Полный текст (1 346 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
١٢٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكِ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ
مِنْ الْحَدَثِ، فَالتَّيَمُّمُ مِثْلُهُ؛ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ؛ وَهُوَ الْأَقْوَمُ دَلِيلًا.
باب الحيض
الْحَيْضُ مَصْدَرُ: حَاضَتْ الْمَرْأَةِ تَحِيضُ حَيْضًا وَمَحِيضًا، فَهِيَ حَائِضٌ.
وَلَمَّا كَانَتْ لَهُ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ مِنْ أَفْعَالٍ، وَتُرُوكٍ، عَقَدَ لَهُ الْمُصَنِّفُ بَابًا، سَاقَ فِيهِ مَا وَرَدَ مِنْ أَحْكَامِهِ.
١٢٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكِ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ عَنْ " عَائِشَةَ " ﵂[أَنَّ " فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ "] تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي أَوَّلِ بَابِ النَّوَاقِضِ [كَانَتْ تُسْتَحَاضُ]. تَقَدَّمَ أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ: جَرَيَانُ الدَّمِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ؛ وَتَقَدَّمَ فِيهِ «أَنَّ فَاطِمَةَ جَاءَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ» بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ: أَيْ لَهُ عَرْفٌ وَرَائِحَةٌ، وَقِيلَ بِفَتْحِ الرَّاءِ: أَيْ تَعْرِفُهُ النِّسَاءُ [فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ] بِكَسْرِ الْكَافِ [فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ] أَيْ الَّذِي لَيْسَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ [فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي]. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ " عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ " عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَجَدُّهُ لَا يُعْرَفُ وَقَدْ ضَعَّفَ الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُد.
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ رَدُّ الْمُسْتَحَاضَةِ إلَى صِفَةِ الدَّمِ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حَقِّ الْمُبْتَدِئَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي النَّوَاقِضِ: «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهَا: إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُك فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي» وَلَا يُنَافِيهِ هَذَا الْحَدِيثُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَوْلُهُ: [إنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ] بَيَانًا لِوَقْتِ إقْبَالِ الْحَيْضَةِ وَإِدْبَارِهَا. فَالْمُسْتَحَاضَةُ إذَا مَيَّزَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا، إمَّا بِصِفَةِ الدَّمِ، أَوْ
стр. 142
١٢٧ - وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد «وَلْتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ الْمَاءِ فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا. وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَاحِدًا. وَتَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ».
بِإِتْيَانِهِ فِي وَقْتِ عَادَتِهَا إنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً، وَعَلِمَتْ بِعَادَتِهَا، فَفَاطِمَةُ هَذِهِ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ مُعْتَادَةً، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: [فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُك] أَيْ بِالْعَادَةِ، أَوْ غَيْرَ مُعْتَادَةٍ، فَيُرَادُ بِإِقْبَالِ حَيْضَتِهَا بِالصِّفَةِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ اجْتِمَاعِ الْمُعَرَّفَيْنِ فِي حَقِّهَا، وَحَقِّ غَيْرِهَا هَذَا وَلِلْمُسْتَحَاضَةِ أَحْكَامٌ خَمْسَةٌ قَدْ سَلَفَتْ إشَارَةً إلَى الْوَعْدِ بِهَا، مِنْهَا: جَوَازُ وَطْئِهَا فِي حَالِ جَرَيَانِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهَا كَالطَّاهِرِ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَذَا فِي الْجِمَاعِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ إلَّا عَنْ دَلِيلٍ، وَلَمْ يَأْتِ دَلِيلٌ بِتَحْرِيمِ جِمَاعِهَا قَالَ " ابْنُ عَبَّاسٍ " " الْمُسْتَحَاضَةُ يَأْتِيهَا زَوْجُهَا إذَا صَلَّتْ؛ الصَّلَاةُ أَعْظَمُ "؛ يُرِيدُ إذَا جَازَتْ لَهَا الصَّلَاةُ وَدَمُهَا جَارٍ، وَهِيَ أَعْظَمُ مَا يُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ جَازَ جِمَاعُهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّهَا تُؤْمَرُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ، فَتَغْسِلُ فَرْجَهَا قَبْلَ الْوُضُوءِ، وَقَبْلَ التَّيَمُّمِ، وَتَحْشُو فَرْجَهَا بِقُطْنَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ دَفْعًا لِلنَّجَاسَةِ وَتَقْلِيلًا لَهَا، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ الدَّمُ بِذَلِكَ شَدَّتْ مَعَ ذَلِكَ عَلَى فَرْجِهَا وَتَلَجَّمَتْ وَاسْتَثْفَرَتْ، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْكُتُبِ الْمُطَوَّلَةِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا هُوَ الْأَوْلَى تَقْلِيلًا لِلنَّجَاسَةِ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا الْوُضُوءُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، إذْ طَهَارَتُهَا ضَرُورِيَّةٌ، فَلَيْسَ لَهَا تَقْدِيمُهَا قَبْلَ وَقْتِ الْحَاجَةِ.
وَفِي حَدِيثِ " أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْس بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ فَسِينٍ مُهْمَلَةٍ هِيَ امْرَأَةُ جَعْفَرٍ " "، هَاجَرَتْ مَعَهُ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَوَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ أَوْلَادًا مِنْهُمْ " عَبْدُ اللَّهِ "، ثُمَّ لَمَّا قُتِلَ " جَعْفَرٌ " تَزَوَّجَهَا " أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ "؛ فَوَلَدَتْ لَهُ " مُحَمَّدًا "، وَلَمَّا مَاتَ " أَبُو بَكْرٍ " تَزَوَّجَهَا " عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ " ﵁ فَوَلَدَتْ لَهُ " يَحْيَى ".
عِنْدَ " أَبِي دَاوُد ": [وَلْتَجْلِسْ] هُوَ عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا سَاقَ شَطْرَ حَدِيثِ " أَسْمَاءَ " لَكِنْ فِي لَفْظِ أَبِي دَاوُد عَنْهَا هَكَذَا: [سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا مِنْ الشَّيْطَانِ لِتَجْلِسْ] إلَى آخِرِهِ بِدُونِ وَاوٍ، وَفِي نُسْخَةٍ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ [فِي مِرْكَنٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ: الْإِجَّانَةُ الَّتِي تُغْسَلُ فِيهَا الثِّيَابُ [فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ الْمَاءِ] الَّذِي تَقْعُدُ فِيهِ؛ فَتَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَإِنَّهَا تَظْهَرُ الصُّفْرَةُ فَوْقَ الْمَاءِ «فَلْتَغْسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا
стр. 143
١٢٨ - وَعَنْ «حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْت أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ، فَقَالَ: إنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا اسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، وَصُومِي وَصَلِّي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُك، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، فَإِنْ قَوِيت عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِي حِينَ تَطْهُرِينَ، وَتُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي. وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ. قَالَ: وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إلَيَّ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ
وَاحِدًا، وَتَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ» هَذَا الْحَدِيثُ وَحَدِيثُ " حَمْنَةَ " الْآتِي، فِيهِ الْأَمْرُ بِالِاغْتِسَالِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَدْ بَيَّنَ فِي حَدِيثِ " حَمْنَةَ " أَنَّ الْمُرَادَ إذَا أَخَّرَتْ الظُّهْرَ وَالْمَغْرِبَ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا إذَا وَقَّتَتْ اغْتَسَلَتْ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ، فَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الِاغْتِسَالُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَقَالُوا رِوَايَةُ: «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ» ضَعِيفَةٌ، وَبَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ ضَعْفَهَا. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ حَدِيثٌ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ " فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ " أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
قُلْت: إلَّا أَنَّ النَّسْخَ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمُتَأَخِّرِ، ثُمَّ إنَّهُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: إنَّ حَدِيثَ " أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ " حَسَنٌ، فَالْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِهَا، وَحَدِيثِ " فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ "، أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْغُسْلَ مَنْدُوبٌ بِقَرِينَةِ عَدَمِ أَمْرِ " فَاطِمَةَ " بِهِ، وَاقْتِصَارُهُ عَلَى أَمْرِهَا بِالْوُضُوءِ، فَالْوُضُوءُ هُوَ الْوَاجِبُ، وَقَدْ جَنَحَ الشَّافِعِيُّ إلَى هَذَا.
وَعَنْ " حَمْنَةَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ فَنُونٍ بِنْتِ جَحْشٍ " بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَشِينٍ مُعْجَمَةٍ: هِيَ أُخْتُ " زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَامْرَأَةُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ". [قَالَتْ: كُنْت أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً] فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بَيَانٌ لِكَثْرَتِهَا، «قَالَتْ: إنَّمَا أَثَجُّ ثَجًّا، فَأَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ فَقَالَ: إنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ» مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ وَجَدَ سَبِيلًا إلَى التَّلْبِيسِ عَلَيْهَا فِي أَمْرِ دِينِهَا وَطُهْرِهَا وَصَلَاتِهَا؛ حَتَّى أَنْسَاهَا عَادَتَهَا، وَصَارَتْ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهَا رَكْضَةٌ مِنْهُ، وَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ عِرْقٌ يُقَالُ
стр. 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَهُ الْعَاذِلُ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ رَكَضَهُ حَتَّى انْفَجَرَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا رَكْضَةٌ مِنْهُ حَقِيقَةً؛ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهَا عَلَيْهِ «فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا اسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ» إنْ كَانَتْ أَيَّامُ الْحَيْضِ سِتَّةً [أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ] إنْ كَانَتْ أَيَّامُ الْحَيْضِ سَبْعَةً [وَصُومِي وَصَلِّي] أَيْ مَا شِئْت مِنْ فَرِيضَةٍ وَتَطَوُّعٍ [فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُك وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي] فِيمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ الشُّهُورِ؛ وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد: " فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ ": [كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ] فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، وَزِيَادَةُ: " وَكَمَا يَطْهُرْنَ مِيقَاتُ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ " فِيهِ الرَّدُّ لَهَا إلَى غَالِبِ أَحْوَالِ النِّسَاءِ [فَإِنْ قَوِيت] أَيْ قَدَرْت [عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ] هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَقَوْلُهُ: " وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ " يُرِيدُ أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ: أَيْ فَتَأْتِي بِهَا فِي آخِرِ وَقْتِهَا، قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ، فَتَأْتِي بِهِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ، فَتَكُونُ قَدْ أَتَتْ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا وَجَمَعَتْ بَيْنَهُمَا جَمْعًا صُورِيًّا. [ثُمَّ تَغْتَسِلِي حِينَ تَطْهُرِينَ]
هَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، بَلْ لَفْظُهُ هَكَذَا: " فَتَغْسِلِينَ فَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ " أَيْ جَمْعًا صُورِيًّا كَمَا عَرَفْت [وَتُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا] هَذَا غَيْرُ لَفْظِ أَبِي دَاوُد كَمَا عَرَفْت، [ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ] لَفْظُ أَبِي دَاوُد: " وَتُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ " وَمَا كَانَ يَحْسُنُ مِنْ الْمُصَنِّفِ حَذْفُ ذَلِكَ كَمَا عَرَفْت [ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ، قَالَ] أَيْ النَّبِيُّ ﷺ : [وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إلَيَّ]. ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ " عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ " عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ، قَالَ: فَقَالَتْ " حَمْنَةُ ": هَذَا أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إلَيَّ، لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِ سُنَنِ أَبِي دَاوُد: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ تَرَكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْقَوْلَ بِهَذَا الْحَدِيثِ،؛ لِأَنَّ ابْنَ عَقِيلٍ رَاوِيهِ لَيْسَ بِذَاكَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ؛ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ أَيْضًا: وَسَأَلْت مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (اهـ).
فَعَرَفْت أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ غَيْرُ صَحِيحٍ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ قَدْ صَحَّحَهُ الْأَئِمَّةُ، وَقَدْ عَرَفْت مِمَّا سُقْنَاهُ مِنْ لَفْظِ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: أَنَّ الْمُصَنِّفَ، نَقَلَ غَيْرَ لَفْظِ أَبِي دَاوُد مِنْ أَلْفَاظِ أَحَدِ الْخَمْسَةِ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ مَا أَطْلَقَتْهُ الرِّوَايَاتُ بِقَوْلِهِ: " وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ " كَمَا قَالَ: " وَتُعَجِّلِينَ الْعَصْرَ "؛ لِأَنَّهُ أَرْشَدَهَا ﷺ إلَى ذَلِكَ لِمُلَاحَظَةِ الْإِثْبَاتِ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا؛ هَذِهِ فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَهَذِهِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: " سِتَّةً أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ " لَيْسَتْ فِيهِ كَلِمَةُ " أَوْ " شَكًّا مِنْ الرَّاوِي، وَلَا لِلتَّخْيِيرِ، بَلْ لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّ لِلنِّسَاءِ أَحَدُ الْعَدَدَيْنِ،
стр. 145
١٢٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ شَكَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الدَّمَ، فَقَالَ: اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُك حَيْضَتُك، ثُمَّ اغْتَسِلِي فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
- وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ "، وَهِيَ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
فَمِنْهُنَّ مَنْ تَحِيضُ سِتًّا، وَمِنْهُنَّ مَنْ تَحِيضُ سَبْعًا، فَتَرْجِعُ إلَى مَنْ هِيَ فِي سِنِّهَا، وَأَقْرَبُ إلَى مِزَاجِهَا، ثُمَّ قَوْلُهُ: " فَإِنْ قَوِيَتْ " يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْدُوبٌ لَهَا، وَإِلَّا فَإِنَّ الْوَاجِبَ إنَّمَا هُوَ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ عَنْ الْحَيْضِ بِمُرُورِ السِّتَّةِ أَوْ السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ، وَهُوَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَرْشَدَهَا ﷺ إلَيْهِ، فَإِنَّ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ: " آمُرُك بِأَمْرَيْنِ أَيَّهُمَا فَعَلْت أَجْزَأَ عَنْك مِنْ الْآخَرِ، وَإِنْ قَوِيت عَلَيْهِمَا فَأَنْتَ أَعْلَمُ " ثُمَّ ذَكَرَ لَهَا الْأَمْرَ الْأَوَّلَ أَنَّهَا تَحِيضُ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ الدَّمِ نَاقِضٌ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي غَيْرِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَمْرَ الثَّانِيَ مِنْ جَمْعِ الصَّلَاتَيْنِ وَالِاغْتِسَالِ كَمَا عَرَفْت، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ جَمْعُ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا لِلْعُذْرِ، إذْ لَوْ أُبِيحَ لِعُذْرٍ لَكَانَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ أَوَّلَ مَنْ يُبَاحُ لَهَا ذَلِكَ وَلَمْ يُبِحْ لَهَا ذَلِكَ بَلْ أَمَرَهَا بِالتَّوْقِيتِ؛ كَمَا عَرَفْت.
١٢٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ شَكَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الدَّمَ، فَقَالَ: اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُك حَيْضَتُك، ثُمَّ اغْتَسِلِي فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ "، وَهِيَ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
وَعَنْ " عَائِشَةَ " ﵂: [أَنَّ " أُمَّ حَبِيبَةَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ بِنْتَ جَحْشٍ]. قِيلَ الْأَصَحُّ أَنَّ اسْمَهَا حَبِيبَةُ وَكُنْيَتَهَا أُمُّ حَبِيبٍ " بِغَيْرِ هَاءٍ، وَهِيَ أُخْتُ " حَمْنَةَ " الَّتِي تَقَدَّمَ حَدِيثُهَا: «شَكَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الدَّمَ فَقَالَ: اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُك حَيْضَتُك» أَيْ قَبْلَ اسْتِمْرَارِ جَرَيَانِ الدَّمِ [ثُمَّ اغْتَسِلِي] أَيْ غُسْلَ الْخُرُوجِ عَنْ الْحَيْضِ [فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ] مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ مِنْهُ ﷺ لَهَا بِذَلِكَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَهِيَ: أَيْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، " أُمُّ حَبِيبَةَ " كَانَتْ تَحْتَ " عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ "، وَبَنَاتُ جَحْشٍ ثَلَاثٌ: " زَيْنَبُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، " وَحَمْنَةُ " " وَأُمُّ حَبِيبَةَ "، قِيلَ: إنَّهُنَّ كُنَّ مُسْتَحَاضَاتٍ كُلُّهُنَّ. وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 146
١٣٠ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵄ قَالَتْ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ.
كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً فَإِنْ صَحَّ أَنَّ الثَّلَاثَ مُسْتَحَاضَاتٌ فَهِيَ زَيْنَبَ "، وَقَدْ عَدَّ الْعُلَمَاءُ الْمُسْتَحَاضَاتِ فِي عَصْرِهِ ﷺ فَبَلَغْنَ عَشْرَ نِسْوَةٍ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى إرْجَاعِ الْمُسْتَحَاضَةِ إلَى أَحَدِ الْمُعَرَّفَاتِ، وَهِيَ أَيَّامُ عَادَتِهَا، وَعَرَفْت أَنَّ الْمُعَرَّفَاتِ إمَّا الْعَادَةُ الَّتِي كَانَتْ لَهَا قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ أَوْ صِفَةُ الدَّمِ بِكَوْنِهِ أَسْوَدَ يُعْرَفُ، أَوْ الْعَادَةُ الَّتِي لِلنِّسَاءِ مِنْ السِّتَّةِ الْأَيَّامِ أَوْ السَّبْعَةِ، أَوْ إقْبَالِ الْحَيْضَةِ وَإِدْبَارِهَا، كُلُّ هَذِهِ تَقَدَّمَتْ فِي أَحَادِيثِ الْمُسْتَحَاضَةِ، فَبِأَيِّهَا وَقَعَ مَعْرِفَةُ الْحَيْضِ، وَالْمُرَادُ حُصُولُ الظَّنِّ لَا الْيَقِينُ، عَمِلَتْ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ ذَاتَ عَادَةٍ أَوْ لَا، كَمَا يُفِيدُهُ إطْلَاقُ الْأَحَادِيثِ، بَلْ لَيْسَ الْمُرَادُ إلَّا مَا يَحْصُلُ لَهَا ظَنٌّ أَنَّهُ حَيْضٌ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ الْأَمَارَاتُ كَانَ أَقْوَى فِي حَقِّهَا، ثُمَّ مَتَى حَصَلَ ظَنُّ زَوَالِ الْحَيْضِ وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَوْ تَجْمَعُ جَمْعًا صُورِيًّا بِالْغُسْلِ، وَهَلْ لَهَا أَنْ تَجْمَعَ الْجَمْعَ الصُّورِيَّ بِالْوُضُوءِ؟ هَذَا لَمْ يَرِدْ بِهِ النَّصُّ فِي حَقِّهَا، إلَّا أَنَّهُ مَعْلُومٌ جَوَازُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِهِ؛ وَأَمَّا هَلْ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ النَّوَافِلَ بِوُضُوءِ الْفَرِيضَةِ؟ فَهَذَا مَسْكُوتٌ عَنْهُ أَيْضًا، وَالْعُلَمَاءُ مُخْتَلِفُونَ فِي كُلِّهِ.
١٣٠ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵄ قَالَتْ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ.
وَعَنْ " أُمِّ عَطِيَّةَ اسْمُهَا نُسَيْبَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةَ بِنْتُ كَعْبٍ، وَقِيلَ: بِنْتُ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيَّةُ، بَايَعَتْ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَتْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابِيَّاتِ، وَكَانَتْ تَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، تُمَرِّضُ الْمَرْضَى، وَتُدَاوِي الْجَرْحَى. قَالَتْ: [كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ أَيْ: مَا هُوَ بِلَوْنِ الْمَاءِ الْوَسِخِ الْكَدِرِ، [وَالصُّفْرَةُ هُوَ: الْمَاءُ الَّذِي تَرَاهُ الْمَرْأَةُ كَالصَّدِيدِ يَعْلُوهُ اصْفِرَارٌ [بَعْدَ الطُّهْرِ] أَيْ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ وَالْجُفُوفِ [شَيْئًا] أَيْ لَا نَعُدُّهُ حَيْضًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ
وَقَوْلُهَا: " كُنَّا " قَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، فَقِيلَ: لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ كُنَّا فِي زَمَانِهِ ﷺ مَعَ عِلْمِهِ، فَيَكُونُ تَقْرِيرًا مِنْهُ؛ وَهَذَا رَأْيُ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ، فَيَكُونُ حُجَّةً، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِمَا لَيْسَ بِدَمٍ غَلِيظٍ أَسْوَدَ يُعْرَفُ، فَلَا يُعَدُّ حَيْضًا بَعْدَ أَنْ تَرَى الْقَصَّةَ، بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، قِيلَ: إنَّهُ شَيْءٌ كَالْخَيْطِ الْأَبْيَضِ، يَخْرُجُ مِنْ الرَّحِمِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، أَوْ بَعْدَ الْجُفُوفِ، وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ مَا يُحْشَى بِهِ الرَّحِمُ جَافًّا، وَمَفْهُومُ قَوْلِهَا: بَعْدَ الطُّهْرِ.
أَيْ
стр. 147
١٣١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، «أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ
١٣٢ - وَعَنْ «عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
١٣٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ - قَالَ: يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ الْقَطَّانِ، وَرَجَّحَ غَيْرُهُمَا وَقْفُهُ.
بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ؛ أَنَّ قَبْلَهُ تُعَدُّ الْكُدْرَةُ وَالصُّفْرَةُ شَيْئًا، أَيْ حَيْضًا، وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مَعْرُوفٌ فِي الْفُرُوعِ.
وَعَنْ " أَنَسٍ " ﵁: «أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ الْحَدِيثُ قَدْ بَيَّنَ الْمُرَادَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْ الِاعْتِزَالِ، وَالْمَنْهِيَّ عَنْهُ مِنْ الْقُرْبَانِ هُوَ النِّكَاحُ: أَيْ اعْتَزَلُوا نِكَاحَهُنَّ، وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ لَهُ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْمُوَاكِلَةِ وَالْمُجَالَسَةِ وَالْمُضَاجَعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَقَدْ كَانَ الْيَهُودُ لَا يُسَاكِنُونَ الْحَائِضَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَلَا يُجَامِعُونَهَا وَلَا يُؤَاكِلُونَهَا، كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ. وَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَبَاحَهُ هَذَا الْحَدِيثُ، وَكَمَا يُفِيدُهُ أَيْضًا.
وَعَنْ «عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ أَيْ يُلْصِقُ بَشَرَتَهُ بِبَشَرَتِي فِيمَا دُونَ الْإِزَارِ.
وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ بِأَنَّهُ يَسْتَمْتِعُ مِنْهَا، إنَّمَا فِيهِ إلْصَاقُ الْبَشَرَةِ بِالْبَشَرَةِ، وَالِاسْتِمْتَاعُ فِيمَا بَيْنَ الرُّكْبَةِ وَالسُّرَّةِ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ أَجَازَهُ الْبَعْضُ، وَحُجَّتُهُ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» وَمَفْهُومُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ بَعْضٌ بِكَرَاهَتِهِ، وَآخَرُ بِتَحْرِيمِهِ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِلدَّلِيلِ؛ فَأَمَّا لَوْ جَامَعَ وَهِيَ حَائِضٌ، فَإِنَّهُ يَأْثَمُ إجْمَاعًا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَقِيلَ: تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ لِمَا يُفِيدُهُ.
стр. 148
١٣٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَيْسَ إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وَعَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " ﵄ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ: يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ الْقَطَّانِ، وَرَجَّحَ غَيْرُهُمَا وَقْفَهُ، عَلَى " ابْنِ عَبَّاسٍ " الْحَدِيثُ فِيهِ رِوَايَاتٌ هَذِهِ إحْدَاهَا، وَهِيَ الَّتِي خُرِّجَ لِرِجَالِهَا فِي الصَّحِيحِ، وَرِوَايَتُهُ مَعَ ذَلِكَ مُضْطَرِبَةٌ؛ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتًا لَأَخَذْنَا بِهِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: الِاضْطِرَابُ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَتْنِهِ كَثِيرٌ جِدًّا.
وَقَدْ ذَهَبَ إلَى إيجَابِ الصَّدَقَةِ " الْحَسَنُ " " وَسَعِيدٌ "، لَكِنْ قَالَا: يُعْتِقُ رَقَبَةً قِيَاسًا عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي رَمَضَانَ وَقَالَ غَيْرُهُمَا: بَلْ يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا مُرْسَلٌ أَوْ مَوْقُوفٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: حُجَّةُ مَنْ لَمْ يُوجِبْ: اضْطِرَابُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَنَّ الذِّمَّةَ عَلَى الْبَرَاءَةِ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ فِيهَا شَيْءٌ لِمِسْكِينٍ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ لَا مَدْفَعَ فِيهِ، وَلَا مَطْعَنَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
قُلْت: أَمَّا مَنْ صَحَّ عِنْدَهُ كَابْنِ الْقَطَّانِ فَإِنَّهُ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِي تَصْحِيحِهِ، وَأَجَابَ عَنْ طُرُقِ الطَّعْنِ فِيهِ، وَأَقَرَّهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَقَوَّاهُ فِي كِتَابِهِ " الْإِلْمَامِ " فَلَا عُذْرَ لَهُ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ كَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، فَلَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ.
وَعَنْ " أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَيْسَ إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ؛ تَمَامُهُ: " فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: «تَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي، وَتُفْطِرُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَهَذَا نُقْصَانُ دِينِهَا». وَهُوَ إخْبَارٌ يُفِيدُ تَقْرِيرَهَا عَلَى تَرْكِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَكَوْنَهُمَا لَا يَجِبَانِ عَلَيْهَا، وَهُوَ إجْمَاعٌ فِي أَنَّهُمَا لَا يَجِبَانِ حَالَ الْحَيْضِ، وَيَجِبُ قَضَاءُ الصِّيَامِ لِأَدِلَّةٍ أُخْرَى.
وَأَمَّا كَوْنُهَا لَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَلِحَدِيثِ: «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» وَتَقَدَّمَ.
وَأَمَّا أَنَّهَا لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَلِحَدِيثِ " ابْنِ عُمَرَ ": «وَلَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ»
стр. 149
١٣٥ - وَعَنْ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: لَمَّا جِئْنَا سَرِفَ حِضْت، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
١٣٦ - وَعَنْ «مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ، وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ: مَا فَوْقَ الْإِزَارِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَضَعَّفَهُ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَقَالٌ، وَكَذَلِكَ لَا تَمَسُّ الْمُصْحَفَ لِحَدِيثِ " عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ "، تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَتْ شَوَاهِدُهُ، وَالْأَحَادِيثُ لَا تَقْصُرُ عَنْ الْكَرَاهَةِ لِكُلِّ مَا ذُكِرَ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ التَّحْرِيمِ؛ إذْ لَا تَخْلُو عَنْ مَقَالٍ فِي طُرُقِهَا، وَدَلَالَةِ أَلْفَاظِهَا غَيْرُ صَرِيحَةٍ فِي التَّحْرِيمِ.
وَعَنْ " عَائِشَةَ " ﵂ قَالَتْ: [لَمَّا جِئْنَا] أَيْ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَكَانَتْ قَدْ أَحْرَمَتْ مَعَهُ ﷺ [سَرِفَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ مَفْتُوحَةٍ وَكَسْرِ الرَّاءِ فَفَاءٍ: اسْمُ مَحِلٍّ، مَنَعَهُ مِنْ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ، وَهُوَ مَحِلٌّ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ «حِضْت، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. فِيهِ صِفَةُ حَجِّهِ ﷺ ؛ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ يَصِحُّ مِنْهَا جَمِيعُ أَفْعَالِ الْحَجِّ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّتِهِ، فَقِيلَ: لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الطَّوَافِ الطَّهَارَةُ، وَقِيلَ: لِكَوْنِهَا مَمْنُوعَةً مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا رَكْعَتَا الطَّوَافِ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُمَا لَا يَصِحَّانِ مِنْهَا، إذْ هُمَا مُرَتَّبَتَانِ عَلَى الطَّوَافِ وَالطَّهَارَةِ.
وَعَنْ " مُعَاذِ " بِضَمِّ الْمِيمِ، فَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ، آخِرُهُ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ؛ وَهُوَ " أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، أَحَدُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَغَيْرَهَا مِنْ الْمَشَاهِدِ، وَبَعَثَهُ ﷺ إلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا، وَمُعَلِّمًا، وَجَعَلَ إلَيْهِ قَبْضَ الصَّدَقَاتِ مِنْ الْعُمَّالِ بِالْيَمَنِ، وَكَانَ مِنْ أَجِلَّاءِ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَائِهِمْ، اسْتَعْمَلَهُ " عُمَرَ " عَلَى الشَّامِ بَعْدَ " أَبِي عُبَيْدَةَ "، فَمَاتَ فِي طَاعُونِ " عَمَوَاسَ " سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَلَهُ ثَمَانٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً. أَنَّهُ «سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَضَعَّفَهُ وَقَالَ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ مُبَاشَرَةِ مَحِلِّ الْإِزَارِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ
стр. 150
١٣٧ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَتْ النُّفَسَاءُ تَقْعُدُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُد. وَفِي لَفْظٍ لَهُ: وَلَمْ يَأْمُرْهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صَلَاةِ النِّفَاسِ. وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَالْحَدِيثُ قَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ هَذَا، فَهُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ، وَلَوْ ضَمَّهُ الْمُصَنِّفُ إلَيْهِ لَكَانَ أَوْلَى، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: " كَانَ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ ".
وَعَنْ " أُمِّ سَلَمَةَ" ﵂ «كَانَتْ النُّفَسَاءُ تَقْعُدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُد، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: " وَلَمْ يَأْمُرْهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صَلَاةِ النِّفَاسِ " وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ، لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ مُصَنِّفِي الْفُقَهَاءِ: إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ " أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِلنُّفَسَاءِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ» وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ " عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ": «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنِّسَاءِ فِي نِفَاسِهِنَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ يَعْضُدُ بَعْضُهَا بَعْضًا
وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدَّمَ الْخَارِجَ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ حُكْمُهُ يَسْتَمِرُّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، تَقْعُدُ فِيهِ الْمَرْأَةُ عَنْ الصَّلَاةِ وَعَنْ الصَّوْمِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ الْحَدِيثُ، فَقَدْ أُفِيدَ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَفَادَ حَدِيثُ " أَنَسٍ ": إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ طَهُرَتْ، وَأَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ.
كتاب الصلاة
باب المواقيت
الصَّلَاةُ لُغَةً: الدُّعَاءُ؛ سُمِّيَتْ هَذِهِ الْعِبَادَةُ الشَّرْعِيَّةُ بِاسْمِ الدُّعَاءِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ؛ وَالْمَوَاقِيتُ: جَمْعُ مِيقَاتٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الْوَقْتُ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لِأَدَاءِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَهُوَ الْقَدْرُ الْمَحْدُودُ لِلْفِعْلِ مِنْ الزَّمَانِ.
стр. 151
١٣٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
١٣٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو " ﵁[أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ».: أَيْ مَالَتْ إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ، وَهُوَ الدُّلُوكُ الَّذِي أَفَادَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾
[وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ] أَيْ وَيَسْتَمِرُّ وَقْتُهَا حَتَّى " يَصِيرَ " ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، فَهَذَا تَعْرِيفٌ لِأَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَآخِرِهِ، فَقَوْلُهُ: " وَكَانَ " عَطْفٌ عَلَى زَالَتْ كَمَا قَرَّرْنَاهُ: أَيْ وَيَسْتَمِرُّ وَقْتُ الظُّهْرِ إلَى صَيْرُورَةِ ظِلِّ الرَّجُلِ مِثْلَهُ [مَا لَمْ يَحْضُرْ] وَقْتُ [الْعَصْرِ] وَحُضُورُهُ بِمَصِيرِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، كَمَا يُفِيدُهُ مَفْهُومُ هَذَا، وَصَرِيحُ غَيْرِهِ. [وَوَقْتُ الْعَصْرِ] يَسْتَمِرُّ [مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ] وَقَدْ عَيَّنَ آخِرَهُ فِي غَيْرِهِ بِمَصِيرِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ. [وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ] مِنْ عِنْدِ سُقُوطِ قُرْصِ الشَّمْسِ، وَيَسْتَمِرُّ [مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ] الْأَحْمَرُ؛ وَتَفْسِيرُهُ بِالْحُمْرَةِ سَيَأْتِي نَصًّا. [وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ] مِنْ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، وَيَسْتَمِرُّ [إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ] الْمُرَادُ بِهِ الْأَوَّلُ. [وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ] أَوَّلُهُ [مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَيَسْتَمِرُّ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ] رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ تَمَامُهُ فِي مُسْلِمٍ: «فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنْ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ».
الْحَدِيثُ أَفَادَ تَعْيِينَ أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ أَوَّلًا وَآخِرًا، فَأَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ زَوَالُ الشَّمْسِ، وَآخِرُهُ مَصِيرُ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ، وَذَكَرَ الرَّجُلَ فِي الْحَدِيثِ تَمْثِيلًا، وَإِذَا صَارَ كَذَلِكَ فَهُوَ أَوَّلُ الْعَصْرِ، وَلَكِنَّهُ يُشَارِكُهُ الظُّهْرُ فِي قَدْرٍ لَا يَتَّسِعُ لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ وَقْتًا لَهُمَا كَمَا يُفِيدُهُ حَدِيثُ «جِبْرِيلَ. فَإِنَّهُ صَلَّى بِالنَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَصَلَّى بِهِ الْعَصْرَ عِنْدَ مَصِيرِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ؛ وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي صَلَّى بِهِ الظُّهْرَ عِنْدَ مَصِيرِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْعَصْرَ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ»، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقْتٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ؛ وَهَذَا هُوَ الْوَقْتُ الْمُشْتَرَكُ، وَفِيهِ خِلَافٌ، فَمَنْ أَثْبَتَهُ فَحُجَّتُهُ مَا سَمِعْته، وَمَنْ نَفَاهُ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ: «وَصَلَّى بِهِ الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ»، بِأَنَّ مَعْنَاهُ: فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي
стр. 152
١٣٩ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فِي الْعَصْرِ: " وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ".
ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ وَهُوَ بَعِيدٌ.
ثُمَّ يَسْتَمِرُّ وَقْتُ الْعَصْرِ إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، وَبَعْدَ الِاصْفِرَارِ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلْأَدَاءِ، بَلْ وَقْتُ قَضَاءٍ كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ؛ وَقِيلَ بَلْ أَدَاءٌ إلَى بَقِيَّةٍ تَسَعُ رَكْعَةً، لِحَدِيثِ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ».
وَأَوَّلُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إذَا وَجَبَتْ الشَّمْسُ: أَيْ غَرَبَتْ، كَمَا وَرَدَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي لَفْظٍ: " إذَا غَرَبَتْ "، وَآخِرُهُ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اتِّسَاعِ وَقْتِ الْغُرُوبِ، وَعَارَضَهُ حَدِيثُ " جِبْرِيلَ "، فَإِنَّهُ صَلَّى بِهِ ﷺ الْمَغْرِبَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي الْيَوْمَيْنِ، وَذَلِكَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ " جِبْرِيلَ " حَصْرٌ لِوَقْتِهِمَا فِي ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ أَحَادِيثَ تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ مُتَأَخِّرَةٌ، فَإِنَّهَا فِي الْمَدِينَةِ، وَإِمَامَةُ " جِبْرِيلَ " فِي مَكَّةَ، فَهِيَ زِيَادَةٌ تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهَا؛ وَقِيلَ: إنَّ حَدِيثَ جِبْرِيلَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا وَقْتَ لَهَا إلَّا الَّذِي صَلَّى فِيهِ.
وَأَوَّلُ الْعِشَاءِ: غَيْبُوبَةُ الشَّفَقِ، وَيَسْتَمِرُّ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ التَّحْدِيدُ لِآخَرِهِ بِثُلُثِ اللَّيْلِ، لَكِنْ أَحَادِيثُ النِّصْفِ صَحِيحَةٌ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا. وَأَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الْفَجْرِ، وَيَسْتَمِرُّ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ.
فَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي فِي مُسْلِمٍ قَدْ أَفَادَ أَوَّلَ كُلِّ وَقْتٍ مِنْ الْخَمْسَةِ وَآخِرَهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَهَلْ يَكُونُ بَعْدَ الِاصْفِرَارِ وَبَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَقْتٌ لِأَدَاءِ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ أَوْ لَا؟ هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لَهُمَا، وَلَكِنْ حَدِيثُ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْدَ الِاصْفِرَارِ وَقْتًا لِلْعَصْرِ، وَإِنْ كَانَ فِي لَفْظِ " أَدْرَكَ " مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ تَرَاخِيهِ عَنْ الْوَقْتِ الْمَعْرُوفِ لِعُذْرٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَوَرَدَ فِي الْفَجْرِ مِثْلُهُ وَسَيَأْتِي، وَلَمْ يَرِدْ مِثْلُهُ فِي الْعِشَاءِ، وَلَكِنَّهُ وَرَدَ فِي مُسْلِمٍ: «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى» فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ إلَى دُخُولِ وَقْتِ الْأُخْرَى؛ إلَّا أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْفَجْرِ، فَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ، وَلَيْسَ بِوَقْتٍ لِلَّتِي بَعْدَهَا، وَبِصَلَاةِ الْعِشَاءِ فَإِنْ آخِرَهُ نِصْفُ اللَّيْلِ، وَلَيْسَ وَقْتًا لِلَّتِي بَعْدَهَا، وَقَدْ قُسِّمَ الْوَقْتُ إلَى اخْتِيَارِيٍّ وَاضْطِرَارِيٍّ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ نَاهِضٌ عَلَى غَيْرِ مَا سَمِعْت، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْمَوَاقِيتِ فِي رِسَالَةٍ بَسِيطَةٍ سَمَّيْنَاهَا: " الْيَوَاقِيتُ فِي الْمَوَاقِيتِ ".
١٣٩ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فِي الْعَصْرِ: " وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ". وَلَهُ أَيْ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ "
стр. 153
١٤٠ - وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: " وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ".
١٤١ - وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
بُرَيْدَةَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ فَرَاءٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَدَالٍ مُهْمَلَةٍ فَتَاءِ تَأْنِيثٍ هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَوْ أَبُو سَهْلٍ أَوْ أَبُو الْحُصَيْبِ بُرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ الْأَسْلَمِيُّ؛ أَسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا، وَبَايَعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، سَكَنَ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إلَى الْبَصْرَةِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى خُرَاسَانَ غَازِيًا فَمَاتَ بِمَرْوَ زَمَنَ " يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ "، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. [فِي الْعَصْرِ] أَيْ فِي بَيَانِ وَقْتِهَا [وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ بِالنُّونِ وَالْقَافِ وَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ: أَيْ لَمْ يَدْخُلْهَا شَيْءٌ مِنْ الصُّفْرَةِ.
وَمِنْ حَدِيثِ " أَبِي مُوسَى " أَيْ: وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي مُوسَى وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا بِمَكَّةَ، وَهَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ، وَقِيلَ: رَجَعَ إلَى أَرْضِهِ، ثُمَّ وَصَلَ إلَى الْمَدِينَةِ مَعَ وُصُولِ مُهَاجِرِي الْحَبَشَةِ، وَلَّاهُ " عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ " الْبَصْرَةَ بَعْدَ عَزْلِ " الْمُغِيرَةِ " سَنَةَ عِشْرِينَ، فَافْتَتَحَ " أَبُو مُوسَى " الْأَهْوَازَ، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى الْبَصْرَةِ إلَى صَدْرِ خِلَافَةِ " عُثْمَانَ " فَعَزَلَهُ، فَانْتَقَلَ إلَى الْكُوفَةِ، وَأَقَامَ بِهَا، ثُمَّ أَقَرَّهُ " عُثْمَانُ " عَامِلًا عَلَى الْكُوفَةِ إلَى أَنْ قُتِلَ " عُثْمَانُ "، ثُمَّ انْتَقَلَ بَعْدَ أَمْرِ التَّحْكِيمِ إلَى مَكَّةَ، وَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَقِيلَ بَعْدَهَا، وَلَهُ نَيِّفٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. [وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ)
أَيْ وَصَلَّى الْعَصْرَ وَهِيَ مُرْتَفِعَةٌ لَمْ تَمِلْ إلَى الْغُرُوبِ: وَفِي الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُسَارَعَةِ بِالْعَصْرِ، وَأَصْرَحُ الْأَحَادِيثِ فِي تَحْدِيدِ أَوَّلِ وَقْتِهَا حَدِيثُ «جِبْرِيلَ: أَنَّهُ صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ ﷺ وَظِلُّ الرَّجُلِ مِثْلُهُ» وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ كَحَدِيثِ بُرَيْدَةَ، وَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَحْمُولَةٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ " أَبِي بَرْزَةَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ فَزَايٍ فَهَاءٍ اسْمُهُ نَضْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ فَضَادٍ سَاكِنَةٍ مُعْجَمَةٍ ابْنُ عُبَيْدٍ وَقِيلَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَشَهِدَ الْفَتْحَ، وَلَمْ يَزَلْ يَغْزُو مَعَ
стр. 154
١٤٢ - وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: «وَالْعِشَاءُ أَحْيَانًا يُقَدِّمُهَا، وَأَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا: إذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحُ؛ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ».
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى تُوُفِّيَ ﷺ فَنَزَلَ بِالْبَصْرَةِ، ثُمَّ غَزَا خُرَاسَانَ، وَتُوُفِّيَ بِمَرْوَ، وَقِيلَ بِغَيْرِهَا، سَنَةَ سِتِّينَ. الْأَسْلَمِيُّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا» أَيْ بَعْدَ صَلَاتِهِ [إلَى رَحْلِهِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ: مَسْكَنُهُ [فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ] حَالٌ مِنْ رَحْلِهِ، وَقِيلَ صِفَةٌ لَهُ [وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ] أَيْ يَصِلُ إلَى رَحْلِهِ حَالَ كَوْنِ الشَّمْسِ حَيَّةً، أَيْ بَيْضَاءَ قَوِيَّةَ الْأَثَرِ حَرَارَةً وَلَوْنًا وَإِنَارَةً؛ «وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ» لَمْ يُبَيِّنْ إلَى مَتَى، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ مُطْلَقَ التَّأْخِيرِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ؛ [وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا] لِئَلَّا يَسْتَغْرِقَ النَّائِمُ فِيهِ حَتَّى يَخْرُجَ اخْتِيَارُ وَقْتِهَا [وَالْحَدِيثَ] التَّحَادُثُ مَعَ النَّاسِ [بَعْدَهَا] فَيَنَامُ عَقِبَ تَكْفِيرِ الْخَطِيئَةِ بِالصَّلَاةِ، فَتَكُونُ خَاتِمَةَ عَمَلِهِ، وَلِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِالْحَدِيثِ عَنْ قِيَامِ آخِرَ اللَّيْلِ: إلَّا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُسَمِّرُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ» [وَكَانَ يَنْفَتِلُ بِالْفَاءِ فَمُثَنَّاةٍ بَعْدَهَا فَوْقِيَّةٌ مَكْسُورَةٌ أَيْ: يَلْتَفِتُ إلَى مَنْ خَلْفَهُ أَوْ يَنْصَرِفُ [مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ] الْفَجْرِ [حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ] أَيْ بِضَوْءِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَسْجِدُهُ ﷺ لَيْسَ فِيهِ مَصَابِيحُ؛ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ فِيهَا وَالرَّجُلُ لَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَهُوَ دَلِيلُ التَّبْكِيرِ بِهَا. [وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ] يُرِيدُ أَنَّهُ إذَا اخْتَصَرَ قَرَأَ بِالسِّتِّينَ فِي صَلَاتِهِ فِي الْفَجْرِ، وَإِذَا طَوَّلَ فَإِلَى الْمِائَةِ مِنْ الْآيَاتِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
؛ فِيهِ ذِكْرُ وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ مِنْ دُونِ تَحْدِيدٍ لِلْأَوْقَاتِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الَّذِي مَضَى مَا هُوَ أَصْرَحُ وَأَشْمَلُ.
١٤٢ - وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: «وَالْعِشَاءُ أَحْيَانًا يُقَدِّمُهَا، وَأَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا: إذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحُ؛ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ».
وَعِنْدَهُمَا أَيْ الشَّيْخَيْنِ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ " جَابِرٍ ": [وَالْعِشَاءُ أَحْيَانَا يُقَدِّمُهَا] أَوَّلَ وَقْتِهَا [وَأَحْيَانَا يُؤَخِّرُهَا] عَنْهُ كَمَا فَصَّلَهُ قَوْلُهُ: [إذَا رَآهُمْ] أَيْ الصَّحَابَةَ [اجْتَمَعُوا] فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا [عَجَّلَ] رِفْقًا بِهِمْ [وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَئُوا] عَنْ أَوَّلِهِ [أَخَّرَ] مُرَاعَاةً لِمَا هُوَ الْأَرْفَقُ بِهِمْ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ لَوْلَا خَوْفُ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ لَأَخَّرَ بِهِمْ: «وَالصُّبْحُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ» الْغَلَسُ مُحَرَّكَةٌ: ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ، كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَهُوَ أَوَّلُ الْفَجْرِ وَيَأْتِي مَا يُعَارِضُهُ فِي حَدِيثِ " رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ".
стр. 155
١٤٣ - وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: «فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا»
١٤٤ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
١٤٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِالْعِشَاءِ، حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى، وَقَالَ: إنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَلِمُسْلِمٍ وَحْدَهُ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي مُوسَى ": «فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» وَهُوَ كَمَا أَفَادَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلِ.
وَعَنْ " رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ " بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَجِيمٍ؛ وَرَافِعٌ هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَيُقَالُ أَبُو خَدِيجٍ الْخَزْرَجِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ، مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، تَأَخَّرَ عَنْ بَدْرٍ؛ لِصِغَرِ سِنِّهِ، وَشَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا، أَصَابَهُ سَهْمٌ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَنَا أَشْهَدُ لَك يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَاشَ إلَى زَمَانِ " عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ "، ثُمَّ انْتَقَضَتْ جِرَاحَتُهُ، فَمَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَلَهُ سِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: زَمَنَ " يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ". قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ» بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ السِّهَامُ الْعَرَبِيَّةُ لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا، وَقِيلَ وَاحِدُهَا نَبْلَةٌ كَتَمْرٍ وَتَمْرَةٍ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ، بِحَيْثُ يَنْصَرِفُ مِنْهَا، وَالضَّوْءُ بَاقٍ، وَقَدْ كَثُرَ الْحَثُّ عَلَى الْمُسَارَعَةِ بِهَا.
وَعَنْ " عَائِشَةَ " ﵂ قَالَتْ: [أَعْتَمَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ، يُقَالُ: أَعْتَمَ إذَا دَخَلَ فِي الْعَتَمَةِ، وَالْعَتَمَةُ مُحَرَّكَةً ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ بِمَدِّ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، كَمَا فِي الْقَامُوسِ، [رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِالْعِشَاءِ] أَيْ أَخَّرَ صَلَاتِهَا [حَتَّى ذَهَبَ
стр. 156
١٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
عَامَّةُ اللَّيْلِ] كَثِيرٌ مِنْهُ لَا أَكْثَرُهُ [ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى وَقَالَ إنَّهُ لَوَقْتُهَا] أَيْ الْمُخْتَارُ وَالْأَفْضَلُ [لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي] أَيْ لَأَخَّرْتهَا إلَيْهِ؛ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ مُمْتَدٌّ، وَأَنَّ آخِرَهُ أَفْضَلُهُ، وَأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُرَاعِي الْأَخَفَّ عَلَى الْأَمَةِ، وَأَنَّهُ تَرَكَ الْأَفْضَلَ وَقْتًا، وَهِيَ بِخِلَافِ الْمَغْرِبِ، فَأَفْضَلُهُ أَوَّلُهُ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ، إلَّا الظُّهْرَ أَيَّامَ الْحَرِّ، كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ.
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا» بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ مَقْطُوعَةٍ وَكَسْرِ الرَّاءِ [بِالصَّلَاةِ] أَيْ صَلَاةِ الظُّهْرِ «فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، أَيْ: سَعَةِ انْتِشَارِهَا وَتَنَفُّسِهَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. يُقَالُ: أَبْرَدَ، إذَا دَخَلَ فِي وَقْتِ الْبَرْدِ كَأَظْهَرَ إذَا دَخَلَ فِي الظُّهْرِ، كَمَا يُقَالُ: أَنْجَدَ، وَأَتْهَمَ، إذَا بَلَغَ نَجْدًا وَتِهَامَةَ، ذَلِكَ فِي الزَّمَانِ وَهَذَا فِي الْمَكَانِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَرِّ ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ، وَقِيلَ: إنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَظَاهِرُهُ عَامٌّ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْجَمَاعَةِ، وَالْبَلَدِ الْحَارِّ وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ غَيْرُ هَذِهِ. وَقِيلَ: الْإِبْرَادُ سُنَّةٌ وَالتَّعْجِيلُ أَفْضَلُ لِعُمُومِ أَدِلَّةِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ. وَأُجِيبُ: بِأَنَّهَا عَامَّةٌ مَخْصُوصَةٌ بِأَحَادِيثِ الْإِبْرَادِ.
وَعُورِضَ حَدِيثُ الْإِبْرَادِ بِحَدِيثِ " خَبَّابٍ «شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا» أَيْ لَمْ يُزِلْ شَكْوَانَا، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ أَحْسَنُهَا:
أَنَّ الَّذِي شَكَوْهُ شِدَّةُ الرَّمْضَاءِ فِي الْأَكُفِّ وَالْجِبَاهِ؛ وَهَذِهِ لَا تَذْهَبُ عَنْ الْأَرْضِ إلَّا آخِرَ الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَ آخِرِهِ، وَلِذَا قَالَ لَهُمْ ﷺ : «صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا» كَمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي رِوَايَةِ " خَبَّابٍ " هَذِهِ بِلَفْظِ: " فَلَمْ يُشْكِنَا وَقَالَ: صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا " رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُمْ طَلَبُوا تَأْخِيرًا زَائِدًا عَنْ وَقْتِ الْإِبْرَادِ، فَلَا يُعَارِضُ حَدِيثَ الْأَمْرِ بِالْإِبْرَادِ، وَتَعْلِيلُ الْإِبْرَادِ بِأَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ: يَعْنِي وَعِنْدَ شِدَّتِهِ يَذْهَبُ الْخُشُوعُ الَّذِي هُوَ رُوحُ الصَّلَاةِ، وَأَعْظَمُ الْمَطْلُوبِ مِنْهَا. قِيلَ: وَإِذَا كَانَ الْعِلَّةُ ذَلِكَ، فَلَا يُشْرَعُ الْإِبْرَادُ فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْقَبَسِ: لَيْسَ فِي الْإِبْرَادِ تَحْدِيدٌ، إلَّا مَا وَرَدَ
стр. 157
١٤٧ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأُجُورِكُمْ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.
١٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصُّبْحِ
فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ عَنْهُ: «كَانَ قَدْرُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرِ فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ إلَى خَمْسَةِ أَقْدَامٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إلَى سَبْعَةِ أَقْدَامٍ» ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَا فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا يَتِمُّ بِهِ الِاسْتِدْلَال فِي الْمَوَاقِيتِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ حَدِيثَ الْإِبْرَادِ يُخَصِّصُ فَضِيلَةَ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا بِزَمَانِ شِدَّةِ الْحَرِّ، كَمَا قِيلَ إنَّهُ مُخَصَّصٌ بِالْفَجْرِ.
وَعَنْ " رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ " قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ»، وَفِي رِوَايَةٍ: " أَسْفِرُوا " [فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأُجُورِكُمْ] رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد، وَبِهِ احْتَجَّتْ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى تَأْخِيرِ الْفَجْرِ إلَى الْإِسْفَارِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ اسْتِمْرَارَ صَلَاتِهِ ﷺ بِغَلَسٍ، وَبِمَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: «أَنَّهُ ﷺ أَسْفَرَ بِالصُّبْحِ مَرَّةً ثُمَّ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدُ بِغَلَسٍ حَتَّى مَاتَ» يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ " بِأَصْبِحُوا " غَيْرُ " ظَاهِرِهِ، فَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ تَحَقُّقُ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأَنَّ " أَعْظَمَ " لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ إطَالَةُ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا مُسْفِرًا. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ اللَّيَالِي الْمُقْمِرَةُ، فَإِنَّهُ لَا يَتَّضِحُ أَوَّلُ الْفَجْرِ مَعَهَا، لِغَلَبَةِ نُورِ الْقَمَرِ لِنُورِهِ، أَوْ أَنَّهُ ﷺ فَعَلَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً لِعُذْرٍ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ عَلَى خِلَافِهِ، كَمَا يُفِيدُهُ حَدِيثُ " أَنَسٍ ".
وَأَمَّا الرَّدُّ عَلَى حَدِيثِ الْإِسْفَارِ بِحَدِيثِ " عَائِشَةَ " عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ: «مَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا الْآخَرِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ» فَلَيْسَ بِتَامٍّ؛ لِأَنَّ الْإِسْفَارَ لَيْسَ آخِرَ وَقْتِ صَلَاةِ الْفَجْرِ، بَلْ آخِرُهُ مَا يُفِيدُهُ.
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁[أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ] أَيْ وَأَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى بَعْدِ طُلُوعِهَا [فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ] ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مَنْ صَلَّى رَكْعَةً فَقَطْ، وَالْمُرَادُ فَقَدْ أَدْرَكَ صَلَاتَهُ، لِوُقُوعِ رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ [وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ] فَفَعَلَهَا [قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ] وَإِنْ فَعَلَ الثَّلَاثَ بَعْدَ الْغُرُوبِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا حَمَلْنَا الْحَدِيثَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ الْإِتْيَانُ بِالرَّكْعَةِ بَعْدَ الطُّلُوعِ، وَبِالثَّلَاثِ بَعْدَ الْغُرُوبِ، لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مَنْ أَتَى بِرَكْعَةٍ فَقَطْ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ صَارَ مُدْرِكًا لَهُمَا.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْفَجْرِ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ بِلَفْظِ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَرَكْعَةً بَعْدَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ أَدْرَكَ فِي الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَلْيُصَلِّ إلَيْهَا أُخْرَى».
وَفِي الْعَصْرِ: مِنْ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " بِلَفْظِ: «مَنْ صَلَّى مِنْ الْعَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ بَعْدَ غُرُوبِهَا لَمْ يَفُتْهُ الْعَصْرُ» وَالْمُرَادُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْإِتْيَانُ بِوَاجِبَاتِهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ، وَاسْتِكْمَالِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْكُلَّ أَدَاءٌ، وَأَنَّ الْإِتْيَانَ بِبَعْضِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ يَنْسَحِبُ حُكْمُهُ عَلَى مَا بَعْدَ خُرُوجِهِ، فَضْلًا مِنْ اللَّهِ، ثُمَّ مَفْهُومُ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ مَنْ أَدْرَكَ دُونَ رَكْعَةٍ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلصَّلَاةِ، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ:
стр. 158
رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
١٤٩ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نَحْوُهُ، وَقَالَ: " سَجْدَةً " بَدَلَ " رَكْعَةً ". ثُمَّ قَالَ: «وَالسَّجْدَةُ إنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ». .
١٤٩ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نَحْوُهُ، وَقَالَ: " سَجْدَةً " بَدَلَ " رَكْعَةً ". ثُمَّ قَالَ: «وَالسَّجْدَةُ إنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ».
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ " عَائِشَةَ " ﵂ نَحْوُهُ، وَقَالَ: سَجْدَةً بَدَلَ رَكْعَةً فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً صَارَ مُدْرِكًا لِلصَّلَاةِ، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ [ثُمَّ قَالَ] أَيْ الرَّاوِي وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ «وَالسَّجْدَةُ إنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ» يَدْفَعُ أَنْ يُرَادَ بِالسَّجْدَةِ نَفْسَهَا، لِأَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ إنْ كَانَ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي فَهُوَ أَعْرَفُ بِمَا رَوَى. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ بِالسَّجْدَةِ الرَّكْعَةُ بِسُجُودِهَا وَرُكُوعِهَا، وَالرَّكْعَةُ إنَّمَا تَكُونُ تَامَّةً بِسُجُودِهَا، فَسُمِّيَتْ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى سَجْدَةً (اهـ).
وَلَوْ بَقِيَتْ السَّجْدَةُ عَلَى بَابِهَا لَأَفَادَتْ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً بِإِحْدَى سَجْدَتَيْهَا صَارَ مُدْرِكًا، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ، لِوُرُودِ سَائِرِ الْأَحَادِيثِ بِلَفْظِ الرَّكْعَةِ، فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ السَّجْدَةِ عَلَيْهَا، فَيَبْقَى مَفْهُومُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً سَالِمًا عَمَّا يُعَارِضُهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً فَقَطْ صَارَ مُدْرِكًا لِلصَّلَاةِ، كَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ وُرُودَ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً، لِأَنَّ مَفْهُومَهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِدَلِيلِ: " مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً " وَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ
стр. 159
١٥٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلَا صَلَاةَ بَعْدِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ».
تَفَضَّلَ فَجَعَلَ مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً كَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً، وَيَكُونُ إخْبَارُهُ ﷺ بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ جَعْلَ مَنْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ مُدْرِكًا لِلصَّلَاةِ، فَلَا يَرُدُّ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَالسَّجْدَةُ إنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ»، فَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَقَوْلُهُمْ تَفْسِيرُ الرَّاوِي مُقَدَّمٌ كَلَامٌ أَغْلَبِيٌّ، وَإِلَّا فَحَدِيثُ «فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» وَفِي لَفْظٍ: أَفْقَهُ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَأْتِي بَعْدَ السَّلَفِ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ أَوْ الْعَصْرِ لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي حَقِّهِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا، وَإِنْ كَانَا وَقْتَيْ كَرَاهَةٍ وَلَكِنْ فِي حَقِّ الْمُتَنَفِّلِ فَقَطْ، وَهُوَ الَّذِي أَفَادَهُ قَوْلُهُ:
وَعَنْ " أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " ﵁ قَالَ: [سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا صَلَاةَ] أَيْ نَافِلَةَ [بَعْدَ الصُّبْحِ] أَيْ صَلَاتِهِ أَوْ زَمَانِهِ [حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ] أَيْ صَلَاتِهِ أَوْ وَقْتِهِ [حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ». فَعَيَّنَتْ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا ذَكَرْنَاهُ كَمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ» نَسَبَهَا ابْنُ الْأَثِيرِ إلَى الشَّيْخَيْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» سَتَأْتِي. فَالنَّفْيُ قَدْ تَوَجَّهَ إلَى مَا بَعْدَ فِعْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَفِعْلِ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَلَكِنَّهُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا صَلَاةَ إلَّا نَافِلَتَهُ فَقَطْ، وَأَمَّا بَعْدَ دُخُولِ الْعَصْرِ فَالظَّاهِرُ إبَاحَةُ النَّافِلَةِ مُطْلَقًا، مَا لَمْ يُصَلِّ الْعَصْرَ، وَهَذَا نَفْيٌ لِلصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى النَّهْيِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ، فَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ النَّفْلِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ مُطْلَقًا. وَالْقَوْلُ بِأَنَّ ذَاتَ السَّبَبِ تَجُوزُ: كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ مَثَلًا، وَمَا لَا سَبَبَ لَهَا لَا تَجُوزُ، قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فِي حَوَاشِي (شَرْحِ الْعُمْدَةِ)، وَأَمَّا صَلَاتُهُ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي مَنْزِلِهِ، كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: «مَا تَرَكَ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ» وَفِي لَفْظٍ: " لَمْ يَكُنْ يَدَعْهُمَا سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً ".
فَقَدْ أُجِيبُ عَنْهُ: بِأَنَّهُ ﷺ صَلَّاهُمَا قَضَاءً لِنَافِلَةِ الظُّهْرِ لَمَّا فَاتَتْهُ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ فِي وَقْتِ
стр. 160
١٥١ - وَلَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ».
الْكَرَاهَةِ، وَبِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ جَوَازُ النَّفْلِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، كَمَا دَلَّ لَهُ حَدِيثُ أَبِي دَاوُد عَنْ " عَائِشَةَ ": «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ وَيَنْهَى عَنْهَا، وَكَانَ يُوَاصِلُ وَيَنْهَى عَنْ الْوِصَالِ» وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ لِلنَّفْلِ بَعْدَ صَلَاتَيْ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، لِصَلَاتِهِ ﷺ هَذِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَلِتَقْرِيرِهِ ﷺ لِمَنْ رَآهُ يُصَلِّي بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ نَافِلَةَ الْفَجْرِ، وَلَكِنَّهُ يُقَالُ: هَذَانِ دَلِيلَانِ عَلَى جَوَازِ قَضَاءِ النَّافِلَةِ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، لَا أَنَّهُمَا دَلِيلَانِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ النَّفَلُ مُطْلَقًا، إذْ الْأَخَصُّ لَا يَدُلُّ عَلَى رَفْعِ الْأَعَمِّ، بَلْ يُخَصِّصُهُ، وَهُوَ مِنْ تَخْصِيصِ الْأَقْوَالِ بِالْأَفْعَالِ، عَلَى أَنَّهُ يَأْتِي النَّصُّ عَلَى أَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ نَافِلَةُ الظُّهْرِ فَلَا يَقْضِيهَا بَعْدَ الْعَصْرِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَعَارَضَ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ كَانَ الْقَوْلُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ. فَالصَّوَابُ أَنَّ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ يَحْرُمُ فِيهِمَا إذَنْ النَّوَافِلُ، كَمَا تَحْرُمُ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَائَةِ الَّتِي أَفَادَهَا:
١٥١ - وَلَه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَحِين تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ».
وَلَهُ أَيْ لِمُسْلِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ فَمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ: ابْنِ عَامِرٍ هُوَ أَبُو حَمَّادٍ أَوْ أَبُو عَامِرٍ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ "؛ كَانَ عَامِلًا لِمُعَاوِيَةَ عَلَى مِصْرَ، وَتُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، وَذَكَرَ خَلِيفَةٌ أَنَّهُ " قُتِلَ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ " عَلِيٍّ " ﵇ وَغَلَّطَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
«ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ وَأَنْ نَقْبُرَ» بِضَمِّ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا [فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً، حَتَّى تَرْتَفِعَ]. بَيَّنَ قَدْرِ ارْتِفَاعِهَا الَّذِي عِنْدَهُ تَزُولُ الْكَرَاهَةِ، حَدِيثُ " عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ " بِلَفْظِ " وَتَرْتَفِعُ قِيسَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ " وَقِيسَ: بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ فَسِينٍ مُهْمَلَةٍ: أَيْ قَدْرَ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. [وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ] فِي حَدِيثِ " ابْنِ عَبَسَةَ ": أَيْ مَا يَعْدِلُ الرُّمْحُ ظِلَّهُ، [حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ] أَيْ تَمِيلَ عَنْ كَبَدِ السَّمَاءِ. [وَحِينَ تَتَضَيَّفُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ فَمُثَنَّاةٍ بَعْدَهَا وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَفَاءٍ، أَيْ تَمِيلُ [الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ].
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ إنْ انْضَافَتْ إلَى الْأَوَّلَيْنِ كَانَتْ خَمْسَةً، إلَّا أَنَّ الثَّلَاثَةَ تَخْتَصُّ بِكَرَاهَةِ أَمْرَيْنِ: دَفْنِ الْمَوْتَى، وَالصَّلَاةِ، وَالْوَقْتَانِ الْأَوَّلَانِ يَخْتَصَّانِ بِالنَّهْيِ عَنْ الثَّانِي مِنْهُمَا، وَقَدْ وَرَدَ تَعْلِيلُ النَّهْيِ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فِي حَدِيثِ " ابْنِ عَبَسَةَ " عِنْدَ مَنْ ذَكَرَ بِأَنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ طُلُوعِهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، فَيُصَلِّي لَهَا الْكُفَّارُ. وَبِأَنَّهُ عِنْدَ قِيَامِ قَائِمِ الظَّهِيرَةِ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، وَتُفْتَحُ أَبْوَابُهَا، وَبِأَنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ
стр. 161
١٥٢ - وَالْحُكْمُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. وَزَادَ " إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ "
قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَيُصَلِّي لَهَا الْكُفَّارُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " قَائِمُ الظَّهِيرَةِ " قِيَامُ الشَّمْسِ وَقْتَ الزَّوَالِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: مَنْ قَامَتْ بِهِ دَابَّتُهُ وَقَفَتْ، وَالشَّمْسُ إذَا بَلَغَتْ وَسَطَ السَّمَاءِ أَبْطَأَتْ حَرَكَةَ الظِّلِّ إلَى أَنْ تَزُولَ، فَيَتَخَيَّلُ النَّاظِرُ الْمُتَأَمِّلُ أَنَّهَا وَقَفَتْ وَهِيَ سَائِرَةٌ.
وَالنَّهْيُ عَنْ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ عَامٌّ بِلَفْظِهِ لِفَرْضِ الصَّلَاةِ وَنَفْلِهَا وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ كَمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّهُ أَصْلُهُ، وَكَذَا يَحْرُمُ قَبْرُ الْمَوْتَى فِيهَا، وَلَكِنْ فَرْضُ الصَّلَاةِ أَخْرَجَهُ حَدِيثُ: " مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاتِهِ " الْحَدِيثَ؛ وَفِيهِ " فَوَقْتُهَا حِينَ يَذْكُرُهَا " فَفِي أَيِّ وَقْتٍ ذَكَرَهَا أَوْ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ أَتَى بِهَا، وَكَذَا مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ طُلُوعِهَا، لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ: بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَيُخَصُّ النَّهْيُ بِالنَّوَافِلِ دُونَ الْفَرَائِضِ؛ وَقِيلَ: بَلْ يَعُمُّهُمَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا نَامَ فِي الْوَادِي عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ لَمْ يَأْتِ بِالصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، بَلْ أَخَّرَهَا إلَى أَنْ خَرَجَ الْوَقْتُ الْمَكْرُوهُ.
وَأُجِيبُ عَنْهُ أَوَّلًا: بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَيْقِظْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إلَّا حِينَ أَصَابَهُمْ حَرُّ الشَّمْسِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ، وَلَا يُوقِظُهُمْ حَرُّهَا إلَّا وَقَدْ ارْتَفَعَتْ وَزَالَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ.
