Полный текст (1 346 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ خَمْسِينَ. وَقِيلَ: اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. قَالَ: لَقَدْ «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ» الْمُرَادُ أَنْ نَسْتَقْبِلَ بِفُرُوجِنَا عِنْدَ خُرُوجِ الْغَائِطِ أَوْ الْبَوْلِ [أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ] وَهَذَا غَيْرُ النَّهْيِ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ عِنْدَ الْبَوْلِ الَّذِي مَرَّ [أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ] الِاسْتِنْجَاءُ إزَالَةُ النَّجْوِ بِالْمَاءِ أَوْ الْحِجَارَةِ [أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ وَهُوَ الرَّوْثُ [أَوْ عَظْمٍ] رَوَاهُ مُسْلِمٌ
؛ الْحَدِيثُ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَهِيَ الْكَعْبَةُ، كَمَا فَسَّرَهَا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فِي قَوْلِهِ: فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَسَيَأْتِي؛ ثُمَّ قَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ اسْتِدْبَارِهَا أَيْضًا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ " عِنْدَ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا «إذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ لِحَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا» وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هَذَا النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ لَا؟ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ: (الْأَوَّلُ): أَنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ؛ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ الْفَضَاءِ وَالْعُمْرَانِ، فَيَكُونُ مَكْرُوهًا.
وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ مَحْمُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ، بِقَرِينَةِ حَدِيثِ جَابِرٍ «رَأَيْته قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا؛ وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلًا لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ مُسْتَدْبِرًا لِلْكَعْبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ. «فَحَوِّلُوا مَقْعَدَتِي إلَى الْقِبْلَةِ» الْمُرَادُ بِمَقْعَدَتِهِ مَا كَانَ يَقْعُدُ عَلَيْهِ حَالَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ إلَى الْقِبْلَةِ؛ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ «ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْمٌ يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا بِفُرُوجِهِمْ الْقِبْلَةَ، قَالَ: أَرَاهُمْ قَدْ فَعَلُوا، اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدَتِي الْقِبْلَةَ» هَذَا لَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ؛ وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَةِ خَالِدِ بْنِ الصَّلْتِ ": هَذَا الْحَدِيثُ مُنْكَرٌ.
(الثَّانِي): أَنَّهُ مُحَرَّمٌ فِيهِمَا لِظَاهِرِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ. وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي جُعِلَتْ قَرِينَةً عَلَى أَنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ لِعُذْرٍ وَلِأَنَّهَا حِكَايَةُ فِعْلٍ لَا عُمُومَ لَهَا.
(الثَّالِثُ): أَنَّهُ مُبَاحٌ فِيهِمَا، قَالُوا: وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ مَنْسُوخَةٌ بِأَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ،؛ لِأَنَّ فِيهَا التَّقْيِيدَ بِقَبْلِ عَامٍ وَنَحْوَهُ؛ وَاسْتَقْوَاهُ فِي الشَّرْحِ.
(الرَّابِعُ) يَحْرُمُ فِي الصَّحَارِي دُونَ الْعُمْرَانِ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَ الْإِبَاحَةِ وَرَدَتْ فِي الْعُمْرَانِ، فَحُمِلَتْ عَلَيْهِ، وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ عَامَّةٌ، وَبَعْدَ تَخْصِيصِ الْعُمْرَانِ بِأَحَادِيثِ فِعْلِهِ الَّتِي سَلَفَتْ بَقِيَتْ الصَّحَارِي عَلَى التَّحْرِيمِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَك وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُك فَلَا بَأْسَ بِهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِالْبَعِيدِ، لِبَقَاءِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَلَى بَابِهَا، وَأَحَادِيثُ الْإِبَاحَةِ كَذَلِكَ.
(الْخَامِسِ): الْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِقْبَالِ فَيَحْرُمُ فِيهِمَا، وَيَجُوزُ الِاسْتِدْبَارُ فِيهِمَا، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِوُرُودِ النَّهْيِ فِيهِمَا عَلَى سَوَاءٍ.
فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ أَقْرَبُهَا الرَّابِعُ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ فِي الصَّحْرَاءِ أَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ مُصَلٍّ مِنْ مَلَكٍ أَوْ آدَمِيٍّ أَوْ جِنِّيٍّ؛ فَرُبَّمَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى عَوْرَتِهِ؛ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.
وَقَدْ سُئِلَ: أَيْ الشَّعْبِيُّ عَنْ اخْتِلَافِ الْحَدِيثَيْنِ، حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ
стр. 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَآهُ يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي النَّهْيِ فَقَالَ: صَدَقَا جَمِيعًا، أَمَّا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ " فَهُوَ فِي الصَّحْرَاءِ فَإِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا مَلَائِكَةً وَجِنًّا يُصَلُّونَ فَلَا يَسْتَقْبِلُهُمْ أَحَدٌ بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ، وَلَا يَسْتَدْبِرُهُمْ، وَأَمَّا كَنَفُكُمْ فَإِنَّمَا هِيَ بُيُوتٌ بُنِيَتْ لَا قِبْلَةَ فِيهَا، وَهَذَا خَاصٌّ بِالْكَعْبَةِ، وَقَدْ أُلْحِقَ بِهَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَتَيْنِ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ» وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يَقْوَى عَلَى رَفْعِ الْأَصْلِ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ الْقَوْلُ بِكَرَاهَةِ اسْتِقْبَالِ الْقَمَرَيْنِ لِمَا يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي عَشَرَ. وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْيُمْنَى تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ: وَقَوْلُهُ، «أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَقَدْ وَرَدَ كَيْفِيَّةُ اسْتِعْمَالِ الثَّلَاثِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «حَجَرَانِ لِلصَّفْحَتَيْنِ وَحَجَرٌ لِلْمَسْرُبَةِ» وَهِيَ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ مَضْمُومَةٍ أَوْ مَفْتُوحَةٍ، مَجْرَى الْحَدَثِ مِنْ الدُّبُرِ. وَلِلْعُلَمَاءِ خِلَافٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ؛ فَالْهَادَوِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ إلَّا عَلَى الْمُتَيَمِّمِ؛ أَوْ مَنْ خَشِيَ تَعَدِّي الرُّطُوبَةِ وَلَمْ تَزَلْ النَّجَاسَةُ بِالْمَاءِ؛ وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ مَنْدُوبٌ لَا وَاجِبٌ؛ وَإِنَّمَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ لِلصَّلَاةِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ: مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحِجَارَةِ أَيُّهُمَا فَعَلَ أَجْزَأَهُ؛ وَإِذَا اكْتَفَى بِالْحِجَارَةِ فَلَا بُدَّ عِنْدَهُ مِنْ الثَّلَاثِ الْمَسَحَاتِ، وَلَوْ زَالَتْ الْعَيْنُ بِدُونِهَا، وَقِيلَ إذَا حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِدُونِ الثَّلَاثِ أَجْزَأَ، وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ بِثَلَاثٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الزِّيَادَةِ، وَيُنْدَبُ الْإِيتَارُ. وَيُسْتَحَبُّ التَّثْلِيثُ فِي الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ؛ فَتَكُونُ سِتَّةُ أَحْجَارٍ، وَوَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ.
قُلْت: إلَّا أَنَّ الْأَحَادِيثَ لَمْ تَأْتِ فِي طَلَبِهِ ﷺ لِابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِمَا إلَّا بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَجَاءَ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِهَا فِي الدُّبُرِ، وَلَمْ يَأْتِ فِي الْقُبُلِ، وَلَوْ كَانَتْ السِّتُّ مُرَادَةً لِطَلَبِهَا ﷺ عِنْدَ إرَادَتِهِ التَّبَرُّزَ، وَلَوْ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ، فَلَوْ كَانَ حَجَرٌ لَهُ سِتَّةُ أَحْرُفٍ أَجْزَأَ الْمَسْحُ بِهِ، وَيَقُومُ غَيْرُ الْحِجَارَةِ مِمَّا يُنَقِّي مَقَامَهَا، خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ فَقَالُوا بِوُجُوبِ الْأَحْجَارِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَسِّرُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ نَهْيُهُ أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ، وَلَوْ تَعَيَّنَتْ الْحِجَارَةُ لَنَهَى عَمَّا سِوَاهَا، وَكَذَلِكَ نَهَى عَنْ الْحُمَمِ، فَعِنْدَ أَبِي دَاوُد: «مُرْ أُمَّتَك أَنْ لَا يَسْتَنْجُوا بِرَوْثَةٍ أَوْ حُمَمَةٍ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَنَا فِيهَا رِزْقًا» فَنَهَى ﷺ عَنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ وَرَدَ فِي الْعَظْمِ أَنَّهَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَفِيهِ «أَنَّهُ قَالَ ﷺ لِلْجِنِّ لَمَّا سَأَلُوهُ الزَّادَ: لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَوْفَرُ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ». وَلَا يُنَافِيهِ تَعْلِيلُ الرَّوْثَةِ بِأَنَّهَا رِكْسٌ فِي حَدِيثِ. «ابْنِ مَسْعُودٍ
стр. 108
٨٨ - وَلِلسَّبْعَةِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ «وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا»
٨٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
لَمَّا طَلَبَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَأَتَاهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ فَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ إنَّهَا رِكْسٌ» فَقَدْ يُعَلَّلُ الْأَمْرُ الْوَاحِدُ بِعِلَلٍ كَثِيرَةٍ، وَلَا مَانِعَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ رِجْسًا، وَتُجْعَلَ لِدَوَابّ الْجِنِّ طَعَامًا، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ النَّهْيِ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقَمَرَيْنِ الْحَدِيثُ الْآتِي:
وَهُوَ قَوْلُهُ وَلِلسَّبْعَةِ حَدِيثُ " أَبِي أَيُّوبَ وَاسْمُهُ: " خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبٍ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ شَهِدَ بَدْرًا وَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَالَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ عَلَيْهِ مَاتَ غَازِيًا سَنَةَ خَمْسِينَ بِالرُّومِ وَقِيلَ بَعْدَهَا وَالْحَدِيثُ مَرْفُوعٌ أَوَّلُهُ أَنَّهُ قَالَ ﷺ " إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ] الْحَدِيثَ؛ وَفِي آخِرِهِ مِنْ كَلَامِ أَبِي أَيُّوبَ " قَالَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ، فَقَوْلُهُ «فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» صَرِيحٌ فِي جَوَازِ اسْتِقْبَالِ الْقَمَرَيْنِ وَاسْتِدْبَارهمَا إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا فِي الشَّرْقِ أَوْ الْغَرْبِ غَالِبًا.
وَعَنْ عَائِشَةَ " ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد هَذَا الْحَدِيثُ فِي السُّنَنِ نَسَبُهُ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ "، وَكَذَلِكَ فِي التَّلْخِيصِ، وَقَالَ: مَدَارُهُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْحُبْرَانِيِّ الْحِمْصِيِّ "، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ. قِيلَ: إنَّهُ صَحَابِيٌّ، وَلَا يَصِحُّ وَالرَّاوِي عَنْهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. وَالْحَدِيثُ كَاَلَّذِي سَلَف دَالٌّ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِتَارِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا شَطْرَهُ، وَلَفْظُهُ فِي السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَكَلَ فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيَلْفِظْ وَمَا لَاكَ بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ؛
стр. 109
٩٠ - وَعَنْهَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ قَالَ: غُفْرَانَك». أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ. وَصَحَّحَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَالْحَاكِمُ.
وَمَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَتِرْ بِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» فَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " وَلَيْسَ لَهُ هُنَا عَنْ عَائِشَةَ " رِوَايَةٌ، ثُمَّ هُوَ مُضَعَّفٌ بِمَنْ سَمِعْت، فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَعْزُوَهُ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ "، وَأَنْ يُشِيرَ إلَى مَا فِيهِ عَلَى عَادَاتِهِ فِي الْإِشَارَةِ إلَى مَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ وَكَأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي؛ إنَّ إسْنَادَهُ حَسَنٌ؛ وَفِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ؛ إنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، صَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَالنَّوَوِيُّ.
وَعَنْهَا أَيْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ قَالَ: غُفْرَانَك» بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ أَطْلُبُ غُفْرَانَك أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَأَبُو حَاتِمٍ وَلَفْظَةُ خَرَجَ تُشْعِرُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْمَكَانِ كَمَا سَلَفَ فِي لَفْظِ دَخَلَ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ أَعَمُّ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ.
مَعْنَى الِاسْتِغْفَارِ: قِيلَ: وَاسْتِغْفَارُهُ ﷺ مِنْ تَرْكِهِ لِذِكْرِ اللَّهِ وَقْتَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ،؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ، فَجَعَلَ تَرْكَهُ لِذِكْرِ اللَّهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ تَقْصِيرًا، وَعَدَّهُ عَلَى نَفْسِهِ ذَنْبًا، فَتَدَارَكَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ التَّوْبَةُ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي شُكْرِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ، فَأَطْعَمَهُ ثُمَّ هَضَمَهُ، ثُمَّ سَهَّلَ خُرُوجَ الْأَذَى مِنْهُ، فَرَأَى شُكْرَهُ قَاصِرًا عَنْ بُلُوغِ حَقِّ هَذِهِ النِّعْمَةِ، فَفَزِعَ إلَى الِاسْتِغْفَارِ مِنْهُ
، وَهَذَا أَنْسَبُ لِيُوَافِقَ حَدِيثَ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَب عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَوَرَدَ فِي وَصْفِ «نُوحٍ ﵇: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مِنْ جُمْلَةِ شُكْرِهِ بَعْدَ الْغَائِطِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَلَوْ شَاءَ حَبَسَهُ فِي»؛ وَقَدْ وَصَفَهُ ﷺ بِأَنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا. قُلْت: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ اسْتِغْفَارَهُ لِلْأَمْرَيْنِ مَعًا وَلِمَا لَا نَعْلَمُهُ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ إنَّهُ ﷺ وَإِنْ تَرَكَ الذِّكْرَ بِلِسَانِهِ حَالَ التَّبَرُّزِ لَمْ يَتْرُكْهُ بِقَلْبِهِ. وَفِي الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ «كَانَ ﷺ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْسَنَ إلَيَّ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ» وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ «كَانَ يَقُولُ إذَا خَرَجَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ وَأَبْقَى فِي قُوَّتَهُ.
стр. 110
٩١ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْت حَجَرَيْنِ، وَلَمْ أَجِدْ ثَالِثًا، فَأَتَيْته بِرَوْثَةٍ. فَأَخَذَهُمَا وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِجْسٌ - أَوْ رِكْسٌ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَزَادَ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ " ائْتِنِي بِغَيْرِهَا ".
وَأَذْهَبَ عَنِّي أَذَاهُ» وَكُلُّ أَسَانِيدِهَا ضَعِيفَةٌ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: أَصَحُّ مَا فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ".
قُلْت: لَكِنَّهُ لَا بَأْسَ فِي الْإِتْيَانِ بِهَا جَمِيعًا شُكْرًا عَلَى النِّعْمَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ الصِّحَّةُ لِلْحَدِيثِ فِي مِثْلِ هَذَا.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ "؛ قَالَ الذَّهَبِيُّ: هُوَ الْإِمَامُ الرَّبَّانِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ عَبْدٍ الْهُذَلِيُّ " صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : وَخَادِمُهُ، وَأَحَدُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، مِنْ كِبَارِ الْبَدْرِيِّينَ، وَمِنْ نُبَلَاءِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُقَرَّبِينَ، أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَحَفِظَ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعِينَ سُورَةً، وَقَالَ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ». وَفَضَائِلُهُ جَمَّةٌ عَدِيدَةٌ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَلَهُ نَحْوٌ مِنْ سِتِّينَ سَنَةً. قَالَ: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْت حَجَرَيْنِ وَلَمْ أَجِدْ ثَالِثًا فَأَتَيْته بِرَوْثَةٍ فَأَخَذَهُمَا وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ» زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَنَّهَا [كَانَتْ رَوْثَةُ حِمَارٍ] [وَقَالَ: إنَّهَا رِكْسٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْكَافِ فِي الْقَامُوسِ: إنَّهُ الرِّجْسُ؛ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَزَادَ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ: [ائْتِنِي بِغَيْرِهَا].
أَخَذَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَاشْتَرَطُوا أَنْ لَا تَنْقُصَ الْأَحْجَارُ عَنْ الثَّلَاثَةِ، مَعَ مُرَاعَاةِ الْإِنْقَاءِ، وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ بِهَا زَادَ حَتَّى يُنَقِّيَ، وَيُسْتَحَبُّ الْإِيتَارُ، وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ، وَلَا يَجِبُ الْإِيتَارُ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد " [وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ] تَقَدَّمَ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَوْ كَانَ الْقَصْدُ الْإِنْقَاءَ فَقَطْ لَخَلَا ذِكْرُ اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ عَنْ الْفَائِدَةِ، فَلَمَّا اشْتَرَطَ الْعَدَدَ لَفْظًا وَعَلِمَ الْإِنْقَاءَ مَعْنًى دَلَّ عَلَى إيجَابِ الْأَمْرَيْنِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ: لَوْ كَانَ الثَّلَاثُ شَرْطًا لَطَلَبَ ﷺ ثَالِثًا؛ فَجَوَابُهُ: أَنَّهُ قَدْ طَلَبَ ﷺ الثَّالِثَ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنِيّ الْمَذْكُورَةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَقَدْ قَالَ فِي الْفَتْحِ: إنَّ رِجَالَهُ ثِقَاتٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَثْبُتْ الزِّيَادَةُ هَذِهِ فَالْجَوَابُ عَلَى الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ ﷺ اكْتَفَى بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ فِي طَلَبِ الثَّلَاثِ، وَحِينَ أَلْقَى الرَّوْثَةَ عَلِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ " أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ امْتِثَالَهُ الْأَمْرَ، حَتَّى يَأْتِيَ بِثَالِثَةٍ.
ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ اكْتَفَى بِأَحَدِ أَطْرَافِ الْحَجَرَيْنِ، فَمَسَحَ
стр. 111
٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ، أَوْ رَوْثٍ وَقَالَ: إنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ.
بِهِ الْمَسْحَةَ الثَّالِثَةَ، إذْ الْمَطْلُوبُ تَثْلِيثُ الْمَسْحِ وَلَوْ بِأَطْرَافِ حَجَرٍ وَاحِدٍ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ لِأَحَدِ السَّبِيلَيْنِ، وَيُشْتَرَطُ لِلْآخَرِ ثَلَاثَةٌ أَيْضًا فَتَكُونُ سِتَّةً لِحَدِيثٍ وَرَدَ بِذَلِكَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، عَلَى أَنَّ فِي النَّفْسِ مِنْ إثْبَاتِ سِتَّةِ أَحْجَارٍ شَيْئًا، فَإِنَّهُ ﷺ مَا عَلِمَ أَنَّهُ طَلَبَ سِتَّةَ أَحْجَارٍ مَعَ تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنْهُ، مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ " وَابْنِ مَسْعُودٍ " وَغَيْرِهِمَا؛ وَالْأَحَادِيثُ بِلَفْظِ [مَنْ أَتَى الْغَائِطَ] كَحَدِيثِ عَائِشَةَ: «إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبِي دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ، مَعَ أَنَّ الْغَائِطَ إذَا أُطْلِقَ ظَاهِرًا فِي خَارِجِ الدُّبُرِ، وَخَارِجِ الْقُبُلِ يُلَازِمُهُ.
وَفِي حَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ الِاسْتِطَابَةِ فَقَالَ: بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالسُّؤَالُ عَامٌّ لِلْمَخْرَجَيْنِ مَعًا أَوْ أَحَدِهِمَا، وَالْمَحَلُّ مَحَلُّ الْبَيَانِ، وَحَدِيثُ سَلْمَانَ بِلَفْظِ: «أُمِرْنَا أَنْ لَا نَكْتَفِيَ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» وَهُوَ مُطْلَقٌ فِي الْمَخْرَجَيْنِ.
وَمَنْ اشْتَرَطَ السِّتَّةَ فَلِحَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَلَا أَدْرِي مَا صِحَّتُهُ فَيُبْحَثُ عَنْهُ.
ثُمَّ تَتَبَّعْت الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْأَمْرِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَالنَّهْيِ عَنْ أَقَلَّ مِنْهَا، فَإِذَا هِيَ كُلُّهَا فِي خَارِجِ الدُّبُرِ، فَإِنَّهَا بِلَفْظِ النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَبِلَفْظِ الِاسْتِجْمَارِ: «إذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ ثَلَاثًا» وَبِلَفْظِ التَّمَسُّحِ: «نَهَى ﷺ أَنْ يُتَمَسَّحَ بِعَظْمٍ».
إذَا عَرَفْت هَذَا فَالِاسْتِنْجَاءُ لُغَةً: إزَالَةُ النَّجْوِ وَهُوَ الْغَائِطُ، وَالْغَائِطُ: كِنَايَةٌ عَنْ الْعَذِرَةِ، وَالْعَذِرَةُ خَارِجُ الدُّبُرِ، كَمَا يُفِيدُ ذَلِكَ كَلَامُ أَهْلِ اللُّغَةِ، فَفِي الْقَامُوسِ النَّجْوُ: مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَطْنِ مِنْ رِيحٍ أَوْ غَائِطٍ، وَاسْتَنْجَى: اغْتَسَلَ بِالْمَاءِ، أَوْ تَمَسَّحَ بِالْحَجَرِ، وَفِيهِ اسْتَطَابَ: اسْتَنْجَى، وَاسْتَجْمَرَ: اسْتَنْجَى؛ وَفِيهِ التَّمَسُّحُ: إمْرَارُ الْيَدِ لِإِزَالَةِ الشَّيْءِ السَّائِلِ أَوْ الْمُتَلَطِّخِ. اهـ.
فَعَرَفْت مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَحْجَارَ لَمْ يَرِدْ الْأَمْرُ بِهَا، وَالنَّهْيُ عَنْ أَقَلَّ مِنْهَا إلَّا فِي إزَالَةِ خُرُوجِ الدُّبُرِ لَا غَيْرُ، وَلَمْ يَأْتِ بِهَا دَلِيلٌ فِي خَارِجِ الْقُبُلِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّقْدِيرِ بِعَدَدٍ، بَلْ الْمَطْلُوبُ الْإِزَالَةُ لِأَثَرِ الْبَوْلِ مِنْ الذَّكَرِ، فَيَكْفِي فِيهِ وَاحِدَةٌ مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ بَيَانُ اسْتِعْمَالِ الثَّلَاثِ فِي الدُّبُرِ: بِأَنَّ وَاحِدَةً لِلْمَسْرُبَةِ، وَاثْنَتَيْنِ لِلصَّحْفَتَيْنِ، مَا ذَاكَ إلَّا لِاخْتِصَاصِهِ بِهَا.
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ
стр. 112
٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ مِنْهُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ
أَوْ رَوْثٍ وَقَالَ إنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِلَفْظِهِ هَذَا وَالْبُخَارِيُّ بِقَرِيبٍ مِنْهُ، وَزَادَ فِيهِ «أَنَّهُ قَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ لَمَّا فَرَغَ مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثِ؟ قَالَ: هِيَ مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ» وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مُطَوَّلًا كَذَا فِي الشَّرْحِ، وَلَفْظُهُ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ: «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضُ بِهَا وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ، فَأَتَيْته بِأَحْجَارٍ فِي ثَوْبِي، فَوَضَعْتهَا إلَى جَنْبِهِ حَتَّى إذَا فَرَغَ، وَقَامَ تَبِعْته، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثِ؟ فَقَالَ: أَتَانِي وَفْدُ نَصِيبِينَ فَسَأَلُونِي الزَّادَ، فَدَعَوْت اللَّهَ لَهُمْ أَلَّا يَمُرُّوا بِرَوْثَةٍ وَلَا عَظْمٍ إلَّا وَجَدُوا عَلَيْهِ طَعَامًا».
وَالنَّهْيُ فِي الْبَابِ، عَنْ الزُّبَيْرِ، وَجَابِرٍ، وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَغَيْرِهِمْ بِأَسَانِيدَ فِيهَا مَا فِيهِ مَقَالٌ، وَالْمَجْمُوعُ يَشْهَدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ.
وَعُلِّلَ هُنَا بِأَنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ، وَعُلِّلَ بِأَنَّهُمَا طَعَامُ الْجِنِّ، وَعُلِّلَتْ الرَّوْثَةُ بِأَنَّهَا رِكْسٌ، وَالتَّعْلِيلُ بِعَدَمِ التَّطْهِيرِ فِيهَا عَائِدٌ إلَى كَوْنِهَا رِكْسًا، وَأَمَّا عَدَمُ تَطْهِيرِ الْعَظْمِ فَلِأَنَّهُ لَزِجٌ لَا يَكَادُ يَتَمَاسَكُ، فَلَا يُنَشِّفُ النَّجَاسَةَ، وَلَا يَقْطَعُ الْبِلَّةَ؛ وَلَمَّا عَلَّلَ ﷺ بِأَنَّ «الْعَظْمَ وَالرَّوْثَةَ طَعَامُ الْجِنِّ، قَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَمَا يُغْنِي عَنْهُمْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ عَظْمًا إلَّا وَجَدُوا عَلَيْهِ لَحْمَهُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ أُخِذَ، وَلَا وَجَدُوا رَوْثًا إلَّا وَجَدُوا فِيهِ حَبَّهُ الَّذِي كَانَ يَوْمَ أُكِلَ» رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ فِي الدَّلَائِلِ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا وَرَدَ أَنَّ الرَّوْثَ عَلَفٌ لِدَوَابِّهِمْ كَمَا لَا يَخْفَى. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْأَحْجَارِ طَهَارَةٌ لَا يَلْزَمُ مَعَهَا الْمَاءُ، وَإِنْ اُسْتُحِبَّ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ بِأَنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ، فَأَفَادَ أَنَّ غَيْرَهُمَا يُطَهِّرُ.
[وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اسْتَنْزِهُوا» مِنْ التَّنَزُّهِ وَهُوَ الْبُعْدُ، بِمَعْنَى تَنَزَّهُوا، أَوْ بِمَعْنَى اُطْلُبُوا النَّزَاهَةَ «مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ» أَيْ أَكْثَرُ مَنْ يُعَذَّبُ فِيهِ [مِنْهُ] أَيْ بِسَبَبِ مُلَابَسَتِهِ، وَعَدَمِ التَّنَزُّهِ عَنْهُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَدِيثُ أَمَرَ بِالْبُعْدِ عَنْ الْبَوْلِ، وَأَنَّ عُقُوبَةَ عَدَمِ التَّنَزُّهِ مِنْهُ تُعَجَّلُ فِي الْقَبْرِ، وَقَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ عَذَابَ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ الْبَوْلِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» مِنْ الِاسْتِتَارِ. أَيْ لَا يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَوْلِهِ سَاتِرًا يَمْنَعُهُ عَنْ الْمُلَامَسَةِ لَهُ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَبْرِئُ، مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ، أَوْ؛ لِأَنَّهُ
стр. 113
٩٤ - وَلِلْحَاكِمِ «أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْ الْبَوْلِ» وَهُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
لَا يَتَوَقَّاهُ، وَكُلُّهَا أَلْفَاظٌ وَارِدَةٌ فِي الرِّوَايَاتِ، وَالْكُلُّ مُفِيدٌ لِتَحْرِيمِ مُلَامَسَةِ الْبَوْلِ وَعَدَمِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ فَرْضٌ أَوْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: إزَالَتُهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إزَالَتُهَا فَرْضٌ مَا عَدَا مَا يُعْفَى عَنْهُ مِنْهَا. وَاسْتَدَلَّ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ بِحَدِيثِ التَّعْذِيبِ عَلَى عَدَمِ التَّنَزُّهِ مِنْ الْبَوْلِ، وَهُوَ وَعِيدٌ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى تَرْكِ فَرْضٍ. وَاعْتَذَرَ لِمَالِكٍ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ عُذِّبَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ الْبَوْلَ يَسِيلُ عَلَيْهِ، فَيُصَلِّي بِغَيْرِ طَهُورٍ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَصِحُّ مَعَ وُجُودِهِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَحَادِيثَ الْأَمْرِ بِالذَّهَابِ إلَى الْمَخْرَجِ بِالْأَحْجَارِ، وَالْأَمْرُ بِالِاسْتِطَابَةِ دَالَّةٌ عَلَى وُجُوبِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ.
وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِي بَوْلِ الْإِنْسَانِ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْبَوْلِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عِوَضٌ عَنْ الْمُضَافِ، أَيْ عَنْ بَوْلِهِ، بِدَلِيلِ لَفْظِ الْبُخَارِيِّ فِي صَاحِبِ الْقَبْرَيْنِ فَإِنَّهَا بِلَفْظِ [كَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ عَنْ بَوْلِهِ] وَمَنْ حَمَلَهُ فِي جَمِيعِ الْأَبْوَالِ، وَأَدْخَلَ فِيهِ أَبْوَالَ الْإِبِلِ كَالْمُصَنِّفِ فِي فَتْحِ الْبَارِي فَقَدْ تَعَسَّفَ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ التَّعَسُّفِ فِي هَوَامِشِ فَتْحِ الْبَارِي.
٩٤ - وَلِلْحَاكِمِ «أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْ الْبَوْلِ» وَهُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
وَلِلْحَاكِمِ أَيْ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ «أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْ الْبَوْلِ» وَهُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ هَذَا كَلَامُهُ هُنَا، وَفِي التَّخْلِيصِ مَا لَفْظُهُ وَلِلْحَاكِمِ وَأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ؛ «أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْ الْبَوْلِ» وَأَعَلَّهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَقَالَ إنَّ رَفْعَهُ بَاطِلٌ اهـ. وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِحَرْفٍ، وَهُنَا جَزَمَ بِصِحَّتِهِ
، فَاخْتَلَفَ كَلَامَاهُ كَمَا تَرَى، وَلَمْ يَتَنَبَّهْ الشَّارِحُ ﵀ لِذَلِكَ، فَأَقَرَّ كَلَامَهُ هُنَا؛ وَالْحَدِيثُ يُفِيدُ مَا أَفَادَهُ الْأَوَّلُ.
وَاخْتُلِفَ فِي عَدَمِ الِاسْتِنْزَاهِ هَلْ هُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ أَوْ مِنْ الصَّغَائِرِ؟ وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ حَدِيثُ صَاحِبَيْ الْقَبْرَيْنِ، فَإِنَّ فِيهِ " وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، بَلَى إنَّهُ لَكَبِيرٌ " بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عُذِّبَ بِسَبَبِ عَدَمِ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الْبَوْلِ، فَقِيلَ: إنَّ نَفْيَهُ ﷺ أَكْبَرَ مَا يُعَذَّبَانِ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الصَّغَائِرِ، وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّ قَوْلَهُ [بَلَى إنَّهُ لَكَبِيرٌ] يَرُدُّ هَذَا، وَقِيلَ بَلْ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَبِيرٍ فِي اعْتِقَادِهِمَا، أَوْ فِي اعْتِقَادِ الْمُخَاطَبِينَ، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ كَبِيرٌ، وَقَالَ: لَيْسَ بِكَبِيرٍ فِي مَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ، وَجَزَمَ بِهَذَا الْبَغَوِيّ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ.
стр. 114
٩٥ - وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَلَاءِ أَنْ نَقْعُدَ عَلَى الْيُسْرَى، وَنَنْصِبَ الْيُمْنَى». رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ
٩٦ - وَعَنْ عِيسَى بْنِ يَزْدَادَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْثُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ
٩٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَ قُبَاءَ، فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ يُثْنِي عَلَيْكُمْ قَالُوا: إنَّا نُتْبِعُ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ.» رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَأَصْلُهُ فِي أَبِي دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بِدُونِ ذِكْرِ الْحِجَارَةِ.
وَعَنْ " سُرَاقَةَ " ﵁ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَ الرَّاءِ قَافٌ وَهُوَ أَبُو سُفْيَانَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ الَّذِي سَاخَتْ قَوَائِمُ فَرَسِهِ لَمَّا لَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ خَرَجَ فَارًّا مِنْ مَكَّةَ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ، قَالَ " سُرَاقَةُ " فِي ذَلِكَ يُخَاطِبُ " أَبَا جَهْلٍ ":
أَبَا حَكَمٍ وَاَللَّهِ لَوْ كُنْت شَاهِدًا … لِأَمْرِ جَوَادِي حِينَ سَاخَتْ قَوَائِمُهُ
عَلِمْت وَلَمْ تَشُكَّ بِأَنَّ مُحَمَّدًا … رَسُولٌ بِبُرْهَانٍ فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهُ
مِنْ أَبْيَاتٍ. تُوُفِّيَ " سُرَاقَةُ " سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، فِي صَدْرِ خِلَافَةِ " عُثْمَانَ ". قَالَ: «عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَلَاءِ أَنْ نَقْعُدَ عَلَى الْيُسْرَى» مِنْ الرِّجْلَيْنِ [وَنَنْصِبَ الْيُمْنَى] رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ؛ قَالَ الْحَازِمِيُّ: فِي سَنَدِهِ مَنْ لَا نَعْرِفُهُ، وَلَا نَعْلَمُ فِي الْبَابِ غَيْرَهُ.
قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَكُونُ أَعْوَنَ عَلَى خُرُوجِ الْخَارِجِ،؛ لِأَنَّ الْمَعِدَةَ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ. وَقِيلَ: لِيَكُونَ مُعْتَمَدًا عَلَى الْيُسْرَى، وَيَقِلُّ مَعَ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُ الْيُمْنَى لِشَرَفِهَا.
