Полный текст (1 346 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
ترجمة الحافظ ابن حجر [¬*]
مؤلف متن بلوغ المرام
هو أحمد بن علي بن محمد أبو الفضل الكناني الشافعي المعروف بابن حجر العسقلاني حامل لواء السنة قاضي القضاة أوحد الحفاظ والرواة. ولد بمصر في شعبان سنة ٧٧٣ وبها نشأ، وحفظ القرآن والحاوي ومختصر ابن الحاجب وغيرها، وسافر صحبة أحد أوصيائه إلى مكة المكرمة فسمع بها، ثم حبب إليه الحديث فاشتغل بطلبه من كبار شيوخه في البلاد الحجازية والشامية والمصرية، ولا سيما الحافظ العراقي، وتفقه بالبلقيني وابن الملقن وغيرهما وأذنوا له بالتدريس والافتاء. وأخذ الأصلين وغيرهما عن العز بن جماعة، واللغة عن المجد الفيروزآبادي، والعربية عن المعماري، والأدب والعروض عن البدر البشتكي، والكتابة عن جماعة. وقرأ بعض القرآن بالسبع على التنوخي، وجد في الفنون حي بلغ فيها الغاية، وتصدى لنشر الحديث وعكف عليه مطالعة وقراءة وإقراء وتصنيفا وإفتاء. وباشر القضاء بالديار المصرية استقلالا مدة تزيد على إحدى وعشرين سنة بأشهر تخللها ولاية جماعة. ودرس التفسير والحديث والفقه والوعظ بعدة أماكن. وخطب بالأزهر وجامع عمرو وغيرهما، وأملى من حفظه الكثير. ولقد توافد إليه الفضلاء ورؤوس العلماء ليغترفوا من فيضه ويرووا من علمه.
وقد بلغت تصانيفه مائة وخمسين، وقل أن تجد فنا من فنون الحديث إلا له مؤلفات حافلة فيه، ولقد انتشرت هذه التصانيف في حياته وتهاداها الملوك والأمراء. ومن تلك المؤلفات الإصابة في أسماء الصحابة. وتهذيب. والتقريب، وتعجيل المنفعة برجال الأربعة. ومشتبه النسبة. وتلخيص الخبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير. وتخرج المصابيح. وابن الحاجب. وتخرج الكشاف، وإتحاف المهرة. والمقدمة. وبذل الماعون. ونخبة الفكر وشرحها. والخصال المفكرة. والقول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد. وبلوغ المرام. وديوان خطبه. وديوان شعره. ومخلص ما يقال في الصباح والمساء. والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة. وغير ذلك من كتبه القيمة.
ولو لم يكن له إلا كتابه: فتح الباري: في شرح صحيح البخاري: لكفى في الإشادة بذكره والوقوف على جلاة قدره، فان هذا الكتاب بحق هو قاموس السنة، وقد بدأ تأليفه في مفتتح سنة ٨١٧ بعد أن أكمل مقدمته في سنة ٨١٣، وانتهى منه في غرة رجب سنة ٨٤٢، وقد أولم عند ختمه وليمة حضرها وجوه المسلمين أنفق فيها ٥٠٠ دينار
_________
[¬*] (تعليق الشاملة): هذه الترجمة الواردة في مقدمة ط دار الحديث، وهي بنصها من ط الحلبي
стр. 2
أي ٢٥٠ جنيها مصريا، وقد طلبه الملوك، واشترى بثلاثمائة دينار: أي خمسين ومائة جنيه، فجزاه الله عن السنة خير الجزاء. هذا إلى تواضعه وحمله واحتماله وصبره وبهائه وظرفه وقيامه وصومه واحتياطه وورعه وبذله وكرمه وهضمه لنفسه وميله إلى النكت اللطيفة والنوادر الظريفة، وفريد أدبه مع الأئمة المتقدمين والمتأخرين ومع كل من يجالسه من صغير وكبير.
وقد اختاره الله لجواره بعد عشاء ليلة السبت ثامن عشر ذي الحجة سنة ٨٥٢ هـ، أجزل الله له الثواب وجزاه خير الجزاء.
стр. 3
ترجمة محمد بن إسماعيل الصنعاني [¬*]
صاحب سبل السلام
هو السيد محمد بن إسماعيل بن صلاح الأمير الكحلاني ثم الصنعاني، ولد سنة ١٠٥٩ بكحلان، ثم انتقل مع والده إلى مدينة صنعاء عاصمة اليمن فأخذ عن علمائها ثم رحل إلى مكة، وقرأ الحديث على أكابر علمائها وعلماء المدينة، وبرع في العلوم المختلفة حتى بز أقرانه، وتفرد بالرئاسة العلمية في صنعاء، وأظهر الاجتهاد والوقوف مع الأدلة ونفر من التقليد، وزيف ما لا دليل عليه من الآراء الفهية، وجرت له مع أهل عصره محن وخطوب شأن كل مصلح يدعو إلى الحق ويجاهر به في عصور الظلمات، وقد حفظه الله من كيدهم وكفاه شرهم، وقد ولاه الامام المنصور من أئمة اليمن الخطابة بجامع صنعاء، واستمر ناشرا للعلم تدريسا وإفتاء وتصنيفا، وكان لا يخشى في الحق لومة لائم، ولا يبالي بما يصيبه في سبيله شأن الذين أخلصوا دينهم لله، وآثروا مرضاة الناس. ولقد التف حوله كثيرون من الخاصة والعامة، وقرأوا عليه كتب الحديث وعملوا باجتهاداته، وأعلنوا ذلك في الناس، فكانت فتن أظهرهم الله عليها (وله مصنفات) حافلة. منها: سبل السلام، هذا الذي اختصره من البدر التمام للمغربي، وأصناف إليه زيادات قيمة أكبرت شأن الكتاب ومنها: منحة الغفار: جعلها حاشية على ضوء النهار للجلال. ومنها: العدة: حشى بها شرح العمدة لابن العيد. ومنها: شرح التنقيح في علوم الحديث: وله مصنفات أخرى وقد أفرد كثيرا من المسائل بالتصنيف مما لو جمع كان مجلدات. وله شعر فصيح منسجم أكثره في المباحث العلمية، والتوجع من أبناء عصره والرد عليهم. وبالجملة فهو من الأئمة المجددين لمعالم هذا الدين، الصادعين فيه بصريح الحق. توفى ثالث شعبان سنة ١١٨٢ هـ عن مائة وثلاث وعشرين سنة رحمة الله واسعة، وجزاه عن نصره السنة خير الجزاء.
_________
[¬*] (تعليق الشاملة): هذه الترجمة الواردة في مقدمة ط دار الحديث، وهي بنصها من ط الحلبي
стр. 4
. . . . . . . . . . . . . . . .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِبُلُوغِ الْمَرَامِ مِنْ خِدْمَةِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَتَفَضَّلَ عَلَيْنَا بِتَيْسِيرِ الْوُصُولِ إلَى مَطَالِبِهَا الْعَلِيَّةِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ شَهَادَةً تُنْزِلُ قَائِلَهَا الْغُرَفَ الْأُخْرَوِيَّةَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي بِاتِّبَاعِهِ يُرْجَى الْفَوْزُ بِالْمَوَاهِبِ اللَّدُنْيَّةِ ﷺ وَعَلَى آلِهِ الَّذِينَ حُبُّهُمْ ذَخَائِرُ الْعُقْبَى وَهُمْ خَيْرُ الْبَرِّيَّةِ.
(وَبَعْدُ) فَهَذَا شَرْحٌ لَطِيفٌ عَلَى بُلُوغِ الْمَرَامِ، تَأْلِيفُ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ أَحَلَّهُ اللَّهُ دَارَ السَّلَامِ، اخْتَصَرْته عَنْ شَرْحِ الْقَاضِي الْعَلَّامَةِ شَرَفِ الدِّينِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَغْرِبِيِّ أَعْلَى اللَّهُ دَرَجَاتِهِ فِي عِلِّيِّينَ، مُقْتَصِرًا عَلَى حَلِّ أَلْفَاظِهِ وَبَيَانِ مَعَانِيهِ قَاصِدًا بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، ثُمَّ التَّقْرِيبَ لِلطَّالِبِينَ فِيهِ وَالنَّاظِرِينَ، مُعْرِضًا عَنْ ذِكْرِ الْخِلَافَاتِ وَالْأَقَاوِيلِ، إلَّا أَنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ مَا يَرْتَبِطُ بِهِ الدَّلِيلُ، مُتَجَنِّبًا لِلْإِيجَازِ الْمُخِلِّ وَالْإِطْنَابِ الْمُمِلِّ. وَقَدْ ضَمَمْت إلَيْهِ زِيَادَاتٍ جَمَّةً عَلَى مَا فِي الْأَصْلِ مِنْ الْفَوَائِدِ؛ وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْمَعَادِ مِنْ خَيْرِ الْعَوَائِدِ، فَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَعَلَيْهِ فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ التَّعْوِيلُ.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ) افْتَتَحَ كَلَامَهُ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى امْتِثَالًا لِمَا وَرَدَ فِي الْبُدَاءَةِ بِهِ مِنْ الْآثَارِ، وَرَجَاءً لِبَرَكَةِ تَأْلِيفِهِ، لِأَنَّ كُلَّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ مَنْزُوعُ الْبَرَكَةِ كَمَا وَرَدَتْ بِذَلِكَ الْأَخْبَارُ، وَاقْتِدَاءً بِكِتَابِ اللَّهِ الْمُبِينِ، وَسُلُوكَ مَسْلَكِ الْعُلَمَاءِ الْمُؤَلِّفِينَ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي التَّعْرِيفَاتِ فِي حَقِيقَةِ الْحَمْدِ: إنَّ الْحَمْدَ اللُّغَوِيَّ: الْوَصْفُ بِفَضِيلَةٍ عَلَى فَضِيلَةٍ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ بِاللِّسَانِ. وَالْحَمْدَ الْعُرْفِيَّ: فِعْلٌ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا. وَالْحَمْدَ الْقَوْلِيَّ: حَمْدُ اللِّسَانِ وَثَنَاؤُهُ عَلَى الْحَقِّ بِمَا أَثْنَى بِهِ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى لِسَانِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ. وَالْحَمْدَ الْفِعْلِيَّ: الْإِتْيَانُ بِالْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى. وَذَكَرَ الشَّارِحُ التَّعْرِيفَ الْمَعْرُوفَ لِلْحَمْدِ بِأَنَّهُ لُغَةً: الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ، وَاصْطِلَاحًا: الْفِعْلُ الدَّالُّ عَلَى تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُنْعِمٌ، وَاصِلَةٌ تِلْكَ النِّعْمَةُ أَوْ غَيْرُ وَاصِلَةٍ؛ وَاَللَّهُ هُوَ الذَّاتُ الْوَاجِبُ الْوُجُودُ الْمُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ.
(عَلَى نِعَمِهِ) جَمْعُ: نِعْمَةٍ؛ قَالَ الرَّازِيّ: النِّعْمَةُ: الْمَنْفَعَةُ الْمَفْعُولَةُ عَلَى جِهَةِ الْإِحْسَانِ إلَى الْغَيْرِ؛ وَقَالَ الرَّاغِبُ النِّعْمَةُ مَا قَصَدْت بِهِ الْإِحْسَانَ فِي النَّفْعِ؛ وَالْإِنْعَامُ: إيصَالُ الْإِحْسَانِ الظَّاهِرِ إلَى الْغَيْرِ (الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ) مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ «عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ قَالَ: هَذَا مِنْ كُنُوزِ عِلْمِي؛ سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَمَّا الظَّاهِرَةُ فَمَا سَوَّى مِنْ خَلْقِك، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَمَا سَتَرَ مِنْ عَوْرَتِك، وَلَوْ أَبْدَاهَا لَقَلَاك أَهْلُك فَمَنْ سِوَاهُمْ»
стр. 5
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْهُ وَالدَّيْلَمِيُّ وَابْنُ النَّجَّارِ: «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: أَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالْإِسْلَامُ وَمَا سَوَّى مِنْ خَلْقِك وَمَا أَسْبَغَ عَلَيْك مِنْ رِزْقِهِ، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَمَا سَتَرَ عَلَيْك مِنْ عَمَلِك» وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ مَوْقُوفَةٍ [النِّعْمَةُ الظَّاهِرَةُ الْإِسْلَامُ، وَالْبَاطِنَةُ مَا سَتَرَ عَلَيْك مِنْ الذُّنُوبِ وَالْعُيُوبِ وَالْحُدُودِ] أَخْرَجَهَا ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ مَوْقُوفَةٍ أَيْضًا [النِّعْمَةُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ هِيَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ] أَخْرَجَهَا عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ وَتَفْسِيرُهُمَا مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ: نِعْمَةٌ ظَاهِرَةٌ هِيَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عَلَى اللِّسَانِ، وَبَاطِنَةٌ قَالَ: فِي الْقَلْبِ: أَخْرَجَهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ جَرِيرٍ، وَفَسَّرَهُمَا الشَّارِحُ بِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ.
وَرَأَيْنَا التَّفْسِيرَ الْمَرْفُوعَ وَتَفْسِيرَ السَّلَفِ أَوْلَى بِالِاعْتِمَادِ؛ (قَدِيمًا وَحَدِيثًا) مَنْصُوبَانِ عَلَى أَنَّهُمَا حَالَانِ مِنْ نِعَمِهِ، وَلَمْ يُؤَنَّثْ لِأَنَّ الْجَمْعَ لَمَّا أُضِيفَ صَارَ لِلْجِنْسِ فَكَأَنَّهُ قَالَ عَلَى جِنْسِ نِعَمِهِ، وَيَحْتَمِلُ النَّصْبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَأَنَّهُمَا صِفَةٌ لِزَمَانٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: زَمَانًا قَدِيمًا وَزَمَانًا حَدِيثًا؛ وَالْقَدِيمُ عَلَى عَبْدِهِ مِنْ حِينِ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، ثُمَّ فِي كُلِّ آنٍ مِنْ آنَاتِ زَمَانِهِ فَهِيَ مُسْبَغَةٌ عَلَيْهِ فِي قَدِيمِ زَمَانِهِ وَحَدِيثِهِ وَحَالَ تَكَلُّمِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِقَدِيمِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى الْآبَاءِ فَإِنَّهَا نِعَمٌ عَلَى الْأَبْنَاءِ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بَنِي إسْرَائِيلَ بِذِكْرِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى آبَائِهِمْ فَقَالَ: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ - الْآيَاتِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْقُرْآنِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ ﵀ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَا بَنِي إسْرَائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ الْآيَةَ، وَالتِّلَاوَةُ نِعْمَتِي فَكَأَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ، وَيُرَادُ بِالْحَدِيثِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ مِنْ حِينِ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، فَهِيَ حَادِثَةٌ نَظَرًا إلَى النِّعْمَةِ عَلَى الْآبَاءِ.
(وَالصَّلَاةُ) عَطْفُ اسْمِيَّةٍ عَلَى اسْمِيَّةٍ، وَهَلْ هُمَا خَبَرِيَّتَانِ أَوْ إنْشَائِيَّتَانِ؟ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَالْحَقُّ أَنَّهُمَا خَبَرِيَّتَانِ لَفْظًا يُرَادُ بِهِمَا الْإِنْشَاءُ، وَلَمَّا كَانَتْ الْكِمَالَاتُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ وَمَا فِيهِ صَلَاحُ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ فَائِضَةٌ مِنْ الْجَنَابِ الْأَقْدَسِ عَلَى الْعِبَادِ بِوَاسِطَةِ هَذَا الرَّسُولِ الْكَرِيمِ، نَاسَبَ إرْدَافَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيمِ لِذَلِكَ، وَامْتِثَالًا لِآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وَلِحَدِيثِ: «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَلَا يُصَلَّى فِيهِ عَلَيَّ فَهُوَ أَقْطَعُ أَكْتَعُ مَمْحُوقُ الْبَرَكَةِ» ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَلَمْ يُخَرِّجْهُ، وَفِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ الدَّيْلَمِيُّ وَالْحَافِظُ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّهَاوِيُّ فِي الْأَرْبَعِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ الرَّهَاوِيُّ: غَرِيبٌ تَفَرَّدَ بِذِكْرِ الصَّلَاةِ فِيهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الشَّامِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا لَا يُعْتَدُّ بِرِوَايَتِهِ وَلَا بِزِيَادَتِهِ؛ انْتَهَى.
وَالصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ لِرَسُولِهِ تَشْرِيفُهُ وَزِيَادَةُ تَكْرِمَتِهِ، فَالْقَائِلُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، طَالِبٌ لَهُ زِيَادَةَ التَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِمَةَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهَا آيَةُ الْوَسِيلَةِ وَهِيَ الَّتِي طَلَبَ ﷺ مِنْ الْعِبَادِ أَنْ يَسْأَلُوهَا لَهُ كَمَا يَأْتِي فِي الْآذَانِ.
(وَالسَّلَامُ) قَالَ الرَّاغِبُ: السَّلَامُ وَالسَّلَامَةُ التَّعَرِّي مِنْ الْآفَاتِ الْبَاطِنَةِ
стр. 6
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَالظَّاهِرَةِ وَالسَّلَامَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّ فِيهَا بَقَاءً بِلَا فِنَاءٍ وَغَنَاءً بِلَا فَقْرٍ، وَعِزًّا بِلَا ذُلٍّ، وَصِحَّةً بِلَا سَقَمٍ.
(عَلَى نَبِيِّهِ) يَتَنَازَعُ فِيهِ الْمَصْدَرَانِ قَبْلَهُ.
وَالنَّبِيُّ: مِنْ النُّبُوَّةِ وَهِيَ الرِّفْعَةُ (فَعِيلٌ) بِمَعْنَى (مُفْعِلٌ)؛ أَيْ: الْمُنْبِي عَنْ اللَّهِ بِمَا تَسْكُنُ إلَيْهِ الْعُقُولُ الزَّاكِيَةُ: وَالنُّبُوَّةُ سِفَارَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ ذَوِي الْعُقُولِ مِنْ عِبَادِهِ لِإِزَاحَةِ عِلَلِهِمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ.
(وَرَسُولِهِ) فِي الشَّرْعِ النَّبِيُّ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ إنْسَانٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِ شَرِيعَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ، فَإِذَا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهَا إلَى الْغَيْرِ سُمِّيَ رَسُولًا. وَفِي أَنْوَارِ التَّنْزِيلِ: الرَّسُولُ مَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ بِشَرِيعَةٍ مُجَدِّدَةٍ يَدْعُو النَّاسَ إلَيْهَا وَالنَّبِيُّ أَعَمُّ مِنْهُ، وَالْإِضَافَةُ إلَى ضَمِيرِهِ تَعَالَى فِي رَسُولِهِ وَمَا قَبْلَهُ عَهْدِيَّةٌ، إذْ الْمَعْهُودُ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَزَادَهُ بَيَانًا قَوْلُهُ (مُحَمَّدٍ) فَإِنَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ عَلَى نَبِيِّهِ، وَهُوَ عَلَمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ حَمِدَ مَجْهُولٌ مُشَدَّدُ الْعَيْنِ أَيْ كَثِيرُ الْخِصَالِ الَّتِي يُحْمَدُ عَلَيْهَا أَكْثَرُ مِمَّا يُحْمَدُ غَيْرُهُ مِنْ الْبَشَرِ، فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ مَحْمُودٍ لِأَنَّ هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَزِيدِ وَذَاكَ مِنْ الثَّلَاثِي، وَأَبْلَغُ مِنْ أَحْمَدَ لِأَنَّهُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مُشْتَقٌّ مِنْ الْحَمْدِ
وَفِيهِ قَوْلَانِ: هَلْ هُوَ أَكْثَرُ حَامِدِيَّةً لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ أَحْمَدُ الْحَامِدِينَ لِلَّهِ؟ أَوْ هُوَ بِمَعْنَى أَكْثَرَ مَحْمُودِيَّةً فَيَكُونُ كَمُحَمَّدٍ فِي مَعْنَاهُ؟ وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ وَجِدَالٌ وَالْمُخْتَارُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَقَرَّرَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَأَطَالَ فِيهِ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي أَوَائِلِ زَادِ الْمَعَادِ (وَآلِهِ) وَالدُّعَاءُ لِلْآلِ بَعْدَ الدُّعَاءِ لَهُ ﷺ امْتِثَالًا لِحَدِيثِ التَّعْلِيمِ، وَسَيَأْتِي فِي الصَّلَاةِ وَلِلْوَجْهِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا.
