَنْهُ (أَوْ) : كَأَنْ يَنْقُصَ أَدَاؤُهُمَا (بِ) : سَبَبِ (اجْتِمَاعِهِمَا) : فَفَرَّقَا مَا كَانَ مُجْتَمِعًا، أَوْ جَمَعَا مَا كَانَ مُفَرَّقًا. (أُخِذَا بِمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ) : هَذَا جَوَابُ إذَا، وَاسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ، مِثَالُ النَّقْصِ بِالتَّفْرِيقِ أَنْ يَكُونَ لِوَاحِدٍ مِائَةُ شَاةٍ وَلِخَلِيطِهِ كَذَلِكَ، فَيَفْتَرِقَانِ فِي آخِرِ الْحَوْلِ لِيَجِبَ عَلَيْهِمَا شَاتَانِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُمَا ثَلَاثٌ مُعَامَلَةً لَهُمَا بِنَقِيضِ قَصْدِهِمَا، وَمِثَالُ الْجَمْعِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ مُتَفَرِّقِينَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعُونَ فَيَجْتَمِعُونَ فِي آخِرِ الْحَوْلِ لِيَجِبَ عَلَيْهِمْ شَاةٌ فَيُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدَةً، فَمَعْنَى خَشْيَةِ الصَّدَقَةِ خَشْيَةَ تَكْثِيرِهَا، وَمَفْهُومُ خَشْيَةِ الصَّدَقَةِ أَنَّهُمْ لَوْ تَفَرَّقُوا أَوْ اجْتَمَعُوا لِعُذْرٍ لَا حُرْمَةٍ، وَيُصَدَّقُونَ فِي الْعُذْرِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ إنْ كَانُوا مَأْمُونِينَ ظَاهِرِي الصَّلَاحِ وَإِلَّا فَيَمِينٌ، وَمِثْلُهُ فِي عَدَمِ النَّهْيِ عَنْ الِافْتِرَاقِ أَوْ الِاجْتِمَاعِ لَوْ اتَّحَدَ الْوَاجِبُ
. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُجْزِئُ وَمَا لَا يُجْزِئُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) : يَجُوزُ أَنْ (تُؤْخَذَ فِي الصَّدَقَةِ السَّخْلَةُ) : أَيْ الصَّغِيرَةُ مِنْ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ (وَ) : إنْ كَانَتْ (تُعَدُّ عَلَى رَبِّ الْغَنَمِ) : فَإِذَا وُجِدَ عِنْدَهُ عِشْرُونَ مِنْ الْغَنَمِ وَوَلَدَتْ كَمَالَ النِّصَابِ وَلَوْ قَرُبَ الْحَوْلِ وَجَبَ شَاةٌ وَسَطٌ (وَ) : كَذَا (لَا) يَجُوزُ أَنْ (تُؤْخَذَ الْعَجَاجِيلُ) : جَمْعُ عِجْلٍ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ التَّبِيعِ (فِي) صَدَقَةِ (الْبَقَرِ وَلَا الْفُصْلَانُ فِي) صَدَقَةِ (الْإِبِلِ) : وَالْفَصِيلُ مَا دُونَ ابْنِ الْمَخَاضِ.
(وَ) إنْ كَانَتْ (تُعَدُّ عَلَيْهِمْ) : فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ وَلَوْ كَانَتْ مَوَاشِيهِ كُلُّهَا سِخَالًا أَوْ عَجَاجِيلَ أَوْ فُصْلَانًا لَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ، وَيُكَلَّفُ شِرَاءُ الْوَسَطِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَزِمَ الْوَسَطُ وَلَوْ انْفَرَدَ الْخِيَارُ أَوْ الشِّرَاءُ، إلَّا أَنْ يَرَى السَّاعِي أَخْذَ الْمَعِيبَةِ لَا الصَّغِيرَةِ. (وَلَا يُؤْخَذُ تَيْسٌ) : وَهُوَ فَحْلُ الْمُعِزِّ (وَلَا هَرِمَةٌ) : أَيْ هَزِيلَةٌ (وَلَا الْمَاخِضُ) : أَيْ الْحَامِلُ (وَلَا فَحْلُ الْغَنَمِ وَلَا شَاةُ الْعَلَفِ وَلَا الَّتِي تُرَبِّي وَلَدَهَا وَلَا خِيَارَ أَمْوَالِ النَّاسِ) : كَكَثِيرَةِ اللَّبَنِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الشِّرَارِ مُرَاعَاةً لِحَقِّ الْفُقَرَاءِ، وَلَا الْجِيَادِ مُرَاعَاةً لِحَقِّ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: فَإِنْ أَعْطَى وَاحِدَةً مِنْ الْخِيَارِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ أَعْطَى مِنْ الشِّرَارِ فَلَا يُجْزِئُ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا خِيَارًا أَوْ شِرَارًا لَزِمَ الْوَسَطُ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ امْتَنَعَ أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلسَّاعِي أَخْذُ الْمَعِيبَةِ كَالْعَوْرَاءِ وَالْجَرْبَاءِ إنْ رَأَى فِي ذَلِكَ نَظَرًا، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الصَّغِيرَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَعِيبَةَ بَلَغَتْ سِنَّ الْإِجْزَاءِ بِخِلَافِ الصَّغِيرَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ إجْزَاءِ الصَّغِيرَةِ وَلَوْ رَضِيَ الْفَقِيرُ بِأَخْذِهَا،؛ لِأَنَّ بُلُوغَ السِّنِّ فِي الزَّكَاةِ كَالضَّحِيَّةِ وَالْهَدْيِ الْوَاجِبِ شَرْطٌ. (وَلَا يُؤْخَذُ فِي ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ السِّنِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ. (عَرْضٌ) : وَهُوَ مَا قَابَلَ الْعَيْنَ وَلَا يُجْزِئُ إنْ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ.
(وَ) كَذَا (لَا) : يُؤْخَذُ (ثَمَنٌ) : أَيْ قِيمَةُ السِّنِّ الْوَاجِبِ، فَإِنْ وَقَعَ فَقَوْلَانِ فِي الطَّوْعِ بِدَفْعِهَا الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا الْإِجْزَاءُ مَعَ الْكَرَاهَةِ. (فَإِنْ أَجْبَرَهُ) : أَيْ رَبُّ الْمَاشِيَةِ (الْمُصَدِّقُ) : بِتَخْفِيفِ الصَّادِ وَكَسْرِ الدَّالِ أَيْ السَّاعِي (عَلَى أَخْذِ الثَّمَنِ فِي) : زَكَاةِ (الْأَنْعَامِ أَوْ غَيْرِهَا) : مِنْ الْحَرْثِ وَالْفِطْرَةِ (أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) : وَشَرْطُ
стр. 344
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
إجْزَاءِ الثَّمَنِ عَنْ الْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ قَدْرَ الْقِيمَةِ فَأَكْثَرَ، وَأَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْحَوْلِ، وَأَنْ يَصْرِفَهُ فِي مَصَارِفِهَا، وَفِي قَوْلِهِ: إنْ شَاءَ اللَّهُ إشَارَةٌ إلَى قُوَّةِ الْخِلَافِ، وَحَاصِلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ إخْرَاجَ الْعَيْنِ عَنْ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ يُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِخْرَاجُ الْعَرْضِ عَنْهُمَا أَوْ عَنْ الْعَيْنِ لَا يُجْزِئُ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ، وَكَذَا إخْرَاجُ الْحَرْثِ أَوْ الْمَاشِيَةِ عَنْ الْعَيْنِ، وَكَذَا إخْرَاجُ الْحَرْثِ عَنْ الْمَاشِيَةِ أَوْ عَكْسُهُ، وَاحْتَرَزْنَا بِتَخْفِيفِ الصَّادِ فِي ضَبْطِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُصَّدِّقِ بِتَشْدِيدِ الصَّادِ فَإِنَّهُ الْمُزَكِّي
. (وَلَا يُسْقِطُ الدَّيْنُ) : فَاعِلُ يُسْقِطُ الْمَبْنِيُّ لِلْفَاعِلِ وَمَفْعُولُهُ (زَكَاةَ حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ وَلَا مَاشِيَةٍ) : وَلَا مَعْدِنٍ وَإِنَّمَا يُسْقِطُ زَكَاةَ الْعَيْنِ، وَهَذَا مَحْضُ تَكْرَارٍ مَعَ مَا تَقَدَّمَ
١ -
(خَاتِمَةٌ) : تَشْمَلُ عَلَى مَسَائِلَ تَرَكَهَا الْمُصَنِّفُ خَوْفًا مِنْ التَّطْوِيلِ، وَأَرَدْنَا ذِكْرَهَا لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، مِنْهَا: النِّيَّةُ وَتَكُونُ عِنْدَ دَفْعِهَا أَوْ عَزْلِهَا، وَلَوْ ضَاعَتْ قَبْلَ دَفْعِهَا لِلْفَقِيرِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، وَصِفَتُهَا أَنْ يَنْوِيَ إخْرَاجَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَلَوْ دَفَعَ مَالًا لِفَقِيرٍ غَيْرَ نَاوِيهِ الزَّكَاةَ، ثُمَّ لَمَّا طُلِبَ بِالزَّكَاةِ أَرَادَ جَعْلَ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ زَكَاةٍ زَكَاةً لَمْ يَكْفِهِ، وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ الْعَطَايَا لِوَجْهِ اللَّهِ أَوْ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ تَلْزَمُ بِالْقَبُولِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ تَرْكِ النِّيَّةِ قَصْدًا أَوْ جَهْلًا أَوْ نِسْيَانًا خِلَافًا لِبَعْضِ الشُّيُوخِ، وَيَنْوِي عَنْ الْمَجْنُونِ وَالصَّغِيرِ وَلِيُّهُمَا، وَإِنَّمَا أَجْزَأَتْ مَعَ الْإِكْرَاهِ عَلَى أَخْذِهَا؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِمَامِ أَوْ الْفَقِيرِ الْمُكْرَهِ عَلَى أَخْذِهَا كَافِيَةٌ؛ لِأَنَّهَا تُؤْخَذُ بَعْدَ وُجُوبِهَا قَهْرًا عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَأُخِذَتْ كَرْهًا وَإِنْ بِقِتَالٍ
١ -
، وَمِنْ الْمَسَائِلِ وُجُوبُ تَفْرِقَتِهَا بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ الْمَالُ وَفِيهِ الْمَالِكُ وَالْمُسْتَحَقُّونَ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَرْثِ، وَالْمَاشِيَةِ حَيْثُ كَانَ لَهُمَا سَاعٍ، وَأَمَّا النَّقْدُ وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ فَهُوَ مَوْضِعُ الْمَالِكِ كَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ سَاعٍ، وَفِي حُكْمِ مَوْضِعِ الْوُجُوبِ مَا قَرُبَ مِنْهُ وَهُوَ مَا دَخَلَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، وَأَمَّا الْخَارِجُ عَنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَا يُجْزِئُ نَقْلُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يُعْدَمَ الْمُسْتَحِقُّ بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ أَوْ قُرْبِهِ، أَوْ يَكُونُ مُسَاوِيًا لِفُقَرَاءِ مَوْضِعِ الْوُجُوبِ، وَأَوْلَى لَوْ كَانَ أُعْدِمَ فَتُجْزِئُ فِي الْجَمِيعِ،
وَمِنْ الْمَسَائِلِ أَنْ يَدْفَعَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ، فَلَا تُجْزِئُ الْمُقَدَّمَةُ عَنْهُ قَبْلَ الْوُجُوبِ بِالْإِفْرَاكِ وَطِيبِ الثَّمَرِ وَلَوْ بِقَلِيلٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخْرَجَهَا بَعْدَهُمَا وَقَبْلَ التَّصْفِيَةِ فَلَا شَكَّ فِي إجْزَائِهَا، وَأَمَّا فِي الْعَيْنِ وَمِنْهَا عُرُوضُ التِّجَارَةِ وَمِثْلُهَا الْمَاشِيَةُ حَيْثُ لَا سَاعِيَ لَهَا فَيُجْزِئُ دَفْعُهَا لِلْمُسْتَحِقِّينَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ كَالشَّهْرِ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا لِلْأَخْذِ لَهَا فَفِي مُخْتَصَرِ الْبُرْزُلِيِّ فَتْوَى شُيُوخِنَا أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُجْزِئُ حَتَّى يُسَمِّيَهَا الدَّافِعُ لِلْفَقِيرِ أَوْ يُعْلِمَهُ بِذَلِكَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ بَلْ كَرِهَهُ بَعْضُهُمْ لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ خَاطِرِ الْفَقِيرِ،
١ -
وَمِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَرَكَهَا الْمُصَنِّفُ بَيَانُ مَصْرِفِهَا إلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهَا وَتُصْرَفُ لَهُ وَهُوَ الْأَصْنَافُ الثَّمَانِيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي آيَةِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] وَلَا يَلْزَمُ تَعْمِيمُ تِلْكَ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ بَلْ يُسْتَحَبُّ خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ، وَمِنْهَا: لَوْ مَاتَ شَخْصٌ قَبْلَ إخْرَاجِهَا وَبَعْدَ وُجُوبِهَا فَإِنْ كَانَتْ حَرْثًا أَوْ مَاشِيَةً لَا سَاعِيَ لَهَا أُخِذَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَالْعَيْنِ إنْ اعْتَرَفَ بِحُلُولِهَا وَأَوْصَى بِإِخْرَاجِهَا، وَأَمَّا لَوْ مَاتَ الْمَالِكُ قَبْلَ الْوُجُوبِ فَفِي الْحَرْثِ يُزَكِّيهَا الْوَارِثُ إنْ خَرَجَ لَهُ نِصَابٌ أَوْ كَانَ عِنْدَهُ زَرْعٌ آخَرُ يَخْرُجُ مِنْهُمَا نِصَابٌ، وَأَمَّا فِي الْمَاشِيَةِ فَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْوَارِثِ نِصَابٌ ضَمَّهَا إلَيْهِ وَزَكَّى عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ وَلَوْ قَرُبَ مِنْ الْمَوْتِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ لَا شَيْءَ عِنْدَهُ سِوَاهَا أَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَقَلُّ مِنْ نِصَابٍ لَاسْتَقْبَلَ حَوْلًا كَامِلًا مِنْ يَوْمِ كَمَالِ النِّصَابِ أَوْ مَلَكَهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَالُ عَيْنًا وَمَاتَ مَالِكُهُ قَبْلَ مُرُورِ الْحَوْلِ لَاسْتَقْبَلَ الْوَارِثُ بِهِ وَلَا يَضُمُّهُ لِمَا عِنْدَهُ مِنْ النِّصَابِ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْعَيْنِ يَسْتَقْبِلُ بِهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَيْنَ شَأْنُهَا عَدَمُ السَّاعِي بِخِلَافِ الْمَاشِيَةِ، إنَّمَا عَبَّرْنَا بِشَأْنِهَا لِلْإِشَارَةِ إلَى فَائِدَةِ الْمَاشِيَةِ تُضَمُّ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا سَاعٍ، لَكِنْ إنْ ضُمَّتْ لِنِصَابٍ زُكِّيَتْ مَعَهُ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِ النِّصَابِ، وَإِنْ كَانَ الْمَضْمُومَةُ إلَيْهِ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ فَيَسْتَقْبِلْ بِالْجَمِيعِ حَوْلًا كَامِلًا مِنْ يَوْمِ الْكَمَالِ، هَذَا إيضَاحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَلَّ أَنْ تَجِدَهُ فِي مَحَلٍّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
[بَاب فِي زَكَاة الْفِطْر]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْأَمْوَالِ شَرَعَ فِي زَكَاةِ الْأَبْدَانِ فَقَالَ:
стр. 345
بَابٌ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ وَزَكَاةُ الْفِطْرِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى كُلِّ كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ صَاعًا عَنْ كُلِّ نَفْسٍ بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ
وَتُؤَدَّى مِنْ جُلِّ عَيْشِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ مِنْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ سُلْتٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ
ــ
[الفواكه الدواني]
(بَابٌ فِي) : حُكْمِ (زَكَاةِ الْفِطْرِ) : وَيُقَالُ لَهَا صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَيُقَالُ لَهَا الْفِطْرَةُ بِكَسْرِ الْفَاءِ أَوْ الْخِلْقَةِ فَتَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ زَكَاةُ الْخِلْقَةِ، وَالْفِطْرَةُ لَفْظَةٌ مُوَلَّدَةٌ لَا عَرَبِيَّةٌ وَلَا مُعَرَّبَةٌ بَلْ اصْطَلَحَ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ، وَالْمُعَرَّبَةُ هِيَ الْكَلِمَةُ الْأَعْجَمِيَّةُ الَّتِي اسْتَعْمَلَتْهَا الْعَرَبُ فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ عِنْدَ الْعَجَمِ، وَفُرِضَتْ فِي ثَانِيَةِ الْهِجْرَةِ سَنَةَ فُرِضَ صَوْمُ رَمَضَانَ، وَسَبَبُ مَشْرُوعِيَّتِهَا لِتَكُونَ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَلِلرِّفْقِ بِالْفُقَرَاءِ فِي إغْنَائِهِمْ عَنْ السُّؤَالِ فِي هَذَا الْيَوْمِ.