وَعَنْ " عِيسَى بْنِ يَزْدَادَ " ﵁ قِيلَ: بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ وَضُبِطَ بِمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ وَزَايٍ مُعْجَمَةٍ، وَبَقِيَّتُهُ كَالْأَوَّلِ وَعَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْثُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَابْنُ قَانِعٍ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ وَأَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ وَالْعُقَيْلِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ؛ كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى الْمَذْكُورِ. قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَا يُعْرَفُ عِيسَى وَلَا أَبُوهُ. وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ وَلَا يُعْرَفُ إلَّا بِهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ ضَعِيفٌ، إلَّا أَنَّ مَعْنَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ:
стр. 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ] بِمُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ: أَيْ لَا يَسْتَفْرِغُ الْبَوْلَ جَهْدَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ، فَيَخْرُجُ بَعْدَ وُضُوئِهِ.
وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ حُصُولُ الظَّنِّ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الْمَخْرَجِ مَا يَخَافُ مِنْ خُرُوجِهِ، وَقَدْ أَوْجَبَ بَعْضُهُمْ الِاسْتِبْرَاءَ لِحَدِيثِ أَحَدِ صَاحِبَيْ الْقَبْرَيْنِ هَذَا، وَهُوَ شَاهِدٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ.
وَعَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " ﵄: [أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَ قُبَاءَ] بِضَمِّ الْقَافِ مَمْدُودٌ مُذَكَّرٌ مَصْرُوفٌ وَفِيهِ لُغَةٌ بِالْقَصْرِ، وَعَدَمِ الصَّرْفِ [فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ يُثْنِي عَلَيْكُمْ فَقَالُوا: إنَّا نُتْبِعُ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ] رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَا عَنْهُ إلَّا ابْنَهُ، وَمُحَمَّدٌ ضَعِيفٌ وَأَصْلُهُ فِي أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ» قَالَ الْمُنْذِرِيُّ زَادَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " بِدُونِ ذِكْرِ الْحِجَارَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: الْمَعْرُوفُ فِي طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا، يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ وَالْأَحْجَارِ. وَنَبَّهَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فَقَالَ: لَا يُوجَدُ هَذَا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ؛ وَكَذَا قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ نَحْوَهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَرِوَايَةُ الْبَزَّارِ وَارِدَةٌ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً. قُلْت: يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ لَا يُوجَدُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى الرَّدُّ بِمَا فِي الْإِلْمَامِ فَإِنَّهُ صَحَّحَ ذَلِكَ. قَالَ فِي الْبَدْرِ: وَالنَّوَوِيُّ مَعْذُورٌ، فَإِنَّ رِوَايَةَ ذَلِكَ غَرِيبَةٌ فِي زَوَايَا وَخَبَايَا لَوْ قُطِعَتْ إلَيْهَا أَكْبَادُ الْإِبِلِ لَكَانَ قَلِيلًا.
قُلْت: يَتَحَصَّلُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ
стр. 116
٩٨ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ
أَفْضَلُ مِنْ الْحِجَارَةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْكُلِّ بَعْدَ صِحَّةِ مَا فِي الْإِلْمَامِ، وَلَمْ نَجِدْ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا.
وَعِدَّةُ أَحَادِيثِ بَابِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ؛ وَقَالَ فِي الشَّرْحِ خَمْسَةَ عَشَرَ: وَكَأَنَّهُ عَدَّ أَحَادِيثَ الْمَلَاعِنِ حَدِيثًا وَاحِدًا، وَلَا وَجْهَ لَهُ، فَإِنَّهَا أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعَنْ " مُعَاذٍ " عِنْدَ أَبِي دَاوُد، وَعَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " عِنْدَ أَحْمَدَ، وَعَنْ " ابْنِ عُمَرَ " عِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ، فَقَدْ اخْتَلَفَتْ صَحَابَةٌ وَمُخَرِّجِينَ، وَعَدَّ حَدِيثَيْ النَّهْيِ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاحِدًا، وَهُمَا حَدِيثَانِ عَنْ " سَلْمَانَ " عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعَنْ " أَبِي أَيُّوبَ " عِنْدَ السَّبْعَةِ.
باب الغسل وحكم الجنب
الْغُسْلُ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ: اسْمٌ لِلِاغْتِسَالِ؛ وَقِيلَ: إذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ فَهُوَ مَضْمُومٌ، وَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَيَجُوزُ فِيهِ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ؛ وَقِيلَ الْمَصْدَرُ بِالْفَتْحِ، وَالِاغْتِسَالُ بِالضَّمِّ، وَقِيلَ إنَّهُ بِالْفَتْحِ فِعْلُ الْمُغْتَسَلِ، وَبِالضَّمِّ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ، وَبِالْكَسْرِ مَا يُجْعَلُ مَعَ الْمَاءِ كَالْأُشْنَانِ، وَحُكْمُ الْجُنُبِ: أَيْ الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمَنْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ.
٩٨ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ.
عَنْ " أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " ﵁ قَالَ: [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ أَيْ الِاغْتِسَالُ مِنْ الْإِنْزَالِ، فَالْمَاءُ الْأَوَّلُ الْمَعْرُوفُ، وَالثَّانِي الْمَنِيُّ، وَفِيهِ مِنْ الْبَدِيعِ الْجِنَاسُ التَّامُّ؛ وَ حَقِيقَةُ الِاغْتِسَالِ إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ.
وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الدَّلْكِ، فَقِيلَ يَجِبُ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لُغَوِيَّةٌ فَإِنَّ الْوَارِدَ فِي الْقُرْآنِ الْغَسْلُ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَيَتَوَقَّفُ إثْبَاتُ الدَّلْكِ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ مُسَمَّاهُ، وَأَمَّا الْغُسْلُ فَوَرَدَ بِلَفْظِ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وَهَذَا اللَّفْظُ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى مُسَمَّى الْغُسْلِ، وَأَقَلُّهَا الدَّلْكُ، وَمَا عَدَلَ فِي الْعِبَارَةِ إلَّا لِإِفَادَةِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
فَأَمَّا الْغُسْلُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُسَمَّاهُ الدَّلْكُ، إذْ يُقَالُ غَسَلَهُ الْعِرْقُ، وَغَسَلَهُ الْمَطَرُ، فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ عَلَى شَرِيطَةِ الدَّلْكِ فِي غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، بِخِلَافِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ، فَقَدْ وَرَدَ فِيهِ بِلَفْظِ التَّطْهِيرِ كَمَا سَمِعْت، وَفِي الْحَيْضِ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ إلَّا أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ
стр. 117
٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - وَزَادَ مُسْلِمٌ: " وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ ".
عَائِشَةَ " وَمَيْمُونَةَ " مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ اكْتَفَى فِي إزَالَةِ الْجَنَابَةِ بِمُجَرَّدِ الْغُسْلِ، وَإِفَاضَةِ الْمَاءِ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالنُّكْتَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا عَبَّرَ فِي التَّنْزِيلِ عَنْ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِالْغَسْلِ، وَعَنْ إزَالَةِ الْجَنَابَةِ بِالتَّطْهِيرِ، مَعَ الِاتِّحَادِ فِي الْكَيْفِيَّةِ.
وَأَمَّا الْمَسْحُ فَإِنَّهُ الْإِمْرَارُ عَلَى الشَّيْءِ بِالْيَدِ، يُصِيبُ مَا أَصَابَ، وَيُخْطِئُ مَا أَخْطَأَ، فَلَا يُقَالُ: لَا يَبْقَى فَرْقٌ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الدَّلْكُ.
وَحَدِيثُ الْكِتَابِ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ كَمَا نَسَبَهُ الْمُصَنِّفُ إلَيْهِ فِي قِصَّةِ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ الْكِتَابِ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ الْقِصَّةَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَدِيثَ، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِعِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ إذَا أَعْجَلْت أَوْ أَفْحَطْتَ فَعَلَيْك الْوُضُوءُ» وَالْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَعَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ أَنَسٍ.
وَالْحَدِيثُ دَالٌّ بِمَفْهُومِ الْحَصْرِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ تَعْرِيفِ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ؛ وَقَدْ وَرَدَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» عَلَى أَنَّهُ لَا غُسْلَ إلَّا مِنْ الْإِنْزَالِ، وَلَا غُسْلَ مِنْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ دَاوُد، وَقَلِيلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ؛ وَفِي الْبُخَارِيِّ «أَنَّهُ سُئِلَ عُثْمَانُ عَمَّنْ يُجَامِعُ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يُمْنِ فَقَالَ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَبِمِثْلِهِ قَالَ عَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو أَيُّوبَ، وَرَفَعَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ؛ الْغُسْلُ أَحْوَطُ؛ وَقَالَ الْجُمْهُورُ؛ هَذَا الْمَفْهُومُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي:
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذَا جَلَسَ] أَيْ الرَّجُلُ الْمَعْلُومُ مِنْ السِّيَاقِ [بَيْنَ شُعَبِهَا أَيْ الْمَرْأَةِ الْأَرْبَعِ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَمُوَحَّدَةٌ جَمْعُ شُعْبَةٍ [ثُمَّ جَهَدَهَا بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْهَاءِ، مَعْنَاهُ كَدَّهَا بِحَرَكَتِهِ: أَيْ بَلَغَ جَهْدَهُ فِي الْعَمَلِ بِهَا [فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ]، وَفِي مُسْلِمٍ [ثُمَّ اجْتَهَدَ]، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد: «وَأَلْزَقَ الْخِتَانَ بِالْخِتَانِ ثُمَّ جَهَدَهَا» قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَهْدَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ مُعَالَجَةِ الْإِيلَاجِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ زَادَ مُسْلِمٌ [وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ]. وَالشُّعَبُ الْأَرْبَعُ،
стр. 118
١٠٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ - قَالَ: تَغْتَسِلُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - زَادَ مُسْلِمٌ: «فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشِّبْهُ».
قِيلَ: يَدَاهَا وَرِجْلَاهَا، وَقِيلَ: رِجْلَاهَا وَفَخِذَاهَا، وَقِيلَ: سَاقَاهَا وَفَخِذَاهَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْكُلُّ كِنَايَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ.
فَهَذَا الْحَدِيثُ اسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى نَسْخِ مَفْهُومِ حَدِيثِ «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» وَاسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ هَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ بِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَقُولُونَ إنَّ الْمَاءَ مِنْ الْمَاءِ رُخْصَةٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ بِهَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ» صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي النَّسْخِ. عَلَى أَنَّ حَدِيثَ الْغُسْلِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ أَرْجَحُ، لَوْ لَمْ يَثْبُتْ النَّسْخُ مَنْطُوقٌ فِي إيجَابِ الْغُسْلِ، وَذَلِكَ مَفْهُومٌ، وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالْمَفْهُومِ، وَإِنْ كَانَ الْمَفْهُومُ مُوَافِقًا لِلْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْآيَةُ تُعَضِّدُ الْمَنْطُوقَ فِي إيجَابِ الْغُسْلِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾
قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ كَلَامَ الْعَرَبِ يَقْتَضِي أَنَّ الْجَنَابَةَ تُطْلَقُ بِالْحَقِيقَةِ عَلَى الْجِمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إنْزَالٌ، قَالَ: فَإِنَّ كُلَّ مَنْ خُوطِبَ بِأَنَّ فُلَانًا أَجْنَبَ عَنْ فُلَانَةَ عُقِلَ أَنَّهُ أَصَابَهَا وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، قَالَ: وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَنَّ الزِّنَا الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْجَلْدُ هُوَ الْجِمَاعُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إنْزَالٌ (اهـ) فَتَعَاضَدَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى إيجَابِ الْغُسْلِ مِنْ الْإِيلَاجِ.
وَعَنْ " أَنَسٍ " ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ قَالَ: تَغْتَسِلُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ مُسْلِمٌ «فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشِّبْهُ؟» بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِفَتْحِهِمَا لُغَتَانِ، اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ وَأَنَسٍ، وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِنِسَاءٍ مِنْ الصَّحَابِيَّاتِ؛ لِخَوْلَةِ بِنْتِ حَكِيمٍ، عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَلِسَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ، عِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ، وَلِبُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ، عِنْدَ أَبِي شَيْبَةَ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَرَى مَا يَرَاهُ الرَّجُلُ فِي مَنَامِهِ، وَالْمُرَادُ إذَا أَنْزَلَتْ الْمَاءَ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ: «قَالَ: نَعَمْ إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» أَيْ الْمَنِيَّ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ، وَفِي رِوَايَةٍ «هُنَّ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَالِبٌ
стр. 119
١٠١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَمِنْ الْحِجَامَةِ، وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
١٠٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي قِصَّةِ «ثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ، عِنْدَمَا أَسْلَمَ - وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ». رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَصْلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مِنْ حَالِ النِّسَاءِ كَالرِّجَالِ. وَرَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ لَا يَبْرُزُ، وَقَوْلُهُ [فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشِّبْهُ] اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ، وَتَقْرِيرٌ أَنَّ الْوَلَدَ تَارَةً يُشْبِهُ أَبَاهُ، وَتَارَةً يُشْبِهُ أُمَّهُ وَأَخْوَالَهُ، فَأَيُّ الْمَاءَيْنِ غَلَبَ كَانَ الشَّبَهُ لِلْغَالِبِ.
وَعَنْ " عَائِشَةَ " ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ الْجَنَابَةِ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَمِنْ الْحِجَامَةِ؛ وَغُسْلِ الْمَيِّتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ، وَفِيهِ مَقَالٌ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْغُسْلِ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْأَحْوَالِ، فَأَمَّا الْجَنَابَةُ فَالْوُجُوبُ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَفِي حُكْمِهِ وَوَقْتِهِ خِلَافٌ، أَمَّا حُكْمُهُ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَسْنُونٌ لِحَدِيثِ سَمُرَةَ «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» يَأْتِي قَرِيبًا.
وَقَالَ دَاوُد وَجَمَاعَةٌ إنَّهُ وَاجِبٌ لِحَدِيثِ: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» يَأْتِي قَرِيبًا، أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْمَلُ الْوُجُوبُ عَلَى تَأَكُّدِ السُّنِّيَّةِ. وَأَمَّا وَقْتُهُ فَفِيهِ خِلَافٌ أَيْضًا؛ فَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ أَنَّهُ مِنْ فَجْرِ الْجُمُعَةِ إلَى عَصْرِهَا، وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ لِلصَّلَاةِ، فَلَا يُشْرَعُ بَعْدَهَا مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَحَدِيثُ «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» دَلِيلُ الثَّانِي، وَحَدِيثُ " عَائِشَةَ " هَذَا يُنَاسِبُ الْأَوَّلَ.
أَمَّا الْغُسْلُ مِنْ الْحِجَامَةِ فَقِيلَ هُوَ سُنَّةٌ، وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﷺ احْتَجَمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ يُفْعَلُ تَارَةً كَمَا أَفَادَهُ حَدِيثُ " عَائِشَةَ " هَذَا، وَيُتْرَكُ أُخْرَى كَمَا فِي حَدِيثِ " أَنَسٍ "، وَيُرْوَى عَنْ " عَلِيٍّ " ﵇ الْغُسْلُ مِنْ الْحِجَامَةِ سُنَّةٌ، وَإِنْ تَطَهَّرْت أَجْزَأَك.
وَأَمَّا الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ فَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثُهُ أَقْوَالٍ: أَنَّهُ سُنَّةٌ وَهُوَ أَقْرَبُهَا، وَأَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.
стр. 120
١٠٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ أَنَّهُ قَالَ [فِي قِصَّةِ " ثُمَامَةَ " بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ بْنُ أَثَالٍ] بِضَمِّ الْهَمْزَةِ فَمُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَهُوَ الْحَنَفِيُّ، سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ [عِنْدَمَا أَسْلَمَ] أَيْ عِنْدَ إسْلَامِهِ [وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ] رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَهُوَ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ "، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ، رَوَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَنْ خَلَائِقَ، وَعَنْهُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَالذُّهْلِيُّ قَالَ الذَّهَبِيُّ: وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَحَدِيثُهُ مُخَرَّجٌ فِي الصِّحَاحِ، كَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ، مَاتَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ. وَأَصْلُهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ.
الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الْغُسْلِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَقَوْلُهُ [أَمَرَهُ] يَدُلُّ عَلَى الْإِيجَابِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَدْ أَجْنَبَ حَالَ كُفْرِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لِلْجَنَابَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ اغْتَسَلَ حَالَ كُفْرِهِ فَلَا حُكْمَ لَهُ، وَحَدِيثُ «الْإِسْلَامِ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» لَا يُوَافِقُ هَذَا الْقَوْلَ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ إنْ كَانَ قَدْ اغْتَسَلَ حَالَ كُفْرِهِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بَعْدَ إسْلَامِهِ لِلْجَنَابَةِ، لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ «إنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ أَجْنَبَ حَالَ كُفْرِهِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الِاغْتِسَالُ لَا غَيْرُهُ.
