Полный текст (1 346 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
١٧ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «دِبَاغُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طَهُورُهَا» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
١٨ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ يَجُرُّونَهَا، فَقَالَ: لَوْ أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَقَالُوا: إنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
لِلْخِنْزِيرِ، فَقَدْ حُكِمَ بِرِجْسِيَّتِهِ كُلِّهِ، وَالْكَلْبُ مَقِيسٌ عَلَيْهِ بِجَامِعِ النَّجَاسَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
(السَّادِسُ): يُطَهِّرُ الْجَمِيعَ لَكِنَّ ظَاهِرَهُ دُونَ بَاطِنِهِ، فَيُسْتَعْمَلُ فِي الْيَابِسَاتِ دُونَ الْمَائِعَاتِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُصَلَّى فِيهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ جَمْعًا مِنْهُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ لَمَّا تَعَارَضَتْ.
(السَّابِعُ): يُنْتَفَعُ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ وَإِنْ لَمْ تُدْبَغْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، لِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ: هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟ قَالُوا: إنَّهَا مَيْتَةٌ، قَالَ: إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» وَهُوَ رَأْيُ الزُّهْرِيِّ، وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ مُطْلَقٌ قَيَّدَتْهُ أَحَادِيثُ الدِّبَاغِ الَّتِي سَلَفَتْ.
وَعَنْ " سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ " ﵁ هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ وَالْقَافِ، وَ " سَلَمَةُ " صَحَابِيٌّ يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ " سِنَانٌ "، وَلِسِنَانٍ أَيْضًا صُحْبَةٌ. [قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دِبَاغُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طَهُورُهَا» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْ أَخْرَجَهُ وَصَحَّحَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ غَيْرُ ابْنِ حِبَّانَ هَذَا الْحَدِيثَ لَكِنْ بِأَلْفَاظٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيِّ عَنْ " سَلَمَةَ " بِلَفْظِ «دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ» وَفِي لَفْظٍ «دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا» وَفِي آخَرَ «دِبَاغُهَا طَهُورُهَا» وَفِي لَفْظِ «ذَكَاتُهَا دِبَاغُهَا» وَفِي لَفْظٍ آخَرَ «ذَكَاةُ الْأَدِيمِ دِبَاغُهُ»
وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي تَشْبِيهِهِ الدِّبَاغَ بِالذَّكَاةِ إعْلَامٌ بِأَنَّ الدِّبَاغَ فِي التَّطْهِيرِ بِمَنْزِلَةِ تَذْكِيَةِ الشَّاةِ فِي الْإِحْلَالِ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ يُطَهِّرُهَا وَيُحِلُّ أَكْلَهَا.
١٨ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ يَجُرُّونَهَا، فَقَالَ: لَوْ أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَقَالُوا: إنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
وَعَنْ " مَيْمُونَةَ ﵂ هِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ " مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ " الْهِلَالِيَّةُ، كَانَ اسْمُهَا " بَرَّةَ "، فَسَمَّاهَا
стр. 37
١٩ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁، قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: لَا تَأْكُلُوا فِيهَا، إلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " مَيْمُونَةَ "، تَزَوَّجَهَا ﷺ فِي شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهَا سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ، وَقِيلَ: إحْدَى وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ سِتٍّ وَسِتِّينَ؛ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وَهِيَ خَالَةُ " ابْنِ عَبَّاسٍ "، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ ﷺ بَعْدَهَا. قَالَتْ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ يَجُرُّونَهَا فَقَالَ: لَوْ أَخَذْتُمْ إهَابَهَا؟ فَقَالُوا: إنَّهَا مَيْتَةٌ؟ فَقَالَ: يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَلَيْسَ فِي الْمَاءِ وَالْقَرَظِ مَا يُطَهِّرُهَا»
وَأَمَّا رِوَايَةُ «أَلَيْسَ فِي الشَّثِّ وَالْقَرَظِ مَا يُطَهِّرُهَا» فَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ بِهَذَا اللَّفْظِ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: يَجُوزُ الدِّبَاغُ بِكُلِّ شَيْءٍ يُنَشِّفُ فَضَلَاتِ الْجِلْدِ؛ وَيُطَيِّبُهُ وَيَمْنَعُ مِنْ وُرُودِ الْفَسَادِ عَلَيْهِ كَالشَّثِّ وَالْقَرَظِ وَقُشُورِ الرُّمَّانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الطَّاهِرَةِ، وَلَا يَحْصُلُ بِالشَّمْسِ إلَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلَا بِالتُّرَابِ؛ وَالرَّمَادِ، وَالْمِلْحِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَعَنْ " أَبِي ثَعْلَبَةَ " بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ فَلَامٌ مَفْتُوحَةٌ فَمُوَحَّدَةٌ " الْخُشَنِيُّ " ﵁ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَشِينٌ مُعْجَمَةٌ مَفْتُوحَةٌ فَنُونٌ نِسْبَةٌ إلَى " خُشَيْنِ بْنِ النَّمِرِ " مِنْ قُضَاعَةَ؛ حُذِفَتْ يَاؤُهُ عِنْدَ النِّسْبَةِ؛ وَاسْمُهُ " جُرْهُمٌ " بِضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ فَهَاءٌ مَضْمُومَةٌ، " ابْنُ نَاشِبٍ " بِالنُّونِ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ شِينٌ مُعْجَمَةٌ آخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ، اُشْتُهِرَ بِلَقَبِهِ، بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ بَيْعَةَ الرَّضْوَانِ، وَضُرِبَ لَهُ بِسَهْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَأَرْسَلَهُ إلَى قَوْمِهِ فَأَسْلَمُوا، نَزَلَ الشَّامَ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: لَا تَأْكُلُوا إلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ.
اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى نَجَاسَةِ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهَلْ هُوَ لِنَجَاسَةِ رُطُوبَتِهِمْ؛ أَوْ لِجَوَازِ أَكْلِهِمْ الْخِنْزِيرَ وَشُرْبِهِمْ الْخَمْرَ وَلِلْكَرَاهَةِ؟ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ الْقَائِلُونَ بِنَجَاسَةِ رُطُوبَةِ الْكُفَّارِ، وَهُمْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْقَاسِمِيَّةُ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى
стр. 38
٢٠ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وَالْكِتَابِيُّ يُسَمَّى مُشْرِكًا، إذْ قَدْ قَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ.
وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ كَالْمُؤَيَّدِ بِاَللَّهِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ إلَى طَهَارَةِ رُطُوبَتِهِمْ وَهُوَ الْحَقُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾. «وَلِأَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ»، وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد «وَكُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْقِيَتِهِمْ وَلَا يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْنَا».
وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا كَانَ بَعْدَ الِاسْتِيلَاءِ وَلَا كَلَامَ فِيهِ.
قُلْنَا: فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ غُنْيَةً عَنْهُ، فَمِنْهَا: مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﷺ دَعَاهُ يَهُودِيٌّ إلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةِ سَنَخَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا» بِفَتْحِ السِّينِ وَفَتْحِ النُّونِ الْمُعْجَمَةِ فَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ أَيْ مُتَغَيِّرَةٍ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: لَوْ حَرُمَتْ رُطُوبَتُهُمْ لَاسْتَفَاضَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ نَقْلُ تَوَقِّيهِمْ لَهَا لِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ حِينَئِذٍ مَعَ كَثْرَةِ اسْتِعْمَالَاتهمْ الَّتِي لَا يَخْلُو مِنْهَا مَلْبُوسٌ وَمَطْعُومٌ، وَالْعَادَةُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ تَقْضِي بِالِاسْتِفَاضَةِ قَالَ: وَحَدِيثُ " أَبِي ثَعْلَبَةَ " إمَّا مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ الْأَكْلِ فِي آنِيَتِهِمْ لِلِاسْتِقْذَارِ، لَا لِكَوْنِهَا نَجِسَةً، إذْ لَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَمْ يَجْعَلْهُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ وِجْدَانِ غَيْرِهَا، إذْ الْإِنَاءُ الْمُتَنَجِّسُ بَعْدَ إزَالَةِ نَجَاسَتِهِ هُوَ وَمَا لَمْ يَتَنَجَّسْ عَلَى سَوَاءٍ، أَوْ لِسَدِّ ذَرِيعَةِ الْمُحَرَّمِ، أَوْ لِأَنَّهَا نَجِسَةٌ لِمَا يُطْبَخُ فِيهَا لَا لِرُطُوبَتِهِمْ كَمَا تُفِيدُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد وَأَحْمَدَ بِلَفْظِ: «إنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمْ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمْ الْخَمْرَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا» الْحَدِيثَ.
وَحَدِيثُهُ الْأَوَّلُ مُطْلَقٌ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِآنِيَةٍ يُطْبَخُ فِيهَا مَا ذُكِرَ وَيُشْرَبُ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ فَالنَّجَسُ لُغَةً: الْمُسْتَقْذَرُ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: ذُو نَجَسٍ؛ لِأَنَّهُمْ مَعَهُمْ الشِّرْكُ الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّجَسِ، وَلِأَنَّهُمْ لَا يَتَطَهَّرُونَ وَلَا يَغْتَسِلُونَ وَلَا يَتَجَنَّبُونَ النَّجَاسَاتِ، فَهِيَ مُلَابِسَةٌ لَهُمْ، وَبِهَذَا يَتِمُّ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ آيَةِ الْمَائِدَةِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُوَافِقَةِ لِحُكْمِهَا؛ وَآيَةُ الْمَائِدَةِ أَصْرَحُ فِي الْمُرَادِ.
٢٠ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
стр. 39
٢١ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاِتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سَلْسَلَةً مِنْ فِضَّةٍ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ " عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ " بِالْمُهْمَلَتَيْنِ تَصْغِيرُ حِصْنٍ، وَ " عِمْرَانُ " هُوَ " أَبُو نُجَيْدٍ " بِالْجِيمِ تَصْغِيرُ نَجْدٍ، الْخُزَاعِيُّ الْكَعْبِيُّ، أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ، وَسَكَنَ الْبَصْرَةَ إلَى أَنْ مَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ» بِفَتْحِ الْمِيمِ بَعْدَهَا زَايٌ ثُمَّ أَلِفٌ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُهْمَلَةٌ، وَهِيَ الرَّاوِيَةُ وَلَا تَكُونُ إلَّا مِنْ جِلْدَيْنِ تُقَامُ بِثَالِثٍ بَيْنَهُمَا لِتَتَّسِعَ، كَمَا فِي الْقَامُوسِ [امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ] [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ [فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ]. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِأَلْفَاظٍ فِيهَا: «أَنَّهُ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا وَآخَرُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ﷺ ، وَقَدْ فَقَدَا الْمَاءَ، فَقَالَ: اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ، فَانْطَلَقَا، فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ، أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ، عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالَا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ، قَالَا: انْطَلِقِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . .. إلَى أَنْ قَالَ: وَدَعَا النَّبِيَّ ﷺ بِإِنَاءٍ فَفَرَغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ، أَوْ السَّطِيحَتَيْنِ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا، فَسُقِيَ مَنْ سُقِيَ، وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ» الْحَدِيثَ.
وَفِيهِ زِيَادَةٌ وَمُعْجِزَاتٌ نَبَوِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ مِنْ مَزَادَةِ الْمُشْرِكَةِ وَهُوَ دَلِيلٌ لِمَا سَلَفَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ " أَبِي ثَعْلَبَةَ " مِنْ طَهَارَةِ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى طَهُورِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ؛ لِأَنَّ الْمَزَادَتَيْنِ مِنْ جُلُودِ ذَبَائِحِ الْمُشْرِكِينَ وَذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةٌ، وَيَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ رُطُوبَةِ الْمُشْرِكِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الْمُشْرِكَةَ قَدْ بَاشَرَتْ الْمَاءَ وَهُوَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يَحْمِلُ الْجَمَلُ قَدْرَ الْقُلَّتَيْنِ.
وَمَنْ يَقُولُ: إنَّ رُطُوبَتَهُمْ نَجِسَةٌ، وَيَقُولُ: لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ مَا غَيَّرَهُ، فَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
[وَعَنْ " أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ " ﵁ أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ فَاِتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعَانٍ الْمُرَادُ مِنْهَا هُنَا الصَّدْعُ وَالشِّقُّ [سَلْسَلَةٌ مِنْ فِضَّةٍ] فِي الْقَامُوسِ سَلْسَلَةٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِ السِّينِ الثَّانِيَةِ، مِنْهَا إيصَالُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، أَوْ سِلْسِلَةٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ دَائِرٌ مِنْ حَدِيدٍ وَنَحْوِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلُ، فَيُقْرَأُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ]. وَهُوَ دَلِيلُ جَوَازِ تَضْبِيبِ الْإِنَاءِ بِالْفِضَّةِ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ كَمَا سَلَفَ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي وَاضِعِ " السَّلْسَلَةِ " فَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الَّذِي جَعَلَ السَّلْسَلَةَ هُوَ " أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ " وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَقَالَ أَيْضًا فِيهِ نَظَرٌ؛؛ لِأَنَّ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ «رَأَيْت
стр. 40
باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْخَمْرِ: تُتَّخَذُ خَلًّا؟ قَالَ: لَا» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَكَانَ قَدْ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ». وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إنَّهُ كَانَ فِيهِ حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ ": (لَا تُغَيِّرَنَّ شَيْئًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَرَكَهُ) هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.
وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ عَائِدًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إلَى أَنَسٍ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ، إلَّا أَنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ يَدُلُّ لِلْأَوَّلِ، وَأَنَّ الْقَدَحَ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قُلْت: وَالسِّلْسِلَةُ غَيْرُ الْحَلْقَةِ الَّتِي أَرَادَ " أَنَسٌ " تَغْيِيرَهَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: فَسَلْسَلَهُ، هُوَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَا ذَكَرَهُ.
(أَيْ بَيَانُ النَّجَاسَةِ وَمُطَهِّرَاتِهَا).
[عَنْ " أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ " ﵁ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْخَمْرِ أَيْ بَعْدَ تَحْرِيمِهَا تُتَّخَذُ خَلًّا، فَقَالَ: لَا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ
، فَسَّرَ الِاتِّخَاذَ بِالْعِلَاجِ لَهَا، وَقَدْ صَارَتْ خَمْرًا، وَمِثْلُهُ حَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ، فَإِنَّهَا «لَمَّا حُرِّمَتْ الْخَمْرُ سَأَلَ أَبُو طَلْحَةَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ خَمْرٍ عِنْدَهُ لِأَيْتَامٍ هَلْ يُخَلِّلُهَا؟ فَأَمَرَهُ بِإِرَاقَتِهَا» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَالْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ هُوَ رَأْيُ الْهَادَوِيَّةِ وَالشَّافِعِيِّ، لِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَوْ خَلَّلَهَا لَمْ تَحِلَّ، وَلَمْ تَطْهُرْ، وَظَاهِرُهُ بِأَيِّ عِلَاجٍ كَانَ، وَلَوْ بِنَقْلِهَا مِنْ الظِّلِّ إلَى الشَّمْسِ أَوْ عَكْسُهُ؛ وَقِيلَ: تَطْهُرُ وَتَحِلُّ.
وَأَمَّا إذَا تَخَلَّلَتْ بِنَفْسِهَا مِنْ دُونِ عِلَاجٍ فَإِنَّهَا طَاهِرَةٌ حَلَالٌ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ إنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ إنَّهَا لَا تَطْهُرُ وَإِنْ تَخَلَّلَتْ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ عِلَاجٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي خَلِّ الْخَمْرِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ:
(الْأَوَّلُ): أَنَّهَا إذَا تَخَلَّلَتْ الْخَمْرُ بِغَيْرِ قَصْدٍ حَلَّ خَلُّهَا، وَإِذَا خُلِّلَتْ بِالْقَصْدِ حَرُمَ خَلُّهَا.
(الثَّانِي): يَحْرُمُ كُلُّ خَلٍّ تَوَلَّدَ عَنْ خَمْرٍ مُطْلَقًا.
(الثَّالِثُ): أَنَّ الْخَلَّ حَلَالٌ مَعَ تَوَلُّدِهِ مِنْ الْخَمْرِ سَوَاءٌ قُصِدَ أَمْ لَا، إلَّا أَنَّ فَاعِلَهَا آثِمٌ إنْ تَرَكَهَا بَعْدَ أَنْ صَارَتْ خَمْرًا، عَاصٍ لِلَّهِ، مَجْرُوحُ الْعَدَالَةِ، لِعَدَمِ إرَاقَتِهِ لَهَا حَالَ خَمْرِيَّتِهَا، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ كَمَا دَلَّ لَهُ حَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ. لَكِنْ قَالَ فِي الشَّرْحِ: يَحِلُّ الْخَلُّ الْكَائِنُ عَنْ الْخَمْرَةِ فَإِنَّهُ خَلٌّ
стр. 41
٢٣ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَادَى إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
لُغَةً وَشَرْعًا. وَقِيلَ: وَجُعِلَ التَّخَلُّلُ أَيْضًا مِنْ دُونِ تَخَمُّرٍ فِي صُوَرٍ.
مِنْهَا: إذَا صَبَّ فِي إنَاءٍ مُعَتَّقٍ بِالْخَلِّ عَصِيرَ عِنَبٍ، فَإِنَّهُ يَتَخَلَّلُ وَلَا يَصِيرُ خَمْرًا.