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الصَّوْمُ مَوْقُوفٌ عَلَى زَكَاةِ الْفِطْرِ، فَإِنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ قَبْلَ صَوْمِهِ، وَعَرَّفَ ابْنُ عَرَفَةَ زَكَاةَ الْفِطْرِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ بِقَوْلِهِ: إعْطَاءُ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ لِقُوتِ يَوْمِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ غَالِبِ الْقُوتِ أَوْ جُزْئِهِ الْمُسَمَّى لِلْجُزْءِ وَالْمَقْصُودُ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ، وَبِالْمَعْنَى الِاسْمِيِّ صَاعًا مِنْ غَالِبِ الْقُوتِ أَوْ جُزْئِهِ الْمُسَمَّى بِالْجُزْءِ إلَخْ، فَلَا تُدْفَعُ إلَّا لِمَنْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا كَمَا يَرْشُدُ لَهُ حَدِيثُ: «أَغْنُوهُمْ عَنْ ذُلِّ السُّؤَالِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ» هَذَا مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ: فَقِيرٍ لِقُوتِ يَوْمِ الْفِطْرِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ فَقِيرَ الزَّكَاةِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ جُزْءٍ إلَخْ أَشَارَ بِهِ إلَى مَا يُخْرَجُ عَنْ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ فَإِنَّهُ بِحَسَبِ الْجُزْءِ، وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِحُكْمِهَا بِقَوْلِهِ: (وَزَكَاةُ الْفِطْرِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مَفْرُوضَةٌ بِالسُّنَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «فَرَضَهَا ﷺ » وَعِبَارَةُ خَلِيلٍ ظَاهِرَةٌ وَنَصُّهَا: يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ وَإِنْ بِتَسَلُّفٍ، فَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَدَقَةُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ» وَحَمْلُ الْفَرْضِ عَلَى التَّقْدِيرِ بَعِيدٌ خُصُوصًا وَقَدْ خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي فِجَاجِ مَكَّةَ أَلَا إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» هَكَذَا فِي التَّتَّائِيِّ وَالشَّاذِلِيِّ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ فَالصَّوَابُ أَنَّ الَّذِي فِي خَبَرِ التِّرْمِذِيِّ فِجَاجُ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى فَرْضِهَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَكَّةَ كَانَتْ حِينَئِذٍ دَارَ حَرْبٍ فَلَا يَبْعَثُ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي أَزِقَّتِهَا، وَهَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ بِالسُّنَّةِ وَبِالْقُرْآنِ أَيْضًا، إمَّا بِآيَةِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] أَوْ بِآيَةِ ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] لِعُمُومِهَا، وَلَكِنْ إذَا تَرَكَهَا أَهْلُ بَلَدٍ لَا يُقَاتَلُونَ عَلَيْهَا كَمَا لَا يُقَاتَلُونَ عَلَى تَرْكِ صَلَاةِ الْعِيدِ، بِخِلَافِ الْأَذَانِ وَالْجَمَاعَةِ فَيُقَاتَلُونَ عَلَى تَرْكِهَا، وَرَجَّحَ بَعْضٌ أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ عَلَيْهَا بِنَاءً عَلَى وُجُوبِهَا كَمَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَعَدَمُ الْقِتَالِ عَلَى تَرْكِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهَا وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْمُعْتَمَدِ، وَلِذَلِكَ لَا يُكَفَّرُ مُنْكِرُ وُجُوبِهَا بِخِلَافِ مُنْكِرِ مَشْرُوعِيَّتِهَا، وَلَعَلَّهُ وَجْهُ شُهْرَةِ مَشْرُوعِيَّتِهَا دُونَ فَرْضِيَّتِهَا، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ صَاعًا هَكَذَا رُوِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَجَعَلْتهَا صَاعًا، وَأَعْرَبَهُ بَعْضُهُمْ حَالًا، وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَهِيَ صَاعٌ وَلَيْسَ خَبَرَ الصَّدَقَةِ وَإِنَّمَا خَبَرُهَا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَلَعَلَّ هَذَا اللَّفْظَ رِوَايَةٌ لِلْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى، وَإِلَّا فَنَصُّ الْمُوَطَّإِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ» إلَخْ وَصِلَةُ فَرَضَهَا (عَلَى كُلِّ كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ) : كَائِنَيْنِ (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) : وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِوَلِيِّ الصَّغِيرِ وَسَيِّدِ الْعَبْدِ، وَمَفْعُولُ فَرَضَ (صَاعًا عَنْ كُلِّ نَفْسٍ بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّهِ ﷺ ) : وَتَقَدَّمَ أَنَّ كُلَّ مُدٍّ رَطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ نَقْلًا عَنْ الدَّاوُدِيِّ: الصَّاعُ الَّذِي لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفَّيْ الرَّجُلِ الَّذِي لَيْسَ بِعَظِيمِ الْكَفَّيْنِ وَلَا صَغِيرِهِمَا، إذْ لَيْسَ كُلُّ مَكَان يُوجَدُ فِيهِ صَاعُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْرُ الصَّاعِ بِالْكَيْلِ الْمَصْرِيِّ قَدَحٌ وَثُلُثٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا أَبُو الْإِرْشَادِ عَلِيٌّ الْأُجْهُورِيُّ، فَعَلَى تَحْرِيرِهِ الرُّبُعُ الْمَصْرِيُّ يُجْزِئُ عَنْ
стр. 346
دُخْنٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ أُرْزٍ وَقِيلَ إنْ كَانَ الْعَلَسُ قُوتَ قَوْمٍ أُخْرِجَتْ مِنْهُ وَهُوَ حَبٌّ صَغِيرٌ يَقْرُبُ مِنْ خِلْقَةِ الْبُرِّ
وَيُخْرِجُ عَنْ الْعَبْدِ سَيِّدُهُ وَالصَّغِيرُ لَا مَالَ لَهُ يُخْرِجُ عَنْهُ وَالِدُهُ وَيُخْرِجُ الرَّجُلُ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَعَنْ مُكَاتَبِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ بَعْدُ
وَيُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهَا إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ
وَيُسْتَحَبُّ الْفِطْرُ فِيهِ قَبْلَ
ــ
[الفواكه الدواني]
ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الصَّاعِ إذَا كَانَتْ مُحَقَّقَةً، وَقَصَدَ بِهَا الِاسْتِظْهَارَ عَلَى الشَّارِعِ كَالزِّيَادَةِ فِي التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَالثَّلَاثِينَ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ لَا عَلَى أَنَّ الْإِجْزَاءَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا فَلَا كَرَاهَةَ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الصَّاعُ عَلَى مَنْ فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَ الْعِيدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا قُوتُ يَوْمِ الْعِيدِ لَمْ تَلْزَمْهُ زَكَاةٌ إلَّا أَنْ يَجِدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْوَفَاءِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ سُقُوطِهَا بِالدَّيْنِ، وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى كُلِّ الصَّاعِ بَلْ عَلَى بَعْضِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ إخْرَاجُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُ
[مَا تَخْرُجُ مِنْهُ صَدَقَة الْفِطْرِ]
. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا تَخْرُجُ مِنْهُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ بِقَوْلِهِ: (وَتُؤَدَّى) : أَيْ تَخْرُجُ زَكَاةُ الْفِطْرِ (مِنْ جُلِّ) : أَيْ غَالِبِ (عَيْشِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ) : الَّذِي فِيهِ الْمُزَكِّي أَوْ الْمُزَكَّى عَنْهُ، سَوَاءً مَاثَلَ قُوتَهُ أَوْ كَانَ أَدْنَى مِنْ قُوتِهِ أَوْ أَعْلَى، فَإِنْ كَانَ قُوتُهُ أَعْلَى مِنْ قُوتِ غَالِبِ أَهْلِ الْبَلَدِ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ قُوتِهِمْ وَأَخْرَجَ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ اقْتِيَاتُهُ لِعَجْزِهِ عَنْ قُوتِهِمْ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ لِشُحٍّ أَوْ كَسْرِ نَفْسٍ أَوْ عَادَةٍ فَلَا يُجْزِئُهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ شِرَاءُ الصَّاعِ مِنْ قُوتِهِمْ؛ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ مِنْ الْغَالِبِ الْجَيِّدِ وَاجِبٌ إلَّا لِعَجْزٍ عَنْهُ. ثُمَّ بَيَّنَ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ الْقُوتُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ) : وَهُمَا مَعْرُوفَانِ (أَوْ سُلْتٍ) : وَهُوَ شَعِيرٌ لَا قِشْرَ لَهُ (أَوْ تَمْرٍ أَوْ أَقِطٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ دُخْنٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ أَرْزٍ) : فَهَذِهِ تِسْعَةُ أَنْوَاعٍ لَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا مَعَ وُجُودِ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَزَادَ ابْنُ حَبِيبٍ عَاشِرًا أَشَارَ لَهُ الْمُصَنِّفُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ بِقَوْلِهِ: (وَقِيلَ إنْ كَانَ الْعَلَسُ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَاللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ وَبَعْدَهُمَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ (قُوتَ قَوْمٍ أُخْرِجَ) : أَيْ الصَّاعُ (مِنْهُ وَهُوَ حَبٌّ صَغِيرٌ يَقْرُبُ مِنْ خِلْقَةِ الْبُرِّ) : وَهُوَ طَعَامُ أَهْلِ صَنْعَاءَ، وَيَجِبُ فِي هَذَا الصَّاعِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي يُطْحَنُ عَلَيْهَا، وَلِذَلِكَ تُسْتَحَبُّ غَرْبَلَتُهُ إنْ كَانَ غَلَثًا إلَّا أَنْ يَزِيدَ غَلَثُهُ عَلَى الثُّلُثِ فَتَجِبُ غَرْبَلَتُهُ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَلَا يُجْزِئُ الْمُسَوَّسُ الْفَارِغُ بِخِلَافِ الْقَدِيمِ الْمُتَغَيِّرِ الطَّعْمِ فَيُجْزِئُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مَتَى وُجِدَ نَوْعٌ مِنْ هَذِهِ التِّسْعَةِ لَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا وَلَوْ اُقْتِيتَ ذَلِكَ الْغَيْرُ، وَأَمَّا عِنْدَ وُجُودِهَا كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا فَيَجِبُ الْإِخْرَاجُ مِنْ الْغَالِبِ اقْتِيَاتًا، فَإِنْ أُخْرِجَ مِنْ غَيْرِهِ أَجْزَأَ إنْ كَانَ أَعْلَى أَوْ مُسَاوِيًا، وَكَذَا إنْ كَانَ أَدْنَى مَعَ عَجْزِهِ عَنْ شِرَاءِ الْمُسَاوِي كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِخْرَاجُ مِنْ أَغْلِبْ مَا يُقْتَاتُ مِنْ غَيْرِهَا وَلَوْ لَحْمًا أَوْ زَيْتًا لَكِنْ يُخْرَجُ مِنْهُ مِقْدَارُ عَيْشِ الصَّاعِ مِنْ الْقَمْحِ وَزْنًا؛ لِأَنَّ عَيْشَ الصَّاعِ مِنْ الْقَمْحِ أَكْثَرُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الشِّبَعُ.
١ -
الثَّانِي: صِفَةُ الْإِخْرَاجِ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ حَبِّهَا، فَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْ خُبْزِهَا وَلَا مِنْ دَقِيقِهَا إلَّا أَنْ يُعْتَبَرَ مَا فِي الصَّاعِ الْحَبِّ مِنْ الدَّقِيقِ وَيُخْرِجُ رُبُعَهُ مَعَ الصَّاعِ الدَّقِيقِ أَوْ الْخُبْزِ.