أَمَّا عِنْدَ أَحْمَدَ فَقَالَ: يَجِبُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، لِظَاهِرِ حَدِيثِ الْكِتَابِ، وَلِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ «قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُرِيدُ الْإِسْلَامَ فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ.
وَعَنْ " أَبِي سَعِيدٍ " ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ، هَذَا دَلِيلُ دَاوُد فِي إيجَابِهِ غُسْلَ الْجُمُعَةِ، وَالْجُمْهُورُ يَتَأَوَّلُونَهُ بِمَا عَرَفْت قَرِيبًا، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كَانَ الْإِيجَابُ أَوَّلَ الْأَمْرِ بِالْغُسْلِ لِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ ضِيقِ الْحَالِ، وَغَالِبُ لِبَاسِهِمْ الصُّوفُ، وَهُمْ فِي أَرْضٍ حَارَّةِ الْهَوَاءِ، فَكَانُوا يَعْرَقُونَ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، فَأَمَرَهُمْ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - بِالْغُسْلِ، فَلَمَّا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَلَبِسُوا الْقُطْنَ، رَخَّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
стр. 121
١٠٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
١٠٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَعَنْ " سَمُرَةَ " تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ ابْنُ جُنْدُبٍ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَهُوَ أَبُو سَعِيدٍ " فِي أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ الْفَزَارِيّ "، حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، نَزَلَ الْكُوفَةَ، وَوُلِّيَ الْبَصْرَةَ وَعِدَادُهُ فِي الْبَصْرِيِّينَ، كَانَ مِنْ الْحُفَّاظِ الْمُكْثِرِينَ بِالْبَصْرَةِ، مَاتَ آخِرَ سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا» أَيْ بِالسُّنَّةِ أَخَذَ [وَنِعْمَتْ] السُّنَّةُ أَوْ بِالرُّخْصَةِ أَخَذَ وَنِعْمَتْ،؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ الْغُسْلُ، أَوْ بِالْفَرِيضَةِ أَخَذَ وَنِعْمَتْ الْفَرِيضَةُ «وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَمَنْ صَحَّحَ سَمَاعَ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ قَالَ: الْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَفِي سَمَاعِهِ مِنْهُ خِلَافٌ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْغُسْلِ، وَهُوَ كَمَا عَرَفْت دَلِيلُ الْجُمْهُورِ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى تَأْوِيلِ حَدِيثِ الْإِيجَابِ، إلَّا أَنَّ فِيهِ سُؤَالًا وَهُوَ أَنَّهُ كَيْفَ يُفَضِّلُ الْغُسْلَ وَهُوَ سُنَّةٌ عَلَى الْوُضُوءِ وَهُوَ فَرِيضَةٌ، وَالْفَرِيضَةُ أَفْضَلُ إجْمَاعًا؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَيْسَ التَّفْضِيلُ عَلَى الْوُضُوءِ نَفْسِهِ، بَلْ عَلَى الْوُضُوءِ الَّذِي لَا غُسْلَ مَعَهُ، كَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ تَوَضَّأَ فَقَطْ، وَلِعَدَمِ الْفَرْضِيَّةِ أَيْضًا حَدِيثُ مُسْلِمٍ «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثِهِ أَيَّامٍ» وَلِدَاوُد أَنْ يَقُولَ: هُوَ مُقَيَّدٌ بِحَدِيثِ الْإِيجَابِ.
فَالدَّلِيلُ النَّاهِضُ حَدِيثُ سَمُرَةَ، فَلَمْ يُخْرِجْهُ الشَّيْخَانِ، فَالْأَحْوَطُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يَتْرُكَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ.
وَفِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ الْأَمْرُ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُؤَكَّدٌ جِدًّا، وَوُجُوبُهُ أَقْوَى مِنْ وُجُوبِ الْوِتْرِ، وَقِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَوُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ النِّسَاءِ، وَوُجُوبِهِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، وَوُجُوبِهِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْ الرُّعَافِ، وَمِنْ الْحِجَامَةِ، وَالْقَيْءِ.
стр. 122
١٠٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ، وَحَسَّنَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَعَنْ " عَلِيٍّ " ﵇ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْخَمْسَةُ هَكَذَا فِي نُسَخِ بُلُوغِ الْمَرَامِ، وَالْأَوْلَى وَالْأَرْبَعَةُ قَدْ وُجِدَ فِي بَعْضِهَا كَذَلِكَ وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ أَنَّهُ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ السَّكَنِ، وَعَبْدُ الْحَقِّ، وَالْبَغَوِيُّ، وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ ثُلُثُ رَأْسِ مَالِي، وَمَا أُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ أَحْسَنَ مِنْهُ؛ وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ: خَالَفَ التِّرْمِذِيَّ الْأَكْثَرُونَ فَضَعَّفُوا هَذَا الْحَدِيثَ؛ فَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّ تَخْصِيصَهُ لِلتِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ صَحَّحَهُ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ تَصْحِيحَهُ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مَنْ صَحَّحَهُ غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ " عَلِيٍّ " مَوْقُوفًا: اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا لَمْ تُصِبْ أَحَدُكُمْ جَنَابَةٌ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ فَلَا وَلَا حَرْفًا وَهَذَا يُعَضِّدُ حَدِيثَ الْبَابِ؛ إلَّا أَنَّهُ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَا حُجَّةَ فِي الْحَدِيثِ لِمَنْ مَنَعَ الْجُنُبَ مِنْ الْقِرَاءَةِ،؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ وَإِنَّمَا هِيَ حِكَايَةُ فِعْلٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْ ﷺ أَنَّهُ إنَّمَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْجَنَابَةِ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِالْقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ بَأْسًا، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ رِوَايَةَ «لَمْ يَكُنْ يَحْجُبُ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ يَحْجِزُهُ شَيْءٌ سِوَى الْجَنَابَةِ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَزَّارُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ أَصْرَحُ فِي الدَّلِيلِ عَلَى تَحْرِيمِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْجُنُبِ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، فَإِنَّ الْأَلْفَاظَ كُلَّهَا إخْبَارٌ عَنْ تَرْكِهِ ﷺ الْقُرْآنَ حَالَ الْجَنَابَةِ، وَلَا دَلِيلَ فِي التَّرْكِ عَلَى حُكْمٍ مُعَيَّنٍ. وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ " عَائِشَةَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ مُخَصَّصٌ بِحَدِيثِ " عَلِيٍّ " ﵇.
هَذَا، وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ لَا يَنْهَضُ عَلَى التَّحْرِيمِ، بَلْ يُحْمَلُ أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ حَالَ الْجَنَابَةِ لِلْكَرَاهَةِ أَوْ نَحْوِهَا؛ إلَّا أَنَّهُ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ " عَلِيٍّ " ﵇ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَرَأَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا لِمَنْ لَيْسَ بِجُنُبٍ، فَأَمَّا الْجُنُبُ فَلَا وَلَا آيَةً».
قَالَ الْهَيْثَمِيُّ: رِجَالُهُ مَوْثُوقُونَ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ نَهْيٌ، وَأَصْلُهُ ذَلِكَ، وَيُعَاضِدُ مَا سَلَفَ، وَأَمَّا حَدِيثُ " ابْنِ عَبَّاسٍ " مَرْفُوعًا «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَتَى أَهْلَهُ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ» الْحَدِيثَ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى جَوَازِ الْقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ،؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهَذَا اللَّفْظِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلتِّلَاوَةِ، وَلِأَنَّهُ قَبْلَ غَشَيَانِهِ أَهْلِهِ، وَصَيْرُورَتِهِ جُنُبًا، وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ
стр. 123
١٠٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ - زَادَ الْحَاكِمُ «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ».
١٠٧ - وَلِلْأَرْبَعَةِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً»، وَهُوَ مَعْلُولٌ.
«أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا غَشِيَ أَهْلَهُ فَأَنْزَلَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ لِلشَّيْطَانِ فِيمَا رَزَقَتْنِي نَصِيبًا» لَيْسَ فِيهِ تَسْمِيَةٌ، فَلَا يُرَدُّ بِهِ إشْكَالٌ.
وَعَنْ " أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ إلَى إتْيَانِهَا فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا» كَأَنَّهُ أَكَّدَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى غَسْلِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، فَأَبَانَ بِالتَّأْكِيدِ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الشَّرْعِيَّ، وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ [وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ] رَوَاهُ مُسْلِمٌ زَادَ الْحَاكِمُ [عَنْ " أَبِي سَعِيدٍ " [فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ].
فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الْوُضُوءِ لِمَنْ أَرَادَ مُعَاوَدَةَ أَهْلِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ ﷺ غَشِيَ نِسَاءَهُ وَلَمْ يُحْدِثْ وُضُوءًا بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ»، وَثَبَتَ «أَنَّهُ اغْتَسَلَ بَعْدَ غَشَيَانِهِ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ» فَالْكُلُّ جَائِزٌ.
وَلِلْأَرْبَعَةِ عَنْ " عَائِشَةَ " ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً» وَهُوَ مَعْلُولٌ، الْمُصَنِّفُ بَيَّنَ الْعِلَّةَ: أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ " عَائِشَةَ "؛ قَالَ أَحْمَدُ: عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ وَقَالَ أَبُو دَاوُد: وَهَمَ. وَوَجْهُهُ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ " الْأَسْوَدِ " وَقَدْ صَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: إنَّ أَبَا إِسْحَاقَ سَمِعَهُ مِنْ الْأَسْوَدِ. فَبَطَلَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ أَجْمَعَ الْمُحَدِّثُونَ أَنَّهُ خَطَأٌ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَمَسُّ مَاءَ الْغُسْلِ.
قُلْت: فَيُوَافِقُ أَحَادِيثَ الصَّحِيحَيْنِ فَإِنَّهَا مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَغْسِلُ فَرْجَهُ لِأَجْلِ النَّوْمِ، وَالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَالْجِمَاعِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ هُوَ وَاجِبٌ؟ أَوْ غَيْرُ وَاجِبٍ؟ فَالْجُمْهُورُ قَالُوا بِالثَّانِي، لِحَدِيثِ الْبَابِ هَذَا، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ أَنَّهُ لَا يَمَسُّ مَاءً،
стр. 124
١٠٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ. ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ، ثُمَّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَلَهُمَا، مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: «ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا الْأَرْضَ» - وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ، وَفِي آخِرِهِ: ثُمَّ أَتَيْته بِالْمِنْدِيلِ، فَرَدَّهُ، وَفِيهِ: وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ
وَحَدِيثِ طَوَافِهِ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ كَذَا قِيلَ؛ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عَلَى الْمُدَّعَى هُنَا دَلِيلٌ.
وَذَهَبَ دَاوُد وَجَمَاعَةٌ إلَى وُجُوبِهِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِالْغُسْلِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: «لِيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيَنَمْ» وَفِي الْبُخَارِيِّ: «اغْسِلْ فَرْجَك ثُمَّ تَوَضَّأْ» وَأَصْلُهُ الْإِيجَابُ.
وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَلِمَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَتَوَضَّأُ إنْ شَاءَ» وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ دُونَ قَوْلِهِ: إنْ شَاءَ "، إلَّا أَنَّ تَصْحِيحَ مَنْ ذَكَرَهَا وَإِخْرَاجَهَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ كِتَابِهِ كَافٍ فِي الْعَمَلِ؛ وَيُؤَيِّدُ حَدِيثَ [وَلَا يَمَسُّ مَاءً] وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِ التِّرْمِذِيِّ، وَيُعَضِّدُ الْأَصْلَ وَهُوَ عَدَمُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى مَنْ أَرَادَ النَّوْمَ جُنُبًا كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ.
وَعَنْ " عَائِشَةَ " ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ أَيْ أَرَادَ ذَلِكَ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ» فِي حَدِيثِ " مَيْمُونَةَ ": [مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ يُفْرِغُ] أَيْ الْمَاءَ [بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ] فِي حَدِيثِ " مَيْمُونَةَ ": " وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ " [ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ] أَيْ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ: [يُخَلِّلُ بِهَا شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنَ فَيَتْبَعُ بِهَا أُصُولَ الشَّعْرِ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْسَرِ كَذَلِكَ، ثُمَّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ الْحَفْنَةُ بِالْمُهْمَلَةِ فَنُونٌ: مِلْءُ الْكَفِّ كَمَا فِي النِّهَايَةِ، وَبِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَفِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: [ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِلْءَ
стр. 125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَفَّيْهِ] إلَّا أَنَّ أَكْثَرَ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ مِلْءَ كَفِّهِ بِالْإِفْرَادِ [ثُمَّ أَفَاضَ] أَيْ الْمَاءَ [عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ] أَيْ بَقِيَّتِهِ، وَلَفْظُ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: " ثُمَّ غَسَلَ " بَدَلَ أَفَاضَ [ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ
وَلَهُمَا أَيْ لِلشَّيْخَيْنِ: مِنْ حَدِيثِ " مَيْمُونَةَ " فِي صِفَةِ الْغُسْلِ مِنْ ابْتِدَائِهِ إلَى انْتِهَائِهِ إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ اقْتَصَرَ عَلَى مَا لَمْ يُذْكَرْ فِي حَدِيثِ " عَائِشَةَ " فَقَطْ: [ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا الْأَرْضَ] وَفِي رِوَايَةٍ [فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ] وَفِي آخِرِهِ [ثُمَّ أَتَيْته بِالْمِنْدِيلِ] بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ [فَرَدَّهُ - وَفِيهِ: وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ] وَقِيلَ: هَذَا اللَّفْظُ فِي حَدِيثِهِمَا [ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَتَيْته] إلَى آخِرِهِ. وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مُشْتَمِلَانِ عَلَى بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ مِنْ ابْتِدَائِهِ إلَى انْتِهَائِهِ، فَابْتِدَاؤُهُ غُسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ، إذَا كَانَ مُسْتَيْقِظًا مِنْ النَّوْمِ، كَمَا وَرَدَ صَرِيحًا، وَكَانَ الْغُسْلُ مِنْ الْإِنَاءِ، وَقَدْ قَيَّدَهُ فِي حَدِيثِ " مَيْمُونَةَ " مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ الْفَرْجَ، وَفِي الشَّرْحِ أَنَّ ظَاهِرَهُ مُطْلَقُ الْغُسْلِ فَيَكْفِي مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَدَلَكَ الْأَرْضَ لِأَجْلِ إزَالَةِ الرَّائِحَةِ مِنْ الْيَدِ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ أَعَادَ غَسْلَ الْفَرْجِ بَعْدَ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ الرَّائِحَةُ فِي الْيَدِ فَهِيَ بَاقِيَةٌ فِي الْفَرْجِ؛ وَهَذَا مَا يُفْهَمُ مِنْ الْحَدِيثِ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يُطَهَّرُ بِهِ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ، وَعَلَى تَشْرِيكِ النِّيَّةِ لِلْغُسْلِ الَّذِي يُزِيلُ النَّجَاسَةِ بِرَفْعِهَا الْحَدَثَ، وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ بَقَاءَ الرَّائِحَةِ بَعْدَ غَسْلِ الْمَحَلِّ لَا يَضُرُّ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، هَذَا كَلَامُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لَمْ تَبْقَ رَائِحَةٌ بَلْ ضَرَبَ الْأَرْضَ لِإِزَالَةِ لُزُوجَةِ الْيَدِ إنْ سُلِّمَ أَنَّهَا تُفَارِقُ الرَّائِحَةَ، وَأَمَّا وُضُوءُهُ قَبْلَ الْغُسْلِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وُضُوءُهُ لِلصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ قَبْلَ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ؛ وَأَنْ يَكُونَ غَسْلُ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ كَافِيًا عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَأَنَّهُ تَتَدَاخَلُ الطَّهَارَتَانِ، وَهُوَ رَأْيُ " زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ " وَالشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٌ، وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ غَسَلَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ لِلْجَنَابَةِ وَقَدَّمَهَا تَشْرِيفًا لَهَا، ثُمَّ وَضَّأَهَا لِلصَّلَاةِ، لَكِنْ هَذَا لَمْ يُنْقَلْ أَصْلًا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَضَّأَهَا لِلصَّلَاةِ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهَا الْمَاءَ مَعَ بَقِيَّةِ الْجَسَدِ لِلْجَنَابَةِ، وَلَكِنَّ عِبَارَةَ: أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، لَا تُنَاسِبُ هَذَا؛ إذْ هِيَ ظَاهِرَةٌ أَنَّهُ أَفَاضَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ جَسَدِهِ مِمَّا لَمْ يَمَسَّهُ الْمَاءُ، فَإِنَّ السَّائِرَ الْبَاقِي لَا الْجَمِيعُ؛ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالسَّائِرُ الْبَاقِي لَا الْجَمِيعُ كَمَا تَوَهَّمَ جَمَاعَاتٌ فَالْحَدِيثَانِ ظَاهِرَانِ فِي كِفَايَةِ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مَرَّةً وَاحِدَةً عَنْ الْجَنَابَةِ وَالْوُضُوءِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْوُضُوءِ رَفْعُ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، وَمَنْ قَالَ: لَا يَتَدَاخَلَانِ، وَأَنَّهُ يَتَوَضَّأُ بَعْدَ كَمَالِ الْغُسْلِ، لَمْ يَنْهَضْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ؛ وَقَدْ ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ وَصَلَاةَ الْغَدَاةِ وَلَا يَمَسُّ مَاءً» فَبَطَلَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ
стр. 126
١٠٩ - وَعَنْ «أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ شَعْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: وَالْحَيْضَةِ قَالَ: لَا، إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ
لَيْسَ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ وَعَائِشَةَ أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ الْغُسْلِ، وَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِالتَّدَاخُلِ إلَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَهُ.