(وَصَحْبِهِ): اسْمُ جَمْعٍ لِصَاحِبٍ، وَفِي الْمُرَادِ بِهِمْ أَقْوَالٌ اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ فِي نُخْبَةِ الْفِكْرِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ وَكَانَ مُؤْمِنًا وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَوَجْهُ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْآلِ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ هُوَ الْوَجْهُ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ ﷺ بَعْدَ الثَّنَاءِ عَلَى الرَّبِّ؛ لِأَنَّهُمْ الْوَاسِطَةُ فِي إبْلَاغِ الشَّرَائِعِ إلَى الْعِبَادِ فَاسْتَحَقُّوا الْإِحْسَانَ إلَيْهِمْ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ (الَّذِينَ سَارُوا فِي نُصْرَةِ دِينِهِ) هُوَ صِفَةٌ لِلْفَرِيقَيْنِ الْآلِ وَالْأَصْحَابِ.
وَالسَّيْرُ مُرَادٌ بِهِ هُنَا الْجِدُّ وَالِاجْتِهَادُ؛ وَالنُّصْرَةُ: الْعَوْنُ.
وَالدِّينُ وَضْعٌ إلَهِيٌّ يَدْعُو أَصْحَابَ الْعُقُولِ إلَى الْقَبُولِ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ أَعَانُوا صَاحِبَ الدِّينِ الْمُبَلِّغَ وَهُوَ الرَّسُولُ، وَفِي وَصْفِهِمْ بِهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُمْ اسْتَحَقُّوا الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ بِذَلِكَ.
(سَيْرًا) مَصْدَرٌ نَوْعِيٌّ لِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ (حَثِيثًا) فَإِنَّ الْمَصْدَرَ إذَا أُضِيفَ أَوْ وُصِفَ كَانَ لِلنَّوْعِ، وَالْحَثِيثُ السَّرِيعُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَفِي نُسْخَةٍ (فِي صُحْبَتِهِ) وَهُوَ عِوَضٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي نُصْرَةِ دِينِهِ (وَعَلَى أَتْبَاعِهِمْ) أَتْبَاعُ: الْآلِ وَالْأَصْحَابِ (الَّذِينَ وَرِثُوا عِلْمَهُمْ) وَهُوَ عِلْمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ) وَهُوَ اقْتِبَاسٌ مِنْ حَدِيثِ «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَقَدْ ضُعِّفَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ عُلَمَاءُ الْآلِ بِقَوْلِهِ:
الْعِلْمُ مِيرَاثُ النَّبِيِّ كَذَا أَتَى … فِي النَّصِّ وَالْعُلَمَاءُ هُمْ وُرَّاثُهُ
стр. 7
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَا خَلَّفَ الْمُخْتَارُ غَيْرَ حَدِيثِهِ … فِينَا فَذَاكَ مَتَاعُهُ وَأَثَاثُهُ
(أَكْرِمْ) فِعْلُ تَعَجُّبٍ (بِهِمْ) فَاعِلُهُ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ وَفِيهِ ضَمِيرُ فَاعِلِهِ: (وَارِثًا) نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَهُوَ نَاظِرٌ إلَى الْأَتْبَاعِ، ثُمَّ قَالَ (وَمَوْرُوثًا) نَاظِرٌ إلَى مَنْ تَقَدَّمَهُمْ وَفِيهِ مِنْ الْبَدِيعِ اللَّفُّ وَالنَّشْرُ مُشَوَّشًا وَيَحْتَمِلُ عَوْدَ الصِّفَتَيْنِ إلَى الْكُلِّ مِنْ الْآلِ وَالْأَصْحَابِ وَالْأَتْبَاعِ، فَإِنَّ الْآلُ وَالْأَصْحَابَ وَرِثُوا عِلْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَرَّثُوهُ الْأَتْبَاعَ فَهُمْ وَارِثُونَ وَمَوْرُوثُونَ، وَكَذَلِكَ الْأَتْبَاعُ وَرِثُوا عُلُومَ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ وَوَرَّثُوا أَيْضًا أَتْبَاعَ الْأَتْبَاعِ وَلَعَلَّ هَذَا أَوْلَى لِعُمُومِهِ.
(أَمَّا) هِيَ حَرْفُ شَرْطٍ وَقَوْلُهُ (بَعْدُ) قَائِمٌ مَقَامَ شَرْطِهَا، وَبَعْدُ ظَرْفٌ لَهُ ثَلَاثُ حَالَاتٍ: إضَافَتُهُ فَيُعْرَبُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ - وَقَطْعُهُ عَنْ الْإِضَافَةِ مَعَ نِيَّةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ فَيُبْنَى عَلَى الضَّمِّ نَحْوُ ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ وَقَطْعُهُ مَعَ عَدَمِ نِيَّةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ فَيُعْرَبُ مُنَوَّنًا كَقَوْلِهِ:
فَسَاغَ لِي الشَّرَابُ وَكُنْت قَبْلًا … أَكَادُ أَغَصُّ بِالْمَاءِ الْفُرَاتِ
(فَهَذَا) الْفَاءُ: جَوَابُ الشَّرْطِ، وَاسْمُ الْإِشَارَةِ لِمَا فِي الذِّهْنِ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي (مُخْتَصَرٌ) وَفِي الْقَامُوسِ اخْتَصَرَ الْكَلَامَ: أَوْجَزَهُ (يَشْتَمِلُ) يَحْتَوِي (عَلَى أُصُولِ) جَمْعُ: أَصْلٍ، وَهُوَ أَسْفَلُ الشَّيْءِ، كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَفَسَّرَهُ فِي الشَّرْحِ بِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ: بِمَا يُبْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ (الْأَدِلَّةِ) جَمْعُ: دَلِيلٍ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْمُرْشِدُ إلَى الْمَطْلُوبِ، وَعِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ: مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيهِ إلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْمِيزَانِ: مَا يَلْزَمُ الْعِلْمَ بِهِ الْعِلْمُ بِشَيْءٍ آخَرَ، وَإِضَافَةُ الْأُصُولِ إلَى الْأَدِلَّةِ بَيَانِيَّةٌ: أَيْ أُصُولٌ هِيَ الْأَدِلَّةُ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ (الْحَدِيثِيَّةِ) صِفَةٌ لِلْأُصُولِ مُخَصَّصَةٌ عَنْ غَيْرِ الْحَدِيثِيَّةِ، وَهِيَ نِسْبَةٌ إلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(لِلْأَحْكَامِ) جَمْعُ: حُكْمٍ. وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ: خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ، وَهِيَ خَمْسَةٌ: الْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ وَالنَّدْبُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ (الشَّرْعِيَّةِ) وَصْفٌ لِلْأَحْكَامِ يُخَصِّصُهَا أَيْضًا عَنْ الْعَقْلِيَّةِ، وَالشَّرْعُ: مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَفِي غَيْرِهِ: نَهَجَ الطَّرِيقَ الْوَاضِحَ، وَاسْتُعِيرَ لِلطَّرِيقَةِ الْإِلَهِيَّةِ مِنْ الدِّينِ
(حَرَّرْته) بِالْمُهْمَلَاتِ، وَالضَّمِيرُ لِلْمُخْتَصَرِ، وَفِي الْقَامُوسِ: تَحْرِيرُ الْكَلَامِ وَغَيْرِهِ تَقْوِيمُهُ.
وَهُوَ يُنَاسِبُ قَوْلَ الشَّارِحِ بِتَهْذِيبِ الْكَلَامِ وَتَنْقِيحِهِ (تَحْرِيرًا) مَصْدَرٌ نَوْعِيٌّ لِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ (بَالِغًا) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ.
وَفِي الْقَامُوسِ: الْبَالِغُ الْجَيِّدُ (لِيَصِيرَ) عِلَّةً لَحَرَّرْته (مَنْ يَحْفَظُهُ مِنْ بَيْنِ أَقْرَانِهِ) جَمْعُ: قِرْنٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَهُوَ: الْكُفْءُ وَالْمِثْلُ (نَابِغًا) بِالنُّونِ وَمُوَحَّدَةٍ وَمُعْجَمَةٍ مِنْ: نَبَغَ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: النَّابِغَةُ الرَّجُلُ الْعَظِيمُ
стр. 8
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشَّأْنِ
(وَيَسْتَعِينَ) عَطْفٌ عَلَى: لِيَصِيرَ (بِهِ الطَّالِبُ) لِأَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْحَدِيثِيَّةِ (الْمُبْتَدِي) فَإِنَّهُ قَدْ قَرَّبَ لَهُ الْأَدِلَّةَ وَهَذَّبَهَا (وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الرَّاغِبُ) فِي الْعُلُومِ (الْمُنْتَهِي) الْبَالِغُ نِهَايَةً مَطْلُوبَةً،؛ لِأَنَّ رَغْبَتَهُ تَبْعَثُهُ عَلَى أَنْ لَا يَسْتَغْنِيَ عَنْ شَيْءٍ فِيهِ، سِيَّمَا مَا قَدْ هُذِّبَ وَقُرِّبَ (وَقَدْ بَيَّنْت عَقِبَ) مِنْ: عَقَبَهُ، إذَا خَلَفَهُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، أَيْ: فِي آخِرِ (كُلِّ حَدِيثٍ مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ) مَنْ ذَكَرَ إسْنَادَهُ وَسَاقَ طُرُقَهُ (لِإِرَادَةِ نُصْحِ الْأُمَّةِ) عِلَّةٌ لِذِكْرِهِ مَنْ خَرَّجَ الْحَدِيثَ.
وَذَلِكَ أَنَّ فِي ذِكْرِ مَنْ أَخْرَجَهُ عِدَّةَ نَصَائِحَ لِلْأُمَّةِ مِنْهَا:
بَيَانُ أَنَّ الْحَدِيثَ ثَابِتٌ فِي دَوَاوِينِ الْإِسْلَامِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَئِمَّةُ الْأَعْلَامُ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ تَتَّسِعُ طُرُقُهُ وَبَيَّنَ مَا فِيهَا مِنْ مَقَالٍ مِنْ تَصْحِيحٍ وَتَحْسِينٍ وَإِعْلَالٍ.
وَمِنْهَا: إرْشَادُ الْمُنْتَهِي أَنْ يُرَاجِعَ أُصُولَهَا الَّتِي مِنْهَا انْتَقَى هَذَا الْمُخْتَصَرَ.
وَكَانَ يَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ قَوْلِهِ مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ: وَمَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ تَصْحِيحٍ وَتَحْسِينٍ وَتَضْعِيفٍ فَإِنَّهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ مَنْ خَرَّجَ الْحَدِيثَ فِي غَالِبِ الْأَحَادِيثِ كَمَا سَتَعْرِفُهُ (فَالْمُرَادُ) أَيْ مُرَادِي (بِالسَّبْعَةِ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُرَادًا لِكُلِّ مُصَنِّفٍ، وَلَا هُوَ جِنْسُ الْمُرَادِ، بَلْ اللَّامُ عِوَضٌ عَنْ الْإِضَافَةِ، وَالْفَاءُ جَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أَيْ: إذَا عَرَفْت مَا ذَكَرْته فَالْمُرَادُ بِالسَّبْعَةِ حَيْثُ يَقُولُ عَقِيبَ الْحَدِيثِ: أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ هُمْ الَّذِينَ بَيَّنَهُمْ بِالْإِبْدَالِ مِنْ لَفْظِ الْعَدَدِ. (أَحْمَدُ) هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَقَدْ وَسَّعَ الشَّارِحُ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي تَرَاجِمِ السَّبْعَةِ، فَنَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرٍ يُعْرَفُ بِهِ شَرِيفُ صِفَاتِهِمْ، وَأَزْمِنَةُ وِلَادَتِهِمْ وَوَفَاتِهِمْ. فَنَقُولُ: وُلِدَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ. وَطَلَبَ هَذَا الشَّأْنَ صَغِيرًا وَرَحَلَ لِطَلَبِهِ إلَى الشَّامِ وَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَغَيْرِهَا حَتَّى أُجْمِعَ عَلَى إمَامَتِهِ وَتَقْوَاهُ وَوَرَعِهِ وَزَهَادَتِهِ. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: كَانَتْ كُتُبُهُ اثْنَيْ عَشْرَ جَمَلًا وَكَانَ يَحْفَظُهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، وَكَانَ يَحْفَظُ أَلْفَ أَلْفَ حَدِيثٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: خَرَجْت مِنْ بَغْدَادَ وَمَا خَلَّفْت بِهَا أَتْقَى وَلَا أَزْهَدَ وَلَا أَوْرَعَ وَلَا أَعْلَمَ مِنْهُ، وَأَلَّفَ الْمُسْنَدَ الْكَبِيرَ أَعْظَمَ الْمَسَانِيدِ وَأَحْسَنَهَا وَضْعًا وَانْتِقَادًا، فَإِنَّهُ لَمْ يُدْخِلْ فِيهِ إلَّا مَا يَحْتَجُّ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ انْتَقَاهُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ وَخَمْسِينَ أَلْفِ حَدِيثٍ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ بِبَغْدَادَ مَدِينَةِ السَّلَامِ، وَقَبْرُهُ مَعْرُوفٌ مَزُورٌ. وَقَدْ أُلِّفَتْ فِي تَرْجَمَتِهِ كُتُبٌ مُسْتَقِلَّةٌ بَسِيطَةٌ.
(وَالْبُخَارِيُّ) هُوَ الْإِمَامُ الْقُدْوَةُ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، مَوْلِدُهُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، طَلَبَ هَذَا الشَّأْنَ صَغِيرًا. وَرَدَّ عَلَى بَعْضِ مَشَايِخِهِ غَلَطًا وَهُوَ فِي إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً فَأَصْلَحَ كِتَابَهُ مَنْ حَفِظَهُ. سَمِعَ الْحَدِيثَ بِبَلْدَةِ بُخَارَى ثُمَّ رَحَلَ إلَى عِدَّةِ أَمَاكِنَ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ، وَأَلَّفَ الصَّحِيحَ مِنْهُ مِنْ زُهَاءِ سِتِّمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، أَلَّفَهُ بِمَكَّةَ وَقَالَ: مَا أَدْخَلْت فِيهِ إلَّا صَحِيحًا، وَأَحْفَظُ مِائَةَ
стр. 9
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَلْفِ حَدِيثٍ صَحِيحٍ، وَمِائَتَيْ أَلْفِ حَدِيثٍ غَيْرِ صَحِيحٍ، وَقَدْ ذَكَرَ تَأْوِيلَ هَذِهِ الْعِدَّةِ فِي الشَّرْحِ، وَقَدْ أُفْرِدَتْ تَرْجَمَتُهُ بِالتَّأْلِيفِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا شَطْرًا صَالِحًا فِي مُقَدَّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِقَرْيَةِ " سَمَرْقَنْدَ " وَقْتَ الْعِشَاءِ لَيْلَةَ السَّبْتِ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ، سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، عَنْ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً إلَّا ثَلَاثَةَ عَشْرَ يَوْمًا وَلَمْ يُخَلِّفْ وَلَدًا.
(وَمُسْلِمٌ) هُوَ الْإِمَامُ الشَّهِيرُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ. وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ، وَطَلَبَ عِلْمَ الْحَدِيثِ صَغِيرًا، وَسَمِعَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ؛ وَرَوَى عَنْهُ أَئِمَّةٌ مِنْ كِبَارِ عَصْرِهِ وَحُفَّاظِهِ، وَأَلَّفَ الْمُؤَلَّفَاتِ النَّافِعَةَ، وَأَنْفَعُهَا صَحِيحُهُ، الَّذِي فَاقَ بِحُسْنِ تَرْتِيبِهِ وَحُسْنِ سِيَاقِهِ وَبَدِيعِ طَرِيقَتِهِ، وَحَازَ نَفَائِسَ التَّحْقِيقِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ خِلَافٌ، وَأَنْصَفَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ:
تَشَاجَرَ قَوْمٌ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ … لَدَيَّ وَقَالُوا أَيُّ ذَيْنِ تُقَدِّمُ
فَقُلْت لَقَدْ فَاقَ الْبُخَارِيُّ صِحَّةً … كَمَا فَاقَ فِي حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ عَشِيَّةَ الْأَحَدِ لِأَرْبَعٍ بَقَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَدُفِنَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِنَيْسَابُورَ، وَقَبْرُهُ بِهَا مَشْهُورٌ مَزُورٌ.
(وَأَبُو دَاوُد) هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ مَوْلِدُهُ اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَحْمَدَ وَالْقَعْنَبِيِّ وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ خَلَائِقُ كَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ. وَقَالَ: كَتَبْت عَنْ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، انْتَخَبْت مِنْهَا مَا تَضَمَّنَهُ كِتَابُ السُّنَنِ، وَأَحَادِيثُهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ حَدِيثٍ وَثَمَانِمِائَةٍ، لَيْسَ فِيهَا حَدِيثٌ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِهِ، رَوَى سُنَنَهُ بِبَغْدَادَ وَأَخَذَهَا أَهْلُهَا عَنْهُ، وَعَرَضَهَا عَلَى أَحْمَدَ فَاسْتَجَادَهَا وَاسْتَحْسَنَهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هِيَ أَحْسَنُ وَضْعًا وَأَكْثَرُ فِقْهًا مِنْ الصَّحِيحَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: مَنْ عِنْدَهُ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَنُ أَبِي دَاوُد لَمْ يَحْتَجْ إلَى شَيْءٍ مَعَهُمَا مِنْ الْعِلْمِ، وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ بِأَنَّهَا تَكْفِي الْمُجْتَهِدَ فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ وَتَبِعَهُ أَئِمَّةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَتْ وَفَاةُ أَبِي دَاوُد سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ.
(وَالتِّرْمِذِيُّ) هُوَ أَبُو (عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ) عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ التِّرْمِذِيُّ مُثَلَّثُ الْفَوْقِيَّةِ، وَالْمِيمُ مَضْمُومَةٌ وَمَكْسُورَةٌ، نِسْبَةٌ إلَى مَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ عَلَى طَرَفِ جَيْحُونَ نَهْرِ بَلْخِي، لَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُ وِلَادَتَهُ وَلَا الذَّهَبِيُّ وَلَا ابْنُ الْأَثِيرِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ عَنْ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ، وَكَانَ إمَامًا ثَبْتًا حُجَّةً، وَأَلَّفَ كِتَابَ السُّنَنِ وَكِتَابَ الْعِلَلِ وَكَانَ ضَرِيرًا: قَالَ: عَرَضْت كِتَابِي هَذَا أَيْ كِتَابَ السُّنَنِ الْمُسَمَّى بِالْجَامِعِ عَلَى عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ فَرَضُوا بِهِ. وَمَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ فَكَأَنَّمَا فِي بَيْتِهِ نَبِيٌّ يَتَكَلَّمُ. قَالَ الْحَاكِمُ سَمِعْت عُمَرَ بْنَ عِلْكٍ يَقُولُ: مَاتَ الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يُخَلِّفْ بِخُرَاسَانَ مِثْلَ أَبِي عِيسَى فِي الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ وَالْوَرَعِ وَالزُّهْدِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِتِرْمِذَ أَوَاخِرَ رَجَبٍ، سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ.