١ -
الثَّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ هَلْ الْمُرَادُ عَيْشُ الْبَلَدِ فِي جَمِيعِ الْعَامِ أَوْ فِي خُصُوصِ رَمَضَانَ؟ قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَكَانَ شَيْخُنَا يُعْجِبُهُ اعْتِبَارُهُ فِي خُصُوصِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِينَ فَيُعْتَبَرُ مَا يُؤْكَلُ فِيهِ، وَأَيْضًا إنَّمَا يَقْتَاتُونَ فِي رَمَضَانَ أَحْسَنَ الْأَقْوَاتِ،
وَلَمَّا كَانَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى كُلِّ كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ أَوْ عَبْدٍ يُوهِمُ أَنَّ الصَّغِيرَ وَالرَّقِيقَ هُمَا الْمُخَاطَبَانِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ: (وَ) : يَجِبُ أَنْ (يُخْرِجَ عَنْ الْعَبْدِ سَيِّدُهُ) : وَلَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ آبِقًا مَرْجُوًّا أَوْ مَبِيعًا بِالْخِيَارِ أَوْ أَمَةً مَبِيعَةً فِي زَمَنِ مُوَاضَعَتِهَا؛ لِأَنَّ ضَمَانَهَا مِنْ بَائِعِهَا أَوْ مُخْدِمِهَا تَرْجِعُ لَهُ رَقَبَتُهُ وَإِلَّا وَجَبَتْ عَلَى مَنْ تَصِيرُ لَهُ رَقَبَتُهُ، وَأَمَّا عَبِيدُ الْعَبِيدِ فَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ الْأَعْلَى وَلَا الْأَسْفَلَ الْإِخْرَاجُ عَنْهُمْ وَلَا يَلْزَمُ الْإِخْرَاجُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَالْمُشْتَرَكُ وَالْمُبَعَّضُ بِقَدْرِ الْمِلْكِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ فِيمَا قَابَلَ جُزْأَهُ الْحُرَّ، كَمَا لَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ الْإِخْرَاجُ عَنْهُ زَوْجَتِهِ.
(وَ) : كَذَلِكَ الْوَلَدُ الْمُسْلِمُ (الصَّغِيرُ) : الَّذِي (لَا مَالَ لَهُ) يَجِبُ أَنْ (يُخْرِجَ عَنْهُ وَالِدُهُ) : حَتَّى يَبْلُغَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ، وَالْأُنْثَى حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا الزَّوْجُ الْبَالِغُ الْمُوسِرُ أَوْ تَطْلُبُهُ لِلدُّخُولِ بِهَا مَعَ بُلُوغِهِ وَإِطَاقَتِهَا، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَهُ مَالٌ لَمْ يَلْزَمْ وَالِدَهُ الْإِخْرَاجُ عَنْهُ لِسُقُوطِ نَفَقَتِهِ عَنْهُ، وَمَفْهُومُ الصَّغِيرِ أَنَّ الْكَبِيرَ لَا يَجِبُ عَلَى أَبِيهِ الْإِخْرَاجُ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا حَيْثُ بَلَغَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ لَا إنْ بَلَغَ زَمِنًا، أَوْ مَجْنُونًا؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَابِعَةٌ لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ.
(وَ) : الْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ أَيْ (يُخْرِجُ الرَّجُلُ) : الْمُرَادُ الْمَالِكُ (زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) : بِقَرَابَةٍ كَأَبَوَيْهِ دَنِيَّةً الْفَقِيرَيْنِ أَوْ زَوْجَتِهِ وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً أَوْ غَنِيَّةً فِي الْعِصْمَةِ أَوْ مُطَلَّقَةً طَلَاقًا رَجْعِيًّا لَا مُطَلَّقَةً طَلَاقًا بَائِنًا وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا، وَكَمَا يَلْزَمُهُ الْإِخْرَاجُ عَنْ أَبِيهِ الْفَقِيرِ يُخْرِجُ عَنْ زَوْجَتِهِ وَخَادِمِهِ، وَكَمَا لَا تَتَعَدَّدُ نَفَقَةُ خَادِمِ الزَّوْجَةِ لَا تَتَعَدَّدُ فِطْرَتُهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ قَدْرٍ.
(وَ) : كَذَا يَلْزَمُ الْمَالِكُ أَنْ يُخْرِجَ (عَنْ مُكَاتَبِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ) : زَمَنَ الْكِتَابَةِ (؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ) : مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ أَوْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حَطَّ عَنْهُ جُزْءًا مِنْ
стр. 347
الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْأَضْحَى وَيُسْتَحَبُّ فِي الْعِيدَيْنِ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ طَرِيقٍ وَيَرْجِعَ مِنْ أُخْرَى.
ــ
[الفواكه الدواني]
الْكِتَابَةِ فِي نَظِيرِ النَّفَقَةِ، وَيُخْرِجُ عَنْ كُلِّ شَخْصٍ مِمَّنْ ذُكِرَ مِنْ النَّوْعِ الَّذِي يَأْكُلُ مِنْهُ الْمُخْرَجُ عَنْهُ، وَاحْتَرَزَ بِتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ عَنْ الْقَرِيبِ الَّذِي لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ: كَالْأَبَوَيْنِ الْمُوسِرَيْنِ وَكَالْأَجْدَادِ وَلَوْ فُقَرَاءَ وَالْحَوَاشِي فَلَا يَلْزَمُ الشَّخْصَ الْإِخْرَاجُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِعَدَمِ وُجُوبِ نَفَقَتِهِمْ، كَمَا لَا يَلْزَمُ الشَّخْصَ إخْرَاجُ فِطْرَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ بِالِالْتِزَامِ
[زَمَنِ إخْرَاجِهَا زَكَّاهُ الْفِطْر]
. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ زَمَنِ إخْرَاجِهَا: بِقَوْلِهِ: (وَيُسْتَحَبُّ) : لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ (إخْرَاجُهَا) : أَيْ دَفْعُهَا لِلْمَسَاكِينِ الَّذِينَ لَا يَمْلِكُونَ قُوتَ يَوْمِ الْفِطْرِ (إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ) : وَقَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَقَبْلَ الْغُدُوِّ، إلَى الْمُصَلَّى لِيَأْكُلَ مِنْهَا الْفَقِيرُ قَبْلَ ذَهَابِهِ إلَى الْمُصَلَّى لِمَا فِي مُسْلِمٍ: «مِنْ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الْمُصَلَّى» . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ» وَيَجُوزُ إخْرَاجُهَا قَبْلَ يَوْمِ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ.
١ -
(تَتِمَّةٌ) : لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ وَقْتَ وُجُوبِهَا وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَهَلْ بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ أَوْ بِفَجْرِهِ خِلَافٌ، أَيْ هَلْ يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَهُوَ غُرُوبُ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَلَا يَمْتَدُّ وَقْتُ الْوُجُوبِ أَوْ يَتَعَلَّقُ بِفَجْرِ يَوْمِ الْعِيدِ خِلَافٌ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا وَقْتَ الْغُرُوبِ وَصَارَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا وَقْتَ الْفَجْرِ كَالزَّوْجَةِ تَطْلُقُ وَالْعَبْدُ يُبَاعُ أَوْ يُعْتَقُ، وَعَكْسُهُ كَمَنْ تَزَوَّجَهَا أَوْ مَلَكَهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْلَ الْفَجْرِ أَيْ وَبَقِيَتْ لِلْفَجْرِ إذْ لَوْ طَلُقَتْ أَوْ بِيعَتْ قَبْلَهُ لَمْ تَجِبْ زَكَاتُهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: فَمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَقْتَ الْغُرُوبِ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ وَقْتَ الْفَجْرِ عَلَى الثَّانِي سَقَطَتْ عَنْهُ وَلَوْ صَارَ مِنْ أَهْلِهَا بَعْدُ، فَمَنْ مَاتَ أَوْ بِيعَ أَوْ طَلُقَتْ بَائِنًا أَوْ أُعْتِقَ قَبْلَ الْغُرُوبِ: سَقَطَتْ عَنْهُ وَعَنْ الْمُطَلِّقِ وَالْبَائِعِ وَالْمُعْتِقِ اتِّفَاقًا، وَبَعْدَ الْفَجْرِ وَجَبَتْ عَلَى مَنْ ذُكِرَ اتِّفَاقًا وَفِيمَا بَيْنَهُمَا الْقَوْلَانِ، فَتَجِبُ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ وَعَلَى الْمُعْتِقِ وَعَلَى الْمُطَلِّقِ وَعَلَى الْمَالِكِ هُوَ الْبَائِعُ عَلَى الْأَوَّلِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي وَالْعَتِيقِ وَالْمُطَلَّقَةِ، وَتَسْقُطُ عَنْ الْمَيِّتِ عَلَى الثَّانِي، وَإِنْ وُلِدَ أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَجَبَتْ اتِّفَاقًا، وَبَعْدَ الْفَجْرِ سَقَطَتْ اتِّفَاقًا، وَفِيمَا بَيْنَهُمَا الْقَوْلَانِ الْوُجُوبُ عَلَى الثَّانِي لَا عَلَى الْأَوَّلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ قَارَنَتْ وِلَادَتُهُ الْغُرُوبَ أَوْ طُلُوعَ الْفَجْرِ أَوْ مَاتَ أَوْ فُقِدَ فِيهِمَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ وُلِدَ قَبْلَهُمَا أَوْ مَاتَ أَوْ فُقِدَ قَبْلَهُمَا، اُنْظُرْ الْأُجْهُورِيَّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ
. (وَيُسْتَحَبُّ الْفِطْرُ فِيهِ) : أَيْ فِي عِيدِ الْفِطْرِ (قَبْلَ الْغُدُوِّ) : أَيْ الذَّهَابِ (إلَى الْمُصَلَّى) وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ عَلَى تَمَرَاتٍ.
قَالَ الْبَغَوِيّ: وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا. (وَلَيْسَ ذَلِكَ) : أَيْ اسْتِحْبَابُ الْفِطْرِ (فِي الْأَضْحَى) : بَلْ الْمُسْتَحَبُّ فِيهِ تَأْخِيرُ الْفِطْرِ لِخَبَرِ الدَّارَقُطْنِيِّ: «أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُفْطِرُ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى يَرْجِعَ لِيَأْكُلَ مِنْ كَبِدِ الْأُضْحِيَّةِ» وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ الْمُبَادَرَةُ بِالْفِطْرِ فِي عِيدِ الْفِطْرِ لِيُفَرِّقَ بَيْنَ زَمَانِ الْفِطْرِ وَالصَّوْمِ. (وَيُسْتَحَبُّ فِي) : حَقِّ كُلِّ مُرِيدٍ لِصَلَاةِ (الْعِيدَيْنِ) : الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى (أَنْ يَمْضِيَ) : إلَى الْمُصَلَّى (مِنْ طَرِيقٍ وَيَرْجِعَ فِي) : طَرِيقٍ (أُخْرَى) أَيْ غَيْرِ الَّتِي مَضَى مِنْهَا إلَى الْمُصَلَّى وَتَقَدَّمَ هَذَا، فَكَانَ الْمُصَنِّفُ فِي غَنِيَّةٍ عَنْ إعَادَتِهِ.