قُلْنَا: قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ السُّنَنِ صَلَاتُهُ بِهِ؛ نَعَمْ لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ فِي وُضُوءِ الْغُسْلِ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ قَدْ شَمِلَهُ قَوْلُ مَيْمُونَةَ: [وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ] وَقَوْلُهَا: [ثُمَّ أَفَاضَ الْمَاءَ]، الْإِفَاضَةُ: الْإِسَالَةُ.
وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الدَّلْكِ، وَعَلَى أَنَّ مُسَمَّى غُسْلٍ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الدَّلْكُ؛ لِأَنَّهَا عَبَّرَتْ مَيْمُونَةُ بِالْغُسْلِ، وَعَبَّرَتْ عَائِشَةُ بِالْإِفَاضَةِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَالْإِفَاضَةُ لَا دَلْكَ فِيهَا، فَكَذَلِكَ الْغُسْلُ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَفَاضَ بِمَعْنَى غَسَلَ، وَالْخِلَافُ فِي الْغُسْلِ قَائِمٌ. هَذَا، وَأَمَّا هَلْ يُكَرِّرُ غَسْلَ الْأَعْضَاءِ ثَلَاثًا عِنْدَ وُضُوءِ الْغُسْلِ؟ فَلَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ؛ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ ذَلِكَ؛ قَالَ الْمُصَنِّفُ: بَلْ قَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَفِي قَوْلِ مَيْمُونَةَ: [أَنَّهُ ﷺ أَخَّرَ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ] وَلَمْ يَرِدْ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ، قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَعَادَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ بَعْدَ أَنْ غَسَلَهُمَا أَوَّلًا لِلْوُضُوءِ، لِظَاهِرِ قَوْلِهَا: [تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ] فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي دُخُولِ الرِّجْلَيْنِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ اخْتَارَ غَسْلَهُمَا أَوَّلًا، وَمِنْهُمْ مَنْ اخْتَارَ تَأْخِيرَ ذَلِكَ.
وَقَدْ أُخِذَ مِنْهُ جَوَازُ تَفْرِيقِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ. وَقَوْلُ مَيْمُونَةَ: [ثُمَّ أَتَيْته بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ شَرْعِيَّةِ التَّنْشِيفِ لِلْأَعْضَاءِ وَفِيهِ أَقْوَالٌ: الْأَشْهَرُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ، وَقِيلَ مُبَاحٌ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ نَفْضَ الْيَدِ مِنْ مَاءِ الْوُضُوءِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ «لَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ الشَّيْطَانِ» إلَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، لَا يُقَاوِمُ حَدِيثَ الْبَابِ.
وَعَنْ «أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ شَعْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ»؟ وَفِي رِوَايَةٍ: وَالْحَيْضَةِ؟ فَقَالَ: لَا إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، لَكِنَّ لَفْظَهُ [أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي] بَدَلَ شَعْرِهِ، وَكَأَنَّهُ رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ بِالْمَعْنَى، وَضَفْرَ بِفَتْحِ الضَّادِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ نَقْضُ الشَّعْرِ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي غُسْلِهَا مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ، وَأَنَّهُ
стр. 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَا يُشْتَرَطُ وُصُولُ الْمَاءِ إلَى أُصُولِهِ وَهِيَ مُبْتَلَّةٌ خِلَافٌ.
فَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ لَا يَجِبُ النَّقْضُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَيَجِبُ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَائِشَةَ: [اُنْقُضِي شَعْرَك وَاغْتَسِلِي] وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالنَّقْضِ لِلنَّدْبِ. وَيُجَابُ بِأَنَّ شَعْرَ " أُمِّ سَلَمَةَ " كَانَ خَفِيفًا، فَعَلِمَ ﷺ أَنَّهُ يَصِلُ الْمَاءُ إلَى أُصُولِهِ.
وَقِيلَ: يَجِبُ النَّقْضُ إنْ لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ إلَى أُصُولِ الشَّعْرِ، وَإِنْ وَصَلَ لِخِفَّةِ الشَّعْرِ لَمْ يَجِبْ نَقْضُهُ، أَوْ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَشْدُودًا نُقِضَ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ نَقْضُهُ؛ لِأَنَّهُ يَبْلُغُ الْمَاءُ أُصُولَهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ «بُلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ» فَلَا يَقْوَى عَلَى مُعَارَضَةِ حَدِيثِ " أُمِّ سَلَمَةَ ". وَأَمَّا فِعْلُهُ ﷺ ، وَإِدْخَالُ أَصَابِعِهِ كَمَا سَلَفَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، فَفِعْلٌ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، ثُمَّ هُوَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ.
وَحَدِيثُ " أُمِّ سَلَمَةَ " فِي غُسْلِ النِّسَاءِ، هَكَذَا حَاصِلُ مَا فِي الشَّرْحِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ حَدِيثَ " عَائِشَةَ " كَانَ فِي الْحَجِّ، فَإِنَّهَا أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ حَاضَتْ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ، فَأَمَرَهَا ﷺ أَنْ تَنْقُضَ رَأْسَهَا، وَتُمَشِّطَ، وَتَغْتَسِلَ، وَتُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَهِيَ حِينَئِذٍ لَمْ تَطْهُرْ مِنْ حَيْضِهَا، فَلَيْسَ إلَّا غُسْلَ تَنْظِيفٍ لَا حَيْضٍ، فَلَا يُعَارِضُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ أَصْلًا، فَلَا حَاجَةَ إلَى هَذِهِ التَّآوِيلِ الَّتِي فِي غَايَةِ الرِّكَّةِ، فَإِنَّ خِفَّةَ شَعْرِ هَذِهِ دُونَ هَذِهِ يَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا مَشْدُودٌ، وَهَذَا خِلَافُهُ - وَالْعِبَارَةُ عَنْهُمَا مِنْ الرَّاوِي بِلَفْظِ النَّقْضِ - دَعْوَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ. نَعَمْ فِي الْمَسْأَلَةِ حَدِيثٌ وَاضِحٌ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْإِفْرَادِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْخَطِيبُ فِي التَّلْخِيصِ وَالضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ مِنْ حَدِيثِ " أَنَسٍ " مَرْفُوعًا: «إذَا اغْتَسَلَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ حَيْضِهَا نَقَضَتْ شَعْرَهَا نَقْضًا وَغَسَلَتْهُ بِخَطْمِيٍّ وَأُشْنَانٍ، وَإِنْ اغْتَسَلَتْ مِنْ جَنَابَةٍ صَبَّتْ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهَا صَبًّا وَعَصَرَتْهُ» فَهَذَا الْحَدِيثُ مَعَ إخْرَاجِ الضِّيَاءِ لَهُ، وَهُوَ يَشْتَرِطُ الصِّحَّةَ فِيمَا يُخْرِجُهُ، يُثَمِّرُ الظَّنَّ فِي الْعَمَلِ بِهِ، وَيُحْمَلُ هَذَا عَلَى النَّدْبِ لِذِكْرِ الْخِطْمِيِّ وَالْأُشْنَانِ، إذْ لَا قَائِلَ بِوُجُوبِهِمَا، فَهُوَ قَرِينَةٌ عَلَى النَّدْبِ، وَحَدِيثُ " أُمِّ سَلَمَةَ " مَحْمُولٌ عَلَى الْإِيجَابِ كَمَا قَالَ: [إنَّمَا يَكْفِيك] فَإِذَا زَادَتْ نَقْضَ الشَّعْرِ كَانَ نَدْبًا.
وَيَدُلُّ لِعَدَمِ وُجُوبِ النَّقْضِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ: «أَنَّهُ بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْمُرُ النِّسَاءَ إذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ فَقَالَتْ: يَا عَجَبًا لِابْنِ عُمَرَ هُوَ يَأْمُرُ النِّسَاءَ أَنْ يَنْقُضْنَ شَعْرَهُنَّ أَفَلَا يَأْمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُءُوسَهُنَّ؟ لَقَدْ كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ فَمَا أَزِيدُ أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ إفْرَاغَاتٍ» وَإِنْ كَانَ حَدِيثُهَا فِي غُسْلِهَا مِنْ الْجَنَابَةِ وَظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ النِّسَاءَ بِالنَّقْضِ فِي حَيْضٍ وَجَنَابَةٍ.
стр. 128
١١٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ
١١١ - وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ: وَتَلْتَقِي أَيْدِينَا.
١١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَاهُ
وَعَنْ " عَائِشَةَ " ﵂ قَالَتْ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ أَيْ دُخُولَهُ وَالْبَقَاءَ فِيهِ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَلَا سَمَاعَ لِقَوْلِ ابْنِ الرِّفْعَةِ: إنَّ فِي رُوَاتِهِ مَتْرُوكًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَدَّ قَوْلَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ دُخُولُ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ دَاوُد وَغَيْرُهُ: يَجُوزُ؛ وَكَأَنَّهُ بَنَى عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَرْفَعُهَا.
وَأَمَّا عُبُورُهُمَا الْمَسْجِدَ فَقِيلَ يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ فِي الْجُنُبِ، وَتُقَاسُ الْحَائِضُ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَوَاضِعُ الصَّلَاةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَةَ فِيمَنْ أَجْنَبَ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ لِلْغُسْلِ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَفِيهِ تَأْوِيلٌ آخَرُ.
وَعَنْهَا أَيْ «عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ» أَيْ فِي الِاغْتِرَافِ مِنْهُ [مِنْ الْجَنَابَةِ] بَيَانٌ لِنَغْتَسِلَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ ابْنُ حِبَّانَ [وَتَلْتَقِي] أَيْ تَلْتَقِي [أَيْدِينَا] فِيهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اغْتِسَالِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ، وَالْجَوَازُ هُوَ الْأَصْلُ؛ وَقَدْ سَلَفَ الْكَلَامُ فِي هَذَا فِي بَابِ الْمِيَاهِ.
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ»؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ تَحْتَهُ جَنَابَةٌ فَبِالْأَوْلَى أَنَّهَا فِيهِ، فَفَرَّعَ غُسْلَ الشَّعْرِ عَلَى الْحُكْمِ بِأَنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرٍ جَنَابَةً [وَأَنْقُوا الْبَشَرَ]. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَضَعَّفَاهُ]
стр. 129
١١٣ - وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نَحْوُهُ وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ
لِأَنَّهُ عِنْدَ هُمَا مِنْ رِوَايَةِ " الْحَارِثِ بْنِ وَجِيهٍ " بِفَتْحِ الْوَاوِ فَجِيمٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَحَدِيثُهُ مُنْكَرٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ " الْحَارِثِ " وَهُوَ شَيْخٌ لَيْسَ بِذَلِكَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْكَرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ: الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا
، وَلَكِنْ فِي الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ " عَلِيٍّ " ﵇ مَرْفُوعًا «مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا، فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْت رَأْسِي فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْت رَأْسِي ثَلَاثًا، وَكَانَ يَجُزُّهُ» وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ: إنَّ حَدِيثَ " عَلِيٍّ " هَذَا مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، وَهُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ. قُلْت: وَسَبَبُ اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي تَصْحِيحِهِ وَتَضْعِيفِهِ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ السَّائِبِ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، فَمَنْ رَوَى عَنْهُ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ فَرِوَايَتُهُ عَنْهُ صَحِيحَةٌ، وَمَنْ رَوَى عَنْهُ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ فَرِوَايَتُهُ عَنْهُ ضَعِيفَةٌ؛ وَحَدِيثُ " عَلِيٍّ " هَذَا اخْتَلَفُوا هَلْ رَوَاهُ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ أَوْ بَعْدَهُ؟ فَلِذَا اخْتَلَفُوا فِي تَصْحِيحِهِ وَتَضْعِيفِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْحَالُ فِيهِ؛ وَقِيلَ: الصَّوَابُ وَقْفُهُ عَلَى " عَلِيٍّ " ﵇.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ فِي الْجَنَابَةِ وَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ؛ قِيلَ: وَهُوَ إجْمَاعٌ إلَّا الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، فَفِيهَا خِلَافٌ، قِيلَ: يَجِبَانِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبَانِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي تَقَدَّمَ وَمَيْمُونَةَ، وَحَدِيثُ إيجَابِهِمَا هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَا يُقَاوِمُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ فَفِعْلٌ لَا يَنْهَضُ عَلَى الْإِيجَابِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ بَيَانٌ لِمُجْمَلٍ، فَإِنَّ الْغُسْلَ مُجْمَلٌ فِي الْقُرْآنِ يُبَيِّنُهُ الْفِعْلُ.
١١٣ - وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نَحْوُهُ وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ. وَلِأَحْمَدَ عَنْ " عَائِشَةَ " نَحْوُهُ؛ وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ، لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْحَدِيثَ فِي التَّلْخِيصِ وَلَا عَيَّنَ مَنْ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ فِيهِ مَجْهُولٌ فَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ عِدَّتُهَا سَبْعَةَ عَشَرَ.
باب التيمم
التَّيَمُّمُ هُوَ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ، وَفِي الشَّرْعِ: الْقَصْدُ إلَى الصَّعِيدِ لِمَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ
стр. 130
١١٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُعْطِيت خَمْسًا، لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْت بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا؛ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ التَّيَمُّمُ رُخْصَةٌ أَوْ عَزِيمَةٌ؟ وَقِيلَ: هُوَ لِعَدَمِ الْمَاءِ عَزِيمَةٌ، وَلِلْعُذْرِ رُخْصَةٌ.
١١٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُعْطِيت خَمْسًا، لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْت بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ»، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
عَنْ " جَابِرٍ " هُوَ إذَا أُطْلِقَ " جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ " [أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ] مُتَحَدِّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ وَمُبَيِّنًا لِأَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ [أُعْطِيت] حَذَفَ الْفَاعِلَ لِلْعِلْمِ بِهِ [خَمْسًا] أَيْ خِصَالًا أَوْ فَضَائِلَ أَوْ خَصَائِصَ وَالْآخِرُ يُنَاسِبُهُ قَوْلُهُ [لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي] وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُعْطَاهُنَّ أَحَدٌ بَعْدَهُ فَتَكُونُ خَصَائِصَ لَهُ، إذْ الْخَاصَّةُ مَا تُوجَدُ فِي الشَّيْءِ وَلَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، وَمَفْهُومُ الْعَدَدِ غَيْرُ مُرَادٍ،؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أُعْطِيَ أَكْثَرَ مِنْ الْخَمْسِ، وَقَدْ عَدَّهَا السُّيُوطِيّ فِي الْخَصَائِصِ فَبَلَغَتْ الْخَصَائِصُ زِيَادَةً عَلَى الْمِائَتَيْنِ، وَهَذَا إجْمَالٌ فَصَّلَهُ.
[نُصِرْت بِالرُّعْبِ] وَهُوَ الْخَوْفُ [مَسِيرَةَ شَهْرٍ] أَيْ بَيْنِي وَبَيْنَ الْعَدُوِّ مَسَافَةُ شَهْرٍ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ «نُصِرْت بِالرُّعْبِ عَلَى عَدُوِّي مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ» وَأَخْرَجَ أَيْضًا تَفْسِيرَ ذَلِكَ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ بِأَنَّهُ شَهْرٌ خَلْفِي وَشَهْرٌ أَمَامِي.
قِيلَ: وَإِنَّمَا جَعَلَ مَسَافَةَ شَهْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ ﷺ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَعْدَائِهِ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الْمَسَافَةِ، وَهِيَ حَاصِلَةٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ.