وَمِنْهَا: إذَا جُرِّدَتْ حَبَّاتُ الْعِنَبِ مِنْ عَنَاقِيدِهَا، وَخُتِمَ رَأْسُ الْإِنَاءِ بِطِينٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَإِنَّهُ يَتَخَلَّلُ وَلَا يَصِيرُ خَمْرًا.
وَمِنْهَا: إذَا عُصِرَ أَصْلُ الْعِنَبِ، ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَخَلَّلَ مِثْلَاهُ خَلًّا صَادِقًا، فَإِنَّهُ يَتَخَلَّلُ، وَلَا يَصِيرُ خَمْرًا أَصْلًا.
[وَعَنْهُ] أَيْ عَنْ " أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ " قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ فَنَادَى: إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ» بِتَثْنِيَةِ الضَّمِيرِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِلْخَطِيبِ الَّذِي قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا» الْحَدِيثَ «بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ» لِجَمْعِهِ بَيْنَ ضَمِيرِ اللَّهِ تَعَالَى وَضَمِيرِ رَسُولِهِ ﷺ ، «وَقَالَ: قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» فَالْوَاقِعُ هُنَا يُعَارِضُهُ. وَقَدْ وَقَعَ أَيْضًا فِي كَلَامِهِ ﷺ التَّثْنِيَةُ بِلَفْظِ «أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا» وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ ﷺ نَهَى الْخَطِيبَ؛ لِأَنَّ مَقَامَ الْخَطَابَةِ يَقْتَضِي الْبَسْطَ وَالْإِيضَاحَ، فَأَرْشَدَهُ إلَى أَنَّهُ يَأْتِي بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ لَا بِالضَّمِيرِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْعَتْبُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ جَمْعُهُ بَيْنَ ضَمِيرِهِ تَعَالَى وَضَمِيرِ رَسُولِهِ ﷺ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ ﷺ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ؛ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ، لِعِلْمِهِ بِجَلَالِ رَبِّهِ وَعَظَمَةِ اللَّهِ. [عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ] كَمَا يَأْتِي [فَإِنَّهَا رِجْسٌ] [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَحَدِيثُ " أَنَسٍ " فِي الْبُخَارِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أَكَلْت الْحُمُرَ، ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أَكَلْت الْحُمُرَ، ثُمَّ جَاءَهُ جَاءٍ فَقَالَ: أَفْنَيْت الْحُمُرَ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي: إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ، فَأُكْفِئَتْ الْقُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِالْحُمُرِ».
وَالنَّهْيُ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ثَابِتٌ فِي حَدِيثِ " عَلِيٍّ " ﵇، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى وَالْبَرَاءِ، وَأَبِي ثَعْلَبَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَالْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَكُلِّهَا ثَابِتَةٌ فِي دَوَاوِينِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ ذُكِرَ مَنْ أَخْرَجَهَا فِي الشَّرْحِ، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ. وَتَحْرِيمُهَا هُوَ قَوْلُ
стр. 42
٢٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ ﵁ قَالَ: «خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَلُعَابُهَا يَسِيلُ عَلَى كَتِفِي». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
الْجَمَاهِيرِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ. وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى عَدَمِ تَحْرِيمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ. وَفِي " الْبُخَارِيِّ " عَنْهُ: لَا أَدْرِي أَنَهَى عَنْهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا كَانَتْ حَمُولَةَ النَّاسِ أَوْ حُرِّمَتْ؟
وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْقَوْلِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّهْيِ التَّحْرِيمُ، وَإِنْ جَهِلْنَا عِلَّتَهُ.
وَاسْتَدَلَّ " ابْنُ عَبَّاسٍ " بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الْآيَةَ. فَإِنَّهُ تَلَاهَا جَوَابًا لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ تَحْرِيمِهَا، وَلِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «إنَّهُ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَالِبُ بْنُ أَبْحَرَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَصَابَتْنَا سَنَةٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِمُ أَهْلِي إلَّا سِمَانُ حُمُرٍ، وَإِنَّك حَرَّمْت لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَقَالَ: أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ حُمُرِك فَإِنَّمَا حَرَّمْتهَا مِنْ أَجْلِ جَوَّالِ الْقَرْيَةِ» يُرِيدُ الَّتِي تَأْكُلُ الْجِلَّةَ وَهِيَ الْعَذِرَةُ
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْآيَةَ خَصَّصَتْ عُمُومَهَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَبِأَنَّ حَدِيثَ " أَبِي دَاوُد " مُضْطَرِبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَإِنْ صَحَّ حَمْلُهُ عَلَى الْأَكْلِ مِنْهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: [أَصَابَتْنَا سَنَةٌ] أَيْ شِدَّةٌ وَحَاجَةٌ.
وَذِكْرُ الْمُصَنِّفِ لِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي بَابِ النَّجَاسَاتِ وَتَعْدَادُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ مَنْ لَازَمَهُ التَّنْجِيسُ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَفِيهِ خِلَافٌ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ وَأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يُلَازِمُ النَّجَاسَةَ، فَإِنَّ الْحَشِيشَةَ مُحَرَّمَةٌ طَاهِرَةٌ، وَكَذَا الْمُخَدَّرَاتُ وَالسُّمُومُ الْقَاتِلَةُ، لَا دَلِيلَ عَلَى نَجَاسَتِهَا؛ وَأَمَّا النَّجَاسَةُ فَيُلَازِمُهَا التَّحْرِيمُ، فَكُلُّ نَجِسٍ مُحَرَّمٌ وَلَا عَكْسَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي النَّجَاسَةِ هُوَ الْمَنْعُ عَنْ مُلَابَسَتِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَالْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ الْعَيْنِ حُكْمٌ بِتَحْرِيمِهَا بِخِلَافِ الْحُكْمِ بِالتَّحْرِيمِ، فَإِنَّهُ يُحَرَّمُ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَهُمَا طَاهِرَانِ ضَرُورَةً شَرْعِيَّةً وَإِجْمَاعًا، فَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَتَحْرِيمُ الْحُمُرِ وَالْخَمْرِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَجَاسَتُهُمَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ عَلَيْهِ وَإِلَّا بَقِيَتَا عَلَى الْأَصْلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ الطَّهَارَةِ، فَمَنْ ادَّعَى خِلَافَهُ فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ، وَلِذَا نَقُولُ: لَا حَاجَةَ إلَى إتْيَانِ الْمُصَنِّفِ بِحَدِيثِ " عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ " الْآتِي قَرِيبًا مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلَى طَهَارَةِ الرَّاحِلَةِ؛ وَأَمَّا الْمَيْتَةُ فَلَوْلَا أَنَّهُ وَرَدَ «دِبَاغُ الْأَدِيمِ طُهُورُهُ» «وَأَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» لَقُلْنَا بِطَهَارَتِهَا، إذْ الْوَارِدُ فِي الْقُرْآنِ تَحْرِيمُ أَكْلِهَا، لَكِنْ حَكَمْنَا بِالنَّجَاسَةِ لَمَّا قَامَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ غَيْرُ دَلِيلِ تَحْرِيمِهَا.
стр. 43
٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ الْمَنِيَّ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ. وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الْغَسْلِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: «لَقَدْ كُنْت أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكًا فَيُصَلِّي فِيهِ». وَفِي لَفْظٍ لَهُ: «لَقَدْ كُنْت أَحُكُّهُ يَابِسًا بِظُفْرِي مِنْ ثَوْبِهِ».
وَعَنْ " عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ " وَهُوَ صَحَابِيٌّ أَنْصَارِيٌّ عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الشَّامِ، وَكَانَ حَلِيفًا لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ " عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ " أَنَّهُ سَمِعَ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ» بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ مِنْ الْإِبِلِ الصَّالِحَةُ لَأَنْ تَرْحَلَ [وَلُعَابُهَا بِضَمِّ اللَّامِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَبَعْدَ الْأَلْفِ مُوَحَّدَةٌ هُوَ: مَا سَالَ مِنْ الْفَمِ [يَسِيلُ عَلَى كَتِفِي] [أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ].
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لُعَابَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ، قِيلَ: وَهُوَ إجْمَاعٌ، وَهُوَ أَيْضًا الْأَصْلُ، فَذِكْرُ الْحَدِيثِ بَيَانٌ لِلْأَصْلِ، ثُمَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ عَلِمَ سَيَلَانَ اللُّعَابِ عَلَيْهِ، لِيَكُونَ تَقْرِيرًا.
[وَعَنْ " عَائِشَةَ " ﵂ هِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ " عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ "، أُمُّهَا " أُمُّ رُومَانَ ابْنَةُ عَامِرٍ "، خَطَبَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ، وَتَزَوَّجَهَا فِي شَوَّالٍ سَنَةَ عَشْرَ مِنْ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَعَرَّسَ بِهَا، أَيْ دَخَلَ بِهَا فِي الْمَدِينَةِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْكِبَرِ، وَمَاتَ عَنْهَا وَلَهَا ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا، «وَاسْتَأْذَنَتْ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْكُنْيَةِ، فَقَالَ لَهَا: تَكَنِّي بِابْنِ أُخْتِك عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ». وَكَانَتْ فَقِيهَةً، عَالِمَةً فَصِيحَةً، فَاضِلَةً، كَثِيرَةَ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَارِفَةً بِأَيَّامِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهَا، رَوَى عَنْهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، نَزَلَتْ بَرَاءَتُهَا مِنْ السَّمَاءِ فِي عَشْرِ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ النُّورِ، تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهَا، وَدُفِنَ فِيهِ، وَمَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لِسَبْعِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ وَصَلَّى عَلَيْهَا " أَبُو هُرَيْرَةَ " وَكَانَ خَلِيفَةَ " مَرْوَانَ " فِي الْمَدِينَةِ. قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ الْمَنِيَّ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الْغَسْلِ فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ " عَائِشَةَ "
стр. 44
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِهِ ﷺ ، وَفِي بَعْضِهَا: [وَأَثَرُ الْغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ بُقَعُ الْمَاءِ] وَفِي لَفْظٍ: «فَيَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ فِي ثَوْبِهِ» وَفِي لَفْظٍ: [وَأَثَرُ الْغَسْلِ فِيهِ بُقَعُ الْمَاءِ] وَفِي لَفْظٍ: [ثُمَّ أَرَاهُ فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا] إلَّا أَنَّهُ قَدْ قَالَ الْبَزَّارُ: إنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا مَدَارُهُ عَلَى " سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ "، وَلَمْ يَسْمَعْ عَنْ " عَائِشَةَ "، وَسَبَقَهُ إلَى هَذَا الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ حِكَايَةً عَنْ غَيْرِهِ وَرَدَّ مَا قَالَهُ الْبَزَّارُ بِأَنَّ تَصْحِيحَ الْبُخَارِيِّ لَهُ، وَمُوَافَقَةَ مُسْلِمٍ لَهُ عَلَى تَصْحِيحِهِ مُفِيدٌ لِصِحَّةِ سَمَاعِ " سُلَيْمَانَ " مِنْ " عَائِشَةَ "، وَأَنَّ رَفْعَهُ صَحِيحٌ: وَبِهَذَا الْحَدِيثِ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَةِ الْمَنِيِّ، وَهُمْ الْهَادَوِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ، وَمَالِكٌ وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ قَالُوا: لِأَنَّ الْغَسْلَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ نَجَسٍ، وَقِيَاسًا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ فَضَلَاتِ الْبَدَنِ الْمُسْتَقْذَرَةِ مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، لِانْصِبَابِ جَمِيعِهَا إلَى مَقَرٍّ، وَانْحِلَالِهَا عَنْ الْغِذَاءِ، وَلِأَنَّ الْأَحْدَاثَ الْمُوجِبَةَ لِلطَّهَارَةِ نَجِسَةٌ، وَالْمَنِيُّ مِنْهَا، وَلِأَنَّهُ يَجْرِي مِنْ مَجْرَى الْبَوْلِ فَتَعَيَّنَ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ كَغَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ، وَتَأَوَّلُوا مَا يَأْتِي مِمَّا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: [وَلِمُسْلِمٍ] أَيْ عَنْ " عَائِشَةَ "، رِوَايَةٌ انْفَرَدَ بِلَفْظِهَا عَنْ الْبُخَارِيِّ وَهِيَ قَوْلُهَا: «لَقَدْ كُنْت أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكًا» مَصْدَرٌ تَأْكِيدِيٌّ، يُقَرِّرُ: أَنَّهَا كَانَتْ تَفْرُكُهُ وَتَحُكُّهُ، وَالْفَرْكُ: الدَّلْكُ. يُقَالُ فَرَكَ الثَّوْبَ: إذَا دَلَّكَهُ. [فَيُصَلِّي فِيهِ] وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَيْ لِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ: [لَقَدْ كُنْت أَحُكُّهُ] أَيْ الْمَنِيَّ حَالَ كَوْنِهِ [يَابِسًا بِظُفْرِي مِنْ ثَوْبِهِ] اخْتَصَّ مُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِ رِوَايَةِ الْفَرْكِ وَلَمْ يُخَرِّجْهَا الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ رَوَى الْحَتَّ وَالْفَرْكَ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. وَلَفْظُ الْبَيْهَقِيّ: «رُبَّمَا حَتَّتْهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي» وَهُوَ لَفْظُ ابْنِ حِبَّانَ: «لَقَدْ رَأَيْتنِي أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ.
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثُ " ابْنِ عَبَّاسٍ " عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ إخْرَاجِهِ: وَرَوَاهُ وَكِيعٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، مَوْقُوفًا عَلَى " ابْنِ عَبَّاسٍ " وَهُوَ الصَّحِيحُ [اهـ]: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَ: إنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ وَالْبُزَاقِ، وَقَالَ: إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَمْسَحَهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ إذْخِرَةٍ»
فَالْقَائِلُونَ بِنَجَاسَةِ الْمَنِيِّ تَأَوَّلُوا أَحَادِيثَ الْفَرْكِ هَذِهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْفَرْكُ مَعَ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ وَهُوَ بَعِيدٌ. وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ: الْمَنِيُّ طَاهِرٌ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى طَهَارَتِهِ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ قَالُوا: وَأَحَادِيثُ غَسْلِهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ، وَلَيْسَ الْغَسْلُ دَلِيلُ النَّجَاسَةِ، فَقَدْ يَكُونُ لِأَجْلِ النَّظَافَةِ وَإِزَالَةِ الدَّرَنِ وَنَحْوِهِ؛ قَالُوا: وَتَشْبِيهُهُ بِالْبُزَاقِ وَالْمُخَاطِ دَلِيلُ طَهَارَتِهِ أَيْضًا، وَالْأَمْرُ بِمَسْحِهِ بِخِرْقَةٍ أَوْ إذْخِرَةٍ، لِأَجْلِ إزَالَةِ الدَّرَنِ الْمُسْتَكْرَهِ بَقَاؤُهُ فِي ثَوْبِ الْمُصَلِّي، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا أَجْزَأَ مَسْحُهُ؛ وَأَمَّا التَّشْبِيهُ لِلْمَنِيِّ بِالْفَضَلَاتِ الْمُسْتَقْذَرَةِ مِنْ
стр. 45
٢٦ - وَعَنْ أَبِي السَّمْحِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ كَمَا قَالَهُ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَتِهِ، فَلَا قِيَاسَ مَعَ النَّصِّ.
قَالَ الْأَوَّلُونَ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي فَرْكِهِ وَحَتِّهِ إنَّمَا هِيَ فِي مَنِيِّهِ ﷺ ، وَفَضَلَاتُهُ ﷺ طَاهِرَةٌ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ " عَائِشَةَ " أَخْبَرَتْ عَنْ فَرْكِ الْمَنِيِّ مِنْ ثَوْبِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَنْ جِمَاعٍ وَقَدْ خَالَطَهُ مَنِيُّ الْمَرْأَةِ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّهُ مَنِيُّهُ ﷺ وَحْدَهُ، وَالِاحْتِلَامُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ وَلَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ؛ وَلِأَنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ مَنِيُّهُ ﷺ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ مِنْ فَيْضِ الشَّهْوَةِ بَعْدَ تَقَدُّمِ أَسْبَابِ خُرُوجِهِ مِنْ مُلَاعَبَةٍ وَنَحْوِهَا وَأَنَّهُ لَمْ يُخَالِطْهُ غَيْرُهُ، فَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَلَا دَلِيلَ مَعَ الِاحْتِمَالِ.
وَذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ إلَى نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ كَغَيْرِهِمْ، وَلَكِنْ قَالُوا: يُطَهِّرُهُ الْغُسْلُ أَوْ الْفَرْكُ أَوْ الْإِزَالَةُ بِالْإِذْخِرِ أَوْ الْخِرْقَةِ عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ؛ وَبَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ الْقَائِلِينَ بِالنَّجَاسَةِ وَالْقَائِلِينَ بِالطَّهَارَةِ مُجَادَلَاتٌ وَمُنَاظَرَاتٌ وَاسْتِدْلَالَاتٌ طَوِيلَةٌ اسْتَوْفَيْنَاهَا فِي حَوَاشِي (شَرْحِ الْعُمْدَةِ).