وَثَانِيًا: بِأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ ﷺ وَجْهَ تَأْخِيرِ أَدَائِهَا عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ، بِأَنَّهُمْ فِي وَادٍ حَضَرَ فِيهِ الشَّيْطَانُ، فَخَرَجَ ﷺ عَنْهُ وَصَلَّى فِي غَيْرِهِ. وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَيْسَ التَّأْخِيرُ لِأَجْلِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ لَوْ سَلِمَ أَنَّهُمْ اسْتَيْقَظُوا وَلَمْ يَكُنْ قَدْ خَرَجَ الْوَقْتُ، فَتَحْصُلُ مِنْ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا تَحْرُمُ النَّوَافِلُ فِي الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُقْضَى النَّوَافِلُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، أَمَّا صَلَاةُ الْعَصْرِ فَلِمَا سَلَفَ مِنْ صَلَاتِهِ ﷺ قَاضِيًا لِنَافِلَةِ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ، إنْ لَمْ تَقُلْ: إنَّهُ خَاصٌّ بِهِ، وَأَمَّا صَلَاةُ الْفَجْرِ فَلِتَقْرِيرِهِ لِمَنْ صَلَّى نَافِلَةَ الْفَجْرِ بَعْدَ صَلَاتِهِ، وَأَنَّهَا تُصَلَّى الْفَرَائِضُ فِي أَيِّ الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ لِنَائِمٍ، وَنَاسٍ، وَمُؤَخِّرٍ عَمْدًا وَإِنْ كَانَ آثِمًا بِالتَّأْخِيرِ؛ وَالصَّلَاةُ أَدَاءٌ فِي الْكُلِّ، مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الْعَامِدِ فَهِيَ قَضَاءٌ فِي حَقِّهِ، وَيَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ وَقْتِ الزَّوَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ بِجَوَازِ النَّفْلِ فِيهِ الْحَدِيثُ الْآتِي؛ وَهُوَ قَوْلُهُ:
١٥٢ - وَالْحُكْمُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. وَزَادَ " إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ".
وَالْحُكْمُ الثَّانِي وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ وَقْتَ الزَّوَالِ، وَالْحُكْمُ الْأَوَّلُ النَّهْيُ عَنْهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ إلَّا أَنَّهُ تَسَامَحَ الْمُصَنِّفُ فِي تَسْمِيَتِهِ حُكْمًا، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي الثَّلَاثَةِ أَوْقَاتِ وَاحِدٌ، وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَإِنَّمَا هَذَا الثَّانِي أَحَدُ مَحِلَّاتِ الْحُكْمِ، لَا أَنَّهُ حُكْمٌ ثَانٍ.
وَفَسَّرَ
стр. 162
١٥٣ - وَكَذَا لِأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي قَتَادَةَ نَحْوُهُ
١٥٤ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.
الشَّارِحُ الْحُكْمَ الثَّانِي بِالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ، كَمَا أَفَادَهُ حَدِيثُ " أَبِي سَعِيدٍ "، وَحَدِيثُ عُقْبَةَ، لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ هُوَ النَّهْيُ عَنْ قَبْرِ الْأَمْوَاتِ، فَإِنَّهُ الثَّانِي فِي حَدِيثِ " عُقْبَةَ "، وَفِيهِ يَلْزَمُ أَنَّ زِيَادَةَ اسْتِثْنَاءِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ يَعُمُّ الثَّلَاثَةَ الْأَوْقَاتِ فِي عَدَمِ الْكَرَاهَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ اتِّفَاقًا.
إنَّمَا الْخِلَافُ فِي سَاعَةِ الزَّوَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ " الشَّافِعِيِّ " مِنْ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ وَزَادَ فِيهِ [إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ] وَالْحَدِيثُ الْمُشَارُ إلَيْهِ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ حَدِيثِ " عَطَاءِ بْنِ عَجْلَانَ "، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ»؛ وَقَالَ: إنَّمَا كَانَ ضَعِيفًا؛ لِأَنَّ فِيهِ " إبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى "، " وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ "، وَهُمَا ضَعِيفَانِ؛ وَلَكِنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ. (١٥٣) - وَكَذَا لِأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي قَتَادَةَ نَحْوُهُ.
وَكَذَا لِأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي قَتَادَةَ نَحْوُهُ وَلَفْظُهُ: «وَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ وَقَالَ: إنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ» قَالَ أَبُو دَاوُد: إنَّهُ مُرْسَلٌ؛ وَفِيهِ " لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ " وَهُوَ ضَعِيفٌ، إلَّا أَنَّهُ أَيَّدَهُ فِعْلُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِأَنَّهُ ﷺ حَثَّ عَلَى التَّبْكِيرِ إلَيْهَا، ثُمَّ رَغَّبَ فِي الصَّلَاةِ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ، مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ وَلَا اسْتِثْنَاءٍ، ثُمَّ أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَامَّةٌ لِكُلِّ مَحِلٍّ يُصَلِّي فِيهِ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ خَصَّهَا بِمَكَّةَ قَوْلُهُ:
وَعَنْ " جُبَيْرٍ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ فَرَاءٍ ابْنُ مُطْعِمٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ. هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيُّ النَّوْفَلِيُّ، كُنْيَتُهُ أَبُو أُمَيَّةَ "، أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَنَزَلَ الْمَدِينَةَ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ
стр. 163
١٥٥ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ»، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. وَغَيْرُهُ وَقَفَهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ.
أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَكَانَ " جُبَيْرٌ " عَالِمًا بِأَنْسَابِ قُرَيْشٍ، قِيلَ إنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ " أَبِي بَكْرٍ ". قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ؛ وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ " جُبَيْرٍ " أَيْضًا، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَهُ غَيْرُهُمْ.
وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَلَا الصَّلَاةُ فِيهِ فِي أَيِّ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَقَدْ عَارَضَ مَا سَلَفَ.
فَالْجُمْهُورُ عَمِلُوا بِأَحَادِيثِ النَّهْيِ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْكَرَاهَةِ؛ وَلِأَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ ثَابِتَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَهِيَ أَرْجَحُ مِنْ غَيْرِهَا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ إلَى الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالُوا: لِأَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ قَدْ دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ بِالْفَائِتَةِ، وَالنَّوْمِ عَنْهَا، وَالنَّافِلَةِ الَّتِي تُقْضَى، فَضَعَّفُوا جَانِبَ عُمُومِهَا، فَتُخَصَّصُ أَيْضًا بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَلَا تُكْرَهُ النَّافِلَةُ بِمَكَّةَ فِي أَيِّ سَاعَةٍ مِنْ السَّاعَاتِ، وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، بَلْ يَعُمُّ كُلَّ نَافِلَةٍ لِرِوَايَةِ ابْن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إنْ كَانَ لَكُمْ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ فَلَا أَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ يَمْنَعُ مَنْ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ». قَالَ فِي النَّجْمِ الْوَهَّاجِ: وَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ النَّفْلِ: يَعْنِي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ فَهَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوْ يَجُوزُ فِي جَمِيعِ بُيُوتِ حَرَمِ مَكَّةَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْحَرَمِ.
وَعَنْ " ابْنِ عُمَرَ " ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَغَيْرُهُ وَقَفَهُ عَلَى " ابْنِ عُمَرَ " وَتَمَامُ الْحَدِيثِ: «فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ» وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ " ابْنِ عُمَرَ " مَرْفُوعًا: «وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إلَى أَنْ تَذْهَبَ حُمْرَةُ الشَّفَقِ». وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيٍّ، وَعُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ.
قُلْت: الْبَحْثُ لُغَوِيٌّ، وَالْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى أَهْلِ اللُّغَةِ وَقُحِّ الْعَرَبِ، فَكَلَامُهُ حُجَّةٌ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الشَّفَقُ (مُحَرَّكَةً) الْحُمْرَةُ فِي الْأُفُقِ مِنْ الْغُرُوبِ إلَى الْعِشَاءِ، وَإِلَى قَرِيبِهَا، أَوْ إلَى قَرِيبِ الْعَتَمَةِ (اهـ).:
وَالشَّافِعِيُّ يَرَى أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ
стр. 164
١٥٦ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْفَجْرُ فَجْرَانِ: فَجْرٌ يُحَرِّمُ الطَّعَامَ وَتَحِلُّ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَفَجْرٌ تَحْرُمُ فِيهِ الصَّلَاةُ - أَيْ صَلَاةُ الصُّبْحِ - وَيَحِلُّ فِيهِ الطَّعَامُ» رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ
عَقِيبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِمَا يَتَّسِعُ لِخَمْسِ رَكَعَاتٍ، وَمُضِيِّ قَدْرِ الطَّهَارَةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَأَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ، لَا غَيْرُ، وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ «جِبْرِيلَ: أَنَّهُ صَلَّى بِهِ ﷺ الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمَيْنِ مَعًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ عَقِيبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ»؛ قَالَ: فَلَوْ كَانَ لِلْمَغْرِبِ وَقْتٌ مُمْتَدٌّ لَأَخَّرَهُ إلَيْهِ، كَمَا أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى مَصِيرِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي. وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ حَدِيثَ " جِبْرِيلَ " مُتَقَدِّمٌ فِي أَوَّلِ فَرْضِ الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ اتِّفَاقًا، وَأَحَادِيثُ أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ الشَّفَقُ مُتَأَخِّرَةٌ وَاقِعَةٌ فِي الْمَدِينَةِ، أَقْوَالًا وَأَفْعَالًا، فَالْحُكْمُ لَهَا، وَبِأَنَّهَا أَصَحُّ إسْنَادًا مِنْ حَدِيثِ تَوْقِيتِ " جِبْرِيلَ "، فَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عِنْدَ التَّعَارُضِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّهَا أَقْوَالٌ، وَخَبَرُ " جِبْرِيلَ " فِعْلٌ، فَغَيْرُ نَاهِضٍ، فَإِنَّ خَبَرَ " جِبْرِيلَ " فِعْلٌ وَقَوْلٌ، فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ ﷺ بَعْدَ أَنْ صَلَّى بِهِ الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةَ: «مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَقْتٌ لَك وَلِأُمَّتِك» نَعَمْ لَا بَيْنِيَّةَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ عَلَى صَلَاةِ " جِبْرِيلَ "، فَيَتِمُّ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ فَعَلَ بِالنَّظَرِ إلَى وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَالْأَقْوَالُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأَفْعَالِ عِنْدَ التَّعَارُضِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَمَّا هُنَا فَمَا ثَمَّ تَعَارُضٌ، إنَّمَا الْأَقْوَالُ أَفَادَتْ زِيَادَةً فِي الْوَقْتِ لِلْمَغْرِبِ مَنَّ اللَّهُ بِهَا.
قُلْت: لَا يَخْفَى أَنَّهُ كَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَوَّلِ بَابِ الْأَوْقَاتِ، عَقِبَ أَوَّلِ حَدِيثٍ فِيهِ، وَهُوَ حَدِيثُ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ " ﵁.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَقَوْلُهُ الْقَدِيمُ أَنَّ لَهَا وَقْتَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هَذَا، وَالثَّانِي: يَمْتَدُّ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ؛ وَصَحَّحَهُ أَئِمَّةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَالْخَطَّابِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ سَاقَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْأَدِلَّةَ عَلَى امْتِدَادِهِ إلَى الشَّفَقِ، فَإِذَا عُرِفَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِهِ جَزْمًا، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ، وَعَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى ثُبُوتِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ بَلْ أَحَادِيثُ.
وَعَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " ﵄ قَالَ: [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْفَجْرُ] أَيْ لُغَةً [فَجْرَانِ: فَجْرٌ يُحَرِّمُ الطَّعَامَ] يُرِيدُ عَلَى الصَّائِمِ [وَتَحِلُّ فِيهِ الصَّلَاةُ] أَيْ يَدْخُلُ وَقْتُ وُجُوبِ صَلَاةِ الْفَجْرِ [وَفَجْرٌ تَحْرُمُ فِيهِ الصَّلَاةُ] أَيْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَسَّرَهُ بِهَا، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهَا تَحْرُمُ فِيهِ مُطْلَقُ الصَّلَاةِ، وَالتَّفْسِيرُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْهُ ﷺ وَهُوَ الْأَصْلُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْ الرَّاوِي [وَيَحِلُّ
стр. 165
١٥٧ - وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ فِي الَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ؛ " إنَّهُ يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا فِي الْأُفُقِ "، وَفِي الْآخَرِ: " إنَّهُ كَذَنَبِ السِّرْحَانِ "
فِيهِ الطَّعَامُ] رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ. لَمَّا كَانَ الْفَجْرُ لُغَةً مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ، وَقَدْ أَطْلَقَ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِ الْأَوْقَاتِ: أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ الْفَجْرُ، بَيَّنَ ﷺ الْمُرَادَ بِهِ، وَأَنَّهُ الَّذِي لَهُ عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ وَاضِحَةٌ، وَهِيَ الَّتِي أَفَادَهُ قَوْلُهُ:
١٥٧ - وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ فِي الَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ؛ " إنَّهُ يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا فِي الْأُفُقِ "، وَفِي الْآخَرِ: " إنَّهُ كَذَنَبِ السِّرْحَانِ ".
وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ " جَابِرٍ " نَحْوُهُ نَحْوُ حَدِيثِ " ابْنِ عَبَّاسٍ "، وَلَفْظُهُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ: «الْفَجْرُ فَجْرَانِ: فَأَمَّا الْفَجْرُ الَّذِي يَكُونُ كَذَنَبِ السِّرْحَانِ فَلَا يَحِلُّ الصَّلَاةُ وَيَحِلُّ الطَّعَامُ؛ وَأَمَّا الَّذِي يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا فِي الْأُفُقِ فَإِنَّهُ يُحِلُّ الصَّلَاةَ وَيُحَرِّمُ الطَّعَامَ» وَقَدْ عَرَفْت مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ [وَزَادَ فِي الَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ أَنَّهُ يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا] أَيْ مُمْتَدًّا [فِي الْأُفُقِ] وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " أَنَّهُ ﷺ مَدّ يَدَهُ مِنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ " [وَفِي الْآخَرِ] وَهُوَ الَّذِي لَا تَحِلُّ فِيهِ الصَّلَاةُ وَلَا يَحْرُمُ فِيهِ الطَّعَامُ: أَيْ وَقَالَ فِي الْآخَرِ [إنَّهُ] فِي صِفَتِهِ [كَذَنَبِ السِّرْحَانِ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَهُوَ الذِّئْبُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا مُمْتَدًّا، بَلْ يَرْتَفِعُ فِي السَّمَاءِ كَالْعَمُودِ، وَبَيْنَهُمَا سَاعَةٌ، فَإِنَّهُ يَظْهَرُ الْأَوَّلُ وَبَعْدَ ظُهُورِهِ يَظْهَرُ الثَّانِي ظُهُورًا بَيِّنًا، فَهَذَا فِيهِ بَيَانُ وَقْتِ الْفَجْرِ، وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِهِ، وَآخِرُهُ مَا يَتَّسِعُ لِرَكْعَةٍ كَمَا عَرَفْت؛ وَلَمَّا كَانَ لِكُلِّ وَقْتٍ أَوَّلٌ وَآخِرٌ بَيَّنَ ﷺ الْأَفْضَلَ مِنْهُمَا فِي الْحَدِيثِ الْآتِي وَهُوَ:
وَعَنْ " ابْنِ مَسْعُودٍ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ؛ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ: «سَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ
стр. 166
١٥٨ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ. وَصَحَّحَاهُ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
لِوَقْتِهَا» وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظُ: أَوَّلِ.:
فَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا عَلَى كُلِّ عَمَلٍ مِنْ الْأَعْمَالِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ التَّعْرِيفِ لِلْأَعْمَالِ بِاللَّامِ، وَقَدْ عُورِضَ بِحَدِيثِ: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ إيمَانٌ بِاَللَّهِ» وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَعْمَالِ فِي حَدِيثِ " ابْنِ مَسْعُودٍ " مَا عَدَا الْإِيمَانَ، فَإِنَّهُ إنَّمَا سَأَلَ عَنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، فَمُرَادُهُ غَيْرُ الْإِيمَانِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْأَعْمَالُ هُنَا: أَيْ فِي حَدِيثِ " ابْنِ مَسْعُودٍ " مَحْمُولَةٌ عَلَى الْبَدَنِيَّةِ، فَلَا تَتَنَاوَلُ أَعْمَالَ الْقُلُوبُ، فَلَا تُعَارِضُ حَدِيثَ " أَبِي هُرَيْرَةَ ": «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ » وَلَكِنَّهَا قَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ أُخَرُ فِي أَنْوَاعٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ بِأَنَّهَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، فَهِيَ الَّتِي تُعَارِضُ حَدِيثَ الْبَابِ ظَاهِرًا.