وَفِي كَوْنِهَا حَاصِلَةً لِأُمَّتِهِ خِلَافٌ. «وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا» مَوْضِعَ سُجُودٍ، وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ مَوْضِعٌ دُونَ غَيْرِهِ، وَهَذِهِ لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِ ﷺ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ [وَكَانَ مَنْ قَبْلِي إنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسِهِمْ] وَفِي أُخْرَى [وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يُصَلِّي حَتَّى يَبْلُغَ مِحْرَابَهُ] وَهُوَ نَصٌّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ [وَطَهُورًا بِفَتْحِ الطَّاءِ: أَيْ مُطَهَّرَةٌ تُسْتَبَاحُ بِهَا الصَّلَاةُ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ التُّرَابَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ كَالْمَاءِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الطَّهُورِيَّةِ، وَقَدْ يُمْنَعُ ذَلِكَ، وَيُقَالُ الَّذِي لَهُ مِنْ الطَّهُورِيَّةِ اسْتِبَاحَةُ الصَّلَاةِ بِهِ كَالْمَاءِ؛ وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ؛ وَفِي رِوَايَةٍ: «وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ
стр. 131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كُلُّهَا وَلِأُمَّتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الصَّحِيحِ «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا طَهُورًا» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى اشْتِرَاطِ التُّرَابِ، لِمَا عَرَفْت فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّ ذِكْرَ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ لَا يُخَصَّصُ بِهِ، ثُمَّ هُوَ مَفْهُومُ لَقَبٍ لَا يُعْمَلُ بِهِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ؛ نَعَمْ فِي قَوْله تَعَالَى فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ فِي التَّيَمُّمِ ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ التُّرَابُ، وَذَلِكَ أَنَّ كَلِمَةَ (مِنْ) لِلتَّبْعِيضِ كَمَا قَالَ فِي الْكَشَّافِ، حَيْثُ قَالَ: إنَّهُ لَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنْ الْعَرَبِ قَوْلَ الْقَائِلِ: مَسَحْت بِرَأْسِهِ مِنْ الدُّهْنِ، وَمِنْ التُّرَابِ، إلَّا مَعْنَى التَّبْعِيضِ، انْتَهَى؛ وَالتَّبْعِيضُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي الْمَسْحِ مِنْ التُّرَابِ لَا مِنْ الْحِجَارَةِ وَنَحْوِهَا.
[فَأَيُّمَا رَجُلٍ] هُوَ لِلْعُمُومِ فِي قُوَّةِ: فَكُلُّ رَجُلٍ [أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ] أَيْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَسْجِدًا وَلَا مَاءً، أَيْ بِالتَّيَمُّمِ، كَمَا بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ أَبِي أُمَامَةَ «فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً وَجَدَ الْأَرْضَ طَهُورًا وَمَسْجِدًا» وَفِي لَفْظٍ [فَعِنْدَهُ طَهُورُهُ وَمَسْجِدُهُ] وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى فَاقِدِ الْمَاءِ تَطَلُّبُهُ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ: أَيْ ذَكَرَ " جَابِرٌ " بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ، فَالْمَذْكُورُ فِي الْأَصْلِ اثْنَتَانِ.
وَلْنَذْكُرْ بَقِيَّةَ الْخَمْسِ. فَالثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: «وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ» وَفِي رِوَايَةٍ: الْمَغَانِمُ؛ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانَ مَنْ تَقَدَّمَ: أَيْ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْجِهَادِ فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ مَغَانِمُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أُذِنَ لَهُمْ فِيهِ وَلَكِنْ إذَا غَنِمُوا شَيْئًا لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوهُ؛ وَجَاءَتْ نَارٌ فَأَحْرَقَتْهُ؛ وَقِيلَ: أُجِيزَ لِي التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالتَّنْفِيلِ وَالِاصْطِفَاءِ وَالصَّرْفِ فِي الْغَانِمِينَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
وَالرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: [وَأُعْطِيت الشَّفَاعَةَ] قَدْ عَدَّ فِي الشَّرْحِ الشَّفَاعَاتِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَاخْتَارَ أَنَّ الْكُلَّ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَنْوَاعِهَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ﷺ أَرَادَ بِهَا الشَّفَاعَةَ الْعُظْمَى فِي إزَاحَةِ النَّاسِ مِنْ الْمَوَاقِفِ؛ لِأَنَّهَا الْفَرْدُ الْكَامِلُ، وَلِذَلِكَ ظَهَرَ شَرَفُهَا لِكُلِّ مَنْ فِي الْمَوْقِفِ وَالْخَامِسَةُ قَوْلُهُ:
«وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ فِي قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْت إلَى النَّاسِ كَافَّةً» فَعُمُومُ الرِّسَالَةِ خَاصٌّ بِهِ ﷺ وَآلِهِ، فَأَمَّا نُوحٌ فَإِنَّهُ بُعِثَ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، نَعَمْ صَارَ بَعْدَ إغْرَاقِ مَنْ كَذَّبَ بِهِ مَبْعُوثًا إلَى أَهْلِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ الْعُمُومُ فِي أَصْلِ الْبَعْثَةِ؛ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَبِهَذَا عَرَفْت أَنَّهُ ﷺ وَآلُهُ مُخْتَصٌّ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسِ لَا أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْمَجْمُوعِ، وَأَمَّا الْأَفْرَادُ فَقَدْ شَارَكَهُ غَيْرُهُ فِيهَا كَمَا قِيلَ فَإِنَّهُ قَوْلٌ مَرْدُودٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ جَلِيلَةٌ مُبَيَّنَةٌ فِي الْكُتُبِ الْمُطَوَّلَةِ، وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ حَدِيثُ جَابِرٍ غَيْرَ
стр. 132
١١٥ - وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁، عِنْدَ مُسْلِمٍ «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ»
١١٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ «وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا»
١١٧ - وَعَنْ «عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ. فَأَجْنَبْت، فَلَمْ أَجِدْ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْت فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ: إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْك هَكَذَا ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ».
مَنْسُوبٍ إلَى مُخَرِّجٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فُهِمَ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِعِطْفِ قَوْلِهِ: وَفِي.
وَفِي حَدِيثِ " حُذَيْفَةَ " عِنْدَ مُسْلِمٍ: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ»؛ هَذَا الْقَيْدُ قُرْآنِيٌّ مُعْتَبَرٌ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، كَمَا بَيَّنَّاهُ.
وَعَنْ " عَلِيٍّ " ﵁ عِنْدَ أَحْمَدَ: «وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا» هُوَ وَمَا قَبْلَهُ دَلِيلُ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا التُّرَابُ، وَقَدْ أُجِيبَ بِمَا سَلَفَ مِنْ أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ لَا يَكُونُ مُخَصِّصًا، مَعَ أَنَّهُ مِنْ الْعَمَلِ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَلَا يَقُولُهُ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ.
عَنْ " عَمَّارٍ " بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ آخِرُهُ رَاءٌ؛ هُوَ أَبُو الْيَقْظَانِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ " بِمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ سِينٌ مُهْمَلَةٌ فَرَاءٌ، أَسْلَمَ عَمَّارٌ قَدِيمًا،
стр. 133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَعُذِّبَ فِي مَكَّةَ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ وَهَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ إلَى الْمَدِينَةِ، وَسَمَّاهُ ﷺ " الطَّيِّبُ " وَ " الْمُطَيَّبُ "، وَهُوَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَقُتِلَ بِصِفِّينَ مَعَ " عَلِيٍّ " ﵇، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ ﷺ : تَقْتُلُك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ.
قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْت» أَيْ صِرْت جُنُبًا، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ يُقَالُ: أَجْنَبَ الرَّجُلُ صَارَ جُنُبًا، وَلَا يُقَالُ: اجْتَنَبَ، وَإِنْ كَثُرَ فِي لِسَانِ الْفُقَهَاءِ [فَلَمْ أَجِدْ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْت] بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ فَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، وَفِي لَفْظٍ [فَتَمَعَّكْت] وَمَعْنَاهُ تَقَلَّبْت [فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَنْ تَقُولَ] أَيْ تَفْعَلَ، وَالْقَوْلُ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ كَقَوْلِهِمْ: قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا [بِيَدَيْك هَكَذَا] بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: «ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
اسْتَعْمَلَ عَمَّارٌ الْقِيَاسَ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ التُّرَابُ نَائِبًا عَنْ الْغُسْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ عُمُومِهِ لِلْبَدَنِ، فَأَبَانَ لَهُ ﷺ الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي تُجْزِئُهُ، وَأَرَاهُ الصِّفَةَ الْمَشْرُوعَةَ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهَا فُرِضَتْ عَلَيْهِ، وَدَلَّ أَنَّهُ يَكْفِي ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَيَكْفِي فِي الْيَدَيْنِ مَسْحُ الْكَفَّيْنِ، وَأَنَّ الْآيَةَ مُجْمَلَةٌ بَيَّنَهَا ﷺ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْكَفَّيْنِ، وَأَفَادَ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْوَاوُ لَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ الْعَطْفُ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ لِلْوَجْهِ عَلَى الْكَفَّيْنِ بِثُمَّ، وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُد: «ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ عَلَى الْكَفَّيْنِ ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ» وَفِي لَفْظٍ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مَا هُوَ أَوْضَحُ مِنْ هَذَا «إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْك عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ تَنْفُضَهُمَا ثُمَّ تَمْسَحَ بِيَمِينِك عَلَى شِمَالِك وَبِشِمَالِك عَلَى يَمِينِك ثُمَّ تَمْسَحَ عَلَى وَجْهِك». وَدَلَّ أَنَّ التَّيَمُّمَ فَرْضُ مَنْ أَجْنَبَ وَلَمْ يَجِدْ الْمَاءَ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي كَمِّيَّةِ الضَّرَبَاتِ وَقَدْرِ التَّيَمُّمِ فِي الْيَدَيْنِ. فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى أَنَّهَا تَكْفِي الضَّرْبَةُ الْوَاحِدَةُ؛ وَذَهَبَ إلَى أَنَّهَا لَا تَكْفِي الضَّرْبَةُ الْوَاحِدَةُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَقَالُوا: لَا بُدَّ مِنْ ضَرْبَتَيْنِ لِلْحَدِيثِ الْآتِي قَرِيبًا، وَالذَّاهِبُونَ إلَى كِفَايَةِ الضَّرْبَةِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ عَمَلًا بِحَدِيثِ " عَمَّارٍ "، فَإِنَّهُ أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ، وَحَدِيثُ الضَّرْبَتَيْنِ يَأْتِي أَنَّهُ لَا يَقْوَى عَلَى مُعَارَضَتِهِ قَالُوا: وَكُلُّ مَا عَدَا حَدِيثِ عَمَّارٍ فَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ مَوْقُوفٌ كَمَا يَأْتِي.
وَأَمَّا قَدْرُ ذَلِكَ فِي الْيَدَيْنِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ: إنَّهُ يَكْفِي فِي الْيَدَيْنِ الرَّاحَتَانِ وَظَاهِرُ الْكَفَّيْنِ لِحَدِيثِ " عَمَّارٍ " هَذَا. وَقَدْ رُوِيَتْ عَنْ " عَمَّارٍ " رِوَايَاتٌ بِخِلَافِ هَذَا؛ لَكِنَّ الْأَصَحَّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَقَدْ كَانَ يُفْتِي بِهِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﵌.
وَقَالَ آخَرُونَ، إنَّهَا تَجِبُ ضَرْبَتَانِ، وَمَسْحُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي، وَيَأْتِي أَنَّ الْأَصَحَّ فِيهِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ فَلَا يُقَاوِمُ حَدِيثَ
стр. 134
١١٨ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَ الْأَئِمَّةُ وَقْفَهُ
عَمَّارٍ " الْمَرْفُوعَ الْوَارِدَ لِلتَّعْلِيمِ، وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَحَدِيثُ " عَمَّارٍ " كَمَا عَرَفْت قَاضٍ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَنْ قَالَ بِالضَّرْبَتَيْنِ إلَى أَنَّهُ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ التَّرْتِيبِ بِتَقْدِيمِ الْوَجْهِ عَلَى الْيَدَيْنِ، وَالْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى.
وَفِي حَدِيثِ " عَمَّارٍ " دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوعَ هُوَ ضَرْبُ التُّرَابِ؛ وَقَالَ بِعَدَمِ إجْزَاءِ غَيْرِهِ الْهَادَوِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ، لِحَدِيثِ " عَمَّارٍ " هَذَا، وَحَدِيثِ " ابْنِ عُمَرَ " الْآتِي وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْزِئُ وَضْعُ يَدِهِ فِي التُّرَابِ؛ لِأَنَّ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْ تَيَمُّمِهِ ﵌ مِنْ الْجِدَارِ، أَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَيْ مِنْ حَدِيثِ " عَمَّارٍ " لِلْبُخَارِيِّ: «وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ» أَيْ ظَاهِرَهُمَا كَمَا سَلَفَ وَهُوَ كَاللَّفْظِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّهُ خَالَفَهُ بِالتَّرْتِيبِ وَزِيَادَةِ النَّفْخِ؛ فَأَمَّا نَفْخُ التُّرَابِ فَهُوَ مَنْدُوبٌ.
وَقِيلَ: لَا يُنْدَبُ، وَسَلَفَ الْكَلَامُ فِي التَّرْتِيبِ، وَهَذَا التَّيَمُّمُ وَارِدٌ فِي كِفَايَةِ التُّرَابِ لِلْجُنُبِ الْفَاقِدِ لِلْمَاءِ؛ وَقَدْ قَاسُوا عَلَيْهِ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ، وَخَالَفَ فِيهِ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَمَّا كَوْنُ التُّرَابِ يَرْفَعُ الْجَنَابَةَ أَوْ لَا، فَسَيَأْتِي فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ الْحَدِيثُ السَّادِسُ.
١١٨ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَ الْأَئِمَّةُ وَقْفَهُ.
وَعَنْ " ابْنِ عُمَرَ " ﵄ قَالَ: [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ فِي سُنَنِهِ عَقِبَ رِوَايَتِهِ: وَقَفَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ وَهُشَيْمٌ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ الصَّوَابُ (اهـ)، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: [وَصَحَّحَ الْأَئِمَّةُ وَقْفَهُ] عَلَى " ابْنِ عُمَرَ " قَالُوا: وَإِنَّهُ مِنْ كَلَامِهِ.
وَلِلِاجْتِهَادِ مَسْرَحٌ فِي ذَلِكَ، وَفِي مَعْنَاهُ عِدَّةُ رِوَايَاتٍ كُلُّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ بَلْ إمَّا مَوْقُوفَةٌ، أَوْ ضَعِيفَةٌ، فَالْعُمْدَةُ حَدِيثُ عَمَّارٍ، وَبِهِ جَزَمَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، فَقَالَ: " بَابُ التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ". قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ: أَيْ هُوَ الْوَاجِبُ الْمُجْزِئُ، وَأَتَى بِصِيغَةِ الْجَزْمِ فِي ذَلِكَ مَعَ شُهْرَةِ الْخِلَافِ فِيهِ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي صِفَةِ التَّيَمُّمِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي جُهَيْمٍ وَعَمَّارٍ، وَمَا عَدَاهُمَا
стр. 135
١١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الصَّعِيدُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ. فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ». رَوَاهُ الْبَزَّارُ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، لَكِنْ صَوَّبَ الدَّارَقُطْنِيُّ إرْسَالَهُ.
فَضَعِيفٌ، أَوْ مُخْتَلَفٌ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَالرَّاجِحُ عَدَمُ رَفْعِهِ.
فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي جُهَيْمٍ فَوَرَدَ بِذِكْرِ الْيَدَيْنِ مُجْمَلًا، وَأَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ فَوَرَدَ بِلَفْظِ الْكَفَّيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَبِلَفْظِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي السُّنَنِ، وَفِي رِوَايَةٍ إلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ. وَفِي رِوَايَةٍ إلَى الْآبَاطِ؛ فَأَمَّا رِوَايَةُ الْمِرْفَقَيْنِ وَكَذَا نِصْفُ الذِّرَاعِ فَفِيهِمَا مَقَالٌ؛ وَأَمَّا رِوَايَةُ الْآبَاطِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: إنْ كَانَ ذَلِكَ وَقَعَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَبِكُلِّ تَيَمُّمٍ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ فَهُوَ نَاسِخٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ وَقَعَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَالْحُجَّةُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ، وَيُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الصَّحِيحَيْنِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ أَنَّ عَمَّارًا كَانَ يُفْتِي بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ، وَرَاوِي الْحَدِيثِ أَعْرَفُ بِالْمُرَادِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا سِيَّمَا الصَّحَابِيُّ الْمُجْتَهِدُ.