стр. 10
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(وَالنَّسَائِيُّ) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ الْخُرَاسَانِيُّ ذَكَرَ الذَّهَبِيُّ أَنَّ مَوْلِدَهُ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، وَسَمِعَ مِنْ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ بِخُرَاسَانَ وَالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ وَالشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ، وَبَرَعَ فِي هَذَا الشَّأْنِ وَتَفَرَّدَ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْإِتْقَانِ وَعُلُوِّ الْإِسْنَادِ وَاسْتَوْطَنَ مِصْرَ. قَالَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ: إنَّهُ كَانَ أَحْفَظَ مِنْ مُسْلِمٍ صَاحِبِ الصَّحِيحِ. وَسُنَنُهُ أَقَلُّ السُّنَنِ بَعْدَ الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثًا ضَعِيفًا، وَاخْتَارَ مِنْ سُنَنِهِ كِتَابَ (الْمُجْتَبَى) لَمَّا طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُفْرِدَ الصَّحِيحَ مِنْ السُّنَنِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِثَلَاثِ عَشْرَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ صَفَرٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَثِمِائَةٍ بِالرَّمْلَةِ، وَدُفِنَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَنِسْبَتُهُ إلَى " نَسَاءَ " بِفَتْحِ النُّونِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ، وَهِيَ مَدِينَةٌ بِخُرَاسَانَ خَرَجَ مِنْهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَعْيَانِ.
(وَابْنُ مَاجَهْ) هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ؛ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ، وَطَلَبَ هَذَا الشَّأْنَ وَرَحَلَ فِي طَلَبِهِ وَطَافَ الْبِلَادَ حَتَّى سَمِعَ أَصْحَابَ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ، وَرَوَى عَنْهُ خَلَائِقُ، وَكَانَ أَحَدَ الْأَعْلَامِ، وَأَلَّفَ السُّنَنَ، وَلَيْسَتْ لَهَا رُتْبَةُ مَا أُلِّفَ مِنْ قَبْلِهِ؛ لِأَنَّ فِيهَا أَحَادِيثَ ضَعِيفَةً بَلْ مُنْكَرَةً، وَنُقِلَ عَنْ الْحَافِظِ الْمِزِّيِّ أَنَّ غَالِبَ مَا انْفَرَدَ بِهِ ضَعِيفٌ، وَلِذَا جَرَى كَثِيرٌ مِنْ الْقُدَمَاءِ عَلَى إضَافَةِ الْمُوَطَّأِ إلَى الْخَمْسَةِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَأَوَّلُ مَنْ أَضَافَ ابْنُ مَاجَهْ إلَى الْخَمْسَةِ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ طَاهِرٍ فِي الْأَطْرَافِ، كَذَا فِي شُرُوطِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، ثُمَّ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ، فِي كِتَابِهِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ؛ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ بَقَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ، أَوْ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ.
(وَبِالسِّتَّةِ) أَيْ: وَالْمُرَادُ بِالسِّتَّةِ إذَا قَالَ: أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ (مَنْ عَدَا أَحْمَدَ) وَهُمْ الْمَعْرُوفُونَ بِأَهْلِ الْأُمَّهَاتِ السِّتِّ (وَبِالْخَمْسَةِ مَنْ عَدَا الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا وَقَدْ أَقُولُ) عِوَضًا عَنْ قَوْلِهِ الْخَمْسَةُ (الْأَرْبَعَةُ) وَهُمْ أَصْحَابُ السُّنَنِ إذَا قِيلَ أَصْحَابُ السُّنَنِ (وَأَحْمَدُ، وَ) الْمُرَادُ (بِالْأَرْبَعَةِ) عِنْدَ إطْلَاقِهِ لَهُمْ (مَنْ عَدَا الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ) الشَّيْخَيْنِ وَأَحْمَدَ (وَ) الْمُرَادُ (بِالثَّلَاثَةِ) عِنْدَ إطْلَاقِهِ لَهُمْ (مَنْ عَدَاهُمْ) أَيْ مَنْ عَدَا الشَّيْخَيْنِ وَأَحْمَدَ، وَاَلَّذِي عَدَاهُمْ هُمْ الْأَرْبَعَةُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (وَعَدَا الْأَخِيرَ) وَهُوَ ابْنُ مَاجَهْ فَيُرَادُ بِالثَّلَاثَةِ: أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (وَ) الْمُرَادُ (بِالْمُتَّفَقِ) إذَا قَالَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ) فَإِنَّهُمَا إذَا أَخْرَجَا الْحَدِيثَ جَمِيعًا مِنْ طَرِيقِ صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ قِيلَ لَهُ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: أَيْ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ (وَقَدْ لَا أَذْكُرُ مَعَهُمَا) أَيْ الشَّيْخَيْنِ (غَيْرَهُمَا) كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ يُخَرِّجُ الْحَدِيثَ السَّبْعَةُ أَوْ أَقَلُّ فَيَكْتَفِي بِنِسْبَتِهِ إلَى الشَّيْخَيْنِ) (وَمَا عَدَا ذَلِكَ) أَيْ مَا أَخْرَجَهُ غَيْرُ مَنْ ذُكِرَ كَابْنِ خُزَيْمَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيّ (فَهُوَ مُبَيَّنٌ) بِذِكْرِهِ صَرِيحًا.
(وَسَمَّيْته) أَيْ الْمُخْتَصَرَ: (بُلُوغَ الْمَرَامِ) هُوَ مِنْ بَلَغَ الْمَكَانَ بُلُوغًا وَصَلَ إلَيْهِ، كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْمَرَامُ: الطَّلَبُ، وَالْمَعْنَى الْإِضَافِيُّ: وُصُولُ الطَّلَبِ بِمَعْنَى الْمَطْلُوبِ: أَيْ فَالْمُرَادُ
стр. 11
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
بَابُ الْمِيَاهِ
وُصُولِي إلَى مَطْلُوبِي (مِنْ جَمِيعِ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ) ثُمَّ جَعَلَهُ اسْمًا لِمُخْتَصَرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَضَافَهُ إلَى مَفْعُولِ الْمَصْدَرِ: أَيْ بُلُوغُ الطَّالِبِ مَطْلُوبَهُ مِنْ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ (وَاَللَّهَ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ (أَسْأَلُهُ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ: أَيْ: لَا أَسْأَلُ غَيْرَهُ (أَنْ لَا يَجْعَلَ مَا عَلِمْنَاهُ عَلَيْنَا وَبَالًا) بِفَتْحِ الْوَاوِ: هُوَ الشِّدَّةُ وَالثِّقَلُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، أَيْ لَا يَجْعَلُهُ شِدَّةً فِي الْحِسَابِ وَثِقَلًا مِنْ جُمْلَةِ الْأَوْزَارِ، إذْ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ إذَا لَمْ تُخْلَصْ لِوَجْهِ اللَّهِ انْقَلَبَتْ أَوْزَارًا وَآثَامًا (وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْعَمَلَ بِمَا يُرْضِيهِ، أُنَزِّهُهُ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ. وَأُثْبِتُ لَهُ الْعُلُوَّ عَلَى كُلِّ عَالٍ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ، وَكَثِيرًا مَا قَرَنَ التَّسْبِيحَ بِصِفَةِ الْعُلُوِّ كَسُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى: وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى.
(كِتَابُ الطَّهَارَةِ) الْكِتَابُ وَالطَّهَارَةُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرَانِ أُضِيفَا وَجُعِلَا اسْمًا لِمَسَائِلَ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ خَاصَّةٍ؛ وَبَدَأَ بِالطَّهَارَةِ اتِّبَاعًا لِسُنَّةِ الْمُصَنِّفِينَ فِي ذَلِكَ وَتَقْدِيمًا لِلْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ عَلَى غَيْرِهَا وَاهْتِمَامًا بِأَهَمِّهَا وَهِيَ الصَّلَاةُ، وَلَمَّا كَانَتْ الطَّهَارَةُ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِهَا بَدَأَ بِهَا، وَهِيَ هُنَا اسْمُ مَصْدَرٍ: أَيْ طَهُرَ تَطْهِيرًا وَطَهَارَةً، مِثْلُ: كَلَّمَ تَكْلِيمًا وَكَلَامًا، وَحَقِيقَتُهَا اسْتِعْمَالُ الْمُطَهَّرَيْنِ أَيْ: الْمَاءُ وَالتُّرَابُ، أَوْ أَحَدُهُمَا عَلَى الصِّفَةِ الْمَشْرُوعَةِ فِي إزَالَةِ النَّجَسِ وَالْحَدَثِ؛ لِأَنَّ الْفَقِيهَ إنَّمَا يَبْحَثُ عَنْ أَحْوَالِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْوُجُوبِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْمَاءُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِالتَّطَهُّرِ بِهِ أَصَالَةً قَدَّمَهُ فَقَالَ:
(بَابُ الْمِيَاهِ) الْبَابُ لُغَةً: مَا يُدْخَلُ وَيُخْرَجُ مِنْهُ، قَالَ تَعَالَى ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ، شَبَّهَ الدُّخُولَ إلَى الْخَوْضِ فِي مَسَائِلَ مَخْصُوصَةٍ بِالدُّخُولِ فِي الْأَمَاكِنِ الْمَحْسُوسَةِ، ثُمَّ أَثْبَتَ لَهَا الْبَابَ.
وَالْمِيَاهُ: جَمْعُ مَاءٍ وَأَصْلُهُ مَوَهَ، وَلِذَا ظَهَرَتْ الْهَاءُ فِي جَمْعِهِ، وَهُوَ جِنْسٌ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إلَّا أَنَّهُ جَمْعٌ لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ بِاعْتِبَارِ حُكْمِ الشَّرْعِ، فَإِنَّ فِيهِ مَا يُنْهَى عَنْهُ وَفِيهِ مَا يُكْرَهُ، وَبِاعْتِبَارِ الْخِلَافِ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْمِيَاهِ كَمَاءِ الْبَحْرِ فَإِنَّهُ نَقَلَ الشَّارِحُ الْخِلَافَ فِي التَّطَهُّرِ بِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَمْرٍو. وَفِي النِّهَايَةِ: أَنَّ فِي كَوْنِ مَاءِ الْبَحْرِ مُطَهِّرًا خِلَافًا لِبَعْضِ أَهْلِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَكَأَنَّهُ لِقِدَمِ الْخِلَافِ فِيهِ بَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِحَدِيثٍ يُفِيدُ طَهُورِيَّتَهُ، وَهُوَ حُجَّةُ الْجَمَاهِيرِ
стр. 12
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِي الْبَحْرِ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ، [وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ].
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ كَأَنْ قَالَ: بَابُ الْمِيَاهِ أَرْوِي فِيهِ، وَأَذْكُرُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ حَدِيثًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ الْأَوَّلُ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ هُوَ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ الْحَافِظُ الْمُكْثِرُ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ عَلَى نَحْوٍ مِنْ ثَلَاثِينَ قَوْلًا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الَّذِي تَسْكُنُ النَّفْسُ إلَيْهِ مِنْ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ " عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ "، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ؛ وَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ: ذُكِرَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ فِي مُسْنَدِ بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ خَمْسَةُ آلَافِ حَدِيثٍ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا، وَهُوَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ حَدِيثًا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ هَذَا الْقَدْرُ وَلَا مَا يُقَارِبُهُ. قُلْت: كَذَا فِي الشَّرْحِ، وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي الِاسْتِيعَابِ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بِلَفْظِ: إلَّا أَنَّ " عَبْدَ الرَّحْمَنِ " هُوَ الَّذِي يَسْكُنُ إلَيْهِ الْقَلْبُ فِي اسْمِهِ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ (أَيْ الِاسْتِيعَابِ): مَاتَ فِي الْمَدِينَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ. وَقِيلَ: مَاتَ بِالْعَقِيقِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ " الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ " وَكَانَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا قَالَهُ " ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ".
[قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْبَحْرِ] أَيْ فِي حُكْمِهِ، وَالْبَحْرُ الْمَاءُ الْكَثِيرُ، أَوْ الْمَالِحُ فَقَطْ، كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَهَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ مِنْ مَقُولِهِ ﷺ ، بَلْ مَقُولُهُ [هُوَ الطَّهُورُ بِفَتْحِ الطَّاءِ، هُوَ الْمَصْدَرُ وَاسْمُ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ، أَوْ الطَّاهِرُ الْمُطَهِّرُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَفِي الشَّرْعِ: يُطَلَّقُ عَلَى الْمُطَهِّرِ، وَبِالضَّمِّ مَصْدَرٌ: وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ بِالْفَتْحِ لَهُمَا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْقَامُوسِ بِالضَّمِّ
[مَاؤُهُ] هُوَ فَاعِلُ الْمَصْدَرِ، وَضَمِيرُ مَاؤُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أُرِيدَ بِالضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الطَّهُورُ.
الْبَحْرُ: يَعْنِي مَكَانَهُ، إذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى قَوْلِهِ مَاؤُهُ، إذْ يَصِيرُ فِي مَعْنَى طَهُورٌ مَاؤُهُ فِي الْمَاءِ وَ [الْحِلُّ] هُوَ مَصْدَرُ حَلَّ الشَّيْءُ ضِدُّ حَرُمَ، وَلَفْظُ الدَّارَقُطْنِيِّ: الْحَلَالُ [مَيْتَتُهُ] هُوَ فَاعِلٌ أَيْضًا.
стр. 13
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ] هُوَ: أَبُو بَكْرٍ قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي حَقِّهِ: الْحَافِظُ الْعَدِيمُ النَّظِيرِ، الثَّبْتُ النِّحْرِيرُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، صَاحِبُ الْمُسْنَدِ وَالْمُصَنَّفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُد، وَابْنِ مَاجَهْ [وَاللَّفْظُ لَهُ] أَيْ لَفْظُ الْحَدِيثِ السَّابِقِ سَرْدُهُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَغَيْرِهِ، مِمَّنْ ذُكِرَ أَخْرَجُوهُ بِمَعْنَاهُ [وَ] صَحَّحَهُ [ابْنُ خُزَيْمَةَ] بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَزَايٍ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَتَاءِ تَأْنِيثٍ.
قَالَ الذَّهَبِيُّ: الْحَافِظُ الْكَبِيرُ إمَامُ الْأَئِمَّةِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، انْتَهَتْ إلَيْهِ الْإِمَامَةُ وَالْحِفْظُ فِي عَصْرِهِ بِخُرَاسَانَ [وَ] صَحَّحَهُ [التِّرْمِذِيُّ] أَيْضًا، فَقَالَ عَقِبَ سَرْدِهِ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَسَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
هَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ السُّنَنِ لِلْحَافِظِ الْمُنْذِرِيِّ، وَحَقِيقَةُ الصَّحِيحِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ مَا نَقَلَهُ: عَدْلٌ تَامُّ الضَّبْطِ عَنْ مِثْلِهِ مُتَّصِلُ السَّنَدِ غَيْرُ مُعَلٍّ وَلَا شَاذٍّ؛ هَذَا وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي التَّلْخِيصِ مِنْ تِسْعِ طُرُقٍ عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ تَخْلُ طَرِيقٌ مِنْهَا عَنْ مَقَالٍ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ جَزَمَ بِصِحَّتِهِ مَنْ سَمِعْت، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ مَنْدَهْ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَدْ حَكَمَ بِصِحَّةِ جُمْلَةٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ لَا تَبْلُغُ دَرَجَةَ هَذَا وَلَا تُقَارِبُهُ.
قَالَ الزَّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ، تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، وَتَدَاوَلَهُ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ، وَرَوَاهُ الْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ، ثُمَّ عُدَّ مَنْ رَوَاهُ وَمَنْ صَحَّحَهُ.
وَالْحَدِيثُ وَقَعَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ: أَنَّ " أَبَا هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: [جَاءَ رَجُلٌ] وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ [مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ] وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ [اسْمُهُ " عَبْدُ اللَّهِ " إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ؛ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِهِ؟» وَفِي لَفْظِ " أَبِي دَاوُد " بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» فَأَفَادَ ﷺ أَنَّ مَاءَ الْبَحْرِ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ، لَا يَخْرُجُ عَنْ الطَّهُورِيَّةِ بِحَالٍ إلَّا مَا سَيَأْتِي مِنْ تَخْصِيصِهِ بِمَا إذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، وَلَمْ يَجِبْ ﷺ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ، مَعَ إفَادَتِهَا الْغَرَضَ، بَلْ أَجَابَ بِهَذَا اللَّفْظِ لِيَقْرِنَ الْحُكْمَ بِعِلَّتِهِ وَهِيَ الطَّهُورِيَّةُ الْمُتَنَاهِيَةُ فِي بَابِهَا، وَكَأَنَّ السَّائِلَ لَمَّا رَأَى مَاءَ الْبَحْرِ خَالَفَ الْمِيَاهَ بِمُلُوحَةِ طَعْمِهِ وَنَتْنِ رِيحِهِ؛ تَوَهَّمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ قَوْله تَعَالَى - ﴿فَاغْسِلُوا﴾ أَيْ بِالْمَاءِ الْمَعْلُومِ إرَادَتُهُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿فَاغْسِلُوا﴾، أَوْ أَنَّهُ لَمَّا عَرَفَ مِنْ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ ظَنَّ اخْتِصَاصَهُ فَسَأَلَ عَنْهُ، فَأَفَادَهُ ﷺ الْحُكْمَ، وَزَادَهُ حُكْمًا لَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ، وَهُوَ حِلُّ الْمَيْتَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لَمَّا عَرَفَ اشْتِبَاهَ الْأَمْرِ عَلَى السَّائِلِ فِي مَاءِ الْبَحْرِ أَشْفَقَ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ حُكْمُ مَيْتَتِهِ، وَقَدْ يُبْتَلَى بِهَا رَاكِبُ الْبَحْرِ، فَعَقَّبَ الْجَوَابَ عَنْ سُؤَالِهِ بِبَيَانِ حُكْمِ الْمَيْتَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَذَلِكَ
стр. 14
٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ.