[وَعَنْ " أَبِي السَّمْحِ " بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَاسْمُهُ " إيَادٌ " بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مُخَفَّفَةٍ، بَعْدَ الْأَلِفِ دَالٌ مُهْمَلَةٌ، وَهُوَ خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ» فِي الْقَامُوسِ: أَنَّ الْجَارِيَةَ فَتِيَّةُ النِّسَاءِ «وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَأَخْرَجَ الْحَدِيثَ أَيْضًا الْبَزَّارُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، مِنْ حَدِيثِ " أَبِي السَّمْحِ " قَالَ: «كُنْت أَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَأُتِيَ بِحَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ فَبَالَ عَلَى صَدْرِهِ، فَجِئْت أَغْسِلُهُ فَقَالَ: يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ» الْحَدِيثَ. وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، مِنْ حَدِيثِ " لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ " قَالَتْ: [كَانَ " الْحُسَيْنُ "] وَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ وَفِي لَفْظٍ: «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ». وَرَوَاهُ الْمَذْكُورُونَ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ " عَلِيٍّ " ﵇ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَوْلِ الرَّضِيعِ: يُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ» قَالَ قَتَادَةُ رَاوِيهِ: «هَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا فَإِذَا طَعِمَا غُسِلَا». وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ
стр. 46
٢٧ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ - فِي دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مَرْفُوعَةٌ وَمَوْقُوفَةٌ، وَهِيَ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: إذَا ضُمَّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ قَوِيَتْ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَبَوْلِ الْجَارِيَةِ فِي الْحُكْمِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَا الطَّعَامَ، كَمَا قَيَّدَهُ بِهِ الرَّاوِي، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا أَيْ بِالتَّقْيِيدِ بِالطَّعْمِ لَهُمَا، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَالْمُصَنَّفِ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ: «مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ يُرَشَّ بَوْلُ مَنْ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ مِنْ الصِّبْيَانِ» وَالْمُرَادُ مَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ الِاغْتِذَاءُ بِغَيْرِ اللَّبَنِ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: لِلْهَادَوِيَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُمَا كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ قِيَاسًا لِبَوْلِهِمَا عَلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ، وَتَأَوَّلُوا الْأَحَادِيثَ، وَهُوَ تَقْدِيمٌ لِلْقِيَاسِ عَلَى النَّصِّ. الثَّانِي وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَصَحُّ الْأَوْجُهِ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ يَكْفِي النَّضْحُ فِي بَوْلِ الْغُلَامِ لَا الْجَارِيَةِ فَكَغَيْرِهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ، عَمَلًا بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ " عَلِيٍّ " ﵇، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَغَيْرِهِمْ. يَكْفِي النَّضْحُ فِيهِمَا، وَهُوَ كَلَامُ الْأَوْزَاعِيِّ. وَأَمَّا: هَلْ بَوْلُ الصَّبِيِّ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ؟ فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ نَجِسٌ، وَإِنَّمَا خَفَّفَ الشَّارِعُ تَطْهِيرَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ النَّضْحَ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: هُوَ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي أَصَابَهُ الْبَوْلُ يُغْمَرُ وَيُكَاثَرُ بِالْمَاءِ مُكَاثَرَةً لَا تَبْلُغُ جَرَيَانَ الْمَاءِ وَتَرَدُّدَهُ، وَتَقَاطُرَهُ، بِخِلَافِ الْمُكَاثَرَةِ فِي غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ بِحَيْثُ يَجْرِي عَلَيْهَا بَعْضُ الْمَاءِ، وَيَتَقَاطَرُ مِنْ الْمَحَلِّ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ عَصْرُهُ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ وَهُوَ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُحَقِّقِينَ.
[وَعَنْ " أَسْمَاءَ " بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ فَمِيمٍ فَهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ " بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ " وَهِيَ أُمُّ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ "، أَسْلَمَتْ بِمَكَّةَ قَدِيمًا، وَبَايَعَتْ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهِيَ أَكْبَرُ مِنْ عَائِشَةَ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَمَاتَتْ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ ابْنُهَا بِأَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ، وَلَهَا مِنْ الْعُمْرِ مِائَةُ سَنَةٍ، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَلَمْ تَسْقُطْ لَهَا سِنٌّ، وَلَا تَغَيَّرَ لَهَا عَقْلٌ، وَكَانَتْ قَدْ عَمِيَتْ. «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ: تَحُتُّهُ» بِالْفَتْحِ لِلْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ، وَضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ: أَيْ تَحُكُّهُ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ إزَالَةُ عَيْنِهِ [ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ] أَيْ الثَّوْبَ،
стр. 47
٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَتْ خَوْلَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ الدَّمُ؟ قَالَ: يَكْفِيك الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ
وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ، وَإِسْكَانِ الْقَافِ، وَضَمِّ الرَّاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ: أَيْ تُدَلِّكُ الدَّمَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهَا، لِيَتَحَلَّلَ بِذَلِكَ وَيَخْرُجَ مَا شَرِبَهُ الثَّوْبُ مِنْهُ [ثُمَّ تَنْضَحُهُ] بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ تَغْسِلُهُ بِالْمَاءِ [ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ " ابْنُ مَاجَهْ " بِلَفْظِ: [اُقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ وَاغْسِلِيهِ] وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ [اُقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ وَاغْسِلِيهِ وَصَلِّي فِيهِ]
وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، مِنْ حَدِيثِ " أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ " أَنَّهَا «سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ؟ فَقَالَ: حُكِّيهِ بِصَلَعٍ وَاغْسِلِيهِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: إسْنَادُهُ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ عِلَّةً، وَقَوْلُهُ: [بِصَلَعٍ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَلَامٍ سَاكِنَةٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ: الْحَجَرُ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى نَجَاسَةِ دَمِ الْحَيْضِ، وَعَلَى وُجُوبِ غَسْلِهِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي إزَالَتِهِ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْحَتِّ وَالْقَرْصِ وَالنَّضْحِ لِإِذْهَابِ أَثَرِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ الْعَيْنِ بَقِيَّةٌ فَلَا يَجِبُ الْإِلْحَافُ لِإِذْهَابِهَا، لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الْحَدِيثِ، أَيْ حَدِيثِ " أَسْمَاءَ " وَهُوَ مَحَلُّ الْبَيَانِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي غَيْرِهِ: [وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ].
[وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " قَالَ: قَالَتْ " خَوْلَةُ " بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَفْتُوحَةً، وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَهِيَ " بِنْتُ يَسَارٍ "، كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ، حَيْثُ قَالَ: " خَوْلَةُ بِنْتُ يَسَارٍ ". «يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؛ فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ الدَّمُ؟ قَالَ: يَكْفِيك الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ،؛ لِأَنَّ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ؛ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: لَمْ نَسْمَعْ بِخَوْلَةِ بِنْتِ يَسَارٍ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ " خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ "، بِإِسْنَادٍ أَضْعَفَ مِنْ الْأَوَّلِ. وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ حَدِيثِ " عَائِشَةَ " مَوْقُوفًا عَلَيْهَا: إذَا غَسَلَتْ الْمَرْأَةُ الدَّمَ فَلَمْ يَذْهَبْ فَلْتُغَيِّرْهُ بِصُفْرَةٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْهَا مَوْقُوفًا أَيْضًا
، وَتُغَيِّرُهُ بِالصُّفْرَةِ وَالزَّعْفَرَانِ لَيْسَ لِقَلْعِ عَيْنِهِ، بَلْ لِتَغْطِيَةِ لَوْنِهِ تَنَزُّهًا عَنْهُ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِمَا
стр. 48
بَابُ الْوُضُوءِ
أَشَرْنَا مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُ الْحَادِّ لِقَطْعِ أَثَرِ النَّجَاسَةِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَإِزَالَةِ عَيْنِهَا؛ وَبِهِ أَخَذَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ؛ وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَوْجَبَ الْحَادَّ وَهُمْ الْهَادَوِيَّةُ: بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الطَّهَارَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي عَلَى أَكْمَلِ هَيْئَةٍ، وَأَحْسَنِ زِينَةٍ؛ وَلِحَدِيثِ: «اُقْرُصِيهِ وَأَمِيطِيهِ عَنْك بِإِذْخِرَةٍ».
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ مَا ذَكَرَهُ يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ، وَأَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ، هَذَا كَلَامُهُ؛ وَقَدْ يُقَالُ: قَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْغَسْلِ لِدَمِ الْحَيْضِ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ، وَالسِّدْرُ مِنْ الْحَوَادِّ، وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ بِهِ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ كَمَا عَرَفْت، فَيُقَيَّدُ بِهِ مَا أُطْلِقَ فِي غَيْرِهِ، وَيَخُصُّ اسْتِعْمَالَ الْحَادِّ بِدَمِ الْحَيْضِ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شُرُوطِ الْقِيَاسِ، وَيُحَمَّلُ حَدِيثَ [لَا يَضُرُّك أَثَرُهُ] وَحَدِيثَ " عَائِشَةَ " وَقَوْلَهَا [فَلَمْ يَذْهَبْ] أَيْ: بَعْدَ الْحَادِّ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ اشْتَمَلَتْ مِنْ النَّجَاسَاتِ عَلَى الْخَمْرِ، وَلُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَالْمَنِيِّ، وَبَوْلِ الْجَارِيَةِ وَالْغُلَامِ، وَدَمِ الْحَيْضِ، وَلَوْ أَدْخَلَ الْمُصَنِّفُ بَوْلَ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ، وَدِبَاغَ الْأَدِيمِ، وَنَحْوَهُ فِي هَذَا الْبَابِ لَكَانَ أَوْجَهَ.
فِي الْقَامُوسِ: الْوُضُوءُ يَأْتِي بِالضَّمِّ: الْفِعْلُ، وَبِالْفَتْحِ مَاؤُهُ وَمَصْدَرٌ أَيْضًا، أَوْ لُغَتَانِ، وَيَعْنِي بِهِمَا الْمَاءَ، وَيُقَالُ: تَوَضَّأْت لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّيْتُ، لُغَيَّةٌ أَوْ لُثْغَةٌ (اهـ).
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ أَعْظَمِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» وَثَبَتَ حَدِيثُ: «الْوُضُوءُ شَطْرُ الْإِيمَانِ» وَأَنْزَلَ اللَّهُ فَرِيضَتَهُ مِنْ السَّمَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾؛ الْآيَةَ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ كَانَ فَرْضُ الْوُضُوءِ بِالْمَدِينَةِ أَوْ بِمَكَّةَ؟ فَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّهُ فُرِضَ بِالْمَدِينَةِ، لِعَدَمِ النَّصِّ النَّاهِضِ عَلَى خِلَافِهِ.
وَوَرَدَ فِي الْوُضُوءِ فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا حَدِيثُ " أَبِي هُرَيْرَةَ " عِنْدَ " مَالِكٍ " وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا: «إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إلَيْهَا بِعَيْنِهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ».
وَأَشْمَلُ مِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ " مَالِكٌ " أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ " عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ "، بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ آخِرُهُ مُهْمَلَةٌ، نِسْبَةً إلَى " صُنَابِحَ " بَطْنٌ مِنْ " مُرَادَ "، وَهُوَ صَحَابِيٌّ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ، فَتَمَضْمَضَ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ، وَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ، فَإِذَا
стр. 49
٢٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا
غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهُ نَافِلَةً لَهُ» وَفِي مَعْنَاهُمَا عِدَّةُ أَحَادِيثَ.
ثُمَّ هَلْ الْوُضُوءُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ فِيهِ خِلَافٌ.
الْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِهَا؛ إنَّمَا الَّذِي مِنْ خَصَائِصِهَا الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ.
عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا؛ الْمُعَلَّقُ: هُوَ مَا يَسْقُطُ مِنْ أَوَّلِ إسْنَادِهِ رَاوٍ فَأَكْثَرُ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ "، وَهَذَا لَفْظُهُ. قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: إسْنَادُهُ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: غَلِطَ بَعْضُ الْكِبَارِ فَزَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُخَرِّجْهُ. قُلْت: وَظَاهِرُ صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ هُنَا يَقْضِي بِأَنَّهُ لَمْ يُخَرِّجْهُ وَاحِدٌ مِنْ الشَّيْخَيْنِ، وَهُوَ مِنْ أَحَادِيثِ (عُمْدَةِ الْأَحْكَامِ) الَّتِي لَا يُذْكَرُ فِيهَا إلَّا مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، إلَّا أَنَّهُ بِلَفْظِ: «عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ». وَفِي مَعْنَاهُ عِدَّةُ أَحَادِيثَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهَا: عَنْ " عَلِيٍّ " ﵇، عِنْدَ أَحْمَدَ، وَعَنْ " زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ " عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَعَنْ " أُمِّ حَبِيبَةَ "، وَ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ "، " وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ "، " وَجَابِرٍ "، " وَأَنَسٍ "، عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ، " وَأَبِي أَيُّوبَ "، عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، مِنْ حَدِيثِ " ابْنِ عَبَّاسٍ "، " وَعَائِشَةَ "، عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُد
، وَوَرَدَ الْأَمْرُ بِهِ مِنْ حَدِيثِ: «تَسَوَّكُوا فَإِنَّ السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَلَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ عَدِيدَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ لِلْأَمْرِ بِهِ أَصْلًا.
وَوَرَدَ فِي أَحَادِيثَ: «إنَّ السِّوَاكَ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ، وَأَنَّهُ مِنْ خِصَالِ الْفِطْرَةِ،
стр. 50
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَأَنَّهُ مِنْ الطَّهَارَاتِ، وَأَنَّ فَضْلَ الصَّلَاةِ الَّتِي يَسْتَاكُ لَهَا سَبْعُونَ ضِعْفًا» أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ: قَدْ ذُكِرَ فِي السِّوَاكِ زِيَادَةٌ عَلَى مِائَةِ حَدِيثٍ فَوَا عَجَبًا لِسُنَّةٍ تَأْتِي فِيهَا الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ، ثُمَّ يُهْمِلُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ، فَهَذِهِ خَيْبَةٌ عَظِيمَةٌ.
هَذَا، وَلَفْظُ السِّوَاكِ بِكَسْرِ السِّينِ فِي اللُّغَةِ: يُطْلَقْ عَلَى الْفِعْلِ؛ وَعَلَى الْآلَةِ؛ وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَجَمْعُهُ سُوكٌ؛ كَكِتَابٍ وَكُتُبٍ. وَيُرَادُ بِهِ فِي الِاصْطِلَاحِ: اسْتِعْمَالُ عُودٍ أَوْ نَحْوِهِ فِي الْأَسْنَانِ؛ لِتَذْهَبَ الصُّفْرَةُ وَغَيْرُهَا.
قُلْت: وَعِنْدَ ذَهَابِ الْأَسْنَانِ أَيْضًا يُشْرَعُ لِحَدِيثِ " عَائِشَةَ ": «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَذْهَبُ فُوهُ؛ وَيَسْتَاكُ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ قُلْت: كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: يُدْخِلُ أُصْبُعَهُ فِي فَمِهِ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ.
وَأَمَّا حُكْمُهُ: فَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ بِوُجُوبِهِ، وَحَدِيثُ الْبَابِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ، لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: [لَأَمَرْتهمْ] أَيْ أَمْرُ إيجَابٍ، فَإِنَّهُ تَرَكَ الْأَمْرَ بِهِ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ لَا أَمْرُ النَّدْبِ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِلَا مِرْيَةٍ.
وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى تَعْيِينِ وَقْتِهِ، وَهُوَ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ؛ وَفِي الشَّرْحِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَيَشْتَدُّ اسْتِحْبَابُهُ فِي خَمْسَةِ أَوْقَاتٍ: عِنْدَ الصَّلَاةِ، سَوَاءٌ كَانَ مُتَطَهِّرًا بِمَاءٍ أَوْ تُرَابٍ، أَوْ غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ، كَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا؛ عِنْدَ الْوُضُوءِ؛ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؛ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ مِنْ النَّوْمِ؛ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: السِّرُّ فِيهِ، أَيْ فِي السِّوَاكِ عِنْدَ الصَّلَاةِ، أَنَّا مَأْمُورُونَ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ أَنْ نَكُونَ فِي حَالَةِ كَمَالٍ وَنَظَافَةٍ، إظْهَارًا لِشَرَفِ الْعِبَادَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَلَكِ، وَهُوَ أَنْ يَضَعَ فَاهُ عَلَى فَمِ الْقَارِئِ وَيَتَأَذَّى بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ. فَسُنَّ السِّوَاكُ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَهُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ.
ثُمَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَخُصُّ صَلَاةً فِي اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ لَهَا؛ فِي إفْطَارٍ وَلَا صِيَامٍ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: لَا يُسَنُّ بَعْدَ الزَّوَالِ فِي الصَّوْمِ؛ لِئَلَّا يَذْهَبَ بِهِ خُلُوفُ الْفَمِ الْمَحْبُوبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأُجِيبَ: بِأَنَّ السِّوَاكَ لَا يَذْهَبُ بِهِ الْخُلُوفُ، فَإِنَّهُ صَادِرٌ مِنْ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ، وَلَا يَذْهَبُ بِالسِّوَاكِ.