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الصَّعِيدُ هُوَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ التُّرَابُ؛ وَعَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ أَنَّهُ وَجْهُ الْأَرْضِ تُرَابًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ صَخْرًا لَا تُرَابَ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ [وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَسْمِيَةِ التَّيَمُّمِ وُضُوءًا. [فَإِذَا وَجَدَ] أَيْ الْمُسْلِمُ [الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ]. رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ضَبْطِ أَلْفَاظِهِمَا وَالتَّعْرِيفِ بِحَالِهِمَا، لَكِنْ صَوَّبَ الدَّارَقُطْنِيُّ إرْسَالَهُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ: إرْسَالُهُ أَصَحُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: " إذَا وَجَدَ الْمَاءَ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنْ وَجَدَ الْمَاءَ وَجَبَ إمْسَاسُهُ بَشَرَتَهُ، وَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ: إنَّ التُّرَابَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَإِنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ لِمَا سَلَفَ مِنْ جَنَابَةٍ، فَإِنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ؛ وَإِنَّمَا أَبَاحَ لَهُ التُّرَابَ الصَّلَاةُ لَا غَيْرُ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا عَادَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْجَنَابَةِ، وَلِذَا قَالُوا: لَا بُدَّ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْ تَيَمُّمٍ.
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ " عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ "، وَقَوْلِهِ ﷺ لَهُ: [أَصَلَّيْت بِأَصْحَابِك وَأَنْتَ جُنُبٌ] وَقَوْلِ الصَّحَابَةِ لَهُ ﷺ : [إنَّ عَمْرًا صَلَّى بِهِمْ وَهُوَ جُنُبٌ] فَأَقَرَّهُمْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ جُنُبًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ التُّرَابَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَاءِ يَرْفَعُ الْجَنَابَةَ وَيُصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ، وَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّهُ إلَّا لِلْمُسْتَقْبَلِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ بَدَلًا عَنْ الْمَاءِ
стр. 136
١٢٠ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ نَحْوُهُ، وَصَحَّحَهُ.
١٢١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ - وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ - فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدْ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَا
فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ، وَبِأَنَّهُ ﷺ سَمَّاهُ طَهُورًا، وَسَمَّاهُ وُضُوءًا، كَمَا سَلَفَ قَرِيبًا.
وَالْحَقُّ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَاءِ، وَيَرْفَعُ الْجَنَابَةَ رَفْعًا مُؤَقَّتًا إلَى حَالِ وِجْدَانِ الْمَاءِ، أَمَّا أَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَاءِ فَلِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ عِوَضًا عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِدَلِيلٍ؛ وَأَمَّا أَنَّهُ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ اغْتَسَلَ فَلِتَسْمِيَتِهِ ﷺ " عَمْرًا " جُنُبًا، وَلِقَوْلِهِ ﷺ [فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ] فَإِنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِمْسَاسِهِ الْمَاءَ لِسَبَبٍ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَى وِجْدَانِ الْمَاءِ، إذْ إمْسَاسُهُ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَسْبَابِ وُجُوبِ الْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ مَعْلُومٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنْ التَّأْكِيدِ.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ " أَبِي ذَرٍّ " بِذَالِ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَرَاءٍ: اسْمُهُ جُنْدُبٌ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِهَا أَيْضًا، " بْنُ جُنَادَةَ " بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ بَعْدَ الْأَلْفِ دَالٌ مُهْمَلَةٌ. وَ " أَبُو ذَرٍّ " مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ، وَزُهَّادِهِمْ، وَالْمُهَاجِرِينَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ حَيَّا النَّبِيَّ ﷺ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، وَأَسْلَمَ قَدِيمًا بِمَكَّةَ، يُقَالُ كَانَ خَامِسًا فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى قَوْمِهِ إلَى أَنْ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ سَكَنَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ " الرَّبَذَةَ " إلَى أَنْ مَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ فِي خِلَافِهِ " عُثْمَانَ "، وَصَلَّى عَلَيْهِ " ابْنُ مَسْعُودٍ "، وَيُقَالُ إنَّهُ مَاتَ بَعْدَهُ بِعَشْرَةِ أَيَّامٍ. نَحْوُهُ أَيْ نَحْوُ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " وَلَفْظُهُ: «قَالَ أَبُو ذَرٍّ: اجْتَوَيْت الْمَدِينَةَ فَأَمَرَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِبِلٍ فَكُنْت فِيهَا، فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْت: هَلَكَ أَبُو ذَرٍّ، قَالَ: مَا حَالُك؟ قُلْت: كُنْت أَتَعَرَّضُ لِلْجَنَابَةِ وَلَيْسَ قُرْبِي مَاءٌ، قَالَ: الصَّعِيدُ طَهُورٌ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَلَوْ عَشْرَ سِنِينَ» وَصَحَّحَهُ: أَيْ حَدِيثَ " أَبِي ذَرٍّ "، [التِّرْمِذِيُّ]، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ: إنَّهُ صَحَّحَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ.
стр. 137
ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: أَصَبْت السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْك صَلَاتُك وَقَالَ لِلْآخَرِ: لَك الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
١٢٢ -
وَعَنْ " أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " ﵁ قَالَ: «خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا» هُوَ الطَّاهِرُ الْحَلَالُ، وَقَدْ قَيَّدَ اللَّهُ الصَّعِيدَ بِهِ فِي الْآيَتَيْنِ فِي الْقُرْآنِ، فَإِطْلَاقُهُ فِي حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " مُقَيَّدٌ بِالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ [فَصَلَّيَا ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ] أَيْ وَقْتِ الصَّلَاةِ الَّتِي صَلَّيَاهَا [فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ] سَمَّاهُ إعَادَةً تَغْلِيبًا وَإِلَّا فَلَمْ يَكُنْ قَدْ تَوَضَّأَ، أَوْ أَسْمَى التَّيَمُّمَ وُضُوءًا مَجَازًا [وَلَمْ يُعِدْ الْآخَرُ ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: أَصَبْت السُّنَّةَ] أَيْ الطَّرِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ [وَأَجْزَأَتْك صَلَاتُك]؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي وَقْتِهَا، وَالْمَاءُ مَفْقُودٌ، فَالْوَاجِبُ التُّرَابُ [وَقَالَ لِلْآخَرِ] الَّذِي أَعَادَ: [لَك الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ] أَجْرُ الصَّلَاةِ بِالتُّرَابِ، وَأَجْرُ الصَّلَاةِ بِالْمَاءِ؛ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَفِي مُخْتَصَرِ السُّنَنِ لِلْمُنْذِرِيِّ: أَنَّهُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا وَقَالَ أَبُو دَاوُد إنَّهُ مُرْسَلٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ لَكِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ رَوَاهَا ابْنُ السَّكَنِ فِي صَحِيحِهِ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ إِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ: «أَنَّهُ ﷺ بَالَ ثُمَّ تَيَمَّمَ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ الْمَاءَ قَرِيبٌ مِنْك؛ قَالَ: فَلَعَلِّي لَا أَبْلُغُهُ».
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي عَصْرِهِ ﷺ ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الطَّلَبُ وَالتَّلَوُّمُ لَهُ، أَيْ الِانْتِظَارُ. وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَى مَنْ صَلَّى بِالتُّرَابِ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ وَقِيلَ: بَلْ يُعِيدُ الْوَاجِدُ فِي الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ ﷺ [فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ] هَذَا قَدْ وَجَدَ الْمَاءَ؛ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِيمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الْوَقْتِ وَقَبْلَ خُرُوجِهِ، وَحَالَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا، وَحَدِيثُ " أَبِي سَعِيدٍ " هَذَا فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ حَالَ الصَّلَاةِ، فَهُوَ مُقَيَّدٌ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ الْمُطْلَقُ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ فَأَمِسَّهُ بَشَرَتَك؛ أَيْ إذَا وَجَدْته وَعَلَيْك جَنَابَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ، فَيُقَيَّدُ بِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ وَالْخِطَابُ مُتَوَجِّهٌ مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بَعْدَ فِعْلِ الصَّلَاةِ لَمْ يَبْقَ لِلْخِطَابِ تَوَجُّهٌ إلَى فَاعِلِهَا، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ ﷺ : [وَأَجْزَأَتْك صَلَاتُك] لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ، إذْ الْإِجْزَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ الْفِعْلِ مُسْقِطًا لِوُجُوبِ إعَادَةِ الْعِبَادَةِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ قَدْ أَجْزَأَهُ.
стр. 138
«وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ قَالَ: إذَا كَانَتْ بِالرَّجُلِ الْجِرَاحَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْقُرُوحُ، فَيُجْنِبُ، فَيَخَافُ أَنْ يَمُوتَ إنْ اغْتَسَلَ: تَيَمَّمَ»، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وَرَفَعَهُ الْبَزَّارُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ.
١٢٣ - وَعَنْ «عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيَّ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ وَاهٍ جِدًّا
وَعَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " ﵄ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ قَالَ إذَا كَانَتْ بِالرَّجُلِ الْجِرَاحَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيْ الْجِهَادِ. وَالْقُرُوحُ جَمْعُ قُرْحٍ وَهِيَ الْبُثُورُ الَّتِي تَخْرُجُ فِي الْأَبْدَانِ، كَالْجُدَرِيِّ وَنَحْوِهِ فَيُجْنِبُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ فَيَخَافُ يَظُنُّ أَنْ يَمُوتَ إنْ اغْتَسَلَ تَيَمَّمَ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ [وَرَفَعَهُ] إلَى النَّبِيِّ ﷺ الْبَزَّارُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ: أَخْطَأَ فِيهِ " عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ "؛ وَقَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ مَنْ رَفَعَهُ عَنْ عَطَاءٍ مِنْ الثِّقَاتِ إلَّا جَرِيرًا؛ وَقَدْ قَالَ إنَّهُ سَمِعَ مِنْ عَطَاءٍ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَتِمُّ رَفْعُهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ التَّيَمُّمِ فِي حَقِّ الْجُنُبِ إنْ خَافَ الْمَوْتَ ؛ فَأَمَّا لَوْ لَمْ يَخَفْ إلَّا الضَّرَرَ فَالْآيَةُ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ دَالَّةٌ عَلَى إبَاحَةِ الْمَرَضِ لِلتَّيَمُّمِ، سَوَاءٌ خَافَ تَلَفَهُ أَوْ دُونَهُ، وَالتَّنْصِيصُ فِي كَلَامِ " ابْنِ عَبَّاسٍ " عَلَى الْجِرَاحَةِ وَالْقُرُوحِ إنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ مِثَالٍ، وَإِلَّا فَكُلُّ مَرَضٍ كَذَلِكَ؛ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَخُصُّ هَذَيْنِ مِنْ بَيْنِ الْأَمْرَاضِ وَكَذَلِكَ كَوْنُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِثَالٌ، فَلَوْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ مِنْ سَقْطَةٍ فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ، وَإِذَا كَانَ مِثَالًا فَلَا يَنْفِي جَوَازَ التَّيَمُّمِ لِخَشْيَةِ الضَّرَرِ، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ: " أَنْ يَمُوتَ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ إلَّا لِمَخَافَةِ الْمَوْتِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا الْهَادَوِيَّةُ، وَمَالِكٌ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ وَالْحَنَفِيَّةُ، فَأَجَازُوا التَّيَمُّمَ لِخَشْيَةِ الضَّرَرِ، قَالُوا: لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ؛ وَذَهَبَ دَاوُد، وَالْمَنْصُورُ، إلَى إبَاحَتِهِ لِلْمَرَضِ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ.
وَعَنْ " عَلِيٍّ " ﵇: [قَالَ انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيَّ بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ تَثْنِيَةُ
стр. 139
١٢٤ - «وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ فِي الرَّجُلِ الَّذِي شُجَّ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ - إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ عَلَى رُوَاتِهِ.
زَنْدٍ، وَهُوَ مِفْصَلُ طَرَفِ الذِّرَاعِ فِي الْكَفِّ [فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ] أَيْ عَنْ الْوَاجِبِ مِنْ الْوُضُوءِ فِي ذَلِكَ [فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ هِيَ مَا يُجْبَرُ بِهِ الْعَظْمُ الْمَكْسُورُ، وَيُلَفُّ عَلَيْهِ؛ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ وَاهٍ جِدًّا؛ بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ أَجِدُ ضَعْفَهُ جِدًّا. الْجِدُّ: التَّحْقِيقُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، فَالْمُرَادُ أُحَقِّقُ ضَعْفَهُ تَحْقِيقًا. وَالْحَدِيثُ أَنْكَرَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَحْمَدُ، وَغَيْرُهُمَا، قَالُوا: وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ " عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ الْوَاسِطِيِّ "، وَهُوَ كَذَّابٌ؛ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقَيْنِ أَوْهَى مِنْهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ عَرَفْت إسْنَادَهُ بِالصِّحَّةِ لَقُلْت بِهِ، وَهَذَا مِمَّا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ. وَفِي مَعْنَاهُ أَحَادِيثُ أُخَرُ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ إلَّا أَنَّهُ يُقَوِّيهِ قَوْلُهُ.
١٢٤ - «وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ فِي الرَّجُلِ الَّذِي شُجَّ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ - وَإِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ عَلَى رُوَاتِهِ.
وَعَنْ " جَابِرٍ " ﵁[فِي الرَّجُلِ الَّذِي شُجَّ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَجِيمٍ مِنْ شَجَّهُ يَشُجُّهُ بِكَسْرِ الشِّينِ وَضَمِّهَا: كَسَرَهُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ [فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ: إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ] رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ؛؛ لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ " الزُّبَيْرُ بْنُ خُرَيْقٍ " بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَرَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَقَافٍ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ؛ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ؛ قُلْت: وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: إنَّهُ صَدُوقٌ. وَفِيهِ اخْتِلَافٌ عَلَى رَاوِيهِ: وَهُوَ عَطَاءٌ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ " الزُّبَيْرُ بْنُ خُرَيْقٍ "، عَنْ جَابِرٍ، وَرَوَاهُ عَنْهُ الْأَوْزَاعِيُّ بَلَاغًا، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَالِاخْتِلَافُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: هَلْ عَنْ جَابِرٍ أَوْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؟ وَفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ مَا لَيْسَ فِي الْأُخْرَى.
وَهَذَا الْحَدِيثُ وَحَدِيثُ " عَلِيٍّ " الْأَوَّلُ قَدْ تَعَاضَدَا عَلَى وُجُوبِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ بِالْمَاءِ، وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. مِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَمْسَحُ لِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا ضَعْفٌ فَقَدْ تَعَاضَدَا، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ تَعَذَّرَ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ فَمُسِحَ مَا فَوْقَهُ كَشَعْرِ الرَّأْسِ، وَقِيَاسًا عَلَى مَسْحِ أَعْلَى الْخُفَّيْنِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ، وَهَذَا الْقِيَاسُ يُقَوِّي النَّصَّ. قُلْت: مَنْ قَالَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهِمَا قَوِيَ عِنْدَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ،
стр. 140
١٢٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: «مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِالتَّيَمُّمِ إلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمَ لِلصَّلَاةِ الْأُخْرَى». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا.
ثُمَّ فِي حَدِيثِ " جَابِرٍ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْمَسْحِ وَالْغُسْلِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ، حَيْثُ جُمِعَ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْغُسْلِ؛ قِيلَ: فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ كَانَتْ جَرِيحَةً، فَتَعَذَّرَ إمْسَاسُهَا بِالْمَاءِ، فَعَدَلَ إلَى التَّيَمُّمِ، ثُمَّ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى بَقِيَّةِ جَسَدِهِ، وَأَمَّا الشَّجَّةُ فَقَدْ كَانَتْ فِي الرَّأْسِ، وَالْوَاجِبُ فِيهِ الْغَسْلُ، لَكِنْ تَعَذَّرَ لِأَجْلِ الشَّجَّةِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ عَصْبَهَا وَالْمَسْحَ عَلَيْهَا، إلَّا أَنَّهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ: إنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ذِكْرَ التَّيَمُّمِ، فَثَبَتَ أَنَّ " الزُّبَيْرَ بْنَ خُرَيْقٍ " تَفَرَّدَ بِهِ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْقَطَّانِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ ذِكْرُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ، فَهُوَ مِنْ إفْرَادِ " الزُّبَيْرِ ".
قَالَ: ثُمَّ سِيَاقُ الْمُصَنِّفِ لِحَدِيثِ " جَابِرٍ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ، غَيْرُ مَرْفُوعٍ، وَإِنَّمَا لَمَّا اخْتَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَاتَتْهُ الْعِبَارَةُ الدَّالَّةُ عَلَى رَفْعِهِ.
وَهُوَ حَدِيثٌ فِيهِ قِصَّةٌ، وَلَفْظُهَا عِنْدَ أَبِي دَاوُد عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً عَلَى التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَك رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ - شَكَّ مُوسَى - عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» إلَى آخِرِهِ.
وَعَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " ﵄ قَالَ: [مِنْ السُّنَّةِ] أَيْ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْمُرَادُ طَرِيقَتُهُ وَشَرْعُهُ [أَنْ لَا يُصَلِّيَ الرَّجُلُ] وَالْمَرْأَةُ أَيْضًا [بِالتَّيَمُّمِ إلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَتَيَمَّمَ لِلصَّلَاةِ الْأُخْرَى]. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ؛؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ " الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ " وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ كَمَا عَرَفْت.
