Полный текст (1 346 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
١٤١٢ - وَعَنْ أَبِي صِرْمَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ شَاقَّ مُسْلِمًا شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ.
١٤١٣ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ
الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ مُجَازَاةِ مَنْ ابْتَدَأَ الْإِنْسَانَ بِالْأَذِيَّةِ بِمِثْلِهَا وَإِنَّ إثْمَ ذَلِكَ عَائِدٌ عَلَى الْبَادِئِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَسَبِّبُ لِكُلِّ مَا قَالَهُ الْمُجِيبُ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى الْمُجِيبُ فِي أَذِيَّتِهِ بِالْكَلَامِ فَيَخْتَصُّ بِهِ إثْمُ عُدْوَانِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُذِنَ لَهُ فِي مِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾
وَعَدَمُ الْمُكَافَأَةِ وَالصَّبْرِ وَالِاحْتِمَالِ أَفْضَلُ فَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّ رَجُلًا سَبَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ بِحَضْرَتِهِ ﵌ فَسَكَتَ أَبُو بَكْرٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَاعِدٌ، ثُمَّ أَجَابَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ لَمَّا سَكَتَ أَبُو بَكْرٍ كَانَ مَلَكٌ يُجِيبُ عَنْهُ فَلَمَّا انْتَصَفَ لِنَفْسِهِ حَضَرَ الشَّيْطَانُ» أَوْ نَحْوُ هَذَا اللَّفْظُ " قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾.
(وَعَنْ أَبِي صِرْمَةَ) بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ اشْتَهَرَ بِكُنْيَتِهِ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَهُوَ مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنْ الْمَشَاهِدِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ شَاقَّ مُسْلِمًا شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ) أَيْ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى مُسْلِمٍ مَضَرَّةً فِي مَالِهِ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ عِرْضِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ضَارَّهُ اللَّهُ أَيْ جَازَاهُ مِنْ جِنْسِ فِعْلِهِ وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ الْمَضَرَّةَ.
وَالْمُشَاقَّةُ الْمُنَازَعَةُ أَيْ مَنْ نَازَعَ مُسْلِمًا ظُلْمًا وَتَعَدِّيًا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَشَقَّةَ جَزَاءً وِفَاقًا. وَالْحَدِيثُ تَحْذِيرٌ عَنْ أَذَى الْمُسْلِمِ بِأَيِّ شَيْءٍ
(وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ
стр. 1297
١٤١٤ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ رَفَعَهُ «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ» وَحَسَّنَهُ. وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقْفَهُ.
١٤١٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إلَى مَا قَدَّمُوا» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
١٤١٦ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ " الْبُغْضُ ضِدُّ الْمَحَبَّةِ وَبُغْضُ اللَّهِ عَبْدَهُ إنْزَالُ الْعُقُوبَةِ بِهِ وَعَدَمُ إكْرَامِهِ إيَّاهُ، وَالْبَذِيءُ فَعِيلٌ مِنْ الْبَذَاءِ، وَهُوَ الْكَلَامُ الْقَبِيحُ الَّذِي لَيْسَ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِ كَمَا دَلَّ لَهُ الْحَدِيثُ الْآتِي. (وَلَهُ) أَيْ التِّرْمِذِيِّ (مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ» وَحَسَّنَهُ الْحَاكِمُ وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقْفَهُ) الطَّعْنُ السَّبُّ يُقَالُ طَعَنَ فِي عِرْضِهِ أَيْ سَبَّهُ. وَاللَّعَّانُ اسْمُ فَاعِلٍ لِلْمُبَالَغَةِ بِزِنَةِ فَعَّالٍ أَيْ كَثِيرِ اللَّعْنِ، وَمَفْهُومُ الزِّيَادَةِ غَيْرُ مُرَادٍ، فَإِنَّ اللَّعْنَ مُحَرَّمٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ.
وَالْحَدِيثُ إخْبَارٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ الْإِيمَانِ السَّبُّ وَاللَّعْنُ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ لَعْنُ الْكَافِرِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ، وَمَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
(وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إلَى مَا قَدَّمُوا» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) سَبُّ الْأَمْوَاتِ عَامٌّ لِلْكَافِرِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَعَلَّلَهُ ﷺ بِإِفْضَائِهِمْ إلَى مَا قَدَّمُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَصَارَ أَمْرُهُمْ إلَى مَوْلَاهُمْ. وَقَدْ مَرَّ الْحَدِيثُ بِلَفْظِهِ فِي آخِرِ الْجَنَائِزِ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ.
(وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» بِقَافٍ وَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُثَنَّاةٌ أَيْضًا، وَهُوَ النَّمَّامُ، وَقَدْ رُوِيَ بِلَفْظِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَقِيلَ إنَّ بَيْنَ الْقَتَّات وَالنَّمَّامِ فَرْقًا فَالنَّمَّامُ الَّذِي يَحْضُرُ الْقِصَّةَ لِيُبَلِّغَهَا، وَالْقَتَّاتُ الَّذِي يَتَسَمَّعُ مِنْ حَدِيثٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ، ثُمَّ يَنْقُلُ مَا سَمِعَهُ وَحَقِيقَةُ النَّمِيمَةِ نَقْلُ كَلَامِ النَّاسِ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ لِلْإِفْسَادِ بَيْنَهُمْ
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّ حَدَّهَا كَشْفُ مَا يُكْرَهُ كَشْفُهُ سَوَاءٌ كَرِهَهُ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ أَوْ الْمَنْقُولُ عَنْهُ
стр. 1298
١٤١٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا.
١٤١٨ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خَبٌّ، وَلَا بَخِيلٌ وَلَا سَيِّئُ الْمَلَكَةِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفَرَّقَهُ حَدِيثَيْنِ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
أَوْ ثَالِثٌ وَسَوَاءٌ كَانَ الْكَشْفُ بِالرَّمْزِ أَوْ بِالْكِتَابَةِ أَوْ بِالْإِيمَاءِ. قَالَ: فَحَقِيقَةُ النَّمِيمَةِ إفْشَاءُ السِّرِّ وَهَتْكُ السِّتْرِ عَمَّا يُكْرَهُ كَشْفُهُ فَلَوْ رَآهُ يُخْفِي مَالًا لِنَفْسِهِ فَذَكَرَهُ فَهُوَ نَمِيمَةٌ كَذَا قَالَهُ (قُلْت) وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي النَّمِيمَةِ بَلْ يَكُونُ مِنْ إفْشَاءِ السِّرِّ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ أَيْضًا وَوَرَدَ فِي النَّمِيمَةِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا «لَيْسَ مِنَّا ذُو حَسَدٍ وَلَا نَمِيمَةٍ وَلَا كِهَانَةٍ وَلَا أَنَا مِنْهُ، ثُمَّ تَلَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾»
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ «خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ إذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ، وَشَرُّ عِبَادِ اللَّهِ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْبَاغُونَ لِلْبُرَآءِ الْعَيْبَ وَيَحْشُرُهُمْ اللَّهُ مَعَ الْكِلَابِ» وَغَيْرُ هَذَا مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَقَدْ تَجِبُ النَّمِيمَةُ كَمَا إذَا سَمِعَ شَخْصًا يُحَدِّثُ بِإِرَادَةِ إيذَاءِ إنْسَانٍ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا فَيُحَذِّرُهُ مِنْهُ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَحْذِيرُهُ بِغَيْرِ ذِكْرِ مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ وَإِلَّا ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ ذَنْبِ النَّمَّامِ. قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ النَّمِيمَةَ مُحَرَّمَةٌ وَأَنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ وَفِي كَلَاهِ الْغَزَالِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ كَبِيرَةً إلَّا مَعَ قَصْدِ الْإِفْسَادِ.
(وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْغَضَبِ مِرَارًا، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي فَضْلِ مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ وَمَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ إصْدَارِ مَا يَقْتَضِيه الْغَضَبُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِالْحِلْمِ وَالصَّبْرِ وَجِهَادِ النَّفْسِ، وَهُوَ أَمْرٌ شَاقٌّ؛ وَلِذَا جَعَلَ اللَّهُ جَزَاءَهُ كَفَّ عَذَابِهِ عَنْهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾.
(وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» مِنْ
стр. 1299
١٤١٩ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَسَمَّعَ حَدِيثَ قَوْمٍ، وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يَعْنِي: الرَّصَاصَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
١٤٢٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ
أَوَّلِ الْأَمْرِ (خَبٌّ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة مَفْتُوحَةً وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْخِدَاعُ (وَلَا بَخِيلٌ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْبَخِيلِ (وَلَا سَيِّئُ الْمَلَكَةِ)، وَهُوَ مَنْ يَتْرُكُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الْمَمَالِيكِ أَوْ تَجَاوَزَ الْحَدَّ فِي عُقُوبَتِهِمْ، وَمِثْلُهُ تَرْكُهُ لِتَأْدِيبِهِمْ بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ تَعْلِيمِ فَرَائِضِ اللَّهِ وَغَيْرِهَا وَكَذَلِكَ الْبَهَائِمُ سُوءُ الْمَلَكَةُ يَكُونُ بِإِهْمَالِهَا عَنْ الْإِطْعَامِ وَتَحْمِيلِهَا مَا لَا تُطِيقُهُ مِنْ الْأَحْمَالِ، وَالْمَشَقَّةِ عَلَيْهَا بِالسَّيْرِ وَالضَّرْبِ الْعَنِيفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَفَرَّقَهُ حَدِيثَيْنِ وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ) وَلَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ مَضَى كَثِيرٌ مِنْهَا.
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَسَمَّعَ حَدِيثَ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَالْمَدِّ وَضَمِّ النُّونِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ " يَعْنِي الرَّصَاصَ) هُوَ مُدْرَجٌ فِي الْحَدِيثِ تَفْسِيرًا لِمَا قَبْلَهُ (أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) هَكَذَا فِي نُسَخِ بُلُوغِ الْمَرَامِ تَسَمَّعَ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ مَنْ اسْتَمَعَ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ اسْتِمَاعِ حَدِيثِ مَنْ يُكْرَهُ سَمَاعُ حَدِيثِهِ وَيُعْرَفُ بِالْقَرَائِنِ أَوْ بِالتَّصْرِيحِ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ: مَرَرْت عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَمَعَهُ رَجُلٌ يَتَحَدَّثُ فَقُمْت إلَيْهِمَا فَلَطَمَ صَدْرِي وَقَالَ: إذَا وَجَدْت اثْنَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ فَلَا تَقُمْ مَعَهُمَا حَتَّى تَسْتَأْذِنَهُمَا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْمُتَنَاجِينَ فِي حَالِ تَنَاجِيهِمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَا يَنْبَغِي لِلدَّاخِلِ عَلَيْهِمَا الْقُعُودُ عِنْدَ هُمَا وَلَوْ تَبَاعَدَ عَنْهُمَا إلَّا بِإِذْنِهِمَا؛ لِأَنَّ افْتِتَاحَهُمَا الْكَلَامَ سِرًّا، وَلَيْسَ عِنْدَهُمَا أَحَدٌ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا لَا يُرِيدَانِ الْإِطْلَاعَ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ النَّاسِ قُوَّةُ فَهْمٍ إذَا سَمِعَ بَعْضَ الْكَلَامِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى بَاقِيهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرِّضَا، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْإِذْنِ حَيَاءٌ وَفِي الْبَاطِنِ الْكَرَاهَةُ وَيَلْحَقُ بِاسْتِمَاعِ الْحَدِيثِ اسْتِنْشَاقُ الرَّائِحَةِ وَمَسُّ الثَّوْبِ وَاسْتِخْبَارُ صِغَارِ الدَّارِ مَا يَقُولُ الْأَهْلُ، وَالْجِيرَانُ مِنْ كَلَامٍ أَوْ مَا يَعْمَلُونَ مِنْ الْأَعْمَالِ، وَأَمَّا لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ عَنْ مُنْكَرٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَهْجُمَ وَيَسْتَمِعَ الْحَدِيثَ لِإِزَالَةِ الْمُنْكَرِ.
стр. 1300
عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ» أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادِ حَسَنٍ.
١٤٢١ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ، وَاخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
(وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «طُوبَى لِمَنْ شَغْلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ» أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادِ حَسَنٍ) طُوبَى مَصْدَرٌ مِنْ الطِّيبِ، أَوْ اسْمُ شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا لِمَنْ شَغْلَهُ النَّظَرُ فِي عُيُوبِهِ وَطَلَبِ إزَالَتِهَا أَوْ السَّتْرِ عَلَيْهَا عَنْ الِاشْتِغَالِ بِذِكْرِ عُيُوبِ غَيْرِهِ وَالتَّعَرُّفِ لِمَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ مِنْ الْعُيُوبِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَدِّمَ النَّظَرَ فِي عَيْبِ نَفْسِهِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَعِيبَ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ مَا يَرْدَعُهُ عَنْ ذِكْرِ غَيْرِهِ.
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ وَاخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ) تَفَاعَلَ يَأْتِي بِمَعْنَى فَعَلَ مِثْلُ تَوَانَيْت بِمَعْنَى وَنَيْت، وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا أَيْ مَنْ عَظَّمَ نَفْسَهُ إمَّا بِاعْتِقَادِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْ التَّعْظِيمِ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ اسْتِحْقَاقَهُ الْإِهَانَةَ. وَيُحْتَمَلُ هُنَا أَنَّ تَعَاظَمَ بِمَعْنَى تَعَظَّمَ مُشَدَّدَةً أَيْ اعْتَقَدَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ عَظِيمٌ كَتَكَبَّرَ اعْتَقَدَ أَنَّهُ كَبِيرٌ، أَوْ يَكُونُ تَفَاعَلَ بِمَعْنَى اسْتَفْعَلَ أَيْ طَلَبَ أَنْ يَكُونَ عَظِيمًا، وَهَذَا يُلَاقِي مَعْنَى تَكَبَّرَ
، وَالْكِبْرُ كَمَا قَالَ الْمَهْدِيُّ فِي كِتَابِ تَكْمِلَةِ الْأَحْكَامِ: هُوَ اعْتِقَادُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْ التَّعْظِيمِ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ اسْتِحْقَاقَهُ الْإِهَانَةَ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ، وَالْحَاكِمُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا قَالَ ﷺ : إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» قِيلَ: هُوَ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَنْ الْحَقِّ فَلَا يَرَاهُ حَقًّا، وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَنْ الْحَقِّ فَلَا يَقْبَلَهُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ الِارْتِفَاعُ عَنْ النَّاسِ وَاحْتِكَارُهُمْ وَدَفْعُ الْحَقِّ، وَإِنْكَارُهُ تَرَفُّعًا وَتَجَبُّرًا. وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ «وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ بَطَرَ الْحَقَّ وَازْدَرَى النَّاسَ. فَبَطْرُ الْحَقِّ دَفْعُهُ وَرَدُّهُ، وَغَمْطُ النَّاسِ» بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ احْتِقَارُهُمْ وَازْدِرَاؤُهُمْ " هَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا عِنْدَ
стр. 1301
١٤٢٢ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْعَجَلَةُ مِنْ الشَّيْطَانِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ.