١ -
(خَاتِمَةٌ) : تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ لَهَا مَزِيدُ تَعَلُّقٍ بِالْبَابِ، مِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ مُسَافِرًا أَنْ يُعَجِّلَ الْإِخْرَاجَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَهْلِهِ الْمُخَاطَبِ بِالْإِخْرَاجِ عَنْهُمْ: وَلَا يُؤَخِّرُ الْإِخْرَاجَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى بَلَدِهِ وَنِيَّتُهُ عَنْهُمْ كَافِيَةٌ، لَكِنْ يُخْرِجُ مِمَّا يَقْتَاتُهُ أَهْلُ بَلَدِهِمْ، فَلَوْ أَخْرَجَ عَنْهُ أَهْلُهُ أَجْزَأَ بِشَرْطِ الْإِخْرَاجِ مِمَّا يَأْكُلُهُ، وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ أَوْصَاهُمْ أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُمْ الْإِخْرَاجَ عَنْهُ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ لِفَقْدِ النِّيَّةِ مِمَّنْ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهُ عَلَى الْمُخْرِجِ، بِخِلَافِ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى الْمُخْرِجِ، فَنِيَّةُ الْمُخْرِجِ كَافِيَةٌ. وَمِنْهَا: أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ لَا تَسْقُطُ عَمَّا خُوطِبَ بِهَا بِمُضِيِّ زَمَنِهَا بِخِلَافِ الضَّحِيَّةِ؛ لِأَنَّ هَذَا فَرْضٌ وَتِلْكَ سُنَّةٌ، وَالْفَرْضُ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِفِعْلِهِ. وَمِنْهَا: أَنَّهَا لَا تُدْفَعُ إلَّا لِمَنْ لَا يَمْلِكُ قُوتَ يَوْمِ الْفِطْرِ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقِيلَ: تُدْفَعُ لِفَقِيرٍ لَا يَمْلِكُ نِصَابًا وَإِنْ كَانَ لَا يَكْفِيهِ جَمِيعَ عَامِهِ لِحِكَايَةِ اللَّخْمِيِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهَا لَا تُدْفَعُ لِمَالِكِ النِّصَابِ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي بَيَانِ مَنْ تُصْرَفُ لَهُ: وَإِنَّمَا تُدْفَعُ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ، فَلَا تُدْفَعُ لِجَابٍ وَلَا مُفَرِّقٍ، وَلَا يُشْتَرَى مِنْهَا رَقِيقٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ سِوَى مَا تَقَدَّمَ
[بَاب فِي الْحَجّ وَالْعُمْرَة]
. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْأَرْبَعَةِ شَرَعَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالرُّكْنِ الْخَامِسِ فَقَالَ:
стр. 348
بَابٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَحَجُّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ الَّذِي بِبَكَّةِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ
مَرَّةً فِي عُمُرِهِ
وَالسَّبِيلُ الطَّرِيقُ السَّابِلَةُ وَالزَّادُ الْمُبَلِّغُ إلَى مَكَّةَ وَالْقُوَّةُ عَلَى الْوُصُولِ إلَى مَكَّةَ إمَّا رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا مَعَ
ــ
[الفواكه الدواني]
(بَابٌ فِي) : الْكَلَامِ عَلَى (الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) : أَمَّا الْحَجُّ فَهُوَ لُغَةً مُطْلَقُ الْقَصْدِ أَوْ بِقَيْدِ التَّكْرَارِ، وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُمْكِنُ رَسْمُهُ بِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَلْزَمُهَا وُقُوفٌ بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ عَاشِرِ ذِي الْحِجَّةِ وَحَدُّهُ بِزِيَارَةٍ وَطَوَافِ ذِي طُهْرٍ أَخَصُّ بِالْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ سَبْعًا بَعْدَ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَالسَّعْيِ مِنْ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ وَمِنْهَا إلَيْهِ سَبْعًا بَعْدَ طَوَافٍ لَا بِقَيْدِ وَقْتِهِ بِإِحْرَامٍ فِي الْجَمِيعِ، وَالْمُرَادُ بِالطُّهْرِ الْأَخَصُّ هُوَ مَا كَانَ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ، أَوْ مِنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ كَالصَّلَاةِ، وَمَعْنَى لَا بِقَيْدِ وَقْتِهِ أَنَّ الطَّوَافَ الَّذِي تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ السَّعْيِ لَا يَتَقَيَّدُ بِكَوْنِهِ بَعْدَ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، بِخِلَافِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَهِيَ لُغَةً الزِّيَادَةُ، وَاصْطِلَاحًا عِبَادَةٌ يَلْزَمُهَا طَوَافٌ وَسَعْيٌ مَعَ إحْرَامٍ، وَحَدُّهَا عِبَادَةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَبَدَأَ بِبَيَانِ حُكْمِ الْحَجِّ بِقَوْلِهِ: (وَحَجُّ) : أَيْ قَصْدُ (بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامَ الَّذِي بِبَكَّةِ) : لِلْعِبَادَةِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي مَرَّ حَدُّهَا، وَبَكَّةُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَيُقَالُ مَكَّةُ بِالْمِيمِ فَهُمَا لُغَتَانِ، وَقَوْلُهُ: الَّذِي بِبَكَّةِ وَصْفٌ كَاشِفٌ؛ لِأَنَّ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ إنَّمَا هُوَ فِي مَكَّةَ فَقَطْ وَإِضَافَتُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِلتَّشْرِيفِ، وَخَبَرُ حَجٍّ الْوَاقِعُ مُبْتَدَأً. (فَرِيضَةٌ) : عَلَى الْفَوْرِ عَلَى تَشْهِيرِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَعَلَى التَّرَاخِي عَلَى تَشْهِيرِ الْمَغَارِبَةِ، إلَّا أَنْ يُخَافَ الْفَوَاتُ فَيُتَّفَقُ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ، دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ حَتَّى صَارَ وُجُوبُهُ كَالْمَعْلُومِ مِنْ الدَّيْنِ بِالضَّرُورَةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ زِيَادَةٌ: «فَمَنْ زَادَ فَتَطَوَّعَ» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَمَنْ جَحَدَهُ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ يُسْتَتَابُ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ، وَمَنْ أَقَرَّ بِوُجُوبِهِ وَامْتَنَعَ مِنْ فِعْلِهِ فَاَللَّهُ حَسْبُهُ، وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ بِنَاءً عَلَى تَرَاخِيهِ؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ قَدْ لَا تَكُونُ مَوْجُودَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَمَّا كَانَ الْحَجُّ أَشَقَّ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ قَالَ: (عَلَى كُلِّ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَى ذَلِكَ) : الْبَيْتِ (سَبِيلًا) : مَعْمُولُ اسْتَطَاعَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ سُلُوكَ سَبِيلٍ أَيْ طَرِيقٍ حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ الْمُسْتَطِيعِ. (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) : بِنَاءً عَلَى عَدَمِ خِطَابِ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَالْمَشْهُورُ خِطَابُهُمْ بِفُرُوعِهَا، فَالْإِسْلَامُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ فَقَطْ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَفَائِدَةُ الْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ مَعَ عَدَمِ صِحَّتِهِ مِنْهُمْ عِقَابُهُمْ وَوَصَفَ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: (الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ) : فَلَا يَجِبُ عَلَى الرَّقِيقِ وَلَا عَلَى الصَّبِيِّ وَإِنْ صَحَّ مِنْهُمَا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَصِحَّتُهُمَا أَيْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِالْإِسْلَامِ، فَيُحْرِمُ الْوَلِيُّ عَنْ الرَّضِيعِ وَالْمَجْنُونِ الْمُطْبِقِ بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَإِنْ أَيِسَ مِنْ إفَاقَتِهِ، وَأَمَّا شَرْطُ الْوُجُوبِ فَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: وَشَرْطُ وُجُوبِهِ كَوُقُوعِهِ فَرْضًا حُرِّيَّةٌ وَتَكْلِيفٌ وَقْتَ إحْرَامِهِ بِلَا نِيَّةِ نَفْلٍ، وَوَجَبَ بِاسْتِطَاعَةٍ بِإِمْكَانِ الْوُصُولِ بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ، وَأَمْنٍ عَلَى نَفْسٍ وَمَالٍ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ شَرْطَ الصِّحَّةِ الْإِسْلَامُ فَقَطْ، وَشَرْطُ الْوُجُوبِ فَقَطْ الِاسْتِطَاعَةُ وَإِذْنُ وَلِيِّ السَّفِيهِ، وَشَرْطُ الْوُجُوبِ مَعَ وُقُوعِهِ فَرْضًا الْحُرِّيَّةُ وَالتَّكْلِيفُ وَقْتَ الْإِحْرَامِ، وَشَرْطُ وُقُوعِهِ فَرْضًا فَقَطْ عَدَمُ نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ
ثُمَّ بَيَّنَ مَا تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ مِنْ فَرِيضَةِ الْحَجِّ بِقَوْلِهِ: (مَرَّةً) : مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ الْمُبَيِّنِ لِلْعَدَدِ عَامِلُهُ فَرِيضَةٌ أَيْ وَحَجُّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامَ فَرِيضَةٌ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ مَرَّةً (فِي عُمُرِهِ) : وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ حَصَلَ الْقِيَامُ بِهِ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ كَانَ نَافِلَةً مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا
стр. 349
صِحَّةِ الْبَدَنِ
وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ
وَمِيقَاتُ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ الْجُحْفَةُ فَإِنْ مَرُّوا بِالْمَدِينَةِ
ــ
[الفواكه الدواني]
أَنَّ سُنَّةَ الْعُمْرَةِ تَحْصُلُ بِمَرَّةٍ كَمَا يَأْتِي، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا يَقَعُ نَافِلَةً حَيْثُ حَصَلَتْ فِي عَامٍ آخَرَ،؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ إلَّا لِعَارِضٍ، كَمَنْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ الْحَرَمَ وَدَخَلَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ
١ -
، وَاخْتُلِفَ هَلْ فُرِضَ الْحَجُّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] تَأْكِيدًا لَهُ، أَوْ بَعْدَهَا سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ، وَصَحَّحَهُ الشَّافِعِيُّ أَوْ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَصَحَّحَهُ فِي الْإِكْمَالِ أَقْوَالٌ، وَحَجَّ ﵊ حَجَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ حَجَّ قَبْلَهَا مَرَّاتٍ وَاعْتَمَرَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ كَمَا قَالَ أَنَسٌ: «عُمْرَةُ الصَّدِّ عَنْ الْبَيْتِ حِينَ أَحْرَمَ بِهَا وَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ، وَعُمْرَتُهُ أَيْضًا مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَعُمْرَتُهُ مَعَ حَجَّتِهِ، وَعُمْرَتُهُ حِينَ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ مِنْ الْجِعْرَانَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ»
[تَفْسِيرِ الِاسْتِطَاعَةِ]
. ثُمَّ بَيَّنَ السَّبِيلَ الَّذِي يَكُونُ بِالتَّمَكُّنِ مِنْهُ مُسْتَطِيعًا بِقَوْلِهِ: (وَالسَّبِيلُ) : لَا بِالْمَعْنَى السَّابِقِ بَلْ بِمَعْنَى الِاسْتِطَاعَةِ بِدَلِيلِ عَطْفِ الزَّادِ وَمَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ عِبَارَةٌ عَنْ اجْتِمَاعِ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا (الطَّرِيقُ السَّابِلَةُ) : أَيْ الْمَأْمُونَةُ فَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ فِيهَا عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَجُّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ مِنْ لِصٍّ أَوْ عَشَّارٍ يَأْخُذُ شَيْئًا قَلِيلًا لَا يَجْحَفُ بِمَالِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَعُودُ ثَانِيًا فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَجُّ، وَأَمَّا إنْ عُلِمَ رُجُوعُهُ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ مَعَهُ الْحَجُّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مَشْرُوطَةٌ بِالْأَمْنِ، وَعِنْدَ الشَّكِّ لَا أَمْنَ، وَالْقِلَّةُ بِالنَّظَرِ لِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ الْمَالُ، وَأَشْعَرَ سُقُوطُ الْحَجِّ بِأَخْذِ مَنْ ذُكِرَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُسْقِطِ أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْجُنْدُ مِنْ الْحُجَّاجِ لِيَدْفَعُوا عَنْهُمْ كُلَّ يَدٍ عَادِيَةٍ جَائِزٌ لِشَبَهِهِ بِالنَّفَقَةِ اللَّازِمَةِ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَالزَّادِ، ذَكَرَهُ سَنَدٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ.
(وَ) ثَانِي الْأُمُورِ (الزَّادُ الْمُبَلِّغُ) : أَيْ الْمُوَصِّلُ (إلَى مَكَّةَ) : وَلَوْ بِثَمَنِ وَلَدِ زِنًا مِنْ أَمَتِهِ، أَوْ مَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ كَكُتُبِهِ وَلَوْ الْمُحْتَاجَ إلَيْهَا، أَوْ ثَوْبَيْ جُمُعَتِهِ إنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُمَا، وَدَارِهِ وَمَاشِيَتِهِ، بَلْ وَلَوْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الزَّادِ الْمُبَلِّغِ مِنْ صَنْعَةٍ تَقُومُ بِهِ حَيْثُ كَانَ يَظُنُّ عَدَمَ كَسَادِهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا تَكُونَ تُزْرِي بِهِ، وَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ الْمُبَلِّغِ إلَى مَكَّةَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِطَاعَةِ وُجُودُ مَا يَرِدُ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَاعْتُبِرَ مَا يَرِدُ بِهِ إنْ خَشِيَ ضَيَاعًا، وَحِينَئِذٍ فَيُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ عَلَى مَا يُوَصِّلُهُ وَيَرِدُ بِهِ إلَى أَقْرَبَ مَكَان يُمْكِنُ التَّمَشِّي فِيهِ بِمَا لَا يُزْرِي بِهِ مِنْ الْحِرَفِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ وُجُوبُ الْحَجِّ عَلَى الْقَادِرِ عَلَى الزَّادِ الْمُبَلِّغِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَلَوْ كَانَ أَعْزَبَ وَيَحْتَاجُ إلَى النِّكَاحِ بِمَا مَعَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَخْشَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ، كَمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِمَا مَعَهُ، وَلَوْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى إنْفَاقِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ أَوْ أَبَوَيْهِ أَوْ زَوْجَاتِهِ وَلَوْ خَشِيَ تَطْلِيقَهُنَّ عَلَيْهِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَإِنْ بِافْتِقَارِهِ أَوْ تَرْكِ وَلَدِهِ لِلصَّدَقَةِ إنْ لَمْ يَخْشَ هَلَاكًا، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْفَوْرِ، وَأَمَّا قُدْرَتُهُ بِالدَّيْنِ أَوْ قَبُولِ الْعَطِيَّةِ مِنْ الْغَيْرِ وَلَوْ مِنْ الِابْنِ لِأَبِيهِ كَمَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَوْ بِالسُّؤَالِ فَلَا تَكُونُ اسْتِطَاعَةً وَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ السُّؤَالَ.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا بِدَيْنٍ أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ سُؤَالٍ مُطْلَقًا، خِلَافًا لِابْنِ عَرَفَةَ حَيْثُ قَالَ: وَقُدْرَةُ سَائِلٍ بِالْحَضَرِ عَلَى سُؤَالِ كِفَايَتِهِ بِالسَّفَرِ اسْتِطَاعَةٌ، وَرَجَّحَ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ بَلْ هُوَ صَرِيحُهُ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ اسْتِطَاعَةً، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
(وَ) : ثَالِثُ الْأُمُورِ (الْقُوَّةُ عَلَى الْوُصُولِ إلَى مَكَّةَ) : عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ، إذْ لَا يُشْتَرَطُ انْتِفَاؤُهَا جُمْلَةً وَإِلَّا سَقَطَ الْحَجُّ عَنْ غَالِبِ النَّاسِ الْمُسْتَطِيعِينَ، إذْ لَا بُدَّ مِنْ أَصْلِ الْمَشَقَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧] وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْقُوَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَعْمَى يَجِدُ قَائِدًا وَيَجِدُ أُجْرَتَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِمَا، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّ مَنْ لَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى الْوُصُولِ جُمْلَةً أَوْ لَهُ لَكِنْ مَعَ مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ لَا يَكُونُ مُسْتَطِيعًا، وَإِنْ كَانَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ إنْ تَكَلَّفَ الْمَشَقَّةَ وَحَجَّ كَمَنْ فَرْضُهُ الصَّلَاةُ مِنْ جُلُوسٍ وَتَكَلَّفَ الْقِيَامَ، وَقَوْلُنَا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّنْ قَدَرَ عَلَى الْوُصُولِ بِنَحْوِ طَيَرَانٍ فَلَا يُعَدُّ مُسْتَطِيعًا شَرْعًا، وَإِنْ كَانَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَجُّ إنْ فَعَلَ، وَقَوْلُهُ إلَى مَكَّةَ كَانَ الْأَوْلَى إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ لِلضَّمِيرِ وَالْقُوَّةِ الْمَذْكُورَةِ. (إمَّا) : بِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْوُصُولِ (رَاكِبًا) : لِدَابَّةٍ أَوْ سَفِينَةٍ (أَوْ رَاجِلًا) : أَيْ مَاشِيًا عَلَى رِجْلَيْهِ لِمَنْ لَهُ قُدْرَةٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ عِنْدَ مَالِكٍ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا وُجُودُ رَاحِلَةٍ بَلْ الْقُدْرَةُ عَلَى الْوُصُولِ مِنْ غَيْرِ عَظِيمِ مَشَقَّةٍ. وَرَابِعُ الْأُمُورِ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ (مَعَ صِحَّةِ الْبَدَنِ) : فَالْمَرِيضُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَإِنْ وَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، وَلَوْ أَسْقَطَ قَوْلُهُ: مَعَ صِحَّةِ الْبَدَنِ لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَالْقُوَّةُ عَلَى الْوُصُولِ إلَى مَكَّةَ يُشْبِهُ التَّكْرَارَ.