وَفِي الْبَابِ عَنْ " عَلِيٍّ " ﵁ وَ " ابْنِ عُمَرَ "، حَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ، وَإِنْ قِيلَ إنَّ أَثَرَ " ابْنِ عُمَرَ " أَصَحُّ فَهُوَ مَوْقُوفٌ، فَلَا تَقُومُ بِالْجَمِيعِ حُجَّةٌ؛ وَالْأَصْلُ أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ التُّرَابَ قَائِمًا مَقَامَ الْمَاءِ؛ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ إلَّا
стр. 141
١٢٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكِ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ
مِنْ الْحَدَثِ، فَالتَّيَمُّمُ مِثْلُهُ؛ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ؛ وَهُوَ الْأَقْوَمُ دَلِيلًا.
باب الحيض
الْحَيْضُ مَصْدَرُ: حَاضَتْ الْمَرْأَةِ تَحِيضُ حَيْضًا وَمَحِيضًا، فَهِيَ حَائِضٌ.
وَلَمَّا كَانَتْ لَهُ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ مِنْ أَفْعَالٍ، وَتُرُوكٍ، عَقَدَ لَهُ الْمُصَنِّفُ بَابًا، سَاقَ فِيهِ مَا وَرَدَ مِنْ أَحْكَامِهِ.
١٢٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكِ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ عَنْ " عَائِشَةَ " ﵂[أَنَّ " فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ "] تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي أَوَّلِ بَابِ النَّوَاقِضِ [كَانَتْ تُسْتَحَاضُ]. تَقَدَّمَ أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ: جَرَيَانُ الدَّمِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ؛ وَتَقَدَّمَ فِيهِ «أَنَّ فَاطِمَةَ جَاءَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ» بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ: أَيْ لَهُ عَرْفٌ وَرَائِحَةٌ، وَقِيلَ بِفَتْحِ الرَّاءِ: أَيْ تَعْرِفُهُ النِّسَاءُ [فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ] بِكَسْرِ الْكَافِ [فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ] أَيْ الَّذِي لَيْسَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ [فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي]. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ " عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ " عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَجَدُّهُ لَا يُعْرَفُ وَقَدْ ضَعَّفَ الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُد.
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ رَدُّ الْمُسْتَحَاضَةِ إلَى صِفَةِ الدَّمِ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حَقِّ الْمُبْتَدِئَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي النَّوَاقِضِ: «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهَا: إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُك فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي» وَلَا يُنَافِيهِ هَذَا الْحَدِيثُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَوْلُهُ: [إنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ] بَيَانًا لِوَقْتِ إقْبَالِ الْحَيْضَةِ وَإِدْبَارِهَا. فَالْمُسْتَحَاضَةُ إذَا مَيَّزَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا، إمَّا بِصِفَةِ الدَّمِ، أَوْ
стр. 142
١٢٧ - وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد «وَلْتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ الْمَاءِ فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا. وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَاحِدًا. وَتَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ».
بِإِتْيَانِهِ فِي وَقْتِ عَادَتِهَا إنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً، وَعَلِمَتْ بِعَادَتِهَا، فَفَاطِمَةُ هَذِهِ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ مُعْتَادَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: [فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُك] أَيْ بِالْعَادَةِ، أَوْ غَيْرَ مُعْتَادَةٍ، فَيُرَادُ بِإِقْبَالِ حَيْضَتِهَا بِالصِّفَةِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ اجْتِمَاعِ الْمُعَرَّفَيْنِ فِي حَقِّهَا، وَحَقِّ غَيْرِهَا هَذَا وَلِلْمُسْتَحَاضَةِ أَحْكَامٌ خَمْسَةٌ قَدْ سَلَفَتْ إشَارَةً إلَى الْوَعْدِ بِهَا، مِنْهَا: جَوَازُ وَطْئِهَا فِي حَالِ جَرَيَانِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهَا كَالطَّاهِرِ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَذَا فِي الْجِمَاعِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ إلَّا عَنْ دَلِيلٍ، وَلَمْ يَأْتِ دَلِيلٌ بِتَحْرِيمِ جِمَاعِهَا قَالَ " ابْنُ عَبَّاسٍ " " الْمُسْتَحَاضَةُ يَأْتِيهَا زَوْجُهَا إذَا صَلَّتْ؛ الصَّلَاةُ أَعْظَمُ "؛ يُرِيدُ إذَا جَازَتْ لَهَا الصَّلَاةُ وَدَمُهَا جَارٍ، وَهِيَ أَعْظَمُ مَا يُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ جَازَ جِمَاعُهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّهَا تُؤْمَرُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ، فَتَغْسِلُ فَرْجَهَا قَبْلَ الْوُضُوءِ، وَقَبْلَ التَّيَمُّمِ، وَتَحْشُو فَرْجَهَا بِقُطْنَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ دَفْعًا لِلنَّجَاسَةِ وَتَقْلِيلًا لَهَا، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ الدَّمُ بِذَلِكَ شَدَّتْ مَعَ ذَلِكَ عَلَى فَرْجِهَا وَتَلَجَّمَتْ وَاسْتَثْفَرَتْ، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْكُتُبِ الْمُطَوَّلَةِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا هُوَ الْأَوْلَى تَقْلِيلًا لِلنَّجَاسَةِ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا الْوُضُوءُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، إذْ طَهَارَتُهَا ضَرُورِيَّةٌ، فَلَيْسَ لَهَا تَقْدِيمُهَا قَبْلَ وَقْتِ الْحَاجَةِ.
وَفِي حَدِيثِ " أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْس بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ فَسِينٍ مُهْمَلَةٍ هِيَ امْرَأَةُ جَعْفَرٍ " "، هَاجَرَتْ مَعَهُ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَوَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ أَوْلَادًا مِنْهُمْ " عَبْدُ اللَّهِ "، ثُمَّ لَمَّا قُتِلَ " جَعْفَرٌ " تَزَوَّجَهَا " أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ "؛ فَوَلَدَتْ لَهُ " مُحَمَّدًا "، وَلَمَّا مَاتَ " أَبُو بَكْرٍ " تَزَوَّجَهَا " عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ " ﵁ فَوَلَدَتْ لَهُ " يَحْيَى ".
عِنْدَ " أَبِي دَاوُد ": [وَلْتَجْلِسْ] هُوَ عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا سَاقَ شَطْرَ حَدِيثِ " أَسْمَاءَ " لَكِنْ فِي لَفْظِ أَبِي دَاوُد عَنْهَا هَكَذَا: [سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا مِنْ الشَّيْطَانِ لِتَجْلِسْ] إلَى آخِرِهِ بِدُونِ وَاوٍ، وَفِي نُسْخَةٍ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ [فِي مِرْكَنٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ: الْإِجَّانَةُ الَّتِي تُغْسَلُ فِيهَا الثِّيَابُ [فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ الْمَاءِ] الَّذِي تَقْعُدُ فِيهِ؛ فَتَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَإِنَّهَا تَظْهَرُ الصُّفْرَةُ فَوْقَ الْمَاءِ «فَلْتَغْسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا
стр. 143
١٢٨ - وَعَنْ «حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْت أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ، فَقَالَ: إنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا اسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، وَصُومِي وَصَلِّي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُك، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، فَإِنْ قَوِيت عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِي حِينَ تَطْهُرِينَ، وَتُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي. وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ. قَالَ: وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إلَيَّ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ
وَاحِدًا، وَتَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ» هَذَا الْحَدِيثُ وَحَدِيثُ " حَمْنَةَ " الْآتِي، فِيهِ الْأَمْرُ بِالِاغْتِسَالِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَدْ بَيَّنَ فِي حَدِيثِ " حَمْنَةَ " أَنَّ الْمُرَادَ إذَا أَخَّرَتْ الظُّهْرَ وَالْمَغْرِبَ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا إذَا وَقَّتَتْ اغْتَسَلَتْ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ، فَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الِاغْتِسَالُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَقَالُوا رِوَايَةُ: «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ» ضَعِيفَةٌ، وَبَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ ضَعْفَهَا. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ حَدِيثٌ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ " فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ " أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
قُلْت: إلَّا أَنَّ النَّسْخَ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمُتَأَخِّرِ، ثُمَّ إنَّهُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: إنَّ حَدِيثَ " أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ " حَسَنٌ، فَالْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِهَا، وَحَدِيثِ " فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ "، أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْغُسْلَ مَنْدُوبٌ بِقَرِينَةِ عَدَمِ أَمْرِ " فَاطِمَةَ " بِهِ، وَاقْتِصَارُهُ عَلَى أَمْرِهَا بِالْوُضُوءِ، فَالْوُضُوءُ هُوَ الْوَاجِبُ، وَقَدْ جَنَحَ الشَّافِعِيُّ إلَى هَذَا.
وَعَنْ " حَمْنَةَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ فَنُونٍ بِنْتِ جَحْشٍ " بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَشِينٍ مُعْجَمَةٍ: هِيَ أُخْتُ " زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَامْرَأَةُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ". [قَالَتْ: كُنْت أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً] فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بَيَانٌ لِكَثْرَتِهَا، «قَالَتْ: إنَّمَا أَثَجُّ ثَجًّا، فَأَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ فَقَالَ: إنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ» مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ وَجَدَ سَبِيلًا إلَى التَّلْبِيسِ عَلَيْهَا فِي أَمْرِ دِينِهَا وَطُهْرِهَا وَصَلَاتِهَا؛ حَتَّى أَنْسَاهَا عَادَتَهَا، وَصَارَتْ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهَا رَكْضَةٌ مِنْهُ، وَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ عِرْقٌ يُقَالُ
стр. 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَهُ الْعَاذِلُ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ رَكَضَهُ حَتَّى انْفَجَرَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا رَكْضَةٌ مِنْهُ حَقِيقَةً؛ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهَا عَلَيْهِ «فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا اسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ» إنْ كَانَتْ أَيَّامُ الْحَيْضِ سِتَّةً [أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ] إنْ كَانَتْ أَيَّامُ الْحَيْضِ سَبْعَةً [وَصُومِي وَصَلِّي] أَيْ مَا شِئْت مِنْ فَرِيضَةٍ وَتَطَوُّعٍ [فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُك وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي] فِيمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ الشُّهُورِ؛ وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد: " فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ ": [كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ] فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، وَزِيَادَةُ: " وَكَمَا يَطْهُرْنَ مِيقَاتُ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ " فِيهِ الرَّدُّ لَهَا إلَى غَالِبِ أَحْوَالِ النِّسَاءِ [فَإِنْ قَوِيت] أَيْ قَدَرْت [عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ] هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَقَوْلُهُ: " وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ " يُرِيدُ أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ: أَيْ فَتَأْتِي بِهَا فِي آخِرِ وَقْتِهَا، قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ، فَتَأْتِي بِهِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ، فَتَكُونُ قَدْ أَتَتْ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا وَجَمَعَتْ بَيْنَهُمَا جَمْعًا صُورِيًّا. [ثُمَّ تَغْتَسِلِي حِينَ تَطْهُرِينَ]
هَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، بَلْ لَفْظُهُ هَكَذَا: " فَتَغْسِلِينَ فَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ " أَيْ جَمْعًا صُورِيًّا كَمَا عَرَفْت [وَتُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا] هَذَا غَيْرُ لَفْظِ أَبِي دَاوُد كَمَا عَرَفْت، [ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ] لَفْظُ أَبِي دَاوُد: " وَتُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ " وَمَا كَانَ يَحْسُنُ مِنْ الْمُصَنِّفِ حَذْفُ ذَلِكَ كَمَا عَرَفْت [ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ، قَالَ] أَيْ النَّبِيُّ ﷺ : [وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إلَيَّ]. ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ " عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ " عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ، قَالَ: فَقَالَتْ " حَمْنَةُ ": هَذَا أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إلَيَّ، لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِ سُنَنِ أَبِي دَاوُد: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ تَرَكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْقَوْلَ بِهَذَا الْحَدِيثِ،؛ لِأَنَّ ابْنَ عَقِيلٍ رَاوِيهِ لَيْسَ بِذَاكَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ؛ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ أَيْضًا: وَسَأَلْت مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (اهـ).
فَعَرَفْت أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ غَيْرُ صَحِيحٍ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ قَدْ صَحَّحَهُ الْأَئِمَّةُ، وَقَدْ عَرَفْت مِمَّا سُقْنَاهُ مِنْ لَفْظِ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: أَنَّ الْمُصَنِّفَ، نَقَلَ غَيْرَ لَفْظِ أَبِي دَاوُد مِنْ أَلْفَاظِ أَحَدِ الْخَمْسَةِ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ مَا أَطْلَقَتْهُ الرِّوَايَاتُ بِقَوْلِهِ: " وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ " كَمَا قَالَ: " وَتُعَجِّلِينَ الْعَصْرَ "؛ لِأَنَّهُ أَرْشَدَهَا ﷺ إلَى ذَلِكَ لِمُلَاحَظَةِ الْإِثْبَاتِ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا؛ هَذِهِ فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَهَذِهِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: " سِتَّةً أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ " لَيْسَتْ فِيهِ كَلِمَةُ " أَوْ " شَكًّا مِنْ الرَّاوِي، وَلَا لِلتَّخْيِيرِ، بَلْ لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّ لِلنِّسَاءِ أَحَدُ الْعَدَدَيْنِ،
стр. 145
١٢٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ شَكَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الدَّمَ، فَقَالَ: اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُك حَيْضَتُك، ثُمَّ اغْتَسِلِي فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
- وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ "، وَهِيَ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
فَمِنْهُنَّ مَنْ تَحِيضُ سِتًّا، وَمِنْهُنَّ مَنْ تَحِيضُ سَبْعًا، فَتَرْجِعُ إلَى مَنْ هِيَ فِي سِنِّهَا، وَأَقْرَبُ إلَى مِزَاجِهَا، ثُمَّ قَوْلُهُ: " فَإِنْ قَوِيَتْ " يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْدُوبٌ لَهَا، وَإِلَّا فَإِنَّ الْوَاجِبَ إنَّمَا هُوَ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ عَنْ الْحَيْضِ بِمُرُورِ السِّتَّةِ أَوْ السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ، وَهُوَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَرْشَدَهَا ﷺ إلَيْهِ، فَإِنَّ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ: " آمُرُك بِأَمْرَيْنِ أَيَّهُمَا فَعَلْت أَجْزَأَ عَنْك مِنْ الْآخَرِ، وَإِنْ قَوِيت عَلَيْهِمَا فَأَنْتَ أَعْلَمُ " ثُمَّ ذَكَرَ لَهَا الْأَمْرَ الْأَوَّلَ أَنَّهَا تَحِيضُ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ الدَّمِ نَاقِضٌ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي غَيْرِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَمْرَ الثَّانِيَ مِنْ جَمْعِ الصَّلَاتَيْنِ وَالِاغْتِسَالِ كَمَا عَرَفْت، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ جَمْعُ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا لِلْعُذْرِ، إذْ لَوْ أُبِيحَ لِعُذْرٍ لَكَانَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ أَوَّلَ مَنْ يُبَاحُ لَهَا ذَلِكَ وَلَمْ يُبِحْ لَهَا ذَلِكَ بَلْ أَمَرَهَا بِالتَّوْقِيتِ؛ كَمَا عَرَفْت.
١٢٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ شَكَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الدَّمَ، فَقَالَ: اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُك حَيْضَتُك، ثُمَّ اغْتَسِلِي فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ "، وَهِيَ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
وَعَنْ " عَائِشَةَ " ﵂: [أَنَّ " أُمَّ حَبِيبَةَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ بِنْتَ جَحْشٍ]. قِيلَ الْأَصَحُّ أَنَّ اسْمَهَا حَبِيبَةُ وَكُنْيَتَهَا أُمُّ حَبِيبٍ " بِغَيْرِ هَاءٍ، وَهِيَ أُخْتُ " حَمْنَةَ " الَّتِي تَقَدَّمَ حَدِيثُهَا: «شَكَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الدَّمَ فَقَالَ: اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُك حَيْضَتُك» أَيْ قَبْلَ اسْتِمْرَارِ جَرَيَانِ الدَّمِ [ثُمَّ اغْتَسِلِي] أَيْ غُسْلَ الْخُرُوجِ عَنْ الْحَيْضِ [فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ] مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ مِنْهُ ﷺ لَهَا بِذَلِكَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَهِيَ: أَيْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، " أُمُّ حَبِيبَةَ " كَانَتْ تَحْتَ " عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ "، وَبَنَاتُ جَحْشٍ ثَلَاثٌ: " زَيْنَبُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، " وَحَمْنَةُ " " وَأُمُّ حَبِيبَةَ "، قِيلَ: إنَّهُنَّ كُنَّ مُسْتَحَاضَاتٍ كُلُّهُنَّ. وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ
следующие страницы →