ثُمَّ هَلْ يُسَنُّ ذَلِكَ لِلْمُصَلِّي وَإِنْ كَانَ مُتَوَضِّئًا، كَمَا يَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ: [عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ]؟ قِيلَ: نَعَمْ يُسَنُّ ذَلِكَ، وَقِيلَ لَا يُسَنُّ إلَّا عِنْدَ الْوُضُوءِ؛ لِحَدِيثِ [مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ]، وَأَنَّهُ يُقَيِّدُ إطْلَاقَ [عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ] بِأَنَّ الْمُرَادَ عِنْدَ وُضُوءِ كُلِّ صَلَاةٍ.
وَلَوْ قِيلَ: إنَّهُ يُلَاحَظُ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ شُرِعَ السِّوَاكُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ مَضَى وَقْتٌ طَوِيلٌ يَتَغَيَّرُ فِيهِ الْفَمُ بِأَحَدِ الْمُتَغَيِّرَاتِ الَّتِي ذُكِرَتْ، وَهِيَ أَكْلُ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، وَطُولُ السُّكُوتِ، وَكَثْرَةُ الْكَلَامِ، وَتَرْكُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، شُرِعَ وَإِنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ وَإِلَّا فَلَا لَكَانَ وَجْهًا.
وَقَوْلُهُ فِي رَسْمِ السِّوَاكِ اصْطِلَاحًا (أَوْ نَحْوَهُ): أَيْ نَحْوَ الْعُودِ. وَيُرِيدُونَ بِهِ كُلَّ مَا يُزِيلُ التَّغَيُّرَ كَالْخِرْقَةِ الْخَشِنَةِ، وَالْأُشْنَانِ؛ وَالْأَحْسَنُ
стр. 51
٣٠ - وَعَنْ حُمْرَانَ «أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ. فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إلَى الْمِرْفَقِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إلَى الْكَعْبَيْنِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
أَنْ يَكُونَ السِّوَاكُ عُودَ أَرَاكٍ مُتَوَسِّطًا، لَا شَدِيدَ الْيُبْسِ، فَيَجْرَحُ اللِّثَةَ، وَلَا شَدِيدَ الرُّطُوبَةِ، فَلَا يُزِيلُ مَا يُرَادُ إزَالَتُهُ.
[وَعَنْ حُمْرَانَ " ﵁ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا. وَهُوَ " ابْنُ أَبَانَ " بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ مَوْلَى " عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ "، أَرْسَلَهُ لَهُ " خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ " مِنْ بَعْضِ مَنْ سَبَاهُ فِي مَغَازِيهِ، فَأَعْتَقَهُ " عُثْمَانُ ". [أَنَّ " عُثْمَانَ " هُوَ " ابْنُ عَفَّانَ - تَأْتِي تَرْجَمَتُهُ قَرِيبًا - دَعَا بِوَضُوءٍ] أَيْ بِمَاءٍ يَتَوَضَّأُ بِهِ [فَغَسَلَ كَفَّهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ]
هَذَا مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَلَيْسَ هُوَ غَسْلُهُمَا عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ الَّذِي سَيَأْتِي حَدِيثُهُ، بَلْ هَذَا سُنَّةُ الْوُضُوءِ؛ فَلَوْ اسْتَيْقَظَ وَأَرَادَ الْوُضُوءَ فَظَاهِرُ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ يَغْسِلُهُمَا لِلِاسْتِيقَاظِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ الْوُضُوءُ كَذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ تَدَاخُلُهُمَا [ثُمَّ تَمَضْمَضَ].
الْمَضْمَضَةُ بِأَنْ يَجْعَلَ الْمَاءَ فِي الْفَمِ ثُمَّ يَمُجُّهُ، وَكَمَالُهَا أَنْ يَجْعَلَ الْمَاءَ فِي فِيهِ، ثُمَّ يُدِيرُهُ، ثُمَّ يَمُجُّهُ كَذَا فِي الشَّرْحِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْمَضْمَضَةُ تَحْرِيكُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ، فَجَعَلَ مِنْ مُسَمَّاهَا التَّحْرِيكَ وَلَمْ يَجْعَلْ مِنْهُ الْمَجَّ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي حَدِيثِ " عُثْمَانَ " هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً أَوْ ثَلَاثًا، لَكِنْ فِي حَدِيثِ " عَلِيٍّ " ﵇ «أَنَّهُ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَنَثَرَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى فَعَلَ هَذَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: هَذَا طَهُورُ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ».
[وَاسْتَنْشَقَ] الِاسْتِنْشَاقُ: إيصَالُ الْمَاءِ إلَى دَاخِلِ الْأَنْفِ، وَجَذْبُهُ بِالنَّفْسِ إلَى أَقْصَاهُ [وَاسْتَنْثَرَ] الِاسْتِنْثَارُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ: إخْرَاجُ الْمَاءِ مِنْ الْأَنْفِ، بَعْدَ الِاسْتِنْشَاقِ.
[ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى] فِيهِ بَيَانٌ لِمَا أَجْمَلَ فِي الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الْآيَةَ؛ وَأَنَّهُ يُقَدِّمُ الْيُمْنَى [إلَى الْمِرْفَقِ] بِكَسْرِ مِيمِهِ وَفَتْحِ فَائِهِ، وَبِفَتْحِهِمَا، وَكَلِمَةُ، " إلَى "، فِي الْأَصْلِ لِلِانْتِهَاءِ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى: مَعَ، وَبَيَّنَتْ الْأَحَادِيثُ أَنَّهُ الْمُرَادُ كَمَا فِي حَدِيثِ " جَابِرٍ ": [كَانَ يُدِيرُ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ] أَيْ النَّبِيُّ ﷺ ؛ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَأَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ فِي صِفَةِ وُضُوءِ " عُثْمَانَ " أَنَّهُ غَسَلَ يَدَيْهِ إلَى
стр. 52
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْمِرْفَقَيْنِ، حَتَّى مَسَحَ أَطْرَافَ الْعَضُدَيْنِ، وَهُوَ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالطَّبَرَانِيِّ، مِنْ حَدِيثِ " وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ " فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ: «وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَرَافِقَ» وَفِي الطَّحَاوِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ " ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبَّادٍ " عَنْ أَبِيهِ: «ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى سَالَ الْمَاءُ عَلَى مِرْفَقَيْهِ».
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، قَالَ " إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ": " إلَى " فِي الْآيَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْغَايَةِ، وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى: مَعَ، فَبَيَّنَتْ السُّنَّةُ أَنَّهَا بِمَعْنَى مَعَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُعْلَمُ خِلَافًا فِي إيجَابِ دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، وَبِهَذَا عَرَفْت أَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قَامَ عَلَى دُخُولِ الْمَرَافِقِ؛ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، لَفْظُ " إلَى " يُفِيدُ مَعْنَى الْغَايَةِ مُطْلَقًا، فَأَمَّا دُخُولُهَا فِي الْحُكْمِ وَخُرُوجُهَا فَأَمْرٌ يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَمْثِلَةً لِذَلِكَ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ قَدْ قَامَ هَاهُنَا الدَّلِيلُ عَلَى دُخُولِهَا؛ [ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلُ ذَلِكَ] أَيْ إلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
[ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ] هُوَ مُوَافِقٌ لِلْآيَةِ فِي الْإِتْيَانِ بِالْبَاءِ، وَمَسَحَ يَتَعَدَّى بِهَا وَبِنَفْسِهِ؛ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إنَّ الْبَاءَ هُنَا لِلتَّعْدِيَةِ، يَجُوزُ حَذْفُهَا وَإِثْبَاتُهَا، وَقِيلَ: دَخَلَتْ الْبَاءُ هَاهُنَا لِمَعْنًى تُفِيدُهُ وَهُوَ: أَنَّ الْغَسْلَ لُغَةً يَقْتَضِي مَغْسُولًا بِهِ، وَالْمَسْحَ لُغَةً لَا يَقْتَضِي مَمْسُوحًا بِهِ، فَلَوْ قَالَ: امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ - لَأَجْزَأَ الْمَسْحُ بِالْيَدِ بِغَيْرِ مَاءٍ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: فَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ الْمَاءَ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ: فَامْسَحُوا بِالْمَاءِ رُءُوسَكُمْ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يَجِبُ مَسْحُ كُلِّ الرَّأْسِ أَوْ بَعْضِهِ؟ قَالُوا: الْآيَةُ لَا تَقْتَضِي أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ بِعَيْنِهِ، إذْ قَوْلُهُ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ جَمِيعَ الرَّأْسِ، أَوْ بَعْضَهُ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى اسْتِيعَابِهِ، وَلَا عَدَمِ اسْتِيعَابِهِ لَكِنَّ مَنْ قَالَ: يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِهِ قَالَ: إنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ مُبَيِّنَةً لِأَحَدِ احْتِمَالَيْ الْآيَةِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ فَحَسَرَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ وَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ» وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا، فَقَدْ اعْتَضَدَ بِمَجِيئِهِ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ " أَنَسٍ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِي سَنَدِهِ مَجْهُولٌ، فَقَدْ عُضِّدَ بِمَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، مِنْ حَدِيثِ " عُثْمَانَ " فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ: «أَنَّهُ مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ» وَفِيهِ رَاوٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ.
وَثَبَتَ عَنْ " ابْنِ عُمَرَ " الِاكْتِفَاءُ بِمَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ: وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: لَا بُدَّ مِنْ مَسْحِ الْبَعْضِ مَعَ التَّكْمِيلِ عَلَى الْعِمَامَةِ، لِحَدِيثِ " الْمُغِيرَةِ " " وَجَابِرٍ " عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَكْرَارَ مَسْحِ الرَّأْسِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ طَوَى ذِكْرَ التَّكْرَارِ أَيْضًا فِي الْمَضْمَضَةِ، كَمَا عَرَفْت، وَعَدَمُ الذِّكْرِ لَا دَلِيلَ فِيهِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ.
«ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى إلَى الْمِرْفَقِ، إلَّا أَنَّ الْمِرْفَقَ قَدْ اُتُّفِقَ عَلَى مُسَمَّاهُ بِخِلَافِ الْكَعْبَيْنِ، فَوَقَعَ فِي الْمُرَادِ بِهِمَا خِلَافَ الْمَشْهُورِ: أَنَّهُ الْعَظْمُ النَّاشِزُ عِنْدَ مُلْتَقَى السَّاقِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْإِمَامِيَّةِ
стр. 53
٣١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي «صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَمَسَحَ
أَنَّهُ الْعَظْمُ الَّذِي فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ؛ وَفِي الْمَسْأَلَةِ مُنَاظَرَاتٌ وَمُقَاوَلَاتٌ طَوِيلَةٌ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَمِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ، أَيْ عَلَى مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ، حَدِيثُ " النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ " فِي صِفَةِ الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ: «فَرَأَيْت الرَّجُلَ مِنَّا يَلْزَقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ» قُلْت: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَنْهَضُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ يَقُولُ: أَنَا أُسَمِّيه كَعْبًا، وَلَا أُخَالِفُكُمْ فِيهِ، لَكِنِّي أَقُولُ: إنَّهُ غَيْرُ الْمُرَادِ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ، إذْ الْكَعْبُ يُطْلَقُ عَلَى النَّاشِزِ وَعَلَى مَا فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ، وَغَايَةُ مَا فِي حَدِيثِ " النُّعْمَانِ " أَنَّهُ سَمَّى النَّاشِزَ كَعْبًا، وَلَا خِلَافَ فِي تَسْمِيَتِهِ، وَقَدْ أَيَّدْنَا فِي (حَوَاشِي ضَوْءِ النَّهَارِ) أَرْجَحِيَّةَ مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ بِأَدِلَّةٍ هُنَاكَ. [ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلُ ذَلِكَ] أَيْ إلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ «قَالَ أَيْ عُثْمَانُ؛ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَتَمَامُ الْحَدِيثِ فَقَالَ: أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
«مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ: لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» أَيْ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِأُمُورِ الدُّنْيَا، وَمَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالصَّلَاةِ، وَلَوْ عَرَضَ لَهُ حَدِيثٌ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، بِمُجَرَّدِ عُرُوضِهِ عُفِيَ عَنْهُ، وَلَا يُعَدُّ مُحَدِّثًا لِنَفْسِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ أَفَادَ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الْمَعْطُوفَةِ بِثُمَّ، وَأَفَادَ التَّثْلِيثَ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ صِفَةُ فِعْلٍ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ فَضِيلَةٌ، وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ عَدَمُ إجْزَاءِ الصَّلَاةِ إلَّا إذَا كَانَ بِصِفَتِهِ، وَلَا وَرَدَ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى إيجَابِ صِفَاتِهِ، فَأَمَّا التَّرْتِيبُ فَخَالَفَتْ فِيهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَقَالُوا: لَا يَجِبُ. وَأَمَّا التَّثْلِيثُ فَغَيْرُ وَاجِبٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِيهِ خِلَافٌ شَاذٌّ. وَدَلِيلُ عَدَمِ وُجُوبِهِ: تَصْرِيحُ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَرَّةً مَرَّةً، وَبَعْضَ الْأَعْضَاءِ ثَلَّثَهَا، وَبَعْضَهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَصَرَّحَ فِي وُضُوءِ مَرَّةٍ مَرَّةٍ: إنَّهُ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ.
وَأَمَّا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِمَا، فَقِيلَ: يَجِبَانِ لِثُبُوتِ الْأَمْرِ بِهِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَفِيهِ: «وَبَالِغَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» وَلِأَنَّهُ وَاظَبَ عَلَيْهِمَا فِي جَمِيعِ وُضُوئِهِ.
وَقِيلَ: إنَّهُمَا سُنَّةٌ بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَفِيهِ: «أَنَّهُ لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيَمْسَحُ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ» فَلَمْ يَذْكُرْ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، فَإِنَّهُ اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى الْوَاجِبِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيُؤَوَّلُ حَدِيثُ الْأَمْرِ بِأَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ.
َ
стр. 54
بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. بَلْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّهُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ.
[وَعَنْ " عَلِيٍّ " ﵇ هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؛ " أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ " ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الذُّكُورِ فِي أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ عَلَى خِلَافٍ فِي سِنِّهِ، كَمْ كَانَ وَقْتُ إسْلَامِهِ؟ وَلَيْسَ فِي الْأَقْوَالِ أَنَّهُ بَلَغَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، بَلْ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ سِتَّ عَشْرَةَ إلَى سَبْعِ سِنِينَ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا إلَّا " تَبُوكَ "، فَأَقَامَهُ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ خَلِيفَةً عَنْهُ، وَقَالَ لَهُ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» اُسْتُخْلِفَ يَوْمَ قُتِلَ " عُثْمَانُ " يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، وَاسْتُشْهِدَ صُبْحَ الْجُمُعَةِ بِالْكُوفَةِ، لِسَبْعِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثٍ مِنْ ضَرْبَةِ الشَّقِيِّ " ابْنُ مُلْجِمٍ " لَهُ؛ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وَخِلَافَتُهُ أَرْبَعُ سِنِينَ وَسَبْعَةُ أَشْهُرٍ وَأَيَّامٌ، وَقَدْ أُلِّفَتْ فِي صِفَاتِهِ وَبَيَانِ أَحْوَالِهِ كُتُبٌ جَمَّةٌ، وَاسْتَوْفَيْنَا شَطْرًا صَالِحًا مِنْ ذَلِكَ فِي: " الرَّوْضَةِ النَّدِيَّةِ شَرْحِ التُّحْفَةِ الْعُلْوِيَّةِ ". فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ اسْتَوْفَى فِيهِ صِفَةَ الْوُضُوءِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ، وَهُوَ يُفِيدُ مَا أَفَادَهُ حَدِيثُ " عُثْمَانَ "، وَإِنَّمَا أَتَى الْمُصَنِّفُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّصْرِيحِ بِمَا لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ فِي حَدِيثِ " عُثْمَانَ "، وَهُوَ مَسْحُ الرَّأْسِ مَرَّةً، فَإِنَّهُ نَصَّ أَنَّهُ وَاحِدَةً مَعَ تَصْرِيحِهِ بِتَثْلِيثِ مَا عَدَاهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ قَوْمٌ بِتَثْلِيثِ مَسْحِهِ كَمَا يُثَلَّثُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ إذْ هُوَ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ تَثْلِيثُهُ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِي كُلِّ حَدِيثٍ ذُكِرَ فِيهِ تَثْلِيثُ الْأَعْضَاءِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ " عُثْمَانَ " فِي تَثْلِيثِ الْمَسْحِ، أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، صَحَّحَ أَحَدَهُمَا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَذَلِكَ كَافٍ فِي ثُبُوتِ هَذِهِ السُّنَّةِ. وَقِيلَ: لَا يُشَرَّعُ تَثْلِيثُهُ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَ " عُثْمَانَ " الصِّحَاحِ كُلِّهَا كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُد تَدُلُّ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَبِأَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَى الْغَسْلِ، وَبِأَنَّ الْعَدَدَ لَوْ اُعْتُبِرَ فِي الْمَسْحِ لَصَارَ فِي صُورَةِ الْغَسْلِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ كَلَامَ أَبِي دَاوُد يَنْقُصُهُ مَا رَوَاهُ هُوَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ؛ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ، قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، فَلَا يُسْمَعُ. فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَصِيرُ فِي صُورَةِ الْغَسْلِ لَا يُبَالَى بِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ عَنْ الشَّارِعِ، ثُمَّ رِوَايَةُ التَّرْكِ لَا تُعَارِضُ رِوَايَةَ الْفِعْلِ، وَإِنْ كَثُرَتْ رِوَايَةُ التَّرْكِ؛ إذْ الْكَلَامُ فِي أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، بَلْ سُنَّةٌ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُفْعَلَ أَحْيَانًا، وَتُتْرَكَ أَحْيَانًا. وَأَخْرَجَهُ أَيْ حَدِيثَ " عَلِيٍّ " ﵇ النَّسَائِيّ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، بَلْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ إنَّهُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد
стр. 55
٣٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵄ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ قَالَ: «وَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
- وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا: «بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ».