مِنْ مَحَاسِنِ الْفَتْوَى، أَنْ يُجَاءَ فِي الْجَوَابِ بِأَكْثَرَ مِمَّا سُئِلَ عَنْهُ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ، وَإِفَادَةً لِعِلْمِ غَيْرِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ؛ وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِ الْحَاجَةِ إلَى الْحُكْمِ كَمَا هُنَا؛ لِأَنَّ مَنْ تَوَقَّفَ فِي طَهُورِيَّةِ مَاءِ الْبَحْرِ فَهُوَ عَنْ الْعِلْمِ بِحِلِّ مَيْتَتِهِ مَعَ تَقَدُّمِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ أَشَدُّ تَوَقُّفًا، ثُمَّ الْمُرَادُ مَا مَاتَ فِيهِ مِنْ دَوَابِّهِ مِمَّا لَا يَعِيشُ إلَّا فِيهِ، لَا مَا مَاتَ فِيهِ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ لُغَةً أَنَّهُ مَيْتَةُ بَحْرٍ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُرَادُ إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَظَاهِرُهُ حِلُّ كُلِّ مَا مَاتَ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ؛ وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ اسْمُهُ " سَعْدُ بْنُ سِنَانٍ الْخَزْرَجِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الْخُدْرِيُّ: بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ، نِسْبَةً إلَى " خُدْرَةَ " حَيٌّ مِنْ الْأَنْصَارِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَمِمَّنْ شَهِدَ بَيْعَةَ الشَّجَرَةِ، رَوَى حَدِيثًا كَثِيرًا وَأَفْتَى مُدَّةً، عَاشَ " أَبُو سَعِيدٍ " سِتًّا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَمَاتَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَحَدِيثُهُ كَثِيرٌ، وَحَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا. [قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ؛ هُمْ أَصْحَابُ السُّنَنِ مَا عَدَا ابْنَ مَاجَهْ كَمَا عَرَفْت، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِ السُّنَنِ: إنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ، لَكِنْ قَالَ: حُكِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ صَحِيحٌ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ جَوَّدَ أَبُو أُسَامَةَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَرْوِ حَدِيثَ " أَبِي سَعِيدٍ " فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ بِأَحْسَنَ مِمَّا رَوَى أَبُو أُسَامَةَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ " أَبِي سَعِيدٍ "، وَالْحَدِيثُ لَهُ سَبَبٌ وَهُوَ أَنَّهُ «قِيلَ لِرَسُولِ لِلَّهِ ﷺ : أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُطْرَحُ فِيهِ الْحَيْضُ وَلَحْمُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ فَقَالَ: الْمَاءُ طَهُورٌ»
стр. 15
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْحَدِيثَ، هَكَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، وَفِي لَفْظٍ فِيهِ [إنَّ الْمَاءَ]
كَمَا سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ أَطَالَ هُنَا فِي الشَّرْحِ الْمَقَالَ، وَاسْتَوْفَى مَا قِيلَ فِي حُكْمِ الْمِيَاهِ مِنْ الْأَقْوَالِ، وَلِنَقْتَصِرَ فِي الْخَوْضِ فِي الْمِيَاهِ عَلَى قَدْرٍ يَجْتَمِعُ بِهِ شَمْلُ الْأَحَادِيثِ، وَيُعْرَفُ بِهِ مَأْخَذُ الْأَقْوَالِ وَوُجُوهُ الِاسْتِدْلَالِ فَنَقُولُ: قَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ يُؤْخَذُ مِنْهَا أَحْكَامُ الْمِيَاهِ فَمِنْهَا حَدِيثُ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَحَدِيثُ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» وَحَدِيثُ «الْأَمْرِ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ»، وَحَدِيثُ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا» وَحَدِيثُ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» وَحَدِيثُ «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ» الْحَدِيثَ، وَفِيهِ الْأَمْرُ بِإِرَاقَةِ الْمَاءِ الَّذِي وُلِغَ فِيهِ، وَهِيَ أَحَادِيثُ ثَابِتَةٌ سَتَأْتِي جَمِيعُهَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
إذَا عَرَفْت هَذَا، فَإِنَّهُ اخْتَلَفَتْ آرَاءُ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَاءِ إذَا خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، فَذَهَبَ الْقَاسِمُ، وَيَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْآلِ، وَمَالِكٌ وَالظَّاهِرِيَّةُ، وَأَحْمَدُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، إلَى أَنَّهُ طَهُورٌ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، عَمَلًا بِحَدِيثِ «الْمَاءُ طَهُورٌ» وَإِنَّمَا حَكَمُوا بِعَدَمِ طَهُورِيَّةِ مَا غَيَّرَتْ النَّجَاسَةُ أَحَدَ أَوْصَافِهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.
وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، إلَى قِسْمَةِ الْمَاءِ إلَى قَلِيلٍ تَضُرُّهُ النَّجَاسَةُ مُطْلَقًا، وَكَثِيرٍ لَا تَضُرُّهُ إلَّا إذَا غَيَّرَتْ بَعْضَ أَوْصَافِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَحْدِيدِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ إلَى تَحْدِيدِ الْقَلِيلِ بِأَنَّهُ مَا ظَنَّ الْمُسْتَعْمِلُ لِلْمَاءِ الْوَاقِعَةِ فِيهِ النَّجَاسَةُ اسْتِعْمَالَهَا بِاسْتِعْمَالِهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ الْكَثِيرُ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى تَحْدِيدِ الْكَثِيرِ مِنْ الْمَاءِ بِمَا إذَا حَرَّكَ أَحَدَ طَرَفَيْهِ آدَمِيٌّ لَمْ تَسِرْ الْحَرَكَةُ إلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ، وَهَذَا رَأْيُ الْإِمَامِ، أَمَّا رَأْيُ صَاحِبَيْهِ: فَعَشْرَةٌ فِي عَشْرَةٍ، وَمَا عَدَاهُ فَهُوَ الْقَلِيلُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى تَحْدِيدِ الْكَثِيرِ مِنْ الْمَاءِ بِمَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ، وَذَلِكَ نَحْوُ خَمْسِمِائَةِ رِطْلٍ عَمَلًا بِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ، وَمَا عَدَاهُ فَهُوَ الْقَلِيلُ. وَوَجْهُ هَذَا الِاخْتِلَافِ تَعَارُضُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَسْلَفْنَاهَا، فَإِنَّ حَدِيثَ الِاسْتِيقَاظِ، وَحَدِيثَ الْمَاءِ الدَّائِمِ، يَقْضِيَانِ أَنَّ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ يُنَجِّسُ قَلِيلَ الْمَاءِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ الْوُلُوغِ، وَالْأَمْرُ بِإِرَاقَةِ مَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ، وَعَارَضَهَا حَدِيثُ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ، وَالْأَمْرُ بِصَبِّ ذَنُوبِ مَاءٍ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ لَا يُنَجِّسُ قَلِيلَ الْمَاءِ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ بَوْلُ الْأَعْرَابِيِّ بِذَلِكَ الذَّنُوبِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» فَقَالَ الْأَوَّلُونَ، وَهُمْ الْقَائِلُونَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ
يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِالْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، كَمَا دَلَّ لَهُ هَذَا اللَّفْظُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ، وَأَحَادِيثُ الِاسْتِيقَاظِ، وَالْمَاءِ الدَّائِمِ، وَالْوُلُوغِ، لَيْسَتْ وَارِدَةً لِبَيَانِ حُكْمِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ، بَلْ الْأَمْرُ بِاجْتِنَابِهَا تَعَبُّدِيٌّ لَا لِأَجْلِ
стр. 16
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النَّجَاسَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَعْنًى لَا نَعْرِفُهُ، كَعَدَمِ مَعْرِفَتِنَا لِحِكْمَةِ أَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ وَنَحْوِهَا وَقِيلَ: بَلْ النَّهْيُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لِلْكَرَاهَةِ فَقَطْ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ مُطَهِّرَةٌ.
وَجَمَعَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ حَدِيثَ «لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» مَحْمُولٌ عَلَى مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا، وَهُوَ كَثِيرٌ، وَحَدِيثُ الِاسْتِيقَاظِ، وَحَدِيثُ الْمَاءِ الدَّائِمِ، مَحْمُولٌ عَلَى الْقَلِيلِ.
وَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ أَنَّ حَدِيثَ الِاسْتِيقَاظِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا لَهُ؛ وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: الْمُرَادُ بِلَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ: الْكَثِيرُ الَّذِي سَبَقَ تَحْدِيدُهُ، وَقَدْ أَعَلُّوا حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ بِالِاضْطِرَابِ وَكَذَلِكَ أَعَلَّهُ الْإِمَامُ الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ، وَبَعْضُهُمْ تَأَوَّلَهُ، وَبَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ فِي الْقَلِيلِ، وَلَكِنَّهُ وَرَدَ عَلَيْهِمْ حَدِيثُ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ، فَإِنَّهُ كَمَا عَرَفْت دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضُرُّ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ قَلِيلَ الْمَاءِ، فَدَفَعَتْهُ الشَّافِعِيَّةُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَوُرُودِهَا عَلَيْهِ، فَقَالُوا: إذَا وَرَدَتْ عَلَى الْمَاءِ نَجَّسَتْهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ الِاسْتِيقَاظِ، وَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهَا الْمَاءُ لَمْ تَضُرَّ، كَمَا فِي خَبَرِ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ.
وَفِيهِ بَحْثٌ حَقَّقْنَاهُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ، وَحَوَاشِي ضَوْءِ النَّهَارِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمْ حَكَمُوا أَنَّهُ إذَا وَرَدَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى الْمَاءِ الْقَلِيلِ نَجَّسَتْهُ، وَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهَا الْمَاءُ الْقَلِيلُ لَمْ يُنَجَّسْ، فَجَعَلُوا عِلَّةَ عَدَمِ تَنَجُّسِ الْمَاءِ الْوُرُودَ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ التَّحْقِيقُ أَنَّهُ حِينَ يَرِدُ الْمَاءُ عَلَى النَّجَاسَةِ يَرِدُ عَلَيْهَا شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يُفْنِي عَيْنَهَا، وَيَذْهَبُ قَبْلَ فَنَائِهِ، فَلَا يَأْتِي آخِرُ جُزْءٍ مِنْ الْمَاءِ الْوَارِدِ عَلَى النَّجَاسَةِ إلَّا وَقَدْ طَهُرَ الْمَحَلُّ الَّذِي اتَّصَلَتْ بِهِ، أَوْ بَقِيَ فِيهِ جُزْءٌ مِنْهَا، يَفْنَى وَيَتَلَاشَى عِنْدَ مُلَاقَاةِ آخِرِ جُزْءٍ مِنْهَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْمَاءُ، كَمَا تَفْنَى النَّجَاسَةُ وَتَتَلَاشَى إذَا وَرَدَتْ عَلَى الْمَاءِ الْكَثِيرِ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْكَثِيرِ فِي إفْنَاءِ الْكُلِّ لِلنَّجَاسَةِ، فَإِنَّ الْجُزْءَ الْأَخِيرَ الْوَارِدَ عَلَى النَّجَاسَةِ يُحِيلُ عَيْنَهَا لِكَثْرَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ النَّجَاسَةِ، فَالْعِلَّةُ فِي عَدَمِ تَنَجُّسِهِ بِوُرُودِهِ عَلَيْهَا: فِي كَثْرَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا لَا الْوُرُودُ، فَإِنَّهُ لَا يُعْقَلُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْوُرُودَيْنِ، بِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُنَجِّسُهُ دُونَ الْآخَرِ، وَإِذَا عَرَفْت مَا أَسْلَفْنَاهُ وَأَنَّ تَحْدِيدَ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ لَمْ يَنْهَضْ عَلَى أَحَدِهِمَا دَلِيلٌ، فَأَقْرَبُ الْأَقَاوِيلِ بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَمَنْ مَعَهُ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَعَلَيْهِ عِدَّةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْآلِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَاخْتَارَهُ مِنْهُمْ الْإِمَامُ شَرَفُ الدِّينِ.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إنَّهُ قَوْلٌ لِأَحْمَدَ، وَنَصَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَرَجَّحَهُ أَيْضًا مِنْ أَتْبَاعِ الشَّافِعِيِّ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ الرُّويَانِيُّ صَاحِبُ بَحْرِ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ فِي الْإِمَامِ.
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى: إنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ.
" وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ "، " وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ "، وَابْنِ عَبَّاسٍ، " وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ "، " وَمَيْمُونَةَ " أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، " وَأَبِي هُرَيْرَةَ " " وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ "، " وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ " " وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ " أَخِيهِ، " وَابْنِ أَبِي لَيْلَى "، " وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ "، " وَابْنِ الْمُسَيِّبِ "، " وَمُجَاهِدٍ "، " وَعِكْرِمَةَ، " وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، " وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ "، وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ.
٣ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ - وَلِلْبَيْهَقِيِّ «الْمَاءُ طَهُورٌ إلَّا إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ، أَوْ طَعْمُهُ، أَوْ لَوْنُهُ، بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ».
стр. 17
٣ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ
- وَلِلْبَيْهَقِيِّ «الْمَاءُ طَهُورٌ إلَّا إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ، أَوْ طَعْمُهُ، أَوْ لَوْنُهُ، بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ».
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَاسْمُهُ " صُدَيٌّ " بِمُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى مَضْمُومَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ وَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ الْبَاهِلِيُّ بِمُوَحَّدَةٍ نِسْبَةً إلَى بَاهِلَةَ: فِي الْقَامُوسِ: بَاهِلَةُ قَوْمٌ وَاسْمُ أَبِيهِ عَجْلَانُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ يَعْنِي فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ، سَكَنَ " أَبُو أُمَامَةَ " مِصْرَ، ثُمَّ انْتَقَلَ عَنْهَا وَسَكَنَ حِمْصَ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ إحْدَى، وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وَقِيلَ: هُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِالشَّامِ، كَانَ مِنْ الْمُكْثِرِينَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ ﷺ قَالَ: [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ» الْمُرَادُ أَحَدُهَا كَمَا يُفَسِّرُهُ حَدِيثُ الْبَيْهَقِيّ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ. قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي حَقِّهِ: أَبُو حَاتِمٍ هُوَ الرَّازِيّ، الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ بْنِ الْمُنْذِرِ الْحَنْظَلِيُّ، أَحَدُ الْأَعْلَامِ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ إلَى أَنْ قَالَ: قَالَ النَّسَائِيّ: ثِقَةٌ، تُوُفِّيَ أَبُو حَاتِمٍ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَهُ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً. وَإِنَّمَا ضُعِّفَ الْحَدِيثُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ " رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ " بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ كَانَ " رِشْدِينُ " رَجُلًا صَالِحًا فِي دِينِهِ فَأَدْرَكَتْهُ غَفْلَةُ الصَّالِحِينَ، فَخَلَطَ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَحَقِيقَةُ الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ: هُوَ مَا اخْتَلَّ فِيهِ أَحَدُ شُرُوطِ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ، وَلَهُ سِتَّةُ أَسْبَابٍ مَعْرُوفَةٍ، سَرْدُهَا فِي الشَّرْحِ. وَالْبَيْهَقِيُّ: هُوَ الْحَافِظُ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ " خُرَاسَانَ " أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، لَهُ التَّصَانِيفُ الَّتِي لَمْ يُسْبَقْ إلَى مِثْلِهَا، كَانَ زَاهِدًا وَرِعًا تَقِيًّا، ارْتَحَلَ إلَى الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: تَآلِيفُهُ تُقَارِبُ أَلْفَ جُزْءٍ، " وَبَيْهَقُ " بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَهَاءٍ مَفْتُوحَةٍ فَقَافٍ: بَلَدٌ قُرْبَ نَيْسَابُورَ، أَيْ رَوَاهُ بِلَفْظِ «الْمَاءُ طَهُورٌ إلَّا إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ» عَطْفٌ عَلَيْهِ [بِنَجَاسَةٍ] الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ: أَيْ بِسَبَبِ
стр. 18
٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» وَفِي لَفْظٍ " لَمْ يَنْجُسْ " أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ.
نَجَاسَةٍ [تَحْدُثُ فِيهِ]: قَالَ الْمُصَنِّفُ: قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَلَا يَثْبُتُ هَذَا الْحَدِيثُ؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا قُلْت مِنْ أَنَّهُ إذَا تَغَيَّرَ طَعْمُ الْمَاءِ أَوْ رِيحُهُ أَوْ لَوْنُهُ كَانَ نَجِسًا، يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَجْهٍ لَا يُثْبِتُ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِثْلَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى تَضْعِيفِهِ. وَالْمُرَادُ تَضْعِيفُ رِوَايَةِ الِاسْتِثْنَاءِ لَا أَصْلِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَلَكِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ قَدْ يُجْمِعُ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِحُكْمِهَا.
قَالَ " ابْنُ الْمُنْذِرِ ": أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَتْ لَهُ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا فَهُوَ نَجِسٌ؛ فَالْإِجْمَاعُ هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى نَجَاسَةِ مَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، لَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ.
٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» وَفِي لَفْظٍ «لَمْ يَنْجُسْ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ.
وَعَنْ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ " ﵄ هُوَ: ابْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ صَغِيرًا بِمَكَّةَ، وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْخَنْدَقُ، وَعَمَّرَ، وَرَوَى عَنْهُ خَلَائِقُ، كَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ، كَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَكَّةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَدُفِنَ بِهَا بِذِي طُوًى فِي مَقْبَرَةِ الْمُهَاجِرِينَ.
[قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَفِي لَفْظٍ [لَمْ يَنْجُسْ] هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا، كَمَا فِي الْقَامُوسِ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ حَدِيثٍ.
وَالْحَاكِمُ هُوَ الْإِمَامُ الْكَبِيرُ إمَامُ الْمُحَقِّقِينَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبَيْعِ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ، وُلِدَ سَنَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَطَلَبَ هَذَا الشَّأْنَ، وَرَحَلَ إلَى الْعِرَاقِ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ، وَحَجَّ، ثُمَّ جَالَ فِي خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءِ النَّهْرِ، وَسَمِعَ مِنْ أَلْفَيْ شَيْخٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، حَدَّثَ عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو يَعْلَى الْخَلِيلِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَخَلَائِقُ. وَلَهُ التَّصَانِيفُ الْفَائِقَةُ مَعَ التَّقْوَى وَالدِّيَانَةِ، أَلَّفَ الْمُسْتَدْرَكَ، وَتَارِيخَ نَيْسَابُورَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ. تُوُفِّيَ فِي شَهْرِ صَفَرٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.:
وَابْنُ حِبَّانَ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: هُوَ الْحَافِظُ الْعَلَّامَةُ: أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ، سَمِعَ أُمَمًا لَا يُحْصَوْنَ مِنْ مِصْرَ إلَى خُرَاسَانَ،
стр. 19
٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ - وَلِلْبُخَارِيِّ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» - وَلِمُسْلِمٍ مِنْهُ، وَلِأَبِي دَاوُد: «وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ»
حَدَّثَ عَنْهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ؛ كَانَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ فُقَهَاءِ الدِّينِ، وَحُفَّاظِ الْآثَارِ، عَالِمًا بِالطِّبِّ وَالنُّجُومِ وَفُنُونِ الْعِلْمِ، صَنَّفَ الْمُسْنَدَ الصَّحِيحَ، وَالتَّارِيخَ، وَكِتَابَ الضُّعَفَاءِ، وَفَقَّهَ النَّاسَ بِسَمَرْقَنْدَ، قَالَ الْحَاكِمُ: كَانَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالْوَعْظِ، مِنْ عُقَلَاءِ الرِّجَالِ، تُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِ مِائَةٍ، وَهُوَ فِي عُمْرِ الثَّمَانِينَ.
وَقَدْ سَبَقَتْ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ دَلِيلُ الشَّافِعِيَّةِ فِي جَعْلِهِمْ الْكَثِيرَ مَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ وَسَبَقَ اعْتِذَارُ الْهَادَوِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ لِلِاضْطِرَابِ فِي مَتْنِهِ إذْ فِي رِوَايَةٍ [إذَا بَلَغَ ثَلَاثَ قِلَالٍ] وَفِي رِوَايَةٍ [قُلَّةً] وَبِجَهَالَةِ قَدْرِ الْقُلَّةِ وَبِاحْتِمَالِ مَعْنَاهُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ [لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ] يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَتَلَاشَى فِيهِ الْخَبَثُ، وَقَدْ أَجَابَ الشَّافِعِيَّةُ عَنْ هَذَا كُلِّهِ، وَقَدْ بَسَطَهُ فِي الشَّرْحِ إلَّا الْأَخِيرَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ، كَأَنَّهُ تَرَكَهُ لِضَعْفِهِ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ [لَمْ يَنْجُسْ] صَرِيحَةٌ فِي عَدَمِ احْتِمَالِهِ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ.
[وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» هُوَ الرَّاكِدُ السَّاكِنُ، وَيَأْتِي وَصْفُهُ بِأَنَّهُ الَّذِي لَا يَجْرِي [وَهُوَ جُنُبٌ أَخْرَجَهُ] بِهَذَا اللَّفْظِ [مُسْلِمٌ، وَلِلْبُخَارِيِّ رِوَايَةٌ بِلَفْظِ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ» رُوِيَ بِرَفْعِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ ثُمَّ هُوَ يَغْتَسِلُ، وَقَدْ جُوِّزَ جَزْمُهُ عَلَى عَطْفِهِ عَلَى مَوْضِعِ يَبُولَنَّ، وَنَصْبُهُ بِتَقْدِيرِ أَنْ عَلَى إلْحَاقِ ثُمَّ بِالْوَاوِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ أَفَادَ أَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَوْلِ وَالِاغْتِسَالِ دُونَ إفْرَادِ أَحَدِهِمَا، مَعَ أَنَّهُ يُنْهَى عَنْ الْبَوْلِ فِيهِ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ لَا يُخِلُّ بِجَوَازِ النَّصْبِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا النَّهْيُ عَنْ الْجَمْعِ، وَمِنْ غَيْرِهِ النَّهْيُ عَنْ إفْرَادِ الِاغْتِسَالِ؛ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ " ثُمَّ " صَارَتْ بِمَعْنَى الْوَاوِ تُفِيدُ الْجَمْعَ، وَهَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ مُعْتَرِضًا بِهِ عَلَى ابْنِ مَالِكٍ، حَيْثُ جُوِّزَ النَّصْبُ، وَأَقَرَّهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي غَيْرِ شَرْحِ الْعُمْدَةِ، إلَّا أَنَّهُ أَجَابَ عَلَى النَّوَوِيِّ بِمَا أَفَادَهُ قَوْلُنَا، فَإِنَّهُ لَا يُخِلُّ
стр. 20
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِجَوَازِ النَّصْبِ إلَى آخِرِهِ. قُلْت: وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ قَوَاعِدُ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَوْلِ ثُمَّ الِاغْتِسَالِ مِنْهُ، سَوَاءٌ رَفَعْت اللَّامَ أَوْ نَصَبْت، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ثُمَّ تُفِيدُ مَا تُفِيدُهُ الْوَاوُ الْعَاطِفَةُ فِي أَنَّهَا لِلْجَمْعِ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ ثُمَّ بِالتَّرْتِيبِ، فَالْجَمِيعُ وَاهِمُونَ فِيمَا قَرَّرُوهُ، وَلَا يُسْتَفَادُ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى انْفِرَادِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ الْجَمْعِ.
وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ تُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ الِاغْتِسَالِ فَقَطْ، إذَا لَمْ تُقَيَّدْ بِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ؛ ثُمَّ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد بِلَفْظِ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ» تُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى انْفِرَادِهِ فِيهِ؛ وَلِمُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَتِهِ [مِنْهُ] بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِ [فِيهِ]، وَالْأُولَى تُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَغْتَسِلُ فِيهِ بِالِانْغِمَاسِ مَثَلًا، وَالثَّانِيَةُ تُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مِنْهُ وَيَغْتَسِلُ خَارِجَهُ، وَلِأَبِي دَاوُد بِلَفْظِ: [وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ] عِوَضًا عَنْ ثُمَّ يَغْتَسِلُ [مِنْ الْجَنَابَةِ] عِوَضًا عَنْ قَوْلِهِ: وَهُوَ جُنُبٌ، وَقَوْلُهُ هُنَا: وَلَا يَغْتَسِلُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ عَلَى انْفِرَادِهِ كَمَا هُوَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فِي رِوَايَةِ [ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ]. قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَهَذَا النَّهْيُ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ لِلْكَرَاهَةِ، وَفِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ لِلتَّحْرِيمِ. قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِعْمَالِ لَفْظِ النَّهْيِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عُمُومِ الْمَجَازِ، وَالنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ فِي عَدَمِ الْفِعْلِ الشَّامِلِ لِلتَّحْرِيمِ وَكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ. فَأَمَّا حُكْمُ الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَتَنْجِيسُهُ بِالْبَوْلِ، أَوْ مَنْعُهُ مِنْ التَّطْهِيرِ بِالِاغْتِسَالِ فِيهِ لِلْجَنَابَةِ، فَعِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا يَنْجُسُ إلَّا مَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ: النَّهْيُ عَنْهُ لِلتَّعَبُّدِ وَهُوَ طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّطَهُّرُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عِنْدَهُمْ لِلْكَرَاهَةِ، وَعِنْدَ الظَّاهِرِيَّةِ أَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ، وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ تَعَبُّدًا لِأَجْلِ التَّنْجِيسِ، لَكِنَّ الْأَصْلَ فِي النَّهْيِ التَّحْرِيمُ؛ وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَقَالُوا: إنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا وَكُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ فِي حَدِّهِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ فَهُوَ الطَّاهِرُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ تَخْصِيصُ هَذَا الْعُمُومِ، إلَّا أَنَّهُ يُقَالُ: إذَا قُلْتُمْ: النَّهْيُ لِلْكَرَاهَةِ فِي الْكَثِيرِ فَلَا تَخْصِيصَ لِعُمُومِ حَدِيثِ الْبَابِ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا وَكُلٌّ فِي حَدِّهِ عَلَى أَصْلِهِ، فَالنَّهْيُ عَنْهُ لِلتَّحْرِيمِ، إذْ هُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ وَلَا مُطَهِّرٍ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِمْ فِي كَوْنِ النَّهْيِ لِلنَّجَاسَةِ، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ الْأَقْوَالَ فِي الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ، وَأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ فِي الْكَثِيرِ الْجَارِي كَمَا يَقْتَضِيهِ مَفْهُومُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَالْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ؛ أَمَّا الْقَلِيلُ الْجَارِي فَقِيلَ يُكْرَهُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَهُوَ الْأَوْلَى.
قُلْت: بَلْ الْأَوْلَى خِلَافُهُ، إذْ الْحَدِيثُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِيمَا لَا يَجْرِي، فَلَا يَشْمَلُ الْجَارِيَ، قَلِيلًا كَانَ أَمْ كَثِيرًا. نَعَمْ لَوْ قِيلَ بِالْكَرَاهَةِ لَكَانَ قَرِيبًا، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا رَاكِدًا، فَقِيلَ: يُكْرَهُ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: إنْ كَانَ قَاصِدًا إلَّا إذَا عَرَضَ وَهُوَ فِيهِ فَلَا كَرَاهَةَ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَوْ قِيلَ بِالتَّحْرِيمِ لَكَانَ أَظْهَرَ وَأَوْفَقَ، لِظَاهِرِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إفْسَادًا لَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَمَضَارُّهُ لِلْمُسْلِمِينَ،
стр. 21
٦ - وَعَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوْ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَإِنْ كَانَ رَاكِدًا قَلِيلًا فَالصَّحِيحُ التَّحْرِيمُ لِلْحَدِيثِ، ثُمَّ هَلْ يَلْحَقُ غَيْرُ الْبَوْلِ كَالْغَائِطِ بِهِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَاءِ الْقَلِيلِ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ بِالْأَوْلَى.
وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ لَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ، بَلْ يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِالْبَوْلِ، وَقَوْلُهُ.
[فِي الْمَاءِ] صَرِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِيهِ، وَأَنَّهُ يُجْتَنَبُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَإِذَا بَالَ فِي إنَاءٍ وَصَبَّهُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ.
وَعَنْ دَاوُد لَا يُنَجِّسُهُ، وَلَا يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ إلَّا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى لَا غَيْرُ، وَحُكْمُ الْوُضُوءِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي بَالَ فِيهِ مَنْ يُرِيدُ الْوُضُوءَ حُكْمُ الْغُسْلِ، إذًا الْحُكْمُ وَاحِدٌ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ» ذَكَرَهَا فِي الشَّرْحِ وَلَمْ يَنْسُبْهَا إلَى أَحَدٍ، وَقَدْ خَرَّجَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ " أَبِي هُرَيْرَةَ " مَرْفُوعًا، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ بِزِيَادَةِ [أَوْ يَشْرَبُ].
[وَعَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ» أَيْ بِالْمَاءِ الَّذِي يَفْضُلُ عَنْ غُسْلِ الرَّجُلِ [أَوْ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ] مِثْلُهُ (وَلْيَغْتَرِفَا] مِنْ الْمَاءِ عِنْدَ اغْتِسَالِهِمَا مِنْهُ [جَمِيعًا] أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إشَارَةٌ إلَى رَدِّ قَوْلِ الْبَيْهَقِيّ حَيْثُ قَالَ: إنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُرْسَلِ، أَوْ إلَى قَوْلٍ لِابْنِ حَزْمٍ حَيْثُ قَالَ: إنَّ أَحَدَ رُوَاتِهِ ضَعِيفٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ كَوْنُهُ فِي مَعْنَى الْمُرْسَلِ، فَلِأَنَّ إبْهَامَ الصَّحَابِيِّ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ أَرَادَ ابْنُ حَزْمٍ بِالضَّعِيفِ " دَاوُد بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْدِيَّ " وَهُوَ ثِقَةٌ، وَكَأَنَّهُ فِي الْبَحْرِ اغْتَرَّ بِقَوْلِ ابْنِ حَزْمٍ، فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ: إنَّ رَاوِيَهُ ضَعِيفٌ، وَأَسْنَدَهُ إلَى مَجْهُولٍ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي " فَتْحِ الْبَارِي ": إنَّ رِجَالَهُ ثِقَاتٌ وَلَمْ نَقِفْ لَهُ عَلَى عِلَّةٍ، فَلِهَذَا قَالَ هُنَا: وَهُوَ صَحِيحٌ، نَعَمْ هُوَ مُعَارَضٌ بِمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي:
стр. 22
٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ ﵂». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
- وَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ: «اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَفْنَةٍ، فَجَاءَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا، فَقَالَتْ: إنِّي كُنْت جُنُبًا، فَقَالَ: إنَّ الْمَاءَ لَا يَجْنُبُ» وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ ﵂». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ - وَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ: «اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَفْنَةٍ، فَجَاءَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا، فَقَالَتْ: إنِّي كُنْت جُنُبًا، فَقَالَ: إنَّ الْمَاءَ لَا يَجْنُبُ» وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " ﵄ هُوَ حَيْثُ أُطْلِقَ: بَحْرُ الْأُمَّةِ وَحَبْرُهَا: " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ "، وُلِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَشُهْرَةُ إمَامَتِهِ فِي الْعِلْمِ بِبَرَكَاتِ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ بِالْحِكْمَةِ، وَالْفِقْهِ فِي الدِّينِ، وَالتَّأْوِيلِ، تُغْنِي عَنْ التَّعْرِيفِ بِهِ؛ كَانَتْ وَفَاتُهُ بِالطَّائِفِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، فِي آخِرِ " أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ "، بَعْدَ أَنْ كُفَّ بَصَرُهُ. «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِلَفْظِ قَالَ: (وَعِلْمِي). وَاَلَّذِي يَخْطُرُ عَلَى بَالِي أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ أَخْبَرَنِي الْحَدِيثَ، وَأَعَلَّهُ قَوْمٌ بِهَذَا التَّرَدُّدِ وَلَكِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ بِلَفْظِ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ» وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَرِفَانِ مَعًا فَلَا تَعَارُضَ، نَعَمْ الْمُعَارَضُ، قَوْلُهُ: (وَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ، وَنَسَبَهُ إلَى أَبِي دَاوُد. [اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَفْنَةٍ فَجَاءَ] أَيْ النَّبِيُّ ﷺ [لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا فَقَالَتْ] لَهُ: [إنِّي كُنْت جُنُبًا] أَيْ وَقَدْ اغْتَسَلْت مِنْهَا [فَقَالَ: «إنَّ الْمَاءَ لَا يَجْنُبُ» فِي الْقَامُوسِ: جَنِبَ أَيْ كَفَرِحَ وَجَنُبَ أَيْ كَكَرُمَ، فَيَجُوزُ فَتْحُ النُّونِ وَضَمُّهَا هُنَا، هَذَا إنْ جَعَلْته مِنْ الثُّلَاثِيِّ؛ وَيَصِحُّ مِنْ أَجْنَبَ يُجْنِبُ، وَأَمَّا اجْتَنَبَ فَلَمْ يَأْتِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ إصَابَةُ الْجَنَابَةِ؛ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ قَدْ وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ سَرْدُهَا فِي الشَّرْحِ، وَقَدْ أَفَادَتْ مُعَارَضَةُ الْحَدِيثِ الْمَاضِي
، وَأَنَّهُ يَجُوزُ غُسْلُ الرَّجُلِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَيُقَاسَ عَلَيْهِ الْعَكْسُ لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ، وَفِي الْأَمْرَيْنِ خِلَافٌ، وَالْأَظْهَرُ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ، وَأَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ.
стр. 23
٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «طُهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظٍ لَهُ " فَلْيُرِقْهُ "، وَلِلتِّرْمِذِيِّ " أُخْرَاهُنَّ، أَوْ أُولَاهُنَّ ".
[وَعَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : طَهُورُ] قَالَ فِي الشَّرْحِ الْأَظْهَرُ فِيهِ ضَمُّ الطَّاءِ، وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا لُغَتَانِ [إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ]. فِي الْقَامُوسِ: وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ وَفِي الشَّرَابِ يَلَغُ كَيَهَبُ وَيَلِغُ وَوَلِغَ كَوَرِثَ وَوَجِلَ: شَرِبَ مَا فِيهِ بِأَطْرَافِ لِسَانِهِ، أَوْ أَدْخَلَ لِسَانَهُ، فِيهِ فَحَرَّكَهُ [أَنْ يَغْسِلَهُ] أَيْ الْإِنَاءَ [سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ] أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظٍ لَهُ [فَلْيُرِقْهُ] أَيْ الْمَاءَ الَّذِي وُلِغَ فِيهِ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ [أُخْرَاهُنَّ] أَيْ السَّبْعِ أَوْ [أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ]:
دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَحْكَامٍ:
(أَوَّلُهَا): نَجَاسَةُ فَمِ الْكَلْبِ مِنْ حَيْثُ الْأَمْرِ بِالْغَسْلِ لِمَا وُلِغَ فِيهِ، وَالْإِرَاقَةِ لِلْمَاءِ، وَقَوْلُهُ: [طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ] فَإِنَّهُ لَا غَسْلَ إلَّا مِنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَسٍ، وَلَيْسَ هُنَا حَدَثٌ؛ فَتَعَيَّنَ النَّجَسُ.
وَالْإِرَاقَةُ: إضَاعَةُ مَالٍ، فَلَوْ كَانَ الْمَاءُ طَاهِرًا لَمَا أَمَرَ بِإِضَاعَتِهِ، إذْ قَدْ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي نَجَاسَةِ فَمِهِ، وَأُلْحِقَ بِهِ سَائِرُ بَدَنِهِ قِيَاسًا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ نَجَاسَةُ لُعَابِهِ، وَلُعَابُهُ جُزْءٌ مِنْ فَمِهِ، إذْ هُوَ عِرْقُ فَمِهِ، فَفَمُهُ نَجِسٌ، إذْ الْعِرْقُ جُزْءٌ مُتَحَلِّبٌ مِنْ الْبَدَنِ، فَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ بَدَنِهِ، إلَّا أَنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ لَيْسَ لِنَجَاسَةِ الْكَلْبِ. قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ النَّجَاسَةَ فِي فَمِهِ وَلُعَابِهِ، إذْ هُوَ مَحَلُّ اسْتِعْمَالِهِ لِلنَّجَاسَةِ بِحَسَبِ الْأَغْلَبِ، وَعُلِّقَ الْحُكْمُ بِالنَّظَرِ إلَى غَالِبِ أَحْوَالِهِ مِنْ أَكْلِهِ النَّجَاسَاتِ بِفَمِهِ، وَمُبَاشَرَتِهِ لَهَا، فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِهِ قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ.
وَالْخِلَافُ لِمَالِكٍ، وَدَاوُد، وَالزُّهْرِيِّ، وَأَدِلَّةُ الْأَوَّلِينَ مَا سَمِعْت، وَأَدِلَّةُ غَيْرِهِمْ وَهُمْ الْقَائِلُونَ: إنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ لِلتَّعَبُّدِ لَا لِلنَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلنَّجَاسَةِ لَاكْتَفَى بِمَا دُونَ السَّبْعِ، إذْ نَجَاسَتُهُ لَا تَزِيدُ عَلَى الْعَذِرَةِ؛ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ أَصْلَ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْأَمْرُ بِالْغَسْلِ مَعْقُولُ الْمَعْنَى، مُمْكِنُ التَّعْلِيلِ، أَيْ بِأَنَّهُ لِلنَّجَاسَةِ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَحْكَامِ التَّعْلِيلُ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْأَغْلَبِ، وَالتَّعَبُّدُ إنَّمَا هُوَ فِي الْعَدَدِ فَقَطْ، كَذَا فِي الشَّرْحِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ شَرْحِ الْعُمْدَةِ، وَقَدْ حَقَّقْنَا فِي حَوَاشِيهِ خِلَافَ مَا قَرَّرَهُ مِنْ أَغْلَبِيَّةِ تَعْلِيلِ الْأَحْكَامِ، وَطَوَّلْنَا هُنَالِكَ الْكَلَامَ.
الْحُكْمُ الثَّانِي: أَنَّهُ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى وُجُوبِ سَبْعِ غَسَلَاتٍ لِلْإِنَاءِ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَمَنْ قَالَ:
стр. 24
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَا تَجِبُ السَّبْعُ، بَلْ وُلُوغُ الْكَلْبِ كَغَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ وَالتَّسْبِيعُ نَدْبٌ، اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ وَهُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ " قَالَ: يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ.
وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا، بِأَنَّ الْعَمَلَ بِمَا رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَا بِمَا رَآهُ وَأَفْتَى بِهِ، وَبِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ، وَأَيْضًا: أَنَّهُ أَفْتَى بِالْغَسْلِ، وَهِيَ أَرْجَحُ سَنَدًا، وَتَرَجَّحَ أَيْضًا بِأَنَّهَا تُوَافِقُ الرِّوَايَةَ الْمَرْفُوعَةَ، وَبِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْكَلْبِ يَلَغُ فِي الْإِنَاءِ [يُغْسَلُ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا] قَالُوا: فَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى عَدَمِ تَعْيِينِ السَّبْعِ، وَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ، وَلَا تَخْيِيرَ فِي مُعَيَّنٍ؛ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ.