١٤٢٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشُّؤْمُ سُوءُ الْخُلُقِ ' '» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ
الْحَاكِمُ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَلَفْظُهُ (مِنْ) رُوِيَتْ بِالْكَسْرِ لِمِيمِهَا عَلَى أَنَّهَا حَرْفُ جَرٍّ وَبِفَتْحِهَا عَلَى أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ، وَالتَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الِاعْتِقَادِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى عَدَمِ الِامْتِثَالِ تَعَزُّزًا وَتَرَفُّعًا وَاحْتِقَارًا لِلنَّاسِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الزَّوَاجِرِ: الْكِبْرُ إمَّا بَاطِنٌ، وَهُوَ خُلُقُ النَّفْسِ وَاسْمُ الْكِبْرِ بِهَذَا أَحَقُّ، وَإِمَّا ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَعْمَالٌ تَصْدُرُ مِنْ الْجَوَارِحِ وَهِيَ ثَمَرَاتُ ذَلِكَ الْخُلُقِ، وَعِنْدَ ظُهُورِهَا يُقَالُ تَكَبَّرَ وَعِنْدَ عَدَمِهَا يُقَالُ كَبُرَ، فَالْأَصْلُ هُوَ خُلُقُ النَّفْسِ الَّذِي هُوَ الِاسْتِرْوَاحُ وَالرُّكُونُ إلَى رُؤْيَةِ النَّفْسِ فَوْقَ الْمُتَكَبَّرِ عَلَيْهِ فَهُوَ يَسْتَدْعِي مُتَكَبَّرًا عَلَيْهِ وَمُتَكَبَّرًا بِهِ.
وَبِهِ فَارَقَ الْعُجْبَ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَدْعِي غَيْرَ الْمُعْجَبِ بِهِ حَتَّى لَوْ فُرِضَ انْفِرَادُهُ دَائِمًا لَمَا أَمْكَنَ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ الْعُجْبُ دُونِ الْكِبْرُ، فَالْعُجْبُ مُجَرَّدُ اسْتِعْظَامِ الشَّيْءِ، فَإِنْ صَحِبَهُ مَنْ يَرَى أَنَّهُ فَوْقَهُ كَانَ تَكَبُّرًا اهـ.
وَالِاخْتِيَالُ فِي الْمِشْيَةِ هُوَ مِنْ التَّكَبُّرِ وَعَطْفُهُ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ أَحَدِ نَوْعَيْ الْكِبْرِ عَلَى الْآخَرِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنْ أَنْوَاعِ هَذَا الْكِبْرِ يَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَكُونُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ أَحَادِيثُ فِي ذَمِّ الْكِبْرِ مُطْلَقًا، وَالْحَدِيثُ وَغَيْرُهُ دَالٌّ عَلَى تَحْرِيمِ الْكِبْرِ وَإِيجَابِهِ لِغَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْعَجَلَةُ مِنْ الشَّيْطَانِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ) الْعَجَلَةُ هِيَ السُّرْعَةُ فِي الشَّيْءِ وَهِيَ مَذْمُومَةٌ فِيمَا كَانَ الْمَطْلُوبُ فِيهِ الْأَنَاةُ مَحْمُودَةٌ فِيمَا يُطْلَبُ تَعْجِيلُهُ مِنْ الْمُسَارَعَةِ إلَى الْخَيْرَاتِ وَنَحْوِهَا، وَقَدْ يُقَالُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْأَنَاةِ، وَالْمُسَارَعَةِ، فَإِنْ سَارَعَ بِتُؤَدَةٍ وَتَأَنٍّ فَيَتِمُّ لَهُ الْأَمْرَانِ، وَالضَّابِطُ أَنَّ خِيَارَ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا.
стр. 1302
١٤٢٤ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُفَعَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
١٤٢٥ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَسَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ.
الشُّؤْمُ ضِدُّ الْيُمْنِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَقِيقَةِ سُوءِ الْخُلُقِ وَأَنَّهُ الشُّؤْمُ، وَأَنَّ كُلَّ مَا يَلْحَقُ مِنْ الشُّرُورِ فَسَبَبُهُ سُوءُ الْخُلُقِ، وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ سُوءَ الْخُلُقِ وَحُسْنَهُ اخْتِيَارٌ مُكْتَسَبٌ لِلْعَبْدِ. وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ.
(وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّاعِنِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي اللَّعْنِ قَرِيبًا، وَالْحَدِيثُ إخْبَارٌ بِأَنَّ كَثِيرِي اللَّعْنِ لَيْسَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ قَبُولُ شَفَاعَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْ لَا يَشْفَعُونَ حِينَ يَشْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ فِي إخْوَانِهِمْ.
وَمَعْنَى وَلَا شُهَدَاءَ قِيلَ لَا يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُهَدَاءَ عَلَى تَبْلِيغِ الْأُمَمِ رُسُلُهُمْ إلَيْهِمْ الرِّسَالَاتِ، وَقِيلَ: لَا يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُهَدَاءَ عَلَى تَبْلِيغِ الْأُمَمِ رُسُلُهُمْ إلَيْهِمْ الرِّسَالَاتِ، وَقِيلَ لَا يَكُونُوا شُهَدَاءَ فِي الدُّنْيَا وَلَا يُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لِفِسْقِهِمْ؛ لِأَنَّ إكْثَارَ اللَّعْنِ مِنْ أَدِلَّةِ التَّسَاهُلِ فِي الدِّينِ، وَقِيلَ لَا يُرْزَقُونَ الشَّهَادَةَ وَهِيَ الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (فَيَوْمَ الْقِيَامَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِشُفَعَاءَ وَحْدَهُ عَلَى هَذَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ وَيُحْتَمَلُ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِمَا وَيُرَادَ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَمَّا لَمْ تُقْبَلْ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُكْتَبْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ثَوَابُ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ، وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ثَوَابُ الشُّهَدَاءِ.
(وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ مَنْ عَابَهُ بِهِ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَسَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ) كَأَنَّهُ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ لِشَوَاهِدِهِ فَلَا يَضُرُّهُ انْقِطَاعُهُ. وَكَأَنَّ مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ أَيْ عَابَهُ مِنْ الْعَارِ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ لَزِمَ بِهِ عَيْبٌ كَمَا فِي الْقَامُوسِ يُجَازَى بِسَلْبِ التَّوْفِيقِ حَتَّى يَرْتَكِبَ مَا عَيَّرَ أَخَاهُ بِهِ وَذَاكَ إذَا صَحِبَهُ إعْجَابُهُ بِنَفْسِهِ بِسَلَامَتِهِ مِمَّا عَيَّرَ بِهِ أَخَاهُ.
وَفِيهِ أَنَّ ذِكْرَ الذَّنْبِ لِمُجَرَّدِ
стр. 1303
١٤٢٦ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ» أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ.
التَّعْيِيرِ قَبِيحٌ يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ وَأَنَّهُ لَا يَذْكُرُ عَيْبَ الْغَيْرِ إلَّا لِلْأُمُورِ السِّتَّةِ الَّتِي سَلَفَتْ مَعَ حُسْنِ الْقَصْدِ فِيهَا.
(وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ) مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ وَيْلٌ لَهُ، ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ» أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ) وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ.، وَالْوَيْلُ الْهَلَاكُ، وَرَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الْجَارُ، وَالْمَجْرُورُ وَجَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَفِي مَعْنَاهُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي تَحْرِيمِ الْكَذِبِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِثْلُ حَدِيثِ «إيَّاكُمْ، وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ، وَالْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ» سَيَأْتِي وَأَخْرَجَ ابْن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ «إيَّاكُمْ، وَالْكَذِبَ، فَإِنَّهُ مَعَ الْفُجُورِ وَهُمَا فِي النَّارِ» وَمِثْلُهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ «مَا عَمَلُ أَهْلُ النَّارِ؟ قَالَ الْكَذِبُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا كَذَبَ فَجَرَ، وَإِذَا فَجَرَ كَفَرَ، وَإِذَا كَفَرَ دَخَلَ النَّارَ» وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ قَالَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ وَمِنْ جُمْلَتِهِ قَوْلُهُ «رَأَيْت اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي قَالَا لِي الَّذِي رَأَيْته يَشُقُّ شَدْقَهُ فَكَذَّابٌ يَكْذِبُ الْكَذِبَةَ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ» فِي حَدِيثِ رُؤْيَاهُ ﷺ ، وَالْأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْكَذِبِ لِإِضْحَاكِ الْقَوْمِ، وَهَذَا تَحْرِيمٌ خَاصٌّ. وَيُحَرَّمُ عَلَى السَّامِعِينَ سَمَاعُهُ إذَا عَلِمُوهُ كَذِبًا؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى الْمُنْكَرِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ النَّكِيرُ أَوْ الْقِيَامُ مِنْ الْمَوْقِفِ، وَقَدْ عُدَّ الْكَذِبُ مِنْ الْكَبَائِرِ قَالَ الرُّويَانِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ، وَمَنْ كَذِبَ قَصْدًا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ وَقَالَ الْمَهْدِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ وَلَا يَتِمُّ لَهُ نَفْيُ كِبْرِهِ عَلَى الْعُمُومِ، فَإِنَّ الْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ لِإِضْرَارٍ بِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ كَبِيرَةٌ وَقَسَّمَ الْغَزَالِيُّ الْكَذِبَ فِي الْإِحْيَاءِ إلَى وَاجِبٍ وَمُبَاحٍ وَمُحَرَّمٍ وَقَالَ: إنَّ كُلَّ مَقْصِدٍ مَحْمُودٍ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلَيْهِ بِالصِّدْقِ، وَالْكَذِبِ جَمِيعًا، فَالْكَذِبُ فِيهِ حَرَامٌ، وَإِنْ أَمْكَنَ التَّوَصُّلُ إلَيْهِ بِالْكَذِبِ وَحْدَهُ فَمُبَاحٌ إنْ أُنْتِجَ تَحْصِيلُ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ، وَوَاجِبٌ إنْ وَجَبَ تَحْصِيلُ ذَلِكَ، وَهُوَ إذَا كَانَ
стр. 1304
١٤٢٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَفَّارَةُ مَنْ اغْتَبْته أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ» رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
فِيهِ عِصْمَةُ مَنْ يَجِبُ إنْقَاذُهُ، وَكَذَا إذَا خَشَى عَلَى الْوَدِيعَةِ مِنْ ظَالِمٍ وَجَبَ الْإِنْكَارُ، وَالْحَلِفُ وَكَذَا إذَا كَانَ لَا يَتِمُّ مَقْصُودُ حَرْبٍ أَوْ إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَوْ اسْتِمَالَةُ قَلْبِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَّا بِالْكَذِبِ فَهُوَ مُبَاحٌ، وَكَذَا إذَا وَقَعَتْ مِنْهُ فَاحِشَةٌ كَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَسَأَلَهُ السُّلْطَانُ فَلَهُ أَنْ يَكْذِبَ وَيَقُولَ مَا فَعَلْت، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ تُقَابِلُ مَفْسَدَةُ الْكَذِبِ بِالْمَفْسَدَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الصِّدْقِ
فَإِنْ كَانَتْ مَفْسَدَةُ الصِّدْقِ أَشَدَّ فَلَهُ الْكَذِبُ، وَإِنْ كَانَتْ بِالْعَكْسِ أَوْ شَكَّ فِيهَا حُرِّمَ الْكَذِبُ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِنَفْسِهِ اسْتَحَبَّ أَنْ لَا يَكْذِبَ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِغَيْرِهِ لَمْ تَحْسُنْ الْمُسَامَحَةُ بِحَقِّ الْغَيْرِ، وَالْحَزَمُ تَرْكُهُ حَيْثُ أُبِيحَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ الْكَذِبُ اتِّفَاقًا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم فِي الصَّحِيحِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَمْ أَسْمَعْ بِرُخَصٍ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجِهَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْكَذِبِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ الصُّوَرِ. أَخْرَجَ ابْنُ النَّجَّارِ عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ مَرْفُوعًا: «الْكَذِبُ يُكْتَبُ عَلَى ابْنِ آدَمَ إلَّا فِي ثَلَاثٍ: الرَّجُلُ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ لِيُصْلَحَ بَيْنَهُمَا، وَالرَّجُلُ يُحَدِّثُ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا بِذَلِكَ، وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ»
(قُلْت): اُنْظُرْ فِي حِكْمَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ لِاجْتِمَاعِ الْقُلُوبِ كَيْفَ حَرَّمَ النَّمِيمَةَ وَهِيَ صِدْقٌ لِمَا فِيهَا مِنْ إفْسَادِ الْقُلُوبِ وَتَوْلِيدِ الْعَدَاوَةِ، وَالْوَحْشَةِ وَأَبَاحَ الْكَذِبَ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا إذَا كَانَ لِجَمْعِ الْقُلُوبِ وَجَلْبِ الْمَوَدَّةِ وَإِذْهَابِ الْعَدَاوَةِ
(وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَفَّارَةُ مَنْ اغْتَبْته أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ» رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَغَيْرُهُمَا بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَفِي أَسَانِيدِهِمَا ضَعْفٌ. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بِمَعْنَاهُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَ: وَهُوَ أَصَحُّ وَلَفْظُهُ قَالَ: «كَانَ فِي لِسَانِي ذَرَبٌ عَلَى أَهْلِي فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَيْنَ أَنْتَ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ يَا حُذَيْفَةُ إنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» هَذَا الْحَدِيثُ لَا دَلِيلَ فِيهِ نَصًّا أَنَّهُ
стр. 1305
١٤٢٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
لِأَجَلِ الِاغْتِيَابِ بَلْ لَعَلَّهُ لِدَفْعِ ذَرَبِ اللِّسَانِ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنْ الْمُغْتَابِ لِمَنْ اغْتَابَهُ يَكْفِي وَلَا يَحْتَاجُ إلَى الِاعْتِذَارِ مِنْهُ. وَفَصَّلَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: إذَا عَلِمَ الْمُغْتَابُ وَجَبَ الِاسْتِحْلَالُ مِنْهُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ فَلَا وَلَا يُسْتَحَبُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَجْلِبُ الْوَحْشَةَ وَإِيغَارَ الصَّدْرِ، إلَّا أَنَّهُ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فِي عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الِاسْتِحْلَالُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ إلَّا أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ قَدْ بَلَغَهُ وَيَكُونُ حَدِيثُ أَنَسٍ فِيمَنْ لَمْ يَعْلَمْ وَيُقَيَّدُ بِهِ إطْلَاقُ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ.
(وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) الْأَلَدُّ مَأْخُوذٌ مِنْ لَدِيدَيْ الْوَادِي وَهُمَا جَانِبَاهُ وَالْخَصِمُ شَدِيدُ الْخُصُومَةِ الَّذِي يَحُجُّ مُخَاصِمَهُ وَجْهَ الِاشْتِقَاقِ أَنَّهُ كُلَّمَا احْتَجَّ عَلَيْهِ بِحُجَّةٍ أَخَذَ فِي جَانِبٍ آخَرَ وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي ذَمِّ الْخُصُومَةِ كَحَدِيثِ «مَنْ جَادَلَ فِي خُصُومَةٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَمْ يَزَلْ فِي سُخْطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ» تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا كَفَى بِك إثْمًا أَنْ لَا تَزَالَ مُخَاصِمًا " وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْخُصُومَةَ مَذْمُومَةٌ وَلَوْ كَانَتْ فِي حَقٍّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: فَإِنْ قُلْت لَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ مِنْ الْخُصُومَةِ لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ. فَالْجَوَابُ مَا أَجَابَ بِهِ الْغَزَالِيُّ: أَنَّ الذَّمَّ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ خَاصَمَ بِبَاطِلٍ وَبِغَيْرِ عِلْمٍ كَوَكِيلِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يَتَوَكَّلُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الْحَقَّ فِي أَيِّ جَانِبٍ.
وَيَدْخُلُ فِي الذَّمِّ مَنْ يَطْلُبُ حَقًّا لَكِنْ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ بَلْ يُظْهِرُ اللَّدَدَ وَالْكَذِبَ لِإِيذَاءِ خَصْمِهِ وَكَذَا مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى الْخُصُومَةِ مَحْضُ الْعِنَادِ لِقَهْرِ خَصْمِهِ وَكَسْرِهِ، وَمِثْلُهُ مَنْ يَخْلِطُ الْخُصُومَةَ بِكَلِمَاتٍ تُؤْذِي وَلَيْسَ إلَيْهَا ضَرُورَةٌ فِي التَّوَصُّلِ إلَى غَرَضِهِ فَهَذَا هُوَ الْمَذْمُومُ بِخِلَافِ الْمَظْلُومِ الَّذِي يَنْصُرُ حُجَّتَهُ بِطَرِيقِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ لَدَدٍ وَإِسْرَافٍ وَزِيَادَةِ الْحِجَاجِ عَلَى الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ عِنَادٍ وَلَا إيذَاءٍ فَفِعْلُهُ هَذَا لَيْسَ مَذْمُومًا وَلَا حَرَامًا لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ مَا وَجَدَ إلَيْهِ سَبِيلًا. وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا تَرُدُّ شَهَادَةَ مَنْ يُكْثِرُ الْخُصُومَةَ؛ لِأَنَّهَا تُنْقِصُ الْمُرُوءَةَ لَا لِكَوْنِهَا مَعْصِيَةً.
стр. 1306
باب الترغيب في مكارم الأخلاق
١٤٢٩ - عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ إلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الصِّدْقُ مَا طَابَقَ الْوَاقِعَ وَالْكَذِبُ مَا خَالَفَ الْوَاقِعَ هَذِهِ حَقِيقَتُهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ الْهَادَوِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَالْهِدَايَةُ الدَّلَالَةُ الْمُوصِلَةُ إلَى الْمَطْلُوبِ وَالْبِرُّ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَصْلُهُ التَّوَسُّعُ فِي فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرَاتِ كُلِّهَا وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ الْخَاصِّ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى قَوْلِهِ " وَإِنَّ الْبِرَّ " إلَى آخِرِهِ مِصْدَاقُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ وَقَالَ عَلَى قَوْلِهِ " وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ " إلَى آخِرِهِ الْمُرَادُ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الصِّدْقُ حَتَّى يَسْتَحِقَّ اسْمَ الْمُبَالَغَةِ وَهُوَ الصِّدِّيقُ وَأَصْلُ الْفُجُورِ الشَّقُّ فَهُوَ شَقُّ الدِّيَانَةِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَيْلِ إلَى الْفَسَادِ وَعَلَى الِانْبِعَاثِ فِي الْمَعَاصِي وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلشَّرِّ. وَقَوْلُهُ (وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ) هُوَ كَمَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ فِي أَنَّهُ إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الْكَذِبُ اسْتَحَقَّ اسْمَ الْمُبَالَغَةِ وَهُوَ الْكَذَّابُ.
وَفِي الْحَدِيثِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَنْ تَحَرَّى الصِّدْقَ فِي أَقْوَالِهِ صَارَ لَهُ سَجِيَّةً وَمَنْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ وَتَحَرَّاهُ صَارَ لَهُ سَجِيَّةً، وَأَنَّهُ بِالتَّدَرُّبِ وَالِاكْتِسَابِ تَسْتَمِرُّ صِفَاتُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَةِ شَأْنِ الصِّدْقِ وَأَنَّهُ يَنْتَهِي بِصَاحِبِهِ إلَى الْجَنَّةِ وَدَلِيلٌ عَلَى عَظَمَةِ قُبْحِ الْكَذِبِ وَأَنَّهُ يَنْتَهِي بِصَاحِبِهِ إلَى النَّارِ، وَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَا لِصَاحِبِهِمَا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الصَّدُوقَ مَقْبُولُ الْحَدِيثِ عِنْدَ النَّاسِ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْحُكَّامِ مَحْبُوبٌ مَرْغُوبٌ فِي أَحَادِيثِهِ وَالْكَذُوبُ بِخِلَافِ هَذَا كُلِّهِ.
стр. 1307
١٤٣٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
١٤٣١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا، نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: فَأَمَّا إذَا أَبَيْتُمْ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ بِالنَّصْبِ مُحَذِّرٌ مِنْهُ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) تَقَدَّمَ بَيَانُ مَعْنَاهُ وَأَنَّهُ تَحْذِيرٌ مِنْ أَنْ يُحَقِّقَ مَا ظَنَّهُ وَأَمَّا نَفْسُ الظَّنِّ فَقَدْ يَهْجُمُ عَلَى الْقَلْبِ فَيَجِبُ دَفْعُهُ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْعَمَلِ عَلَيْهِ.
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «إيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ» بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ طَرِيقٍ «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا قَالَ: فَأَمَّا إذَا أَبَيْتُمْ أَيْ امْتَنَعْتُمْ عَنْ تَرْكِ الْجُلُوسِ عَلَى الطُّرُقَاتِ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَكَفُّ الْأَذَى عَنْ الْمَارِّينَ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَرَدُّ السَّلَامِ» إجَابَتُهُ عَلَى مَنْ أَلْقَاهُ عَلَيْكُمْ مِنْ الْمَارِّينَ إذْ السَّلَامُ يُسَنُّ ابْتِدَاءً لِلْمَارِّ لَا لِلْقَاعِدِ «وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ وَأَنَّهُ لِلتَّرْغِيبِ فِيمَا هُوَ الْأَوْلَى إذْ لَوْ فَهِمُوا الْوُجُوبَ لَمْ يُرَاجِعُوهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ رَجَوْا وُقُوعَ النَّسْخِ تَخْفِيفًا لِمَا شَكَوْا مِنْ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ. وَقَدْ زِيدَ فِي أَحَادِيثَ حَقُّ الطَّرِيقِ عَلَى هَذِهِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ، زَادَ أَبُو دَاوُد: وَإِرْشَادُ ابْنِ السَّبِيلِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ إذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَزَادَ سَعِيدُ بْنِ مَنْصُورٍ: وَإِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ، وَزَادَ الْبَزَّارُ: وَالْإِعَانَةُ عَلَى الْحَمْلِ، وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ: وَأَعِينُوا الْمَظْلُومَ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا.
قَالَ السُّيُوطِيّ فِي التَّوْشِيحِ فَاجْتَمَعَ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَدَبًا وَقَدْ نَظَمَهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ فِي أَرْبَعَةِ أَبْيَاتٍ:
جَمَعْت آدَابَ مَنْ رَامَ الْجُلُوسَ عَلَى الـ … طَرِيقِ مِنْ قَوْلِ خَيْرٍ الْخَلْقِ إنْسَانَا
أَفْشِ السَّلَامَ وَأَحْسِنْ فِي الْكَلَامِ وَشَمِّ … ت عَاطِسًا وَسَلَامًا رُدَّ إحْسَانًا
стр. 1308
١٤٣٢ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
١٤٣٣ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
فِي الْحَمْلِ عَاوِنْ وَمَظْلُومًا أَعِنْ … وَأَغِثْ لَهْفَانَ اهْدِ سَبِيلًا وَاهْدِ حَيْرَانَا
بِالْعُرْفِ مُرْ وَانْهَ عَنْ نُكْرٍ وَكُفَّ أَذًى … وَغُضَّ طَرَفًا وَأَكْثِرْ ذِكْرَ مَوْلَانَا
إلَّا أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا وَذَكَرَهَا السُّيُوطِيّ فِي التَّوْشِيحِ فِيهَا أَحَدَ عَشَرَ أَدَبًا وَفِي الْأَبْيَاتِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّهُ زَادَ: حُسْنَ الْكَلَامِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي حَدِيثٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَزَادَ فِيهَا: وَإِفْشَاءَ السَّلَامِ وَلَمْ أَجِدْهُ فِي حَدِيثٍ إنَّمَا فِيهَا رَدُّ السَّلَامِ وَقَدْ ذَكَرَهُ فِيهَا، وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقَاتِ أَنَّهُ لِجُلُوسِهِ يَتَعَرَّضُ لِلْفِتْنَةِ فَإِنَّهُ قَدْ يَنْظُرُ إلَى الشَّهَوَاتِ مِمَّنْ يَخَافُ الْفِتْنَةَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِنَّ مَعَ مُرُورِهِنَّ وَفِيهِ التَّعَرُّضُ لِلُزُومِ حُقُوقِ اللَّهِ وَالْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانَ قَاعِدًا فِي مَنْزِلِهِ لَمَا عَرَفَ ذَلِكَ وَلَا لَزِمَتْهُ الْحُقُوقُ الَّتِي قَدْ لَا يَقُومُ بِهَا وَلَمَّا طَلَبُوا الْإِذْنَ فِي الْبَقَاءِ فِي مَجَالِسِهِمْ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهَا عَرَّفَهُمْ بِمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ الْحُقُوقِ وَكُلُّ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحُقُوقِ قَدْ وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ مُفَرَّقَةً تَقَدَّمَ بَعْضُهَا وَيَأْتِي بَعْضُهَا.
(وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَةِ شَأْنِ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَأَنَّهُ لَا يُعْطَاهُ إلَّا مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا عَظِيمًا كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ التَّنْكِيرُ وَيَدُلُّ لَهُ الْمَقَامُ. وَالْفِقْهُ فِي الدِّينِ تَعَلُّمُ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ وَمَعْرِفَةُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي الدِّينِ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا. وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْمَفْهُومُ مَنْطُوقًا فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى «وَمَنْ لَمْ يُفَقَّهْ لَمْ يُبَالِ اللَّهُ بِهِ» وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى شَرَفِ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ وَالْمُتَفَقِّهِينَ فِيهِ عَلَى سَائِرِ الْعُلُومِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَعْرِفَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
(وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي
стр. 1309
١٤٣٤ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
١٤٣٥ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
حَقِيقَتِهِ بِمَا لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْإِعَادَةِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ.
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْحَيَاءُ فِي اللُّغَةِ تَغَيُّرٌ يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُعَابُ بِهِ وَفِي الشَّرْعِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى اجْتِنَابِ الْقَبِيحِ وَيَمْنَعُ مِنْ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ.
وَالْحَيَاءُ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ غَرِيزَةً فَهُوَ فِي اسْتِعْمَالِهِ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ يَحْتَاجُ إلَى اكْتِسَابٍ وَعِلْمٍ وَنِيَّةٍ فَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ الْإِيمَانِ. وَقَدْ يَكُونُ كَسْبِيًّا، وَمَعْنَى كَوْنِهِ مِنْ الْإِيمَانِ أَنَّ الْمُسْتَحِي يَنْقَطِعُ بِحَيَائِهِ عَنْ الْمَعَاصِي فَيَصِيرُ كَالْإِيمَانِ الْقَاطِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعَاصِي. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَيَاءَ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي كَمَا يَمْنَعُ الْإِيمَانَ فَسُمِّيَ إيمَانًا كَمَا يُسَمَّى الشَّيْءُ بِاسْمِ مَا قَامَ مَقَامَهُ وَالْحَيَاءُ مُرَكَّبٌ مِنْ جُبْنٍ وَعِفَّةٍ. وَفِي الْحَدِيثِ «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ وَلَا يَأْتِي إلَّا بِخَيْرٍ» فَإِنْ قُلْت قَدْ يَمْنَعُ الْحَيَاءُ صَاحِبَهُ عَنْ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَهُوَ إخْلَالٌ بِبَعْضِ مَا يَجِبُ فَلَا يَتِمُّ عُمُومٌ " إنَّهُ لَا يَأْتِي إلَّا بِخَيْرٍ " (قُلْت) قَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْحَيَاءِ فِي الْأَحَادِيثِ الْحَيَاءُ الشَّرْعِيُّ، وَالْحَيَاءُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ تَرْكُ بَعْضِ مَا يَجِبُ لَيْسَ حَيَاءً شَرْعِيًّا بَلْ هُوَ عَجْزٌ وَمَهَانَةٌ وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْحَيَاءُ لِمُشَابَهَتِهِ الْحَيَاءَ الشَّرْعِيَّ، وَبِجَوَابٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ مَنْ كَانَ الْحَيَاءُ مِنْ خُلُقِهِ فَالْخَيْرُ عَلَيْهِ أَغْلَبُ أَوْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْحَيَاءُ مِنْ خُلُقِهِ كَانَ الْخَيْرُ فِيهِ بِالذَّاتِ فَلَا يُنَافِيهِ حُصُولُ التَّقْصِيرِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ شَرْحِ مُسْلِمِ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جُمِعَ لَهُ النَّوْعَانِ مِنْ الْحَيَاءِ الْمُكْتَسَبِ وَالْغَرِيزِيِّ وَكَانَ فِي الْغَرِيزِيِّ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا وَكَانَ فِي الْمُكْتَسَبِ فِي الذُّرْوَةِ الْعُلْيَا ﷺ (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) لَفْظُ الْأُولَى لَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ بَلْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ " إنَّ آخِرَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ
стр. 1310
١٤٣٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَك شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْت كَذَا كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ اللَّهُ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى - إلَى آخِرِهِ " وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ، وَالْمُرَادُ مِنْ النُّبُوَّةِ الْأُولَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ وَلَمْ يُنْسَخْ كَمَا نُسِخَتْ شَرَائِعُهُمْ لِأَنَّهُ أَمْرٌ أَطْبَقَتْ عَلَيْهِ الْعُقُولُ. وَفِي قَوْلِهِ (فَاصْنَعْ مَا شِئْت) قَوْلَانِ، الْأَوَّلُ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ أَيْ صَنَعْت مَا شِئْت وَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الَّذِي يَكُفُّ الْإِنْسَانَ عَنْ مُدَافَعَةِ الشَّرِّ هُوَ الْحَيَاءُ فَإِذَا تَرَكَهُ تَوَفَّرَتْ دَوَاعِيهِ عَلَى مُوَاقَعَةِ الشَّرِّ حَتَّى كَأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ أَوْ الْأَمْرُ فِيهِ لِلتَّهْدِيدِ أَيْ اصْنَعْ مَا شِئْت فَإِنَّ اللَّهَ مُجَازِيك عَلَى ذَلِكَ، الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ اُنْظُرْ إلَى مَا تُرِيدُ فِعْلَهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُسْتَحَى مِنْهُ فَافْعَلْهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُسْتَحَى مِنْهُ فَدَعْهُ وَلَا تُبَالِ بِالْخَلْقِ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ مِنْ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ خَيْرٌ» لِوُجُودِ الْإِيمَانِ فِيهِمَا (احْرِصْ) مِنْ حَرَصَ يَحْرِصُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ وَيُقَالُ حَرِصَ كَسَمِعَ (عَلَى مَا يَنْفَعُك) فِي دُنْيَاك وَدِينِك (وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ) عَلَيْهِ (وَلَا تَعْجِزْ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا «وَإِنْ أَصَابَك شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْت كَذَا كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ اللَّهُ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) الْمُرَادُ مِنْ الْقَوِيِّ قَوِيُّ عَزِيمَةِ النَّفْسِ فِي الْأَعْمَالِ الْأُخْرَوِيَّةِ فَإِنَّ صَاحِبَهَا أَكْثَرُ إقْدَامًا فِي الْجِهَادِ وَإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى فِي ذَلِكَ وَاحْتِمَالِ الْمَشَاقِّ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا وَالضَّعِيفُ بِالْعَكْسِ مِنْ هَذَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ الْخَيْرِ لِوُجُودِ الْإِيمَانِ فِيهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ ﷺ بِالْحِرْصِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَطَلَبِ مَا عِنْدَهُ وَعَلَى طَلَبِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ فِي كُلِّ أُمُورِهِ إذْ حِرْصُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إعَانَةِ اللَّهِ لَا يَنْفَعُهُ.
إذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنْ اللَّهِ لِلْفَتَى … فَأَكْثَرُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ
وَنَهَاهُ عَنْ الْعَجْزِ وَهُوَ التَّسَاهُلُ فِي الطَّاعَاتِ وَقَدْ اسْتَعَاذَ مِنْهُ ﷺ بِقَوْلِهِ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ. وَمِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ» وَسَيَأْتِي وَنَهَاهُ بِقَوْلِهِ: إذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ
стр. 1311
١٤٣٧ - وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَيَّ: أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
مِنْ حُصُولِ ضَرَرٍ أَوْ فَوَاتِ نَفْعٍ عَنْ أَنْ يَقُولَ (لَوْ) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا إنَّمَا هُوَ لِمَنْ قَالَ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ حَتْمًا، وَأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُصِبْهُ قَطْعًا فَأَمَّا مَنْ رَدَّ ذَلِكَ إلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا. وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْغَارِ " وَلَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ رَأْسَهُ لَرَآنَا وَسُكُوتُهُ ﷺ " قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ وَلَيْسَ فِيهِ دَعْوَى لِرَدِّ قَدْرِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ. قَالَ وَكَذَا جَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنْ اللَّوْ كَحَدِيثِ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِك بِالْكُفْرِ " الْحَدِيثَ " وَلَوْ كُنْت رَاجِمًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ " " وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي " وَشَبِيهُ ذَلِكَ، فَكُلُّهُ مُسْتَقْبَلٌ وَلَا اعْتِرَاضَ فِيهِ عَلَى قَدَرٍ فَلَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ اعْتِقَادِهِ فِيمَا كَانَ يَفْعَلُ لَوْلَا الْمَانِعُ، وَعَمَّا هُوَ فِي قُدْرَتِهِ فَأَمَّا مَا ذَهَبَ فَلَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ؛ قَالَ الْقَاضِي: فَاَلَّذِي عِنْدِي فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ لَكِنْ نَهْيُ تَنْزِيهٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ : «فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَدْ جَاءَ مِنْ اسْتِعْمَالِ لَوْ فِي الْمَاضِي قَوْلُهُ ﷺ «لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا سُقْت الْهَدْيَ» وَغَيْرُ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ عَنْ إطْلَاقِ ذَلِكَ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَيَكُونُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ وَأَمَّا مَنْ قَالَهُ تَأَسُّفًا عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَمَا هُوَ مُتَعَذِّرٌ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَنَحْوِ هَذَا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ أَكْثَرُ الِاسْتِعْمَالِ الْمَوْجُودِ فِي الْأَحَادِيثِ.
(وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) التَّوَاضُعُ عَدَمُ الْكِبْرِ وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْكِبْرِ. وَعَدَمُ التَّوَاضُعِ يُؤَدِّي إلَى الْبَغْيِ؛ لِأَنَّهُ يَرَى لِنَفْسِهِ مَزِيَّةً عَلَى الْغَيْرِ فَيَبْغِي عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ وَيَفْخَرُ عَلَيْهِ وَيَزْدَرِيهِ، وَالْبَغْيُ وَالْفَخْرُ مَذْمُومَانِ، وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي سُرْعَةِ عُقُوبَةِ الْبَغْيِ مِنْهَا عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَوْ أَحَقُّ مِنْ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ وَأَخْرُجُهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ «لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا عُصِيَ اللَّهُ بِهِ هُوَ أَسْرَعُ عُقُوبَةً مِنْ الْبَغْيِ».
стр. 1312
١٤٣٨ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغَيْبِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ
١٤٣٩ - وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ نَحْوُهُ.
١٤٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
(وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغَيْبِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ). (وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ نَحْوُهُ) فِي الْحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ اغْتَابَ أَخَاهُ عِنْدَهُ وَهُوَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِنْكَارِ لِلْمُنْكَرِ وَلِذَا وَرَدَ الْوَعِيدُ عَلَى تَرْكِهِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ مِنْ عِرْضِهِ إلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ» وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْهُ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾» وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَأَبُو الشَّيْخِ أَيْضًا «مَنْ حَمَى عِرْضَ أَخِيهِ فِي الدُّنْيَا بَعَثَ اللَّهُ لَهُ مَلَكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِيهِ مِنْ النَّارِ» وَأَخْرَجَ الْأَصْبَهَانِيُّ «مِنْ اُغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ فَاسْتَطَاعَ نُصْرَتَهُ فَنَصَرَهُ نَصَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْصُرْهُ أَذَلَّهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» بَلْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُسْتَمِعَ لِلْغِيبَةِ أَحَدُ الْمُغْتَابِينَ فَمَنْ حَضَرَهُ الْغِيبَةُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَحَدُ أُمُورٍ الرَّدُّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ وَلَوْ بِإِخْرَاجِ مَنْ اغْتَابَ إلَى حَدِيثٍ آخَرَ أَوْ الْقِيَامُ عَنْ مَوْقِفِ الْغِيبَةِ أَوْ الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ أَوْ الْكَرَاهَةُ لِلْقَوْلِ وَقَدْ عَدَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ السُّكُوتَ كَبِيرَةً لِوُرُودِ هَذَا الْوَعِيدِ وَلِدُخُولِهِ فِي وَعِيدِ مَنْ لَمْ يُغَيِّرْ الْمُنْكَرَ؛ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُغْتَابِينَ حُكْمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُغْتَابًا لُغَةً وَشَرْعًا.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) فَسَّرَ الْعُلَمَاءُ عَدَمَ النَّقْصِ بِمَعْنَيَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنَّهُ يُبَارِكُ لَهُ فِيهِ وَيَدْفَعُ عَنْهُ الْآفَاتِ فَيُجْبَرُ نَقْصُ
стр. 1313
١٤٤١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
الصُّورَةِ بِالْبَرَكَةِ الْخَفِيَّةِ (وَالثَّانِي): أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالثَّوَابِ الْحَاصِلِ عَنْ الصَّدَقَةِ جُبْرَانُ نَقْصِ عَيْنِهَا فَكَأَنَّ الصَّدَقَةَ لَمْ تُنْقِصْ الْمَالَ لِمَا يَكْتُبُ اللَّهُ مِنْ مُضَاعَفَةِ الْحَسَنَةِ إلَى عَشْرِ أَمْثَالِهَا إلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ.
قُلْت: وَالْمَعْنَى الثَّالِثُ أَنَّهُ تَعَالَى يَخْلُفُهَا بِعِوَضٍ يَظْهَرُ بِهِ عَدَمُ نَقْصِ الْمَالِ بَلْ رُبَّمَا زَادَتْهُ وَدَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ وَهُوَ مُجَرَّبٌ مَحْسُوسٌ، وَفِي قَوْلِهِ: «مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا» حَثٌّ عَلَى الْعَفْوِ عَنْ الْمُسِيءِ وَعَدَمِ مُجَازَاتِهِ عَلَى إسَاءَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ جَائِزَةً قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ وَفِيهِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْعَافِي عِزًّا وَعَظَمَةً فِي الْقُلُوبِ؛ لِأَنَّهُ بِالِانْتِصَافِ يُظَنُّ أَنَّهُ يُعَظَّمُ وَيُصَانُ جَانِبُهُ وَيُهَابُ وَيُظَنُّ أَنَّ الْإِغْضَاءَ وَالْعَفْوَ لَا يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّهُ يَزْدَادُ بِالْعَفْوِ عِزًّا: وَفِي قَوْلِهِ «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ أَيْ لِأَجْلِ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلْمُتَوَاضِعِينَ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوَاضُعَ سَبَبٌ لِلرِّفْعَةِ فِي الدَّارَيْنِ لِإِطْلَاقِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ حَثٌّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَعَلَى الْعَفْوِ وَعَلَى التَّوَاضُعِ، وَهَذِهِ مِنْ أُمَّهَاتِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ وَصِلُوا الْأَرْحَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) الْإِفْشَاءُ لُغَةً الْإِظْهَارُ وَالْمُرَادُ نَشْرُ السَّلَامِ عَلَى مَنْ يَعْرِفُهُ وَعَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْت وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» وَلَا بُدَّ فِي السَّلَامِ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظٍ مُسْمِعٍ لِمَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «إذَا سَلَّمْت فَأَسْمِعْ فَإِنَّهَا تَحِيَّةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» قَالَ النَّوَوِيُّ أَقَلُّهُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالسُّنَّةِ
стр. 1314
١٤٤٢ - وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ - ثَلَاثًا قُلْنَا: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
فَإِنْ شَكَّ اسْتَظْهَرَ. وَإِنْ دَخَلَ مَكَانًا فِيهِ أَيْقَاظٌ وَنِيَامٌ فَالسُّنَّةُ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْمِقْدَادِ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجِيءُ مِنْ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا وَيَسْمَعُ الْيَقْظَانُ فَإِنْ لَقِيَ جَمَاعَةً يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا وَيَكْرَهُ أَنْ يَخُصَّ أَحَدَهُمْ بِالسَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ يُوَلِّدُ الْوَحْشَةَ»، وَمَشْرُوعِيَّةُ السَّلَامِ لِجَلْبِ التَّحَابِّ وَالْأُلْفَةِ فَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا تَحَابُّونَ بِهِ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» وَيُشْرَعُ السَّلَامُ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ الْمَوْقِفِ كَمَا يُشْرَعُ عِنْدَ الدُّخُولِ لِمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيُسَلِّمْ وَإِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ فَلَيْسَتْ الْأُولَى أَحَقَّ مِنْ الْآخِرَةِ» وَتُكْرَهُ أَوْ تَحْرُمُ الْإِشَارَةُ بِالْيَدِ وَالرَّأْسِ لِمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا تُسَلِّمُوا تَسْلِيمَ الْيَهُودِ فَإِنَّ تَسْلِيمَهُمْ بِالرُّءُوسِ وَالْأَكُفِّ» إلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ حَالَ الصَّلَاةِ فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ بِأَنَّهُ ﵌ كَانَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي بِالْإِشَارَةِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا تَحْقِيقَ ذَلِكَ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ.
وَجُوِّزَتْ الْإِشَارَةُ بِالسَّلَامِ عَلَى مَنْ بَعُدَ عَنْ سَمَاعِ لَفْظِ السَّلَامِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِالْأَمْرِ بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الِابْتِدَاءُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِيهِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ وَالشَّرِيعَةُ عَلَى التَّخْفِيفِ وَالتَّيْسِيرِ فَيُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ا. هـ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي التَّسْلِيمِ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ إخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ تَعَالَى وَاسْتِعْمَالُ التَّوَاضُعِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ الَّذِي هُوَ شِعَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي مَشْرُوعِيَّةِ السَّلَامِ عَلَى غَيْرِ مَعْرُوفٍ اسْتِفْتَاحُ الْمُخَاطَبَةِ لِلتَّأْنِيسِ لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ إخْوَةً فَلَا يَسْتَوْحِشُ أَحَدٌ مِنْ أَحَدٍ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ مُسْتَوْفًى وَعَلَى إطْعَامِ الطَّعَامِ فَيَشْمَلُ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ إنْفَاقُهُ وَيَلْزَمُهُ إطْعَامُهُ وَلَوْ عُرْفًا أَوْ عَادَةً وَكَالصَّدَقَةِ عَلَى السَّائِلِ لِلطَّعَامِ وَغَيْرِهِ فَالْأَمْرُ مَحْمُولٌ عَلَى فِعْلِ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ لِيَشْمَلَ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ. وَالْأَمْرُ بِصَلَاةٍ اللَّيْلِ فِي قَوْلِهِ (وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ) قَدْ وَرَدَ تَفْسِيرُهُ بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أُرِيدَ ذَلِكَ وَمَا يَشْمَلُ نَافِلَةَ اللَّيْلِ وَقَوْلُهُ (تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ) إخْبَارٌ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَكَأَنَّهُ بِسَبَبِهَا يَحْصُلُ لِفَاعِلِهَا التَّوْفِيقُ وَتَجَنُّبُ مَا يُوبِقُهَا مِنْ الْأَعْمَالِ وَحُصُولُ الْخَاتِمَةِ الصَّالِحَةِ.