وَقَدْ أُجِيبُ: بِأَنَّهُ: ﷺ أَخْبَرَ كُلَّ مُخَاطَبٍ بِمَا هُوَ أَلْيَقُ بِهِ، وَهُوَ بِهِ أَقْوَمُ، وَإِلَيْهِ أَرْغَبُ، وَنَفْعُهُ فِيهِ أَكْثَرُ، فَالشُّجَاعُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فِي حَقِّهِ الْجِهَادُ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ تَخَلِّيهِ لِلْعِبَادَةِ، وَالْغَنِيُّ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فِي حَقِّهِ الصَّدَقَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ: أَوْ أَنَّ كَلِمَةَ " مِنْ " مُقَدَّرَةٌ؛ وَالْمُرَادُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، أَوْ كَلِمَةِ أَفْضَلِ لَمْ يُرِدْ بِهَا الزِّيَادَةَ، بَلْ الْفَضْلَ الْمُطْلَقَ.
وَعُورِضَ تَفْضِيلُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا عَلَى مَا كَانَ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ، بِحَدِيثِ «الْعِشَاءِ، فَإِنَّهُ قَالَ ﷺ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتهَا» يَعْنِي إلَى النِّصْفِ، أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ، وَبِحَدِيثِ الْإِصْبَاحِ أَوْ الْإِسْفَارِ بِالْفَجْرِ، وَبِأَحَادِيثِ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ عَامٍّ وَخَاصٍّ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ ذِكْرَ أَوَّلِ وَقْتِهَا تَفَرَّدَ بِهِ " عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ " مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِ " شُعْبَةَ "، وَأَنَّهُمْ كُلُّهُمْ رَوَوْهُ بِلَفْظِ عَلَى وَقْتِهَا، مِنْ دُونِ ذِكْرِ أَوَّلِ، فَقَدْ أُجِيبُ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ بِأَنَّ تَفَرُّدَهُ لَا يَضُرُّ، فَإِنَّهُ شَيْخٌ صَدُوقٌ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ، ثُمَّ قَدْ صَحَّحَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَأَخْرَجَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَمِنْ حَيْثُ الدِّرَايَةُ أَنَّ رِوَايَةَ لَفْظِ " عَلَى وَقْتِهَا " تُفِيدُ مَعْنَى لَفْظِ " أَوَّلِ " لِأَنَّ كَلِمَةَ " عَلَى " تَقْتَضِي الِاسْتِعْلَاءَ عَلَى جَمِيعِ الْوَقْتِ، وَرِوَايَةَ " لِوَقْتِهَا " بِاللَّامِ تُفِيدُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ اسْتِقْبَالُ وَقْتِهَا، وَمَعْلُومٌ ضَرُورَةً شَرْعِيَّةً أَنَّهَا لَا تَصِحُّ قَبْلَ دُخُولِهِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ لِاسْتِقْبَالِكُمْ الْأَكْثَرُ مِنْ وَقْتِهَا، وَذَلِكَ بِالْإِتْيَانِ بِهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ وَلِأَنَّهُ ﷺ كَانَ دَأْبُهُ دَائِمًا الْإِتْيَانَ بِالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَلَا يَفْعَلُ إلَّا الْأَفْضَلَ، إلَّا لِمَا ذَكَرْنَاهُ كَالْإِسْفَارِ وَنَحْوِهِ كَالْعِشَاءِ، وَلِحَدِيثِ " عَلِيٍّ " عِنْدَ أَبِي دَاوُد: «ثَلَاثٌ لَا تُؤَخَّرُ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهَا الصَّلَاةَ إذَا حَضَرَ وَقْتُهَا» وَالْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ الْأَفْضَلُ، وَإِلَّا فَإِنَّ تَأْخِيرَهَا بَعْدَ حُضُورِ وَقْتِهَا جَائِزً، وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا قَوْلُهُ:
стр. 167
١٥٩ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَأَوْسَطُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ، وَآخِرُهُ عَفْوُ اللَّهِ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا
١٦٠ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ، دُونَ الْأَوْسَطِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا.
وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدِ الْوَاوِ رَاءٌ؛ وَاخْتَلَفُوا فِي اسْمِهِ عَلَى أَقْوَالٍ أَصَحُّهَا أَنَّهُ " سَمُرَةُ بْنُ مِعْيَنٍ "، بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ؛ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّهُ اتَّفَقَ الْعَالِمُونَ بِطَرِيقِ أَنْسَابِ قُرَيْشٍ أَنَّ اسْمَ أَبِي مَحْذُورَةَ أَوْسٌ "، وَأَبُو مَحْذُورَةَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ ، أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ إلَى أَنْ مَاتَ يُؤَذِّنُ بِهَا لِلصَّلَاةِ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ.
[أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَوَّلُ الْوَقْتِ] أَيْ لِلصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ [رِضْوَانُ اللَّهِ] أَيْ يَحْصُلُ بِأَدَائِهَا فِيهِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ فَاعِلِهَا [وَأَوْسَطُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ] أَيْ يَحْصُلُ لِفَاعِلِ الصَّلَاةِ فِيهِ رَحْمَتُهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ رُتْبَةَ الرِّضْوَانِ أَبْلَغُ [وَآخِرُهُ عَفْوُ اللَّهِ] وَلَا عَفْوَ إلَّا عَنْ ذَنْبٍ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ " يَعْقُوبَ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَدَنِيِّ "، قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ مِنْ الْكَذَّابِينَ الْكِبَارِ، وَكَذَّبَهُ ابْنُ مِعْيَنٍ، وَتَرَكَهُ النَّسَائِيّ، وَنَسَبَهُ ابْنُ حِبَّانَ إلَى الْوَضْعِ، كَذَا فِي حَوَاشِي الْقَاضِي. وَفِي الشَّرْحِ أَنَّ فِي إسْنَادِهِ " إبْرَاهِيمُ بْنُ زَكَرِيَّا الْبَجَلِيُّ " وَهُوَ مُتَّهَمٌ، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: (جِدًّا) مُؤَكِّدًا لِضَعْفِهِ
، وَقَدَّمْنَا إعْرَابَ جِدًّا؛ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ.
١٦٠ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ، دُونَ الْأَوْسَطِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا.
وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ ذَكَرَ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَآخِرَهُ دُونَ الْأَوْسَطِ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِيهِ " يَعْقُوبَ بْنَ الْوَلِيدِ " أَيْضًا، وَفِيهِ مَا سَمِعْت، وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا يَصِحُّ شَاهِدًا؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ وَالْمَشْهُودَ لَهُ فِيهِمَا مَنْ قَالَ الْأَئِمَّةُ فِيهِ: إنَّهُ كَذَّابٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ شَاهِدًا وَمَشْهُودًا لَهُ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، وَفِيهِ عَنْ " عَلِيٍّ " ﵇ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إسْنَادُهُ فِيمَا أَظُنُّ أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ مَعَ أَنَّهُ مَعْلُولٌ، فَإِنَّ الْمَحْفُوظَ رِوَايَتُهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، مَوْقُوفًا. قَالَ الْحَاكِمُ: لَا أَعْرِفُ فِيهِ حَدِيثًا يَصِحُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَةُ فِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ مَوْقُوفًا. قُلْت: إذَا صَحَّ
стр. 168
١٦١ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا سَجْدَتَيْنِ» أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوع الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ»
١٦٢ - (١٦٢) - وَمِثْلُهُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁.
هَذَا الْمَوْقُوفُ فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي الْفَضَائِلِ بِالرَّأْيِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ.
وَلَكِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ فَالْمُحَافَظَةُ مِنْهُ ﷺ عَلَى الصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ، دَالَّةٌ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الشَّوَاهِدِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا.
وَعَنْ " ابْنِ عُمَرَ " ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا سَجْدَتَيْنِ» أَيْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ كَمَا يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ؛ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ؛ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ النَّافِلَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَبْلَ صَلَاتِهِ إلَّا سُنَّةَ الْفَجْرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ نَفْيًا فَهُوَ فِي مَعْنَى النَّهْيِ، وَأَصْلُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى كَرَاهَةِ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: دَعْوَى التِّرْمِذِيِّ الْإِجْمَاعَ عَجِيبٌ، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهِ مَشْهُورٌ، حَكَاهُ " ابْنُ الْمُنْذِرِ " وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِهَا، وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى: أَنْ يَفْعَلَ مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فِي اللَّيْلِ. وَالْمُرَادُ بِبَعْدِ الْفَجْرِ، بَعْدَ طُلُوعِهِ، كَمَا دَلَّ لَهُ قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَيْ عَنْ " ابْنِ عُمَرَ ": «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» وَكَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ.
١٦٢ - وَمِثْلُهُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁.
فَإِنَّهُمَا فَسَّرَا الْمُرَادَ بِبَعْدِ الْفَجْرِ: وَهَذَا وَقْتٌ سَادِسٌ مِنْ الْأَوْقَاتِ الَّتِي نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَقَدْ عُرِفَتْ الْخَمْسَةُ الْأَوْقَاتِ مِمَّا مَضَى؛ إلَّا أَنَّهُ قَدْ عَارَضَ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، الَّذِي هُوَ أَحَدُ السِّتَّةِ الْأَوْقَاتِ.
стр. 169
١٦٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتِي، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. فَسَأَلْته، فَقَالَ: شُغِلْت عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَصَلَّيْتهمَا الْآنَ، فَقُلْت: أَفَنَقْضِيهِمَا إذَا فَاتَتَا؟ قَالَ: لَا» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ
١٦٤ - وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - بِمَعْنَاهُ).
وَعَنْ " أُمِّ سَلَمَةَ " ﵂ قَالَتْ: [صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ بَيْتِي فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَسَأَلْته] فِي سُؤَالِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَلِّهِمَا قَبْلَ ذَلِكَ عِنْدَهَا، أَوْ أَنَّهَا قَدْ كَانَتْ عَلِمْت بِالنَّهْيِ، فَاسْتَنْكَرْت مُخَالَفَةَ الْفِعْلِ لَهُ [فَقَالَ: شُغِلْت عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ] قَدْ بَيَّنَ الشَّاغِلَ لَهُ ﷺ " أَنَّهُ أَتَاهُ نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ " وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: «أَنَّهُ ﷺ أَتَاهُ مَالٌ فَشَغَلَهُ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ» [فَصَلَّيْتهمَا الْآنَ] أَيْ قَضَاءً عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ فَهِمَتْ " أُمُّ سَلَمَةَ " أَنَّهُمَا قَضَاءٌ، فَلِهَذَا قَالَتْ: [قُلْت: أَنَقْضِيهِمَا إذَا فَاتَتَا؟] أَيْ كَمَا قَضَيْتهمَا فِي هَذَا الْوَقْتِ [قَالَ: لَا] أَيْ لَا تَقْضُوهُمَا فِي هَذَا الْوَقْتِ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ، وَإِنْ كَانَ النَّفْيُ غَيْرَ مُقَيَّدٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ؛ إلَّا أَنَّهُ سَكَتَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَقَالَ بَعْدَ سِيَاقِهِ لَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي: إنَّهَا رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ لَا نَقُومُ بِهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَالِكَ وَجْهَ ضَعْفِهَا، وَمَا كَانَ يَحْسُنُ مِنْهُ أَنْ يَسْكُتَ هُنَا عَمَّا قِيلَ فِيهِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ أَنَّ الْقَضَاءَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا حَدِيثُ عَائِشَةَ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ وَيَنْهَى عَنْهَا، وَيُوَاصِلُ وَيَنْهَى عَنْ الْوِصَالِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَلَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ ﷺ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، لَا أَصْلُ الْقَضَاءِ (اهـ).
وَلَا يَخْفَى أَنَّ حَدِيثَ " أُمِّ سَلَمَةَ " الْمَذْكُورَ يَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ خَاصٌّ بِهِ أَيْضًا وَهَذَا الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ:
١٦٤ - وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - بِمَعْنَاهُ). وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ " عَائِشَةَ " ﵂ بِمَعْنَاهُ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ.
стр. 170
باب الأذان
١٦٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: «طَافَ بِي - وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَذَكَرَ الْأَذَانَ - بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ بِغَيْرِ تَرْجِيعٍ، وَالْإِقَامَةَ فُرَادَى، إلَّا قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ - قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ» - الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ
الْأَذَانُ لُغَةً: الْإِعْلَامُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وَشَرْعًا: الْإِعْلَامُ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ.
وَكَانَ فَرْضُهُ بِالْمَدِينَةِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَةِ، وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شَرْعٌ بِمَكَّةَ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
١٦٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: «طَافَ بِي - وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَذَكَرَ الْأَذَانَ - بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ بِغَيْرِ تَرْجِيعٍ، وَالْإِقَامَةَ فُرَادَى، إلَّا قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ - قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ» - الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ. عَنْ " عَبْدِ اللَّهِ بْن زَيْدٍ هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، شَهِدَ " عَبْدُ اللَّهِ " الْعَقَبَةَ، " وَبَدْرًا، وَالْمَشَاهِدَ بَعْدَهَا، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ.
[قَالَ: طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ].:
، وَهُوَ مَا فِي الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ: «لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ ذَكَرُوا أَنْ يُعَلِّمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ يَجْمَعُهُمْ لَهَا، فَقَالُوا: لَوْ اتَّخَذْنَا نَاقُوسًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ذَلِكَ لِلنَّصَارَى، فَقَالُوا: لَوْ اتَّخَذْنَا بُوقًا؟ قَالَ: ذَلِكَ لِلْيَهُودِ، فَقَالُوا: لَوْ رَفَعْنَا نَارًا؟ قَالَ: ذَلِكَ لِلْمَجُوسِ، فَافْتَرَقُوا، فَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، فَجَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: طَافَ بِي» الْحَدِيثَ؛ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «فَطَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ فَقُلْت: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلْت: نَدْعُو بِهِ إلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّك عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ قُلْت: بَلَى فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فَذَكَرَ الْأَذَانَ» أَيْ إلَى آخِرِهِ [بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ] تَكْرِيرِهِ أَرْبَعًا، وَيَأْتِي مَا عَاضَدَهُ وَمَا عَارَضَهُ [بِغَيْرِ تَرْجِيعٍ أَيْ فِي الشَّهَادَتَيْنِ؛ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: هُوَ الْعَوْدُ إلَى الشَّهَادَتَيْنِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بَعْدَ قَوْلِهِمَا مَرَّتَيْنِ بِخَفْضِ الصَّوْتِ، وَيَأْتِي قَرِيبًا [وَالْإِقَامَةَ فُرَادَى] لَا تَكْرِيرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَلْفَاظِهَا [إلَّا قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ] فَإِنَّهَا تُكَرَّرُ [قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْت أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ] الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ.
الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ لِلصَّلَاةِ، دُعَاءً لِلْغَائِبَيْنِ لِيَحْضُرُوا إلَيْهَا وَلِذَا اهْتَمَّ ﷺ فِي النَّظَرِ فِي أَمْرٍ يَجْمَعُهُمْ لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ
стр. 171
١٦٦ - وَزَادَ أَحْمَدُ فِي آخِرِهِ قِصَّةَ قَوْلِ بِلَالٍ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ»
إعْلَامٌ بِدُخُولِ وَقْتِهَا أَيْضًا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ شِعَارِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ مَحَاسِنِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ، وَأَمَّا وُجُوبُهُ فَالْأَدِلَّةُ فِيهِ مُحْتَمَلَةٌ وَتَأْتِي، وَكَمِّيَّةُ أَلْفَاظِهِ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا.
وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي أَوَّلِهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ؛ وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ، فَوَرَدَتْ بِالتَّثْنِيَةِ فِي حَدِيثِ " أَبِي مَحْذُورَةَ " فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالتَّرْجِيعِ أَيْضًا، فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى الْعَمَلِ بِالتَّرْجِيعِ لِشُهْرَةِ رِوَايَتِهِ، وَلِأَنَّهَا زِيَادَةُ عَدْلٍ فَهِيَ مَقْبُولَةٌ: وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ التَّرْجِيعِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَمَنْ قَالَ إنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ عَمِلَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَمَنْ قَالَ إنَّهُ مَشْرُوعٌ عَمِلَ بِحَدِيثِ " أَبِي مَحْذُورَةَ " وَسَيَأْتِي: وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِقَامَةَ تُفْرَدُ أَلْفَاظُهَا إلَّا لَفْظَ الْإِقَامَةِ فَإِنَّهُ يُكَرِّرُهَا، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُفْرَدُ التَّكْبِيرُ فِي أَوَّلِهَا، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهَا يُكَرَّرُ مَرَّتَيْنِ، قَالَ: وَلَكِنَّهُ بِالنَّظَرِ إلَى تَكْرِيرِهِ فِي الْأَذَانِ أَرْبَعًا، كَأَنَّهُ غَيْرُ مُكَرَّرٍ فِيهَا، وَكَذَلِكَ يُكَرَّرُ فِي آخِرِهَا، وَيُكَرَّرُ لَفْظُ الْإِقَامَةِ، وَتُفْرَدُ بَقِيَّةُ الْأَلْفَاظِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ «أَمْرِ بِلَالٍ: أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» وَسَيَأْتِي. وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: الْأَذَانُ فِي كُلِّ كَلِمَاتِهِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالْإِقَامَةُ أَلْفَاظُهَا مُفْرَدَةٌ، إلَّا: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ وَقَدْ أَجَابَ أَهْلُ التَّرْبِيعِ بِأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ صَحِيحَةٌ، دَالَّةٌ عَلَى مَا ذُكِرَ، لَكِنْ رِوَايَةُ التَّرْبِيعِ قَدْ صَحَّتْ بِلَا مِرْيَةٍ، وَهِيَ زِيَادَةٌ مِنْ عَدْلٍ مَقْبُولَةٌ، فَالْقَائِلُ بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ أَوَّلَ الْأَذَانِ قَدْ عَمِلَ بِالْحَدِيثَيْنِ، وَيَأْتِي أَنَّ رِوَايَةَ " يَشْفَعُ الْأَذَانَ " لَا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّرْبِيعِ لِلتَّكْبِيرِ.
هَذَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ لَفْظَ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ فِي آخِرِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ مُفْرَدَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الْحُكْمِ بِالْأَمْرِ بِشَفْعِ الْأَذَانِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْحِكْمَةُ فِي تَكْرِيرِ الْأَذَانِ وَإِفْرَادِ أَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ هِيَ: أَنَّ الْأَذَانَ لِإِعْلَامِ الْغَائِبِينَ، فَاحْتِيجَ إلَى التَّكْرِيرِ، وَلِذَا يُشْرَعُ فِيهِ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى مَحِلٍّ مُرْتَفِعٍ، بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ، فَإِنَّهَا لِإِعْلَامِ الْحَاضِرِينَ، فَلَا حَاجَةَ إلَى تَكْرِيرِ أَلْفَاظِهَا، وَلِذَا شُرِعَ فِيهَا خَفْضُ الصَّوْتِ، وَالْحَدْرُ، وَإِنَّمَا كُرِّرَتْ جُمْلَةُ: " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ "؛ لِأَنَّهَا مَقْصُودُ الْإِقَامَةِ وَزَادَ أَحْمَدُ فِي آخِرِهِ ظَاهِرُهُ فِي حَدِيثِ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ".
١٦٦ - وَزَادَ أَحْمَدُ فِي آخِرِهِ قِصَّةَ قَوْلِ بِلَالٍ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ».
قِصَّةُ قَوْلِ بِلَالٍ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ» رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ بِلَالٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا
стр. 172
١٦٧ - وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «مِنْ السُّنَّةِ إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْفَجْرِ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ»
تُثَوِّبَنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ» إلَّا أَنَّ فِيهِ ضَعْفًا، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ أَيْضًا؛ وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ عَلَى عَادَتِهِ، وَيُقَالُ التَّثْوِيبُ مَرَّتَيْنِ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، وَلَيْسَ: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ» فِي حَدِيثِ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ " كَمَا رُبَّمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ، حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِهِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنَّ أَحْمَدَ سَاقَ رِوَايَةَ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ " ثُمَّ وَصَلَ بِهَا رِوَايَةَ " بِلَالٍ ".
١٦٧ - وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «مِنْ السُّنَّةِ إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْفَجْرِ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ». وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ " أَنَسٍ " ﵁ قَالَ: [مِنْ السُّنَّةِ أَيْ طَرِيقَةِ النَّبِيِّ ﷺ [إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْفَجْرِ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ] الْفَلَاحُ هُوَ الْفَوْزُ وَالْبَقَاءُ؛ أَيْ هَلُمُّوا إلَى سَبَبِ ذَلِكَ قَالَ: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ» وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ فِي الْأَذَانِ الْأَوَّلِ مِنْ الصُّبْحِ» وَفِي هَذَا تَقْيِيدٌ لِمَا أَطْلَقَتْهُ الرِّوَايَاتِ. قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ؛ وَصَحَّحَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ابْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: فَشَرْعِيَّةُ التَّثْوِيبِ إنَّمَا هِيَ فِي الْأَذَانِ الْأَوَّلِ لِلْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ لِإِيقَاظِ النَّائِمِ، وَأَمَّا الْأَذَانُ الثَّانِي فَإِنَّهُ إعْلَامٌ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَدُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ.
وَلَفْظُ النَّسَائِيّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى مِنْ جِهَةِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ قَالَ: «كُنْت أُؤَذِّنُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكُنْت أَقُولُ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ الْأَوَّلِ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؛ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ» قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ (اهـ)؛ مِنْ تَخْرِيجِ الزَّرْكَشِيّ لِأَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ الْكُبْرَى مِنْ حَدِيثِ «أَبِي مَحْذُورَةَ: أَنَّهُ كَانَ يُثَوِّبُ فِي الْأَذَانِ الْأَوَّلِ مِنْ الصُّبْحِ بِأَمْرِهِ ﷺ ». قُلْت: وَعَلَى هَذَا لَيْسَ: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ» مِنْ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ الْمَشْرُوعِ لِلدُّعَاءِ إلَى الصَّلَاةِ، وَالْإِخْبَارِ بِدُخُولِ وَقْتِهَا، بَلْ هُوَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي شُرِعَتْ لِإِيقَاظِ النَّائِمِ، فَهُوَ كَأَلْفَاظِ التَّسْبِيحِ الْأَخِيرِ الَّذِي اعْتَادَهُ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ عِوَضًا عَنْ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ؛ وَإِذَا عَرَفْت هَذَا هَانَ عَلَيْك مَا اعْتَادَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ الْجِدَالِ فِي التَّثْوِيبِ، هَلْ هُوَ مِنْ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ أَوْ لَا؟ ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ مَعْنَاهُ: الْيَقَظَةُ لِلصَّلَاةِ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ؛ أَيْ مِنْ الرَّاحَةِ الَّتِي يَعْتَاضُونَهَا فِي الْآجِلِ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، وَلَنَا كَلَامٌ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ أَوْدَعْنَاهُ رِسَالَةً لَطِيفَةً
стр. 173
١٦٨ - «وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الْأَذَانَ، فَذَكَرَ فِيهِ التَّرْجِيعَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَلَكِنْ ذَكَرَ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ فَذَكَرُوهُ مُرَبَّعًا
وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَبَيَانُ حَالِهِ [أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الْأَذَانَ] أَيْ أَلْقَاهُ بِنَفْسِهِ فِي قِصَّةٍ حَاصِلُهَا: أَنَّهُ «خَرَجَ أَبُو مَحْذُورَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ إلَى حُنَيْنٍ هُوَ وَتِسْعَةٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْأَذَانَ أَذَّنُوا اسْتِهْزَاءً بِالْمُؤْمِنِينَ؛ فَقَالَ ﷺ : قَدْ سَمِعْت فِي هَؤُلَاءِ تَأْذِينَ إنْسَانٍ حَسَنِ الصَّوْتِ، فَأَرْسَلَ إلَيْنَا فَأَذَّنَّا رَجُلًا رَجُلًا، وَكُنْت آخِرَهُمْ؛ فَقَالَ حِينَ أَذَّنْت: تَعَالَ، فَأَجْلَسَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِي، وَبَرَّكَ عَلَيَّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَأَذِّنْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلِّمْنِي» الْحَدِيثَ.
[فَذَكَرَ فِيهِ التَّرْجِيعَ] أَيْ فِي الشَّهَادَتَيْنِ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُد " ثُمَّ تَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَك " قِيلَ الْمُرَادُ أَنْ يُسْمِعَ مَنْ يَقْرُبُهُ؛ قِيلَ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِمَا أَوَّلًا بِتَدَبُّرٍ وَإِخْلَاصٍ، وَلَا يَتَأَتَّى كَمَالُ ذَلِكَ إلَّا مَعَ خَفْضِ الصَّوْتِ، قَالَ: " ثُمَّ تَرْفَعُ صَوْتَك بِالشَّهَادَةِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَد أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ". فَهَذَا هُوَ التَّرْجِيعُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، إلَّا أَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ زِيَادَةٌ عَلَى حَدِيثِ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ "، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ.
وَإِلَى عَدَمِ الْقَوْلِ بِهِ ذَهَبَ الْهَادِي؛ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَآخَرُونَ، عَمَلًا مِنْهُمْ بِحَدِيثِ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ " الَّذِي تَقَدَّمَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ؛ وَلَكِنْ ذَكَرَ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ لَا كَمَا ذَكَرَهُ " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ " آنِفًا، وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ عَمِلَتْ الْهَادَوِيَّةُ، وَمَالِكٌ، وَغَيْرُهُمْ [وَرَوَاهُ] أَيْ حَدِيثَ أَبِي مَحْذُورَةَ هَذَا الْخَمْسَةُ هُمْ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَحْمَدُ فَذَكَرُوهُ أَيْ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ [مُرَبَّعًا] كَرِوَايَاتِ حَدِيثِ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ".
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ: التَّكْبِيرُ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ مَحْفُوظٌ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ، مِنْ حَدِيثِ " أَبِي مَحْذُورَةَ "، وَمِنْ حَدِيثِ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ "، وَهِيَ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا وَاعْلَمْ أَنَّ " ابْنَ تَيْمِيَّةَ " فِي الْمُنْتَقَى نَسَبَ التَّرْبِيعَ فِي حَدِيثِ " أَبِي مَحْذُورَةَ " إلَى رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَنْسِبْهُ إلَيْهِ، بَلْ نَسَبَهُ إلَى رِوَايَةِ الْخَمْسَةِ، فَرَاجَعْت، صَحِيحَ مُسْلِمٍ وَشَرْحَهُ فَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّ أَكْثَرَ أُصُولِهِ فِيهَا التَّكْبِيرُ مَرَّتَيْنِ فِي أَوَّلِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ
стр. 174
١٦٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «أُمِرَ بِلَالٌ: أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ شَفْعًا، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ إلَّا الْإِقَامَةَ، يَعْنِي: إلَّا قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ الِاسْتِثْنَاءَ.
١٧٠ - وَلِلنَّسَائِيِّ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا.
الْفَارِسِيِّ لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ ذَكَرَ التَّكْبِيرَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَوَّلِهِ، وَبِهِ تَعْرِفُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ اعْتَبَرَ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ " اعْتَمَدَ بَعْضَ طُرُقِهِ، فَلَا يُتَوَهَّمُ الْمُنَافَاةُ بَيْنَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَابْنِ تَيْمِيَّةَ ".
وَعَنْ " أَنَسٍ " ﵁[قَالَ: أُمِرَ] بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ، بُنِيَ كَذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِالْفَاعِلِ، فَإِنَّهُ لَا يَأْمُرُ فِي الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ إلَّا النَّبِيُّ ﷺ ، وَيَدُلُّ لَهُ الْحَدِيثُ الْآتِي قَرِيبًا [بِلَالٌ] نَائِبُ الْفَاعِلِ [أَنْ يَشْفَعَ] بِفَتْحِ أَوَّلِهِ [الْأَذَانَ] يَأْتِي بِكَلِمَاتِهِ شَفْعًا [أَيْ مَثْنَى مَثْنَى، أَوْ أَرْبَعًا أَرْبَعًا] فَالْكُلُّ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَفْعٌ، وَهَذَا إجْمَالٌ بَيَّنَهُ حَدِيثُ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ "، وَ " أَبِي مَحْذُورَةَ "، فَشَفْعُ التَّكْبِيرِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا، وَشَفْعُ غَيْرِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَهَذَا بِالنَّظَرِ إلَى الْأَكْثَرِ، وَإِلَّا فَإِنَّ كَلِمَةَ التَّهْلِيلِ فِي آخِرِهِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ اتِّفَاقًا.
[وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ] يُفْرِدُ أَلْفَاظَهَا [إلَّا الْإِقَامَةَ] بَيَّنَ الْمُرَادَ بِهَا بِقَوْلِهِ [يَعْنِي: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ] فَإِنَّهُ يُشْرَعُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَرَّتَيْنِ، وَلَا يُوتِرَهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ الِاسْتِثْنَاءَ أَعْنِي قَوْلَهُ: إلَّا الْإِقَامَةَ. فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: لِلْهَادَوِيَّةِ فَقَالُوا تُشْرَعُ تَثْنِيَةُ أَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ كُلِّهَا لِحَدِيثِ: «إنَّ بِلَالًا كَانَ يُثَنِّي الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ» رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالطَّحَاوِيُّ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ ادَّعَى فِيهِ الْحَاكِمُ الِانْقِطَاعَ، وَلَهُ طُرُقٌ فِيهَا ضَعْفٌ؛ وَبِالْجُمْلَةِ لَا تُعَارِضُ رِوَايَةُ التَّرْبِيعِ فِي التَّكْبِيرِ رِوَايَةَ الْإِفْرَادِ فِي الْإِقَامَةِ لِصِحَّتِهَا؛ فَلَا يُقَالُ إنَّ التَّثْنِيَةَ فِي أَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ زِيَادَةُ عَدْلٍ، فَيَجِبُ قَبُولُهَا؛ لِأَنَّك قَدْ عَرَفْت أَنَّهَا لَمْ تَصِحَّ. لِمَالِكٍ، فَقَالَ: تُفْرَدُ أَلْفَاظُ الْإِقَامَةِ، حَتَّى قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ. لِلْجُمْهُورِ أَنَّهَا تُفْرَدُ أَلْفَاظُهَا إلَّا: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، فَتُكَرَّرُ، عَمَلًا بِالْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ بِذَلِكَ.
١٧٠ - وَلِلنَّسَائِيِّ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا.
وَلِلنَّسَائِيِّ أَيْ عَنْ " أَنَسٍ " [أَمَرَ] بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ [النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا] وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ لِيُفِيدَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَرْفُوعٌ، وَإِنْ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إسْنَادُ تَثْنِيَةِ الْأَذَانِ وَإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ أَصَحُّهَا: أَيْ الرِّوَايَاتِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ،
стр. 175
١٧١ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «رَأَيْت بِلَالًا يُؤَذِّنُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ، هَهُنَا وَهَهُنَا، وَإِصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ - وَلِابْنِ مَاجَهْ: وَجَعَلَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ - وَلِأَبِي دَاوُد: «لَوَى عُنُقَهُ، لَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَمْ يَسْتَدِرْ» وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَجَرَى الْعَمَلُ بِهِ فِي الْحَرَمَيْنِ، وَالْحِجَازِ، وَالشَّامِ، وَالْيَمَنِ، وَدِيَارِ مِصْرَ، وَنَوَاحِي الْغَرْبِ، إلَى أَقْصَى حِجْرٍ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ عَدَّ مَنْ قَالَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ.
قُلْت: وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْيَمَنِ مَنْ كَانَ فِيهَا شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ، وَإِلَّا فَقَدْ عَرَفْت مَذْهَبَ الْهَادَوِيَّةِ، وَهُمْ سُكَّانُ غَالِبِ الْيَمَنِ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ - وَقَدْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي أَلْفَاظِ الْأَذَانِ هَلْ هُوَ مَثْنَى أَوْ أَرْبَعٌ؟ أَيْ التَّكْبِيرُ فِي أَوَّلِهِ، وَهَلْ فِيهِ تَرْجِيعُ الشَّهَادَتَيْنِ أَوْ لَا؟ وَالْخِلَافُ فِي الْإِقَامَةِ - مَا لَفْظُهُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ غَرَائِبِ الْوَاقِعَاتِ، يَقِلُّ نَظِيرُهَا فِي الشَّرِيعَةِ، بَلْ وَفِي الْعَادَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ قَلِيلَةٌ مَحْصُورَةٌ مُعَيَّنَةٌ، يُصَاحُ بِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فِي أَعْلَى مَكَان، وَقَدْ أُمِرَ كُلُّ سَامِعٍ أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ لَمْ يُذْكَرْ خَوْضُ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ وَاخْتِلَافُهُمْ فِيهَا، وَهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْفَضَائِلِ، ثُمَّ جَاءَ الْخِلَافُ الشَّدِيدُ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ، ثُمَّ كُلٌّ مِنْ الْمُتَفَرِّقِينَ أَدْلَى بِشَيْءٍ صَالِحٍ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ تَفَاوَتَ، وَلَيْسَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ تَنَافٍ، لِعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ سُنَّةً كَمَا نَقُولُهُ، وَقَدْ قِيلَ فِي أَمْثَالِهِ كَأَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ، وَصُورَةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ.
وَعَنْ " أَبِي جُحَيْفَةَ "، بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَفَاءٍ، هُوَ " وَهْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَقِيلَ ابْنُ مُسْلِمٍ السُّوَائِيُّ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَهَمْزَةٍ بَعْدَ الْأَلِفِ الْعَامِرِيُّ. تَرَكَ الْكُوفَةَ، وَكَانَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ، وَلَكِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ؛ جَعَلَهُ " عَلِيٌّ " عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَشَهِدَ مَعَهُ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، تُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ.