مِنْ سِتِّ طُرُقٍ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ، لَمْ يَذْكُرْ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، وَفِي بَعْضٍ: «وَمَسَحَ رَأْسَهُ حَتَّى لَمْ يَقْطُرْ».
٣٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵄ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ قَالَ: «وَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا: «بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» وَعَنْ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ "] هُوَ الْأَنْصَارِيُّ الْمَازِنِيُّ، مِنْ " مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ "، شَهِدَ " أُحُدًا " وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ " مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ "، وَشَارَكَهُ " وَحْشِيٌّ "، وَقُتِلَ " عَبْدُ اللَّهِ " يَوْمَ الْحَرَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ؛ وَهُوَ غَيْرُ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ "؛ الَّذِي يَأْتِي حَدِيثُهُ فِي الْآذَانِ، وَقَدْ غَلِطَ فِيهِ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، فَلِذَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ. «فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ قَالَ: وَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِهِ؛ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فَسَّرَ الْإِقْبَالَ بِهِمَا بِأَنَّهُ بَدَأَ مِنْ مُؤَخَّرِ رَأْسِهِ، فَإِنَّ الْإِقْبَالَ بِالْيَدِ إذَا كَانَ مُقَدَّمًا يَكُونُ مِنْ مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ.
إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: [وَأَدْبَرَ بِيَدَيْهِ وَأَقْبَلَ] وَاللَّفْظُ الْآخَرُ فِي قَوْلِهِ [وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا] أَيْ الشَّيْخَيْنِ: «بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا أَيْ الْيَدَيْنِ إلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ».
الْحَدِيثُ يُفِيدُ صِفَةَ الْمَسْحِ لِلرَّأْسِ، وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ لِيَدَيْهِ فَيُقْبِلَ بِهِمَا وَيُدْبِرَ.
وَلِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
(الْأَوَّلُ): أَنْ يَبْدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ الَّذِي يَلِي الْوَجْهَ؛ فَيَذْهَبَ إلَى الْقَفَا؛ ثُمَّ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ؛ وَهُوَ مُبْتَدَأُ الشَّعْرِ مِنْ جِهَةِ الْوَجْهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعْطِيه ظَاهِرُ قَوْلِهِ: «بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ؛ ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» إلَّا أَنَّهُ أُورِدَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَنَّهُ أَدْبَرَ بِهِمَا وَأَقْبَلَ؛ لِأَنَّ ذَهَابَهُ إلَى جِهَةِ الْقَفَا إدْبَارٌ؛ وَرُجُوعَهُ إلَى جِهَةِ الْوَجْهِ إقْبَالٌ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فَالتَّقْدِيرُ: وَأَدْبَرَ وَأَقْبَلَ.
أَنْ يَبْدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ، وَيَمُرَّ إلَى جِهَةِ الْوَجْهِ؛ ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى الْمُؤَخَّرِ؛ مُحَافَظَةً عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ: أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَالْإِقْبَالُ إلَى مُقَدَّمِ الْوَجْهِ وَالْإِدْبَارُ إلَى نَاحِيَةِ الْمُؤَخَّرِ، وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، «بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ»، وَيُحَمَّلُ الِاخْتِلَافُ فِي لَفْظِ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَعَدُّدِ الْحَالَاتِ. أَنْ يَبْدَأَ بِالنَّاصِيَةِ؛ وَيَذْهَبَ إلَى نَاحِيَةِ الْوَجْهِ، ثُمَّ يَذْهَبَ إلَى جِهَةِ مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ ثُمَّ يَعُودَ إلَى مَا بَدَأَ مِنْهُ وَهُوَ النَّاصِيَةُ، وَلَعَلَّ قَائِلَ هَذَا قَصَدَ الْمُحَافَظَةَ عَلَى قَوْلِهِ: «بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ»،
стр. 56
٣٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ - قَالَ: «ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ؛؛ لِأَنَّهُ إذَا بَدَأَ بِالنَّاصِيَةِ صَدَقَ أَنَّهُ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَصَدَقَ أَنَّهُ أَقْبَلَ أَيْضًا، فَإِنَّهُ ذَهَبَ إلَى نَاحِيَةِ الْوَجْهِ وَهُوَ الْقُبُلُ، وَقَدْ خَرَّجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ «أَنَّهُ ﷺ لَمَّا بَلَغَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ فَأَمَرَّهُمَا حَتَّى بَلَغَ الْقَفَا ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» وَهِيَ عِبَارَةٌ وَاضِحَةٌ فِي الْمُرَادِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْ الْعَمَلِ الْمُخَيَّرِ فِيهِ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَلِكَ تَعْمِيمُ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ.
[وَعَنْ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو " بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ " أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ " أَوْ " أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ الْقُرَشِيُّ "، يَلْتَقِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي " كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ "، أَسْلَمَ " عَبْدُ اللَّهِ " قَبْلَ أَبِيهِ وَكَانَ أَبُوهُ أَكْبَرَ مِنْهُ بِثَلَاثِ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ " عَبْدُ اللَّهِ " عَالِمًا حَافِظًا عَابِدًا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَقِيلَ: وَسَبْعِينَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ فِي مَوْضِعِ وَفَاتِهِ، فَقِيلَ، بِمَكَّةَ، أَوْ الطَّائِفِ، أَوْ مِصْرَ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ. فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ قَالَ: «ثُمَّ مَسَحَ أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِهِ وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ» بِالْمُهْمَلَةِ فَمُوَحَّدَةٍ فَأَلِفٍ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٍ تَثْنِيَةُ سَبَّاحَةٍ، وَأَرَادَ بِهِمَا مُسَبَّحَتَيْ الْيَدِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى. وَسُمِّيَتْ سَبَّاحَةً؛ لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا عِنْدَ التَّسْبِيحِ [فِي أُذُنَيْهِ وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ] إبْهَامَيْ يَدَيْهِ [ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ] أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ
وَالْحَدِيثُ كَالْأَحَادِيثِ الْأُوَلِ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ، إلَّا أَنَّهُ أَتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ إفَادَةِ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ الَّذِي لَمْ تُفِدْهُ الْأَحَادِيثُ الَّتِي سَلَفَتْ، وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْحَدِيثِ. وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ قَدْ وَرَدَ فِي عِدَّةٍ مِنْ
стр. 57
٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الْأَحَادِيثِ، وَمِنْ حَدِيثِ " الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ " عِنْدَ أَبِي دَاوُد، وَالطَّحَاوِيِّ، بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وَمِنْ حَدِيثِ " الرَّبِيعِ "، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا. وَمِنْ حَدِيثِ " أَنَسٍ " عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْحَاكِمِ؛ وَمِنْ حَدِيثِ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ " وَفِيهِ «أَنَّهُ ﷺ مَسَحَ أُذُنَيْهِ بِمَاءٍ غَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي مَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ» وَسَيَأْتِي، وَقَالَ فِيهِ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَقَالَ الَّذِي فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ «وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ» وَلَمْ يَذْكُرْ الْأُذُنَيْنِ، وَأَيَّدَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ وَالتِّرْمِذِيِّ كَذَلِكَ
، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُؤْخَذُ لِلْأُذُنَيْنِ مَاءٌ جَدِيدٌ أَوْ يُمْسَحَانِ بِبَقِيَّةِ مَا مُسِحَ بِهِ الرَّأْسُ؟ وَالْأَحَادِيثُ قَدْ وَرَدَتْ بِهَذَا وَهَذَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ» ظَاهِرُهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا [فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا] فِي الْقَامُوسِ، اسْتَنْثَرَ: اسْتَنْشَقَ الْمَاءَ ثُمَّ اسْتَخْرَجَ ذَلِكَ بِنَفْسِ الْأَنْفِ (اهـ). وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، فَمَعَ الْجَمْعِ يُرَادُ مِنْ الِاسْتِنْثَارِ دَفْعُ الْمَاءِ مِنْ الْأَنْفِ، وَمِنْ الِاسْتِنْشَاقِ جَذْبُهُ إلَى الْأَنْفِ [فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ هُوَ أَعْلَى الْأَنْفِ، وَقِيلَ: الْأَنْفُ كُلُّهُ، وَقِيلَ: عِظَامٌ رِقَاقٌ لَيِّنَةٌ فِي أَقْصَى الْأَنْفِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدِّمَاغِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
] الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِنْثَارِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ مُطْلَقًا، إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ» الْحَدِيثَ، فَيُقَيَّدُ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ بِهِ هُنَا بِإِرَادَةِ الْوُضُوءِ، وَيُقَيَّدُ النَّوْمُ بِمَنَامِ اللَّيْلِ كَمَا يُفِيدُهُ لَفْظُ يَبِيتُ، إذْ الْبَيْتُوتَةُ فِيهِ، قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ خُرِّجَ عَلَى الْغَالِبِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ نَوْمِ اللَّيْلِ وَنَوْمِ النَّهَارِ.
وَالْحَدِيثُ مِنْ أَدِلَّةِ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْثَارِ دُونَ الْمَضْمَضَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَجَمَاعَةٍ وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَجِبُ، بَلْ الْأَمْرُ لِلنَّدَبِ، وَاسْتَدَلُّوا «بِقَوْلِهِ ﷺ لِلْأَعْرَابِيِّ تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَك اللَّهُ» وَعَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ «لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدٍ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيَمْسَحَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ» كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ مِنْ رِوَايَاتِ صِفَةِ وُضُوئِهِ ﷺ ، مِنْ حَدِيثِ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ "؛ وَعُثْمَانَ، وَابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَدَمُ ذِكْرِهِمَا مَعَ اسْتِيفَاءِ صِفَةِ
стр. 58
٣٥ - وَعَنْهُ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
وُضُوئِهِ، وَثَبَتَ ذِكْرُهُمَا أَيْضًا، وَذَلِكَ مِنْ أَدِلَّةِ النَّدْبِ.
وَقَوْلُهُ: يَبِيتُ الشَّيْطَانُ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَإِنَّ الْأَنْفَ أَحَدُ مَنَافِذِ الْجِسْمِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ إلَى الْقَلْبِ مِنْهَا بِالِاشْتِمَامِ، وَلَيْسَ مِنْ مَنَافِذِ الْجِسْمِ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ غَلْقٌ سِوَاهُ وَسِوَى الْأُذُنَيْنِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ غَلَقًا» وَجَاءَ فِي التَّثَاؤُبِ الْأَمْرُ بِكَظْمِهِ مِنْ أَجْلِ دُخُولِ الشَّيْطَانِ حِينَئِذٍ فِي الْفَمِ، وَيُحْتَمَلُ الِاسْتِعَارَةُ، فَإِنَّ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِنْ الْغُبَارِ مِنْ رُطُوبَةِ الْخَيَاشِيمِ قَذَارَةٌ تُوَافِقُ الشَّيْطَانَ، قُلْت: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
[وَعَنْهُ] أَيْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ أَيْضًا: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ» خَرَجَ مَا إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ بِالْمِغْرَفَةِ لِيَسْتَخْرِجَ الْمَاءَ، جَائِزٌ، إذْ لَا غَمْسَ فِيهِ لِلْيَدِ، وَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ: [لَا يُدْخِلُ] لَكِنْ يُرَادُ بِهِ إدْخَالُهَا لِلْغَمْسِ لَا لِلْأَخْذِ [فِي الْإِنَاءِ] يَخْرُجُ الْبِرَكُ وَالْحِيَاضُ «حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ].
الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى إيجَابِ غَسْلِ الْيَدِ لِمَنْ قَامَ مِنْ نَوْمِهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَقَالَ بِذَلِكَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ أَحْمَدَ، لِقَوْلِهِ: بَاتَتْ، فَإِنَّهُ قَرِينَةُ إرَادَةِ نَوْمِ اللَّيْلِ كَمَا سَلَفَ، إلَّا أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ التَّعْلِيلَ يَقْتَضِي إلْحَاقَ نَوْمِ النَّهَارِ بِنَوْمِ اللَّيْلِ.
وَذَهَبَ غَيْرُهُ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَغَيْرُهُمَا إلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِي رِوَايَةٍ: فَلْيَغْسِلْ لِلنَّدَبِ، وَالنَّهْيِ الَّذِي فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِلْكَرَاهَةِ، وَالْقَرِينَةُ عَلَيْهِ ذِكْرُ الْعَدَدِ، فَإِنَّ ذِكْرَهُ فِي غَيْرِ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ دَلِيلُ النَّدْبِ، وَلِأَنَّهُ عُلِّلَ بِأَمْرٍ يَقْتَضِي الشَّكَّ، وَالشَّكُّ لَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فِي هَذَا الْحُكْمِ اسْتِصْحَابًا لِأَصْلِ الطَّهَارَةِ وَلَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ إلَّا بِالثَّلَاثِ الْغَسْلَاتِ، وَهَذَا فِي الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ النَّوْمِ.
وَأَمَّا مَنْ يُرِيدُ الْوُضُوءَ مِنْ غَيْرِ نَوْمٍ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ لِمَا أَمَرَ فِي صِفَةِ وُضُوئِهِ؛ وَلَا يُكْرَهُ التَّرْكُ لِعَدَمِ وُرُودِ النَّهْيِ فِيهِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ وَالْأَمْرَ لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ فِي الْيَدِ، وَأَنَّهُ لَوْ دَرَى أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ كَمَنْ لَفَّ عَلَيْهَا فَاسْتَيْقَظَ وَهِيَ عَلَى حَالِهَا، فَلَا يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَغْمِسَ يَدَهُ، وَإِنْ كَانَ غَسْلُهُمَا مُسْتَحَبًّا كَمَا فِي الْمُسْتَيْقِظِ؛ وَغَيْرُهُمْ يَقُولُونَ: الْأَمْرُ بِالْغَسْلِ تَعَبُّدٌ؛ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّاكِّ وَالْمُتَيَقِّنِ، وَقَوْلُهُمْ أَظْهَرُ كَمَا سَلَفَ.
стр. 59
٣٦ - وَعَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَسْبِغْ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَلِأَبِي دَاوُد فِي رِوَايَةٍ «إذَا تَوَضَّأْت فَمَضْمِضْ».
وَعَنْ " لَقِيطٍ " بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْقَافِ، ابْنُ عَامِرِ بْنِ صَبِرَةَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكُنْيَتُهُ " أَبُو رَزِينٍ "، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ؛ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الطَّائِفِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَسْبِغْ الْوُضُوءَ» الْإِسْبَاغُ: الْإِتْمَامُ وَاسْتِكْمَالُ الْأَعْضَاءِ «وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ» ظَاهِرٌ فِي إرَادَةِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «إذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ أَصَابِعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ» يَأْتِي مَنْ أَخْرَجَهُ قَرِيبًا «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» [أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ
]، وَلِأَبِي دَاوُد فِي رِوَايَةٍ «إذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ» وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ؛ وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْجَارُودِ؛ وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ؛ وَالْبَيْهَقِيُّ؛ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَغَوِيُّ، وَابْنُ قَطَّانَ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ إسْبَاغِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ إتْمَامُهُ، وَاسْتِكْمَالُ الْأَعْضَاءِ، وَفِي الْقَامُوسِ: أَسْبَغَ الْوُضُوءَ أَبْلَغَهُ مَوَاضِعَهُ، وَوَفَّى كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ، وَفِي غَيْرِهِ مِثْلُهُ فَلَيْسَ التَّثْلِيثُ لِلْأَعْضَاءِ مِنْ مُسَمَّاهُ، وَلَكِنَّ التَّثْلِيثَ مَنْدُوبٌ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ، فَإِنْ شَكَّ هَلْ غَسَلَ الْعُضْوَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا جَعَلَهَا مَرَّتَيْنِ. وَقَالَ الْجُوَيْنِيُّ: يَجْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا، وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهَا مَخَافَةً مِنْ ارْتِكَابِ الْبِدْعَةِ.
وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ سَبْعًا فَفِعْلُ صَحَابِيٍّ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ وَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ الْأَرْبَعَ مِنْ نَجَاسَةٍ لَا تَزُولُ إلَّا بِذَلِكَ، وَدَلِيلٌ عَلَى إيجَابِ تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ؛ وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَحْمَدُ؛ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ، وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يُخَلِّلَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى بِالْخِنْصَرِ مِنْهَا، وَيَبْدَأَ بِأَسْفَلِ الْأَصَابِعِ، وَأَمَّا كَوْنُ التَّخْلِيلِ بِالْيَدِ الْيُسْرَى فَلَيْسَ فِي النَّصِّ، وَإِنَّمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّهُ يَكُونُ بِهَا قِيَاسًا عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ " الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ ": «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا تَوَضَّأَ يُدَلِّكُ بِخِنْصَرِهِ مَا بَيْنَ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ» وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ مَاجَهْ: [يُخَلِّلُ] بَدَلَ يُدَلِّكُ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ لِغَيْرِ الصَّائِمِ،
стр. 60
٣٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ فِي الْوُضُوءِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
٣٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى بِثُلُثَيْ مُدٍّ، فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ فِي حَقِّهِ الْمُبَالَغَةُ؛ لِئَلَّا يَنْزِلَ إلَى حَلْقِهِ مَا يُفْطِرُهُ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَنْ أَنَّ الْمُبَالَغَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، إذْ لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَوَجَبَ عَلَيْهِ التَّحَرِّي، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَرْكُهَا.
وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: «إذَا تَوَضَّأْت فَمَضْمِضْ» يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْمَضْمَضَةِ؛ وَمَنْ قَالَ لَا تَجِبُ، جَعَلَ الْأَمْرَ لِلنَّدَبِ لِقَرِينَةِ مَا سَلَفَ مِنْ حَدِيثِ " رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ " فِي أَمْرِهِ ﷺ لِلْأَعْرَابِيِّ بِصِفَةِ الْوُضُوءِ الَّذِي لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ.
[وَعَنْ " عُثْمَانَ " ﵁ هُوَ: " أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ " الْأُمَوِيُّ، الْقُرَشِيُّ، أَحَدُ الْخُلَفَاءِ، وَأَحَدُ الْعَشَرَةِ أَسْلَمَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَهَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَتَيْنِ، وَتَزَوَّجَ بِنْتَيْ النَّبِيِّ ﷺ " رُقَيَّةَ " أَوَّلًا، ثُمَّ لَمَّا تُوُفِّيَتْ زَوَّجَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأُمِّ كُلْثُومٍ اُسْتُخْلِفَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَقُتِلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ الْحَرَامِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، وَدُفِنَ لَيْلَةَ السَّبْتِ بِالْبَقِيعِ، وَعُمْرُهُ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ فِي الْوُضُوءِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَابْنُ حِبَّانَ، مِنْ رِوَايَةِ " عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ "، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدِيثُهُ حَسَنٌ. وَقَالَ الْحَاكِمُ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ ضَعْفًا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهٍ، هَذَا كَلَامُهُ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ لِلْحَدِيثِ شَوَاهِدَ عَنْ " أَنَسٍ "، " وَعَائِشَةَ "، " وَعَلِيٍّ " وَعَمَّارٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ " أُمِّ سَلَمَةَ "، " وَأَبِي أَيُّوبَ "، " وَأَبِي أُمَامَةَ " " وَابْنِ عُمَرَ "، " وَجَابِرٍ "، " وَابْنِ عَبَّاسٍ "، " وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَى جَمِيعِهَا بِالتَّضْعِيفِ إلَّا حَدِيثَ " عَائِشَةَ ".
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ: لَيْسَ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ شَيْءٌ. وَحَدِيثُ " عُثْمَانَ " هَذَا دَالٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ، وَأَمَّا وُجُوبُهُ فَاخْتُلِفَ فِيهِ، فَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ يَجِبُ كَقَبْلِ نَبَاتِهَا، وَالْأَحَادِيثُ وَرَدَتْ بِالْأَمْرِ بِالتَّخْلِيلِ، إلَّا أَنَّهَا أَحَادِيثُ مَا سَلِمَتْ عَنْ الْإِعْلَالِ وَالتَّضْعِيفِ، فَلَمْ تَنْتَهِضُ عَلَى الْإِيجَابِ.
стр. 61
٣٩ - وَعَنْهُ، أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَأْخُذُ لِأُذُنَيْهِ مَاءً غَيْرَ الْمَاءِ الَّذِي أَخَذَهُ لِرَأْسِهِ». أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: «وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ»، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ.
وَعَنْ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ " ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى بِثُلُثَيْ مُدٍّ» بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، فِي الْقَامُوسِ: مِكْيَالٌ، وَهُوَ رِطْلَانِ، أَوْ رِطْلٌ وَثُلُثٌ، أَوْ مِلْءُ كَفِّ الْإِنْسَانِ الْمُعْتَدِلِ، إذَا مَلَأَهُمَا وَمَدَّ يَدَهُ بِهِمَا، وَمِنْهُ سُمِّيَ مُدًّا، وَقَدْ جَرَّبْت ذَلِكَ فَوَجَدْتُهُ صَحِيحًا (اهـ). [فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ] أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد بِهِ حَدِيثَ " أُمِّ عُمَارَةَ " الْأَنْصَارِيَّةِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: «أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ بِإِنَاءٍ فِيهِ قَدْرُ ثُلُثَيْ مُدٍّ» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ".
فَثُلُثَا الْمُدِّ، وَهُوَ أَقَلُّ مَا رُوِيَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِهِ ﷺ ، وَأَمَّا حَدِيثُ: «أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِثُلُثِ مُدٍّ» فَلَا أَصْلَ لَهُ. وَقَدْ صَحَّحَ أَبُو زُرْعَةَ مِنْ حَدِيثِ " عَائِشَةَ " " وَجَابِرٍ ": «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ» وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ سَفِينَةَ، وَأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: «تَوَضَّأَ مِنْ إنَاءٍ يَسَعُ رِطْلَيْنِ» وَالتِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ: «يُجْزِئُ فِي الْوُضُوءِ رِطْلَانِ».
وَهِيَ كُلُّهَا قَاضِيَةٌ بِالتَّخْفِيفِ فِي مَاءِ الْوُضُوءِ، وَقَدْ عُلِمَ نَهْيُهُ ﷺ عَنْ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ وَإِخْبَارُهُ أَنَّهُ سَيَأْتِي قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الْوُضُوءِ فَمَنْ جَاوَزَ مَا قَالَ الشَّارِعُ أَنَّهُ يُجْزِئُ فَقَدْ أَسْرَفَ فَيُحَرَّمُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ هَذَا تَقْرِيبٌ لَا تَحْدِيدٌ مَا هُوَ بِبَعِيدٍ، لَكِنَّ الْأَحْسَنَ بِالْمُتَشَرِّعِ مُحَاكَاةُ أَخْلَاقِهِ ﷺ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي كَمِّيَّةِ ذَلِكَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدَّلْكِ لِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَفِيهِ خِلَافٌ، فَمَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا وَمَنْ قَالَ: لَا يَجِبُ، قَالَ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الْآيَةِ الْغَسْلُ، وَلَيْسَ الدَّلْكُ مِنْ مُسَمَّاهُ، وَلَعَلَّهُ يَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ.
[وَعَنْهُ]: أَيْ عَنْ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ " أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَأْخُذُ لِأُذُنَيْهِ مَاءً غَيْرَ الْمَاءِ الَّذِي أَخَذَهُ لِرَأْسِهِ» أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ أَيْ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا
стр. 62
٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
الْوَجْهِ بِلَفْظِ: «وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ» وَهُوَ الْمَحْفُوظُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ عَنْ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ الَّذِي رَآهُ فِي الرِّوَايَةِ هُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ الْمَحْفُوظُ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا أَنَّهُ الَّذِي فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي التَّلْخِيصِ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلَا رَأَيْنَاهُ فِي مُسْلِمٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلرَّأْسِ هُوَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ وَحَدِيثُ الْبَيْهَقِيّ هَذَا هُوَ دَلِيلُ أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ يُؤْخَذُ لِلْأُذُنَيْنِ مَاءٌ جَدِيدٌ، وَهُوَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ.
وَتِلْكَ الْأَحَادِيثُ الَّتِي سَلَفَتْ غَايَةُ مَا فِيهَا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ أَنَّهُ ﷺ أَخَذَ مَاءً جَدِيدًا، وَعَدَمُ الذِّكْرِ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الْفِعْلِ، إلَّا أَنَّ قَوْلَ الرُّوَاةِ مِنْ الصَّحَابَةِ: وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً ظَاهِرٌ أَنَّهُ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَحَدِيثُ: «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ» وَإِنْ كَانَ فِي أَسَانِيدِهِ مَقَالٌ إلَّا أَنَّ كَثْرَةَ طُرُقِهِ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَشْهَدُ لَهَا أَحَادِيثُ مَسْحِهِمَا مَعَ الرَّأْسِ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَهِيَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، عَنْ " عَلِيٍّ " " وَابْنِ عَبَّاسٍ "، وَ " وَالرَّبِيعِ "، " وَعُثْمَانَ "، كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَهُمَا مَعَ الرَّأْسِ مَرَّةً وَاحِدَةً، أَيْ بِمَاءٍ وَاحِدٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِ مَرَّةً، إذْ لَوْ كَانَ يُؤْخَذُ لِلْأُذُنَيْنِ مَاءٌ جَدِيدٌ مَا صُدِّقَ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِنْ احْتَمَلَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُكَرِّرْ مَسْحَهُمَا، وَأَنَّهُ أَخَذَ لَهُمَا مَاءً جَدِيدًا، فَهُوَ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ. وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ أَنَّهُ أَخَذَ لَهُمَا مَاءً خِلَافَ الَّذِي مَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ، أَقْرَبُ مَا يُقَالُ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي يَدِهِ بَلَّةٌ تَكْفِي. لِمَسْحِ الْأُذُنَيْنِ. فَأَخَذَ لَهُمَا مَاءً جَدِيدًا.
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: [سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا» بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، جَمْعُ أَغَرَّ أَيْ ذَوِي غُرَّةٍ، وَأَصْلُهَا لَمْعَةٌ بَيْضَاءُ تَكُونُ فِي جَبْهَةِ الْفَرَسِ؛ وَفِي النِّهَايَةِ يُرِيدُ بَيَاضَ وُجُوهِهِمْ بِنُورِ الْوُضُوءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَصَبَهُ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَأْتُونَ، وَعَلَى رِوَايَةِ يُدْعَوْنَ يَحْتَمِلُ الْمَفْعُولِيَّةَ [مُحَجَّلِينَ] بِالْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ مِنْ التَّحْجِيلِ، فِي النِّهَايَةِ أَيْ بِيضِ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْ الْأَيْدِي وَالْأَقْدَامِ. اسْتَعَارَ أَثَرَ الْوُضُوءِ فِي الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِلْإِنْسَانِ مِنْ الْبَيَاضِ الَّذِي يَكُونُ فِي وَجْهِ
стр. 63
٤١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطَهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الْفَرَسِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ [مِنْ أَثَرِ الْوَضُوءِ] بِفَتْحِ الْوَاوِ؛ لِأَنَّهُ الْمَاءُ، وَيَجُوزُ الضَّمُّ عِنْدَ الْبَعْضِ كَمَا تَقَدَّمَ [فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ]: أَيْ تَحْجِيلَهُ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْآخِرَةِ، وَآثَرَ الْغُرَّةَ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ عَلَى التَّحْجِيلِ وَهُوَ مُذَكَّرٌ لِشَرَفِ مَوْضِعِهَا؛ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ [فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ فَلْيَفْعَلْ] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ قَوْلَهُ: فَمَنْ اسْتَطَاعَ إلَى آخِرِهِ مِنْ الْحَدِيثِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، إذْ هُوَ فِي قَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا مَا قَيَّدَهُ بِهَا؛ إذْ الِاسْتِطَاعَةُ لِذَلِكَ مُتَحَقِّقَةٌ قَطْعًا. وَقَالَ " نُعَيْمٌ " أَحَدُ رُوَاتِهِ: لَا أَدْرِي قَوْلَهُ: مَنْ اسْتَطَاعَ إلَخْ: مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ مِنْ قَوْلِ " أَبِي هُرَيْرَةَ "؟ وَفِي الْفَتْحِ: لَمْ أَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي رِوَايَةِ أَحَدٍ مِمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَهُمْ عَشَرَةٌ، وَلَا مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " غَيْرَ رِوَايَةِ " نُعَيْمٍ " هَذِهِ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ إطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ؛ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَحَبِّ مِنْ ذَلِكَ فَقِيلَ: فِي الْيَدَيْنِ إلَى الْمَنْكِبِ، وَفِي الرِّجْلَيْنِ إلَى الرُّكْبَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " رِوَايَةً وَرَأْيًا، وَثَبَتَ مِنْ فِعْلِ " ابْنِ عُمَرَ "، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَقِيلَ: إلَى نِصْفِ الْعَضُدِ وَالسَّاقِ، وَالْغُرَّةِ فِي الْوَجْهِ أَنْ يَغْسِلَ إلَى صَفْحَتَيْ الْعُنُقِ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّتهمَا؛ وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْوُضُوءِ خِلَافَ الظَّاهِرِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الرَّاوِيَ أَعْرَفُ بِمَا رَوَى، كَيْفَ وَقَدْ رُفِعَ مَعْنَاهُ وَلَا وَجْهَ لِنَفْيِهِ، وَقَدْ اُسْتُدِلَّ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَبِحَدِيثِ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا: «لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ» وَالسِّيمَا بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ: الْعَلَامَةُ، وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ الْوُضُوءُ لِمَنْ قَبْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
قِيلَ: فَاَلَّذِي اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ هُوَ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ.
وَعَنْ " عَائِشَةَ " ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ» أَيْ تَقْدِيمُ الْأَيْمَنِ [فِي تَنَعُّلِهِ] لُبْسِ نَعْلِهِ [وَتَرَجُّلِهِ بِالْجِيمِ، أَيْ مَشْطِ شَعْرِهِ [وَطَهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ] تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ،
стр. 64
٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ
يَعْنِي: قَوْلَهُ كُلَّهُ، بِدُخُولِ الْخَلَاءِ، وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ؛ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ فِيهِمَا بِالْيَسَارِ.
قِيلَ: وَالتَّأَكُّدُ بِكُلِّهِ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ التَّعْمِيمِ، وَدَفْعِ التَّجَوُّزِ عَنْ الْبَعْضِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ حَقِيقَةُ الشَّأْنِ مَا كَانَ فِعْلًا مَقْصُودًا، وَمَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ التَّيَاسُرُ لَيْسَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمَقْصُودَةِ، بَلْ هِيَ إمَّا تُرُوكٌ، وَإِمَّا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْبُدَاءَةِ بِشِقِّ الرَّأْسِ الْأَيْمَنِ فِي التَّرَجُّلِ، وَالْغَسْلِ، وَالْحَلْقِ، وَبِالْمَيَامِنِ فِي الْوُضُوءِ، وَالْغَسْلِ، وَالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: قَاعِدَةُ الشَّرْعِ الْمُسْتَمِرَّةِ الْبُدَاءَةُ بِالْيَمِينِ فِي كُلِّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ وَالتَّزْيِينِ وَمَا كَانَ بِضِدِّهَا اُسْتُحِبَّ فِيهِ التَّيَاسُرُ، وَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِي الْوُضُوءِ قَرِيبًا، وَهَذِهِ الدَّلَالَةُ لِلْحَدِيثِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ لَفْظَ [يُعْجِبُهُ] يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ شَرْعًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَحْقِيقَهُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ، عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ.
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ؛ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَزَادَ فِيهِ: [وَإِذَا لَبِسْتُمْ]. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هُوَ حَقِيقٌ بِأَنْ يُصَحَّحَ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الْبُدَاءَةِ بِالْمَيَامِنِ عِنْدَ الْوُضُوءِ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا كَالْوَجْهِ وَالرَّأْسِ فَظَاهِرٌ أَيْضًا شُمُولُهَا، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِهِ فِيهِمَا، وَلَا وَرَدَ فِي أَحَادِيثِ التَّعْلِيمِ، بِخِلَافِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، فَأَحَادِيثُ التَّعْلِيمِ وَرَدَتْ بِتَقْدِيمِ الْيُمْنَى فِيهِمَا عَلَى الْيُسْرَى، فِي حَدِيثِ " عُثْمَانَ " الَّذِي مَضَى وَغَيْرِهِ، وَالْآيَةُ مُجْمِلَةٌ بَيَّنَتْهَا السُّنَّةُ، وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ، وَلَا كَلَامَ فِي أَنَّهُ الْأَوْلَى، فَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ: يَجِبُ لِحَدِيثِ الْكِتَابِ، وَهُوَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ، وَهُوَ لِلْوُجُوبِ فِي أَصْلِهِ، بِاسْتِمْرَارِ فِعْلِهِ ﷺ لَهُ، فَإِنَّهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً وَاحِدَةً بِخِلَافِهِ إلَّا مَا يَأْتِي مِنْ حَدِيثِ " ابْنِ عَبَّاسٍ "، وَلِأَنَّهُ فَعَلَهُ بَيَانًا لِلْوَاجِبِ فَيَجِبُ، وَلِحَدِيثِ، ابْنِ عُمَرَ "، " وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، " وَأَبِي هُرَيْرَةَ ": أَنَّهُ ﷺ «تَوَضَّأَ عَلَى الْوَلَاءِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» وَلَهُ طُرُقٌ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا.
стр. 65
٤٣ - وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ. فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخُفَّيْنِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
٤٤ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ
وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ وَجَمَاعَةٌ: لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَلَا بَيْنَ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ قَالُوا: الْوَاوُ فِي الْآيَةِ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَبِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ " عَلِيٍّ " ﵇ أَنَّهُ بَدَأَ بِمَيَاسِرِهِ، وَبِأَنَّهُ قَالَ: مَا أُبَالِي بِشِمَالِي بَدَأْت أَمْ بِيُمْنَى إذَا أَتْمَمْت الْوُضُوءَ].