стр. 1315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁) هُوَ أَبُو رُقَيَّةَ تَمِيمُ بْنُ أَوْسِ بْنِ خَارِجَةَ، نُسِبَ إلَى جَدِّهِ دَارٍ وَيُقَالُ الدِّيرِيُّ نِسْبَةً إلَى دَيْرٍ كَانَ فِيهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ الْمُوَطَّأُ دَارِيٌّ وَلَا دَيْرِيٌّ إلَّا تَمِيمٌ، أَسْلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ، كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ، وَكَانَ رُبَّمَا رَدَّدَ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ اللَّيْلَ كُلَّهُ إلَى الصَّبَاحِ، سَكَنَ الْمَدِينَةَ ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهَا إلَى الشَّامِ، وَرَوَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ قِصَّةَ الْجَسَّاسَةِ وَالدَّجَّالِ وَهِيَ مَنْقَبَةٌ لَهُ وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنْ الْأَصَاغِرِ وَلَيْسَ لَهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ إلَّا هَذَا الْحَدِيثُ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ شَيْءٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ ثَلَاثًا أَيْ قَالَهَا ثَلَاثًا قُلْنَا: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) هَذَا الْحَدِيثُ جَلِيلٌ. قَالَ الْعُلَمَاءُ إنَّهُ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالُوهُ بَلْ عَلَيْهِ مَدَارُ الْإِسْلَامِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: النَّصِيحَةُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ مَعْنَاهَا حِيَازَةُ الْحَظِّ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ، وَمَعْنَى الْإِخْبَارِ عَنْ الدِّينِ بِهَا: أَنَّ عِمَادَ الدِّينِ وَقَوَامَهُ النَّصِيحَةُ قَالُوا: وَالنُّصْحُ لِلَّهِ الْإِيمَانُ بِهِ وَنَفْيُ الشِّرْكِ عَنْهُ وَتَرْكُ الْإِلْحَادِ فِي صِفَاتِهِ وَوَصْفُهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ كُلِّهَا وَتَنْزِيهُهُ تَعَالَى عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ النَّقَائِصِ وَالْقِيَامِ بِطَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ وَالْحُبُّ فِيهِ وَالْبُغْضُ فِيهِ وَمُوَالَاةُ مَنْ أَطَاعَهُ وَمُعَادَاةُ مَنْ عَصَاهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ لَهُ تَعَالَى قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ رَاجِعَةٌ إلَى الْعَبْدِ مِنْ نَصِيحَةِ نَفْسِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ نُصْحِ النَّاصِحِينَ وَالنَّصِيحَةُ لِكِتَابِهِ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ كَلَامُهُ تَعَالَى وَتَحْلِيلُ مَا حَلَّلَهُ وَتَحْرِيمُ مَا حَرَّمَهُ وَالِاهْتِدَاءُ بِمَا فِيهِ وَالتَّدَبُّرُ لِمَعَانِيهِ وَالْقِيَامُ بِحُقُوقِ تِلَاوَتِهِ وَالِاتِّعَاظُ بِمَوَاعِظِهِ وَالِاعْتِبَارُ بِزَوَاجِرِهِ وَالْمَعْرِفَةُ لَهُ.
وَالنَّصِيحَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَصْدِيقُهُ بِمَا جَاءَ بِهِ وَاتِّبَاعُهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ وَتَعْظِيمُ حَقِّهِ وَتَوْقِيرُهُ حَيًّا وَمَيِّتًا وَمَحَبَّةُ مَنْ أَمَرَ بِمَحَبَّتِهِ مِنْ آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَعْرِفَةُ سُنَّتِهِ وَالْعَمَلُ بِهَا وَنَشْرُهَا وَالدُّعَاءُ إلَيْهَا وَالذَّبُّ عَنْهَا، وَالنَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ إعَانَتُهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَطَاعَتُهُمْ فِيهِ وَأَمْرُهُمْ بِهِ وَتَذْكِيرُهُمْ لِحَوَائِجِ الْعِبَادِ وَنُصْحُهُمْ فِي الرِّفْقِ وَالْعَدْلِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَمِنْ النَّصِيحَةِ لَهُمْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُمْ وَالْجِهَادُ مَعَهُمْ. وَتَعْدَادُ أَسْبَابِ الْخَيْرِ فِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ لَا تَنْحَصِرُ قِيلَ، وَإِذَا أُرِيدَ بِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْعُلَمَاءُ: فَنُصْحُهُمْ بِقَبُولِ أَقْوَالِهِمْ وَتَعْظِيمِ حَقِّهِمْ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ
стр. 1316
١٤٤٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
١٤٤٤ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ لِيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
عَلَيْهِمَا فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا؛ وَالنَّصِيحَةُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِإِرْشَادِهِمْ إلَى مَصَالِحِهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ وَكَفُّ الْأَذَى عَنْهُمْ وَتَعْلِيمُهُمْ مَا جَهِلُوهُ وَأَمْرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْكَلَامُ عَلَى كُلِّ قِسْمٍ يَحْتَمِلُ الْإِطَالَةَ وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّصِيحَةَ تُسَمَّى دِينًا وَإِسْلَامًا وَأَنَّ الدِّينَ يَقَعُ عَلَى الْعَمَلِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْقَوْلِ، قَالَ: وَالنَّصِيحَةُ فَرْضُ كِفَايَةٍ يُجْزِئُ فِيهَا مَنْ قَامَ بِهَا وَتَسْقُطُ عَنْ الْبَاقِينَ وَالنَّصِيحَةُ لَازِمَةٌ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ إذَا عَلِمَ النَّاصِحُ أَنَّهُ يُقْبَلُ نُصْحُهُ وَيُطَاعُ أَمْرُهُ وَأَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَكْرُوهَ فَإِنْ خَشِيَ أَذًى فَهُوَ فِي سَعَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَةِ تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَتَقْوَاهُ تَعَالَى هِيَ الْإِتْيَانُ بِالطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمُقَبِّحَاتِ فَمَنْ أَتَى بِهَا وَانْتَهَى عَنْ الْمَنْهِيَّاتِ فَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ. وَأَمَّا حُسْنُ الْخَلْقِ فَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ.
(وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ لِيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) أَيْ لَا يَتِمُّ لَكُمْ شُمُولُ النَّاسِ بِإِعْطَاءِ الْمَالِ لِكَثْرَةِ النَّاسِ وَقِلَّةِ الْمَالِ فَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ
стр. 1317
١٤٤٥ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
١٤٤٦ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنْ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابِيَّ.
١٤٤٧ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْت خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
مَقْدُورَ الْبَشَرِ وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ أَنْ تَسَعُوهُمْ بِبَسْطِ الْوَجْهِ وَالطَّلَاقَةِ وَلِينِ الْجَانِبِ وَخَفْضِ الْجَنَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَجْلِبُ التَّحَابَّ بَيْنَكُمْ فَإِنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ، وَذَلِكَ فِيمَا عَدَا الْكَافِرِ، وَمَنْ أَمَرَ بِالْإِغْلَاظِ عَلَيْهِ.
(وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ) أَيْ الْمُؤْمِنُ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ كَالْمِرْآةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيهَا وَجْهَهُ، فَالْمُؤْمِنُ يُطْلِعُ أَخَاهُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ عَيْبٍ وَيُنَبِّهُهُ عَلَى إصْلَاحِهِ وَيُرْشِدُهُ إلَى مَا يُزَيِّنُهُ عِنْدَ مَوْلَاهُ تَعَالَى وَإِلَى مَا يُزَيِّنُهُ عِنْدَ عِبَادِهِ وَهَذَا دَاخِلٌ فِي النَّصِيحَةِ.
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنْ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابِيَّ) فِيهِ أَفْضَلِيَّةُ مَنْ يُخَالِطُ النَّاسَ مُخَالَطَةً يَأْمُرُهُمْ فِيهَا بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُحْسِنُ مُعَامَلَتَهُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الَّذِي يَعْتَزِلُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى الْمُخَالَطَةِ، وَالْأَحْوَالُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ، وَلِكُلِّ حَالٍ مَقَالٌ وَمَنْ رَجَّحَ الْعُزْلَةَ فَلَهُ عَلَى فَضْلِهَا أَدِلَّةٌ. وَقَدْ اسْتَوْفَاهَا الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَغَيْرِهِ.
стр. 1318
بَابُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ
(وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْت خَلْقِي) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ (فَحَسِّنْ خُلُقِي) بِضَمِّهَا وَضَمِّ اللَّامِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) قَدْ كَانَ ﷺ مِنْ أَشْرَفِ الْعِبَادِ خَلْقًا وَخُلُقًا، سُؤَالُهُ ذَلِكَ اعْتِرَافًا بِالْمِنَّةِ وَطَلَبًا لِاسْتِمْرَارِ النِّعْمَةِ وَتَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ.
الذِّكْرُ مَصْدَرُ ذَكَرَ وَهُوَ مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَالْمُرَادُ بِهِ ذِكْرُ اللَّهِ (وَالدُّعَاءُ) مَصْدَرُ دَعَا وَهُوَ الطَّلَبُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْحَثِّ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ نَحْوُ دَعَوْت فُلَانًا اسْتَعَنْته. وَيُقَالُ: دَعَوْت فُلَانًا سَأَلْته، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا.
(وَاعْلَمْ) أَنَّ الدُّعَاءَ ذِكْرُ اللَّهِ وَزِيَادَةٌ فَكُلُّ حَدِيثٍ فِي فَضْلِ الذِّكْرِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِدُعَائِهِ فَقَالَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ يُجِيبُ دُعَاءَهُمْ فَقَالَ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ وَسَمَّاهُ مُخَّ الْعِبَادَةِ فَفِي الْحَدِيثِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ» وَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْضَبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَدْعُهُ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» وَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ» وَالْأَحَادِيثُ فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ حَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ وَالِاعْتِرَافَ بِغِنَى الرَّبِّ وَافْتِقَارَ الْعَبْدِ وَقُدْرَتِهِ تَعَالَى، وَعَجْزَ الْعَبْدِ وَإِحَاطَتَهُ تَعَالَى بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا؛ فَالدُّعَاءُ يَزِيدُ الْعَبْدَ قُرْبًا مِنْ رَبِّهِ وَاعْتِرَافًا بِحَقِّهِ، وَلِذَا حَثَّ ﷺ عَلَى الدُّعَاءِ، وَعَلَّمَ اللَّهُ عِبَادَهُ دُعَاءَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ الْآيَةَ وَنَحْوَهَا وَأَخْبَرَنَا بِدَعَوَاتِ رُسُلِهِ وَتَضَرُّعِهِمْ حَيْثُ قَالَ أَيُّوبُ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وَقَالَ زَكَرِيَّا ﵇: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ وَقَالَ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ وَقَالَ أَبُو الْبِشْرِ ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ الْآيَةَ وَقَالَ يُوسُفُ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ وَقَالَ يُونُسُ: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وَدَعَا نَبِيُّنَا ﷺ فِي مَوَاقِفَ لَا تَنْحَصِرُ عِنْدَ لِقَاءِ الْأَعْدَاءِ وَغَيْرِهَا، وَدَعَوَاتُهُ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَالصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا مَعْرُوفَةٌ. فَالْعَجَبُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِذِكْرِ الْخِلَافِ بَيْنَ مَنْ قَالَ التَّفْوِيضُ وَالتَّسْلِيمُ أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ قَائِلَ هَذَا
стр. 1319
١٤٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.
١٤٤٩ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
مَا ذَاقَ حَلَاوَةَ الْمُنَاجَاةِ لِرَبِّهِ وَلَا تَضَرُّعِهِ وَاعْتِرَافِهِ بِحَاجَتِهِ وَذَنْبِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ «أَنَّهُ لَا يَضِيعُ الدُّعَاءُ بَلْ لَا بُدَّ لِلدَّاعِي مِنْ إحْدَى ثَلَاثٍ: إمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا» وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ؛ وَلِلدُّعَاءِ شَرَائِطُ وَلِقَبُولِهِ مَوَانِعُ قَدْ أَوْدَعْنَاهَا أَوَائِلَ الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ التَّنْوِيرِ شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَذَكَرْنَا فَائِدَةَ الدُّعَاءِ مَعَ سَبْقِ الْقَضَاءِ.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا) وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَقُولُ اللَّهُ : «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْته فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْته فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْت إلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْت إلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْته هَرْوَلَةً» وَهَذِهِ مَعِيَّةٌ خَاصَّةٌ تُفِيدُ عَظَمَةَ ذِكْرِهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ مَعَ ذَاكِرِهِ بِرَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ وَإِعَانَتِهِ وَالرِّضَا بِحَالِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ: مَعْنَاهُ أَنَا مَعَهُ بِحَسَبِ مَا قَصَدَهُ مِنْ ذِكْرِهِ لِي ثُمَّ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ الذِّكْرُ بِالْقَلْبِ أَوْ بِاللِّسَانِ أَوْ بِهِمَا مَعًا أَوْ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابِ النَّهْيِ قَالَ: وَاَلَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ أَنَّ الذِّكْرَ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَقْطُوعٌ لِصَاحِبِهِ بِمَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْخَبَرُ، وَالثَّانِي عَلَى خَطَرٍ قَالَ: وَالْأَوَّلُ: مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ وَالثَّانِي: مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ «مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنْ اللَّهِ إلَّا بُعْدًا» لَكِنْ إنْ كَانَ فِي حَالِ الْمَعْصِيَةِ يَذْكُرُ اللَّهَ لِخَوْفٍ وَوَجَلٍ فَإِنَّهُ يُرْجَى لَهُ.
стр. 1320
١٤٥٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، إلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
(وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ). الْحَدِيثُ مِنْ أَدِلَّةِ فَضْلِ الذِّكْرِ وَأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ النَّجَاةِ مِنْ مَخَاوِفِ عَذَابِ الْآخِرَةِ وَهُوَ أَيْضًا مِنْ الْمُنْجِيَاتِ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا وَمَخَاوِفِهَا وَلِذَا قَرَنَ اللَّهُ الْأَمْرَ بِالثَّبَاتِ لِقِتَالِ أَعْدَائِهِ وَجِهَادِهِمْ بِالْأَمْرِ بِذِكْرِهِ كَمَا قَالَ: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ وَغَيْرُهَا مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي مَوَاقِفِ الْجِهَادِ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى فَضِيلَةِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالذَّاكِرِينَ وَفَضِيلَةِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الذِّكْرِ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ «أَنَّ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى تَنَادَوْا هَلُمُّوا إلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» الْحَدِيثَ وَهَذَا مِنْ فَضَائِلِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ تَحْضُرُهَا الْمَلَائِكَةُ بَعْدَ الْتِمَاسِهِمْ لَهَا.
وَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَفِي حَدِيثِ الْبَزَّارِ «إنَّهُ تَعَالَى يَسْأَلُ مَلَائِكَتَهُ مَا يَصْنَعُ الْعِبَادُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ فَيَقُولُونَ يُعَظِّمُونَ آلَاءَك، وَيَتْلُونَ كِتَابَك وَيُصَلُّونَ عَلَى نَبِيِّك وَيَسْأَلُونَك لِآخِرَتِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ» وَالذِّكْرُ حَقِيقَةٌ فِي ذِكْرِ اللِّسَانِ وَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ النَّاطِقُ وَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِحْضَارُ مَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَقْصِدَ غَيْرَهُ فَإِنْ انْضَافَ إلَى الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ الذِّكْرُ بِالْقَلْبِ فَهُوَ أَكْمَلُ، وَإِنْ انْضَافَ إلَيْهِمَا اسْتِحْضَارُ مَعْنَى الذِّكْرِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَفْيِ النَّقَائِصِ عَنْهُ ازْدَادَ كَمَالًا، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي عَمَلٍ صَالِحٍ مِمَّا فُرِضَ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ جِهَادٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَكَذَلِكَ، فَإِنْ صَحَّ التَّوَجُّهُ وَأُخْلِصَ لِلَّهِ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْكَمَالِ.
وَقَالَ: الْفَخْرُ الرَّازِيّ الْمُرَادُ بِذِكْرِ اللِّسَانِ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّمْجِيدِ وَالذِّكْرُ بِالْقَلْبِ التَّفَكُّرُ فِي أَدِلَّةِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَفِي أَدِلَّةِ التَّكَالِيفِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ حَتَّى يَطَّلِعَ عَلَى أَحْكَامِهِ وَفِي أَسْرَارِ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ.
وَالذِّكْرُ بِالْجَوَارِحِ هُوَ أَنْ تَصِيرَ مُسْتَغْرَقَةً بِالطَّاعَاتِ، وَمِنْ ثَمَّةَ سَمَّى اللَّهُ الصَّلَاةَ ذِكْرًا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وَذَكَرَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ أَنَّ الذِّكْرَ عَلَى سَبْعَةِ أَنْحَاءٍ فَذِكْرُ الْعَيْنَيْنِ بِالْبُكَاءِ وَذِكْرُ الْأُذُنَيْنِ بِالْإِصْغَاءِ وَذِكْرُ
стр. 1321
١٤٥١ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ
اللِّسَانِ بِالثَّنَاءِ وَذِكْرُ الْيَدَيْنِ بِالْعَطَاءِ وَذِكْرُ الْبَدَنِ بِالْوَفَاءِ وَذِكْرُ الْقَلْبِ بِالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَذِكْرُ الرُّوحِ بِالتَّسْلِيمِ وَالرِّضَاءِ وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذِّكْرَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ جَمِيعِهَا وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا: بَلَى قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ» وَلَا تُعَارِضُهُ أَحَادِيثُ فَضْلِ الْجِهَادِ وَأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّكْرِ الْأَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ ذِكْرُ اللِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَالتَّفَكُّرُ فِي الْمَعْنَى، وَاسْتِحْضَارُ عَظَمَةِ اللَّهِ فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ وَالْجِهَادُ أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ فَقَطْ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إنَّهُ مَا مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ إلَّا وَالذِّكْرُ مُشْتَرَطٌ فِي تَصْحِيحِهِ فَمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ صَدَقَتِهِ أَوْ صِيَامِهِ فَلَيْسَ عَمَلُهُ كَامِلًا، فَصَارَ الذِّكْرُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَيُشِيرُ إلَيْهِ حَدِيثُ «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ».
(وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ) زَادَ " فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ " وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ إلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَمْشِي طَرِيقًا فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ تَعَالَى إلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً، وَمَا مِنْ رَجُلٍ أَوَى إلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ إلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً» وَفِي رِوَايَةٍ " إلَّا كَانَ عَلَيْهِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ " وَالتِّرَةُ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَكْسُورَةٍ فَرَاءَ بِمَعْنَى الْحَسْرَةِ وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: هِيَ النَّقْصُ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَجْلِسِ سِيَّمَا مَعَ تَفْسِيرِ التِّرَةِ بِالنَّارِ أَوْ الْعَذَابِ فَقَدْ فُسِّرَتْ بِهِمَا فَإِنَّ التَّعْذِيبَ لَا يَكُونُ إلَّا لِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الذِّكْرُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﷺ مَعًا. وَقَدْ عُدَّتْ مَوَاضِعُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ فَبَلَغَتْ سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ مَوْضِعًا، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: مَعْنَى صَلَاةِ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ وَمَعْنَى صَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ الدُّعَاءُ لَهُ بِحُصُولِ الثَّنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ وَفِيهَا أَقْوَالٌ أُخَرُ هَذَا أَجْوَدُهَا.
وَقَالَ
стр. 1322
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غَيْرُهُ: الصَّلَاةُ مِنْهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ تَشْرِيفٌ وَزِيَادَةُ تَكْرِمَةٍ وَعَلَى مَنْ دُونَ النَّبِيِّ رَحْمَةٌ فَمَعْنَى قَوْلِنَا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَظِّمْ مُحَمَّدًا وَالْمُرَادُ بِالتَّعْظِيمِ إعْلَاءُ ذِكْرِهِ وَإِظْهَارُ دِينِهِ وَإِبْقَاءُ شَرِيعَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ بِإِحْرَازِ مَثُوبَتِهِ، وَتَشْفِيعِهِ فِي أُمَّتِهِ وَالشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى لِلْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ وَمُشَارَكَةِ الْآلِ وَالْأَزْوَاجِ بِالْعَطْفِ يُرَادُ بِهِ فِي حَقِّهِمْ التَّعْظِيمُ اللَّائِقُ بِهِمْ وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ اخْتِصَاصِ الصَّلَاةِ بِالْأَنْبِيَاءِ اسْتِقْلَالًا دُونَ غَيْرِهِمْ وَيَتَأَيَّدُ هَذَا بِمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ «إذَا صَلَّيْتُمْ عَلَيَّ فَصَلُّوا عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى بَعَثَهُمْ كَمَا بَعَثَنِي» فَجَعَلَ الْعِلَّةَ الْبَعْثَةَ فَتَكُونُ مُخْتَصَّةً بِمَنْ بُعِثَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «مَا أَعْلَمُ الصَّلَاةَ تَنْبَغِي لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ إلَّا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ » وَحُكِيَ الْقَوْلُ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ: مَا تَعَبَّدْنَا بِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْجَوَازِ قَالَ: وَأَنَا أَمِيلُ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ قَالُوا: يَذْكُرُ غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ بِالتَّرَضِّي وَالْغُفْرَانِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ يَعْنِي اسْتِقْلَالًا لَمْ تَكُنْ مِنْ الْأَمْرِ الْمَعْرُوفِ وَإِنَّمَا حَدَثَتْ فِي دَوْلَةِ بَنِي هَاشِمٍ يَعْنِي الْعَبْدَيْنِ.
وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ حَدِيثًا وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سَمَّاهُمْ رُسُلًا. وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تَجُوزُ اسْتِقْلَالًا وَتَجُوزُ تَبَعًا فِيمَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ كَالْآلِ وَالْأَزْوَاجِ وَالذُّرِّيَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي النَّصِّ غَيْرَهُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ خَاصًّا وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِمْ الصَّحَابَةُ وَلَا غَيْرُهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَدَّعِي لِلصَّحَابَةِ وَنَحْوِهِمْ بِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنْ أَنَّهُ رَضِيَ عَنْهُمْ وَبِالْمَغْفِرَةِ كَمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولَهُ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ تَرِدْ. وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ مَعْرُوفٌ فَقَالَ بِجَوَازِهِ الْبُخَارِيُّ وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ «بِأَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ وَوَرَدَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى فَمَنْ قَالَ بِجَوَازِهَا اسْتِقْلَالًا عَلَى سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ فَهَذَا دَلِيلُهُ. وَمِنْ أَدِلَّتِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ وَمَنْ مَنَعَ قَالَ هَذَا وَرَدَ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَرِدْ الْإِذْنُ لَنَا. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: يُصَلِّي عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ. وَيُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لِشَخْصٍ مُفْرَدٍ بِحَيْثُ يَصِيرُ شِعَارًا سِيَّمَا إذَا تَرَكَ فِي حَقِّ مِثْلِهِ وَأَفْضَلُ مِنْهُ كَمَا تَفْعَلُهُ الرَّافِضَةُ فَلَوْ اتَّفَقَ وُقُوعُ ذَلِكَ مُفْرَدًا فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتَّخَذَ شِعَارًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَأْسٌ.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي السَّلَامِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ فِي تَحِيَّةِ الْحَيِّ فَقِيلَ يَشْرَعُ مُطْلَقًا وَقِيلَ تَبَعًا وَلَا يُفْرَدُ بِوَاحِدٍ لِكَوْنِهِ صَارَ شِعَارًا لِلرَّافِضَةِ وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ قُلْت هَذَا التَّعْلِيلُ بِكَوْنِهِ صَارَ شِعَارًا لَا يَنْهَضُ عَلَى الْمَنْعِ؛ وَالسَّلَامُ عَلَى الْمَوْتَى قَدْ شَرَعَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «السَّلَامُ
стр. 1323
١٤٥٢ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
١٤٥٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ:
عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ» وَكَانَ ثَابِتًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
عَلَيْك سَلَامُ اللَّهِ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ … وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا
وَمَا كَانَ قَيْسُ مَوْتُهُ مَوْتَ وَاحِدٍ … وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا
- (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) زَادَ مُسْلِمٌ " لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " وَفِي لَفْظٍ «مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةً كَانَتْ لَهُ عَدْلُ عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعِيشَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ وَفِيهِ «مَنْ قَالَ إذَا صَلَّى الصُّبْحَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَذَكَرَهُ بِلَفْظٍ عَشْرَ مَرَّاتٍ كُنَّ كَعَدْلِ أَرْبَعِ رِقَابٍ وَكُتِبَ لَهُ بِهِنَّ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَمُحِيَ عَنْهُ بِهِنَّ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ بِهِنَّ عَشْرُ دَرَجَاتٍ وَكُنَّ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِذَا قَالَهَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَمِثْلُ ذَلِكَ» وَسَنَدُهُ حَسَنٌ وَأَخْرَجَهُ جَعْفَرٌ فِي الذِّكْرِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَفَعَهُ " قَالَ مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ " لَكِنْ زَادَ «يُحْيِي وَيُمِيتُ وَقَالَ: تَعْدِلُ عَشْرَ رِقَابٍ وَكَانَ لَهُ مَسْلَحَةٌ مِنْ أَوَّلِ نَهَارِهِ إلَى آخِرِهِ وَلَمْ يَعْمَلْ يَوْمَئِذٍ عَمَلًا يَقْهَرُهُنَّ وَإِنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي فَمِثْلُ ذَلِكَ» وَذِكْرُ الْعَشْرِ الرِّقَابِ فِي بَعْضِهَا وَالْأَرْبَعِ فِي بَعْضِهَا كَأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الذَّاكِرِينَ فِي اسْتِحْضَارِهِمْ مَعَانِيَ الْأَلْفَاظِ بِالْقُلُوبِ، وَإِمْحَاضِ التَّوَجُّهِ وَالْإِخْلَاصِ لِعَلَّامِ الْغُيُوبِ فَيَكُونُ اخْتِلَافُ مَرَاتِبَهُمْ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ وَبِحَسَبِهِ كَمَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ.
стр. 1324
سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
١٤٥٤ - وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ قُلْت بَعْدَك أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْت مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَاءَ نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) مَعْنَى سُبْحَانَ اللَّهِ تَنْزِيهُهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ نَقْصٍ فَيَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الشَّرِيكِ وَالصَّاحِبِ وَالْوَلَدِ وَجَمِيعِ مَا لَا يَلِيقُ وَالتَّسْبِيحُ يُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ أَلْفَاظِ الذِّكْرِ وَيُطْلَقُ عَلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ وَمِنْهُ صَلَاةُ التَّسْبِيحِ خُصَّتْ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ التَّسْبِيحِ فِيهَا. وَفِيهِ أَنَّهُ تُكَفَّرُ بِهَذَا الذِّكْرِ الْخَطَايَا وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَبَائِرَ وَالْعُلَمَاءَ يُقَيِّدُونَ ذَلِكَ بِالصَّغَائِرِ وَيَقُولُونَ لَا تُمْحَى الْكَبَائِرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ. وَقَدْ أُورِدَ عَلَى هَذَا سُؤَالٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّسْبِيحَ أَفْضَلُ مِنْ التَّهْلِيلِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي التَّهْلِيلِ «إنَّ مَنْ قَالَ مِائَةَ مَرَّةٍ فِي يَوْمٍ مُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ» كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَهُنَا قَالَ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ وَالْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ التَّهْلِيلَ أَفْضَلُ فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَفْضَلُ مَا قُلْت أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَهِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ وَهِيَ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ» وَمَعْنَى التَّسْبِيحِ دَاخِلٌ فِيهَا فَإِنَّهُ التَّنْزِيهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِاَللَّهِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ إلَخْ وَفَضَائِلُهَا عَدِيدَةٌ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ انْضَافَ إلَى ثَوَابِ التَّهْلِيلِ مَعَ التَّكْفِيرِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ رَفْعُ الدَّرَجَاتِ وَكَتْبُ الْحَسَنَاتِ وَعِتْقُ الرِّقَابِ وَالْعِتْقُ يَتَضَمَّنُ تَكْفِيرَ جَمِيعِ السَّيِّئَاتِ فَإِنَّهُ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ كَمَا سَلَفَ.
وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّ هَذِهِ الْفَضَائِلَ لِكُلِّ ذَاكِرٍ. وَذَكَرَ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْفَضْلَ الْوَارِدَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْأَذْكَارِ إنَّمَا هُوَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ فِي الدِّينِ وَالطَّهَارَةِ مِنْ الْجَرَائِمِ الْعِظَامِ وَلَيْسَ مَنْ أَصَرَّ عَلَى شَهَوَاتِهِ، وَانْتَهَكَ دِينَ اللَّهِ وَحُرُمَاتِهِ بِلَا حَقٍّ مِنْ الْأَفَاضِلِ الْمُطَهَّرِينَ فِي ذَلِكَ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الْآيَةَ.
- (وَعَنْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ
стр. 1325
١٤٥٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.
قُلْت بَعْدَك أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْت بِكَسْرِ التَّاءِ خِطَابٌ لَهَا مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَاءَ نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) عَدَدَ خَلْقِهِ مَنْصُوبٌ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًا وَمِثْلُهُ أَخَوَاتُهُ.