[قَالَ: رَأَيْت بِلَالًا يُؤَذِّنُ وَأَتَتَبَّعُ فَاهُ] أَيْ أَنْظُرُ إلَى فِيهِ مُتَتَبِّعًا [هَاهُنَا] أَيْ يَمْنَةً [وَهَاهُنَا] أَيْ يَسْرَةً [وَإِصْبَعَاهُ] أَيْ إبْهَامُهُمَا، وَلَمْ يَرِدْ تَعْيِينُ الْإِصْبَعَيْنِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُمَا الْمُسَبِّحَتَانِ
стр. 176
١٧٢ - وَعَنْ «أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْجَبَهُ صَوْتُهُ، فَعَلَّمَهُ الْأَذَانَ». رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
١٧٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِيدَيْنِ، غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فِي أُذُنَيْهِ] رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ؛ وَلِابْنِ مَاجَهْ أَيْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ أَيْضًا: [وَجَعَلَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ] وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا: [لَوَى عُنُقَهُ لَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ يَمِينًا وَشِمَالًا] هُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: هَاهُنَا؛ هَاهُنَا [وَلَمْ يَسْتَدِرْ] بِجُمْلَةِ بَدَنِهِ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
الْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى آدَابِ الْمُؤَذِّنِ، وَهِيَ الِالْتِفَاتُ إلَى جِهَةِ الْيَمِينِ، وَإِلَى جِهَةِ الشِّمَالِ، وَقَدْ بَيَّنَ مَحِلَّ ذَلِكَ لَفْظُ أَبِي دَاوُد حَيْثُ قَالَ: " لَوَى عُنُقَهُ لَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " وَأَصْرَحُ مِنْهُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: «فَجَعَلْت أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا يَمِينًا وَشِمَالًا يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ» فَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الِالْتِفَاتَ عِنْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِقَوْلِهِ: " انْحِرَافُ الْمُؤَذِّنِ عِنْدَ قَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ بِفَمِهِ لَا بِبَدَنِهِ كُلِّهِ " قَالَ: " وَإِنَّمَا يُمْكِنُ الِانْحِرَافُ بِالْفَمِ بِانْحِرَافِ الْوَجْهِ، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ.
" فَجَعَلَ يَقُولُ فِي أَذَانِهِ هَكَذَا، وَحَرَفَ رَأْسَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا " وَأَمَّا رِوَايَةُ: «أَنَّ بِلَالًا اسْتَدَارَ فِي أَذَانِهِ» فَلَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ» رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ؛ وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: لَا يَدُورُ إلَّا إذَا كَانَ عَلَى مَنَارَةٍ، قَصْدًا لِإِسْمَاعِ أَهْلِ الْجِهَتَيْنِ.
وَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ فَائِدَةَ الْتِفَاتِهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِهِ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ عَلَامَةٌ لِلْمُؤَذِّنِ، لِيَعْرِفَ مَنْ يَرَاهُ عَلَى بُعْدٍ، أَوْ مَنْ كَانَ بِهِ صَمَمٌ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ، وَهَذَا فِي الْأَذَانِ.
وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّهُ اسْتَحْسَنَهُ الْأَوْزَاعِيُّ.
وَعَنْ «أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْجَبَهُ صَوْتُهُ فَعَلَّمَهُ الْأَذَانَ» رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَصَحَّحَهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْقِصَّةَ، وَاسْتِحْسَانَهُ ﷺ لِصَوْتِهِ، وَأَمْرَهُ لَهُ بِالْأَذَانِ بِمَكَّةَ؛ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ صَوْتُ الْمُؤَذِّنِ حَسَنًا.
وَعَنْ " جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ " ﵁ قَالَ: «صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِيدَيْنِ غَيْرَ
стр. 177
١٧٤ - وَنَحْوُهُ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرِهِ.
١٧٥ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي نَوْمِهِمْ عَنْ الصَّلَاةِ - «ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ» أَيْ بَلْ مَرَّاتٍ كَثِيرَةٍ [بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ] أَيْ حَالَ كَوْنِ الصَّلَاةِ غَيْرَ مَصْحُوبَةٍ بِأَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَع لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ، وَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ؛ وَقَدْ رُوِيَ خِلَافُ هَذَا عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُعَاوِيَةَ، " وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ "، قِيَاسًا مِنْهُمْ لِلْعِيدَيْنِ عَلَى الْجُمُعَةِ، وَهُوَ قِيَاسٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ فِعْلُ ذَلِكَ بِدْعَةٌ، إذْ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْ الشَّارِعِ، وَلَا عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَيَزِيدُهُ تَأْكِيدًا قَوْلُهُ:
وَنَحْوُهُ: أَيْ نَحْوُ حَدِيثِ " جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ " [فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ] أَيْ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَى إخْرَاجِهِ الشَّيْخَانِ
[عَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " ﵄ وَغَيْرِهِ] مِنْ الصَّحَابَةِ؛ وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُقَالُ فِي الْعِيدِ عِوَضًا عَنْ الْأَذَانِ " الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ "، فَلَمْ تَرِدْ بِهِ سُنَّةٌ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ.
قَالَ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ: «وَكَانَ ﷺ إذَا انْتَهَى إلَى الْمُصَلَّى أَخَذَ فِي الصَّلَاةِ: أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، وَلَا قَوْلِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ»، وَالسُّنَّةُ أَنْ لَا يُفْعَلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَبِهِ يُعْرَفُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الشَّرْحِ: وَيُسْتَحَبُّ فِي الدُّعَاءِ إلَى الصَّلَاةِ فِي الْعِيدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَا يُشْرَعُ فِيهِ أَذَانٌ كَالْجِنَازَةِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، غَيْرُ صَحِيحٍ؛ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَمَا تَرَكَهُ ﷺ ؛ وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، نَعَمْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ لَا غَيْرُ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ مَا وُجِدَ سَبَبُهُ فِي عَصْرِهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ فَفِعْلُهُ بَعْدَ عَصْرِهِ بِدْعَةٌ، فَلَا يَصِحُّ إثْبَاتُهُ بِقِيَاسٍ وَلَا غَيْرِهِ.
[وَعَنْ " أَبِي قَتَادَةَ ": فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي نَوْمِهِمْ عَنْ الصَّلَاةِ] أَيْ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَكَانَ عِنْدَ قُفُولِهِمْ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ الصَّحِيحُ [ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ] أَيْ بِأَمْرِهِ ﷺ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد ثُمَّ: «أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ بِالصَّلَاةِ فَنَادَى بِهَا» فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ التَّأْذِينِ لِلصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ بِنَوْمٍ، وَيُلْحَقُ بِهَا الْمَنْسِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ جَمَعَهُمَا فِي الْحُكْمِ حَيْثُ قَالَ: " مَنْ نَامَ عَنْ
стр. 178
١٧٦ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ»
١٧٧ - وَلَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ». وَزَادَ أَبُو دَاوُد: لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَمْ يُنَادِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
صَلَاتِهِ أَوْ نَسِيَهَا " الْحَدِيثَ؛ وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ ﷺ : أَمَرَ بِلَالًا بِالْإِقَامَةِ» وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَذَانَ؛ «بِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَمَرَ لَهَا بِالْإِقَامَةِ» وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَذَانَ، كَمَا فِي حَدِيثِ " أَبِي سَعِيدٍ " عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَهَذِهِ لَا تُعَارِضُ رِوَايَةَ " أَبِي قَتَادَةَ "؛ لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ، وَخَبَرُ " أَبِي هُرَيْرَةَ " " وَأَبِي سَعِيدٍ " لَيْسَ فِيهِمَا ذِكْرُ الْأَذَانِ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ فَلَا مُعَارَضَةَ، إذْ عَدَمُ الذِّكْرِ لَا يُعَارِضُ الذِّكْرَ.
[وَلَهُ] أَيْ لِمُسْلِمٍ [عَنْ " جَابِرٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ] أَيْ مُنْصَرِفًا عَنْ عَرَفَاتٍ [فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ] جَمَعَ بَيْنَهُمَا [بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ].
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ «ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ صَلَّى أَيْ بِالْمُزْدَلِفَةِ الْمَغْرِبَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ؛ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ؛ وَقَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ» وَيُعَارِضُهُمَا مَعًا قَوْلُهُ:
١٧٧ - وَلَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ». وَزَادَ أَبُو دَاوُد: لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَمْ يُنَادِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
[وَلَهُ] أَيْ لِمُسْلِمٍ عَنْ " ابْنِ عُمَرَ " ﵄: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ» وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا أَذَانَ فِيهِمَا، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي مُسْلِمٍ أَنَّ ذَلِكَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَإِنَّ فِيهِ قَالَ: " سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ " " أَفَضْنَا مَعَ " ابْنِ عُمَرَ " حَتَّى أَتَيْنَا جَمْعًا: أَيْ الْمُزْدَلِفَةَ، فَإِنَّهُ اسْمٌ لَهَا، وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، «فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَالَ: هَكَذَا صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا الْمَكَانِ». وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا أَذَانَ بِهِمَا، وَأَنَّهُ لَا إقَامَةَ إلَّا وَاحِدَةً لِلصَّلَاتَيْنِ، وَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ: [وَزَادَ أَبُو دَاوُد] أَيْ مِنْ حَدِيثِ " ابْنِ عُمَرَ " [لِكُلِّ صَلَاةٍ] أَيْ أَنَّهُ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّهُ زَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ صَلَاةٍ إقَامَةً، فَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ تُقَيَّدُ بِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُد هَذِهِ [وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ] أَيْ لِأَبِي دَاوُد عَنْ " ابْنِ عُمَرَ " [وَلَمْ يُنَادِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا] وَهُوَ صَرِيحٌ فِي نَفْيِ الْأَذَانِ.
وَقَدْ تَعَارَضَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ، فَجَابِرٌ أَثْبَتَ أَذَانًا وَاحِدًا وَإِقَامَتَيْنِ، " وَابْنُ عُمَرَ " نَفَى الْأَذَانَ وَأَثْبَتَ الْإِقَامَتَيْنِ، وَحَدِيثُ " ابْنِ مَسْعُودٍ "
стр. 179
١٧٨ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ﵃ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي، حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْت، أَصْبَحْت». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي آخِرِهِ إدْرَاجٌ
الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَثْبَتَ الْأَذَانَيْنِ وَالْإِقَامَتَيْنِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي عَمِلْنَا بِخَبَرِ " ابْنِ مَسْعُودٍ "، وَالشَّارِحُ ﵀ قَالَ: يُقَدَّمُ خَبَرُ " جَابِرٍ "، أَيْ؛ لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ لِلْأَذَانِ عَلَى خَبَرِ " ابْنِ عُمَرَ "؛ لِأَنَّهُ نَافٍ لَهُ، وَلَكِنْ نَقُولُ: بَلْ نُقَدِّمُ خَبَرَ " ابْنِ مَسْعُودٍ "؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ إثْبَاتًا.
وَعَنْ " ابْنِ عُمَرَ " " وَعَائِشَةَ " ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ» قَدْ بَيَّنَتْ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ قُبَيْلَ الْفَجْرِ، فَإِنَّ فِيهَا: " وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَرْقَى ذَا وَيَنْزِلَ ذَا " وَعِنْدَ الطَّحَاوِيِّ بِلَفْظِ: " إلَّا أَنْ يَصْعَدَ هَذَا وَيَنْزِلَ هَذَا «فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» وَاسْمُهُ " عَمْرٌو " [وَكَانَ] أَيْ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ [رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْت أَصْبَحْت] أَيْ دَخَلْت فِي الصَّبَاحِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي آخِرِهِ إدْرَاجٌ أَيْ كَلَامٌ لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ: " وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، إلَى آخِرِهِ "، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ هَكَذَا " وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى " بِزِيَادَةِ لَفْظِ قَالَ، وَبَيَّنَ الشَّارِحُ فَاعِلَ قَالَ أَنَّهُ " ابْنُ عُمَرَ "، وَقِيلَ: الزُّهْرِيُّ، فَهُوَ كَلَامُ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ وَفِي الْحَدِيثِ شَرْعِيَّةُ الْأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ لَا لِمَا شُرِعَ لَهُ الْأَذَانُ، فَإِنَّ الْأَذَانَ شُرِعَ كَمَا سَلَفَ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَلِدُعَاءِ السَّامِعِينَ لِحُضُورِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا الْأَذَانُ الَّذِي قَبْلَ الْفَجْرِ قَدْ أَخْبَرَ ﷺ بِوَجْهِ شَرْعِيَّتِهِ بِقَوْلِهِ: [لِيُوقِظَ نَائِمَكُمْ وَيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ] رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ.
وَالْقَائِمُ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ، وَرُجُوعُهُ عَوْدُهُ إلَى نَوْمِهِ، أَوْ قُعُودُهُ عَنْ صَلَاتِهِ، إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ فَلَيْسَ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِ وَقْتٍ، وَلَا لِحُضُورِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَالتَّسْبِيحَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي تُفْعَلُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، غَايَتُهُ أَنَّهُ كَانَ بِأَلْفَاظِ الْأَذَانِ؛ وَهُوَ مِثْلُ النِّدَاءِ الَّذِي أَحْدَثَهُ " عُثْمَانُ " فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِصَلَاتِهَا، فَإِنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالنِّدَاءِ لَهَا فِي مَحَلٍّ يُقَالُ لَهُ الزَّوْرَاءُ، لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ، وَكَانَ يُنَادَى لَهَا بِأَلْفَاظِ الْأَذَانِ الْمَشْرُوعِ، ثُمَّ جَعَلَهُ النَّاسُ مِنْ بَعْدِهِ تَسْبِيحًا بِالْآيَةِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَذِكْرُ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَالِاسْتِدْلَالُ لِلْمَانِعِ وَالْمُجِيزِ، لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ مَنْ هَمُّهُ الْعَمَلُ بِمَا ثَبَتَ، وَفِي قَوْلِهِ: " كُلُوا وَاشْرَبُوا " أَيْ أَيُّهَا الْمُرِيدُونَ لِلصِّيَامِ " حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ " مَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ إلَى أَذَانِهِ، وَفِي قَوْلِهِ: " إنَّهُ كَانَ لَا يُؤَذِّنُ " أَيْ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ " حَتَّى يُقَالَ
стр. 180
١٧٩ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ، فَيُنَادِيَ أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَضَعَّفَهُ.
١٨٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
لَهُ: أَصْبَحْت أَصْبَحْت " مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بَعْدَ دُخُولِ الْفَجْرِ، وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَمَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: " أَصْبَحْت أَصْبَحْت " قَارَبْت الصَّبَاحَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ، وَأَذَانُهُ يَقَعُ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ مُؤَذِّنَيْنِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، وَيُؤَذِّنُ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ.
وَأَمَّا أَذَانُ اثْنَيْنِ مَعًا فَمَنَعَهُ قَوْمٌ وَقَالُوا: أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ بَنُو أُمَيَّةَ؛ وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ بِذَلِكَ تَشْوِيشٌ.
قُلْت: فِي هَذَا الْمَأْخَذِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ بِلَالًا لَمْ يَكُنْ يُؤَذِّنُ لِلْفَرِيضَةِ كَمَا عَرَفْت، بَلْ الْمُؤَذِّنُ لَهَا وَاحِدٌ هُوَ " ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ".
وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُؤَذِّنِ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ، وَعَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْوَاحِدِ، وَعَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مَعَ الشَّكِّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ، إذْ الْأَصْلُ بَقَاءُ اللَّيْلِ، وَعَلَى جَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الصَّوْتِ فِي الرِّوَايَةِ إذَا عَرَفَهُ، وَإِنْ لَمْ يُشَاهِدْ الرَّاوِي، وَعَلَى جَوَازِ ذِكْرِ الرَّجُلِ بِمَا فِيهِ مِنْ الْعَاهَةِ إذَا كَانَ الْقَصْدُ التَّعْرِيفَ بِهِ وَنَحْوَهُ، وَجَوَازِ نِسْبَتِهِ إلَى أُمِّهِ، إذَا اُشْتُهِرَ بِذَلِكَ.
وَعَنْ " ابْنِ عُمَرَ " ﵄ «أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ؛ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِيَ: أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَضَعَّفَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ عَقِبَ إخْرَاجِهِ: هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَيُّوبَ إلَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ؛ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ؛ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ هُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَأَخْطَأَ فِيهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: لَا يُشْرَعُ الْأَذَانُ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُقَاوِمُ الْحَدِيثَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ، وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَبْلَ شَرْعِيَّةِ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ كَانَ بِلَالٌ هُوَ الْمُؤَذِّنُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ " عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ " أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ أَلْفَاظَ الْأَذَانِ؛ ثُمَّ اتَّخَذَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ " بَعْدَ ذَلِكَ مُؤَذِّنًا مَعَ " بِلَالٍ "، فَكَانَ " بِلَالٌ " يُؤَذِّنُ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ، لِمَا ذَكَرَهُ ﷺ مِنْ فَائِدَةِ أَذَانِهِ، ثُمَّ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَذَّنَ " ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ".
следующие страницы →