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُمَا أَثَرَانِ غَيْرُ ثَابِتَيْنِ، فَلَا تَقُومُ بِهِمَا حُجَّةٌ، وَلَا يُقَاوِمَانِ مَا سَلَفَ، وَإِنْ كَانَ الدَّارَقُطْنِيُّ قَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَ " عَلِيٍّ " وَلَمْ يُضَعِّفْهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طُرُقٍ بِأَلْفَاظٍ، لَكِنَّهَا مَوْقُوفَةٌ كُلُّهَا.
. [وَعَنْ " الْمُغِيرَةِ " بِضَمِّ الْمِيمِ فَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ فَيَاءٍ وَرَاءٍ، يُكَنَّى " أَبَا عَبْدِ اللَّهِ " أَوْ " أَبَا عِيسَى "، أَسْلَمَ عَامَ الْخَنْدَقِ، وَقَدِمَ مُهَاجِرًا، وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْحُدَيْبِيَةُ، وَفَاتُهُ سَنَةَ خَمْسِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ عَامِلًا عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ: " ابْنُ شُعْبَةَ " بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ. «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ» فِي الْقَامُوسِ: النَّاصِيَةُ وَالنَّاصَاةُ قِصَاصُ الشَّعْرِ [وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخُفَّيْنِ] تَثْنِيَةُ خُفٍّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَضْمُومَةٍ، أَيْ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا، [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ؛] وَلَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ وَوَهَمَ مَنْ نَسَبَهُ إلَيْهِ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَسْحِ النَّاصِيَةِ؛ وَقَالَ " زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ " ﵇ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ.
وَقَالَ " ابْنُ الْقَيِّمِ ": وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ ﷺ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ بَعْضِ رَأْسِهِ أَلْبَتَّةَ، لَكِنْ كَانَ إذَا مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ كَمَّلَ عَلَى الْعِمَامَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ " الْمُغِيرَةِ " هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ سِتِّينَ رَجُلًا، وَأَمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَى الْعِمَامَةِ بِالْمَسْحِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ الْجُمْهُورُ.
وَقَالَ " ابْنُ الْقَيِّمِ: «إنَّهُ ﷺ كَانَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ تَارَةً، وَعَلَى الْعِمَامَةِ تَارَةً، وَعَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ تَارَةً»، وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ يَأْتِي لَهُ بَابٌ مُسْتَقِلٌّ، وَيَأْتِي حَدِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْعَصَائِبِ.
стр. 66
قَالَ ﷺ «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ هَكَذَا بِلَفْظِ الْأَمْرِ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ الْخَبَرِ.
[وَعَنْ " جَابِرٍ " أَبُو عَبْدِ اللَّهِ " جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ ": بِالْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، الْأَنْصَارِيُّ، السُّلَمِيُّ، مِنْ مَشَاهِيرِ الصَّحَابَةِ. ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ يَنْقُلُ الْمَاءَ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ شَهِدَ بَعْدَهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِي عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَذَكَرَ ذَلِكَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ، وَشَهِدَ " صِفِّينَ "، مَعَ " عَلِيٍّ " ﵇، وَكَانَ مِنْ الْمُكْثِرِينَ الْحُفَّاظِ، وَكُفَّ بَصَرُهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ بِالْمَدِينَةِ وَعُمْرُهُ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ. [فِي صِفَة حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ ] يُشِيرُ إلَى حَدِيثٍ جَلِيلٍ شَرِيفٍ سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَجِّ [قَالَ] أَيْ النَّبِيُّ « ﷺ : ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ هَكَذَا بِلَفْظِ الْأَمْرِ؛ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ الْخَبَرِ؛ أَيْ بِلَفْظِ نَبْدَأُ وَلَفْظُ الْحَدِيثِ. قَالَ: ثُمَّ «خَرَجَ - أَيْ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْبَابِ: أَيْ بَابِ الْحَرَمِ، إلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»
بِلَفْظِ الْخَبَرِ فِعْلًا مُضَارِعًا فَبَدَأَ بِالصَّفَا لِبُدَاءَةِ اللَّهِ بِهِ فِي الْآيَةِ.
وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْقِطْعَةَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ هُنَا؛ لِأَنَّهُ أَفَادَ أَنَّ مَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ذِكْرًا نَبْتَدِئُ بِهِ فِعْلًا، فَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ كَلَامَ حَكِيمٍ لَا يَبْدَأُ ذِكْرًا إلَّا بِمَا يَسْتَحِقُّ الْبُدَاءَةَ بِهِ فِعْلًا، فَإِنَّهُ مُقْتَضَى الْبَلَاغَةِ وَلِذَا قَالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُمْ أَيْ الْعَرَبُ يُقَدِّمُونَ مَا هُمْ بِشَأْنِهِ أَهَمُّ وَهُمْ بِهِ أَعَنَى، فَإِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَالْعَامُّ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى سَبَبِهِ، أَعْنِي بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ " مَا " مَوْصُولَةٌ، وَالْمَوْصُولَاتُ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ، وَآيَةُ الْوُضُوءِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْأَمْرِ بِقَوْلِهِ ﷺ : «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» فَيَجِبُ الْبُدَاءَةُ بِغَسْلِ الْوَجْهِ، ثُمَّ مَا بَعْدَهُ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَإِنْ كَانَتْ الْآيَةُ لَمْ تُفِدْ تَقْدِيمَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ قَرِيبًا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَآخَرُونَ إلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَاسْتَدَلَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رِجْلَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِفَضْلِ وَضُوئِهِ».
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ لَهُ طَرِيقٌ صَحِيحَةٌ حَتَّى يَتِمَّ بِهِ الِاسْتِدْلَال، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ كَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ حَدِيثِ " جَابِرٍ " هَذَا عَلَى حَدِيثِ " الْمُغِيرَةِ "، وَجَعْلَهُ مُتَّصِلًا بِحَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ "، لِتَقَارُبِهِمَا فِي الدَّلَالَةِ.
стр. 67
٤٥ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ
وَعَنْهُ]: أَيْ " جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ " ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ» [أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ]. هُوَ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ، الْإِمَامُ الْعَدِيمُ النَّظِيرُ فِي حِفْظِهِ؛ قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي حَقِّهِ: هُوَ حَافِظُ الزَّمَانِ: " أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ "، الْحَافِظُ الشَّهِيرُ، صَاحِبُ السُّنَنِ، مَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِمِائَةٍ، سَمِعَ مِنْ عَوَالِمَ، وَبَرَعَ فِي هَذَا الشَّأْنِ؛ قَالَ الْحَاكِمُ: صَارَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَوْحَدَ عَصْرِهِ فِي الْحِفْظِ، وَالْفَهْمِ، وَالْوَرَعِ، وَإِمَامًا فِي الْقِرَاءَةِ، وَالنَّحْوِ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَأَشْهَدُ أَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ عَلَى أَدِيمِ الْأَرْضِ مِثْلُهُ؛ وَقَالَ الْخَطِيبُ: كَانَ فَرِيدَ عَصْرِهِ، وَإِمَامَ وَقْتِهِ، وَانْتَهَى إلَيْهِ عِلْمُ الْأَثَرِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِالْعِلَلِ، وَأَسْمَاءِ الرِّجَالِ مَعَ الصِّدْقِ، وَالثِّقَةِ، وَصِحَّةِ الِاعْتِقَادِ؛ وَقَدْ أَطَالَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ الثَّنَاءَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ثَامِنِ ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. (بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ)، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَفِي الْإِسْنَادَيْنِ مَعًا " الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ "، وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمَا، وَعَدَّهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، لَكِنَّ الْجَارِحَ أَوْلَى وَإِنْ كَثُرَ الْمُعَدِّلُ، وَهُنَا الْجَارِحُ أَكْثَرُ؛ وَصَرَّحَ بِضَعْفِ الْحَدِيثِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ؛ كَالْمُنْذِرِيِّ، وَابْنِ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيُغْنِي عَنْهُ حَدِيثُ " أَبِي هُرَيْرَةَ " عِنْدَ مُسْلِمٍ: «أَنَّهُ تَوَضَّأَ حَتَّى أَسْرَعَ فِي الْعَضُدِ وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ». قُلْت: وَلَوْ أَتَى بِهِ هُنَا لَكَانَ أَوْلَى.
стр. 68
اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ.
وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ؛ هَذَا قِطْعَةٌ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْمَذْكُورُونَ، فَإِنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ بِلَفْظِ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ».: وَالْحَدِيثُ مَرْوِيٌّ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ "، وَهُوَ يَعْقُوبُ بْنُ سَلَمَةَ اللَّيْثِيُّ؛ قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ أَبِيهِ، وَلَا لِأَبِيهِ مِنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ ". وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَلَكِنَّهَا كُلَّهَا ضَعِيفَةٌ أَيْضًا
، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " بِلَفْظِ الْأَمْرِ: «إذَا تَوَضَّأْت فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، فَإِنَّ حَفَظَتَك لَا تَزَالُ تَكْتُبُ لَك الْحَسَنَاتِ حَتَّى تُحْدِثَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءَ» وَلَكِنَّ سَنَدَهُ وَاهٍ.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ: لَمْ يَقُلْ وَالتِّرْمِذِيُّ - عَنْ " سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ " وَ " زَيْدٌ " هُوَ " ابْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ " أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، صَحَابِيٌّ جَلِيلُ الْقَدْرِ - لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ فِي السُّنَنِ بَلْ رَوَاهُ فِي الْعِلَلِ، فَغَايَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْعِبَارَةِ لِهَذِهِ الْإِشَارَةِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ "، (وَأَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ)، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: قَالَ مُحَمَّدٌ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ -: إنَّهُ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ فِي رُوَاتِهِ مَجْهُولِينَ؛ وَرِوَايَةُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الَّتِي أَخْرَجَهَا التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ رُبَيْحٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَلَكِنَّهُ قَدَحَ فِي كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، وَفِي رُبَيْحٍ أَيْضًا. وَقَدْ يُرْوَى الْحَدِيثُ فِي التَّسْمِيَةِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَبِي سَبْرَةَ، وَأُمِّ سَبْرَةَ، وَعَلِيٍّ، وَأَنَسٍ. وَفِي الْجَمِيعِ مَقَالٌ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، فَلَا تَخْلُو عَنْ قُوَّةٍ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ثَبَتَ لَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ . قَالَهُ.
وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَالْحَدِيثُ قَدْ دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: [لَا وُضُوءَ] أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَلَا يُوجَدُ مِنْ دُونِهَا، إذْ الْأَصْلُ فِي النَّفْيِ الْحَقِيقَةُ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى: أَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الذَّاكِرِ؛ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالظَّاهِرِيَّةُ: بَلْ وَعَلَى النَّاسِي، وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْهَادِي: أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، لِحَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ ": «مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ أَوَّلَ وُضُوئِهِ طَهُرَ جَسَدُهُ كُلُّهُ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ لَمْ يَطْهُرْ
стр. 69
٤٧ - وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
مِنْهُ إلَّا مَوْضِعُ الْوُضُوءِ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَغَيْرُهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الذَّاكِرِ وَالنَّاسِي قَائِلًا: إنَّ الْأَوَّلَ فِي حَقِّ الْعَامِدِ، وَهَذَا فِي حَقِّ النَّاسِي، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا الْأَخِيرُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فَقَدْ عَضَّدَهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى عَدَمِ الْفَرْضِيَّةِ حَدِيثُ: [تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَك اللَّهُ] وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَهُوَ الدَّلِيلُ عَلَى تَأْوِيلِ النَّفْيِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ: لَمْ يَرْوِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ، قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ بَعْدَ إخْرَاجِهِ: هَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ، أَبُو بَكْرٍ الدَّاهِرِيُّ - يُرِيدُ أَحَدَ رُوَاتِهِ - أَنَّهُ غَيْرُ ثِقَةٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا مُثْبَتٌ وَدَالٌ عَلَى الْإِيجَابِ فَيُرَجَّحُ، فَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ثُبُوتًا يَقْضِي بِالْإِيجَابِ، بَلْ طُرُقُهُ كَمَا عَرَفْت، وَقَدْ دَلَّ عَلَى السُّنِّيَّةِ حَدِيثُ: [كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ] فَيَتَعَاضَدُ هُوَ وَحَدِيثُ الْبَابِ عَلَى مُطْلَقِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَقَلُّهَا النَّدْبِيَّةُ.
وَعَنْ " طَلْحَةَ " هُوَ: أَبُو مُحَمَّدٍ، أَوْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ؛ " طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَفَاءٍ، " وَطَلْحَةُ " أَحَدُ الْأَعْلَامِ الْأَثْبَاتِ مِنْ التَّابِعِينَ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ. عَنْ أَبِيهِ " مُصَرِّفٍ " عَنْ جَدِّهِ " كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو " الْهَمْدَانِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: ابْنُ عُمَرَ، بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَالْأَشْهَرُ ابْنُ عَمْرٍو، لَهُ صُحْبَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُهَا، وَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ: قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ؛؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى ضَعْفِهِ، وَلِأَنَّ مُصَرِّفًا وَالِدُ " طَلْحَةَ " مَجْهُولُ الْحَالِ. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَسَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ: زَعَمُوا أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ يُنْكِرُهُ، يَقُولُ: أَيْشٍ هَذَا " طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الْفَصْلِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، بِأَنْ يُؤْخَذَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَاءٌ جَدِيدٌ. وَقَدْ دَلَّ لَهُ أَيْضًا حَدِيثُ " عَلِيٍّ " ﵇، " وَعُثْمَانَ ": أَنَّهُمَا أَفْرَدَا الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، ثُمَّ قَالَا: هَكَذَا رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ؛ أَخْرَجَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ فِي صِحَاحِهِ، وَذَهَبَ إلَى هَذَا جَمَاعَةٌ.
وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّ السُّنَّةَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِغَرْفَةٍ، لِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ " عَلِيٍّ " ﵇:
стр. 70
٤٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ - ثُمَّ «تَمَضْمَضَ ﷺ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا. يُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْثِرُ مِنْ الْكَفِّ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ الْمَاءَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ
٤٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ - فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ - «ثُمَّ أَدْخَلَ ﷺ يَدَهُ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
«أَنَّهُ تَمَضْمَضَ فَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ» وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ " عَلِيٍّ " مِنْ سِتِّ طُرُقٍ، وَتَأْتِي إحْدَاهَا قَرِيبًا، وَكَذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ " عُثْمَانَ " عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ، وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ حِبَّانَ: [ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ ثَلَاثِ حَفَنَاتٍ] وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: [ثَلَاثَ مَرَّاتٍ غَرْفَةً وَاحِدَةً] وَمَعَ وُرُودِ الرِّوَايَتَيْنِ الْجَمْعُ وَعَدَمُهُ، فَالْأَقْرَبُ التَّخْيِيرُ. وَأَنَّ الْكُلَّ سُنَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ الْجَمْعِ أَكْثَرَ وَأَصَحَّ؛ وَقَدْ اخْتَارَ فِي الشَّرْحِ التَّخْيِيرَ، وَقَالَ: إنَّهُ قَوْلُ الْإِمَامِ يَحْيَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَمْعَ قَدْ يَكُونُ بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ وَبِثَلَاثٍ مِنْهَا، كَمَا أَرْشَدَ إلَيْهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ [مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ وَمِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ) وَقَدْ يَكُونُ الْجَمْعُ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ الْمَرَّاتِ غَرْفَةٌ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ ثَلَاثِ حَفَنَاتٍ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْحَدِيثَ: يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ كُلَّ مَرَّةٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا مِنْ ثَلَاثِ غَرْفَاتٍ؛ قَالَ: " وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ " ثُمَّ سَاقَهُ بِسَنَدِهِ وَفِيهِ: «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ ثَلَاثِ غَرْفَاتٍ مِنْ مَاءٍ» ثُمَّ قَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، وَبِهِ يَتَّضِحُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ هَذَا الِاحْتِمَالُ
وَعَنْ " عَلِيٍّ " ﵁ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ: «ثُمَّ تَمَضْمَضَ ﷺ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا يُمَضْمِضُ وَيَنْثُرُ مِنْ الْكَفِّ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ الْمَاءَ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ؛ هَذَا مِنْ أَدِلَّةِ الْجَمْعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ ثَلَاثِ غَرْفَاتٍ.
٤٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ - فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ - «ثُمَّ أَدْخَلَ ﷺ يَدَهُ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ " ﵁ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ؛ أَيْ وُضُوئِهِ ﷺ [ثُمَّ أَدْخَلَ ﷺ يَدَهُ] أَيْ فِي الْمَاءِ [فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ] لَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِنْثَارَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ إنَّمَا هُوَ ذِكْرُ اكْتِفَائِهِ بِكَفٍّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَاءِ، لِمَا يَدْخُلُ فِي الْفَمِ وَالْأَنْفِ، وَأَمَّا دَفْعُ الْمَاءِ فَلَيْسَ
стр. 71
٥٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا، وَفِي قَدَمِهِ مِثْلُ الظُّفُرِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ. فَقَالَ: ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَك» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ
مِنْ مَقْصُودِ الْحَدِيثِ [مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ] الْكَفُّ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ [يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا]؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ هُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَفَاهُ كَفٌّ وَاحِدٌ لِلثَّلَاثِ الْمَرَّاتِ، وَإِنْ كَانَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ فِعْلَ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، يَغْتَرِفُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ.