الْحُكْمُ الثَّالِثُ: وُجُوبُ التَّتْرِيبِ لِلْإِنَاءِ لِثُبُوتِهِ فِي الْحَدِيثِ، ثُمَّ الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَعَيُّنِ التُّرَابِ، وَأَنَّهُ فِي الْغَسْلَةِ الْأُولَى؛ وَمَنْ أَوْجَبَهُ قَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْلِطَ الْمَاءَ بِالتُّرَابِ حَتَّى يَتَكَدَّرَ، أَوْ يَطْرَحَ الْمَاءَ عَلَى التُّرَابِ، أَوْ يَطْرَحَ التُّرَابَ عَلَى الْمَاءِ، وَبَعْضُ مَنْ قَالَ بِإِيجَابِ التَّسْبِيعِ، قَالَ: لَا تَجِبُ غَسْلَةُ التُّرَابِ لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا عِنْدَهُ. وَرَدَّ: بِأَنَّهَا قَدْ ثَبَتَتْ فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ بِلَا رَيْبٍ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَأَوْرَدَ عَلَى رِوَايَةِ التُّرَابِ بِأَنَّهَا قَدْ اضْطَرَبَتْ فِيهَا الرِّوَايَةُ، فَرَوَى أُولَاهُنَّ، أَوْ أُخْرَاهُنَّ، أَوْ إحْدَاهُنَّ، أَوْ السَّابِعَةُ، أَوْ الثَّامِنَةُ، وَالِاضْطِرَابُ قَادِحٌ، فَيَجِبُ الْإِطْرَاحُ لَهَا.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ الِاضْطِرَابُ قَادِحًا إلَّا مَعَ اسْتِوَاءِ الرِّوَايَاتِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ هُنَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ رِوَايَةَ أُولَاهُنَّ أَرْجَحُ لِكَثْرَةِ رُوَاتِهَا، وَبِإِخْرَاجِ الشَّيْخَيْنِ لَهَا وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ التَّرْجِيحُ عِنْدَ التَّعَارُضِ، وَأَلْفَاظُ الرِّوَايَاتِ الَّتِي عُورِضَتْ بِهَا أُولَاهُنَّ لَا تُقَاوِمُهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ رِوَايَةَ [أُخْرَاهُنَّ] مُتَفَرِّدَةٌ لَا تُوجَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ مُسْنَدَةٌ، وَرِوَايَةُ [السَّابِعَةُ بِالتُّرَابِ]، اُخْتُلِفَ فِيهَا، فَلَا تُقَاوِمُ رِوَايَةَ [أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ] وَرِوَايَةُ [إحْدَاهُنَّ] بِالْحَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ لَيْسَتْ فِي الْأُمَّهَاتِ، بَلْ رَوَاهَا الْبَزَّارُ، فَعَلَى صِحَّتِهَا فَهِيَ مُطْلَقَةٌ يَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى الْمُقَيَّدَةِ، وَرِوَايَةُ [أُولَاهُنَّ] أَوْ [أُخْرَاهُنَّ] بِالتَّخْيِيرِ، إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ الرَّاوِي فَهُوَ شَكٌّ مِنْهُ، فَيُرْجَعُ إلَى التَّرْجِيحِ، وَرِوَايَةُ [أُولَاهُنَّ] أَرْجَحُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ ، فَهُوَ تَخْيِيرٌ مِنْهُ ﷺ ، وَيُرْجَعُ إلَى تَرْجِيحِ [أُولَاهُنَّ]، لِثُبُوتِهَا فَقَطْ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ كَمَا عَرَفْت.
وَقَوْلُهُ [إنَاءِ أَحَدِكُمْ] الْإِضَافَةُ مُلْغَاةٌ هُنَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مِلْكِهِ الْإِنَاءَ، وَكَذَا قَوْلُهُ [فَلْيَغْسِلْهُ] لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَالِكُ الْإِنَاءِ هُوَ الْغَاسِلُ، وَقَوْلُهُ: وَفِي لَفْظٍ [فَلْيُرِقْهُ] هِيَ مِنْ أَلْفَاظِ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَهِيَ أَمْرٌ بِإِرَاقَةِ الْمَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَوْ الطَّعَامِ، وَهِيَ مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى النَّجَاسَةِ، إذْ الْمُرَاقُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَاءً أَوْ طَعَامًا، فَلَوْ كَانَ طَاهِرًا لَمْ يَأْمُرْ بِإِرَاقَتِهِ كَمَا عَرَفْت، إلَّا أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَدَمُ صِحَّةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَنْ الْحُفَّاظِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَنْقُلْهَا أَحَدٌ مِنْ الْحُفَّاظِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: لَا تُعْرَفُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِوَجْهٍ مِنْ
стр. 25
٩ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ - فِي الْهِرَّةِ -: إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ.
الْوُجُوهِ، نَعَمْ أَهْمَلَ الْمُصَنِّفُ ذِكْرَ الْغَسْلَةِ الثَّامِنَةِ وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: [وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ].
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إنَّهُ قَالَ بِهَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَلَمْ يَقُلْ بِهَا غَيْرُهُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَالْحَدِيثُ قَوِيٌّ فِيهَا، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ احْتَاجَ إلَى تَأْوِيلِهِ بِوَجْهٍ فِيهِ اسْتِكْرَاهٌ. قُلْت: وَالْوَجْهُ أَيْ الْمُسْتَكْرَهُ فِي تَأْوِيلِهِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: الْمُرَادُ اغْسِلُوهُ سَبْعًا، وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِالتُّرَابِ مَعَ الْمَاءِ، فَكَأَنَّ التُّرَابَ قَامَ مَقَامَ غَسْلَةٍ فَسُمِّيَتْ ثَامِنَةً، وَمِثْلُهُ قَالَ الدَّمِيرِيُّ فِي (شَرْحِ الْمِنْهَاجِ)، وَزَادَ: أَنَّهُ أَطْلَقَ الْغَسِيلَ عَلَى التَّعْفِيرِ مَجَازًا. قُلْت: لَا يَخْفَى أَنَّ إهْمَالَ الْمُصَنِّفِ لِذِكْرِهَا، وَتَأْوِيلَ مَنْ قَالَ بِإِخْرَاجِهَا مِنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ كُلُّ ذَلِكَ مُحَامَاةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالْحَقُّ مَعَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
هَذَا، وَإِنَّ الْأَمْرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ النَّهْيُ عَنْهُ، وَذَكَرَ مَا يُبَاحُ اتِّخَاذُهُ مِنْهَا، يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الصَّيْدِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَعَنْ " أَبِي قَتَادَةَ " ﵁ بِفَتْحِ الْقَافِ، فَمُثَنَّاةٌ فَوْقِيَّةٌ، بَعْدَ الْأَلِفِ دَالٌ مُهْمَلَةٌ، اسْمُهُ فِي أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ " الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ " بِكَسْرِ الرَّاءِ، فَمُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ، فَمُهْمَلَةٌ مَكْسُورَةٌ، وَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ، الْأَنْصَارِيُّ؛ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا؛ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: مَاتَ بِالْكُوفَةِ فِي خِلَافَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ " عَلِيٍّ ﵇ وَشَهِدَ مَعَهُ حُرُوبَهُ كُلَّهَا.:
[أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الْهِرَّةِ] وَالْحَدِيثُ لَهُ سَبَبٌ وَهُوَ: «أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ سُكِبَ لَهُ وَضُوءٌ؛ فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ مِنْهُ، فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ. فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ»
أَيْ فَلَا يَنْجُسُ مَا لَامَسَتْهُ [إنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ جَمْعُ طَوَّافٍ [عَلَيْكُمْ].
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الطَّائِفُ، الْخَادِمُ الَّذِي يَخْدُمُك بِرِفْقٍ وَعِنَايَةٍ، وَالطَّوَّافُ: فَعَّالٌ مِنْهُ. شَبَّهَهَا بِالْخَادِمِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى مَوْلَاهُ وَيَدُورُ حَوْلَهُ، أَخْذًا مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ وَغَيْرِهِمْ زِيَادَةُ لَفْظِ: [وَالطَّوَّافَاتِ] جَمَعَ الْأَوَّلَ مُذَكَّرًا سَالِمًا نَظَرًا إلَى ذُكُورِ الْهِرِّ، وَالثَّانِي مُؤَنَّثًا سَالِمًا نَظَرًا إلَى إنَاثِهَا.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ فَاتَ جَمْعَ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ شَرْطُ كَوْنِهِ يَعْقِلُ وَهُوَ
стр. 26
١٠ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ؛ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
شَرْطٌ لِجَمْعِهِ عَلَمًا وَصِفَةً. قُلْت: لَمَّا نُزِّلَ مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْقِلُ بِوَصْفِهِ بِصِفَتِهِ وَهُوَ الْخَادِمُ، أَجْرَاهُ مَجْرَاهُ فِي جَمْعِهِ صِفَةً.
وَفِي التَّعْلِيلِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا جَعَلَهَا بِمَنْزِلَةِ الْخَادِمِ فِي كَثْرَةِ اتِّصَالِهَا بِأَهْلِ الْمَنْزِلِ وَمُلَابَسَتِهَا لَهُمْ وَلِمَا فِي مَنْزِلِهِمْ خَفَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِجَعْلِهَا غَيْرَ نَجَسٍ رَفْعًا لِلْحَرَجِ؛ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ، وَالْعُقَيْلِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ الْهِرَّةِ وَسُؤْرِهَا وَإِنْ بَاشَرَتْ نَجَسًا. وَأَنَّهُ لَا تَقْيِيدَ لِطَهَارَةِ فَمِهَا بِزَمَانٍ.
وَقِيلَ: لَا يَطْهُرُ فَمُهَا إلَّا بِمُضِيِّ زَمَانٍ مِنْ لَيْلَةٍ أَوْ يَوْمٍ، أَوْ سَاعَةٍ، أَوْ شُرْبِهَا الْمَاءَ، أَوْ غَيْبَتِهَا، حَتَّى يَحْصُلَ ظَنٌّ بِذَلِكَ، أَوْ بِزَوَالِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ مِنْ فَمِهَا؛ وَهَذَا الْأَخِيرُ أَوْضَحُ الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ فِي فَمِهَا، فَالْحُكْمُ بِالنَّجَاسَةِ لِتِلْكَ الْعَيْنِ لَا لِفَمِهَا، فَإِنْ زَالَتْ الْعَيْنُ فَقَدْ حَكَمَ الشَّارِعُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ هُوَ: أَبُو حَمْزَةَ، بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ، الْأَنْصَارِيُّ، النَّجَّارِيُّ، الْخَزْرَجِيُّ، خَدَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ إلَى وَفَاتِهِ ﷺ ، وَقَدِمَ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، أَوْ ثَمَانٍ، أَوْ تِسْعٍ. أَقْوَالٌ؛ سَكَنَ الْبَصْرَةَ فِي خِلَافَةِ " عُمَرَ "، لِيُفَقِّهَ النَّاسَ، وَطَالَ عُمْرُهُ إلَى مِائَةٍ وَثَلَاثِ سِنِينَ، وَقِيلَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَصَحُّ مَا قِيلَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً؛ وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ سَنَةَ إحْدَى أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ.
[قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ نِسْبَةٌ إلَى الْأَعْرَابِ؛ وَهُمْ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ سَوَاءٌ كَانُوا عَرَبًا أَوْ عَجَمًا، وَقَدْ وَرَدَ تَسْمِيَتُهُ أَنَّهُ " ذُو الْخُوَيْصِرَةِ الْيَمَانِيُّ "، وَكَانَ رَجُلًا جَافِيًا [فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ] أَيْ فِي نَاحِيَتِهِ، وَالطَّائِفَةُ: الْقِطْعَةُ مِنْ الشَّيْءِ [فَزَجَرَهُ النَّاسُ بِالزَّايِ فَجِيمٍ فَرَاءٍ أَيْ: نَهَرُوهُ، وَفِي لَفْظٍ [فَقَامَ إلَيْهِ النَّاسُ لِيَقَعُوا بِهِ] وَفِي أُخْرَى [فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَهْ، مَهْ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ لَهُمْ: [دَعُوهُ] وَفِي لَفْظٍ [لَا تَزْرِمُوهُ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ
стр. 27
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَنُونٍ آخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ وَهِيَ الدَّلْوُ الْمَلْآنُ مَاءً، وَقِيلَ: الْعَظِيمَةُ [مِنْ مَاءٍ] تَأْكِيدٌ وَإِلَّا فَقَدْ أَفَادَهُ لَفْظُ الذَّنُوبِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ كَتَبْت بِيَدَيَّ، وَفِي رِوَايَةٍ سَجْلًا بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الذَّنُوبِ [فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ] أَصْلُهُ: فَأُرِيقَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُبْدِلَتْ الْهَاءُ مِنْ الْهَمْزَةِ، فَصَارَ فَهُرِيقَ عَلَيْهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ، زِيدَتْ هَمْزَةٌ أُخْرَى بَعْدَ إبْدَالِ الْأُولَى فَقِيلَ: فَأُهْرِيقَ، [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ كَمَا عَرَفْت.
وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ الْآدَمِيِّ، وَهُوَ إجْمَاعٌ، وَعَلَى أَنَّ الْأَرْضَ إذَا تَنَجَّسَتْ طَهُرَتْ بِالْمَاءِ كَسَائِرِ الْمُتَنَجِّسَاتِ، وَهَلْ يُجْزِئُ فِي طَهَارَتِهَا غَيْرُ الْمَاءِ؟ قِيلَ: تُطَهِّرُهَا الشَّمْسُ وَالرِّيحُ، فَإِنَّ تَأْثِيرَهُمَا فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَعْظَمُ إزَالَةً مِنْ الْمَاءِ، وَلِحَدِيثِ [زَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا] ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا، وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ ﷺ كَمَا ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدِيثَ أَبِي قِلَابَةَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ بِلَفْظِ: جُفُوفُ الْأَرْضِ طَهُورُهَا فَلَا تَقُومُ بِهِمَا حُجَّةٌ.
وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ صَبَّ الْمَاءِ يُطَهِّرُ الْأَرْضَ، رَخْوَةً كَانَتْ أَوْ صُلْبَةً. وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ الصُّلْبَةِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْمُتَنَجِّسَاتِ، وَأَرْضُ مَسْجِدِهِ ﷺ كَانَتْ رَخْوَةً فَيَكْفِي فِيهَا الصَّبُّ.
وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا تَتَوَقَّفُ الطَّهَارَةُ عَلَى نُضُوبِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الصَّبِّ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ شَيْئًا، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ، وَفِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ حَفْرُهَا وَإِلْقَاءُ التُّرَابِ؛ وَقِيلَ: إذَا كَانَتْ صُلْبَةً فَلَا بُدَّ مِنْ حَفْرِهَا، وَإِلْقَاءِ التُّرَابِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَعُمَّ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا؛ وَلِأَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: «خُذُوا مَا بَالَ عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ وَأَلْقُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى مَكَانِهِ مَاءً».
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ: لَهُ إسْنَادَانِ مَوْصُولَانِ: أَحَدُهُمَا عَنْ " ابْنِ مَسْعُودٍ "، وَالْآخَرُ عَنْ " وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ "، وَفِيهِمَا مَقَالٌ، وَلَوْ ثَبَتَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ أَرْضَ مَسْجِدِهِ ﷺ رَخْوَةٌ، فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا يَحْفِرُ، وَيُلْقَى التُّرَابُ إلَّا مِنْ الْأَرْضِ الصُّلْبَةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ مِنْهَا:
احْتِرَامُ الْمَسَاجِدِ «فَإِنَّهُ ﷺ لَمَّا فَرَغَ الْأَعْرَابِيُّ مِنْ بَوْلِهِ دَعَاهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: إنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا تَبَادَرُوا إلَى الْإِنْكَارِ أَقَرَّهُمْ ﷺ ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالرِّفْقِ، كَمَا فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ لِلْحَدِيثِ إلَّا مُسْلِمًا أَنَّهُ قَالَ: «إنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» وَلَوْ كَانَ الْإِنْكَارُ غَيْرَ جَائِزٍ لَقَالَ لَهُمْ: إنَّهُ لَمْ يَأْتِ الْأَعْرَابِيُّ مَا يُوجِبُ نَهْيَكُمْ لَهُ.
وَمِنْهَا: الرِّفْقُ بِالْجَاهِلِ، وَعَدَمُ التَّعْنِيفِ.
وَمِنْهَا: حُسْنُ خُلُقِهِ ﷺ ، وَلُطْفِهِ بِالْمُتَعَلِّمِ؛ وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِبْعَادَ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ يُرِيدُ الْغَائِطَ لَا الْبَوْلَ، فَإِنَّهُ كَانَ عُرْفُ الْعَرَبِ عَدَمَ ذَلِكَ، وَأَقَرَّهُ الشَّارِعُ، «وَقَدْ بَالَ ﷺ ، وَجَعَلَ رَجُلًا عِنْدَ عَقِبِهِ يَسْتُرُهُ».
وَمِنْهَا: دَفْعُ أَعْظَمِ الْمَضَرَّتَيْنِ بِأَخَفِّهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قُطِعَ عَلَيْهِ بَوْلُهُ لَأَضَرَّ بِهِ؛ وَكَانَ يَحْصُلُ مِنْ تَقْوِيمِهِ مِنْ مَحَلِّهِ مَعَ مَا قَدْ حَصَلَ مِنْ تَنْجِيسِ الْمَسْجِدِ
стр. 28
١١ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ. فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَالُ وَالْكَبِدُ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ ضَعْفٌ.
تَنْجِيسُ بَدَنِهِ، وَثِيَابِهِ، وَمَوَاضِعُ مِنْ الْمَسْجِدِ غَيْرُ الَّذِي قَدْ وَقَعَ فِيهِ الْبَوْلُ أَوَّلًا.
[وَعَنْ " ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ» أَيْ بَعْدَ تَحْرِيمِهِمَا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ [وَدَمَانِ] كَذَلِكَ [فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ] أَيْ مَيْتَتُهُ [وَالْحُوتُ] أَيْ مَيْتَتُهُ [وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ] بِزِنَةِ: كِتَابٍ.: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ " ابْنِ عُمَرَ قَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ، وَصَحَّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، كَمَا قَالَ " أَبُو زُرْعَةَ " " وَأَبُو حَاتِمٍ "، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ " فَلَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ: أُحِلَّ لَنَا كَذَا وَحَرُمَ عَلَيْنَا كَذَا، مِثْلُ قَوْلِهِ: أُمِرْنَا وَنُهِينَا فَيَتِمُّ بِهِ الِاحْتِجَاجُ
، وَيَدُلُّ عَلَى حِلِّ مَيْتَةِ الْجَرَادِ عَلَى أَيِّ حَالٍ وُجِدَتْ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْجَرَادِ شَيْءٌ، سَوَاءٌ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ بِسَبَبٍ.
وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ اشْتَرَطَ مَوْتَهَا بِسَبَبٍ عَادِيٍّ، أَوْ بِقَطْعِ رَأْسِهَا، إلَّا حُرِّمَتْ. وَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى حِلِّ مَيْتَةِ الْحُوتِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ وُجِدَ، طَافِيًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثُ [الْحِلُّ مَيْتَتُهُ] وَقِيلَ: لَا يَحِلُّ مِنْهُ إلَّا مَا كَانَ مَوْتُهُ بِسَبَبِ آدَمِيٍّ، أَوْ جَزْرِ الْمَاءِ، أَوْ قَذْفِهِ أَوْ نُضُوبِهِ، وَلَا يَحِلُّ الطَّافِي لِحَدِيثِ «مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوا، وَمَا مَاتَ فِيهِ فَطَفَا فَلَا تَأْكُلُوهُ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَهُوَ خَاصٌّ فَيَخُصُّ بِهِ عُمُومَ الْحَدِيثَيْنِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: حَدِيثُ " جَابِرٍ " لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَلَوْ لَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ، كَيْفَ وَهُوَ مُعَارَضٌ (اهـ). فَلَا يُخَصُّ بِهِ الْعَامَّ، «وَلِأَنَّهُ ﷺ أَكَلَ مِنْ الْعَنْبَرَةِ الَّتِي قَذَفَهَا الْبَحْرُ لِأَصْحَابِ السَّرِيَّةِ».