وَخَلْقُهُ شَامِلٌ لِمَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَفِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَرِضَاءَ نَفْسِهِ أَيْ عَدَدَ مَنْ ﵃ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَرِضَاهُ عَنْهُمْ لَا يَنْقَضِي وَلَا يَنْقَطِعُ. وَزِنَةَ عَرْشِهِ أَيْ زِنَةَ مَا لَا يَعْلَمُ قَدْرَ وَزْنِهِ إلَّا اللَّهُ. وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ بِكَسْرِ الْمِيمِ هُوَ مَا تُمَدُّ بِهِ الدَّوَاةُ كَالْحِبْرِ وَالْكَلِمَاتُ هِيَ مَعْلُومَاتُ اللَّهِ وَمَقْدُورَاتِهِ وَهِيَ لَا تَنْحَصِرُ وَهِيَ لَا تَتَنَاهَى، وَمِدَادُهَا هُوَ كُلُّ مَدَّةٍ يُكْتَبُ بِهَا مَعْلُومٌ أَوْ مَقْدُورٌ وَذَلِكَ لَا يَنْحَصِرُ فَمُتَعَلِّقُهُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ الْآيَةَ، الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَأَنَّ قَائِلَهَا يُدْرِكُ فَضِيلَةَ تَكْرَارِ الْقَوْلِ بِالْعَدَدِ الْمَذْكُورِ.
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ: يُرَادُ بِهَا الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ الَّتِي يَبْقَى لِصَاحِبِهَا أَجْرُهَا أَبَدَ الْآبَادِ وَفَسَّرَهَا ﷺ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَفْسِيرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا﴾ وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ تَفْسِيرُهَا بِأَفْعَالِ الْخَيْرِ. فَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ هُنَّ ذِكْرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَتَبَارَكَ اللَّهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالصِّيَامُ وَالصَّلَاةُ وَالْحَجُّ وَالصَّدَقَةُ وَالْعِتْقُ وَالْجِهَادُ وَالصِّلَةُ وَجَمِيعُ أَنْوَاعِ الْحَسَنَاتِ وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ الَّتِي تَبْقَى لِأَهْلِهَا فِي الْجَنَّةِ» وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ «الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ فَهُوَ مِنْ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ» وَلَا يُنَافِي تَفْسِيرُهَا فِي الْحَدِيثِ بِمَا ذُكِرَ فَإِنَّهُ لَا حَصْرَ فِيهِ عَلَيْهَا.
стр. 1326
١٤٥٦ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَحَبُّ الْكَلَامِ إلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ، لَا يَضُرُّك بِأَيِّهِنَّ بَدَأْت: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
١٤٥٧ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، أَلَا أَدُلُّك عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ النَّسَائِيّ: «لَا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إلَّا إلَيْهِ».
(وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَحَبُّ الْكَلَامِ إلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ لَا يَضُرُّك بِأَيِّهِنَّ بَدَأْت سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) يَعْنِي إنَّمَا كَانَتْ أَحَبَّهُ إلَيْهِ تَعَالَى لِاشْتِمَالِهَا عَلَى تَنْزِيهِهِ وَإِثْبَاتِ الْحَمْدِ لَهُ وَالْوَحْدَانِيَّة وَالْأَكْبَرِيَّةِ. وَقَوْلُهُ (لَا يَضُرُّك بِأَيِّهِنَّ بَدَأْت) دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَهَا وَلَكِنْ تَقْدِيمُ التَّنْزِيهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ تَقَدُّمُ التَّخْلِيَةِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى التَّحْلِيَةِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّنْزِيهُ تَخْلِيَةٌ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ وَإِثْبَاتُ الْحَمْدِ وَالْوَحْدَانِيَّة وَالْأَكْبَرِيَّةِ تَحْلِيَةٌ بِكُلِّ صِفَاتِ الْكَمَالِ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ تَعَالَى مُنَزَّهَةٌ ذَاتُهُ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ لَمْ تَضُرَّ الْبُدَاءَةُ بِالتَّحْلِيَةِ وَتَقْدِيمُهَا عَلَى التَّخْلِيَةِ وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مَجْمُوعَةً وَمُتَفَرِّقَةً بَحْرٌ لَا تَنْزِفُهُ الدِّلَاءُ وَلَا يُنْقِصُهُ الْإِمْلَاءُ وَكَفَى بِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهَا الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، وَأَنَّهَا أَحَبُّ الْكَلَامِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
(وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ أَلَا أَدُلُّك عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ النَّسَائِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى «لَا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إلَّا إلَيْهِ» أَيْ أَنَّ ثَوَابَهَا مُدَّخَرٌ فِي الْجَنَّةِ وَهُوَ ثَوَابٌ نَفِيسٌ كَمَا أَنَّ الْكَنْزَ أَنْفَسُ أَمْوَالِ الْعِبَادِ فَالْمُرَادُ مَكْنُونُ ثَوَابِهَا عِنْدَ اللَّهِ لَكُمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا كَلِمَةُ اسْتِسْلَامٍ وَتَفْوِيضٍ إلَى اللَّهِ وَاعْتِرَافٍ بِالْإِذْعَانِ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا صَانِعَ غَيْرَهُ وَلَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ الْأَمْرِ. وَالْحَوْلُ الْحَرَكَةُ وَالْحِيلَةُ أَيْ لَا حَرَكَةَ وَلَا اسْتِطَاعَةَ وَلَا حِيلَةَ إلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ. وَرُوِيَ تَفْسِيرُهَا مَرْفُوعًا أَيْ «لَا حَوْلَ عَنْ الْمَعَاصِي إلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إلَّا بِاَللَّهِ ثُمَّ قَالَ ﷺ كَذَلِكَ أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَنْ اللَّهِ ﵎». وَقَوْلُهُ (وَلَا مَلْجَأَ) مَأْخُوذٌ مِنْ لَجَأَ إلَيْهِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ يُقَالُ أَلْجَأْت إلَيْهِ وَالْتَجَأَتْ إذَا اسْتَنَدْت إلَيْهِ وَاعْتَضَدَتْ بِهِ أَيْ لَا مُسْتَنَدَ مِنْ اللَّهِ وَلَا مَهْرَبَ عَنْ قَضَائِهِ إلَّا إلَيْهِ.
стр. 1327
١٤٥٨ - وَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ» رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ
١٤٥٩ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ»
١٤٦٠ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ رَفَعَهُ «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ الدُّعَاءِ» وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.
١٤٦١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ.
(وَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ» رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) يَدُلُّ لَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
(وَلَهُ) أَيْ لِلتِّرْمِذِيِّ (مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا لَفْظُ «الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ» أَيْ خَالِصُهَا؛ لِأَنَّ مُخَّ الشَّيْءِ خَالِصُهُ، وَإِنَّمَا كَانَ مُخُّهَا لِأَمْرَيْنِ، الْأَوَّلُ أَنَّهُ امْتِثَالٌ لِأَمْرِ اللَّهِ حَيْثُ قَالَ ﴿ادْعُونِي﴾ الثَّانِي أَنَّ الدَّاعِيَ إذَا عَلِمَ أَنَّ نَجَاحَ الْأُمُورِ مِنْ اللَّهِ انْقَطَعَ عَمَّا سِوَاهُ وَأَفْرَدَهُ بِطَلَبِ الْحَاجَاتِ، وَإِنْزَالِ الْفَاقَاتِ وَهَذَا هُوَ مُرَادُ اللَّهِ مِنْ الْعِبَادَةِ. .
(وَلَهُ) أَيْ لِلتِّرْمِذِيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ رَفَعَهُ «لَيْسَ شَيْءٌ عَلَى اللَّهِ أَكْرَمُ مِنْ الدُّعَاءِ» وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ).
(وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ) تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِلَفْظٍ آخَرَ فِي بَابِ
стр. 1328
١٤٦٢ - وَعَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ إذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ
١٤٦٣ - وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا مَدَّ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. لَهُ شَوَاهِدُ، مِنْهَا: - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد، وَغَيْرِهِ، وَمَجْمُوعُهَا يَقْضِي بِأَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
الْأَذَانِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَيَتَأَكَّدُ الدُّعَاءُ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ جَوْفَ اللَّيْلِ وَأَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ» وَأَمَّا هَذِهِ الْهَيْئَةُ الَّتِي يَفْعَلُهَا النَّاسُ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ بِأَنْ يَبْقَى الْإِمَامُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَالْمَأْمُومُونَ خَلْفَهُ يَدْعُونَ فَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ رُوِيَ عَنْهُ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ وَلَا حَسَنٍ وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ مَعْرُوفَةٌ وَوَرَدَ التَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّكْبِيرُ كَمَا سَلَفَ فِي الْأَذْكَارِ.
(وَعَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ بِزِنَةِ نَسِيٍّ وَحَشِيٍّ كَرِيمٌ يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ إذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) وَصْفُهُ تَعَالَى بِالْحَيَاءِ يُحْمَلُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ كَسَائِرِ صِفَاتِهِ نُؤْمِنُ بِهَا وَلَا نُكَيِّفُهَا وَلَا يُقَالُ إنَّهُ مَجَازٌ وَتُطْلَبُ لَهُ الْعِلَاقَاتُ هَذَا مَذْهَبُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ (وَصِفْرًا) بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ أَيْ خَالِيَةً وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ كَثِيرَةٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ «لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الدُّعَاءِ إلَّا الِاسْتِسْقَاءَ» فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي الرَّفْعِ وَأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ إلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ. وَأَحَادِيثُ رَفْعِهِ ﷺ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ أَفْرَدَهَا الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي جُزْءٍ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " الْمَسْأَلَةُ أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْك حَذْوَ مَنْكِبَيْك وَالِاسْتِسْقَاءُ أَنْ تُشِيرَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ وَالِابْتِهَالُ أَنْ تَمُدَّ يَدَيْك جَمِيعًا " وَهُوَ مَوْقُوفٌ وَأَمَّا مَسْحُ الْيَدَيْنِ بَعْدَ الدُّعَاءِ فَوَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ الْآتِي:
стр. 1329
١٤٦٤ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ
وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا مَدَّ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْهَا عِنْدَ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ وَمَجْمُوعُهَا يَقْضِي بِأَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ مَسْحِ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الدُّعَاءِ. قِيلَ وَكَأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ لَا يَرُدُّهُمَا صِفْرًا فَكَأَنَّ الرَّحْمَةَ أَصَابَتْهُمَا فَنَاسَبَ إفَاضَةَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ وَأَحَقُّهَا بِالتَّكْرِيمِ.
(وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) الْمُرَادُ أَحَقُّهُمْ بِالشَّفَاعَةِ أَوْ الْقُرْبِ مِنْ مَنْزِلَتِهِ فِي الْجَنَّةِ وَفِيهِ فَضِيلَةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا وَلَوْ أَضَافَ هَذَا الْحَدِيثَ إلَى مَا سَلَفَ لَكَانَ أَوْفَقَ.
(وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتنِي وَأَنَا عَبْدُك وَأَنَا عَلَى عَهْدِك وَوَعْدِك مَا اسْتَطَعْت، أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْت، أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ). وَتَمَامُ الْحَدِيثِ «مَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا كَانَ هَذَا الدُّعَاءُ جَامِعًا لِمَعَانِي التَّوْبَةِ اُسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُ السَّيِّدِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الرَّئِيسُ الَّذِي يُقْصَدُ إلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ وَيُرْجَعُ
стр. 1330
١٤٦٥ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتنِي، وَأَنَا عَبْدُك، وَأَنَا عَلَى عَهْدِك وَوَعْدِك مَا اسْتَطَعْت، أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْت، أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَك بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
إلَيْهِ فِي الْأُمُورِ. وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ " أَلَا أَدُلُّك عَلَى سَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ " وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عَنْ النَّسَائِيّ «تَعَلَّمُوا سَيِّدَ الِاسْتِغْفَارِ» وَقَوْلُهُ " لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتنِي " وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ " اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتنِي " وَزَادَ فِيهِ " آمَنْت لَك مُخْلِصًا لَك دِينِي " وَقَوْلُهُ " وَأَنَا عَبْدُك " جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ: أَنْتَ رَبِّي وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عَبْدَك بِمَعْنَى عَابِدُك فَلَا يَكُونُ تَأْكِيدًا وَيُؤَيِّدُهُ عَطْفُ قَوْلِهِ وَأَنَا عَلَى عَهْدِك. وَمَعْنَاهُ كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَنَا عَلَى مَا عَاهَدَتْك عَلَيْهِ وَوَاعَدْتُك مِنْ الْإِيمَانِ بِك وَإِخْلَاصِ الطَّاعَةِ لَك مَا اسْتَطَعْت وَمُتَمَسِّكٌ بِهِ وَمُسْتَنْجِزٌ وَعْدَك فِي التَّوْبَةِ وَالْأَجْرِ.
وَفِي قَوْلِهِ (مَا اسْتَطَعْت) اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ وَالْقُصُورِ عَنْ الْقِيَامِ بِالْوَاجِبِ مِنْ حَقِّهِ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُرِيدُ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ حَيْثُ أَخْرَجَهُمْ أَمْثَالَ الذَّرِّ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فَأَقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَبِالْوَعْدِ مَا قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ «أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ» وَمَعْنَى (أَبُوءُ) أُقِرُّ وَأَعْتَرِفُ، وَهُوَ مَهْمُوزٌ وَأَصْلُهُ الْبَوَاءُ وَمَعْنَاهُ اللُّزُومُ وَمِنْهُ بَوَّأَهُ اللَّهُ مَنْزِلًا أَيْ أَسْكَنَهُ فَكَأَنَّهُ أَلْزَمَهُ بِهِ (وَأَبُوءُ بِذَنْبِي) أَعْتَرِفُ بِهِ وَأُقِرُّ. وَقَوْلُهُ «فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ» اعْتِرَافٌ بِذَنْبِهِ أَوَّلًا ثُمَّ طَلَبُ غُفْرَانِهِ ثَانِيًا. وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْخِطَابِ وَأَلْطَفِ الِاسْتِعْطَافِ كَقَوْلِ أَبِي الْبَشَرِ ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وَقَدْ اشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَبِالْعُبُودِيَّةِ لِلْعَبْدِ فِي التَّوْحِيدِ لَهُ، وَبِالْإِقْرَارِ بِأَنَّهُ الْخَالِقُ، وَالْإِقْرَارِ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى الْأُمَمِ، وَالْإِقْرَارُ بِالْعَجْزِ عَنْ الْوَفَاءِ مِنْ الْعَبْدِ، وَالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ تَعَالَى مِنْ شَرِّ السَّيِّئَاتِ نَحْوُ «نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا» وَالْإِقْرَارِ بِنِعْمَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ. وَأَفْرَدَهَا لِلْجِنْسِ وَالْإِقْرَارِ بِالذَّنْبِ وَطَلَبِ الْمَغْفِرَةِ وَحَصْرِ الْغُفْرَانِ فِيهِ تَعَالَى. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي طَلَبُ الْحَاجَاتِ إلَّا بَعْدَ الْوَسَائِلِ وَأَمَّا مَا اسْتَشْكَلَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ كَيْفَ يَسْتَغْفِرُ وَقَدْ غُفِرَ لَهُ ﷺ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَهُوَ أَيْضًا مَعْصُومٌ فَإِنَّهُ مِنْ الْفُضُولِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ إلَيْهِ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً وَعَلَّمَنَا الِاسْتِغْفَارَ فَعَلَيْنَا التَّأَسِّي وَالِامْتِثَالُ لَا إيرَادُ السُّؤَالِ وَالْإِشْكَالِ. وَقَدْ عُلِمَ هَذَا مَنْ خَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ فَلَمْ يُورِدُوا إشْكَالًا وَلَا سُؤَالًا، وَيَكْفِينَا كَوْنُهُ ذَكَرَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ مِثْلُ طَلَبِنَا لِلرِّزْقِ وَقَدْ تَكَفَّلَ بِهِ وَتَعْلِيمُهُ لَنَا ذَلِكَ «وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» وَكُلُّهُ تَعَبُّدٌ وَذِكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى.