وَالْحَدِيثُ كَالْأَوَّلِ مِنْ أَدِلَّةِ الْجَمْعِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَالْأَوَّلُ مُقْتَطَعَانِ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ الطَّوِيلَيْنِ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَا، إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَوْضِعِ الْحُجَّةِ الَّذِي يُرِيدُهُ كَالْجَمْعِ هُنَا.
وَعَنْ " أَنَسٍ " ﵁ قَالَ: «رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا وَفِي قَدَمِهِ مِثْلُ الظُّفُرِ» بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ، فِيهِ لُغَاتٌ أُخَرُ أَجْوَدُهَا مَا ذَكَرَ، وَجَمْعُهُ أَظْفَارٌ، وَجَمْعُ الْجَمْعِ أَظَافِيرُ [لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ] أَيْ مَاءُ وُضُوئِهِ [فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَك] أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ؛ وَقَدْ أَخْرَجَ مِثْلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ " جَابِرٍ " عَنْ " عُمَرَ "، إلَّا أَنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عُمَرَ؛ قَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمَّا سُئِلَ عَنْ إسْنَادِهِ، جَيِّدٌ؟: نَعَمْ. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ اسْتِيعَابِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ نَصًّا فِي الرِّجْلِ، وَقِيَاسًا فِي غَيْرِهَا.
وَقَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» قَالَهُ ﷺ فِي جَمَاعَةٍ لَمْ يَمَسَّ أَعْقَابَهُمْ الْمَاءُ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: إنَّهُ يُعْفَى عَنْ نِصْفِ الْعُضْوِ، أَوْ رُبُعِهِ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ الدِّرْهَمِ، رِوَايَاتٌ حُكِيَتْ عَنْهُ.
وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ أَيْضًا عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ، حَيْثُ أَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى أَمْرِهِ بِغَسْلِ مَا تَرَكَهُ، قِيلَ: وَلَا دَلِيلَ فِيهِ،؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ التَّشْدِيدَ عَلَيْهِ فِي الْإِنْكَارِ، وَالْإِشَارَةَ إلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا فَكَأَنَّهُ تَرَكَ الْكُلَّ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْقَوْلِ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْلَ الرَّاوِي أَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ، أَيْ غَسْلَ مَا تَرَكَهُ، وَسَمَّاهُ إعَادَةً بِاعْتِبَارِ ظَنِّ الْمُتَوَضِّئِ، فَإِنَّهُ صَلَّى ظَانًّا بِأَنَّهُ قَدْ تَوَضَّأَ وُضُوءًا مُجْزِئًا، وَسَمَّاهُ وُضُوءًا فِي قَوْلِهِ: يُعِيدُ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّهُ وُضُوءُ لُغَةٍ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَاهِلَ وَالنَّاسِي حُكْمُهُمَا فِي التَّرْكِ حُكْمُ الْعَامِدِ.
стр. 72
٥١ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٥٢ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ. وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ».
[وَعَنْهُ] أَيْ " أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ "، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ» تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ قَدْرِهِ [وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ] وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، وَلِذَا قَالَ: [إلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ] كَأَنَّهُ قَالَ بِأَرْبَعَةِ أَمْدَادٍ إلَى خَمْسَةٍ، [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ بِثُلُثَيْ مُدٍّ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ أَقَلُّ مَا قُدِّرَ بِهِ مَاءُ وُضُوئِهِ؛ وَلَوْ أَخَّرَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ إلَى هُنَا، أَوْ قَدَّمَ هَذَا، لَكَانَ أَوْفَقَ لِحُسْنِ التَّرْتِيبِ، وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا غَايَةُ مَا كَانَ يَنْتَهِي إلَيْهِ وُضُوءُهُ ﷺ وَغَسْلُهُ وَلَا يُنَافِيهِ حَدِيثُ " عَائِشَةَ " الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ: «أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ يُقَالُ لَهُ الْفَرَقُ»] بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ، وَهُوَ إنَاءٌ يَسَعُ تِسْعَةَ عَشَرَ رِطْلًا،؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِهَا أَنَّهُ كَانَ مَلْآنًا مَاءً، بَلْ قَوْلُهَا مِنْ إنَاءٍ يَدُلُّ عَلَى تَبْعِيضِ مَا تَوَضَّأَ مِنْهُ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا، وَالْحَدِيثُ الَّذِي سَلَفَ عَنْ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ "، يُرْشِدَانِ إلَى تَقْلِيلِ مَاءِ الْوُضُوءِ، وَالِاكْتِفَاءِ بِالْيَسِيرِ مِنْهُ، وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ؛ أَيْ مَاءِ الْوُضُوءِ، أَنْ يَتَجَاوَزَ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ .
[وَعَنْ " عُمَرَ "] بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَنْقُولٌ مِنْ جَمْعٍ عُمْرَةٍ، وَهُوَ " أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ "، الْقُرَشِيُّ؛ يَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي " كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ "، أَسْلَمَ سَنَةَ سِتٍّ مِنْ النُّبُوَّةِ، وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسٍ، بَعْدَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَهُ مَشَاهِدُ فِي الْإِسْلَامِ، وَفُتُوحَاتٌ فِي الْعِرَاقِ وَالشَّامِ، وَتُوُفِّيَ فِي غُرَّةِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، طَعَنَهُ " أَبُو لُؤْلُؤَةَ " غُلَامُ " الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ "، وَخِلَافَتُهُ عَشْرُ سِنِينَ وَنِصْفٌ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ» تَقَدَّمَ أَنَّهُ إتْمَامُهُ [ثُمَّ يَقُولُ] بَعْدَ إتْمَامِهِ: [أَشْهَدُ أَنَّ
стр. 73
بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرَّيْك لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ] هُوَ مِنْ بَابِ: وَنَفَخَ فِي الصُّوَرِ، عَبَّرَ عَنْ الْآتِي بِالْمَاضِي، لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وَالْمُرَادُ تُفْتَحُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ،] أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ»
جَمَعَ بَيْنَهُمَا ائْتِمَامًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ وَلَمَّا كَانَتْ التَّوْبَةُ طَهَارَةَ الْبَاطِنِ مِنْ أَدْرَانِ الذُّنُوبِ، وَالْوُضُوءُ طَهَارَةُ الظَّاهِرِ عَنْ الْأَحْدَاثِ الْمَانِعَةِ عَنْ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ تَعَالَى، نَاسَبَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا، أَيْ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى غَايَةَ الْمُنَاسَبَةِ فِي طَلَبِ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ مَحْبُوبًا بِاَللَّهِ وَفِي زُمْرَةِ الْمَحْبُوبِينَ لَهُ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وَإِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْرَاجِهِ الْحَدِيثَ: فِي إسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ، فَصَدْرُ الْحَدِيثِ ثَابِتٌ فِي مُسْلِمٍ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ قَدْ رَوَاهَا الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ ثَوْبَانَ بِلَفْظِ: «مَنْ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَسَاعَةَ فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ» وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَابْنِ السُّنِّيِّ، فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ،، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ «مَنْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك» كُتِبَ فِي رَقٍّ ثُمَّ طُبِعَ بِطَابَعٍ فَلَا يُكْسَرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَصَحَّحَ النَّسَائِيّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَهَذَا الذِّكْرُ عَقِيبَ الْوُضُوءِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا عَقِيبَ الْغُسْلِ.
وَإِلَى هُنَا انْتَهَى بَابُ الْوُضُوءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْأَذْكَارِ فِيهِ إلَّا حَدِيثَ التَّسْمِيَةِ فِي أَوَّلِهِ، وَهَذَا الذِّكْرُ فِي آخِرِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ الذِّكْرِ مَعَ غَسْلِ كُلِّ عُضْوٍ فَلَمْ يَذْكُرْهُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى ضَعْفِهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَدْعِيَةُ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ لَا أَصْلَ لَهَا، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُتَقَدِّمُونَ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَمْ يَصِحَّ فِيهِ حَدِيثٌ.
هَذَا وَلَا يَخْفَى حُسْنُ خَتْمِ الْمُصَنِّفِ بَابَ الْوُضُوءِ بِهَذَا الدُّعَاءِ الَّذِي يُقَالُ عِنْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ فِعْلًا، فَقَالَهُ عِنْدَ تَمَامِ أَدِلَّتِهِ تَأْلِيفًا.
وَعَقَّبَ الْوُضُوءَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْوُضُوءِ فَقَالَ:
[بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ]
أَيْ بَابُ ذِكْرِ أَدِلَّةِ شَرْعِيَّةِ ذَلِكَ.
وَالْخُفُّ: نَعْلٌ مِنْ أَدَمٍ يُغَطِّي الْكَعْبَيْنِ. وَالْجُرْمُوقُ: خُفٌّ كَبِيرٌ يُلْبَسُ فَوْقَ خُفٍّ صَغِيرٍ. وَالْجَوْرَبُ: فَوْقَ الْجُرْمُوقِ يُغَطِّي الْكَعْبَيْنِ بَعْضَ التَّغْطِيَةِ دُونَ النَّعْلِ، وَهِيَ تَكُونُ دُونَ الْكِعَابِ. (٥٣) - عَنْ «الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: كُنْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَتَوَضَّأَ، فَأَهْوَيْت لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلْأَرْبَعَةِ عَنْهُ إلَّا النَّسَائِيّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ». وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
стр. 74
٥٣ - عَنْ «الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: كُنْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَتَوَضَّأَ، فَأَهْوَيْت لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلْأَرْبَعَةِ عَنْهُ إلَّا النَّسَائِيّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ». وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
[عَنْ " الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ " ﵁ قَالَ: كُنْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ] أَيْ فِي سَفَرٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبُخَارِيُّ. وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي دَاوُد تَعْيِينُ السَّفَرِ أَنَّهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَتَعْيِينُ الصَّلَاةِ أَنَّهَا صَلَاةُ الْفَجْرِ [فَتَوَضَّأَ] أَيْ أَخَذَ فِي الْوُضُوءِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ، فَفِي لَفْظٍ: [تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ] وَفِي أُخْرَى: [فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ]
فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَوَضَّأَ أَخَذَ فِيهِ، لَا أَنَّهُ اسْتَكْمَلَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ [فَأَهْوَيْت] أَيْ مَدَدْت يَدِي، أَوْ قَصَدَتْ الْهَوِيَّ مِنْ الْقِيَامِ إلَى الْقُعُودِ [لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ] كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ بِرُخْصَةِ الْمَسْحِ، أَوْ عَلِمَهَا وَظَنَّ أَنَّهُ ﷺ سَيَفْعَلُ الْأَفْضَلَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَسْلَ أَفْضَلُ، وَيَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ، أَوْ جَوَازُ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ شَرْطُ الْمَسْحِ، وَهَذَا الْأَخِيرُ أَقْرَبُ لِقَوْلِهِ [فَقَالَ: دَعْهُمَا] أَيْ الْخُفَّيْنِ [فَإِنِّي أَدْخَلَتْهُمَا طَاهِرَتَيْنِ] حَالٌ مِنْ الْقَدَمَيْنِ كَمَا تُبَيِّنُهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد [فَإِنِّي أَدْخَلْت الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ] [فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا] [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ؛ وَلَفْظُهُ هُنَا لِلْبُخَارِيِّ. وَذَكَرَ الْبَزَّارُ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ " الْمُغِيرَةِ " مِنْ سِتِّينَ طَرِيقًا، وَذَكَرَ مِنْهَا ابْنُ مَنْدَهْ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ طَرِيقًا.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ظَاهِرٌ فِيهِ كَمَا عَرَفْت.
وَأَمَّا فِي الْحَضَرِ فَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِهِ سَفَرًا لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَحَضَرًا لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ، قَالَ " أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ": فِيهِ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَنْ الصَّحَابَةِ مَرْفُوعَةٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: فِيهِ عَنْ أَحَدٍ وَأَرْبَعِينَ صَحَابِيًّا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ: رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ: وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنْدَهْ أَسْمَاءَ مَنْ رَوَاهُ فِي تَذْكِرَتِهِ، فَبَلَغُوا ثَمَانِينَ صَحَابِيًّا، وَالْقَوْلُ بِالْمَسْحِ قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ " عَلِيٍّ " ﵇، " وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ "، " وَبِلَالٍ، " وَحُذَيْفَةَ "، " وَبُرَيْدَةَ "، " وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ "،
стр. 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَسَلْمَانَ "، " وَجَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ، وَغَيْرِهِمْ؛ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَيْسَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ اخْتِلَافٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ إنْكَارُهُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ إثْبَاتُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ إنْكَارُهُ إلَّا عَنْ " مَالِكٍ "، مَعَ أَنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ عَنْهُ مُصَرِّحَةٌ بِإِثْبَاتِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: قَدْ صَرَّحَ جَمْعٌ مِنْ الْحُفَّاظِ بِأَنَّ الْمَسْحَ مُتَوَاتِرٌ؛ وَقَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمَا مُسْتَدِلِّينَ بِمَا سَمِعْت.
وَرُوِيَ عَنْ الْهَادَوِيَّةِ وَالْإِمَامِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ الْقَوْلُ بِعَدَمِ جَوَازِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قَالُوا: فَعَيَّنَتْ الْآيَةُ مُبَاشَرَةَ الرِّجْلَيْنِ بِالْمَاءِ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا سَلَفَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنْ أَحَادِيثِ التَّعْلِيمِ، وَكُلُّهَا عَيَّنَتْ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ، قَالُوا: وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرْتُمْ فِي الْمَسْحِ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى النَّسْخِ قَوْلُ " عَلِيٍّ " ﵇: سَبَقَ الْكِتَابُ الْخُفَّيْنِ.
وَقَوْلُ " ابْنِ عَبَّاسٍ ": مَا مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الْمَائِدَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ، وَمَسَحَهُ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ كَمَا عَرَفْت، فَكَيْفَ يَنْسَخُ الْمُتَقَدِّمُ الْمُتَأَخِّرَ. بِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ تَأَخُّرَ آيَةِ الْمَائِدَةِ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْآيَةِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ مُطْلَقٌ، وَقَيَّدَتْهُ أَحَادِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ، أَوْ عَامٌّ وَخَصَّصَتْهُ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ.
وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ " عَلِيٍّ " ﵇ فَهُوَ حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ، وَكَذَا مَا رُوِيَ عَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ "، مَعَ أَنَّهُ يُخَالِفُ مَا ثَبَتَ عَنْهُمَا مِنْ الْقَوْلِ بِالْمَسْحِ، وَقَدْ عَارَضَ حَدِيثُهُمَا مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُمَا، وَهُوَ حَدِيثُ " جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ "، فَإِنَّهُ لَمَّا رَوَى أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ قِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْمَائِدَةِ أَوْ بَعْدَهَا؟ قَالَ: وَهَلْ أَسْلَمْت إلَّا بَعْدَ الْمَائِدَةِ؟ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَأَمَّا أَحَادِيثُ التَّعْلِيمِ فَلَيْسَ فِيهَا مَا يُنَافِي جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَإِنَّهَا كُلَّهَا فِيمَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ خُفَّانِ فَأَيُّ دَلَالَةٍ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: قَدْ ثَبَتَ فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ الْقِرَاءَةُ بِالْجَرِّ لِأَرْجُلِكُمْ عَطْفًا عَلَى الْمَمْسُوحِ وَهُوَ الرَّأْسُ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَسْحِ الْخُفَّيْنِ كَمَا بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ، وَيَتِمُّ ثُبُوتُ الْمَسْحِ بِالسُّنَّةِ وَالْكِتَابِ، وَهُوَ أَحْسَنُ الْوُجُوهِ الَّتِي تُوَجَّهُ بِهِ قِرَاءَةُ الْجَرِّ.
إذَا عَرَفْت هَذَا فَلِلْمَسْحِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ شَرْطَانِ:
مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْحَدِيثُ وَهُوَ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ مَعَ كَمَالِ طَهَارَةِ الْقَدَمَيْنِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَلْبَسَهُمَا وَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ، بِأَنْ يَتَوَضَّأَ حَتَّى يُكْمِلَ وُضُوءَهُ ثُمَّ يَلْبَسَهُمَا، فَإِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ حَدَثًا أَصْغَرَ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِطَاهِرَتَيْنِ الطَّهَارَةُ الْكَامِلَةُ، وَقَدْ قِيلَ: بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا طَاهِرَتَانِ عَنْ النَّجَاسَةِ، يُرْوَى عَنْ دَاوُد، وَيَأْتِي مِنْ الْأَحَادِيثِ مَا يُقَوِّي الْقَوْلَ الْأَوَّلَ. مُسْتَفَادٌ مِنْ مُسَمَّى الْخُفِّ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكَامِلُ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ سَاتِرًا، قَوِيًّا، مَانِعًا نُفُوذَ الْمَاءِ غَيْرَ مُخَرَّقٍ، فَلَا يُمْسَحُ عَلَى مَا لَا يَسْتُرُ الْعَقِبَيْنِ، وَلَا عَلَى مُخَرَّقٍ يَبْدُو مِنْهُ مَحَلُّ الْفَرْضِ، وَلَا عَلَى مَنْسُوجٍ إذَا لَمْ يَمْنَعْ نُفُوذَ الْمَاءِ،
следующие страницы →