وَلَمْ يَسْأَلْ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ مَوْتُهَا، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالسِّيَرِ، وَالْكَبِدُ حَلَالٌ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَلِكَ مِثْلُهَا الطِّحَالُ، فَإِنَّهُ حَلَالٌ،
стр. 29
١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد. وَزَادَ «وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ»
إلَّا أَنَّهُ فِي الْبَحْرِ قَالَ: يُكْرَهُ لِحَدِيثِ " عَلِيٍّ " ﵁ «إنَّهُ لُقْمَةُ الشَّيْطَانِ» أَيْ إنَّهُ يُسَرُّ بِأَكْلِهِ، إلَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ مَنْ أَخْرَجَهُ.
. [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ» وَهُوَ كَمَا أَسْلَفْنَا مِنْ أَنَّ الْإِضَافَةَ مُلْغَاةٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ» فِي لَفْظٍ [فِي طَعَامِ أَحَدِكُمْ] [فَلْيَغْمِسْهُ] زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ [كُلَّهُ] تَأْكِيدًا، وَفِي لَفْظِ أَبِي دَاوُد [فَامْقُلُوهُ] وَفِي لَفْظِ ابْنِ السَّكَنِ [فَلْيَمْقُلْهُ] [ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ] فِيهِ أَنَّهُ يُمْهَلُ فِي نَزْعِهِ بَعْدَ غَمْسِهِ «فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً» هَذَا تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِغَمْسِهِ. وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ «ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً» وَفِي لَفْظٍ [سُمًّا] أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد. وَزَادَ «؛ لِأَنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ»
стр. 30
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَعِنْد أَحْمَدَ، وَابْنِ مَاجَهْ، إنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى جَوَازِ قَتْلِهِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ، وَأَنَّهُ يُطْرَحُ وَلَا يُؤْكَلُ، وَأَنَّ الذُّبَابَ إذَا مَاتَ فِي مَائِعٍ فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُهُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِغَمْسِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الطَّعَامُ حَارًّا، فَلَوْ كَانَ يُنَجِّسُهُ لَكَانَ أَمْرًا بِإِفْسَادِ الطَّعَامِ، وَهُوَ ﷺ إنَّمَا أَمَرَ بِإِصْلَاحِهِ، ثُمَّ عَدَّى هَذَا الْحُكْمَ إلَى كُلِّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، كَالنَّحْلَةِ، وَالزُّنْبُورِ، وَالْعَنْكَبُوتِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، إذْ الْحُكْمُ يَعُمُّ بِعُمُومِ
стр. 31
١٣ - وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَا قُطِعَ مِنْ الْبَهِيمَةِ - وَهِيَ حَيَّةٌ - فَهُوَ مَيِّتٌ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَاللَّفْظُ لَهُ.
عِلَّتِهِ، وَيَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ، فَلَمَّا كَانَ سَبَبُ التَّنْجِيسِ هُوَ الدَّمُ الْمُحْتَقِنُ فِي الْحَيَوَانِ بِمَوْتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مَفْقُودًا فِيمَا لَا دَمَ لَهُ سَائِلٌ، انْتَفَى الْحُكْمُ بِالتَّنْجِيسِ، لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ، وَالْأَمْرُ بِغَمْسِهِ لِيَخْرُجَ الشِّفَاءُ مِنْهُ كَمَا خَرَجَ الدَّاءُ مِنْهُ؛ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ فِي الذُّبَابِ قُوَّةً سُمِّيَّةً كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا الْوَرَمُ، وَالْحَكَّةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ لَسْعِهِ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ السِّلَاحِ، فَإِذَا وَقَعَ فِيمَا يُؤْذِيهِ اتَّقَاهُ بِسِلَاحِهِ، كَمَا قَالَ ﷺ : «فَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ» أَمَرَ ﷺ أَنْ تُقَابَلَ تِلْكَ السُّمِّيَّةَ بِمَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ فِيهِ مِنْ الشِّفَاءِ فِي جَنَاحِهِ الْآخَرِ بِغَمْسِهِ كُلِّهِ، فَتُقَابِلُ الْمَادَّةَ النَّافِعَةَ، فَيَزُولُ ضَرَرُهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَطِبَّاءِ أَنَّ لَسْعَةَ الْعَقْرَبِ وَالزُّنْبُورِ إذَا دُلِّكَ مَوْضِعُهَا بِالذُّبَابِ نَفَعَ مِنْهُ نَفْعًا بَيِّنًا، وَيُسَكِّنُهَا، وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِلْمَادَّةِ الَّتِي فِيهِ مِنْ الشِّفَاءِ.
وَعَنْ " أَبِي وَاقِدٍ " بِقَافٍ مَكْسُورَةٍ، وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ، اسْمُهُ: " الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ "، فِيهِ أَقْوَالٌ: قِيلَ: إنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وَقِيلَ: إنَّهُ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ أَوْ خَمْسٍ وَسِتِّينَ بِمَكَّةَ " اللَّيْثِيُّ " بِمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ، نِسْبَةً إلَى لَيْثٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي " عَامِرِ بْنِ لَيْثٍ " ﵁ قَالَ: [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا قُطِعَ مِنْ الْبَهِيمَةِ] فِي الْقَامُوسِ الْبَهِيمَةُ: كُلُّ ذَاتِ أَرْبَعِ قَوَائِمَ وَلَوْ فِي الْمَاءِ وَكُلُّ حَيٍّ لَا يُمَيِّزُ، وَالْبَهِيمَةُ أَوْلَادُ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ هُنَا الْأَخِيرُ أَوْ الْأَوَّلُ، لِمَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى [وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ] أَيْ الْمَقْطُوعُ [مَيِّتٌ]. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَاللَّفْظُ لَهُ، أَيْ قَالَ: إنَّهُ حَسَنٌ، وَقَدْ عُرِفَ مَعْنَى الْحَسَنِ فِي تَعْرِيفِ الصَّحِيحِ فِيمَا سَلَفَ، وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ. وَالْحَدِيثُ قَدْ رُوِيَ مِنْ أَرْبَعِ طُرُقٍ عَنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، عَنْ " أَبِي سَعِيدٍ "، وَأَبِي وَاقِدٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ.
وَحَدِيثُ " أَبِي وَاقِدٍ " هَذَا رَوَاهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ بِلَفْظِ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَبِهَا نَاسٌ يَعْمِدُونَ إلَى أَلِيَاتِ الْغَنَمِ وَأَسْنِمَةِ الْإِبِلِ فَقَالَ: مَا قُطِعَ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيِّتٌ».
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا قُطِعَ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيِّتٌ. وَسَبَبُ الْحَدِيثِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْبَهِيمَةِ ذَاتُ الْأَرْبَعِ، وَهُوَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ لِذِكْرِهِ الْإِبِلَ فِيهِ لَا الْمَعْنَى الْأَخِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَامُوسُ، لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا أُبِينَ مِنْ السَّمَكِ، وَلَوْ كَانَتْ ذَاتَ أَرْبَعٍ، أَوْ يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْأَوْسَطُ، وَهُوَ كُلُّ
стр. 32
١٤ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
حَيٍّ لَا يُمَيِّزُ فَيَخُصُّ مِنْهُ الْجَرَادَ وَالسَّمَكَ وَمَا أُبِينَ مِمَّا لَا دَمَ لَهُ.
وَقَدْ أَفَادَ قَوْلُهُ [فَهُوَ مَيِّتٌ] أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَحِلَّ الْمَقْطُوعُ الْحَيَاةَ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ هُوَ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ حَيًّا.
باب الآنية
الْآنِيَةُ: جَمْعُ إنَاءٍ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ وَإِنَّمَا بَوَّبَ لَهَا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ نَهَى عَنْ بَعْضِهَا، فَقَدْ تَعَلَّقَتْ بِهَا أَحْكَامٌ.
١٤ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
عَنْ " حُذَيْفَةَ " أَيْ أَرْوِي أَوْ أَذْكُرُ كَمَا سَلَفَ، وَ " حُذَيْفَةُ " بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَذَالٌ مُعْجَمَةٌ فَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ فَفَاءٌ، هُوَ: " أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ " بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ آخِرُهُ نُونٌ، وَ " حُذَيْفَةُ " وَأَبُوهُ صَحَابِيَّانِ جَلِيلَانِ شَهِدَا أُحُدًا، وَ " حُذَيْفَةُ " صَاحِبُ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَمَاتَ بِالْمَدَائِنِ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، بَعْدَ قَتْلِ " عُثْمَانَ " بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا» جَمْعُ صَحْفَةٍ، قَالَ الْكَشَّافُ وَالْكِسَائِيُّ: الصَّحْفَةُ هِيَ مَا تُشْبِعُ الْخَمْسَةَ [فَإِنَّهَا] أَيْ آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَصِحَافَهُمَا [لَهُمْ] أَيْ لِلْمُشْرِكِينَ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرُوا فَهُمْ مَعْلُومُونَ [فِي الدُّنْيَا] إخْبَارٌ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ لَا إخْبَارٌ بِحِلِّهَا لَهُمْ [وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَصِحَافِهِمَا، سَوَاءٌ كَانَ الْإِنَاءُ خَالِصًا ذَهَبًا أَوْ مَخْلُوطًا بِالْفِضَّةِ إذْ هُوَ مِمَّا يَشْمَلُهُ أَنَّهُ إنَاءُ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيهِمَا.
وَاخْتُلِفَ فِي الْعِلَّةِ فَقِيلَ: لِلْخُيَلَاءِ، وَقِيلَ: بَلْ لِكَوْنِهِ ذَهَبًا وَفِضَّةً؛ وَاخْتَلَفُوا فِي الْإِنَاءِ الْمَطْلِيِّ بِهِمَا هَلْ يَلْحَقُ بِهِمَا فِي التَّحْرِيمِ أَوْ لَا؟ فَقِيلَ: إنْ كَانَ يُمْكِنُ فَصْلُهُمَا حَرُمَ
стр. 33
١٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الَّذِي يَشْرَبُ فِي إنَاءِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ فَصْلُهُمَا لَا يَحْرُمُ. وَأَمَّا الْإِنَاءُ الْمُضَبَّبُ بِهِمَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ فِيهِ إجْمَاعًا، وَهَذَا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيمَا ذُكِرَ لَا خِلَافَ فِيهِ.
فَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ سَائِرِ الِاسْتِعْمَالَاتِ فَفِيهِ الْخِلَافُ. قِيلَ: لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ إلَّا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. وَقِيلَ يَحْرُمُ سَائِرُ الِاسْتِعْمَالَاتِ إجْمَاعًا؛ وَنَازَعَ فِي الْأَخِيرِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَالَ: النَّصُّ وَرَدَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لَا غَيْرُ، وَإِلْحَاقُ سَائِرِ الِاسْتِعْمَالَاتِ بِهِمَا قِيَاسًا لَا تَتِمُّ فِيهِ شَرَائِطُ الْقِيَاسِ.
وَالْحَقُّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَائِلُ بِعَدَمِ تَحْرِيمِ غَيْرِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيهِمَا، إذْ هُوَ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ، وَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَهَذَا مِنْ شُؤْمِ تَبْدِيلِ اللَّفْظِ النَّبَوِيِّ بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ وَرَدَ بِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَقَطْ فَعَدَلُوا عَنْ عِبَارَتِهِ إلَى الِاسْتِعْمَالِ، وَهَجَرُوا الْعِبَارَةَ النَّبَوِيَّةَ، وَجَاءُوا بِلَفْظٍ عَامٍّ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ وَلَهَا نَظَائِرُ فِي عِبَارَاتِهِمْ، وَلِهَذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَا لِإِفَادَةِ تَحْرِيمِ الْوُضُوءِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُمَا عَلَى مَذْهَبِهِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَبَابُ هَذَا الْحَدِيثِ بَابُ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ، ثُمَّ هَلْ يَلْحَقُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ نَفَائِسُ الْأَحْجَارِ كَالْيَاقُوتِ وَالْجَوَاهِرِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَظْهَرُ عَدَمُ إلْحَاقِهِ، وَجَوَازُهُ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، لِعَدَمِ الدَّلِيلِ النَّاقِلِ عَنْهَا.
١٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الَّذِي يَشْرَبُ فِي إنَاءِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ " أُمِّ سَلَمَةَ " هِيَ " أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ، اسْمُهَا " هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ "، كَانَتْ تَحْتَ " أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ " هَاجَرَتْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مَعَ زَوْجِهَا، وَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ عَوْدَتِهِمَا مِنْ الْحَبَشَةِ، وَتَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَتُوُفِّيَتْ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، وَعُمْرُهَا أَرْبَعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً. [قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الَّذِي يَشْرَبُ فِي إنَاءِ الْفِضَّةِ] هَكَذَا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَانْفَرَدَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِقَوْلِهِ [فِي إنَاءِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ] إنَّمَا [يُجَرْجِرُ] بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَجِيمٍ فَرَاءٍ وَجِيمٍ مَكْسُورَةٍ.
وَالْجَرْجَرَةُ صَوْتُ وُقُوعِ الْمَاءِ فِي الْجَوْفِ، وَصَوْتُ الْبَعِيرِ عِنْدَ الْجَرَّةِ، جَعَلَ الشُّرْبَ وَالْجَرْعَ جَرْجَرَةً [فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرْوَى بِرَفْعِ النَّارِ عَلَى أَنَّهَا فَاعِلٌ مَجَازًا، وَإِلَّا فَنَارُ جَهَنَّمَ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا تُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ، إنَّمَا جَعَلَ جَرْعَ الْإِنْسَانِ لِلْمَاءِ فِي هَذِهِ الْأَوَانِي الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَاسْتِحْقَاقَ الْعِقَابِ عَلَى اسْتِعْمَالِهَا، كَجَرْجَرَةِ نَارِ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِهِ مَجَازًا، هَكَذَا عَلَى رِوَايَةِ الرَّفْعِ. وَذُكِّرَ الْفِعْلُ
стр. 34
١٦ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ - وَعِنْدَ الْأَرْبَعَةِ " أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ "
يَعْنِي (يُجَرْجِرُ) وَإِنْ كَانَ فَاعِلُهُ النَّارَ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، لِلْفَصْلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ فِعْلِهَا، وَلِأَنَّ تَأْنِيثَهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى نَصْبِ نَارِ جَهَنَّمَ، وَفَاعِلُ الْجَرْجَرَةِ هُوَ الشَّارِبُ، وَالنَّارُ مَفْعُولُهُ، وَالْمَعْنَى: كَأَنَّمَا يُجَرَّعُ نَارَ جَهَنَّمَ مِنْ بَابِ ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالنَّصْبُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّارِحُونَ، وَأَهْلُ الْعُرْفِ، وَاللُّغَةِ وَجَزَمَ بِهِ الْأَزْهَرِيُّ وَجَهَنَّمَ عَجَمِيَّةٌ لَا تَنْصَرِفُ لِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ، إذْ هِيَ عَلَمٌ لِطَبَقَةٍ مِنْ طَبَقَاتِ النَّارِ - أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا - سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِبُعْدِ قَعْرِهَا، وَقِيلَ لِغِلَظِ أَمْرِهَا فِي الْعِقَابِ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ " حُذَيْفَةَ " الْأَوَّلُ.
[وَعَنْ " ابْنِ عَبَّاسٍ " ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ بِزِنَةِ كِتَابٍ، هُوَ: الْجِلْدُ. أَوْ مَا لَمْ يُدْبَغْ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَمِثْلُهُ فِي النِّهَايَةِ [فَقَدْ طَهُرَ] بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْهَاءِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا كَمَا يُفِيدُهُ الْقَامُوسِ، أَخْرَجَهُ " مُسْلِمٌ " بِهَذَا اللَّفْظِ عِنْدَ الْأَرْبَعَةِ وَهُمْ أَهْلُ السُّنَنِ: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ تَمَامُهُ فَقَدْ طَهُرَ» وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إنَّمَا اخْتَلَفَ لَفْظُهُ، وَقَدْ رُوِيَ بِأَلْفَاظٍ. وَذُكِرَ لَهُ سَبَبٌ وَهُوَ «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ لِمَيْمُونَةَ فَقَالَ: أَلَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا فَإِنَّ دِبَاغَ الْأَدِيمِ طَهُورٌ» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ " سَوْدَةَ " قَالَتْ: «مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مِسْكَهَا ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْتَبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا».
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الدِّبَاغَ مُطَهِّرٌ لِجِلْدِ مَيْتَةِ كُلِّ حَيَوَانٍ، كَمَا يُفِيدُهُ عُمُومُ كَلِمَةِ " أَيُّمَا " وَأَنَّهُ يَطْهُرُ بَاطِنُهُ وَظَاهِرُهُ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ:
(الْأَوَّلُ) أَنَّ الدِّبَاغَ يُطَهِّرُ جِلْدَ الْمَيْتَةِ بَاطِنَهُ وَظَاهِرَهُ وَلَا يُخَصُّ مِنْهُ شَيْءٌ، عَمَلًا بِظَاهِرِ حَدِيثِ " ابْنِ عَبَّاسٍ " وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ وَابْنِ مَسْعُودٍ.
(الثَّانِي) مِنْ الْأَقْوَالِ: أَنَّهُ لَا يُطَهِّرُ
стр. 35
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدِّبَاغُ شَيْئًا، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْهَادَوِيَّةِ. وَيُرْوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ الشَّافِعِيِّ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: «أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ أَلَّا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد: [قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ]. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ، وَكَانَ أَحْمَدُ يَذْهَبُ إلَيْهِ، وَيَقُولُ: هَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ ثُمَّ تَرَكَهُ، قَالُوا: أَيْ الْهَادَوِيَّةُ وَهَذَا الْحَدِيثُ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِدَلَالَتِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الِانْتِفَاعِ مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابِهَا وَعَصَبِهَا.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ:
(الْأَوَّلُ): أَنَّهُ حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ فِي سَنَدِهِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَتَارَةً عَنْ مَشَايِخَ مِنْ جُهَيْنَةَ عَمَّنْ قَرَأَ كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمُضْطَرِبٌ أَيْضًا فِي مَتْنِهِ، فَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ فِي رِوَايَةِ الْأَكْلِ، وَرُوِيَ بِالتَّقْيِيدِ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ إنَّهُ مُعَلٌّ أَيْضًا بِالْإِرْسَالِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ " مِنْهُ ﷺ ، وَمُعَلٌّ بِالِانْقِطَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ " عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى " مِنْ " ابْنِ عُكَيْمٍ "، وَلِذَلِكَ تَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الْقَوْلَ بِهِ آخِرًا، وَكَانَ يَذْهَبُ إلَيْهِ أَوَّلًا كَمَا قَالَ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَ (ثَانِيًا): بِأَنَّهُ لَا يَقْوَى عَلَى النَّسْخِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الدِّبَاغِ أَصَحُّ؛ فَإِنَّهُ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَرُوِيَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ فِي مَعْنَاهُ عِدَّةُ أَحَادِيثَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثَانِ، وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ثَلَاثَةٌ، وَعَنْ أَنَسٍ حَدِيثَانِ، وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ وَعَائِشَةَ وَالْمُغِيرَةِ وَأَبِي أُمَامَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِأَنَّ النَّاسِخَ لَا بُدَّ مِنْ تَحْقِيقِ تَأَخُّرِهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى تَأَخُّرِ حَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ، وَرِوَايَةُ التَّارِيخِ فِيهِ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ مُعَلَّةٌ، فَلَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ عَلَى النَّسْخِ، عَلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ رِوَايَةُ التَّارِيخِ صَحِيحَةً مَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ جَزْمًا، وَلَا يُقَالُ: فَإِذَا لَمْ يَتِمَّ النَّسْخُ تَعَارَضَ الْحَدِيثَانِ، حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ مَعَهُ، وَمَعَ التَّعَارُضِ يُرْجَعُ إلَى التَّرْجِيحِ أَوْ الْوَقْفِ،؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا تَعَارُضَ إلَّا مَعَ الِاسْتِوَاءِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ كَمَا عَرَفْت مِنْ صِحَّةِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَثْرَةِ مَنْ مَعَهُ مِنْ الرُّوَاةِ، وَعَدَمِ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ.