стр. 350
فَالْأَفْضَلُ لَهُمْ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْ مِيقَاتِ أَهْلِهَا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ وَأَهْلُ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ وَأَهْلُ نَجْدٍ
ــ
[الفواكه الدواني]
تَنْبِيهَانِ) : الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ تَفْسِيرِنَا السَّبِيلَ بِالِاسْتِطَاعَةِ أَنَّ فِي كَلَامِهِ شِبْهَ اسْتِخْدَامٍ؛ لِأَنَّ السَّبِيلَ فِي الْأَوَّلِ الطَّرِيقُ الْمَسْلُوكُ وَالسَّبِيلُ الثَّانِي بِمَعْنَى الِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي هِيَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَسْتَقِيمُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مَعَ كَلَامِ خَلِيلٍ فِي تَفْسِيرِ الِاسْتِطَاعَةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي وُجُوبِهِ حَيْثُ قَالَ: وَوَجَبَ بِاسْتِطَاعَةٍ، بِقَوْلِهِ: بِإِمْكَانِ الْوُصُولِ بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ وَأَمْنٍ عَلَى نَفْسٍ وَمَالٍ إلَخْ، وَيَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَالسَّبِيلُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ قَصَدَ بِهَا تَفْسِيرَ الِاسْتِطَاعَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالِاسْتِطَاعَةُ الْمَفْهُومَةُ مَنْ اسْتَطَاعَ الطَّرِيقَ الْمَأْمُونَةَ وَالزَّادَ وَالْقُوَّةَ عَلَى الْوُصُولِ مَعَ صِحَّةِ الْبَدَنِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِرَكَاكَةِ التَّرْكِيبِ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالتَّرَاكِيبِ.
الثَّانِي: يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا أَنَّ الْبَحْرَ كَالْبَرِّ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ شَامِلٌ لِرُكُوبِ السَّفِينَةِ كَمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَطَبُهُ، وَإِلَّا أَنْ يَكُونَ يَلْزَمُ عَلَى السَّفَرِ فِيهِ تَضْيِيعُ الصَّلَاةِ أَوْ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا، لِكَمَيْدٍ: وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْمَرْأَةَ كَالرَّجُلِ لِعُمُومِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ بَعِيدًا فَيَلْزَمُ الْحَجُّ الرَّجُلَ دُونَ الْمَرْأَةِ، كَمَا لَا يَلْزَمُهَا فِي سَفَرٍ لِلْبَحْرِ إلَّا أَنْ تَخُصَّ بِمَكَانٍ فَيَلْزَمُهَا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا بُدَّ فِي سَفَرِهَا مِنْ مُحْرِمٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ رُفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ، فَإِنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الْمُحْرِمِ أَوْ الزَّوْجِ عِنْدَ تَعَذُّرِهِمَا، لَكِنْ فِي حَجِّ الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ.
[غَصَبَ مَالًا وَحَجَّ بِهِ] ١
(فَائِدَةٌ) : وَقَعَ خِلَافٌ فِيمَنْ غَصَبَ مَالًا وَحَجَّ بِهِ، فَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ يَسْقُطُ لِصِحَّتِهِ بِهِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ لَا يَسْقُطُ لِبُطْلَانِهِ عِنْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَهُوَ الْمُسْتَطِيعُ وَبَيَّنَ الِاسْتِطَاعَةَ، شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْحَجِّ، لَكِنْ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَنْ أَرَادَ الشُّرُوعَ فِي شَيْءٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْرِفَ أَرْكَانَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي صِفَتِهِ، وَنَحْنُ نُبَيِّنُ الْمَطْلُوبَ فَنَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ أَرْكَانَ الْحَجِّ أَرْبَعَةٌ: الْإِحْرَامُ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ. وَيَفُوتُ الْحَجُّ بِفَوَاتِ اثْنَيْنِ وَهُمَا: الْإِحْرَامُ وَالْوُقُوفُ، وَأَمَّا الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ فَلَا يَفُوتُ الْحَجُّ بِفَوَاتِهِمَا بَلْ يَأْتِي بِهِمَا وَلَوْ فَاتَ الْعَامُ، وَحَقِيقَةُ الْإِحْرَامِ فِي اللُّغَةِ الدُّخُولُ فِي الْحَرَمِ أَوْ فِي حُرْمَةِ الْحَجِّ أَوْ الصَّلَاةِ، وَشَرْعًا قَالَ خَلِيلٌ فِي مَنَاسِكِهِ: هُوَ الدُّخُولُ بِالنِّيَّةِ فِي أَحَدِ النُّسُكَيْنِ مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ، فَالْقَوْلُ كَالتَّلْبِيَةِ وَالْفِعْلُ كَالتَّوَجُّهِ إلَى الطَّرِيقِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا حُرْمَةَ مُقَدَّمَاتِ الْوَطْءِ مُطْلَقًا وَإِلْقَاءِ الشَّعَثِ وَالطِّيبِ، وَلُبْسِ الذَّكَرِ الْمَخِيطِ وَالْمُحِيطِ وَالصَّيْدِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا يَبْطُلُ بِمَا يَمْنَعُهُ فَقَالَ: (وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ) : الْقَادِمُ مِنْ أُفُقِهِ إلَى الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ (أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ) : الْمَعْرُوفِ لِبَلَدِهِ الَّذِي قَدِمَ مِنْهُ الْآتِي بَيَانُهُ، وَيُكْرَهُ إحْرَامُهُ قَبْلَهُ وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مُجَاوَزَةُ الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِيُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بِرُجُوعِهِ قَبْلَ إحْرَامِهِ فِي الْحَرَمِ نَزَلَ مَنْزِلَةَ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ ابْتِدَاءً، وَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ فِي الْحَرَمِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ وَلَوْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ الرُّجُوعِ عَلَى مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ حَالًا أَنْ لَا يَخَافَ فَوَاتَ الْحَجِّ أَوْ رُفْقَتِهِ بِرُجُوعِهِ، وَإِلَّا أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ وَمَضَى فِي الْحَرَمِ وَيَلْزَمُهُ الدَّمُ، وَإِنَّمَا حَرُمَ مُجَاوَزَةُ الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﵊، وَاسْتَثْنَى الْعُلَمَاءُ الْمُتَرَدِّدِينَ عَلَى مَكَّةَ كَالْمُتَسَبَّبِينَ بِالْفَوَاكِهِ وَالْخُضَرِ وَالْحَطَّابِينَ، وَالْخَارِجِ مِنْ مَكَّةَ رَافِضًا سُكْنَاهَا وَيَرْجِعُ لَهَا لِحَاجَةٍ نَسِيَهَا وَخَرَجَ مِنْهَا سَرِيعًا، وَكَذَا مَنْ خَرَجَ مِنْهَا إلَى مَحَلٍّ قَرِيبٍ وَرَجَعَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ زَمَنًا كَثِيرًا فَلَا إحْرَامَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ
١ -
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ إلَّا مَكَانَ الْإِحْرَامِ وَسَكَتَ عَنْ زَمَانِهِ، وَنَحْنُ نُبَيِّنُهُ أَكْمَلَ بَيَانٍ فَنَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ وَقْتَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ الَّذِي يُكْرَهُ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ شَوَّالٌ إلَى طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهَذَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْآفَاقِ بِخِلَافِ مِيقَاتِهِ الْمَكَانِيِّ، فَإِنْ خَالَفَ وَأَحْرَمَ قَبْلَ شَوَّالٍ كُرِهَ وَانْعَقَدَ، كَمَا يُكْرَهُ إيقَاعُهُ قَبْلَ مَكَانِهِ الْآتِي فِي كَلَامِهِ، وَأَمَّا إحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ فَوَقْتُهُ الزَّمَنُ كُلُّهُ وَلَوْ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ يَوْمِ عَرَفَةَ، إلَّا مَنْ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يَصِحُّ إحْرَامُهُ بِهَا إلَّا بَعْدَ تَحْلِيلِ الْحَجِّ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِ الْعُمْرَةِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا إلَّا مَكَانَ إحْرَامِ الْقَادِمِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَكَانَ إحْرَامِ الْمُقِيمِ بِمَكَّةَ وَمَحَلُّهُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمَكَانُهُ لَهُ لِلْمُقِيمِ مَكَّةُ وَنُدِبَ الْمَسْجِدُ وَلَوْ كَانَ الْمُقِيمُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَمِثْلُ الْمُقِيمِ بِهَا مَنْ قَرُبَ مِنْهَا كَالْمَنْوِيِّ وَالْمُزْدَلِفِيِّ وَكُلُّ مَنْ مَنْزِلُهُ فِي الْحَرَمِ، وَأَمَّا لَوْ أَرَادَ الْمُقِيمُ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ أَوْ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَيَخْرُجُ إلَى الْحِلِّ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهَا وَلِلْقُرْآنِ الْحِلُّ وَالْجِعْرَانَةُ أَوْلَى، ثُمَّ التَّنْعِيمُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الْيَوْمَ بِمَسَاجِدِ عَائِشَةَ، وَتُطْلِقُ عَلَيْهِ الْعَامَّةُ الْعُمْرَةَ
وَلَمَّا كَانَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْآفَاقِ الْمَكَانِيِّ مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِهِمْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (وَمِيقَاتُ أَهْلِ الشَّامِ وَ) : أَهْلِ (مِصْرَ وَأَهْلِ الْمَغْرِبِ) وَمَنْ خَلْفَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ وَأَهْلِ الرُّومِ وَالتَّكْرُورِ (الْجُحْفَةُ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءِ قَرْيَةٌ خَرِبَتْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى خَمْسِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ وَثَمَانٍ مِنْ الْمَدِينَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّيْلَ أَجْحَفَهَا، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْهَا حَيْثُ مَرُّوا بِهَا. (فَإِنْ مَرُّوا) : أَيْ أَهْلُ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ وَمَنْ مَعَهُمْ (بِالْمَدِينَةِ) : الْمُشَرَّفَةِ (فَالْأَفْضَلُ لَهُمْ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْ مِيقَاتِ أَهْلِهَا) : وَهُوَ (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) :؛ لِأَنَّهُ ﷺ أَحْرَمَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا نُدِبَ الْإِحْرَامُ فِي حَقِّ
стр. 351
مِنْ قَرْنٍ وَمَنْ مَرَّ مِنْ هَؤُلَاءِ بِالْمَدِينَةِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ إذْ لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى مِيقَاتٍ لَهُ
وَيُحْرِمُ الْحَاجُّ أَوْ الْمُعْتَمِرُ بِإِثْرِ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ يَقُولُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك
ــ
[الفواكه الدواني]
هَؤُلَاءِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مِيقَاتَهُمْ أَمَامَهُمْ، وَلِهَذَا لَوْ أَرَادُوا أَنْ يَذْهَبُوا إلَى مَكَّةَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ بِحَيْثُ لَا يَمُرُّونَ عَلَى مِيقَاتِهِمْ وَلَا يُحَازُونَهُ لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ كَمَا يَجِبُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالْحُلَيْفَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَالْفَاءِ تَصْغِيرُ حَلْفَةٌ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمُ مَاءٍ لِبَنِي جُشَمٍ بِالْجِيمِ وَالشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَهَذَا الْمِيقَاتُ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى عَشْرِ أَوْ تِسْعِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَوْ سِتَّةِ أَوْ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ، وَيُسَمَّى مَسْجِدُهَا مَسْجِدَ الشَّجَرَةِ وَقَدْ خَرِبَ، وَبِهَا بِئْرٌ تُسَمِّيهَا الْعَوَامُّ بِئْرَ عَلِيٍّ، وَلِهَذَا الْمِيقَاتِ خُصُوصِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مِنْهُ يُحْرِمُ مَنْ حَرَمٍ وَيَحِلُّ فِي حَرَمٍ، فَفِيهِ شَرَفُ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ، وَأَيْضًا هُوَ مِيقَاتُهُ ﷺ . (وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْعِرَاقِ) : وَفَارِسَ وَخُرَاسَانَ وَالْمَشْرِقِ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ (ذَاتُ عِرْقٍ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَوْضِعٌ بِالْبَادِيَةِ كَانَ قَرْيَةً وَخَرِبَتْ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، يُقَالُ إنَّ بِنَاءَهَا تَحَوَّلَ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ فَيَتَحَرَّى مُرِيدُ الْإِحْرَامِ مَكَانَ الْقَرْيَةِ الْقَدِيمَةِ وَيُحْرِمُ مِنْهُ،؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ مُعْتَبَرَةٌ بِأَنْفُسِهِمَا لَا بِأَسْمَائِهَا، فَلَوْ تَحَوَّلَتْ الْبَلَدُ أَوْ تَغَيَّرَ اسْمُهَا فَالْمُعْتَبَرُ الْمَحَلُّ الْأَصْلِيُّ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمِنْ عَلَامَاتِ ذَاتِ عِرْقٍ الْمَقَابِرُ الْقَدِيمَةُ.
(وَ) : مِيقَاتُ (أَهْلِ الْيَمَنِ) : وَالْهِنْدِ (يَلَمْلَمُ) : بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَاللَّامِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَالْمِيمُ بَيْنَهُمَا سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ مِيمٌ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ.