стр. 1331
١٤٦٦ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْعَافِيَةَ فِي دِينِي، وَدُنْيَايَ، وَأَهْلِي وَمَالِي. اللَّهُمَّ اُسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنِ رَوْعَاتِي، وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِك أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
١٤٦٧ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِك، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِك، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِك، وَجَمِيعِ سَخَطِك» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اُسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنِ رَوْعَاتِي وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِك أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) الْعَافِيَةُ فِي الدِّينِ السَّلَامَةُ مِنْ الْمَعَاصِي وَالِابْتِدَاعِ وَتَرْكُ مَا يَجِبُ وَالتَّسَاهُلِ فِي الطَّاعَاتِ، وَفِي الدُّنْيَا السَّلَامَةُ مِنْ شُرُورِهَا وَمَصَائِبِهَا، وَفِي الْأَهْلِ السَّلَامَةُ مِنْ سُوءِ الْعِشْرَةِ وَالْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ وَشَغْلِهِمْ بِطَلَبِ التَّوَسُّعِ فِي الْحُطَامِ وَفِي الْمَالِ السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ الَّتِي تَحْدُثُ فِيهِ وَسَتْرُ الْعَوْرَاتِ عَامٌّ لِعَوْرَةِ الْبَدَنِ وَالدِّينِ وَالْأَهْلِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَتَأْمِينُ الرَّوْعَاتِ كَذَلِكَ وَالرَّوْعَاتُ جَمْعُ رَوْعَةٍ وَهِيَ الْفَزَعُ. وَسَأَلَ اللَّهَ الْحِفْظَ لَهُ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ بَيْنَ أَعْدَائِهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ كَالشَّاةِ بَيْنَ الذِّئَابِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَافِظٌ مِنْ اللَّهِ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ. وَخَصَّ الِاسْتِعَاذَةَ بِالْعَظَمَةِ عَنْ الِاغْتِيَالِ مِنْ تَحْتِهِ؛ لِأَنَّ الِاغْتِيَالَ أَخْذُ الشَّيْءِ خُفْيَةً وَهُوَ أَنْ يُخْسَفَ بِهِ الْأَرْضُ كَمَا صَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَارُونَ أَوْ بِالْغَرَقِ كَمَا صَنَعَ بِفِرْعَوْنَ فَالْكُلُّ اغْتِيَالٌ مِنْ التَّحْتِ.
- (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي
стр. 1332
١٤٦٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
أَعُوذُ بِك مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِك وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِك وَفَجْأَةِ نِقْمَتِك وَجَمِيعِ سَخَطِك» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) الْفَجْأَةُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ مَقْصُورٌ وَبِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمَدِّ وَهِيَ الْبَغْتَةُ وَزَوَالُ النِّعْمَةِ لَا يَكُونُ مِنْهُ تَعَالَى إلَّا بِذَنْبٍ يُصِيبُهُ الْعَبْدُ فَالِاسْتِعَاذَةُ مِنْ الذَّنْبِ فِي الْحَقِيقَةِ كَأَنَّهُ قَالَ: نَعُوذُ بِك مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا وَهُوَ تَعْلِيمُ الْعِبَادِ، وَتَحَوُّلُ الْعَافِيَةِ انْتِقَالُهَا وَلَا يَكُونُ إلَّا بِحُصُولِ ضِدِّهَا وَهُوَ الْمَرَضُ.
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) غَلَبَةُ الدَّيْنِ مَا يَغْلِبُ الْمَدِينَ قَضَاؤُهُ. وَلَا يُنَافِي الِاسْتِعَاذَةَ كَوْنُهُ ﷺ اسْتَدَانَ وَمَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ شَعِيرٍ فَإِنَّ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ الْغَلَبَةِ بِحَيْثُ لَا يُقْدَرُ عَلَى قَضَائِهِ. وَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمَدِينِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا يَكْرَهُ اللَّهُ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ مَرْفُوعًا؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا لَا غَلَبَةَ فِيهِ فَمَنْ اسْتَدَانَ دَيْنًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا وَفِيهِ وَرَدَ حَدِيثُ «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّاهَا اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَلِذَا اسْتَعَاذَ ﷺ مِنْ الْمَغْرَمِ وَهُوَ الدَّيْنُ، وَلَمَّا سَأَلَتْهُ عَائِشَةُ عَنْ وَجْهِ إكْثَارِهِ مِنْ الِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ قَالَ: «إنَّ الرَّجُلَ إذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ» فَالْمُسْتَدِينُ يَتَعَرَّضُ لِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ. وَأَمَّا غَلَبَةُ الْعَدُوِّ أَيْ بِالْبَاطِلِ لِأَنَّ الْعَدُوَّ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا يُعَادِي فِي أَمْرٍ بَاطِلٍ، إمَّا لِأَمْرٍ دِينِيٍّ أَوْ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ كَغَضَبِ الظَّالِمِ لِحَقِّ غَيْرِهِ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الِانْتِصَافِ مِنْهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ فَهِيَ فَرَحُ الْعَدُوِّ بِضُرٍّ نَزَلَ بِعَدُوِّهِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ مَا يَنْكَأُ الْقَلْبَ وَتَبْلُغُ بِهِ النَّفْسُ أَشَدَّ مَبْلَغٍ. وَقَدْ قَالَ هَارُونُ لِأَخِيهِ ﵉ ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ﴾ لَا تُفَرِّحْهُمْ بِمَا تُصِيبُنِي بِهِ.
стр. 1333
١٤٦٩ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّك أَنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الَّذِي إذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
(وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: «سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّك أَنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الَّذِي إذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ " الْأَحَدُ صِفَةُ كَمَالٍ؛ لِأَنَّ الْأَحَدَ الْحَقِيقِيَّ مَا يَكُونُ مُنَزَّهَ الذَّاتِ عَنْ أَنْحَاءِ التَّرْكِيبِ وَالتَّعَدُّدِ وَمَا يَسْتَلْزِمُ أَحَدَهُمَا كَالْجِسْمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ وَالْمُشَارَكَةِ فِي الْحَقِيقَةِ وَمُتَّصِفًا بِخَوَاصِّهَا كَوُجُوبِ الْوُجُودِ وَالْقُدْرَةِ الذَّاتِيَّةِ وَالْحِكْمَةِ النَّاشِئَةِ عَنْ الْأُلُوهِيَّةِ. وَالصَّمَدُ السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ وَيُقْصَدُ، وَالْمُتَّصِفُ بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُوَ الَّذِي يَسْتَغْنِي عَنْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا وَكُلُّ مَا عَدَاهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَنْهُ. إلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَلِدْ مَعْنَاهُ لَمْ يُجَانِسْ وَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَيْهِ مَا يُعِينُهُ أَوْ يَخْلُفُ عَنْهُ لِامْتِنَاعِ الْحَاجَةِ وَالْفَنَاءِ عَلَيْهِ وَهُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَمَنْ قَالَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ؛ وَالْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَقَوْلُهُ: (لَمْ يُولَدْ) أَيْ لَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ: فَإِنْ قُلْت الْمَعْرُوفُ تَقَدُّمُ كَوْنِ الْمَوْلُودِ مَوْلُودًا عَلَى كَوْنِهِ وَالِدًا فَكَانَ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُقَالَ الَّذِي لَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَلِدْ. قُلْت: الْقَصْدُ الْأَصْلِيُّ هُنَا نَفْيُ كَوْنِهِ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ كَمَا ادَّعَاهُ أَهْلُ الْبَاطِلِ وَلَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ أَنَّهُ تَعَالَى مَوْلُودٌ فَالْمَقَامُ مَقَامُ تَقْدِيمِ نَفْيِ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْت: فَلِمَ ذَكَرَ وَلَمْ يُولَدْ مَعَ عَدَمِ مَنْ يَدَّعِيهِ؟ قُلْت: تَتْمِيمًا لِتَفَرُّدِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ مُشَابَهَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَتَحْقِيقًا لِكَوْنِهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وَالْكُفُؤُ الْمُمَاثِلُ أَيْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُمَاثِلُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ وَعُلُوِّ ذَاتِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي تَحَرِّي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ عِنْدَ الدُّعَاءِ لِإِخْبَارِهِ ﷺ أَنَّهُ إذَا سُئِلَ بِهَا أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهَا أَجَابَ وَالسُّؤَالُ الطَّلَبُ لِلْحَاجَاتِ وَالدُّعَاءُ أَعَمُّ مِنْهُ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.
стр. 1334
١٤٧٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَصْبَحَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بِك أَصْبَحْنَا وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِك نَحْيَا، وَبِك نَمُوتُ، وَإِلَيْك النُّشُورُ» «وَإِذَا أَمْسَى قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، أَلَا أَنَّهُ قَالَ: وَإِلَيْك الْمَصِيرُ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ.
١٤٧١ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
١٤٧٢ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو:
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَصْبَحَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ بِك أَصْبَحْنَا وَبِك أَمْسَيْنَا وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ وَإِلَيْك النُّشُورُ، وَإِذَا أَمْسَى قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَإِلَيْك الْمَصِيرُ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ) الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ أَيْ بِقُوَّتِك وَقُدْرَتِك وَإِيجَادِك أَصْبَحْنَا أَيْ دَخَلْنَا فِي الصَّبَاحِ إذْ أَنْتَ الَّذِي أَوْجَدْتنَا وَأَوْجَدْت الصَّبَاحَ وَمِثْلُهُ أَمْسَيْنَا. وَالنُّشُورُ مِنْ نَشَرَ الْمَيِّتَ إذَا أَحْيَاهُ وَفِيهِ مُنَاسَبَةٌ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ فَالْإِيقَاظُ مِنْهُ كَالْإِحْيَاءِ بَعْدَ الْإِمَاتَةِ كَمَا نَاسَبَ فِي الْمَسَاءِ ذِكْرُ الْمَصِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَنَامُ فِيهِ وَالنَّوْمُ كَالْمَوْتِ. وَفِيهِ الْإِقْرَارُ بِأَنَّ كُلَّ إنْعَامٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إنَّمَا كَانَ يَدْعُو بِهَذِهِ الْآيَةِ لِجَمْعِهَا مَعَانِيَ الدُّعَاءِ كُلِّهِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ: وَالْحَسَنَةُ عِنْدَهُمْ هَهُنَا النِّعْمَةُ فَسَأَلَ نَعِيمَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْوِقَايَةَ مِنْ الْعَذَابِ نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِذَلِكَ. وَقَدْ كَثُرَ كَلَامُ السَّلَفِ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنَةِ. فَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الْحَسَنَةُ فِي الدُّنْيَا تَشْمَلُ كُلَّ مَطْلُوبٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ عَافِيَةٍ وَدَارٍ رَحْبَةٍ، وَزَوْجَةٍ حَسْنَاءَ وَوَلَدٍ بَارٍّ، وَرِزْقٍ وَاسِعٍ وَعِلْمٍ نَافِعٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ وَمَرْكَبٍ هَنِيٍّ وَثِيَابٍ جَمِيلَةٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَمِلَتْهُ عِبَارَاتُهُمْ، فَإِنَّهَا مُنْدَرِجَةٌ فِي حَسَنَاتِ الدُّنْيَا؛ فَأَمَّا الْحَسَنَةُ فِي الْآخِرَةِ فَأَعْلَاهَا دُخُولُ الْجَنَّةِ وَتَوَابِعِهِ مِنْ الْأَمْنِ. وَأَمَّا الْوِقَايَةُ مِنْ النَّارِ فَهِيَ تَقْتَضِي تَيْسِيرَ أَسْبَابِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ أَوْ الْعَفْوِ مَحْضًا، وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ وَتَوَابِعِهِ مَا يَلْحَقُ بِهِ فِي الذِّكْرِ لَا مَا يَتَعَقَّبُهُ حَقِيقَةً.
стр. 1335
«اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرَتْ، وَمَا أَسْرَرْت، وَمَا أَعْلَنْت، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
١٤٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي إلَيْهَا مَعَادِي، وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
(وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي وَخَطَئِي وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت وَمَا أَسْرَرْت وَمَا أَعْلَنْت وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْخَطِيئَةُ الذَّنْبُ. وَالْجَهْلُ ضِدُّ الْعِلْمِ. وَالْإِسْرَافُ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَقَوْلُهُ فِي (أَمْرِي) يَحْتَمِلُ تَعَلَّقَهُ بِكُلِّ مَا تَقَدَّمَ أَوْ بِقَوْلِهِ إسْرَافِي فَقَطْ. وَالْجِدُّ بِكَسْرِ الْجِيمِ ضِدُّ الْهَزْلِ. وَقَوْلُهُ (خَطَئِي وَعَمْدِي) مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ إذْ الْخَطِيئَةُ تَكُونُ عَنْ هَزْلٍ وَعَنْ جَدٍّ وَتَكْرِيرُ ذَلِكَ لِتَعَدُّدِ الْأَنْوَاعِ الَّتِي تَقَعُ مِنْ الْإِنْسَانِ مِنْ الْمُخَالَفَاتِ وَالِاعْتِرَافُ بِهَا وَإِظْهَارُ أَنَّ النَّفْسَ غَيْرُ مُبَرَّأَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ إلَّا مَا رَحِمَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. وَقَوْلُهُ (وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي) خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ مَوْجُودٌ. وَمَعْنَى (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ) أَيْ تُقَدِّمُ مَنْ تَشَاءُ مِنْ خَلْقِك فَيَتَّصِفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَيَتَحَقَّقُ بِحَقَائِقِ الْعُبُودِيَّةِ بِتَوْفِيقِك وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لِمَنْ تَشَاءُ مِنْ عِبَادِك بِخِذْلَانِك وَتَبْعِيدِك لَهُ عَنْ دَرَجَاتِ الْخَيْرِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُهُ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵇ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ هَلْ كَانَ يَقُولُهُ بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ قَبْلَهُ؟ فَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ " أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ " وَأَوْرَدَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ " كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ " وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ بَعْدَ السَّلَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ اللَّهُمَّ أَصْلِحْ
следующие страницы →