وَ (ثَالِثًا): بِأَنَّ الْإِهَابَ كَمَا عَرَفْت عَنْ الْقَامُوسِ وَالنِّهَايَةِ اسْمٌ لِمَا يُدْبَغُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ الْإِهَابُ لِمَا لَمْ يُدْبَغْ، وَبَعْدَ الدَّبْغِ يُقَالُ لَهُ شِنٌّ وَقِرْبَةٌ، وَبِهِ جَزَمَ الْجَوْهَرِيُّ قِيلَ: فَلَمَّا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ وَرَدَ الْحَدِيثَانِ فِي صُورَةِ الْمُتَعَارِضَيْنِ، جَمَعْنَا بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِالْإِهَابِ مَا لَمْ يُدْبَغْ، فَإِذَا دُبِغَ لَمْ يُسَمَّ إهَابًا، فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ، وَهُوَ حَسَنٌ.
(الثَّالِثُ): يُطَهِّرُ جِلْدَ مَيْتَةِ الْمَأْكُولِ لَا غَيْرَهُ. لَكِنْ يَرُدُّهُ عُمُومُ [أَيُّمَا إهَابٍ].
(الرَّابِعُ): يُطَهِّرُ الْجَمِيعَ إلَّا الْخِنْزِيرَ، فَإِنَّهُ لَا جِلْدَ لَهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
(الْخَامِسُ): يُطَهِّرُ إلَّا الْخِنْزِيرَ، لَكِنْ لَا لِكَوْنِهِ لَا جِلْدَ لَهُ بَلْ لِكَوْنِهِ رِجْسًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ وَالضَّمِيرُ
стр. 36
١٧ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «دِبَاغُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طَهُورُهَا» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
١٨ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ يَجُرُّونَهَا، فَقَالَ: لَوْ أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَقَالُوا: إنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
لِلْخِنْزِيرِ، فَقَدْ حُكِمَ بِرِجْسِيَّتِهِ كُلِّهِ، وَالْكَلْبُ مَقِيسٌ عَلَيْهِ بِجَامِعِ النَّجَاسَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
(السَّادِسُ): يُطَهِّرُ الْجَمِيعَ لَكِنَّ ظَاهِرَهُ دُونَ بَاطِنِهِ، فَيُسْتَعْمَلُ فِي الْيَابِسَاتِ دُونَ الْمَائِعَاتِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُصَلَّى فِيهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ جَمْعًا مِنْهُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ لَمَّا تَعَارَضَتْ.
(السَّابِعُ): يُنْتَفَعُ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ وَإِنْ لَمْ تُدْبَغْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، لِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ: هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟ قَالُوا: إنَّهَا مَيْتَةٌ، قَالَ: إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» وَهُوَ رَأْيُ الزُّهْرِيِّ، وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ مُطْلَقٌ قَيَّدَتْهُ أَحَادِيثُ الدِّبَاغِ الَّتِي سَلَفَتْ.
وَعَنْ " سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ " ﵁ هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ وَالْقَافِ، وَ " سَلَمَةُ " صَحَابِيٌّ يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ " سِنَانٌ "، وَلِسِنَانٍ أَيْضًا صُحْبَةٌ. [قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دِبَاغُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طَهُورُهَا» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْ أَخْرَجَهُ وَصَحَّحَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ غَيْرُ ابْنِ حِبَّانَ هَذَا الْحَدِيثَ لَكِنْ بِأَلْفَاظٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيِّ عَنْ " سَلَمَةَ " بِلَفْظِ «دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ» وَفِي لَفْظٍ «دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا» وَفِي آخَرَ «دِبَاغُهَا طَهُورُهَا» وَفِي لَفْظِ «ذَكَاتُهَا دِبَاغُهَا» وَفِي لَفْظٍ آخَرَ «ذَكَاةُ الْأَدِيمِ دِبَاغُهُ»
وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي تَشْبِيهِهِ الدِّبَاغَ بِالذَّكَاةِ إعْلَامٌ بِأَنَّ الدِّبَاغَ فِي التَّطْهِيرِ بِمَنْزِلَةِ تَذْكِيَةِ الشَّاةِ فِي الْإِحْلَالِ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ يُطَهِّرُهَا وَيُحِلُّ أَكْلَهَا.
١٨ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ يَجُرُّونَهَا، فَقَالَ: لَوْ أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَقَالُوا: إنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
وَعَنْ " مَيْمُونَةَ ﵂ هِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ " مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ " الْهِلَالِيَّةُ، كَانَ اسْمُهَا " بَرَّةَ "، فَسَمَّاهَا
стр. 37
١٩ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁، قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: لَا تَأْكُلُوا فِيهَا، إلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " مَيْمُونَةَ "، تَزَوَّجَهَا ﷺ فِي شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهَا سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ، وَقِيلَ: إحْدَى وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ سِتٍّ وَسِتِّينَ؛ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وَهِيَ خَالَةُ " ابْنِ عَبَّاسٍ "، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ ﷺ بَعْدَهَا. قَالَتْ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ يَجُرُّونَهَا فَقَالَ: لَوْ أَخَذْتُمْ إهَابَهَا؟ فَقَالُوا: إنَّهَا مَيْتَةٌ؟ فَقَالَ: يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَلَيْسَ فِي الْمَاءِ وَالْقَرَظِ مَا يُطَهِّرُهَا»
وَأَمَّا رِوَايَةُ «أَلَيْسَ فِي الشَّثِّ وَالْقَرَظِ مَا يُطَهِّرُهَا» فَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ بِهَذَا اللَّفْظِ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: يَجُوزُ الدِّبَاغُ بِكُلِّ شَيْءٍ يُنَشِّفُ فَضَلَاتِ الْجِلْدِ؛ وَيُطَيِّبُهُ وَيَمْنَعُ مِنْ وُرُودِ الْفَسَادِ عَلَيْهِ كَالشَّثِّ وَالْقَرَظِ وَقُشُورِ الرُّمَّانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الطَّاهِرَةِ، وَلَا يَحْصُلُ بِالشَّمْسِ إلَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلَا بِالتُّرَابِ؛ وَالرَّمَادِ، وَالْمِلْحِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَعَنْ " أَبِي ثَعْلَبَةَ " بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ فَلَامٌ مَفْتُوحَةٌ فَمُوَحَّدَةٌ " الْخُشَنِيُّ " ﵁ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَشِينٌ مُعْجَمَةٌ مَفْتُوحَةٌ فَنُونٌ نِسْبَةٌ إلَى " خُشَيْنِ بْنِ النَّمِرِ " مِنْ قُضَاعَةَ؛ حُذِفَتْ يَاؤُهُ عِنْدَ النِّسْبَةِ؛ وَاسْمُهُ " جُرْهُمٌ " بِضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ فَهَاءٌ مَضْمُومَةٌ، " ابْنُ نَاشِبٍ " بِالنُّونِ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ شِينٌ مُعْجَمَةٌ آخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ، اُشْتُهِرَ بِلَقَبِهِ، بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ بَيْعَةَ الرَّضْوَانِ، وَضُرِبَ لَهُ بِسَهْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَأَرْسَلَهُ إلَى قَوْمِهِ فَأَسْلَمُوا، نَزَلَ الشَّامَ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: لَا تَأْكُلُوا إلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ.
اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى نَجَاسَةِ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهَلْ هُوَ لِنَجَاسَةِ رُطُوبَتِهِمْ؛ أَوْ لِجَوَازِ أَكْلِهِمْ الْخِنْزِيرَ وَشُرْبِهِمْ الْخَمْرَ وَلِلْكَرَاهَةِ؟ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ الْقَائِلُونَ بِنَجَاسَةِ رُطُوبَةِ الْكُفَّارِ، وَهُمْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْقَاسِمِيَّةُ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى
стр. 38
٢٠ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وَالْكِتَابِيُّ يُسَمَّى مُشْرِكًا، إذْ قَدْ قَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ.
وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ كَالْمُؤَيَّدِ بِاَللَّهِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ إلَى طَهَارَةِ رُطُوبَتِهِمْ وَهُوَ الْحَقُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾. «وَلِأَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ»، وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد «وَكُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْقِيَتِهِمْ وَلَا يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْنَا».
وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا كَانَ بَعْدَ الِاسْتِيلَاءِ وَلَا كَلَامَ فِيهِ.
قُلْنَا: فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ غُنْيَةً عَنْهُ، فَمِنْهَا: مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﷺ دَعَاهُ يَهُودِيٌّ إلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةِ سَنَخَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا» بِفَتْحِ السِّينِ وَفَتْحِ النُّونِ الْمُعْجَمَةِ فَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ أَيْ مُتَغَيِّرَةٍ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: لَوْ حَرُمَتْ رُطُوبَتُهُمْ لَاسْتَفَاضَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ نَقْلُ تَوَقِّيهِمْ لَهَا لِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ حِينَئِذٍ مَعَ كَثْرَةِ اسْتِعْمَالَاتهمْ الَّتِي لَا يَخْلُو مِنْهَا مَلْبُوسٌ وَمَطْعُومٌ، وَالْعَادَةُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ تَقْضِي بِالِاسْتِفَاضَةِ قَالَ: وَحَدِيثُ " أَبِي ثَعْلَبَةَ " إمَّا مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ الْأَكْلِ فِي آنِيَتِهِمْ لِلِاسْتِقْذَارِ، لَا لِكَوْنِهَا نَجِسَةً، إذْ لَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَمْ يَجْعَلْهُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ وِجْدَانِ غَيْرِهَا، إذْ الْإِنَاءُ الْمُتَنَجِّسُ بَعْدَ إزَالَةِ نَجَاسَتِهِ هُوَ وَمَا لَمْ يَتَنَجَّسْ عَلَى سَوَاءٍ، أَوْ لِسَدِّ ذَرِيعَةِ الْمُحَرَّمِ، أَوْ لِأَنَّهَا نَجِسَةٌ لِمَا يُطْبَخُ فِيهَا لَا لِرُطُوبَتِهِمْ كَمَا تُفِيدُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد وَأَحْمَدَ بِلَفْظِ: «إنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمْ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمْ الْخَمْرَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا» الْحَدِيثَ.
وَحَدِيثُهُ الْأَوَّلُ مُطْلَقٌ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِآنِيَةٍ يُطْبَخُ فِيهَا مَا ذُكِرَ وَيُشْرَبُ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ فَالنَّجَسُ لُغَةً: الْمُسْتَقْذَرُ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: ذُو نَجَسٍ؛ لِأَنَّهُمْ مَعَهُمْ الشِّرْكُ الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّجَسِ، وَلِأَنَّهُمْ لَا يَتَطَهَّرُونَ وَلَا يَغْتَسِلُونَ وَلَا يَتَجَنَّبُونَ النَّجَاسَاتِ، فَهِيَ مُلَابِسَةٌ لَهُمْ، وَبِهَذَا يَتِمُّ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ آيَةِ الْمَائِدَةِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُوَافِقَةِ لِحُكْمِهَا؛ وَآيَةُ الْمَائِدَةِ أَصْرَحُ فِي الْمُرَادِ.
٢٠ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
стр. 39
٢١ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاِتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سَلْسَلَةً مِنْ فِضَّةٍ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ " عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ " بِالْمُهْمَلَتَيْنِ تَصْغِيرُ حِصْنٍ، وَ " عِمْرَانُ " هُوَ " أَبُو نُجَيْدٍ " بِالْجِيمِ تَصْغِيرُ نَجْدٍ، الْخُزَاعِيُّ الْكَعْبِيُّ، أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ، وَسَكَنَ الْبَصْرَةَ إلَى أَنْ مَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ» بِفَتْحِ الْمِيمِ بَعْدَهَا زَايٌ ثُمَّ أَلِفٌ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُهْمَلَةٌ، وَهِيَ الرَّاوِيَةُ وَلَا تَكُونُ إلَّا مِنْ جِلْدَيْنِ تُقَامُ بِثَالِثٍ بَيْنَهُمَا لِتَتَّسِعَ، كَمَا فِي الْقَامُوسِ [امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ] [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ [فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ]. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِأَلْفَاظٍ فِيهَا: «أَنَّهُ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا وَآخَرُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ﷺ ، وَقَدْ فَقَدَا الْمَاءَ، فَقَالَ: اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ، فَانْطَلَقَا، فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ، أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ، عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالَا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ، قَالَا: انْطَلِقِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . .. إلَى أَنْ قَالَ: وَدَعَا النَّبِيَّ ﷺ بِإِنَاءٍ فَفَرَغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ، أَوْ السَّطِيحَتَيْنِ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا، فَسُقِيَ مَنْ سُقِيَ، وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ» الْحَدِيثَ.
وَفِيهِ زِيَادَةٌ وَمُعْجِزَاتٌ نَبَوِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ مِنْ مَزَادَةِ الْمُشْرِكَةِ وَهُوَ دَلِيلٌ لِمَا سَلَفَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ " أَبِي ثَعْلَبَةَ " مِنْ طَهَارَةِ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى طَهُورِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ؛ لِأَنَّ الْمَزَادَتَيْنِ مِنْ جُلُودِ ذَبَائِحِ الْمُشْرِكِينَ وَذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةٌ، وَيَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ رُطُوبَةِ الْمُشْرِكِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الْمُشْرِكَةَ قَدْ بَاشَرَتْ الْمَاءَ وَهُوَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يَحْمِلُ الْجَمَلُ قَدْرَ الْقُلَّتَيْنِ.
وَمَنْ يَقُولُ: إنَّ رُطُوبَتَهُمْ نَجِسَةٌ، وَيَقُولُ: لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ مَا غَيَّرَهُ، فَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
[وَعَنْ " أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ " ﵁ أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ فَاِتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعَانٍ الْمُرَادُ مِنْهَا هُنَا الصَّدْعُ وَالشِّقُّ [سَلْسَلَةٌ مِنْ فِضَّةٍ] فِي الْقَامُوسِ سَلْسَلَةٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِ السِّينِ الثَّانِيَةِ، مِنْهَا إيصَالُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، أَوْ سِلْسِلَةٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ دَائِرٌ مِنْ حَدِيدٍ وَنَحْوِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلُ، فَيُقْرَأُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ]. وَهُوَ دَلِيلُ جَوَازِ تَضْبِيبِ الْإِنَاءِ بِالْفِضَّةِ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ كَمَا سَلَفَ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي وَاضِعِ " السَّلْسَلَةِ " فَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الَّذِي جَعَلَ السَّلْسَلَةَ هُوَ " أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ " وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَقَالَ أَيْضًا فِيهِ نَظَرٌ؛؛ لِأَنَّ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ «رَأَيْت
стр. 40
باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْخَمْرِ: تُتَّخَذُ خَلًّا؟ قَالَ: لَا» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَكَانَ قَدْ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ». وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إنَّهُ كَانَ فِيهِ حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ ": (لَا تُغَيِّرَنَّ شَيْئًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَرَكَهُ) هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.
وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ عَائِدًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إلَى أَنَسٍ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ، إلَّا أَنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ يَدُلُّ لِلْأَوَّلِ، وَأَنَّ الْقَدَحَ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قُلْت: وَالسِّلْسِلَةُ غَيْرُ الْحَلْقَةِ الَّتِي أَرَادَ " أَنَسٌ " تَغْيِيرَهَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: فَسَلْسَلَهُ، هُوَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَا ذَكَرَهُ.
(أَيْ بَيَانُ النَّجَاسَةِ وَمُطَهِّرَاتِهَا).
[عَنْ " أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ " ﵁ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْخَمْرِ أَيْ بَعْدَ تَحْرِيمِهَا تُتَّخَذُ خَلًّا، فَقَالَ: لَا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ
، فَسَّرَ الِاتِّخَاذَ بِالْعِلَاجِ لَهَا، وَقَدْ صَارَتْ خَمْرًا، وَمِثْلُهُ حَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ، فَإِنَّهَا «لَمَّا حُرِّمَتْ الْخَمْرُ سَأَلَ أَبُو طَلْحَةَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ خَمْرٍ عِنْدَهُ لِأَيْتَامٍ هَلْ يُخَلِّلُهَا؟ فَأَمَرَهُ بِإِرَاقَتِهَا» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَالْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ هُوَ رَأْيُ الْهَادَوِيَّةِ وَالشَّافِعِيِّ، لِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَوْ خَلَّلَهَا لَمْ تَحِلَّ، وَلَمْ تَطْهُرْ، وَظَاهِرُهُ بِأَيِّ عِلَاجٍ كَانَ، وَلَوْ بِنَقْلِهَا مِنْ الظِّلِّ إلَى الشَّمْسِ أَوْ عَكْسُهُ؛ وَقِيلَ: تَطْهُرُ وَتَحِلُّ.
وَأَمَّا إذَا تَخَلَّلَتْ بِنَفْسِهَا مِنْ دُونِ عِلَاجٍ فَإِنَّهَا طَاهِرَةٌ حَلَالٌ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ إنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ إنَّهَا لَا تَطْهُرُ وَإِنْ تَخَلَّلَتْ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ عِلَاجٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي خَلِّ الْخَمْرِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ:
(الْأَوَّلُ): أَنَّهَا إذَا تَخَلَّلَتْ الْخَمْرُ بِغَيْرِ قَصْدٍ حَلَّ خَلُّهَا، وَإِذَا خُلِّلَتْ بِالْقَصْدِ حَرُمَ خَلُّهَا.
(الثَّانِي): يَحْرُمُ كُلُّ خَلٍّ تَوَلَّدَ عَنْ خَمْرٍ مُطْلَقًا.
(الثَّالِثُ): أَنَّ الْخَلَّ حَلَالٌ مَعَ تَوَلُّدِهِ مِنْ الْخَمْرِ سَوَاءٌ قُصِدَ أَمْ لَا، إلَّا أَنَّ فَاعِلَهَا آثِمٌ إنْ تَرَكَهَا بَعْدَ أَنْ صَارَتْ خَمْرًا، عَاصٍ لِلَّهِ، مَجْرُوحُ الْعَدَالَةِ، لِعَدَمِ إرَاقَتِهِ لَهَا حَالَ خَمْرِيَّتِهَا، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ كَمَا دَلَّ لَهُ حَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ. لَكِنْ قَالَ فِي الشَّرْحِ: يَحِلُّ الْخَلُّ الْكَائِنُ عَنْ الْخَمْرَةِ فَإِنَّهُ خَلٌّ
следующие страницы →