(وَ) : مِيقَاتُ (أَهْلِ نَجْدٍ) الْيَمَنِ وَنَجْدٍ وَالْحِجَازِ (قَرْنٌ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ يُقَالُ لَهُ قَرْنُ الْمَنَازِلِ لَا قَرْنُ الثَّعَالِبِ، وَعَنْ الْخَلِيلِ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ قَرْنُ الْمَنَازِلِ وَالثَّعَالِبِ وَهُوَ جَبَلٌ صَغِيرٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ الْجِبَالِ، قَالَ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ: إنَّهُ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ لِمَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْهَا، وَأُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ لَيْسَ مَنْسُوبًا إلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى قَبِيلَةِ قَرَنٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ بَطْنٌ مِنْ مُرَادَ كَمَا قَالَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحْدِيدِ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَقَالَ: هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ الْإِحْرَامَ حَتَّى أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ فِي الْحَجِّ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَيَخْرُجُ يُحْرِمُ بِهَا مِنْ الْحِلِّ» قَالَ صَاحِبُ الْإِكْمَالِ: هَذَا التَّحْدِيدُ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ «؛ لِأَنَّهُ حَدَّدَ الْمَوَاقِيتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَ الْبِلَادَ» ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ بَزِيزَةَ: عَلِمَهُ بِالْوَحْيِ فِي فَتْحِ الْمَدَائِنِ وَالْأَقْطَارِ لِأُمَّتِهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ تَحْدِيدٌ كَمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ، وَلِابْنِ حَبِيبٍ تَقْرِيبٌ، وَيُرْوَى أَنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ كَانَ لَهُ نُورٌ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ يَصِلُ آخِرُهُ لِهَذِهِ الْحُدُودِ، فَمَنَعَ الشَّارِعُ مُجَاوَزَتَهَا الْمُرِيدَ الْحَجَّ بِلَا إحْرَامٍ تَعْظِيمًا لِتِلْكَ الْآيَاتِ، وَلَمَّا قَدَمَ أَنَّ نَحْوَ الْمَصْرِيِّ وَالشَّامِيِّ إذَا مَرَّ بِالْمَدِينَةِ يُنْدَبُ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَكَانَ غَيْرُهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَالَ: (وَمَنْ مَرَّ مِنْ هَؤُلَاءِ) : الْجَمَاعَةِ أَعْنِي أَهْلَ الْعِرَاقِ وَأَهْلَ الْيَمَنِ وَأَهْلَ نَجْدٍ (بِالْمَدِينَةِ) : الْمُشَرَّفَةِ (فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) : وَعَلَّلَ وُجُوبَ الْإِحْرَامِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (إذْ لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى مِيقَاتٍ) : بِالتَّنْوِينِ (لَهُ) : بِخِلَافِ نَحْوِ الْمِصْرِيِّ إذَا مَرَّ عَلَيْهِ يَصِيرُ مِيقَاتُهُ أَمَامَهُ، فَلِذَا نُدِبَ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَحَلَّ إحْرَامِ مَنْ مَسْكَنُهُ بَيْنَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ وَمَكَّةَ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَنْزِلِهِ، وَيُنْدَبُ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْأَبْعَدِ لِمَكَّةَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ الْمَسْجِدِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ عَنْ مَنْزِلِهِ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ عَنْ الْمَوَاقِيتِ، وَيَلْزَمُ مَنْ أَخَّرَ الْإِحْرَامَ حَتَّى جَاوَزَ مَنْزِلَهُ وَأَحْرَمَ مِنْهُ الدَّمُ، كَمَا يَلْزَمُ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتِ حَلَالًا وَأَحْرَمَ مِنْهُ، وَكُلُّ مَنْ سَارَ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ الْمُوَصِّلَةِ لِلْمِيقَاتِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ عِنْدَ مُحَاذَاتِهِ الْمِيقَاتَ الْمُعَدَّلَةَ وَلَوْ مَرَّ فِي الْبَحْرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحَيْثُ حَاذَى وَاحِدًا أَوْ مَرَّ وَلَوْ بِبَحْرٍ، أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ حِينَئِذٍ إلَّا لِمَصْرِيٍّ يَمُرُّ بِالْحُلَيْفَةِ فَهُوَ أَوْلَى وَإِنْ لِحَائِضٍ.
الثَّانِي: يُسْتَحَبُّ لِمُرِيدِ الْإِحْرَامِ مِنْ مِيقَاتِهِ أَنْ يُبَادِرَ بِالْإِحْرَامِ مِنْهُ، كَمَا يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْعِبَادَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَيْضًا إزَالَةُ شَعَثِهِ كَتَقْلِيمِ أَظَافِرِهِ، وَإِزَالَةِ أَدْرَانِهِ وَشَعْرِ مَا عَدَا رَأْسَهُ فَالْأَفْضَلُ إبْقَاؤُهُ وَتَلْبِيدُهُ بِصَمْغٍ أَوْ غَاسُولٍ لِيَلْتَصِقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ زَمَنَ الْإِحْرَامِ سَتْرُهُ بِأَيِّ سَاتِرٍ وَلَوْ غَيْرَ مَخِيطٍ أَوْ مَخِيطٍ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَيْضًا تَرْكُ التَّلَفُّظِ عَنْ الْإِحْرَامِ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى النِّيَّةِ، كَمَا يُكْرَهُ لَهُ التَّلَفُّظُ بِنَوَيْت فِي الصَّلَاةِ أَوْ الصَّوْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُوَسْوِسًا أَوْ يَقْصِدُ مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ مَنْدُوبَةٌ.
[صِفَتِهِ الْإِحْرَام بِالْحَجِّ]
وَلَمَّا بَيَّنَ مَكَانَ الْإِحْرَامِ وَبَيَّنَّا زَمَانَهُ شَرَعَ الْآنَ فِي صِفَتِهِ وَذَكَرَ سُنَّتَهُ بِقَوْلِهِ (وَيُحْرِمُ الْحَاجُّ أَوْ الْمُعْتَمِرُ) : سَيَأْتِي مَعْنَى يُحْرِمُ أَيْ يَنْوِي مَا أَرَادَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (بِإِثْرِ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ) : وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ أَرَادَ
стр. 352
وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك وَيَنْوِي مَا أَرَادَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ
وَيُؤْمَرُ أَنْ يَغْتَسِلَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَيَتَجَرَّدَ مِنْ مَخِيطِ
ــ
[الفواكه الدواني]
أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَنْ يُوقِعَ إحْرَامَهُ عَقِبَ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ أَحْرَمَ عَقِبَ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ حَصَلَتْ السُّنَّةُ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ إيقَاعَهُ عَقِبَ صَلَاةٍ تَخُصُّهُ خِلَافًا لِظَاهِرِ تَخْيِيرِ الْمُصَنِّفِ، فَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ لَا يُصَلَّى فِيهِ أَخَّرَ الْإِحْرَامَ إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ أَصْحَابِهِ أَوْ ضَائِقَةَ الْوَقْتِ أَحْرَمَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ، وَقَوْلُهُ: يُحْرِمُ بِإِثْرِ صَلَاةٍ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ إحْرَامِهِ بَعْدَ السَّلَامِ، بَلْ حَتَّى يَسْتَوِيَ عَلَى رَاحِلَتِهِ إنْ كَانَ لَهُ رَاحِلَةٌ يَرْكَبُهَا، أَوْ حَتَّى يَشْرَعَ فِي مَشْيِهِ حَالَةَ كَوْنِهِ (يَقُولُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ) : يَقُولُهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى اللَّهُمَّ (لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ) : وَمَعْنَى لَبَّيْكَ أَجَبْتُك يَا اللَّهُ إجَابَةً بَعْدَ إجَابَةٍ، أَوْ لَازَمْت الْإِقَامَةَ عَلَى طَاعَتِك، مِنْ أَلَبَ بِالْمَكَانِ إذَا لَزِمَهُ وَأَقَامَ بِهِ، وَلَفْظُهَا مَصْدَرٌ كَبَقِيَّةِ أَخَوَاتِهَا، وَهِيَ مُثَنَّاةٌ لَفْظًا وَمَعْنَاهَا التَّكْثِيرُ لَا خُصُوصُ الِاثْنَيْنِ نَظِيرُ كَرَّتَيْنِ فِي آيَةِ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] وَيَدَاهُ بِمَعْنَى نِعَمُهُ مَبْسُوطَتَانِ إذْ نِعَمُهُ لَا تُحْصَى، وَالْبَصَرُ لَا يَرْجِعُ كَلِيلًا مِنْ كَرَّتَيْنِ، خِلَافًا لِيُونُسَ فِي قَوْلِهِ: إنَّ أَصْلَهُ لَبَّى اسْمٌ مُفْرَدٌ مَقْصُورٌ قُلِبَتْ أَلِفُهُ بِالْإِضَافَةِ لِلضَّمِيرِ كَأَلِفِ لَدَا وَعَلَى فِي لَدَيْهِ وَعَلَيْهِ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِقَلْبِ أَلِفِهِ عِنْدَ الْإِضَافَةِ لِلظَّاهِرِ كَمَا لَبَّى يَدِي مِسْوَرٌ بِخِلَافِ أَلِفِ لَدَا وَعَلَى (أَنَّ الْحَمْدَ) : بِفَتْحِ هَمْزَةِ أَنَّ عَلَى التَّعْلِيلِ، وَيُرْوَى بِالْكَسْرِ؛ لِأَنَّهُ ثَنَاءٌ وَإِخْبَارٌ، فَهُوَ اسْتِئْنَافٌ عَارِيًّا عَنْ التَّعْلِيلِ إشَارَةٌ إلَى اسْتِحْقَاقِ الْحَمْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْجُمْهُورِ، حَتَّى قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إنَّ الْفَتْحَ رِوَايَةُ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَمْدَ إنَّمَا هُوَ لِخُصُوصِ هَذَا الْبَيْتِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّ الْبَارِيَ سُبْحَانَهُ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ حَتَّى لِذَاتِهِ. (وَالنِّعْمَةَ لَك) : بِنَصْبِ لَفْظِ النِّعْمَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِعَطْفِهِ عَلَى مَنْصُوبِ أَنَّ قَبْلَ الِاسْتِكْمَالِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ جَوَازُ الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ لَك، وَخَبَرُ أَنَّ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، وَمَعْنَى النِّعْمَةِ لَك أَنَّهَا مَنْسُوبَةٌ لَك؛ لِأَنَّك الْمُنْعِمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِنْ وَصَلَتْ لَنَا مِنْ يَدِ غَيْرِك؛ لِأَنَّك الْخَالِقُ وَالْعَبْدُ كَاسِبٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْكَسْبِ الْخَلْقُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ. (وَالْمُلْكَ) : بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ بِمَرْجُوحِيَّةِ الرَّفْعِ بِالْعَطْفِ عَلَى مَحَلِّ اسْمِ أَنَّ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَجَائِزٌ رَفْعُك مَعْطُوفًا عَلَى مَنْصُوبِ إنْ بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلَا وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْخَلْقَ وَالتَّصَرُّفَ التَّامَّ فِي جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ لَك، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ: وَالْمُلْكَ يَبْتَدِئُ بِقَوْلِهِ: (لَا شَرِيكَ لَك) : أَيْ فِيهِ، وَهَذِهِ تَلْبِيَةُ الرَّسُولِ ﵊ وَهِيَ مِنْ سُنَنِ الْإِحْرَامِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ، وَقِيلَ: وَاجِبَةٌ وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ شُرَّاحُ الْمُخْتَصَرِ لِلُزُومِ الدَّمِ بِتَرْكِهَا أَوْ الْإِحْرَامِ مَعَ الطَّوْلِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا أَوَّلَهُ مَعَ الطَّوْلِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ تَرْكِهَا جُمْلَةً، وَلَا يُقَالُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: كَيْفَ يَلْزَمُ الدَّمُ بِتَرْكِ السُّنَّةِ؟ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هِيَ سُنَّةٌ شُهِرَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا، وَيَطَّرِدُ هَذَا الْجَوَابُ فِي لُزُومِ الدَّمِ لِمَنْ تَرَكَ سُنَّةَ الْمَشْيِ فِي الطَّوَافِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَيُسْتَحَبُّ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا ذُكِرَ لِقَوْلِ مَالِكٍ: الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا أَفْضَلُ، وَعَنْهُ كَرَاهَةُ الزِّيَادَةِ وَعَنْهُ الْإِبَاحَةُ، وَسَبَبُهَا أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵇ لَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ فَبَنَاهُ فَلَمَّا أَتَمَّهُ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، فَقَالَ: يَا رَبِّ وَأَيْنَ يَبْلُغُ صَوْتِي؟ فَقَالَ: عَلَيْك النِّدَاءُ وَعَلَيْنَا الْبَلَاغُ، فَقِيلَ: إنَّهُ صَعِدَ عَلَى الْمَقَامِ، وَقِيلَ: عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ فَنَادَى: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ بَنَى بَيْتًا فَحُجُّوهُ، فَكَانُوا يُجِيبُونَ مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَمِنْ بُطُونِ النِّسَاءِ وَأَصْلَابِ الرِّجَالِ، فَمَنْ أَجَابَهُ مَرَّةً فَإِنَّهُ يَحُجُّ مَرَّةً، وَمَنْ أَجَابَهُ أَكْثَرَ فَإِنَّهُ يَحُجُّ عَلَى عَدَدِ مَا أَجَابَ ثُمَّ بَيَّنَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ: وَيُحْرِمُ الْحَاجُّ أَوْ الْمُعْتَمِرُ بِقَوْلِهِ: (وَيَنْوِي) : مُرِيدُ الْإِحْرَامِ (مَا أَرَادَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ هُوَ الدُّخُولُ بِالنِّيَّةِ فِي أَحَدِ النُّسُكَيْنِ مَعَ قَوْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِهِ كَالتَّلْبِيَةِ أَوْ فِعْلٍ كَالتَّوَجُّهِ، وَهَذَا هُوَ الْإِحْرَامُ الَّذِي لَا خِلَافَ فِيهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ وَإِنْ خَالَفَهَا لَفْظُهُ وَلَا دَمَ وَإِنْ بِجِمَاعٍ مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ تَعَلَّقَا بِهِ، وَأَمَّا النِّيَّةُ بِدُونِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فَفِي انْعِقَادِهِ بِهَا خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ انْعِقَادُهُ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، بَلْ قَالَ الْمَوَّاقُ: إنَّهُ نَصُّهَا
[سُنَنٍ الْغُسْلُ الْمُتَّصِلُ بِالْإِحْرَامِ]
، وَلَمَّا كَانَ لِمُطْلَقِ الْإِحْرَامِ خَمْسُ سُنَنٍ: الْغُسْلُ الْمُتَّصِلُ بِالْإِحْرَامِ وَلَوْ مِنْ الْحَائِضِ وَالصَّغِيرِ وَالْهَيْئَةُ الْمَطْلُوبَةُ بَعْدَ التَّجَرُّدِ مِمَّنْ يُحْرِمُ مِنْ لُبْسِ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ وَالنَّعْلَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ بِالْحَدْوَةِ كَنِعَالِ التَّكْرُورِ لَا مَا سَيْرُهُ عَرِيضٌ كَالتَّاسُومَةِ، وَهَذِهِ السُّنَّةُ خَاصَّةٌ بِالرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَتَجَرَّدُ عِنْدَ إحْرَامِهَا بَلْ تَكُفُّ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ، وَتَقْلِيدُ مَا مَعَهُ مِنْ الْهَدَايَا وَإِشْعَارُهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُشْعِرُ وَإِيقَاعُهُ عَقِبَ صَلَاةٍ وَيُنْدَبُ كَوْنُهَا نَفْلًا وَالتَّلْبِيَةُ الْمُتَّصِلَةُ بِهِ، وَيَكْفِي فِي أَدَائِهَا وَلَوْ عَلَى وُجُوبِهَا الْمَرَّةُ، وَأَشَارَ إلَى بَعْضِهَا بِقَوْلِهِ: (وَيُؤْمَرُ أَنْ يَغْتَسِلَ) : مُرِيدُ الْإِحْرَامِ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ (عِنْدَ الْإِحْرَامِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ) : وَهُوَ سُنَّةٌ لِكُلِّ إحْرَامٍ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ كَمَا قَدَّمْنَا وَيَتَدَلَّك فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ وَهُوَ لِلنَّظَافَةِ، وَلِذَا يُطْلَبُ مِنْ نَحْوِ النُّفَسَاءِ وَلَوْ فُقِدَ الْمَاءُ أَوْ الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ لَا يَتَيَمَّمُ، وَلَيْسَ عَلَى تَارِكِهِ كَبَاقِي الِاغْتِسَالَاتِ دَمٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى طَلَبِهِ مِنْ
стр. 353
الثِّيَابِ
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ
وَلَا يَزَالُ يُلَبِّي دُبُرَ الصَّلَوَاتِ وَعِنْدَ كُلِّ شَرَفٍ وَعِنْدَ مُلَاقَاةِ الرِّفَاقِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ كَثْرَةُ الْإِلْحَاحِ بِذَلِكَ
فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ أَمْسَكَ عَنْ التَّلْبِيَةِ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى ثُمَّ يُعَاوِدَهَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ
ــ
[الفواكه الدواني]
نَحْوِ النُّفَسَاءِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ «أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ حِينَ وَلَدَتْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلرَّسُولِ ﵊ فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتُهِلَّ» وَإِذَا جَهِلَتْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ الْغُسْلَ حِينَ أَحْرَمَتْ فَقَالَ مَالِكٌ: تَغْتَسِلُ إذَا عَلِمْت وَكَذَا غَيْرُهُمَا، وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ غُسْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْلِيمُ أَظْفَارِهِ وَحَلْقُ عَانَتِهِ وَوَقْصُ شَارِبِهِ بِخِلَافِ شَعْرِ رَأْسِهِ فَالْأَفْضَلُ إبْقَاؤُهُ.
(وَ) : يَجِبُ عَلَى مُرِيدِ الْإِحْرَامِ وَإِنْ كَانَ مُكَلَّفًا وَعَلَى وَلِيِّهِ إنْ كَانَ صَغِيرًا أَنْ (يَتَجَرَّدَ مِنْ مَخِيطِ الثِّيَابِ) : وَمِنْ مُحِيطِهَا وَإِنْ بِعُضْوٍ أَوْ نَسْجٍ أَوْ زِرٍّ أَوْ عَقْدٍ، لِقَوْلِ عَبْدِ الْحَقِّ: أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ تُفْعَلُ عِنْدَ الْمِيقَاتِ: التَّجَرُّدُ أَوَّلًا مِنْ مَخِيطِ الثِّيَابِ، ثُمَّ الْغُسْلُ، ثُمَّ الصَّلَاةُ، ثُمَّ الْإِحْرَامُ وَيَلْبَسُ الْإِزَارَ فِي وَسَطِهِ وَنَعْلَيْنِ كَنِعَالِ التَّكْرُورِ
[الْغُسْلُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ]
وَلَمَّا كَانَتْ اغْتِسَالَاتُ الْحَجِّ ثَلَاثَةً آكَدُهَا الْغُسْلُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَالْغُسْلُ لِعَرَفَةَ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ، وَالْغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ) : أَيْ لِلْمُحْرِمِ وَلَوْ بِعُمْرَةٍ (أَنْ يَغْتَسِلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ) : إنْ كَانَ مِمَّنْ يُخَاطَبُ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلطَّوَافِ، فَلِذَا لَا يُطْلَبُ مِنْ نَحْوِ حَائِضٍ لِمَنْعِهَا مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَلَا يَتَدَلَّكُ فِي هَذَا الْغُسْلِ، وَيُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ بِذِي طُوًى مُثَلَّثُ الطَّاءِ وَهُوَ مَقْصُورٌ، وَهُوَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ مَكَّةَ لَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ حَتَّى يُجَاوِزَهُ فَهُوَ مِنْ أَرْبَاضِهَا كَمَا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِدُخُولِ غَيْرِ حَائِضٍ مَكَّةَ بِذِي طُوًى.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَلَوْ قَالَ وَبِطَوَى بِحَرْفِ الْعَطْفِ لَأَفَادَ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ثَانٍ لِمَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ كَانَ إذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنْ التَّلْبِيَةِ ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ اغْتَسَلَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ عَلَى ذِي طُوًى اغْتَسَلَ مِنْ مِقْدَارِ مَا بَيْنَهُمَا.
(وَ) : إذَا شَرَعَ فِي التَّلْبِيَةِ فَإِنَّهُ (لَا يَزَالُ) : أَيْ يَسْتَمِرُّ (يُلَبِّي دُبُرَ الصَّلَوَاتِ) وَلَوْ نَوَافِلَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجُدِّدَتْ بِتَغَيُّرِ حَالٍ وَخَلْفَ صَلَاةٍ. (وَعِنْدَ) : طُلُوعِ (كُلِّ شَرَفٍ) : أَيْ جَبَلٍ وَفِي بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ. (وَعِنْدَ مُلَاقَاةِ الرِّفَاقِ) : جَمْعُ رُفْقَةٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَنُقِلَ كَسْرُهَا أَيْ الْجَمَاعَةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَرَافَقُونَ فِي الْبَرِّ وَيَرْتَفِقُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَعِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ، وَعِنْدَ سَمَاعِ تَلْبِيَةِ الْغَيْرِ، وَحُكْمُ كُلِّ ذَلِكَ النَّدْبُ، وَقِيلَ السُّنِّيَّةُ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ أَنَّ طَلَبَ تَجْدِيدِ التَّلْبِيَةِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الذَّاهِبِ مُحْرِمًا، وَأَمَّا لَوْ نَسِيَ حَاجَةً وَرَجَعَ إلَيْهَا فَقَالَ مَالِكٌ ﵁: لَا يُلَبِّي؛ لِأَنَّ هَذَا السَّعْيَ لَيْسَ مِنْ سَعْيِ الْإِحْرَامِ، وَقَالَ مَالِكٌ ﵁: وَلَا يَرُدُّ الْمُلَبِّي سَلَامًا حَتَّى يَفْرُغَ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَنَظِيرُهُ عِنْدَنَا الْمُؤَذِّنُ، وَلَيْسَ فِي التَّلْبِيَةِ: دُعَاءٌ وَلَا صَلَاةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ﵊ فِي تَلْبِيَتِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَأَمْرُ الْمَنَاسِكِ اتِّبَاعٌ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا وَرَدَ: «أَنَّهُ ﵊ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ سَأَلَ اللَّهَ الرِّضْوَانَ وَالْجَنَّةَ» ؛ لِأَنَّ هَذَا بَعْدَ قَطْعِ التَّلْبِيَةِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ طَلَبِ التَّلْبِيَةِ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ مُلَازَمَتُهَا قَالَ: (وَلَيْسَ عَلَيْهِ) : أَيْ الْمُحْرِمِ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا. (كَثْرَةُ الْإِلْحَاحِ) أَيْ الْمُلَازَمَةُ (بِذَلِكَ) : أَيْ بِالتَّلْبِيَةِ بَلْ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِمَا يَلْزَمُ عَلَى مُلَازَمَتِهَا مِنْ الْمَلَالَةِ، بَلْ الْمُسْتَحَبُّ التَّوَسُّطُ فِي التَّلْبِيَةِ بِحَيْثُ لَا يُكْثِرُ حَتَّى يَلْحَقَهُ الضَّجَرُ، وَلَا يَتْرُكُ زَمَنًا طَوِيلًا حَتَّى تَفُوتَهُ الشَّعِيرَةُ، كَمَا يُنْدَبُ لَهُ التَّوَسُّطُ فِي تَصْوِيتِهِ بِهَا، فَلَا يُبَالِغُ فِي رَفْعِهِ وَلَا فِي خَفْضِهِ، وَهَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ رَفْعُ الصَّوْتِ فِيهِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمَسْجِدَ مِنًى؛ لِأَنَّهُمَا بُنِيَا لِلْحَجِّ، وَقِيلَ لِلْأَمْنِ فِيهِمَا مِنْ الرِّيَاءِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتُسْمِعُ نَفْسَهَا بِالتَّلْبِيَةِ؛ لِأَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ، وَتُطْلَبُ التَّلْبِيَةُ حَتَّى مِنْ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ؛ لِأَنَّهُ. ﵊ قَالَ لِعَائِشَةَ ﵂ حِينَ حَاضَتْ: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنَّك لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» . ثُمَّ شَرَعَ فِي
بَيَانِ أَمَاكِنَ تُتْرَكُ فِيهَا التَّلْبِيَةُ بِقَوْلِهِ: (فَإِذَا دَخَلَ) : الْمُحْرِمُ بِحَجٍّ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا (مَكَّةَ أَمْسَكَ) : أَيْ كَفَّ نَدْبًا (عَنْ التَّلْبِيَةِ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى) : وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ بِمُجَرَّدِ دُخُولِ مَكَّةَ وَهُوَ مَا شَهَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ، وَمُقَابِلُهُ لَا يَقْطَعُهَا حَتَّى يَبْتَدِئَ الطَّوَافَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِلَى هَذَيْنِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَهَلْ لِمَكَّةَ أَوْ لِلطَّوَافِ خِلَافٌ؟ وَأَنَّمَا نُدِبَ قَطْعُ التَّلْبِيَةِ لِلطَّوَافِ وَالسَّعْيِ لِطَلَبِ الدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ وَالتَّضَرُّعِ فِي حَالِ فِعْلِهِمَا، فَيُكْرَهُ الِاشْتِغَالُ فِي فِعْلِهِمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ كَالصَّلَاةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «وَالصَّلَاةُ لَا تَلْبِيَةَ فِيهَا» وَقَيَّدْنَا الْمُحْرِمَ بِالْحَجِّ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُحْرِمِ بِالْعُمْرَةِ فَقَطْ، سَوَاءٌ أَحْرَمَ بِهَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْحَجِّ أَوْ أَحْرَمَ بِهَا لِفَوَاتِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُلَبِّي لِحَرَمِ مَكَّةَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ وَفَائِتُ الْحَجِّ لِلْحَرَمِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَسْجِدَ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ مَكَّةُ، وَاعْلَمْ أَنَّ مُحْرِمَ مَكَّةَ يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ وَيَنْتَهِي إلَى رَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ كَالْمُحْرِمِ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَأَمَّا الْمُعْتَمِرُ مِنْ الْمِيقَاتِ سَوَاءٌ أَدْرَكَ الْحَجَّ أَوْ فَاتَهُ وَتَحَلَّلَ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ فَإِنَّهُ يُلَبِّي إلَى الْبُيُوتِ، وَأَمَّا الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ يُلَبِّي حَتَّى يَصِلَ إلَى مَحَلِّ الْوُقُوفِ ثُمَّ يُعَاوِدَهَا حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ كَمَا قَالَهُ فِي الْجَلَّابِ، وَيَدُلُّ
стр. 354
يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَرُوحَ إلَى مُصَلَّاهَا
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءِ الثَّنِيَّةِ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ وَإِذَا خَرَجَ خَرَجَ مِنْ كُدًى وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فِي الْوَجْهَيْنِ فَلَا حَرَجَ
قَالَ فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ فَلْيَدْخُلْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمُسْتَحْسَنٌ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ
فَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ بِفِيهِ إنْ قَدَرَ وَإِلَّا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ ثُمَّ يَطُوفُ وَالْبَيْتُ عَلَى
ــ
[الفواكه الدواني]
عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُحْرِم بِالْحَجِّ قَوْلُهُ: (ثُمَّ يُعَاوِدَهَا) : أَيْ التَّلْبِيَةَ أَيْ يَأْتِيَ بِهَا (حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَرُوحَ إلَى مُصَلَّاهَا) : وَإِلَى هَذَا أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَعَاوَدَهَا بَعْدَ سَعْيٍ لِرَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ، وَأَمَّا الْمُعْتَمِرُ فَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِيهِ لِانْقِضَاءِ عُمْرَتِهِ بِتَمَامِ سَعْيِهَا، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي: وَالْعُمْرَةُ يُفْعَلُ فِيهَا كَمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ جِهَةِ الْأَرْكَانِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ يُفْعَلُ وَالتَّلْبِيَةُ قَوْلٌ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ اسْتِمْرَارِ التَّلْبِيَةِ إلَى حُصُولِ الزَّوَالِ وَالرَّوَاحِ إلَى الْمُصَلَّى هُوَ مُخْتَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ، وَقَدْ انْتَهَتْ التَّلْبِيَةُ لِلْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَا تَلْبِيَةَ بَعْدَ الرَّوَاحِ إلَى الْمُصَلَّى حَتَّى تُكْرَهَ الْإِجَابَةُ بِالتَّلْبِيَةِ عِنْدَ النِّدَاءِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ، وَأَمَّا إجَابَةُ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَمِنْ خَصَائِصِهِ، وَأَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: لَمْ يُعَاوِدْهَا أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ، أَمَّا مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ فَهَذَا يُلَبِّي إلَى مُصَلَّى عَرَفَةَ وَلَا يُعَاوِدُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ مِنْ عَرَفَةَ وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ يُلَبِّي حَتَّى يَصِلَ إلَى مَحَلِّ الْوُقُوفِ إنْ أَحْرَمَ قَبْلَهُ، ثُمَّ يُعَاوِدُهَا حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ كَمَا قَدَّمْنَا عَنْ الْجَلَّابِ
، ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْبَابِ الَّذِي يُنْدَبُ دُخُولُهَا مِنْهُ وَالْخُرُوجُ مِنْهَا مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَيُسْتَحَبُّ) : لِكُلِّ مُرِيدِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ) : نَهَارًا وَأَنْ يَدْخُلَهَا (مِنْ كَدَاءِ) : بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ مَعَ الصَّرْفِ وَعَدَمِهِ وَكَدَاءُ هِيَ (الثَّنِيَّةُ) : أَيْ الطَّرِيقُ (الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ) : وَيُسَمُّونَهَا الْيَوْمَ بَابَ الْمُعَلَّى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الدَّاخِلِ أَتَى مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ أَوْ غَيْرِهَا، بَلْ يُسْتَحَبُّ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْآفَاقِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ بَعْدَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي دُخُولِ الْمُصْطَفَى ﷺ مِنْ هَذَا الْمَحَلِّ لِمَا قِيلَ: مِنْ أَنَّ نِسْبَةَ بَابِ الْبَيْتِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ وَجْهِ الْإِنْسَانِ إلَيْهِ، وَأَمَاثِلُ النَّاسِ إنَّمَا يُقْصَدُونَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ مِنْ جِهَةِ وُجُوهِهِمْ لَا مِنْ ظُهُورِهِمْ، وَأَيْضًا هَذَا الْمَوْضِعُ دَعَا فِيهِ إبْرَاهِيمُ ﵊ رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ فَقِيلَ لَهُ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا﴾ [الحج: ٢٧] الْآيَةَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: يَأْتُوك وَلَمْ يَقُلْ يَأْتُونِي. (وَإِذَا خَرَجَ) : أَيْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ (خَرَجَ مِنْ كُدًى) : بِضَمِّ الْكَافِ وَالْقَصْرِ مَعَ التَّنْوِينِ وَلَعَلَّهُ لِلرِّوَايَةِ، وَالدَّالُ مُهْمَلَةٌ مَعَ مَفْتُوحِ الْكَافِ وَمَضْمُومِهَا وَهِيَ الثَّنِيَّةُ الَّتِي بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، وَيُعْرَفُ هَذَا الْمَحَلُّ الْيَوْمَ بِبَابِ شَبِيكَةَ وَهُوَ بَابُ بَنِي سَهْمٍ، وَالْخُرُوجُ مِنْهُ حُكْمُهُ النَّدْبُ اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ .
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَفِي ذَلِكَ مُنَاسَبَةٌ حَسَنَةٌ بَابُ الدُّخُولِ كَدَاءٌ الْمَفْتُوحُ الْكَافِ، وَبَابُ الْخُرُوجِ كُدًى الْمَضْمُومُ الْكَافِ؛ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ لِلدَّاخِلِ الْفَتْحُ وَلِلْخَارِجِ الضَّمُّ. (وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) : مَا نُدِبَ لَهُ فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ بَلْ خَالَفَ (فِي الْوَجْهَيْنِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ) أَيْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَا دَمَ وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّصْرِيحِ بِمَا لَا يُتَوَهَّمُ
. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ دُخُولُ مَكَّةَ مِنْهُ مِنْ الْأَبْوَابِ أَوْ الْخُرُوجَ شَرَعَ فِي بَيَانِ نَدْبِ الْمُسَارَعَةِ إلَى دُخُولِ مَسْجِدِهَا وَبَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ الدُّخُولُ مِنْهُ مِنْ أَبْوَابِهِ بِقَوْلِهِ: (قَالَ) : أَيْ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَلَعَلَّهُ لَمْ يُظْهِرْهُ لِلْعِلْمِ بِهِ (فَإِذَا دَخَلَ) : الْمُحْرِمُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (مَكَّةَ فَلْيَدْخُلْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) : سَرِيعًا وَلَا يُقَدِّمُ عَلَيْهِ إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ كَأَكْلٍ خَفِيفٍ أَوْ حَطِّ رَحْلِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ، فَالتَّأَخُّرُ عَنْهُ إسَاءَةُ أَدَبٍ، وَلَمَّا كَانَ لَهُ أَبْوَابٌ عِدَّةً بَيَّنَ مَا يُنْدَبُ الدُّخُولُ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَمُسْتَحْسَنٌ) : أَيْ مُسْتَحَبٌّ (أَنْ يَدْخُلَ) : أَيْ الَّذِي دَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ الْمَسْجَدَ الْحَرَامَ. (مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) : وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الْيَوْمَ بِبَابِ السَّلَامِ لِدُخُولِهِ ﷺ مِنْهُ، وَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ فَيُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مِنْ بَابِ بَنِي سَهْمٍ، وَجَرَى خِلَافٌ فِي اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ فَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَنَفَاهُ مَالِكٌ، وَإِلَى جَمِيعِ ذَلِكَ قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَدُخُولُ مَكَّةَ نَهَارًا وَالْبَيْتِ مِنْ كَدَاءٍ بِالْمَدِّ وَالْفَتْحِ وَالْمَسْجِدِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ وَخُرُوجُهُ مِنْ كُدًى بِضَمِّ الْكَافِ وَالْقَصْرِ،
وَلَمَّا كَانَتْ تَحِيَّةُ مَسْجِدِ مَكَّةَ الطَّوَافَ بَيَّنَ مَا يَفْعَلُهُ مُرِيدُ الطَّوَافِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (فَيَسْتَلِمُ) : أَيْ يُقَبِّلُ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ (الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ) : بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ (بِفِيهِ إنْ قَدَرَ) : عَلَى ذَلِكَ وَفِي جَوَازِ التَّصْوِيتِ وَكَرَاهَتِهِ قَوْلَانِ، وَأَمَّا تَقْبِيلُهُ فِي غَيْرِ الشَّوْطِ الْأَوَّلِ فَمَنْدُوبٌ وَلَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِهِ بِغَيْرِ طَوَافٍ، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ، وَنَصُّوا هُنَا عَلَى كَرَاهَةِ تَقْبِيلِ الْمُصْحَفِ وَالْخُبْزِ، كَمَا يُكْرَهُ امْتِهَانُهُ أَيْ الْخُبْزِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى طَلَبِ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَاءَ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ وَقَالَ: إنِّي أَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُك مَا قَبَّلْتُك، وَيُقَالُ إنَّ
стр. 355
يَسَارِهِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ
ثَلَاثَةً خَبَبًا ثُمَّ أَرْبَعَةً مَشْيًا
وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ كَمَا ذَكَرْنَا وَيُكَبِّرُ وَلَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ
ــ
[الفواكه الدواني]
عَلِيًّا ﵁ قَالَ: بَلْ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى بَنِي آدَمَ كَتَبَ بِذَلِكَ كِتَابًا فَأَلْقَمَهُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فَهُوَ يَشْهَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَنْ قَبَّلَهُ. (وَإِلَّا) : بِأَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَقْبِيلِ الْحَجَرِ بِفَمِهِ (وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى الْحَجَرِ (ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ) : عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَمَسُّهُ بِعُودٍ ثُمَّ يَضَعُهُ عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرٍ تَقْبِيل، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ كَبَّرَ فَقَطْ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَلَا يَكْفِي الْعُودُ مَعَ إمْكَانِ الْيَدِ وَلَا وَضْعُ الْيَدِ مَعَ إمْكَانِ التَّقْبِيلِ، وَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، وَفُهِمَ مِنْ التَّعْبِيرِ بِوَضْعِ يَدِهِ أَنَّهُ لَا يَضَعُ خَدَّهُ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَوَامّ بَلْ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتُهُ. (ثُمَّ) : بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ (يَطُوفُ وَ) : الْحَالُ أَنَّ (الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ سَبْعَةَ أَطَوَافً) : أَيْ أَشْوَاطٍ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَهَذَا الطَّوَافُ يُسَمَّى طَوَافَ الْقُدُومِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْحَجِّ طَوَافٌ قَبْلَ عَرَفَةَ إلَّا طَوَافَ الْقُدُومِ وَهُوَ وَاجِبٌ فَيَنْجَبِرُ بِالدَّمِ، وَوُجُوبُهُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ إمَّا وُجُوبًا كَالْآفَاقِيِّ الْقَادِمِ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ نَدْبًا كَالْمُقِيمِ الَّذِي مَعَهُ نَفْسٌ وَخَرَجَ وَأَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ، وَسَوَاءٌ أَحْرَمَ مِنْ الْحَجِّ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا، وَكَذَا الْمُحْرِمُ مِنْ الْحَرَمِ إنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْ الْحِلِّ بِأَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ حَلَالًا مُقْتَحِمًا لِلنَّهْيِ، فَمَعْنَى إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ إنْ طُولِبَ بِالْإِحْرَامِ مِنْ الْحِلِّ أَحْرَمَ مِنْهُ أَوْ مِنْ الْحَرَمِ. وَثَانِيهَا: أَنْ لَا يُرَاهِقُ، وَأَمَّا لَوْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ وَخَافَ فَوَاتَ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ. ثَالِثُهَا: أَنْ لَا يُرْدِفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فِي الْحَرَمِ، فَإِنْ أَرْدَفَ بِحَرَمٍ فَلَا قُدُومَ عَلَيْهِ وَيُؤَخِّرُ سَعْيَهُ حَتَّى يَطُوفَ لِلْإِفَاضَةِ،؛ لِأَنَّ السَّعْيَ إنَّمَا يُقَدَّمُ عَلَى عَرَفَةَ إنْ طَافَ لِلْقُدُومِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ طَوَافِ الْقُدُومِ عِنْدَ الْمُرَاهَقَةِ أَوْ الْإِرْدَافِ.
١ -
(تَنْبِيهٌ) : أَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ مُعْظَمَ شُرُوطِ الطَّوَافِ وَهِيَ: الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، فَلَوْ طَافَ مُحْدِثًا وَلَوْ عَجْزًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ أَحْدَثَ مِنْ حَالِ طَوَافِهِ ابْتَدَأَهُ وَيَرْجِعُ لَهُ وَلَوْ مِنْ بَلَدِهِ إنْ كَانَ الطَّوَافُ رُكْنًا لِقَوْلِهِ ﵊: «الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ» وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَهَذَا الشَّرْطُ يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فَلَوْ طَافَ وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَلَى جِهَةِ يَمِينِهِ أَوْ قُبَالَةَ وَجْهِهِ أَوْ وَرَاءَ ظَهْرِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَيَرْجِعُ لَهُ وَلَوْ مِنْ بَلَدِهِ إنْ كَانَ رُكْنِيًّا، وَخُرُوجُ كُلِّ الْبَدَنِ عَنْ الشَّاذَرْوَانِ وَهُوَ الْبِنَاءُ الْمُحْدَوْدَبُ فِي جِدَارِ الْبَيْتِ، وَخُرُوجُ كُلِّ الْبَدَنِ عَنْ سِتَّةِ أَذْرُعٍ مِنْ الْحَجَرِ، فَلَوْ لَمْ يَتْرُكْ السِّتَّةَ أَذْرُعٍ مِنْ الْحَجَرِ بَلْ طَافَ فِيهَا لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهَا مِنْ الْبَيْتِ، وَأَنْ يَكُونَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ، وَأَنْ تَكُونَ الْأَشْوَاطُ مُتَوَالِيَةً، فَلَوْ فَرَّقَهَا لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيقُ يَسِيرًا أَوْ لِعُذْرٍ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى طَهَارَتِهِ فَلَا يَضُرُّ، وَأَمَّا لَوْ نَسِيَ شَوْطًا فَإِنْ ذَكَرَهُ بِالْقُرْبِ مَعَ بَقَاءِ طَهَارَتِهِ عَادَ إلَيْهِ كَمَا يَبْنِي فِي الصَّلَاةِ مَعَ الْقُرْبِ، وَإِنْ تَبَاعَدَ بَطَلَ كَمَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ، وَأَمَّا لَوْ فَرَّقَ لِصَلَاةٍ عَلَى جِنَازَةٍ أَوْ لِطَلَبِ نَفَقَةٍ ضَاعَتْ، فَإِنْ كَانَ طَلَبَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ كَانَتْ الْجِنَازَةُ مُتَعَيِّنَةً وَيَخْشَى تَغَيُّرَهَا فَإِنَّهُ يَبْنِي كَمَا يَبْنِي عِنْدَ قَطْعِهِ لِفَرِيضَةٍ يَلْزَمُهُ الدُّخُولُ فِيهَا مَعَ الْإِمَامِ، أَوْ لِرُعَافِ بَنَى أَوْ لِغُسْلِ نَجَاسَةٍ عَلِمَ بِهَا فِي صَلَاتِهِ أَوْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ طَوْلٌ، وَأَنْ تَكُونَ الْأَشْوَاطُ سَبْعَةً، فَإِنْ نَقَصَ مِنْهَا شَوْطٌ أَوْ بَعْضُهُ وَلَوْ شَكًّا مِنْ الطَّوَافِ الرُّكْنِيِّ رَجَعَ لَهُ، وَأَمَّا لَوْ زَادَ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ سَهْوًا فَلَا تُبْطِلُهُ إلَّا إنْ بَلَغَتْ مِثْلَهُ، وَأَمَّا عَمْدًا فَيَبْطُلُ وَلَوْ بِزِيَادَةِ شَوْطٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ كَالصَّلَاةِ.
قَالَهُ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا، وَلِي فِيهِ بَحْثٌ وَيَظْهَرُ لِي عَدَمُ الْبُطْلَانِ بِيَسِيرِ الزِّيَادَةِ، وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ وَبَنَى عَلَى الْأَقَلِّ عِنْدَ الشَّكِّ إلَّا الْمُسْتَنْكِحَ كَالصَّلَاةِ، وَيُقْبَلُ إخْبَارُ الْغَيْرِ بِالْكَمَالِ وَلَوْ وَاحِدًا حَيْثُ كَانَ عَدْلًا، وَيَنْبَغِي لِلطَّائِفِ أَنْ يَحْتَاطَ عِنْدَ ابْتِدَائِهِ الطَّوَافَ، بِأَنْ يَقِفَ قَبْلَ الرُّكْنِ بِقَلِيلٍ حَيْثُ يَصِيرُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ عَنْ يَمِينِ مَوْقِفِهِ لِيَسْتَوْعِبَ جُمْلَتَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْ الْحَجَرَ لَمْ يُعْتَدَّ بِالشَّوْطِ الْأَوَّلِ فَلْيَنْتَبِهْ لِذَلِكَ، وَقُلْنَا مُعْظَمُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الشُّرُوطِ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ كَمَا بَيَّنَّا. (فَائِدَةٌ) : ابْتِدَاءُ الطَّوَافِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَاجِبٌ يُجْبَرُ بِالدَّمِ.
وَبَيَّنَ صِفَةَ طَوَافِ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ الرِّجَالِ مِنْ الْمِيقَاتِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بِقَوْلِهِ (ثَلَاثَةً) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ سَبْعَةً وَ (خَبَبًا) : مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ عَامِلُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يَخَبُّ فِيهَا خَبَبًا، أَوْ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ يَطُوفُ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الْمُنَكَّرَ يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ أَيْ خَابًّا أَيْ مُسْرِعًا فِيهَا؛ لِأَنَّ الْخَبَبَ وَهُوَ الرَّمَلُ مَا فَوْقَ الْمَشْيِ وَدُونَ الْجَرْيِ بِأَنْ يَمْشِيَ هَازًّا لِمَنْكِبَيْهِ، وَحُكْمُ الْخَبَبِ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ السُّنِّيَّةُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرَمَلُ رَجُلٍ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَإِنَّمَا يُسَنُّ فِيهَا فِي حَقِّ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَرَمَلَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْ طَوَافِ الْقُدُومِ وَمِنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ، وَلَوْ كَانَ الطَّائِفُ صَبِيًّا أَوْ مَرِيضًا وَحُمِلَ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ رَجُلٍ فَيَرْمُلُ الْحَامِلُ وَيُحَرِّكُ الدَّابَّةَ كَمَا يُحَرِّكُهَا بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ، وَالْمَطْلُوبُ عِنْدَ الزَّحْمَةِ الرَّمَلُ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ فَلَا يُكَلَّفُ فَوْقَهَا، وَلَا دَمَ عَلَى التَّارِكِ لَهُ وَلَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَقَيَّدْنَا بِالرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ لَا رَمَلَ عَلَى النِّسَاءِ فِي
следующие страницы →